الآية ١٨ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ١٨ من سورة الأنبياء

بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌۭ ۚ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( بل نقذف بالحق على الباطل ) أي : نبين الحق فيدحض الباطل; ولهذا قال : ( فيدمغه فإذا هو زاهق ) أي : ذاهب مضمحل ، ( ولكم الويل ) أي : أيها القائلون : لله ولد ، ( مما تصفون ) أي : تقولون وتفترون .

ثم أخبر تعالى عن عبودية الملائكة له ، ودأبهم في طاعته ليلا ونهارا

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ولكن ننـزل الحق من عندنا، وهو كتاب الله وتنـزيله على الكفر به وأهله، فيدمغه، يقول: فيهلكه كما يدمغ الرجل الرجل بأن يشجه على رأسه شجة تبلغ الدماغ، وإذا بلغت الشجة ذلك من المشجوج لم يكن له بعدها حياة.

وقوله ( فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) يقول: فإذا هو هالك مضمحلٌ.

كما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة ( فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) قال: هالك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) قال: ذاهب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) والحقّ كتاب الله القرآن، والباطل: إبليس، فيدمغه فإذا هو زاهق: أي ذاهب.

وقوله ( وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) يقول: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته، وقِيلكم إنه اتخذ زوجة وولدا، وفِريتكم عليه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، إلا أن بعضهم قال: معنى تصفون تكذبون.

وقال آخرون: معنى ذلك: تشركون، وذلك وإن اختلفت به الألفاظ فمتفقة معانيه؛ لأن من وصف الله بأن له صاحبة فقد كذب في وصفه إياه بذلك، وأشرك به، ووصفه بغير صفته، غير أن أولى العبارات أن يُعَبر بها عن معاني القرآن أقربها إلى فهم سامعيه.

* ذكر من قال ما قلنا في ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) أي تكذبون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ( وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) قال: تشركون وقوله عَمَّا يَصِفُونَ قال: يشركون قال: وقال مجاهد سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ قال: قولهَم الكذب في ذلك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : بل نقذف بالحق على الباطل القذف الرمي ؛ أي نرمي بالحق على الباطل .

فيدمغه أي يقهره ويهلكه .

وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ ، ومنه الدامغة .

والحق هنا القرآن ، والباطل الشيطان في قول مجاهد ؛ قال : وكل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان .

وقيل : الباطل كذبهم ووصفهم الله - عز وجل - بغير صفاته من الولد وغيره .

وقيل : أراد بالحق الحجة ، وبالباطل شبههم .

وقيل : الحق المواعظ ، والباطل المعاصي ؛ والمعنى متقارب .

والقرآن يتضمن الحجة والموعظة .

فإذا هو زاهق أي هالك وتالف ؛ قاله قتادة .

ولكم الويل أي العذاب في الآخرة بسبب وصفكم الله بما لا يجوز وصفه .

وقال ابن عباس : الويل واد في جهنم ؛ وقد تقدم .

مما تصفون أي مما تكذبون ؛ عن قتادة ومجاهد ؛ [ ص: 187 ] نظيره سيجزيهم وصفهم أي بكذبهم .

وقيل : مما تصفون الله به من المحال وهو اتخاذه سبحانه الولد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى، أنه تكفل بإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإن كل باطل قيل وجودل به، فإن الله ينزل من الحق والعلم والبيان، ما يدمغه، فيضمحل، ويتبين لكل أحد بطلانه { فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ْ} أي: مضمحل، فانٍ، وهذا عام في جميع المسائل الدينية، لا يورد مبطل، شبهة، عقلية ولا نقلية، في إحقاق باطل، أو رد حق، إلا وفي أدلة الله، من القواطع العقلية والنقلية، ما يذهب ذلك القول الباطل ويقمعه فإذا هو متبين بطلانه لكل أحد.

وهذا يتبين باستقراء المسائل، مسألة مسألة، فإنك تجدها كذلك، ثم قال: { وَلَكُمْ ْ} أيها الواصفون الله، بما لا يليق به، من اتخاذ الولد والصاحبة، ومن الأنداد والشركاء، حظكم من ذلك، ونصيبكم الذي تدركون به { الْوَيْلُ ْ} والندامة والخسران.ليس لكم مما قلتم فائدة، ولا يرجع عليكم بعائدة تؤملونها، وتعملون لأجلها، وتسعون في الوصول إليها، إلا عكس مقصودكم، وهو الخيبة والحرمان.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( بل ) أي دع ذلك الذي قالوا فإنه كذب وباطل ، ( نقذف ) نرمي ونسلط ، ( بالحق ) بالإيمان ، ( على الباطل ) على الكفر ، وقيل : الحق قول الله ، أنه لا ولد له ، والباطل قولهم اتخذ الله ولدا ، ( فيدمغه ) فيهلكه ، وأصل الدمغ : شج الرأس حتى يبلغ الدماغ ، ( فإذا هو زاهق ) ذاهب ، والمعنى : نبطل كذبهم بما نبين من الحق حتى يضمحل ويذهب ، ثم أوعدهم على كذبهم فقال : ( ولكم الويل ) يا معشر الكفار ، ( مما تصفون ) الله بما لا يليق به من الصاحبة والولد .

وقال مجاهد : مما تكذبون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«بل نقذف» نرمي «بالحق» الإيمان «على الباطل» الكفر «فيدمغه» يذهبه «فإذا هو زاهق» ذاهب، ودمغه في الأصل: أصاب دماغه بالضرب وهو مقتل «ولكم» يا كفار مكة «الويْل» العذاب الشديد «مما تصفون» الله به من الزوجة أو الولد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

بل نقذف بالحق ونبيِّنه، فيدحض الباطل، فإذا هو ذاهب مضمحل.

ولكم العذاب في الآخرة - أيها المشركون - مِن وَصْفكم ربكم بغير صفته اللائقة به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) إضراب عن إرادة اتخاذ اللهو ، وإثبات لما تقتضيه ذاته - تعالى - مما يخالف ذلك .والقذف : الرمى بسرعة .

والاسم القذاف - ككتاب - ، وهو سرعة السير ، ومنه قولهم : ناقة قذاف - بكسر القاف - إذا كانت متقدمة على غيرها فى السير .ويدمغه : أى ، يمحقه ويزيله ، قال القرطبى : وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ .أى : ليس من شأننا أن نتخذ لهوا ، وإنما الذى من شأننا وحكمتنا ، أن نلقى بالحق الذى أرسلنا به رسلنا ، على الباطل الذى تشبث به الفاسقون ( فَيَدْمَغُهُ ) أى : فيقهره ويهلكه ويزيله إزالة تامة .والتعبير القرآنى البليغ ، يرسم هذه السنة الإلهية فى صورة حسية متحركة حتى لكأنما الحق قذيفة تنطلق بسرعة فتهوى على الباطل فتشق أم رأسه ، فإذا هو زاهق زائل .قال الآلوسى : وفى إذا الفجائية ، والجملة الإسمية ، من الدلالة على كمال المسارعة فى الذهاب والبطلان مالا يخفى ، فكأنه زاهق من الأصل .وقوله - تعالى - : ( وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ ) وعيد شديد لأولئك الكافرين الذين نسبوا إلى الله - تعالى - مالا يليق به ، ووصفوه بأن له صاحبة وولدا ( سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً ) أى : ولكم - أيها الضالون المكذبون - الويل والهلاك ، من أجل وصفكم له - تعالى - بما لا يليق بشأنه الجليل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن فيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما بين إهلاك أهل القرية لأجل تكذيبهم اتبعه بما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً منه ومجازاة على ما فعلوا فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ ﴾ أي وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من العجائب والغرائب كما تسوى الجبابرة سقوفهم وفرشهم للهو واللعب، وإنما سويناهم لفوائد دينية ودنيوية أما الدينية فليتفكر المتفكرون فيها على ما قال تعالى: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض  ﴾ وأما الدنيوية فلما يتعلق بها من المنافع التي لا تعد ولا تحصى وهذا كقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا  ﴾ وقوله: ﴿ مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق  ﴾ .

والثاني: أن الغرض منه تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والرد على منكريه لأنه أظهر المعجزة عليه فإن كان محمد كاذباً كان إظهار المعجزة عليه من باب اللعب وذلك منفي عنه وإن كان صادقاً فهو المطلوب وحينئذ يفسد كل ما ذكروه من المطاعن.

المسألة الثانية: قال القاضي عبد الجبار: دلت الآية على أن اللعب ليس من قبله تعالى إذ لو كان كذلك لكان لاعباً فإن اللاعب في اللغة اسم لفاعل اللعب فنفى الاسم الموضوع للفعل يقتضي نفي الفعل.

والجواب: يبطل ذلك بمسألة الداعي عن ما مر غيره مرة أما قوله: ﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاتخذناه مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فاعلين ﴾ فاعلم أن قوله: ﴿ لاتخذناه مِن لَّدُنَّا ﴾ معناه من جهة قدرتنا.

وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن وقيل: المرأة وقيل من لدنا أي من الملائكة لا من الإنس رداً لمن قال بولادة المسيح وعزير فأما قوله تعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل ﴾ فاعلم أن قوله: ﴿ بَلِ ﴾ اضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه لذاته كأنه قال سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب بل من عادتنا وموجب حكمتنا أن نغلب اللعب بالجد وندحض الباطل بالحق، واستعار لذلك القذف والدمغ تصويراً لإبطاله فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلاً قذف به على جرم رخو فدمغه، فأما قوله تعالى: ﴿ وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ يعني من تمسك بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ونسب القرآن إلى أنه سحر وأضغاث أحلام إلى غير ذلك من الأباطيل، وهو الذي عناه بقوله: ﴿ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بَلْ ﴾ إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب، وتنزيه منه لذاته، كأنه قال: سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب، بل من عادتنا وموجب حكمتنا واستغنائنا عن القبيح أن نغلب اللعب بالجد، وندحض الباطل بالحق.

واستعار لذلك القذف والدمغ، تصويراً لإبطاله وإهداره ومحقه فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلاً، قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه، ثم قال: ﴿ وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ ه به مما لا يجوز عليه وعلى حكمته.

وقرئ: ﴿ فيدمغه ﴾ بالنصب، وهو في ضعف قوله: سَأَتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ ** وَأَلْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا <div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ ﴾ إضْرابٌ عَنِ اتِّخاذِ اللَّهْوِ وتَنْزِيهٌ لِذاتِهِ عَنِ اللَّعِبِ أيْ بَلْ مِن شَأْنِنا أنْ نُغَلِّبَ الحَقَّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الجِدُّ عَلى الباطِلِ الَّذِي مِن عِدادِهِ اللَّهْوُ.

﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ فَيَمْحَقُهُ، وإنَّما اسْتَعارَ لِذَلِكَ القَذْفَ وهو الرَّمْيُ البَعِيدُ المُسْتَلْزِمُ لِصَلابَةِ المَرْمى، والدَّمْغَ الَّذِي هو كَسْرُ الدِّماغِ بِحَيْثُ يُشَقُّ غِشاؤُهُ المُؤَدِّي إلى زَهُوقِ الرُّوحِ تَصْوِيرًا لِإبْطالِهِ بِهِ ومُبالَغَةً فِيهِ، وقُرِئَ «فَيَدْمَغَهُ» بِالنَّصْبِ كَقَوْلِهِ: سَأتْرُكُ مَنزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ.

.

.

وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا وَوَجْهُهُ مَعَ بَعْدِهِ الحَمْلُ عَلى المَعْنى والعَطْفُ عَلى «الحَقِّ» .

﴿ فَإذا هو زاهِقٌ ﴾ هالِكٌ والزُّهُوقُ ذَهابُ الرُّوحِ وذَكَرَهُ لِتَرْشِيحِ المَجازِ.

﴿ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ ﴾ مِمّا تَصِفُونَهُ بِهِ مِمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{بَلْ نَقْذِفُ} بل إضراب عن اتخاذ اللهو وتنزيه منه لذاته كأنه قال سبحاننا أن نتخذ اللهو بل من سنتنا أن نقذف أي نرمي ونسلط {بالحق} بالقرآن {عَلَى الباطل} الشيطان أو بالإسلام على الشرك أو بالجد على اللعب {فَيَدْمَغُهُ} فيكسره ويدحض الحق الباطل

الأنبياء (٢٣ - ١٨)

وهذه استعارة لطيفة لأن أصل استعمال القذف والدمغ في الاجسام ثم استيعر القذف لإيراد الحق على الباطل والدمغ لإذهاب الباطل فالمستعار منه حتى والمستعار له عقلي فكأنه قيل بل نورد الحق الشبيه بالجسم القوي على الباطل الشبيه بالجسم الضعيف فيبطله إبطال الجسم القوي الضعيف {فَإِذَا هُوَ} أي الباطل {زَاهِقٌ} هالك ذاهب {وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ} الله به من الولد ونحوه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ ﴾ إضْرابٌ عَنِ اتِّخاذِ اللَّهْوِ واللَّعِبِ بَلْ عَنْ إرادَةِ الِاتِّخاذِ كَأنَّهُ قِيلَ لَكِنّا لا نُرِيدُهُ بَلْ شَأْنُنا أنْ نُغَلِّبَ الحَقَّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الجِدُّ عَلى الباطِلِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ اللَّهْوُ، وتَخْصِيصُ هَذا الشَّأْنِ مِن بَيْنِ سائِرِ شُؤُونِهِ تَعالى بِالذِّكْرِ لِلتَّخَلُّصِ لِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الوَعِيدِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الحَقَّ القُرْآنُ والباطِلَ الشَّيْطانُ، وقِيلَ الحَقُّ الحُجَّةُ والباطِلُ شَبَهُهم ووَصْفُهُمُ اللَّهَ تَعالى بِغَيْرِ صِفاتِهِ مِنَ الوَلَدِ وغَيْرِهِ، والعُمُومُ هو الأوْلى، وأصْلُ القَذْفِ الرَّمْيُ البَعِيدُ كَما قالَ الرّاغِبُ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِصَلابَةِ الرَّمْيِ وقَدِ اسْتُعِيرَ لِلْإيرادِ أيْ نُورِدُ الحَقَّ عَلى الباطِلِ.

﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ أيْ يَمْحَقُهُ بِالكُلِّيَّةِ كَما فَعَلْنا بِأهْلِ القُرى المُحْكَمَةِ، وأصْلُ الدَّمْغِ كَسْرُ الشَّيْءِ الرَّخْوِ الأجْوَفِ وقَدِ اسْتُعِيرَ لِلْمَحْقِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَمْثِيلٌ لِغَلَبَةِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ حَتّى يُذْهِبَهُ بِرَمْيِ جِرْمٍ صُلْبٍ عَلى رَأْسِ دِماغِهِ رَخْوٍ لِيَشُقَّهُ، وفِيهِ إيماءٌ إلى عُلُوِّ الحَقِّ وتَسَفُّلِ الباطِلِ وأنَّ جانِبَ الأوَّلِ باقٍ والثّانِي فانٍ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً بِتَشْبِيهِ الحَقِّ بِشَيْءٍ صُلْبٍ يَجِيءُ مِن مَكانٍ عالٍ والباطِلِ بِجِرْمٍ رَخْوٍ أجْوَفَ سافِلٍ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِالتَّمْثِيلِ أمْثَلُ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (فَيَدْمَغَهُ ) بِالنَّصْبِ، وضَعُفَ بِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ إنَّما يَنْتَصِبُ بِإضْمارِ أنْ لا بِالفاءِ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ في جَوابِ الأشْياءِ السِّتَّةِ وما هُنا لَيْسَ مِنها ولَمْ يُرَ مِثْلُهُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: سَأتْرُكُ مَنزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ في هَذا إنَّ أسْتَرِيحا لَيْسَ مَنصُوبًا بَلْ مَرْفُوعٌ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ بِالألِفِ، ووُجِّهَ بِأنَّ النَّصْبَ في جَوابِ المُضارِعِ المُسْتَقْبَلِ وهو يُشْبِهُ التَّمَنِّيَ في التَّرَقُّبِ، ولا يَخْفى أنَّ المَعْنى في الآيَةِ لَيْسَ عَلى خُصُوصِ المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ قالُوا إنَّ هَذا التَّوْجِيهَ في البَيْتِ ضَعِيفٌ فَيَكُونُ ما في الآيَةِ أضْعَفَ مِنهُ مَأْخَذًا والعَطْفُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى الحَقِّ عِنْدَ أبِي البَقاءِ، والمَعْنى بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ فَنَدْمَغُهُ عَلى الباطِلِ أيْ نَرْمِي بِالحَقِّ فَإبْطالُهُ بِهِ.

وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّهُ لَوْ جُعِلَ مِن قَبِيلِ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا صَحَّ، واسْتُظْهِرَ أنَّ العَطْفَ عَلى المَعْنى أيْ نَفْعَلُ القَذْفَ فالدَّمْغَ، وقُرِئَ (فَيَدْمُغُهُ ) بِضَمِّ المِيمِ والغَيْنِ ﴿ فَإذا هو زاهِقٌ ﴾ أيْ ذاهِبٌ بِالكُلِّيَّةِ وفي إذا الفُجائِيَّةِ والجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ المُسارَعَةِ في الذَّهابِ والبُطْلانِ ما لا يَخْفى فَكَأنَّهُ زاهِقٌ مِنَ الأصْلِ.

﴿ ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ ﴾ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ أوْ لِجَمِيعِ الكُفّارِ مِنَ العَرَبِ بِأنَّ لَهم أيْضًا مِثْلَ ما لِأُولَئِكَ مِنَ العَذابِ والعِقابِ، وما تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الوَيْلِ عَلى مَذْهَبِ بَعْضِهِمْ أوْ مِن ضَمِيرِهِ المُسْتَتِرِ في الخَبَرِ، وما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ أيْ ومُسْتَقِرٌّ لَكُمُ الوَيْلُ والهَلاكُ مِن أجْلِ وصْفِكم لَهُ تَعالى بِما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ تَعالى شَأْنُهُ أوْ بِالَّذِي تَصِفُونَهُ أوْ بِشَيْءٍ تَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الوَلَدِ ونَحْوِهِ أوْ كائِنًا مِمّا تَصِفُونَهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ، وكَوْنُ الخِطابِ لِمَن سَمِعْتَ مِمّا لا خَفاءَ فِيهِ ولا بُعْدَ، وأبْعَدُ كُلَّ البُعْدِ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ لِأهْلِ القُرى عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ ﴾ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ، يعني: نرمي بالحق عَلَى الْباطِلِ، ومعناه: نبيِّن الحق من الباطل.

فَيَدْمَغُهُ، أي: يبطله ويضمحل به.

ويقال: يكسره.

وقال أهل الله: أصل هذا إصابة الرأس والدماغ بالضرب وهو مقتل.

فَإِذا هُوَ زاهِقٌ، يعني: هالكا، ويقال: زاهق، أي: زائل ذاهب.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: في الآية دليل أن النكتة إذا قابلتها نكتة أخرى على ضدها، سقط الاحتجاج بها، لأنها لو كانت صحيحة ما عارضها غيرها، لأن الحق لا يعارضه الباطل، ولكن يغلب عليه فيدمغه.

ثم قال: وَلَكُمُ الْوَيْلُ، يعني: الشدة: من العذاب وهم النصارى.

مِمَّا تَصِفُونَ، يعني: تقولون من الكذب على الله عز وجل.

قوله عز وجل: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق.

وَمَنْ عِنْدَهُ من الملائكة لاَ يَسْتَكْبِرُونَ، يعني: لا يتعظمون عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يعني لا يعيون يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لاَ يَفْتُرُونَ لا يملّون ولا يستريحون وقال أهل اللغة: الحسير المنقطع الواقف إعياء.

روي عن عبد الله بن الحارث أنه قال: قلت لكعب الأحبار أرأيت قوله: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لاَ يَفْتُرُونَ.

أما شغلهم رسالة، أما شغلهم عمل؟

فقال لي: ممن أنت؟

فقلت من بني عبد المطلب.

فضمني إليه فقال: «يا ابن أخي إنه جعل لهم التسبيح كما جعل لنا التنفّس ألست تأكل وتشرب وتذهب وتجيء وأنت تتنفس؟

كذلك جعل لهم التسبيح» .

ثم قال عز وجل: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً؟

الميم صلة معناه: أعبدوا من دونه آلهةً؟

ويقال: بل عبدوا آلهة.

مِنَ الْأَرْضِ، يعني: اتخذوها من الأرض ويقال: من الأرض، أي: في الأرض.

هُمْ يُنْشِرُونَ، يعني: هل يحيون تلك الآلهة شيئا، وقرئ أيضاً يُنْشِرُونَ بضم الياء ونصب الشين يعني: هل يحيون أبداً لا يموتون.

ثم قال: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ يعني: لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله، لَفَسَدَتا يعني: لخربت السموات والأرض ولهلك أهلها، يعني: أن التدبير لم يكن مستوياً.

ثم نزه نفسه عن الشريك فقال: فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ يعني: عما يقولون من الكذب.

قوله عز وجل: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، يعني: لا يسأل عما يحكم في خلقه من المغفرة والعقوبة، لأنه عادل ليس بجائر.

وَهُمْ يُسْئَلُونَ، عما يفعلون بعضهم ببعض، لأنهم يجورون ولا يعدلون، ومعناه: لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ على وجه الاحتجاج عليه، ولكن يسأل عن معنى الاستكشاف والبيان، كقوله عز وجل: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى [طه: 125] .

وروي عن مجاهد أنه قال: لا يسأل عن قضائه وقدره، وهم يسألون عن أعمالهم، ويقال: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لأنه ليس فوقه أحد، وَهُمْ يُسْئَلُونَ لأنهم مملوكون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وهذا كُلَّهُ مَرْوِيٌّ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ: لاَ تَرْكُضُوا إلى آخر الآية.

مِنْ كلامِ ملائِكَةِ العذابِ على جِهَةِ الهُزْءِ بِهم.

وقوله: حَصِيداً أي: بالعذاب كحصيدِ الزَّرْعِ بالمِنْجَلِ، وخامِدِينَ أي: موتى مُشَبَّهينَ بالنارِ إذا طفئت، ثم وَعَظَ سبحانه السَّامِعِينَ بقوله: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ.

لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠)

وقوله سبحانه: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً الآية: ظاهِرُ الآية: الرَّدُّ على مَنْ قال من الكُفَّارِ في أَمْرِ مريمَ- عليها السلام-، وما ضَارَعَهُ من الكُفْرِ تعالى الله عن قَوْلِ المُبْطِلِينَ و «إن» في قوله: إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ يُحْتَمَلُ أَنْ تكونَ شرطيةً، ويحتمل أَنْ تكونَ نافِيَةً بمعنى:

ما كُنَّا فاعلين، وكُلُّ هذا قد قيل، و «الحَقَّ» عام في القرآن والرسالة والشَّرْعِ، وكُلِّ ما هو حَقًّ، فَيَدْمَغُهُ معناه: يُصِيبُ دِمَاغَهُ، وذلك مُهْلِكٌ في البشر فكذلك الحقّ يهلك الباطل، والْوَيْلُ: الخِزْيُ.

وقيل: هو اسمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وَأَنه المُرَاد في هذه الآية، وهذه مُخَاطَبَةٌ للكفّار الذين وصفوا الله عز وجل بما لا يجوزُ عليه تعالى اللَّه عن قولهم.

وقوله: وَمَنْ عِنْدَهُ ...

الآية: عند هنا ليست في المسافات، وإنما هي تشريفٌ في المنزلة.

وَلا يَسْتَحْسِرُونَ أي: لا يكلون، والحسير من الإبل: المعِييُ.

وقوله: لاَ يَفْتُرُونَ وفي «الترمذي» عن أبي ذَرِّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إلاَّ وَمَلُكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِداً للَّهِ» «٢» الحديث.

قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، وفي الباب عن عَائِشَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأَنَسٍ، انتهى من أصل الترمذي، أعني:

«جامعه» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ ؛ أيْ: لَمْ نَخْلُقْ ذَلِكَ عَبَثًا، إنَّما خَلَقْناهُما دَلالَةً عَلى قُدْرَتِنا ووَحْدانِيَّتِنا، لِيَعْتَبِرَ النّاسُ بِخَلْقِهِ، فَيَعْلَمُوا أنَّ العِبادَةَ لا تَصْلُحُ إلّا لِخالِقِهِ، لِنُجازِيَ أوْلِياءَنا ونُعَذِّبَ أعْداءَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والآلِهَةُ بَناتُهُ، نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ نَصارى نَجْرانَ قالُوا: إنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي المُرادِ بِاللَّهْوِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الوَلَدُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ ولَدًا ذا لَهْوٍ نُلْهى بِهِ.

والثّانِي: المَرْأةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: اللَّعِبُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لاتَّخَذْنا نِساءً، أوْ ولَدًا مِن أهْلِ السَّماءِ، لا مِن أهْلِ الأرْضِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصِلُ اللَّهْوِ: الجِماعُ، فَكُنِّيَ عَنْهُ بِاللَّهْوِ كَما كُنِّيَ عَنْهُ بِالسِّرِّ، والمَعْنى: لَوْ فَعَلْنا ذَلِكَ لاتَّخَذَناهُ مِن عِنْدِنا؛ لِأنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّ ولَدَ الرَّجُلِ وزَوْجَتَهُ يَكُونانِ عِنْدَهُ لا عِنْدَ غَيْرِهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ " إنْ " بِمَعْنى ( ما )، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الشَّرْطِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: إنْ كُنّا نَفْعَلُ ذَلِكَ، ولَسْنا مِمَّنْ يَفْعَلُهُ، قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، والثّانِي قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ، وهم يَسْتَجِيدُونَ القَوْلَ الأوَّلَ أيْضًا؛ لِأنَّ " إنْ " تَكُونُ في مَوْضِعِ النَّفْيِ، إلّا أنَّ أكْثَرَ ما تَأْتِي مَعَ اللّامِ، تَقُولُ: إنْ كُنْتَ لَصالِحًا، مَعْناهُ: ما كُنْتَ إلّا صالِحًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ ﴾ ؛ أيْ: دَعْ ذاكَ الَّذِي قالُوا فَإنَّهُ باطِلٌ، ﴿ نَقْذِفُ بِالحَقِّ ﴾ ؛ أيْ: نُسَلِّطُ الحَقَّ وهو القُرْآنُ، ﴿ عَلى الباطِلِ ﴾ وهو كَذِبُهم، ﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَكْسِرُهُ، وأصْلُ هَذا إصابَةُ الدِّماغِ بِالضَّرْبِ، وهو مَقْتَلٌ.

﴿ فَإذا هو زاهِقٌ ﴾ ؛ أيْ: زائِلٌ ذاهِبٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنّا نُبْطِلُ كَذِبَهم بِما نُبَيِّنُ مِنَ الحَقِّ حَتّى يَضْمَحِلَّ، ﴿ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ ﴾ ؛ أيْ: مِن وصْفِكُمُ اللَّهَ بِما لا يَجُوزُ، ﴿ وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَعْنِي: هم عَبِيدُهُ ومُلْكُهُ، ﴿ وَمَن عِنْدَهُ ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَرْجِعُونَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا يَنْقَطِعُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَعْيَوْنَ، والحَسْرُ: المُنْقَطِعُ الواقِفُ إعْياءً وكَلالًا.

والثّالِثُ: لا يَمَلُّونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَفْتُرُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: لا يَسْأمُونَ.

وسُئِلَ كَعْبٌ: أما يَشْغَلُهم شَأْنٌ ؟

أما تَشْغَلُهم حاجَةٌ ؟!

فَقالَ لِلسّائِلِ: يابْنَ أخِي؛ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ كَما جُعِلَ لَكُمُ النَّفَسُ، ألَسْتَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، وتَقُومُ وتَجْلِسُ، وتَجِيءُ وتَذْهَبُ، وتَتَكَلَّمُ وأنْتَ تَتَنَفَّسُ ؟

فَكَذَلِكَ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى عادَ إلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ ﴾ ؛ لِأنَّ أصْنامَهم مِنَ الأرْضِ هي، سَواءٌ كانَتْ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، أوْ خَشَبٍ أوْ حِجارَةٍ، ﴿ هُمْ ﴾ يَعْنِي: الآلِهَةُ، ﴿ يُنْشِرُونَ ﴾ ؛ أيْ: يُحْيُونَ المَوْتى.

وقَرَأ الحَسَنُ: ( يَنْشُرُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِّينِ.

وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الجَحْدِ، والمَعْنى: ما اتَّخَذُوا آلِهَةً تَنْشُرُ مَيِّتًا.

﴿ لَوْ كانَ فِيهِما ﴾ يَعْنِي: السَّماءَ والأرْضَ، ﴿ آلِهَةً ﴾ يَعْنِي: مَعْبُودِينَ، ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: سِوى اللَّهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: غَيْرُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَفَسَدَتا ﴾ ؛ أيْ: لَخَرَبَتا وبَطَلَتا، وهَلَكَ مَن فِيهِما؛ لِوُجُودِ التَّمانُعِ بَيْنَ الآلِهَةِ، فَلا يَجْرِي أمْرُ العالَمِ عَلى النِّظامِ؛ لِأنَّ كُلَّ أمْرٍ صَدَرَ عَنِ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الخِلافِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ﴾ ؛ أيْ: عَمّا يَحْكُمُ في عِبادِهِ مِن هَدْيٍ وإضْلالٍ، وإعْزازٍ وإذْلالٍ؛ لِأنَّهُ المالِكُ لِلْخَلْقِ، والخَلْقُ يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهم عَبِيدٌ يَجِبُ عَلَيْهِمُ امْتِثالُ أمْرِ مَوْلاهم.

ولَمّا أبْطَلَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَكُونَ إلَهٌ سِواهُ مِن حَيْثُ العَقْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَفَسَدَتا ﴾ ، أبْطَلَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ الأمْرِ، فَقالَ: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ.

﴿ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ عَلى ما تَقُولُونَ، ﴿ هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنُ خَبَرُ مَن مَعِي عَلى دِينِي مِمَّنْ يَتَّبِعُنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بِما لَهم مِنَ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، والعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ.

﴿ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ يَعْنِي: الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ، والمَعْنى: هَذا القُرْآنُ وهَذِهِ الكُتُبُ الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَهُ، فانْظُرُوا هَلْ في واحِدٍ مِنها أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِاتِّخاذِ إلَهٍ سِواهُ ؟

فَبَطَلَ بِهَذا البَيانِ جَوازُ اتِّخاذِ مَعْبُودٍ غَيْرِهِ مِن حَيْثُ الأمْرِ بِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قِيلَ لَهم: هاتُوا بُرْهانَكم بِأنَّ رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ أخْبَرَ أُمَّتَهُ بِأنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أكْثَرُهُمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: التَّوْحِيدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

" فَهم مُعْرِضُونَ " عَنِ التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ، وما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الإيمانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الرَدُّ عَلى مَن قالَ مِنَ الكَفّارِ أمْرَ مَرْيَمَ وما ضارَعَهُ مِنَ الكُفْرِ، تَعالى اللهُ عن قَوْلِ المُبْطِلِينَ، و"اللهْوُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المَرْأةُ، ورُوِيَ أنَّها في بَعْضِ لُغاتِ العَرَبِ تَقَعُ عَلى الزَوْجَةِ، و"إنْ" في قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الشَرْطِيَّةَ، بِمَعْنى: لَوْ كُنّا فاعِلِينَ، ولَسْنا كَذَلِكَ، ولِلْمُتَكَلِّمِينَ هُنا اعْتِراضٌ وانْفِصالٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، بِمَعْنى "ما"، وكُلُّ هَذا قَدْ قِيلَ.

و"الحَقُّ" عامٌّ في القُرْآنِ والرِسالَةِ والشَرْعِ وكُلِّ ما هو حَقٌّ، و"الباطِلُ" أيْضًا عامٌّ كَذَلِكَ، و"يَدْمَغُهُ" مَعْناهُ: يُصِيبُ دِماغَهُ، وذَلِكَ مَهْلِكٌ في البَشَرِ، فَكَذَلِكَ الحَقُّ يُهْلِكُ الباطِلَ، و"الوَيْلُ": الخِزْيُ والهَمُّ، وقِيلَ: هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ فَهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ مُخاطِبَةٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ وصَفُوا اللهَ تَبارَكَ وتَعالى بِما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ وما لا يَلِيقُ بِهِ، تَعالى اللهُ وتَبارَكَ وتَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ عن قَوْلِهِمْ، بَلْ هو كَما وصَفَ نَفْسَهُ، وفَوْقَ ما نَعَتَهُ بِهِ خَلْقُهُ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

(بل) للإضراب عن اتخاذ اللهو وعن أن يكون الخَلق لعباً إضرابَ إبطال وارتقاء، أي بل نحن نعمد إلى باطلكم فنقذف بالحق عليه كراهيةً للباطل بَلْهَ أن نعمل عملاً هو باطل ولعب.

والقذف، حقيقته: رمي جسم على جسم.

واستعير هنا لإيراد ما يزيل ويبطل الشيء من دليل أو زَجْر أو إعداممٍ أو تكوين ما يغلب، لأن ذلك مثل رمي الجسم المبطل بشيء يأتي عليه ليتلفه أو يشتته، فالله يبطل الباطل بالحقّ بأن يبين للناس بطلان الباطل على لسان رسله، وبأن أوجَد في عقولهم إدراكاً للتمييز بين الصلاح والفساد، وبأن يسلط بعض عباده على المبطلين لاستئصال المبطلين، وبأن يخلق مخلوقات يسخرها لإبطال الباطل، قال تعالى: ﴿ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾ في سورة الأنفال (12).

والدمغ: كَسْر الجسم الصُلب الأجوف، وهو هنا ترشيح لاستعارة القذف لإيراد ما يبطل، وهو استعارة أيضاً حيث استعير الدمغ لمحق الباطل وإزالتِه كما يزيل القذف الجسم المقذوف، فالاستعارتان من استعارة المحسوسين للمعقولين.

ودل حرف المفاجأة على سرعة محق الحقّ الباطلَ عند وروده لأن للحقّ صولة فهو سريع المفعول إذا ورد ووضح، قال تعالى: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابيا ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ في سورة الرعد (17).

والزاهق: المنفلت من موضعه والهالك، وفِعله كسمع وضرب، والمصدر الزهوق.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وتَزْهَقَ أنفسُهم وهم كافرون ﴾ في سورة براءة (55) وقوله تعالى: ﴿ إن الباطل كان زهوقاً ﴾ في سورة الإسراء (81).

وعندما انتهت مقارعتهم بالحجج الساطعة لإبطال قولهم في الرسول وفي القرآن ابتداء من قوله تعالى: ﴿ وأسروا النجوى الذين ظلموا ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ كما أرسل الأولون ﴾ [الأنبياء: 3 5].

وما تخلل ذلك من المواعظ والقوارع والعبر.

خُتم الكلام بشتمهم وتهديدهم بقوله تعالى: ﴿ ولكم الويل مما تصفون ﴾ ، أي مما تصفون به محمداً صلى الله عليه وسلم والقرآن.

والويل: كلمة دعاء بسوء.

وفيها في القرآن توجيه لأن الوَيْل اسم للعذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ولَدًا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهْوَ النِّساءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَقالَ قَتادَةُ: اللَّهْوُ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ المَرْأةُ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لِأنَّهم قالُوا: مَرْيَمُ صاحِبَتُهُ وعِيسى ولَدُهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ اللَّهْوُ الَّذِي هو داعِي الهَوى ونازِعُ الشَّهْوَةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ويُلْعِينُنِي في اللَّهْوِ أنْ لا أُحِبُّهُ ولِلَّهْوِ داعٍ لَبِيبٌ غَيْرُ غافِلِ ﴿ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا ﴾ أيْ مِن عِنْدِنا إنْ كُنّا فاعِلِينَ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لاتَّخَذْنا نِساءً ووَلَدًا مِن أهْلِ السَّماءِ وما اتَّخَذْنا مِن أهْلِ الأرْضِ.

﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما كُنّا فاعِلِينَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّهُ جاءَ بِمَعْنى الشَّرْطِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ لَوْ كُنّا لاتَّخَذْناهُ بِحَيْثُ لا يَصِلُ عِلْمُهُ إلَيْكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ الكَلامُ المَتْبُوعُ، والباطِلُ المَدْفُوعُ.

وَمَعْنى يَدْمَغُهُ أيْ يُذْهِبُهُ ويُهْلِكُهُ كالمَشْجُوجِ تَكُونُ دامِغَةً في أُمِّ رَأْسِهِ تُؤَدِّي لِهَلاكِهِ.

الثّانِي: أنَّ الحَقَّ القُرْآنُ، والباطِلَ إبْلِيسُ.

الثّالِثُ: أنَّ الحَقَّ المَواعِظُ والباطِلَ المَعاصِي، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ الخَواطِرِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ الحَقَّ الإسْلامُ، والباطِلَ الشِّرْكُ.

﴿ فَإذا هو زاهِقٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هالَكٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ذاهِبٌ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا يَمَلُّونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: لا يَعْيَوْنَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لا يَسْتَنْكِفُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: لا يَنْقَطِعُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَسِيرِ وهو البَعِيرُ المُنْقَطِعُ بِالإعْياءِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها ∗∗∗ فَبَيْضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ قال: اللهو، الولد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ الآية.

يقول: لو أردت أن أتخذ ولداً لأتخذت من الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ قال: النساء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: اللهو بلسان اليمن، المرأة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ قال: اللهو بلغة أهل اليمن، المرأة.

وفي قوله: ﴿ إن كنا فاعلين ﴾ أي، إن ذلك لا يكون ولا ينبغي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ قال: نساء ﴿ لاتخذناه من لدنا ﴾ قال: من الحور العين.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ قال: لعباً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لاتخذناه من لدنا ﴾ قال: من عندنا ﴿ إن كنا فاعلين ﴾ أي ما كنا فاعلين.

يقول: وما خلقنا جنة ولا ناراً ولا موتاً ولا بعثاً ولا حساباً، وكل شيء في القرآن ﴿ إن ﴾ فهو إنكار.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بل نقذف بالحق ﴾ قال: القرآن ﴿ على الباطل ﴾ قال: اللبس ﴿ فإذا هو زاهق ﴾ قال: هالك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولكم الويل مما تصفون ﴾ قال: هي والله لكل واصف كذب إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ومن عنده ﴾ قال: الملائكة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا يستحسرون ﴾ يقول: لا يرجعون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يستحسرون ﴾ قال: لا يحسرون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يستحسرون ﴾ قال: لا يعيون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولا يستحسرون ﴾ قال: لا ينقطعون من العبادة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الشعب، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل رضي الله عنه، أنه سأل كعباً عن قوله: ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ أما شغلهم رسالة؟

أما شغلهم عمل؟

فقال: جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس، ألست تأكل وتشرب، وتجيء وتذهب، وتتكلم وأنت تتنفس؟

فكذلك جعل لهم التسبيح.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ قال: جعلت أنفاسهم تسبيحاً.

وأخرج أبو الشيخ عن يحيى بن أبي كثير قال: خلق الله الملائكة صمداً ليس لهم أجواف.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ ﴾ معنى (١) (٢) (٣) ﴿ نَقذِفُ بِاَلحقِ ﴾ قذف بالشيء (٤) (٥) قال أبو إسحق: يعني بالحق القرآن (٦) (٧) (٨) ﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ قال الكلبي: فيهلكه (٩) قال ابن قتيبة: يكسره.

وأصل هذا إصابة الدماغ بالضرب وهو مقتل (١٠) (١١) وحقيقة ما قاله أبو إسحق: ﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ فيذهبه (١٢) (١٣) ﴿ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ أي: زائل، ذاهب (١٤) قال ابن عباس: كما يذهب السهم من الرمية.

وقال قتادة: هالك (١٥) وذكرنا هذا عند قوله: ﴿ وَزَهَقَ اَلبَاطِلُ  ﴾ والمعنى: إنما (١٦) (١٧) ثم أوعدهم على كذبهم فقال: ﴿ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد واديا في جهنم (١٨) (١٩) (٢٠) قال مجاهد: ﴿ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ [مما تكذبون، كقوله: ﴿ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ  ﴾ (٢١) وحقيقة تأويله ما ذكره أبو إسحق: أي:] (٢٢) (٢٣) وقال الحسن في هذه الآية: هي والله (٢٤) (٢٥) (٢٦) يعني من وصف كذباً على الله في صفاته وأحكامه (٢٧) (٢٨) ثم بين أن جميع المخلوقين عبيده.

(١) (معنى): ساقطة من (ع).

(٢) بل: ساقطة من (أ)، (ت).

(٣) بياض في (ت).

(٤) في (أ): (الشيء).

(٥) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 74 (قذف)، "الصحاح" للجوهري 4/ 1414 (قذف)، "المفردات للراغب" الأصفهاني ص 397.

(٦) قال ابن عطية 10/ 135: الحق عام في القرآن والرسالة والشرع.

(٧) ساقط من (د)، (ع).

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 387.

(٩) ذكره الثعلبي 3/ 28 ب، والبغوي 3/ 313، ولم ينسباه لأحد.

(١٠) في (أ)، (ت): (مقيل)، وهو خطأ.

(١١) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 285.

(١٢) فيذهبه: ساقطة من (ز).

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 387.

(١٤) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 391 - 392 (زهق)، "لسان العرب" 10/ 147 (زهق).

(١٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 23، والطبري 17/ 11، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 620 وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(١٦) في (د)، (ع): (إنَّا).

(١٧) يضمحل: أي: ينحل.

"القاموس المحيط" 4/ 5.

(١٨) ذكره عنه القرطبي في "تفسيره" 11/ 277.

وفي طبعتي "الدر المنثور" 1/ 82 دار المعرفة، 1/ 202 دار الفكر: (أخرج هناد في "الزهد" وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ويل سيل من صديد في أصل جهنم -وفي لفظ- ويل واد في جهنم ..

".

وهو تصحيف في الطبعتين، والصواب: عن أبي عياض.

انظر: "الزهد" لهناد 1/ 83، و"تفسير الطبري" 2/ 267 طبعة شاكر، وابن أبي حاتم 1/ 243.

وجاءت رواية "ويل واد في جهنم" مرفوعة إلى النبي -  -، فقد روي الإمام أحمد في "مسنده" 3/ 75 وغيره عن أبي سعيده -  - مرفوعاً: "ويل واد في جهنم" ..

الحديث.

قال ابن كثير -رحمه الله- "تفسيره" 1/ 117: وهذا الحديث -بهذا الإسناد مرفوعًا- منكر.

والأظهر في هذا أن الويل: الهلاك والدمار، وهي كلمة مشهورة في اللغة.

قاله ابن كثير في "تفسيره" 1/ 117.

(١٩) العبارة في (د)، (ع): (الويل لكم الويل ممن كذبكم).

(٢٠) لفظ الجلالة لم يرد في (د)، (ع).

(٢١) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 28 ب، ورواه الطبري 17/ 11 من طريق ابن جريج عن مجاهد قال.

"سيجزيهم وصفهم" قال: قولهم الكذب في ذلك.

(٢٢) ساقط من (أ)، (ت).

(٢٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 387.

(٢٤) في (د)، (ع): (لله)، وهو خطأ.

(٢٥) في المطبوع من ابن أبي شيبة 17/ 507: كذوب.

(٢٦) رواه أبي شيبة في "مصنفه" 13/ 506 - 507، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 620 ونسبه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث.

(٢٧) في (د)، (ع): (وأحكامه).

(٢٨) قال الطبري 17/ 11: ﴿ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ يقول: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته، وقيلكم: إنه اتخذ زوجة وولدا، وفريتكم عليه.

ثم قال -بعد أن ذكر قول مجاهد المتقدم وقول من قال "تصفون" تشركون-: وذلك وإن اختلفت به الألفاظ فمعانيه متفقة: لأن من وصف الله بأن له صاحبة فقد كذب في وصفه إياه بذلك وأشرك به ووصفه بغير صفته، غير أن أولى العبارات أن يعبر بها عن معاني القرآن أقربها إلى فهم سامعيه.

اهـ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ ﴾ اللهو في لغة اليمن: الولد، وقيل المرأة، و ﴿ مِن لَّدُنَّآ ﴾ : أي من الملائكة، فالمعنى على هذا لو أردنا أن نتخذ ولداً لاتخذناه من الملائكة، لا من بني آدم، فهو ردّ على من قال: إن المسيح ابن الله وعزيز ابن الله، والظاهر أن اللهو بمعنى اللعب لاتصاله بقوله لا عبين.

وقال الزمخشري: المعنى على هذا لو أردنا أن نتخذ لهواً لكان ذلك في قدرتنا، ولكن ذلك لا يليق بنا لأنه مناقض للحكمة، وفي كلا القولين نظر ﴿ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ يحتمل أن تكون إن شرطية وجوابها فيما قبلها، أو نافية، والأوّل أظهر ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل ﴾ ﴿ الحق ﴾ عام في القرآن والرسالة والشرع وكل ما هو حق، ﴿ الباطل ﴾ عام في أضداد ذلك ﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ أي يقمعه ويبطله، وأصله من إصابة الدماغ ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ ﴾ يعني الملائكة ﴿ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ أي لا يَعْيَوْن ولا يملون ﴿ أَمِ اتخذوا آلِهَةً مِّنَ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ ﴾ أم هنا للإضراب عما قبلها، والاستفهام على وجه الإنكار لما بعدها ﴿ مِّنَ الأرض ﴾ يتعلق بينشرون؛ والمعنى: أن الآلهة التي اتخذها المشركون لا يقدرون أن ينشروا الموتى من الأرض، فليست بآلهة في الحقيقة؛ لأن من صفة الإلهة القدرة على الإحياء والإماتة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ قال ربي ﴾ بالألف: حمزة وعلي وحفص.

الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ نوحي ﴾ بالنون مبنياً للفاعل: حفص غير الخراز.

الباقون: بالياء مجهولاً.

الوقوف: ﴿ معرضون ﴾ ج للآية مع احتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً.

﴿ يلعبون ﴾ لا لأن ﴿ لاهية ﴾ حال أخرى مترادفة أو متداخلة من ضمير ﴿ يلعبون ﴾ وهي لقلوبهم في المعنى.

﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ مثلكم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع استغناء الثانية عن الأولى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ شاعر ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد المقول ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ أهلكناها ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ ذكركم ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ يركضون ﴾ ه ط لتقدير القول ﴿ تسألون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ خامدين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ من لدنا ﴾ ه على جعل "إن" نافية والأصح أنها للشرط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ زاهق ﴾ لا ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ يستحسرون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً، ﴿ لا يفترون ﴾ ه.

التفسير: قال جار الله: اللام في قوله ﴿ للناس ﴾ إما صلة لاقترب أو تأكيد لإضافة الحساب إليهم كقولك في أزف رحيل الحي أزف للحي الرحيل، فيه تأكيد إن من جهة تقديم الحي ومن جهة إظهار اللام، ثم تزيد تأكيداً آخر من جهة وضع ضمير الحي مضافاً إليه الرحيل، موضع لام التعريف فيه فتقول: أزف للحي رحيلهم.

والمراد اقترب للناس وقت حسابهم وهو القيامة كقوله ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ فإذا اقتربت الساعة فقد إقترب ما يكون فيها من الحساب وغيره، كأنه لما هدد في خاتمة السورة المتقدمة بقوله ﴿ فستعلمون ﴾ بين في أول هذه السورة أن وقت ذلك العلم قريب.

فإن قيل: كيف وصف بالاقتراب وقد مضى دون هذا القول أكثر من سبعمائة عام فالجواب أن كل ما هو آتٍ قريب، وإنما البعيد الذي دخل في خبر كان قال القائل: شعر فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس على أنه لم يمض بعد يوم من ايام الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون  ﴾ ومما يدل على أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي قوله  "بعثت أنا والساعة كهاتين" وقد وعد بعث خاتم النبيين في آخر الزمان، وفي ذكر هذا الاقتراب تنبيه للغافلين وزجر للمذنبين.

فالمراد بالناس كل من له مدخل في الحساب وهم جميع المكلفين.

وما روي عن ابن عباس أن المراد بالناس المشركون فمن باب إطلاق اسم الجنس على بعضه بالدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين من الغفلة والإعراض وغيرهما.

والذكر الطائفة النازلة من القرآن، وقرئ ﴿ محدث ﴾ بالرفع صفة على المحل، واحتجت المعتزلة بالآية على أن القرآن محدث، وأجاب الأشاعرة بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول، وإنما النزاع في الكلام النفسي الذي لا يصح عليه الإتيان والنزول.

وزعم الإمام فخر الدين الرازي  أن حاصل قول المعتزلة في هذا المقام يؤل إلى قولنا القرآن ذكر، وبعض الذكر محدث لأن قوله ﴿ من ذكر من ربهم محدث ﴾ لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً بل على أن ذكراً ما محدث، كما أن قول القائل: لا يدخل هذا البلد رجل فاضل إلا يبغضونه، لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً، وإذا كان كذلك فيصير صورة القياس كقولنا "الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس" وإنه لا ينتج شيئاً لأن كلية الكبرى شرط في إنتاج الشكل الأول كما عرف فيعلم الميزان.

قلت: إن المعتزلة لا يحتاجون في إثبات دعواهم إلى تركيب مثل هذا القياس لأن مدعاهم يثبت بتسنيم إحدى مقدمتي القياس الذي ركبه وهي قوله "بعض الذكر محدث" لأنه نقيض ما يدعيه الأشاعرة وهو لا شيء من القرآن بمحدث.

وإذا صدق أحد النقيضين كذب بالضرورة، فظهر أن الإمام غلطهم في هذا القياس الذي ركبه، ثم لقائل أن يقول تتميماً لقول المعتزلة: إذا ثبت أن بعض القرآن محدث لزم أن يكون كله محدثا لأن القائل قائلان: أحدهما ذهب إلى قدم كله، والثاني إلى حدوث كله، ولم يذهب أحد إلى قدم بعضه وحدوث بعضه.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ من ربهم محدث ﴾ لموافقة قوله بعد هذا ﴿ قل ربي يعلم ﴾ وقال في الشعراء ﴿ من ذكر من الرحمن محدث  ﴾ لكثرة الرحيم فيها.

فكان "الرحمن بالرحيم" أنسب.

قوله  ﴿ يلعبون ﴾ اللعب الاشتغال بما لا يعني قوله ﴿ لاهية ﴾ هي من لهى عنه بالكسر إذا ذهل وغفل.

وفيه إن هم كالأنعام بل هم لا يحصلون من الاستماع والتذكير إلا على مثل ما تحصل هي عليه آذانهم تسمع وقلوبهم لا تعي ولا تفقه.

ومعنى ﴿ وأسروا النجوى ﴾ بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لها ولا يعلم أنهم متناجون وفي "واو" اسروا وجهان: أحدهما أن على لغة من يجوز إلحاق علامة التثنية والجمع بالفعل إذا كان مقدماً على فاعله، وثانيهما وهو الأقوى أن الواو ضمير راجع إلى الناس المقدم ذكرهم و ﴿ الذين ظلموا ﴾ بدل منهم.

أو هو منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره ﴿ أسروا النجوى ﴾ مقدماً عليه.

وعلى التقادير أراد وأسروا النجوى هؤلاء فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم ثم أبدل من النجوى قوله ﴿ هل هذا إلاّ بشر ﴾ إلى قوله ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ أي أتقبلون سحره وتحضرون هناك وأنتم ترون أنه رجل مثلكم، أو تعلمون أنه سحر وأنتم من أهل البصر والعقل؟

وجوز بعضهم أن يكون قوله ﴿ هل هذا ﴾ إلى آخره مفعولاً لقالوا مضمراً، وإنما أسروا نجوى هذا الحديث لأنهم أرادوا شبه التشاور فيما بينهم تحرياً لهدم أمر النبي كما جاء في كلام الحكماء.

ويرفع أيضاً إلى النبي  "استعينوا على حوائجكم بالكتمان" ويجوز أن يسروا بذلك ثم يقولوا للرسول والمؤمنين: إن كان ما تدعون حقاً فأخبرونا بما اسررنا.

من قرأ ﴿ قال ربي ﴾ فعلى حكاية الرسول  كأنه قال: إنكم وإن أخفيتم قولكم وطعنكم فإن ربي عالم بذلك، وإنه من وراء عقابه يصف نفسه في بعض المواضع بأنه يعلم السر وذلك حين يريد تخصيصه بعلم الغيب، ووصف نفسه ههنا بأنه يعلم القول.

قال جار الله: هذا آكد لأنه عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، وأقول هذا إذا كان اللام في القول للاستغراق، أما إذا كان للجنس فلا يلزم زيادة العلم إذ لا دلالة للعام على الخاص.

بل نقول: العلم بالسر يستلزم العلم بالجهر بالطريق الأولى فلا مزية لإحدى العبارتين على الأخرى ﴿ وهو السميع العليم ﴾ خصص علمه بالمسموعات أولاً ثم عمم وقال الإمام قدم "السميع" على "العليم" لأنه لا بد من استماع الكلام أولاً ثم من حصول العلم بمعناه.

قلت: هذا قياس للغائب على الحاضر قوله ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر ﴾ معنى هذه الإضطرابات مع ملاحظة ما قبلها أنهم أنكروا أولاً كون الرسول من جنس البشر، ثم كأنهم قالوا: سلمنا ذلك ولكن الذي ادعيت أنه معجز ليس بمعجز غايته أنه خارق للعادة، وليس كل ما هو خارق للعادة معجزاً فقد يكون سحراً هذا إذا ساعدنا على أن فصاحة القرآن خارجة عن العادة، لكنا عن تسليم هذه المقدمة بمراحل فإنا ندعي أنه في غاية الركاكة وسوء النظم كأضغاث أحلام وهي الأحلام المختلطة التي لا أصل لها وقد مر في سورة يوسف.

سلمنا ولكنه من جنس كلام الأوساط افتراه من عنده؟

سلمنا أنه كلام فصيح ولكنه لا يتجاوز فصاحة الشعراء، وإذا كان حال هذا المعجز هكذا.

﴿ فليأتنا بآية ﴾ لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات ﴿ كما أرسل الأولون ﴾ اي كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل متضمن لإتيانهم بالآيات.

ومن تأمل في هذه الأقوال المحكية عن أولئك الكفرة علم أنها كلام مبطل متحير هائم في أودية الضلال وألا يكفي في إعجاز القرآن أنهم عدلوا حين تحدوا به عن المعارضة بالحروف إلى المقارعة بالسيوف.

ثم بين أن الآيات التي يقترحونها لا فائدة لهم فيها لأنهم أعتى من الأمم السالفة وأنهم ما آمنوا عند مجيء الايات المقترحة فأهلكوا لأجل ذلك ﴿ افهم يؤمنون ﴾ مع شدة شكيمتهم فيه معنى الإنكار أي لا يؤمنون ألبتة وحينئذ يجب إهلاكهم، ولكن قد سبق القول من الله أن هذه الأمة أمنوا من عذاب الاستئصال.

ثم أجاب عن شبهتهم الأولى وهي قولهم ﴿ هل هذا إلاّ بشر مثلكم ﴾ بقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً ﴾ وقد مر مثله في آخر سورة يوسف وفي النحل.

وإنما جاز الأمر بالرجوع إلى أهل الكتاب وإن كانوا من الكفرة، لأن هذا الخبر قد تواتر عندهم وبلغ حد الضرورة على أن أهل الكتاب كانوا يتابعون المشركين في معادة رسول الله  فكان قولهم عندهم حجة.

وقيل: أهل الذكر أهل القرآن.

وضعف بأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي محمد  ، فكيف يؤمرون بالرجوع إلى قولهم؟

واستدل كثير من الفقهاء بالآية في أن للعاميّ أن يرجع إلى فتيا العلماء، وللمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر وأجيب بأنها خطاب مشافهة وارد في الواقعة المخصوصة، وفي السؤال عن أهل الكتاب فلا يتعدى عن مورد النص وقد مر في آخر سورة يوسف الفرق بين قوله ﴿ وما ارسلنا من قبلك ﴾ وقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك ﴾ بغير "من" وليس إلا ههنا وفي أوائل الفرقان ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم  ﴾ ثم أكد كون الرسل من جنس البشر بقوله ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ الآية كأنهم قالوا: إنه بشر يأكل كما نأكل ويموت كما نموت، فلعلهم اعتقدوا خلود الملائكة لا أقل من العمر الطويل، ولا بد من تقدير مضاف محذوف اي وما جعلنا الأنبياء قبلك ذوي جسد غير طاعمين وإلا قيل: وما جعلنا لهم جسداً.

ووحد الجسد لإرادة الجنس اي ذوي ضرب من الأجساد وأراد كل واحد منهم قوله: ﴿ صدقناهم الوعد ﴾ أصله في الوعد فنصب بنزع الخافض، ثم فسر الوعد بقوله ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ وهم المؤمنون، ثم نبههم على عظيم نعمه عليهم بقوله، ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ﴾ أي شرفكم وصيتكم، أو فيه بيان مكارم الآخلاق التي بها يبقى الذكر الجميل مع الثواب الجزيل، ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى على الأمم المكذبة فقال ﴿ وكم قصمنا ﴾ والقصم القطع الكبير وهو الذي يبين تلاؤم الأجزاء، وإذا لم يبين فهو الفصم بالفاء، وذلك أن القاف حرف شديد والفاء رخو لوحظ جانب المعنى في اللفظ ومعنى ﴿ من قرية ﴾ من أهل قرية لقوله ﴿ وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ﴾ وللضمائر في قوله ﴿ فلما أحسوا ﴾ إلى آخر القصة.

والمراد بالإحساس الإدراك بحاسة اللمس أو علم لا شك فيه كالمحسوس المشاهد.

والركض ضرب الدابة بالرجل كأنهم ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم حين أدركتهم مقدمة العذاب، قال الجوهري: الركض تحريك الرجل على الدابة استحثاثاً لها ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا، فعلى هذا يجوز أن القوم كانوا يعدون على أرجهلم فقيل لهم لا تركضوا.

والقائل إما من الملائكة أو من المؤمنين أو يجعلون أحقاء بأن يقال لهم ذلك، أو أسمع رب العزة ملائكته هذا القول لينفعهم في دينهم، أو ألهم الله الكفار ذلك فحدثوا به أنفسهم: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ من العيش الهنيء والإتراف إبطار النعمة ﴿ لعلكم تسألون ﴾ غداً عما جرى عليكم وعلى أموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو أجلسوا في مجالسكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم بما تأمرون وماذا ترسمون فينفذ فيهم أمركم ونهيكم، أو يسألكم الناس مستعينين بتدابيركم بآرائكم، أو يسألكم الوافدون وأرباب الطمع مستمطرين سحاب أكفكم إما لأنهم كانوا أسخياء ولكن سمعة ورياء، إما لأنهم بخلاء وفي كل هذه الوجوه تهكم بهم وتوبيخ لهم ﴿ فما زالت تلك ﴾ الدعوى وهي قولهم ﴿ يا ويلنا ﴾ لأن المولول كأنه يدعو الويل ﴿ دعواهم ﴾ الأول اسم "ما زال" والثاني خبره أو بالعكس.

والدعوى بمعنى الدعوة وقد مر في قوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ والحصيد المحصود كقوله ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ شبهوا بالزرع المستأصل والنار التي تخمد فتصير رماداً أي جعلناهم مشبهين بالمحصود والخامد، ووحد ﴿ حصيداً ﴾ لأن المراد زرعاً حصيداً، ولأن "فعيلاً" قد يستوي فيه الواحد والجمع، عن ابن عباس أن الآية نزلت في حضور وسحول قريتين باليمن تنسب إليهما الثياب.

وفي الحديث كفن رسول الله  في ثوبين سحوليين.

وروى حضوريين بعث الله إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم فكأن القوم حصدوا بالسيف وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء بالثارات الأنبياء.

قال أهل النظم: لما بين إهلاك كثير من القرى لأجل ظلمهم وتكذيبهم منها اللتان رواهما ابن عباس، أتبعه ما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً ومجازاة لا عبثاً ولا مجازفة فقال: ﴿ وما خلقنا السماء والأرض ﴾ الاية أي وما سوينا هذا السقف المرفوع والمهاد الموضوع ﴿ وما بينهما ﴾ من الأركان والمواليد كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم للهو أو اللعب، وإنما سويناهما لغايات صحيحة ومنافع للخلق دينية ودنيوية كما مر طرف منها في أول "البقرة" ويمكن أن يقال: المقصود من سياق الآية تقرير نبوة محمد والرد على منكريه لأنه ظهر المعجز عليه، فإن كان صادقاً فهو المطلوب، وإن كان كاذباً كان إظهار المعجز عليه من باب اللعب وهو منفي عنه  .

قال القاضي عبد الجبار: فيه دليل على أنه لا يخلق اللعب وكل قبيح وإلا كان لاعباً وعورض بمسألتي العلم والداعي.

ثم بين أن السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب ليس هو العجز والضعف ولكن لأن الحكمة تنافيه، معنى ﴿ من لدنا ﴾ من جهة قدرتنا وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن أو المرأة، وقيل: من لدنا اي من الملائكة لا من الإنس رداً على من قال: عزير ابن الله والمسيح ابن الله.

ويحتمل أن يقال من لدنا أي من عندنا على سبيل الخفية فلا تعرفونه ولا تسمعون اسمه فيكون الرد شاملاً لكل من ادعى الله ولداً ولو من الملائكة.

ثم اضرب عن اتخاذ اللهو واللعب فوصف نفسه بما يضاد فعل العبث قائلاً ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ﴾ يعني الباطل ﴿ زاهق ﴾ اي ففاجأ الدمغ زهوق الباطل، قال علماء المعاني: هذا من باب استعارة المحسوس للمعقول بجامع عقلي: فأصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام لأن القذف الرمي بنحو الحجارة، والدمغ من دمغه إذا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ، ثم استعير القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهاب الباطل بجامع الزهوق، ثم وبخهم ونعى عليهم بما وصفوه بالولد وغير ذلك مما لا يجوز عليه وينافي وجوب الوجود بما وصفوا رسوله به من السحر والشعر وغير ذلك من الأوصاف المضادة للرسالة فقال ﴿ ولكم الويل مما تصفون ﴾ اي تصفونه به.

ثم بين كمال قدرته ونهاية حلمه وحكمته فقال ﴿ وله من في السموات والأرض ﴾ والمراد بمن عنده الملائكة المقربون والمقصود عندية الشرف والرتبة.

فأما عندية المكان ففيها بحث طويل.

قال الزجاج: ﴿ لا يستحسرون ﴾ أي لا يتعبون ولا يمسهم الإعياء.

قال جار الله: كان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور ولكنه ذكر بلفظ المبالغة وهو "استفعل" لبيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور، وأنهم أحقاء بتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا ومع ذلك لا يعدُّونها تعباً عليهم.

ثم أكد ذلك بقوله ﴿ يسبحون الليل والنهار ﴾ منصوبان على الظرفية ﴿ لا يفترون ﴾ لا يلحقهم الفتور والكلال.

وحاصل الآية أؤن الملائكة مع غاية شرفهم ونهاية قربهم لا يستنكفون عن طاعة الله، فكيف يليق بالبشر مع ضعفهم ونقصهم أن يتمردوا عن طاعته؟

وقد مر في أول سورة البقرة استدلال مفضلي الملائكة على الأنبياء بهذه الآية وبغيرها فلا حاجة إلى إعادته عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب الأحبار: أرأيت قول الله عز وجل ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ ثم قال: { ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ﴿ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة  ﴾ أليس الرسالة واللعن ما نعين لهم عن التسبيح؟

أجاب كعب بأن التسبيح لهم كالنفس لنا لا يمنعهم عن الاشتغال بشيء آخر.

واعترض بأن آلة التنفس فينا مغايرة للسان فلهذا صح اجتماع التنفس والتكلم.

وأجيب بأنه لا استبعاد في أن يكون لهم ألسن كثيرة، أو يكون المراد بعدم الفتور أنهم لا يتركون التسبيح في أوقاته اللائقة به.

التأويل: اقترب لأهل النسيان أن يحاسبوا أنفسهم كقوله ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله  ﴾ ﴿ وما يأتيهم من ذكر ﴾ وعظ وتذكير من عالم رباني ﴿ محدث ﴾ إلهامه إلا أنكروه عليه ونسبوه إلى التخليط ونحوه ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ فيه أن الله قادر على أن لا يجعل النبي الولي ذا جسد ولكن اقتضت حكمته كونهم ذوي أجساد آكلين للطعام فإن الطعام للروح الحيواني الذي هو مركب الروح الإنساني كالدهن للسراج، وبالقوى الحيوانية تتم الكمالات النفسانية وتدرك المحسوسات وتستفاد العلوم المستندة إلى الإحساس والتجربة وتفصيله أكثر من أن يحصى.

قال بعض المشايخ، لولا الهوى ما سلك أحد طريقاً إلى الله ﴿ وما كانوا خالدين ﴾ والسر فيه أن يعلموا من الموت حقيقة اسم المميت كما علموا من الحياة حقيقة اسم المحيي.

﴿ ثم صدقناهم الوعد ﴾ الذي وعدناهم حين أهبطوا إلى الأرض ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ من متابعيهم من هاوية الهوان وعالم الطبيعة ﴿ وأهلكناهم المسرفين ﴾ الذين اسرفوا على أنفسهم بالكون إلى أسفل سافلين الطبائع.

﴿ وكم قصمنا من ﴾ أهل ﴿ قرية ﴾ قالت ﴿ فلما أحسوا بأسنا ﴾ وهي شدة قطع التعلق عن الكونين فإن الفطام عن المألوف شديد ﴿ لا تركضوا ﴾ منا بل ففروا إلينا ﴿ وارجعوا ﴾ إلى التنعمات الروحاينة ﴿ ومساكنكم ﴾ الصلية ﴿ لعلكم تسألون ﴾ عزة وكرامة ﴿ وما خلقنا ﴾ سموات الأرواح وأرض الأجساد، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار من غير غاية، وإنما خلقناها لتكون لطفنا وقهرنا ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل ﴾ للحق ثلاث مراتب: مرتبة أفعال الحق ومرتبة صفات الحق ومرتبة ذات الحق، ففي كل مرتبة يتجلى الحق فيها للعبد، ارهق باطل تلك المرتبة عن العبد حتى إذا تجلى له بأفعاله ذهب عنه باطل الأفعال، وإذا تجلى له بصفاته ذهب باطل صفاته، وإذا تجلى له بذاته في ذاته فيقول: أنا الحق وسبحاني والويل لمن لم يذهب باطله بإحدى هذه المراتب فيبقى متصفاً بالوجود المجازي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ﴾ .

أخبر أنه لم يخلق السماء والأرض وما بينهما لتكونا سماء وأرضاً على ما هما عليه ثم تفنيان، ولكن خلقهما لعاقبة قصدها، وهو أن يمتحن أهلها؛ لأن من عمل في الشاهد عملا لا يقصد به عاقبة يأمل ويرجو أمراً فهو في عمله عابث لاهٍ، ولو كان على ما عند أولئك الكفرة بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا ثواب لكان إنشاؤهما وما بينهما باطلا لعباً؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\]، صير عدم الرجوع إليه [بعد] خلقهم عبثاً باطلا.

وقال الحسن: لم يخلقهما عبثا، ولكن خلقهما لحكمة من نظر إليهما دلاَّه على وحدانية منشئهما وسلطانه وقدرته وحكمته وعلى علمه وتدبيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَهْواً ﴾ أي: زوجة، لكن هذا بعيد؛ لأنه احتج عليهم على نفي الولد بنفي الصاحبة بقوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ  ﴾ ، فلولا أنهم أقروا وعرفوا أن لا صاحبة له، وإلا لم يكن للاحتجاج عليهم على نفي [الولد] بنفي الصاحبة معنى، ويكون قوله: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً ﴾ أي: ولداً؛ لأن الناس يتلهون بالولد فسماه: لهواً لذلك، قال: ﴿ لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ ﴾ بحيث لا تبلغه أفهامكم ولا يدركه علمكم؛ لأن الولد يكون من جنس الوالدين ومن شكلهما، وسبيل معرفته وعلمه الاستدلال الحسي، فإذا لم يعرفوه هو بالحسي فكيف يعرفون من هو يكون منه لو كان؟!

والثاني: أن الغائب إنما يعرف بالاستدلال بالشاهد، فلو كان له الولد على ما تزعمون لكان لا يعرف؛ لأنه لا صنع للولد في الشاهد؛ إذ هو الواحد المتفرد بإنشاء العالم، فيذهب معرفة الولد إدراكه لو كان على ما تزعمون.

وقوله: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ ﴾ ، ليس على أنه يحتمل أن يكون له الولد، أو أن يحتمل أن يتخذ ولداً، ولكن لو احتمل أن يكون لم يحتمل أن يدرك ويعلم، وكذلك يخرج قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا  ﴾ ليس أنه يحتمل أن يكون فيهما آلهة، ولكن لو احتمل أن يكون فيهما آلهة لفسدتا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ ﴾ .

يشبه أن يكون الحق الذي أخبر أنه يقذف على الباطل القرآن الذي أنزله على رسوله أو الرسول نفسه، أو الآيات التي جعلها لوحدانيته أو ألوهيته.

﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ ، أي: يبطل ذلك الذي قالوا في الله ما قالوا من الولد والصاحبة وغيره مما لا يليق به.

﴿ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ ، أي: هو ذاهب متلاشٍ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ : من الولد والصاحبة وجميع ما وصفوه مما لا يليق به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، كأنه ذكر هذا جوابا لقولهم، وردّاً على وصفهم إياه بالذي وصفوه، فقال: ﴿ وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: له من في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه، ولا أحد في الشاهد يتخذ لنفسه ولداً من عبيده وإمائه، فإذا لم تروا هذا في الخلق أنفاً من ذلك واستنكافاً، فكيف قلتم ذلك في الله  وتعالى ، وأضفتم إليه.

أو أن يخبر غناه عن الخلق بأن له من في السماوات والأرض والولد في الشاهد إنما يطلب لحاجة تسبق، فإذا كان الله -  وتعالى - غنيّاً بذاته بما ذكر أن له كذا لا حاجة تقع له إلى الولد،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ .

يشبه أن يكون ذكر هذا لقولهم: "الملائكة بنات الله"، فأخبر أنهم ليسوا كما وصفوهم ولكنهم عبيد لي، هم لا يستريحون عن عبادتي ولا يفترون.

أو أن يكون ذكر هذا لمكان من عبد الملائكة واتخذهم آلهة دونه، فأخبر أنهم لا يستكبرون عن عبادتي ولا يفترون، ولم يدعوا هم الألوهية لأنفسهم، فكيف نسبتم الألوهية إليهم وعبدتموهم دوني؟

أو أن يكون قال ذلك: إنكم إن استكبرتم عن عبادتي، فلم يستكبر عنها من هو أرفع منزلة وأعظم قدراً منكم، ﴿ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ ينزهون الله ويبرئونه عما وصفه الملحدة من الولد وجميع ما قالوا فيه مما لا يليق به.

وهذه الآية تنقض قول المعتزلة ومذهبهم حيث قالوا: إن الأعمال لأنفسها متعبة منصبة، ولو كانت الأفعال لأنفسها متعبة على ما ذكروا، لكان البشر والملائكة فيها شرعاً سواء، فلما أخبر عنهم أنهم لا يعيون ولا يفترون ولا تتبعهم العبادة؛ دل أنها صارت متعبة لصنع غير فيها لا لأنفسها، وهذه المسألة في خلق أفعال العباد: هم ينكرون خلقها، ونحن نقول: هي خلق الله - عز وجل - كسب للعباد، وقد ذكرنا هذا في غير موضع كلاماً كافياً.

قال أبو عوسجة: ﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ أي: يبطله.

وقال غيره: يهلكه، وهو من قولك: ضربت الرجل فدمغته: إذا وصلت الضربة إلى الدماغ، وإذا كان كذلك مات؛ فكذلك يدمغ الحق الباطل، أي: يهلكه.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ ، أي: ذاهب وميت، زهق إذا مات وهلك، والزاهق في غير هذا السمين.

﴿ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ أي: لا يعيون، ومنه حسير ومحسور أيضاً، ﴿ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ والفتور: الإعياء أيضاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

بل نرمي بالحق الذي نوحيه به إلى رسولنا على باطل أهل الكفر فَيَدْحَضُه، فإذا باطلهم ذاهب زائل، ولكم -أيها القائلون باتخاذه صاحبة وولدًا- الهلاك لوصفكم له بما لا يليق به.

<div class="verse-tafsir" id="91.d6el1"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله