الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ١٦ من سورة الأنبياء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 53 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق ، أي : بالعدل والقسط ، ( ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) [ النجم : 31 ] ، وأنه لم يخلق ذلك عبثا ولا لعبا ، كما قال : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار )
يقول تعالى ذكره: ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ) إلا حجة عليكم أيها الناس، ولتعتبروا بذلك كله، فتعلموا أن الذي دبره وخلقه لا يشبهه شيء، وأنه لا تكون الألوهية إلا له، ولا تصلح العبادة لشيء غيره، ولم يَخْلق ذلك عبثا ولعبا.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ ) يقول: ما خلقناهما عَبَثا ولا باطلا.
قوله تعالى : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين أي عبثا وباطلا ؛ بل للتنبيه على أن لها خالقا قادرا يجب امتثال أمره ، وأنه يجازي المسيء والمحسن ؛ أي ما خلقنا السماء والأرض ليظلم بعض الناس بعضا ، ويكفر بعضهم ، ويخالف بعضهم ما أمر به ثم يموتوا ولا يجازوا ، ولا يؤمروا في الدنيا بحسن ولا ينهوا عن قبيح .
وهذا اللعب المنفي عن الحكيم ضده الحكمة .
يخبر تعالى أنه ما خلق السماوات والأرض عبثا، ولا لعبا من غير فائدة، بل خلقها بالحق وللحق، ليستدل بها العباد على أنه الخالق العظيم، المدبر الحكيم، الرحمن الرحيم، الذي له الكمال كله، والحمد كله، والعزة كلها، الصادق في قيله، الصادقة رسله، فيما تخبر عنه، وأن القادر على خلقهما مع سعتهما وعظمهما، قادر على إعادة الأجساد بعد موتها، ليجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
قوله عز وجل : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ) أي عبثا وباطلا .
«وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين» عابثين بل دالين على قدرتنا ونافعين عبادنا.
وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما عبثًا وباطلا بل لإقامة الحجة عليكم - أيها الناس - ولتعتبروا بذلك كله، فتعلموا أن الذي خلق ذلك لا يشبهه شيء، ولا تصلح العبادة إلا له.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على قدرته ووحدانيته ، وعلى أن من فى السموات والأرض لا يستكبرون عن عبادته - تعالى - ، فقال - عز وجل - : ( وَمَا خَلَقْنَا .
.
.
) .المعنى : إننا لم نخلق السموات والأرض وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا الله ، لم نخلق ذلك عبثا ، وإنما خلقنا هذه المخلوقات بحكمتنا السامية ، وقدرتنا النافذة ، ومشيئتنا التى لا يقف فى وجهها شىء .
اعلم أن فيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما بين إهلاك أهل القرية لأجل تكذيبهم اتبعه بما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً منه ومجازاة على ما فعلوا فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ ﴾ أي وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من العجائب والغرائب كما تسوى الجبابرة سقوفهم وفرشهم للهو واللعب، وإنما سويناهم لفوائد دينية ودنيوية أما الدينية فليتفكر المتفكرون فيها على ما قال تعالى: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض ﴾ وأما الدنيوية فلما يتعلق بها من المنافع التي لا تعد ولا تحصى وهذا كقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ﴾ وقوله: ﴿ مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق ﴾ .
والثاني: أن الغرض منه تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والرد على منكريه لأنه أظهر المعجزة عليه فإن كان محمد كاذباً كان إظهار المعجزة عليه من باب اللعب وذلك منفي عنه وإن كان صادقاً فهو المطلوب وحينئذ يفسد كل ما ذكروه من المطاعن.
المسألة الثانية: قال القاضي عبد الجبار: دلت الآية على أن اللعب ليس من قبله تعالى إذ لو كان كذلك لكان لاعباً فإن اللاعب في اللغة اسم لفاعل اللعب فنفى الاسم الموضوع للفعل يقتضي نفي الفعل.
والجواب: يبطل ذلك بمسألة الداعي عن ما مر غيره مرة أما قوله: ﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاتخذناه مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فاعلين ﴾ فاعلم أن قوله: ﴿ لاتخذناه مِن لَّدُنَّا ﴾ معناه من جهة قدرتنا.
وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن وقيل: المرأة وقيل من لدنا أي من الملائكة لا من الإنس رداً لمن قال بولادة المسيح وعزير فأما قوله تعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل ﴾ فاعلم أن قوله: ﴿ بَلِ ﴾ اضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه لذاته كأنه قال سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب بل من عادتنا وموجب حكمتنا أن نغلب اللعب بالجد وندحض الباطل بالحق، واستعار لذلك القذف والدمغ تصويراً لإبطاله فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلاً قذف به على جرم رخو فدمغه، فأما قوله تعالى: ﴿ وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ يعني من تمسك بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ونسب القرآن إلى أنه سحر وأضغاث أحلام إلى غير ذلك من الأباطيل، وهو الذي عناه بقوله: ﴿ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
أي: وما سوّينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلائق مشحونة بضروب البدائع والعجائب، كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم، للهو واللعب، وإنما سويناها للفوائد الدينية والحكم الربانية، لتكون مطارح افتكار واعتبار واستدلال ونظر لعبادنا، مع ما يتعلق لهم بها من المنافع التي لا تعدّ والمرافق التي لا تحصى.
ثم بين أنّ السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب وانتفائه عن أفعالي: هو أن الحكمة صارفة عنه، وإلا فأنا قادر على اتخاذه إن كنت فاعلاً لأني على كل شيء قدير.
وقوله: ﴿ لاتخذناه مِن لَّدُنَّا ﴾ ، كقوله: ﴿ رّزْقاً مّن لَّدُنَّا ﴾ [القصص: 57] أي من جهة قدرتنا وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن.
وقيل المرأة.
وقيل من لدنا، أي من الملائكة لا من الإنس، ردّاً لولادة المسيح وعزير.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ وإنَّما خَلَقْناها مَشْحُونَةً بِضُرُوبِ البَدائِعِ تَبْصِرَةً لِلنُّظّارِ وتَذْكِرَةً لِذَوِي الِاعْتِبارِ وتَسَبُّبًا لِما يَنْتَظِمُ بِهِ أُمُورُ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَتَسَلَّقُوا بِها إلى تَحْصِيلِ الكَمالِ ولا يَغْتَرُّوا بِزَخارِفِها فَإنَّها سَرِيعَةُ الزَّوالِ.
﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ﴾ ما يُتَلَهّى بِهِ ويُلْعَبُ.
﴿ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا ﴾ مِن جِهَةِ قُدْرَتِنا، أوْ مِن عِنْدِنا مِمّا يَلِيقُ بِحَضْرَتِنا مِنَ المُجَرَّداتِ لا مِنَ الأجْسامِ المَرْفُوعَةِ والأجْرامِ المَبْسُوطَةِ كَعادَتِكم في رَفْعِ السُّقُوفِ وتَزْوِيقِها وتَسْوِيَةِ الفُرُشِ وتَزْيِينِها، وقِيلَ اللَّهْوُ الوَلَدُ بِلُغَةِ اليَمَنِ وقِيلَ الزَّوْجَةُ والمُرادُ بِهِ الرَّدُّ عَلى النَّصارى ﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ ذَلِكَ ويَدُلُّ عَلى جَوابِ الجَوابِ المُتَقَدِّمِ.
وقِيلَ ( إنْ ) نافِيَةٌ والجُمْلَةُ كالنَّتِيجَةِ لِلشَّرْطِيَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} اللعب فعل يروق أوله ولا ثبات له ولاعبين حال من فاءل خلقنا والمعنى وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلق للهو واللعب وإنما سويناها ليستدل بها على قدرة مدبراه ولنجازي المحسن والمسيء على ما تقتضيه حكمتنا
﴿ وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ أيْ ما سَوَّيْنا هَذا السَّقْفَ المَرْفُوعَ وهَذا المِهادَ المَوْضُوعَ وما بَيْنَهُما مِن أصْنافِ الخَلائِقِ مَشْحُونَةً بِضُرُوبِ البَدائِعِ والعَجائِبِ كَما تُسَوِّي الجَبابِرَةُ سُقُوفَهم وفُرُشَهم وسائِرَ زَخارِفِهِمْ لِلَّهْوِ واللَّعِبِ وإنَّما سَوَّيْناها لِلْفَوائِدِ الدِّينِيَّةِ والحِكَمِ الرَّبّانِيَّةِ كَأنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلِاعْتِبارِ ودَلِيلًا لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ مَنافِعَ لا تُحْصى وحِكَمٍ لا تُسْتَقْصى، وحاصِلُهُ ما خَلَقْنا ذَلِكَ خالِيًا عَنِ الحِكَمِ والمَصالِحِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاللَّعِبِ وهو كَما قالَ الرّاغِبُ الفِعْلُ الَّذِي لا يُقْصَدُ بِهِ مَقْصِدٌ صَحِيحٌ لِبَيانِ كَمالِ تَنَزُّهِهِ تَعالى عَنِ الخَلْقِ الخالِي عَنِ الحِكْمَةِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما لا يَرْتابُ أحَدٌ في اسْتِحالَةِ صُدُورِهِ عَنْهُ سُبْحانَهُ، وهَذا الكَلامُ عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى أنَّ تَكْوِينَ العالَمِ وإبْداعَ بَنِي آدَمَ مُؤَسَّسٌ عَلى قَواعِدِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْغاياتِ الجَلِيلَةِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما حُكِيَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِأهْلِ القُرى مِن مُقْتَضَياتِ تِلْكَ الحِكَمِ ومُتَفَرِّعاتِها حَسَبَ اقْتِضاءِ أعْمالِهِمْ إيّاهُ مَعَ التَّخَلُّصِ إلى وعِيدِ المُخاطَبِينَ، وفي الكَشْفِ أنَّ الآياتِ لِإثْباتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ ونَفْيِ تِلْكَ المَطاعِنِ السّابِقَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ الإمامُ وهو الحَقُّ لِأنَّهُ قَدْ تُكَرَّرَ في الكِتابِ العَزِيزِ أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العِبادَةُ والمَعْرِفَةُ وجَزاءُ مَن قامَ بِهِما ومَن لَمْ يَقُمْ ولَنْ يَتِمَّ ذَلِكَ إلّا بِإنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَمُنْكِرُ الرِّسالَةِ جاعِلُ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ لَعِبًا تَعالى خالِقُهُما وخالِقُ كُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ وعَنْ كُلِّ نَقْصٍ عُلُوًّا كَبِيرًا، ومُنْكِرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ جَعَلَ إظْهارَ المُعْجِزَةِ عَلى يَدَيْهِ مِن بابِ العَبَثِ واللَّعِبِ فَفِيهِ إثْباتُ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفَسادُ تِلْكَ المَطاعِنِ كُلِّها.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: لاَ تَرْكُضُوا يعني: قالت لهم الملائكة عليهم السلام لا تهربوا، وقال قتادة: هذا على وجه الاستهزاء، وقال مقاتل: لما انهزموا قالت لهم الملائكة عليهم السلام كهيئة الاستهزاء: لا تركضوا، وقال القتبي: هذا كما قال لبيد: هَلا سَأَلْتَ جُمُوعَ كِنْدَة ...
يَوْمَ وَلَّوْا أَيْنَ أَيْنَا قال ابن عباس: «إن قرية من قرى اليمن يقال لها حصور، أرسل الله عز وجل إليهم نبياً فكذبوه ثم قتلوه، فسلط الله عز وجل عليهم بختنصر فقتلهم وهزمهم، فقالت لهم الملائكة عليهم السلام حين انهزموا: لا تركضوا» يعني: لا تهربوا.
وَارْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ يعني: خولتم فيه من أمر دنياكم وَمَساكِنِكُمْ يعني: ومنازلكم لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ.
عن قتل نبيكم، ويقال: عن الإيمان.
قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ بقتل نبينا ويقال: بالشرك بالله عز وجل.
قوله عز وجل: فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ، يعني: كلمة الويل قولهم.
حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ، يعني: محصوداً.
وقال أهل اللغة: فعيل بمعنى مفعول، والحصيد بمعنى محصود، ويقع على الواحد والاثنين والجماعة.
وقال السدي: الحصيد الذي قد حصد، ويقال: كداسة الغنم بأظلافها خامدين ميتين لا يتحركون.
وقال مجاهد رحمه الله: خامِدِينَ بالسيف.
قوله عز وجل: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من الخلق والعجائب لاعِبِينَ، يعني: لغير شيء، ولكن خلقناهم لأمر كائن، ويقال: وما خلقت هذه الأشياء إلا ليعتبروا ويتفكروا فيها، ويعلموا أن خالق هذه الأشياء أحق بالعبادة من غيره، ويكون لِيَ عليهم الحجة يوم القيامة.
قوله عز وجل: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً يعني: زوجةً بلغة حضر موت، لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا يعني: من عندنا.
قال ابن عباس: «اللهو الولد» ، وقال الحسن وقتادة: اللهو المرأة، وقال القتبي: التفسيران متقاربان، لأن المرأة للرجل لهو وولده لهو، كما يقال: هما ريحانتاه، وأصل اللهو: الجماع، فكني به بالمرأة والولد، كما كني عنه باللمس.
وتأويل الآية: أن النصارى لما قالت، في المسيح ما قالت، قَالَ الله تَعَالى: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً أي: صاحبة لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا أي: من عندنا لا من عندكم، لأن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره.
ثم قال: إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ يعني: ما كنا فاعلين.
ويجوز أن يكون إِنْ كُنَّا ممن يفعل ذلك، ولسنا ممن يفعله.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ قيل: الجَسَدُ من الأحياءِ:
ما لا يَتَغَذَّى، وقيل: الجسد يَعُمُّ المُتَغَذَّي من الأجسامِ وغيرَ المتغذي ف جَعَلْناهُمْ جَسَداً على التَّأَوِيلِ الأَول: مَنْفِيٌّ، وعلى الثاني: مُوجِبٌ، والنفيُ واقعٌ على صِفَتِهِ.
وقوله سبحانه: ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ الآية، هذه آية وعيدٍ.
وقوله: وَمَنْ نَشاءُ يعني من المؤمنين، والْمُسْرِفِينَ: الكُفَّارُ، ثم وَبَّخَهُمْ تعالى بقوله: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً/ يعني: القرآن، فِيهِ ذِكْرُكُمْ، أي: شرفكم، آخر ١٦ ب الدَّهْر، وفي هذا تحريضٌ لهم، ثم أَكَّدَ التحريض بقوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ وكَمْ للتكثير، وقَصَمْنا معناه: أهلكنا، وأَصْلُ القصم: الكَسْرُ في الأَجْرَامَ، فَإذا اسْتُعِيرَ للقوم والقرية ونَحْوِ ذلك فهو ما يشبه الكسر وهو إهلاكهم، وأَنْشَأْنا، أي: خلقنا وبثثنا أَمَّةً أُخْرَى غَيْرَ المُهْلَكَةِ.
وقوله: فَلَمَّا أَحَسُّوا وَصْفٌ عن حالِ قريةٍ من القُرَى المُجْمَلَةِ أَوَّلاً قيل: كانت بالْيَمَنِ تُسَمَّى «حضور» ، بَعَثَ اللَّه تعالى إلى أَهْلِها رسولاً فقتلوه، فَأَرْسَلَ اللَّه تعالى عليهم بختنصر صَاحِبَ بني إسرائيل فَهَزَمُوا جَيْشَهُ مرتين، فَنَهَضَ في الثالثة بنفسِهِ، فلما هزمهم، وأَخَذَ القَتْلَ فيهمَ رَكَضُوا هاربين، ويُحتَملُ أنْ لا يريدُ بالآية قريةً بعينها، وأَنَّ هذا وَصْفُ حالِ كُلِّ قريةٍ من القرى المُعَذَّبَة إذا أَحَسُّوا العذابَ من أي نوع كان «١» ، أخذوا في الفرار وأَحَسُّوا باشروه بالحواسِّ.
ص: إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ «إذا» الفجائية، وهي وما بعدها جواب لما.
انتهى.
لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (١٥) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦)
وقوله: لاَ تَرْكُضُوا يُحْتَمُلُ على الرواية المُتَقَدِّمَةِ أَنْ يكونَ من قول رجالِ بُخْتَنَصَّرَ على جِهَةِ الخداعِ والاستهزاءِ بهم، فلما انصرفوا راجعينَ أَمَرَ بُخْتَنَصَّرُ أَنْ يُنَادَي فيهم: يا ثارات النّبيّ المقتول «٢» ، فقتلوا بالسّيف عن آخرهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ ؛ أيْ: لَمْ نَخْلُقْ ذَلِكَ عَبَثًا، إنَّما خَلَقْناهُما دَلالَةً عَلى قُدْرَتِنا ووَحْدانِيَّتِنا، لِيَعْتَبِرَ النّاسُ بِخَلْقِهِ، فَيَعْلَمُوا أنَّ العِبادَةَ لا تَصْلُحُ إلّا لِخالِقِهِ، لِنُجازِيَ أوْلِياءَنا ونُعَذِّبَ أعْداءَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والآلِهَةُ بَناتُهُ، نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ نَصارى نَجْرانَ قالُوا: إنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي المُرادِ بِاللَّهْوِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الوَلَدُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ ولَدًا ذا لَهْوٍ نُلْهى بِهِ.
والثّانِي: المَرْأةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: اللَّعِبُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لاتَّخَذْنا نِساءً، أوْ ولَدًا مِن أهْلِ السَّماءِ، لا مِن أهْلِ الأرْضِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصِلُ اللَّهْوِ: الجِماعُ، فَكُنِّيَ عَنْهُ بِاللَّهْوِ كَما كُنِّيَ عَنْهُ بِالسِّرِّ، والمَعْنى: لَوْ فَعَلْنا ذَلِكَ لاتَّخَذَناهُ مِن عِنْدِنا؛ لِأنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّ ولَدَ الرَّجُلِ وزَوْجَتَهُ يَكُونانِ عِنْدَهُ لا عِنْدَ غَيْرِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ " إنْ " بِمَعْنى ( ما )، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الشَّرْطِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: إنْ كُنّا نَفْعَلُ ذَلِكَ، ولَسْنا مِمَّنْ يَفْعَلُهُ، قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، والثّانِي قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ، وهم يَسْتَجِيدُونَ القَوْلَ الأوَّلَ أيْضًا؛ لِأنَّ " إنْ " تَكُونُ في مَوْضِعِ النَّفْيِ، إلّا أنَّ أكْثَرَ ما تَأْتِي مَعَ اللّامِ، تَقُولُ: إنْ كُنْتَ لَصالِحًا، مَعْناهُ: ما كُنْتَ إلّا صالِحًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ ﴾ ؛ أيْ: دَعْ ذاكَ الَّذِي قالُوا فَإنَّهُ باطِلٌ، ﴿ نَقْذِفُ بِالحَقِّ ﴾ ؛ أيْ: نُسَلِّطُ الحَقَّ وهو القُرْآنُ، ﴿ عَلى الباطِلِ ﴾ وهو كَذِبُهم، ﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَكْسِرُهُ، وأصْلُ هَذا إصابَةُ الدِّماغِ بِالضَّرْبِ، وهو مَقْتَلٌ.
﴿ فَإذا هو زاهِقٌ ﴾ ؛ أيْ: زائِلٌ ذاهِبٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إنّا نُبْطِلُ كَذِبَهم بِما نُبَيِّنُ مِنَ الحَقِّ حَتّى يَضْمَحِلَّ، ﴿ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ ﴾ ؛ أيْ: مِن وصْفِكُمُ اللَّهَ بِما لا يَجُوزُ، ﴿ وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَعْنِي: هم عَبِيدُهُ ومُلْكُهُ، ﴿ وَمَن عِنْدَهُ ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَرْجِعُونَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لا يَنْقَطِعُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَعْيَوْنَ، والحَسْرُ: المُنْقَطِعُ الواقِفُ إعْياءً وكَلالًا.
والثّالِثُ: لا يَمَلُّونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَفْتُرُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: لا يَسْأمُونَ.
وسُئِلَ كَعْبٌ: أما يَشْغَلُهم شَأْنٌ ؟
أما تَشْغَلُهم حاجَةٌ ؟!
فَقالَ لِلسّائِلِ: يابْنَ أخِي؛ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ كَما جُعِلَ لَكُمُ النَّفَسُ، ألَسْتَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، وتَقُومُ وتَجْلِسُ، وتَجِيءُ وتَذْهَبُ، وتَتَكَلَّمُ وأنْتَ تَتَنَفَّسُ ؟
فَكَذَلِكَ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى عادَ إلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ ﴾ ؛ لِأنَّ أصْنامَهم مِنَ الأرْضِ هي، سَواءٌ كانَتْ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، أوْ خَشَبٍ أوْ حِجارَةٍ، ﴿ هُمْ ﴾ يَعْنِي: الآلِهَةُ، ﴿ يُنْشِرُونَ ﴾ ؛ أيْ: يُحْيُونَ المَوْتى.
وقَرَأ الحَسَنُ: ( يَنْشُرُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِّينِ.
وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الجَحْدِ، والمَعْنى: ما اتَّخَذُوا آلِهَةً تَنْشُرُ مَيِّتًا.
﴿ لَوْ كانَ فِيهِما ﴾ يَعْنِي: السَّماءَ والأرْضَ، ﴿ آلِهَةً ﴾ يَعْنِي: مَعْبُودِينَ، ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: سِوى اللَّهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: غَيْرُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَفَسَدَتا ﴾ ؛ أيْ: لَخَرَبَتا وبَطَلَتا، وهَلَكَ مَن فِيهِما؛ لِوُجُودِ التَّمانُعِ بَيْنَ الآلِهَةِ، فَلا يَجْرِي أمْرُ العالَمِ عَلى النِّظامِ؛ لِأنَّ كُلَّ أمْرٍ صَدَرَ عَنِ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الخِلافِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ﴾ ؛ أيْ: عَمّا يَحْكُمُ في عِبادِهِ مِن هَدْيٍ وإضْلالٍ، وإعْزازٍ وإذْلالٍ؛ لِأنَّهُ المالِكُ لِلْخَلْقِ، والخَلْقُ يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهم عَبِيدٌ يَجِبُ عَلَيْهِمُ امْتِثالُ أمْرِ مَوْلاهم.
ولَمّا أبْطَلَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَكُونَ إلَهٌ سِواهُ مِن حَيْثُ العَقْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَفَسَدَتا ﴾ ، أبْطَلَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ الأمْرِ، فَقالَ: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ.
﴿ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ عَلى ما تَقُولُونَ، ﴿ هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنُ خَبَرُ مَن مَعِي عَلى دِينِي مِمَّنْ يَتَّبِعُنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بِما لَهم مِنَ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، والعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ.
﴿ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ يَعْنِي: الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ، والمَعْنى: هَذا القُرْآنُ وهَذِهِ الكُتُبُ الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَهُ، فانْظُرُوا هَلْ في واحِدٍ مِنها أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِاتِّخاذِ إلَهٍ سِواهُ ؟
فَبَطَلَ بِهَذا البَيانِ جَوازُ اتِّخاذِ مَعْبُودٍ غَيْرِهِ مِن حَيْثُ الأمْرِ بِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: قِيلَ لَهم: هاتُوا بُرْهانَكم بِأنَّ رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ أخْبَرَ أُمَّتَهُ بِأنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أكْثَرُهُمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: التَّوْحِيدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
" فَهم مُعْرِضُونَ " عَنِ التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ، وما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الإيمانِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ ﴾ ﴿ قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ ﴿ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ ﴾ ﴿ وَما خَلَقْنا السَماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَرْكُضُوا ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ رِجالِ بُخْتَ نَصْرَ عَلى الرِوايَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فالمَعْنى عَلى هَذا أنَّهم خَدَعُوهم واسْتَهْزَءُوا بِهِمْ بِأنْ قالُوا لِلْهارِبِينَ مِنهُمْ: لا تَفِرُّوا وارْجِعُوا إلى مَواضِعِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ صُلْحًا أو جِزْيَةً أو أمْرًا يُتَّفَقُ عَلَيْهِ، فَلَمّا انْصَرَفُوا أمَرَ بُخْتَ نَصْرَ أنْ يُنادى فِيهِمْ: يا ثارّاتِ النَبِيِّ المَقْتُولِ، فَقُتِلُوا بِالسَيْفِ عن آخِرِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا كُلُّهُ مَرْوِيٌّ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "لا تَرْكُضُوا" إلى آخَرِ الآيَةِ مِن كَلامِ مَلائِكَةِ العَذابِ عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ، أنَّ الآياتِ وصْفُ قِصَّةِ كُلِّ قَرْيَةٍ، وأنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَعْيِينَ حَضُوراءَ ولا غَيْرِها، فالمَعْنى عَلى هَذا أنَّ أهْلَ هَذِهِ القُرى كانُوا بِاغْتِرارِهِمْ يَرَوْنَ أنَّهم مِنَ اللهِ بِمَكانٍ، وأنَّهُ لَوْ جاءَهم عَذابٌ أو أمْرٌ لَمْ يَنْزِلْ بِهِمْ حَتّى يُخاصَمُوا أو يُسْألُوا عن وجْهِ تَكْذِيبِهِمْ لِنَبِيِّهِمْ، فَيَحْتَجُّونَ هم عِنْدَ ذَلِكَ بِحُجَجٍ تَنْفَعُهم في ظَنِّهِمْ، فَلَمّا نَزَلَ العَذابُ دُونَ هَذا الَّذِي أمَّلُوهُ ورَكَضُوا فارِّينَ نادَتْهُمُ المَلائِكَةُ - عَلى وجْهِ الهَزْءِ بِهِمْ -: لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا لَعَلَّكم تُسْألُونَ كَما كُنْتُمْ تَطْمَعُونَ بِسَفَهِ رَأْيِكُمْ، ثُمْ يَكُونُ قَوْلُهُ: "حَصِيدًا" أيْ بِالعَذابِ تَرْكُضُونَ كالحَصِيدِ، و"الإتْرافُ": التَنْعِيمُ، و"دَعْواهُمْ" مَعْناهُ: دُعاؤُهم وكَلامُهُمْ، أيْ: لَمْ يَنْطِقُوا بِغَيْرِ التَأسُّفِ، و"الحَصِيدُ" يُشَبِّهُ بِحَصِيدِ الزَرْعِ بِالمِنجَلِ، الَّذِي رَدَّهُمُ الهَلاكُ كَذَلِكَ، و"خامِدِينَ" أيْ مَوْتى دُونَ أرْواحٍ، مُشَبَّهِينَ بِالنارِ إذا طُفِيَتْ.
ولِما فَرَغَ وصْفُ هَذا الحالِ وعَظَ اللهُ تَعالى السامِعِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما خَلَقْنا السَماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ ، أيْ: كَما ظَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَزَلَ بِهِمْ ما نَزَلَ، وكَما تَظُنُّونَ أيُّها الكَفَرَةُ الآنَ، فَفي الآيَةِ وعِيدٌ بِهَذا الوَجْهِ، والمَعْنى: إنَّما خَلَقَنا هَذا كُلَّهُ لِيُعْتَبَرَ بِهِ ويُنْظَرَ فِيهِ ويُؤْمَنَ بِاللهِ بِحَسَبِهِ.
قالَ بَعْضُ الناسِ: "تُسْئَلُونَ" مَعْناهُ: تُفَهَّمُونَ وتُفَقَّهُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ لا يُعْطِيهِ اللَفْظُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تُسْئَلُونَ" مَعْناهُ: شَيْئًا مِن أمْوالِكم وعَرَضِ دُنْياكُمْ، عَلى وجْهِ الهَزْءِ.
<div class="verse-tafsir"
كثير في القرآن الاستدلال بإتقان نظام خلق السماوات والأرض وما بينهما على أن لله حكمة في خلق المخلوقات وخلق نُظمها وسُننها وفِطَرها، بحيث تكون أحوالها وآثارها وعلاقة بعضها ببعض متناسبة مُجارية لما تقتضيه الحكمة ولذلك قال تعالى في سورة [الحجر: 85] ﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ وقد بيّنا هنالك كيفية ملابسة الحق لكل أصناف المخلوقات وأنواعها بما يغني عن إعادته هنا.
وكثر أن ينبه القرآن العقول إلى الحكمة التي اقتضت المناسبة بين خلق ما في السماوات والأرض ملتبساً بالحق، وبين جزاء المكلفين على أعمالهم على القانون الذي أقامته الشرائع لهم في مختلف أجيالهم وعصورهم وبلدانهم إلى أن عَمّتهم الشريعة العامة الخاتمة شريعة الإسلام، وإلى الحكمة التي اقتضت تكوين حياة أبدية تلقى فيها النفوس جزاءَ ما قدمته في هذه الحياة الزائلة جزاء وفاقاً.
فلذلك كثر أن تُعقب الآياتُ المبينة لما في الخلق من الحقّ بالآيات التي تذكُر الجزاء والحساب، والعكس، كقوله تعالى: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ في آخر سورة [المؤمنين: 115]، وقوله تعالى: ﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ﴾ آخر [الحجر: 85]، وقوله تعالى: ﴿ إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ﴾ في سورة [ص: 2628]، وقوله تعالى: ﴿ أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ﴾ في سورة [الدخان: 3740]، وقوله تعالى: ﴿ ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون ﴾ في سورة [الأحقاف: 3] إلى غير هذه من الآيات.
فكذلك هذه الآية عقب بها ذكر القوم المهلَكين، والمقصود من ذلك إيقاظ العقول إلى الاستدلال بما في خلق السماوات والأرض وما بينهما من دقائق المناسبات وإعطاء كلّ مخلوق ما به قِوامه، فإذا كانت تلك سنةَ الله في خلق العوالم ظَرفِها ومظروفها، استدل بذلك على أن تلك السنة لا تتخلف في ترتب المسببات على أسبابها فيما يأتيه جنس المكلفين من الأعمال، فإذا ما لاح لهم تخلف سبب عن سببه أيقنوا أنه تخلف مؤقت فإذا علمهم الله على لسان شرائعه بأنه ادخر الجزاء الكامل على الأعمال إلى يوم آخر آمنوا به، وإذا علّمهم أنهم لا يفوتون ذلك بالموت بل إن لهم حياةً آخِرة وأن الله باعثهم بعد الموت أيقنوا بها، وإذا علمهم أنه ربما عجل لهم بعض الجزاء في الحياة الدنيا أيقنوا به.
ولذلك كثر تعقيب ذكر نظام خلق السماوات والأرض بذكر الجزاء الآجل والبعث وإهلاك بعض الأمم الظالمة، أو تعقيب ذكر البعث والجزاء الآجل والعاجل بذكر نظام خلق السماوات والأرض.
وحسبك تعقيب ذلك بالتفريع بالفاء في قوله تعالى: ﴿ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ﴾ الآيات ختام سورة [آل عمران: 190191].
ولأجل هذا اطرد أوْ كادَ أن يطرد ذكر لفظ ﴿ وما بينهما ﴾ بعد ذكر خلق السماوات والأرض في مثل هذا المقام لأن تخصيص ما بينهما بالذكر يدل على الاهتمام به لأن أشرفه هو نوع الإنسان المقصود بالعبرة والاستدلال وهو مناط التكليف.
فليس بناء الكلام على أن يكون الخلق لعباً منظوراً فيه إلى رد اعتقاد معتقدٍ ذلك ولكنه بني على النفي أخذاً لهم بلازم غفلتهم عن دقائق حكمة الله بحيث كانوا كقائلين بكون هذا الصنع لعباً.
واللعبُ: العمل أو القول الذي لا يُقصد به تحصيل فائدة من مصلحة أو دفع مفسدة ولا تحصيل نفع أو دفع ضر.
وإنما يقصد به إرضاء النفس حين تميل إلى العبث كما قيل: «لا بد للعاقل من حَمْقة يعيش بها».
ويرادفه العبث واللهو، وضده: الجد.
واللعب من الباطل إذ ليس في عمله حكمة فضده الحقّ أيضاً.
وانتصب ﴿ لاعبين ﴾ على الحال من ضمير ﴿ خلَقْنا ﴾ وهي حال لازمة إذ لا يستقيم المعنى بدونها.
وجملة ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً ﴾ مقررة لمعنى جملة ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ﴾ تقريراً بالاستدلال على مضمون الجملة، وتعليلاً لنفي أن يكون خلق السماوات والأرض لَعباً، أي عبثاً بأن اللعب ليس من شأننا أو على الفرض والتنازل لو أردنا اللهو لكان ما يلهو به حاصلاً في أشرف الأماكن من السماوات فإنها أشد اختصاصاً بالله تعالى إذ جعَل سكانها عباداً له مخلصين، فلذلك عبر عنها باسم الظرف المختص وهو ﴿ لَدُن ﴾ مضافاً إلى ضمير الجلالة بقوله تعالى من ﴿ لدنا ﴾ ، أي غير العوالم المختصة بكم بل لكان في عَالم الغيب الذي هو أشد اختصاصاً بنا إذ هو عالم الملائكة المقربين.
فالظرفية المفادة من ﴿ لدن ﴾ ظرفية مجازية.
وإضافة ﴿ لدن ﴾ إلى ضمير الجلالة دلالة على الرفعة والتفضيل كقوله تعالى ﴿ رزقا من لدنا ﴾ في سورة [القصص: 57]، وقوله تعالى: ﴿ وهب لنا من لدنك رحمة ﴾ في سورة [آل عمران: 8]، أي لو أردنا أن نتخذ لهواً لما كان اتخاذه في عالم شهادتكم.
وهذا استدلال باللزوم العرفي لأن شأن من يتخد شيئاً للتفكه به أن يستأثر به ولا يبيحه لغيره وهو مبني على متعارف عقول المخاطبين من ظنهم أن العوالم العليا أقرب إلى الله تعالى.
وجملة ﴿ إن كنا فاعلين ﴾ إن جعلت (إن) شرطية فارتباطها بالتي قبلها ارتباط الشرط بجزائه المحذوف الدال عليه جواب (لو) وهو جملة ﴿ لاتخذناه ﴾ فيكون تكريراً للتلازم؛ وإن جعلت (إن) حرف نفي كانت الجملة مستأنفة لتقرير الامتناع المستفاد من (لو)، أي ما كنا فاعلين لهواً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ولَدًا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهْوَ النِّساءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَقالَ قَتادَةُ: اللَّهْوُ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ المَرْأةُ.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لِأنَّهم قالُوا: مَرْيَمُ صاحِبَتُهُ وعِيسى ولَدُهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اللَّهْوُ الَّذِي هو داعِي الهَوى ونازِعُ الشَّهْوَةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ويُلْعِينُنِي في اللَّهْوِ أنْ لا أُحِبُّهُ ولِلَّهْوِ داعٍ لَبِيبٌ غَيْرُ غافِلِ ﴿ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا ﴾ أيْ مِن عِنْدِنا إنْ كُنّا فاعِلِينَ.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لاتَّخَذْنا نِساءً ووَلَدًا مِن أهْلِ السَّماءِ وما اتَّخَذْنا مِن أهْلِ الأرْضِ.
﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما كُنّا فاعِلِينَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّهُ جاءَ بِمَعْنى الشَّرْطِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ لَوْ كُنّا لاتَّخَذْناهُ بِحَيْثُ لا يَصِلُ عِلْمُهُ إلَيْكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ الكَلامُ المَتْبُوعُ، والباطِلُ المَدْفُوعُ.
وَمَعْنى يَدْمَغُهُ أيْ يُذْهِبُهُ ويُهْلِكُهُ كالمَشْجُوجِ تَكُونُ دامِغَةً في أُمِّ رَأْسِهِ تُؤَدِّي لِهَلاكِهِ.
الثّانِي: أنَّ الحَقَّ القُرْآنُ، والباطِلَ إبْلِيسُ.
الثّالِثُ: أنَّ الحَقَّ المَواعِظُ والباطِلَ المَعاصِي، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ الخَواطِرِ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ الحَقَّ الإسْلامُ، والباطِلَ الشِّرْكُ.
﴿ فَإذا هو زاهِقٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هالَكٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ذاهِبٌ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا يَمَلُّونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: لا يَعْيَوْنَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: لا يَسْتَنْكِفُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: لا يَنْقَطِعُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَسِيرِ وهو البَعِيرُ المُنْقَطِعُ بِالإعْياءِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها ∗∗∗ فَبَيْضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ﴾ يقول: ما خلقناهما عبثاً ولا باطلاً.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾ يريد لم خلقهما عبثا وباطلا (١) (٢) (٣) وقال غيره: خلقناهم حجة ودلالة على قدرتنا ووحدانيتنا؛ ليعتبروا خلقها ويتفكروا فيها (٤) (٥) (١) وهذا تفسير قتادة.
انظر: "الطبري" 17/ 9، "الدر المنثور للسيوطي" 5/ 619.
(٢) في (أ)، (ت): (يقال).
(٣) ذكر أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 302 هذا القول بمعناه ونسبه للكرماني.
قال: إنما خلقناهما لنجازي المحسن والمسيء.
(٤) في (ت): (يتفكروها فيها)، وهو خطأ.
(٥) ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 343 ولم ينسبه لأحد.
وقال الطبري 17/ 9: (وما خلقنا ..) إلا حجة عليكم أيها الناس، ولتعتبروا بذلك كله.
فتعلموا أن الذي دبره وخلقه لا يشبهه شيء، وأنه لا تكون الألوهية إلا له، ولا تصلح العبادة لشيء غيره.
فيظهر أن مراد الواحدي بقوله "غيره": هو الطبري.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالُواْ ياويلنآ ﴾ الآية اعتراف وندم حين لم ينفعهم ﴿ حَصِيداً خَامِدِينَ ﴾ شبهوا في هلاكهم بالزرع المحصود ومعنى ﴿ خَامِدِينَ ﴾ : موتى وهو تشبيه بخمود النار ﴿ لاَعِبِينَ ﴾ حال منفية أي ما خلقنا السموات والأرض لأجل اللعب بل للاعتبار بها، والاستدلال على صنعها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ قال ربي ﴾ بالألف: حمزة وعلي وحفص.
الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ نوحي ﴾ بالنون مبنياً للفاعل: حفص غير الخراز.
الباقون: بالياء مجهولاً.
الوقوف: ﴿ معرضون ﴾ ج للآية مع احتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً.
﴿ يلعبون ﴾ لا لأن ﴿ لاهية ﴾ حال أخرى مترادفة أو متداخلة من ضمير ﴿ يلعبون ﴾ وهي لقلوبهم في المعنى.
﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ مثلكم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع استغناء الثانية عن الأولى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ شاعر ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد المقول ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ أهلكناها ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ ذكركم ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ يركضون ﴾ ه ط لتقدير القول ﴿ تسألون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ خامدين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ من لدنا ﴾ ه على جعل "إن" نافية والأصح أنها للشرط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ زاهق ﴾ لا ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ يستحسرون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً، ﴿ لا يفترون ﴾ ه.
التفسير: قال جار الله: اللام في قوله ﴿ للناس ﴾ إما صلة لاقترب أو تأكيد لإضافة الحساب إليهم كقولك في أزف رحيل الحي أزف للحي الرحيل، فيه تأكيد إن من جهة تقديم الحي ومن جهة إظهار اللام، ثم تزيد تأكيداً آخر من جهة وضع ضمير الحي مضافاً إليه الرحيل، موضع لام التعريف فيه فتقول: أزف للحي رحيلهم.
والمراد اقترب للناس وقت حسابهم وهو القيامة كقوله ﴿ اقتربت الساعة ﴾ فإذا اقتربت الساعة فقد إقترب ما يكون فيها من الحساب وغيره، كأنه لما هدد في خاتمة السورة المتقدمة بقوله ﴿ فستعلمون ﴾ بين في أول هذه السورة أن وقت ذلك العلم قريب.
فإن قيل: كيف وصف بالاقتراب وقد مضى دون هذا القول أكثر من سبعمائة عام فالجواب أن كل ما هو آتٍ قريب، وإنما البعيد الذي دخل في خبر كان قال القائل: شعر فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس على أنه لم يمض بعد يوم من ايام الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ ومما يدل على أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي قوله "بعثت أنا والساعة كهاتين" وقد وعد بعث خاتم النبيين في آخر الزمان، وفي ذكر هذا الاقتراب تنبيه للغافلين وزجر للمذنبين.
فالمراد بالناس كل من له مدخل في الحساب وهم جميع المكلفين.
وما روي عن ابن عباس أن المراد بالناس المشركون فمن باب إطلاق اسم الجنس على بعضه بالدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين من الغفلة والإعراض وغيرهما.
والذكر الطائفة النازلة من القرآن، وقرئ ﴿ محدث ﴾ بالرفع صفة على المحل، واحتجت المعتزلة بالآية على أن القرآن محدث، وأجاب الأشاعرة بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول، وإنما النزاع في الكلام النفسي الذي لا يصح عليه الإتيان والنزول.
وزعم الإمام فخر الدين الرازي أن حاصل قول المعتزلة في هذا المقام يؤل إلى قولنا القرآن ذكر، وبعض الذكر محدث لأن قوله ﴿ من ذكر من ربهم محدث ﴾ لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً بل على أن ذكراً ما محدث، كما أن قول القائل: لا يدخل هذا البلد رجل فاضل إلا يبغضونه، لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً، وإذا كان كذلك فيصير صورة القياس كقولنا "الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس" وإنه لا ينتج شيئاً لأن كلية الكبرى شرط في إنتاج الشكل الأول كما عرف فيعلم الميزان.
قلت: إن المعتزلة لا يحتاجون في إثبات دعواهم إلى تركيب مثل هذا القياس لأن مدعاهم يثبت بتسنيم إحدى مقدمتي القياس الذي ركبه وهي قوله "بعض الذكر محدث" لأنه نقيض ما يدعيه الأشاعرة وهو لا شيء من القرآن بمحدث.
وإذا صدق أحد النقيضين كذب بالضرورة، فظهر أن الإمام غلطهم في هذا القياس الذي ركبه، ثم لقائل أن يقول تتميماً لقول المعتزلة: إذا ثبت أن بعض القرآن محدث لزم أن يكون كله محدثا لأن القائل قائلان: أحدهما ذهب إلى قدم كله، والثاني إلى حدوث كله، ولم يذهب أحد إلى قدم بعضه وحدوث بعضه.
قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ من ربهم محدث ﴾ لموافقة قوله بعد هذا ﴿ قل ربي يعلم ﴾ وقال في الشعراء ﴿ من ذكر من الرحمن محدث ﴾ لكثرة الرحيم فيها.
فكان "الرحمن بالرحيم" أنسب.
قوله ﴿ يلعبون ﴾ اللعب الاشتغال بما لا يعني قوله ﴿ لاهية ﴾ هي من لهى عنه بالكسر إذا ذهل وغفل.
وفيه إن هم كالأنعام بل هم لا يحصلون من الاستماع والتذكير إلا على مثل ما تحصل هي عليه آذانهم تسمع وقلوبهم لا تعي ولا تفقه.
ومعنى ﴿ وأسروا النجوى ﴾ بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لها ولا يعلم أنهم متناجون وفي "واو" اسروا وجهان: أحدهما أن على لغة من يجوز إلحاق علامة التثنية والجمع بالفعل إذا كان مقدماً على فاعله، وثانيهما وهو الأقوى أن الواو ضمير راجع إلى الناس المقدم ذكرهم و ﴿ الذين ظلموا ﴾ بدل منهم.
أو هو منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره ﴿ أسروا النجوى ﴾ مقدماً عليه.
وعلى التقادير أراد وأسروا النجوى هؤلاء فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم ثم أبدل من النجوى قوله ﴿ هل هذا إلاّ بشر ﴾ إلى قوله ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ أي أتقبلون سحره وتحضرون هناك وأنتم ترون أنه رجل مثلكم، أو تعلمون أنه سحر وأنتم من أهل البصر والعقل؟
وجوز بعضهم أن يكون قوله ﴿ هل هذا ﴾ إلى آخره مفعولاً لقالوا مضمراً، وإنما أسروا نجوى هذا الحديث لأنهم أرادوا شبه التشاور فيما بينهم تحرياً لهدم أمر النبي كما جاء في كلام الحكماء.
ويرفع أيضاً إلى النبي "استعينوا على حوائجكم بالكتمان" ويجوز أن يسروا بذلك ثم يقولوا للرسول والمؤمنين: إن كان ما تدعون حقاً فأخبرونا بما اسررنا.
من قرأ ﴿ قال ربي ﴾ فعلى حكاية الرسول كأنه قال: إنكم وإن أخفيتم قولكم وطعنكم فإن ربي عالم بذلك، وإنه من وراء عقابه يصف نفسه في بعض المواضع بأنه يعلم السر وذلك حين يريد تخصيصه بعلم الغيب، ووصف نفسه ههنا بأنه يعلم القول.
قال جار الله: هذا آكد لأنه عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، وأقول هذا إذا كان اللام في القول للاستغراق، أما إذا كان للجنس فلا يلزم زيادة العلم إذ لا دلالة للعام على الخاص.
بل نقول: العلم بالسر يستلزم العلم بالجهر بالطريق الأولى فلا مزية لإحدى العبارتين على الأخرى ﴿ وهو السميع العليم ﴾ خصص علمه بالمسموعات أولاً ثم عمم وقال الإمام قدم "السميع" على "العليم" لأنه لا بد من استماع الكلام أولاً ثم من حصول العلم بمعناه.
قلت: هذا قياس للغائب على الحاضر قوله ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر ﴾ معنى هذه الإضطرابات مع ملاحظة ما قبلها أنهم أنكروا أولاً كون الرسول من جنس البشر، ثم كأنهم قالوا: سلمنا ذلك ولكن الذي ادعيت أنه معجز ليس بمعجز غايته أنه خارق للعادة، وليس كل ما هو خارق للعادة معجزاً فقد يكون سحراً هذا إذا ساعدنا على أن فصاحة القرآن خارجة عن العادة، لكنا عن تسليم هذه المقدمة بمراحل فإنا ندعي أنه في غاية الركاكة وسوء النظم كأضغاث أحلام وهي الأحلام المختلطة التي لا أصل لها وقد مر في سورة يوسف.
سلمنا ولكنه من جنس كلام الأوساط افتراه من عنده؟
سلمنا أنه كلام فصيح ولكنه لا يتجاوز فصاحة الشعراء، وإذا كان حال هذا المعجز هكذا.
﴿ فليأتنا بآية ﴾ لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات ﴿ كما أرسل الأولون ﴾ اي كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل متضمن لإتيانهم بالآيات.
ومن تأمل في هذه الأقوال المحكية عن أولئك الكفرة علم أنها كلام مبطل متحير هائم في أودية الضلال وألا يكفي في إعجاز القرآن أنهم عدلوا حين تحدوا به عن المعارضة بالحروف إلى المقارعة بالسيوف.
ثم بين أن الآيات التي يقترحونها لا فائدة لهم فيها لأنهم أعتى من الأمم السالفة وأنهم ما آمنوا عند مجيء الايات المقترحة فأهلكوا لأجل ذلك ﴿ افهم يؤمنون ﴾ مع شدة شكيمتهم فيه معنى الإنكار أي لا يؤمنون ألبتة وحينئذ يجب إهلاكهم، ولكن قد سبق القول من الله أن هذه الأمة أمنوا من عذاب الاستئصال.
ثم أجاب عن شبهتهم الأولى وهي قولهم ﴿ هل هذا إلاّ بشر مثلكم ﴾ بقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً ﴾ وقد مر مثله في آخر سورة يوسف وفي النحل.
وإنما جاز الأمر بالرجوع إلى أهل الكتاب وإن كانوا من الكفرة، لأن هذا الخبر قد تواتر عندهم وبلغ حد الضرورة على أن أهل الكتاب كانوا يتابعون المشركين في معادة رسول الله فكان قولهم عندهم حجة.
وقيل: أهل الذكر أهل القرآن.
وضعف بأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي محمد ، فكيف يؤمرون بالرجوع إلى قولهم؟
واستدل كثير من الفقهاء بالآية في أن للعاميّ أن يرجع إلى فتيا العلماء، وللمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر وأجيب بأنها خطاب مشافهة وارد في الواقعة المخصوصة، وفي السؤال عن أهل الكتاب فلا يتعدى عن مورد النص وقد مر في آخر سورة يوسف الفرق بين قوله ﴿ وما ارسلنا من قبلك ﴾ وقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك ﴾ بغير "من" وليس إلا ههنا وفي أوائل الفرقان ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ﴾ ثم أكد كون الرسل من جنس البشر بقوله ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ الآية كأنهم قالوا: إنه بشر يأكل كما نأكل ويموت كما نموت، فلعلهم اعتقدوا خلود الملائكة لا أقل من العمر الطويل، ولا بد من تقدير مضاف محذوف اي وما جعلنا الأنبياء قبلك ذوي جسد غير طاعمين وإلا قيل: وما جعلنا لهم جسداً.
ووحد الجسد لإرادة الجنس اي ذوي ضرب من الأجساد وأراد كل واحد منهم قوله: ﴿ صدقناهم الوعد ﴾ أصله في الوعد فنصب بنزع الخافض، ثم فسر الوعد بقوله ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ وهم المؤمنون، ثم نبههم على عظيم نعمه عليهم بقوله، ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ﴾ أي شرفكم وصيتكم، أو فيه بيان مكارم الآخلاق التي بها يبقى الذكر الجميل مع الثواب الجزيل، ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى على الأمم المكذبة فقال ﴿ وكم قصمنا ﴾ والقصم القطع الكبير وهو الذي يبين تلاؤم الأجزاء، وإذا لم يبين فهو الفصم بالفاء، وذلك أن القاف حرف شديد والفاء رخو لوحظ جانب المعنى في اللفظ ومعنى ﴿ من قرية ﴾ من أهل قرية لقوله ﴿ وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ﴾ وللضمائر في قوله ﴿ فلما أحسوا ﴾ إلى آخر القصة.
والمراد بالإحساس الإدراك بحاسة اللمس أو علم لا شك فيه كالمحسوس المشاهد.
والركض ضرب الدابة بالرجل كأنهم ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم حين أدركتهم مقدمة العذاب، قال الجوهري: الركض تحريك الرجل على الدابة استحثاثاً لها ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا، فعلى هذا يجوز أن القوم كانوا يعدون على أرجهلم فقيل لهم لا تركضوا.
والقائل إما من الملائكة أو من المؤمنين أو يجعلون أحقاء بأن يقال لهم ذلك، أو أسمع رب العزة ملائكته هذا القول لينفعهم في دينهم، أو ألهم الله الكفار ذلك فحدثوا به أنفسهم: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ من العيش الهنيء والإتراف إبطار النعمة ﴿ لعلكم تسألون ﴾ غداً عما جرى عليكم وعلى أموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو أجلسوا في مجالسكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم بما تأمرون وماذا ترسمون فينفذ فيهم أمركم ونهيكم، أو يسألكم الناس مستعينين بتدابيركم بآرائكم، أو يسألكم الوافدون وأرباب الطمع مستمطرين سحاب أكفكم إما لأنهم كانوا أسخياء ولكن سمعة ورياء، إما لأنهم بخلاء وفي كل هذه الوجوه تهكم بهم وتوبيخ لهم ﴿ فما زالت تلك ﴾ الدعوى وهي قولهم ﴿ يا ويلنا ﴾ لأن المولول كأنه يدعو الويل ﴿ دعواهم ﴾ الأول اسم "ما زال" والثاني خبره أو بالعكس.
والدعوى بمعنى الدعوة وقد مر في قوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ والحصيد المحصود كقوله ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ شبهوا بالزرع المستأصل والنار التي تخمد فتصير رماداً أي جعلناهم مشبهين بالمحصود والخامد، ووحد ﴿ حصيداً ﴾ لأن المراد زرعاً حصيداً، ولأن "فعيلاً" قد يستوي فيه الواحد والجمع، عن ابن عباس أن الآية نزلت في حضور وسحول قريتين باليمن تنسب إليهما الثياب.
وفي الحديث كفن رسول الله في ثوبين سحوليين.
وروى حضوريين بعث الله إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم فكأن القوم حصدوا بالسيف وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء بالثارات الأنبياء.
قال أهل النظم: لما بين إهلاك كثير من القرى لأجل ظلمهم وتكذيبهم منها اللتان رواهما ابن عباس، أتبعه ما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً ومجازاة لا عبثاً ولا مجازفة فقال: ﴿ وما خلقنا السماء والأرض ﴾ الاية أي وما سوينا هذا السقف المرفوع والمهاد الموضوع ﴿ وما بينهما ﴾ من الأركان والمواليد كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم للهو أو اللعب، وإنما سويناهما لغايات صحيحة ومنافع للخلق دينية ودنيوية كما مر طرف منها في أول "البقرة" ويمكن أن يقال: المقصود من سياق الآية تقرير نبوة محمد والرد على منكريه لأنه ظهر المعجز عليه، فإن كان صادقاً فهو المطلوب، وإن كان كاذباً كان إظهار المعجز عليه من باب اللعب وهو منفي عنه .
قال القاضي عبد الجبار: فيه دليل على أنه لا يخلق اللعب وكل قبيح وإلا كان لاعباً وعورض بمسألتي العلم والداعي.
ثم بين أن السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب ليس هو العجز والضعف ولكن لأن الحكمة تنافيه، معنى ﴿ من لدنا ﴾ من جهة قدرتنا وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن أو المرأة، وقيل: من لدنا اي من الملائكة لا من الإنس رداً على من قال: عزير ابن الله والمسيح ابن الله.
ويحتمل أن يقال من لدنا أي من عندنا على سبيل الخفية فلا تعرفونه ولا تسمعون اسمه فيكون الرد شاملاً لكل من ادعى الله ولداً ولو من الملائكة.
ثم اضرب عن اتخاذ اللهو واللعب فوصف نفسه بما يضاد فعل العبث قائلاً ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ﴾ يعني الباطل ﴿ زاهق ﴾ اي ففاجأ الدمغ زهوق الباطل، قال علماء المعاني: هذا من باب استعارة المحسوس للمعقول بجامع عقلي: فأصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام لأن القذف الرمي بنحو الحجارة، والدمغ من دمغه إذا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ، ثم استعير القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهاب الباطل بجامع الزهوق، ثم وبخهم ونعى عليهم بما وصفوه بالولد وغير ذلك مما لا يجوز عليه وينافي وجوب الوجود بما وصفوا رسوله به من السحر والشعر وغير ذلك من الأوصاف المضادة للرسالة فقال ﴿ ولكم الويل مما تصفون ﴾ اي تصفونه به.
ثم بين كمال قدرته ونهاية حلمه وحكمته فقال ﴿ وله من في السموات والأرض ﴾ والمراد بمن عنده الملائكة المقربون والمقصود عندية الشرف والرتبة.
فأما عندية المكان ففيها بحث طويل.
قال الزجاج: ﴿ لا يستحسرون ﴾ أي لا يتعبون ولا يمسهم الإعياء.
قال جار الله: كان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور ولكنه ذكر بلفظ المبالغة وهو "استفعل" لبيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور، وأنهم أحقاء بتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا ومع ذلك لا يعدُّونها تعباً عليهم.
ثم أكد ذلك بقوله ﴿ يسبحون الليل والنهار ﴾ منصوبان على الظرفية ﴿ لا يفترون ﴾ لا يلحقهم الفتور والكلال.
وحاصل الآية أؤن الملائكة مع غاية شرفهم ونهاية قربهم لا يستنكفون عن طاعة الله، فكيف يليق بالبشر مع ضعفهم ونقصهم أن يتمردوا عن طاعته؟
وقد مر في أول سورة البقرة استدلال مفضلي الملائكة على الأنبياء بهذه الآية وبغيرها فلا حاجة إلى إعادته عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب الأحبار: أرأيت قول الله عز وجل ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ ثم قال: { ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ ﴿ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة ﴾ أليس الرسالة واللعن ما نعين لهم عن التسبيح؟
أجاب كعب بأن التسبيح لهم كالنفس لنا لا يمنعهم عن الاشتغال بشيء آخر.
واعترض بأن آلة التنفس فينا مغايرة للسان فلهذا صح اجتماع التنفس والتكلم.
وأجيب بأنه لا استبعاد في أن يكون لهم ألسن كثيرة، أو يكون المراد بعدم الفتور أنهم لا يتركون التسبيح في أوقاته اللائقة به.
التأويل: اقترب لأهل النسيان أن يحاسبوا أنفسهم كقوله ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ ﴿ وما يأتيهم من ذكر ﴾ وعظ وتذكير من عالم رباني ﴿ محدث ﴾ إلهامه إلا أنكروه عليه ونسبوه إلى التخليط ونحوه ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ فيه أن الله قادر على أن لا يجعل النبي الولي ذا جسد ولكن اقتضت حكمته كونهم ذوي أجساد آكلين للطعام فإن الطعام للروح الحيواني الذي هو مركب الروح الإنساني كالدهن للسراج، وبالقوى الحيوانية تتم الكمالات النفسانية وتدرك المحسوسات وتستفاد العلوم المستندة إلى الإحساس والتجربة وتفصيله أكثر من أن يحصى.
قال بعض المشايخ، لولا الهوى ما سلك أحد طريقاً إلى الله ﴿ وما كانوا خالدين ﴾ والسر فيه أن يعلموا من الموت حقيقة اسم المميت كما علموا من الحياة حقيقة اسم المحيي.
﴿ ثم صدقناهم الوعد ﴾ الذي وعدناهم حين أهبطوا إلى الأرض ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ من متابعيهم من هاوية الهوان وعالم الطبيعة ﴿ وأهلكناهم المسرفين ﴾ الذين اسرفوا على أنفسهم بالكون إلى أسفل سافلين الطبائع.
﴿ وكم قصمنا من ﴾ أهل ﴿ قرية ﴾ قالت ﴿ فلما أحسوا بأسنا ﴾ وهي شدة قطع التعلق عن الكونين فإن الفطام عن المألوف شديد ﴿ لا تركضوا ﴾ منا بل ففروا إلينا ﴿ وارجعوا ﴾ إلى التنعمات الروحاينة ﴿ ومساكنكم ﴾ الصلية ﴿ لعلكم تسألون ﴾ عزة وكرامة ﴿ وما خلقنا ﴾ سموات الأرواح وأرض الأجساد، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار من غير غاية، وإنما خلقناها لتكون لطفنا وقهرنا ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل ﴾ للحق ثلاث مراتب: مرتبة أفعال الحق ومرتبة صفات الحق ومرتبة ذات الحق، ففي كل مرتبة يتجلى الحق فيها للعبد، ارهق باطل تلك المرتبة عن العبد حتى إذا تجلى له بأفعاله ذهب عنه باطل الأفعال، وإذا تجلى له بصفاته ذهب باطل صفاته، وإذا تجلى له بذاته في ذاته فيقول: أنا الحق وسبحاني والويل لمن لم يذهب باطله بإحدى هذه المراتب فيبقى متصفاً بالوجود المجازي.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ﴾ .
أخبر أنه لم يخلق السماء والأرض وما بينهما لتكونا سماء وأرضاً على ما هما عليه ثم تفنيان، ولكن خلقهما لعاقبة قصدها، وهو أن يمتحن أهلها؛ لأن من عمل في الشاهد عملا لا يقصد به عاقبة يأمل ويرجو أمراً فهو في عمله عابث لاهٍ، ولو كان على ما عند أولئك الكفرة بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا ثواب لكان إنشاؤهما وما بينهما باطلا لعباً؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\]، صير عدم الرجوع إليه [بعد] خلقهم عبثاً باطلا.
وقال الحسن: لم يخلقهما عبثا، ولكن خلقهما لحكمة من نظر إليهما دلاَّه على وحدانية منشئهما وسلطانه وقدرته وحكمته وعلى علمه وتدبيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ لَهْواً ﴾ أي: زوجة، لكن هذا بعيد؛ لأنه احتج عليهم على نفي الولد بنفي الصاحبة بقوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ ﴾ ، فلولا أنهم أقروا وعرفوا أن لا صاحبة له، وإلا لم يكن للاحتجاج عليهم على نفي [الولد] بنفي الصاحبة معنى، ويكون قوله: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً ﴾ أي: ولداً؛ لأن الناس يتلهون بالولد فسماه: لهواً لذلك، قال: ﴿ لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ ﴾ بحيث لا تبلغه أفهامكم ولا يدركه علمكم؛ لأن الولد يكون من جنس الوالدين ومن شكلهما، وسبيل معرفته وعلمه الاستدلال الحسي، فإذا لم يعرفوه هو بالحسي فكيف يعرفون من هو يكون منه لو كان؟!
والثاني: أن الغائب إنما يعرف بالاستدلال بالشاهد، فلو كان له الولد على ما تزعمون لكان لا يعرف؛ لأنه لا صنع للولد في الشاهد؛ إذ هو الواحد المتفرد بإنشاء العالم، فيذهب معرفة الولد إدراكه لو كان على ما تزعمون.
وقوله: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ ﴾ ، ليس على أنه يحتمل أن يكون له الولد، أو أن يحتمل أن يتخذ ولداً، ولكن لو احتمل أن يكون لم يحتمل أن يدرك ويعلم، وكذلك يخرج قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ ليس أنه يحتمل أن يكون فيهما آلهة، ولكن لو احتمل أن يكون فيهما آلهة لفسدتا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ ﴾ .
يشبه أن يكون الحق الذي أخبر أنه يقذف على الباطل القرآن الذي أنزله على رسوله أو الرسول نفسه، أو الآيات التي جعلها لوحدانيته أو ألوهيته.
﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ ، أي: يبطل ذلك الذي قالوا في الله ما قالوا من الولد والصاحبة وغيره مما لا يليق به.
﴿ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ ، أي: هو ذاهب متلاشٍ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ : من الولد والصاحبة وجميع ما وصفوه مما لا يليق به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، كأنه ذكر هذا جوابا لقولهم، وردّاً على وصفهم إياه بالذي وصفوه، فقال: ﴿ وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: له من في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه، ولا أحد في الشاهد يتخذ لنفسه ولداً من عبيده وإمائه، فإذا لم تروا هذا في الخلق أنفاً من ذلك واستنكافاً، فكيف قلتم ذلك في الله وتعالى ، وأضفتم إليه.
أو أن يخبر غناه عن الخلق بأن له من في السماوات والأرض والولد في الشاهد إنما يطلب لحاجة تسبق، فإذا كان الله - وتعالى - غنيّاً بذاته بما ذكر أن له كذا لا حاجة تقع له إلى الولد، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ .
يشبه أن يكون ذكر هذا لقولهم: "الملائكة بنات الله"، فأخبر أنهم ليسوا كما وصفوهم ولكنهم عبيد لي، هم لا يستريحون عن عبادتي ولا يفترون.
أو أن يكون ذكر هذا لمكان من عبد الملائكة واتخذهم آلهة دونه، فأخبر أنهم لا يستكبرون عن عبادتي ولا يفترون، ولم يدعوا هم الألوهية لأنفسهم، فكيف نسبتم الألوهية إليهم وعبدتموهم دوني؟
أو أن يكون قال ذلك: إنكم إن استكبرتم عن عبادتي، فلم يستكبر عنها من هو أرفع منزلة وأعظم قدراً منكم، ﴿ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ ينزهون الله ويبرئونه عما وصفه الملحدة من الولد وجميع ما قالوا فيه مما لا يليق به.
وهذه الآية تنقض قول المعتزلة ومذهبهم حيث قالوا: إن الأعمال لأنفسها متعبة منصبة، ولو كانت الأفعال لأنفسها متعبة على ما ذكروا، لكان البشر والملائكة فيها شرعاً سواء، فلما أخبر عنهم أنهم لا يعيون ولا يفترون ولا تتبعهم العبادة؛ دل أنها صارت متعبة لصنع غير فيها لا لأنفسها، وهذه المسألة في خلق أفعال العباد: هم ينكرون خلقها، ونحن نقول: هي خلق الله - عز وجل - كسب للعباد، وقد ذكرنا هذا في غير موضع كلاماً كافياً.
قال أبو عوسجة: ﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ أي: يبطله.
وقال غيره: يهلكه، وهو من قولك: ضربت الرجل فدمغته: إذا وصلت الضربة إلى الدماغ، وإذا كان كذلك مات؛ فكذلك يدمغ الحق الباطل، أي: يهلكه.
وقوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ ، أي: ذاهب وميت، زهق إذا مات وهلك، والزاهق في غير هذا السمين.
﴿ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ أي: لا يعيون، ومنه حسير ومحسور أيضاً، ﴿ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ والفتور: الإعياء أيضاً.
<div class="verse-tafsir"
وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لعبًا وعبثًا، بل خلقناهما للدلالة على قدرتنا.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZB4vJ"