الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ١٠٣ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 41 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٣ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ) أي : إن في محاجة إبراهيم لقومه وإقامته الحجج عليهم في التوحيد لآية ودلالة واضحة جلية على أنه لا إله إلا الله ( وما كان أكثرهم مؤمنين .
وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) .
يقول تعالى ذكره: إن فيما احتجّ به إبراهيم على قومه من الحجج التي ذكرنا له لدلالة بينة واضحة لمن اعتبر, على أن سنة الله في خلقه الذين يستنون بسنة قوم إبراهيم من عبادة الأصنام والآلهة, ويقتدون بهم في ذلك ما سنّ فيهم في الدار الآخرة, من كبكبتهم وما عبدوا من دونه مع جنود إبليس في الجحيم, وما كان أكثرهم في سابق علمه مؤمنين.
إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين تقدم والحمد لله .
إِنَّ فِي ذَلِكَ الذي ذكرنا لكم ووصفنا لآيَةً لكم وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ مع نزول الآيات
"إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين".
«إن في ذلك» المذكور من قصة إبراهيم وقومه «لآية وما كان أكثرهم مؤمنين».
إن في نبأ إبراهيم السابق لَعبرة لِمن يعتبر، وما صار أكثر الذين سمعوا هذا النبأ مؤمنين.
وإن ربك لهو العزيز القادر على الانتقام من المكذبين، الرحيم بعباده المؤمنين.
ثم ختم - سبحانه - قصة إبراهيم بما ختم به قصة موسى - عليهما السلام - فقال : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ .
.
.
) .
اعلم أن إبراهيم عليه السلام ذكر في وصف هذا اليوم أموراً: أحدها: قوله: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرّزَتِ الجحيم لِلْغَاوِينَ ﴾ والمعنى أن الجنة قد تكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويفرحون بأنهم المحشورون إليها والنار تكون بارزة مكشوفة للأشقياء بمرأى منهم يتحسرون على أنهم المسوقون إليها قال الله تعالى في صفة أهل الثواب ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ وقال في صفة أهل العقاب: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ ﴾ وإنما يفعل الله تعالى ذلك ليكون سروراً معجلاً للمؤمنين وغماً عظيماً للكافرين ثانيها: قوله: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴾ والمعنى أين آلهتكم هل ينفعونكم بنصرتهم لكم أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار وهو قوله: ﴿ فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ والغاوون ﴾ أي الآلهة وعبدتهم الذين برزت لهم الجحيم، والكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقي في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ ﴾ متبعوه من عصاة الإنس والجن.
وثالثها: قوله: ﴿ قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تالله إِن كُنَّا لَفِى ضلال مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ العالمين ﴾ .
واعلم أن ظاهر ذلك أن من عبد خاصم المعبود وخاطبه بهذا الكلام، فليس يخلو حال الأصنام من وجهين إما أن يخلقها الله تعالى في الآخرة جماداً يعذب بها أهل النار فحينئذ لا يصح أن تخاطب ويجب حمل قولهم: ﴿ إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ العالمين ﴾ على أنه ليس بخطاب لهم أو يقال إنه تعالى يحييها في النار، وذلك أيضاً غير جائز لأنه لا ذنب لها بأن عبدها غيرها.
فالأقرب أنهم ذكروا ذلك لما رأوا صورها على وجه الاعتراف بالخطأ العظيم وعلى وجه الندامة لا على سبيل المخاطبة، والذي يحمل على أنه خطاب في الحقيقة قولهم: ﴿ وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ المجرمون ﴾ وأرادوا بذلك من دعاهم إلى عبادة الأصنام من الجن والإنس وهو كقولهم: ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا ﴾ فأما قولهم: ﴿ فَمَا لَنَا مِن شافعين ﴾ كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين ﴿ وَلاَ صَدِيقٍ ﴾ كما نرى لهم أصدقاء لأنه لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما أهل النار فبينهم التعادي والتباغض قال تعالى: ﴿ الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين ﴾ أو ﴿ فَمَا لَنَا مِن شافعين * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى، وكان لهم أصدقاء من شياطين الإنس، أو أرادوا أنهم إن وقعوا في مهلكة علموا أن الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم، فقصدوا بنفيهم نفي ما تعلق بهم من النفع، لأن مالا ينفع فحكمه حكم المعدوم، والحميم من الاحتمام وهو الاهتمام وهو الذي يهمه ما يهمك، أو من الحامة بمعنى الخاصة وهو الصديق الخالص، وإنما جمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق، فإن الرجل الممتحن بإرهاق الظالم قد ينهض جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته رحمة له، وأما الصديق وهو الصادق في ودادك، فأعز من بيض الأنوق، ويجوز أن يريد بالصديق الجمع ثم حكى تعالى عنهم قولهم: ﴿ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ وأنهم تمنوا الرجعة إلى الدنيا، ولو في مثل هذا الوضع في معنى التمني كأنه قيل فليت لنا كرة، وذلك لما بين معنى لو وليت من التلاقي في التقدير، ويجوز أن تكون على أصلها ويحذف الجواب وهو لفعلنا كيت وكيت.
قال الجبائي: إن قولهم: ﴿ فَنَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ ليس بخبر عن إيمانهم لكنه خبر عن عزمهم لأنه لو كان خبراً عن إيمانهم لوجب أن يكون صدقاً، لأن الكذب لا يقع من أهل الآخرة، وقد أخبر الله تعالى بخلاف ذلك في قوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ وقد تقدم في سورة الأنعام بيان فساد هذا الكلام.
ثم بين سبحانه أن فيما ذكره من قصة إبراهيم عليه السلام لآية لمن يريد أن يستدل بذلك ثم قال: ﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ والأكثرون من المفسرين حملوه على قوم إبراهيم ثم بين تعالى أن مع كل هذه الدلائل فأكثر قومه لم يؤمنوا به فيكون هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم، فيما يجده من تكذيب قومه.
فأما قوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم ﴾ فمعناه أنه قادر على تعجيل الانتقام لكنه رحيم بالإمهال لكي يؤمنوا.
<div class="verse-tafsir"
يجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح التقاول والتخاصم.
ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين.
والمراد بالمجرمين الذين أضلوهم: رؤساؤهم وكبراؤهم، كقوله: ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا ﴾ [الأحزاب: 67] وعن السديّ: الأوّلون الذين اقتدينا بهم.
وعن ابن جريج: إبليس، وابن آدم القاتل، لأنه أوّل من سنّ القتل وأنواع المعاصي، ﴿ فما لَنَا مِن شافعين ﴾ كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين ﴿ وَلاَ صَدِيقٍ ﴾ كما نرى لهم أصدقاء، لأنه لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون.
وأما أهل النار فبينهم التعادي والتباغض، قال الله تعالى: ﴿ الاخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين ﴾ [الزخرف: 67] أو: فمالنا من شافعين ولا صديق حميم من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء، لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله، وكان لهم الأصدقاء من شياطين الإنس.
أو أرادوا أنهم وقعوا في مهلكة علموا أنّ الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم، فقصدوا بنفيهم نفي ما يتعلق بهم من النفع؛ لأنّ ما لا ينفع: حكمه حكم المعدوم.
والحميم من الاحتمام، وهو الاهتمام، وهو الذي يهمه ما يهمك.
أو من الحامة بمعنى الخاصة، وهو الصديق الخاص.
فإن قلت: لم جمع الشافع ووحد الصديق؟
قلت: لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق.
ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم نهضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته، رحمة له وحسبة، وإن لم يسبق له بأكثرهم معرفة.
وأما الصديق- وهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهملك- فأعز من بيض الأنوق.
وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال: اسم لا معنى له.
ويجوز أن يريد بالصديق: الجمع.
الكرّة: الرجعة إلى الدنيا.
ولو في مثل هذا الموضع في معنى التمني، كأنه قيل: فليت لنا كرة.
وذلك لما بين معنى (لو) و (ليت) من التلاقي في التقدير.
ويجوز أن تكون على أصلها ويحذف الجواب، وهو: لفعلنا كيت وكيت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ إبْراهِيمَ.
﴿ لآيَةً ﴾ لَحُجَّةً وعِظَةً لِمَن أرادَ أنْ يَسْتَبْصِرَ بِها ويَعْتَبِرَ، فَإنَّها جاءَتْ عَلى أنْظَمِ تَرْتِيبٍ وأحْسَنِ تَقْرِيرٍ، يَتَفَطَّنُ المُتَأمِّلُ فِيها لِغَزارَةِ عِلْمِهِ لِما فِيها مِنَ الإشارَةِ إلى أُصُولِ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ والتَّنْبِيهِ عَلى دَلائِلِها وحُسْنِ دَعْوَتِهِ لِلْقَوْمِ وحُسْنِ مُخالَقَتِهِ مَعَهم وكَمالِ إشْفاقِهِ عَلَيْهِمْ وتَصَوُّرِ الأمْرِ في نَفْسِهِ، وإطْلاقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ تَعْرِيضًا وإيقاظًا لَهم لِيَكُونَ أدْعى لَهم إلى الِاسْتِماعِ والقَبُولِ.
﴿ وَما كانَ أكْثَرُهُمْ ﴾ أكْثَرُ قَوْمِهِ.
﴿ مُؤْمِنِينَ ﴾ بِهِ.
﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ ﴾ القادِرُ عَلى تَعْجِيلِ الِانْتِقامِ.
﴿ الرَّحِيمُ ﴾ بِالإمْهالِ لِكَيْ يُؤْمِنُوا هم أوْ أحَدٌ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّ فِى ذَلِكَ} فيما ذكر من الأنباء {لآيَةً} أي لعبرة لمن اعتبر {وَمَا كَانَ أكثرهم مؤمنين} فيقال فريقاً منهم آمنوا
والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا فَلا حاجَةَ إلى إعادَتِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ مُخْتارَنا في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ، ولِشَيْخِ الإسْلامِ كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ لا يَخْفى ما فِيهِ عَلى المُتَأمِّلِ، فَتَأمَّلْ.
﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ ﴾ القَوْمُ - كَما في المِصْباحِ - يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وكَذَلِكَ كُلُّ اسْمِ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، نَحْوُ رَهْطٍ ونَفَرٍ، ولِذا يُصَغَّرُ عَلى قُوَيْمَةٍ، وقِيلَ: هو مُذَكَّرٌ ولَحِقَتْ فِعْلَهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ عَلى إرادَةِ الأُمَّةِ والجَماعَةِ مِنهُ، وتَكْذِيبُهُمُ المُرْسَلِينَ بِاعْتِبارِ إجْماعِ الكُلِّ عَلى التَّوْحِيدِ وأُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والأعْصارِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُرْسَلِينَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَعْلِ اللّامِ لِلْجِنْسِ، فَهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: (فُلانٌ يَرْكَبُ الدَّوابَّ ويَلْبَسُ البُرُودَ) وما لَهُ إلّا دابَّةٌ واحِدَةٌ وبُرْدٌ واحِدٌ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً يعني: رجعة إلى الدنيا فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: من المصدقين على دين الإسلام إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني: لعبرة لمن يعبد غير الله تعالى، ليعلم أنه يتبرأ منه في الآخرة، ولا ينفعه وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: الذين جمعوا في النار، لم يكونوا مؤمنين وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ بالنقمة لمن عبد غيره الرَّحِيمُ بالمؤمنين.
قوله عز وجل: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ يعني: نوحاً وحده.
ويقال: جميع الأنبياء عليهم السلام، لأن نوحاً دعاهم إلى الإيمان بجميع الأنبياء والرسل عليهم السلام، فلما كذبوه فقد كذبوا جميع الرسل إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ يعني: نبيهم، سماه أخوهم، لأنه كان منهم وابن أبيهم أَلا تَتَّقُونَ يعني: ألا تخافون الله تعالى فتوحدوه إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فيما بينكم وبين ربكم، وجعلني الله عز وجل أميناً في أداء الرسالة إليكم.
ويقال: إنه كان أميناً فيهم قبل أن يبعث فَاتَّقُوا اللَّهَ أي: خافوا الله وَأَطِيعُونِ يعني: فاتبعوني فيما أمركم به وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يعني: على الإيمان مِنْ أجر يعني: أجرا إِنْ أَجْرِيَ يعني: ما ثوابي إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وقد ذكرناه.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: خَطِيئَتِي ذهب أكثرُ المفسرين إلى: أَنَّهُ أراد كَذَباتِهِ الثلاثَ، قوله: هي أختي في شأن سارة، وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] .
وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [الأنبياء: ٦٣] ، وقالت فرقة: أراد بالخطيئة اسم الجنس، فدعا في كل أمره من غير تعيين.
قال ع «١» : وهذا أظهر عندي.
مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧)
وقوله: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً: أي حكمةً ونبوَّةً، ودعاؤه في مثل هذا هو في معنى التثبيت والدوام، ولسان الصِّدْق: هو الثَّنَاءُ الحَسَنُ، واستغفاره لأبيه في هذه الآية هو قبل أنْ يَتَبَيَّنَ له أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ.
وقوله: بِقَلْبٍ سَلِيمٍ معناه: خالص من الشرك والمعاصي وعلق الدنيا المتروكة، وإن ٤٨ ب كانت مباحة كالمال والبنين قال سفيان هو الذي يَلْقَى رَبَّهُ/ وليس في قلبه شيء غيره.
قال ع «٢» : وهذا يقتضي عموم اللفظة، ولكنَّ السليم من الشرك هو الأَهَمُّ، وقال الجُنَيْدُ: بقلب [لدِيغٍ من خشية الله، والسُّلِيمُ: اللديغ.
ص: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ الظاهر أَنَّهُ استثناءٌ منقطع، أي: لكن مَنْ أتَى الله بقلب] «٣» سليم، نفعته سلامةُ قلبه، انتهى.
وَأُزْلِفَتِ معناه: قَرُبَتْ، والغاوون الذين بُرِّزَتْ لهم الجحيم هم: المشركون، ثم أخبر سبحانه عن حال يوم القيامة من أَنَّ الأصنامُ تُكَبْكَبُ في النار، أي: تلقى كبّة واحدة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أيْ: قَرُبَتْ إلَيْهِمْ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها، ﴿ وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ ﴾ أيْ: أُظْهِرَتْ ﴿ لِلْغاوِينَ ﴾ وهُمُ الضّالُّونَ، ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ ﴾ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ ﴿ أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَكم مِنَ العَذابِ، أوْ يَمْتَنِعُونَ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُبْكِبُوا ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: هُمُ المُشْرِكُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أُلْقُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ، وأصْلُ الحَرْفِ " كُبِّبُوا " مِن قَوْلِكَ: كَبَّبْتُ الإناءَ، فَأبْدَلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى كافًا، اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ ثَلاثِ باءاتٍ، كَما قالُوا: " كُمْكِمُوا " مِن " الكُمَّةِ "، والأصْلُ: " كُمِّمُوا " .
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: طُرِحَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ؛ وحَقِيقَةُ ذَلِكَ في اللُّغَةِ تَكْرِيرُ الِانْكِبابِ، كَأنَّهُ إذا أُلْقِيَ يَنْكَبُّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتّى يَسْتَقِرَّ فِيها.
وَفِي الغاوِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الشَّياطِينُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: الآَلِهَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ وَجُنُودُ إبْلِيسَ ﴾ أتْباعُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ.
﴿ قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ ﴾ يَعْنِي: هم وآَلِهَتُهم، ﴿ تاللَّهِ إنْ كُنّا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَقَدْ كُنّا.
وقالَ الزَّجّاجُ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ نُسَوِّيكُمْ ﴾ أيْ: نَعْدِلُكم بِاللَّهِ في العِبادَةِ، ﴿ وَما أضَلَّنا إلا المُجْرِمُونَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الشَّياطِينُ.
والثّانِي: أوْلُّوهم الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ، قالَ عِكْرِمَةُ: إبْلِيسُ وابْنُ آدَمَ القاتِلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَنا مِن شافِعِينَ ﴾ هَذا قَوْلُهم إذا شَفَعَ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ.
ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قالَ: " «إنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ في الجَنَّةِ: ما فَعَلَ صَدِيقِي فُلانٌ؟
وصَدِيقُهُ في الجَحِيمِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أخْرِجُوا لَهُ صَدِيقَهُ إلى الجَنَّةِ، فَيَقُولُ مَن بَقِيَ [فِي النّارِ]: فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ " ؟» .
والحَمِيمُ: القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ والمَعْنى: ما لَنا مِن ذِي قَرابَةٍ يُهِمُّهُ أمْرُنا، ﴿ فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً ﴾ أيْ: رَجْعَةٌ إلى الدُّنْيا ﴿ فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ لِتَحَلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِلْمُوَحِّدِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ ﴾ ﴿ تاللهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَما أضَلَّنا إلا المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ فَما لَنا مِن شافِعِينَ ﴾ ﴿ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ ﴿ فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ ثُمَّ وصَفَ تَعالى أنَّ أهْلَ النارِ يَخْتَصِمُونَ فِيها ويَتَلاوَمُونَ، ويَأْخُذُونَ في شَأْنِهِمْ بِجِدالٍ.
ومِن جُمْلَةِ قَوْلِهِمْ لِأصْنامِهِمْ -عَلى جِهَةِ الإقْرارِ وقَوْلِ الحَقِّ-: قَسَمًا بِاللهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ في أنْ نَعْبُدَكم ونَجْعَلَكم سَواءً مَعَ اللهِ تَعالى الَّذِي هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومالِكُهُمْ، ثُمَّ عَطَفُوا يَرُدُّونَ المَلامَةَ عَلى غَيْرِهِمْ، أيْ: ما أضَلَّنا إلّا كُبَراؤُنا وأهَّلُ الحَزْمِ والجُرْأةِ والمَكانَةِ، ثُمَّ قالُوا -عَلى جِهَةِ التَلَهُّفِ والتَأسُّفِ- حِينَ رَأوا شَفاعَةَ المَلائِكَةِ والعُلَماءِ والأنْبِياءِ نافِعَةً في أهْلِ الإيمانِ عُمُومًا، وشَفاعَةَ الصَدِيقِ في صَدِيقِهِ خاصَّةً: ﴿ فَما لَنا مِن شافِعِينَ ﴾ ﴿ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ ، وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ تَنْبِيهٌ عَلى مَحِلِّ الصَدِيقِ مِنَ المَرْءِ.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: "شافِعِينَ" مِنَ المَلائِكَةِ، و"صَدِيقٍ" مِنَ الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَفْظَةُ "الشَفِيعِ" تَقْتَضِي رِفْعَةَ مَكانَةٍ عِنْدَ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ، ولَفْظَةُ "الصَدِيقِ" تَقْتَضِي شِدَّةَ مُساهَمَةٍ ونُصْرَةٍ، وهو (فَعِيلٌ) مِن صِدْقِ الوِدِّ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ.
و"الحَمِيمُ": الوَلِيُّ والقَرِيبُ الَّذِي يَخُصُّكَ أمْرُهُ ويَخُصُّهُ أمْرَكَ، وجامِعَةُ الرَجُلِ خاصَّتُهُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ قَدْ مَضى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ﴾ هي عِنْدِي مُنْقَطِعَةٌ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وهي إخْبارٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ تُعَلِّقُ مِن صِفَةِ اليَوْمَ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَهُ في دُعائِهِ ألّا يَخْزى.
<div class="verse-tafsir"
تكرير ثالث لهاته الجملة تعداداً على المشركين وتسجيلاً لتصميمهم.
واسم الإشارة إشارة إلى كلام إبراهيم عليه السلام فإن فيه دليلاً بيّناً على الوحدانية لله تعالى وبطلان إلهية الأصنام، فكما لم يهتد بها قوم إبراهيم فما كان أكثر المشركين بمكة بمؤمنين بها بعد سماعها، ولكن التبليغ حق على الرسول صلى الله عليه وسلم وقد تقدم الكلام على نظير هذه الآية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ جُمِعُوا فِيها أيِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: طُرِحُوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقُطْرُبٌ.
الثّالِثُ: نُكِسُوا فِيها عَلى رُؤُوسِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
الرّابِعُ: قُلِبَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ، قالَ الشّاعِرُ: يَقُولُ لَهم رَسُولُ اللَّهِ لَمّا قَذَفْناهم كَباكِبَ في القَلِيبِ ﴿ هم والغاوُونَ ﴾ يَعْنِي الآلِهَةَ الَّتِي يَعْبُدُونَ.
وَفِي الغاوِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الشَّياطِينُ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أعْوانُهُ مِنَ الجِنِّ.
الثّانِي: أتْباعُهُ مِنَ الإنْسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَنا مِن شافِعِينَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ.
الثّانِي: مِنَ النّاسِ.
﴿ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّقِيقُ: قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: القَرِيبُ النَّسِيبُ، يُقالُ حُمَّ الشَّيْءُ إذا قَرُبَ ومِنهُ الحُمّى لِأنَّها تُقَرِّبُ الأجَلَ، قالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ لَعَلَّ لُبْنى اليَوْمَ حُمَّ لِقاؤُها ∗∗∗ وبِبَعْضِ بَلاءٍ إنَّ ما حُمَّ واقِعُ وَقالَ ابْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى بِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: يُذْهِبُ اللَّهُ يَوْمَئِذٍ مَوَدَّةَ الصَّدِيقِ، ورِقَّةَ الحَمِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وما أضلنا إلا المجرمون ﴾ يقول: الأوّلون الذين كانوا قبلنا اقتدينا بهم فضللنا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة ﴿ وما أضلنا إلا المجرمون ﴾ قال: إبليس وابن آدم القاتل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ فما لنا من شافعين ﴾ قال: من أهل السماء ﴿ ولا صديق حميم ﴾ قال: من أهل الأرض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ولا صديق حميم ﴾ قال: شفيق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلو أن لنا كرة ﴾ قال: رجعة إلى الدنيا ﴿ فنكون من المؤمنين ﴾ قال: حتى تحل لنا الشفاعة كما حلت لهؤلاء.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ يعني فيما أخبر من قصة إبراهيم ﴿ لَآيَةً ﴾ لعبرة لمن بعدهم.
والباقي [103 - 104] مفسر فيما مضى من السورة إلى قوله: <div class="verse-tafsir"
﴿ وَبُرِّزَتِ الجحيم لِلْغَاوِينَ ﴾ يعني المشركين بدلالة ما بعده ﴿ فَكُبْكِبُواْ فِيهَا ﴾ كبكبوا: مضاعف من كب كررت حروفه دلالة على تكرير معناه: أي كبهم الله في النار مرة بعد مرة، والضمير للأصنام، والغاوون هم المشركون، وقيل: الضمير للمشركين، والغاوون هم الشياطين ﴿ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العالمين ﴾ أي نجعلكم سواء معه ﴿ وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ المجرمون ﴾ يعني كبراءهم، وأهل الجرم والجراءة منهم ﴿ حَمِيمٍ ﴾ أي خالص الودّ، قال الزمخشري: جمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة، وقلة الأصدقاء ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين ﴾ أسند الفعل إلى القوم، وفيه علامة التأنيث، لأن القوم في معنى الجماعة والأمة، فإن قيل: كيف قال المرسلين بالجمع وإنما كذبوا نوحاً وحده؟
فالجواب من وجهين: أحدهما أنه أراد الجنس كقولك: فلان يركب الخيل وإنما لم يركب إلى فرساً واحداً والآخر أن من كذب نبياً واحداً فقد كذب جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأن قولهم واحد ودعوتهم سواء، وكذلك الجواب في: كذبت عاد المرسلين وغيره ﴿ واتبعك الأرذلون ﴾ جمع أرذل، وقد تقدّم الكلام عليه في قوله: ﴿ أَرَاذِلُنَا ﴾ في [هود: 27] ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ المؤمنين ﴾ يعني الذين سموهم أرذلين، فإنّ الكفار أرادوا من نوح أن يطردهم، كما أرادت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد عمار بن ياسر وصهيباً وبلالاً وأشباههم من الضعفاء ﴿ المرجومين ﴾ يحتمل أن يريدوا الرجم بالحجارة، أو بالقول وهو الشتم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لي إلا ﴾ ﴿ واغفر لأبي إنه ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع ﴿ وأجري إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص: ﴿ وأتباعك ﴾ على أنه جمع تابع أو تبع: يعقوب ﴿ أنا إلا ﴾ بالمد: أبو نشيط عن قالون ﴿ معي من المؤمنين ﴾ بفتح ياء المتكلم: حفص وورش.
الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" طرف ﴿ اتل ﴾ وإنما هو منصوب باذكر ﴿ ما تعبدون ﴾ ه ﴿ عاكفين ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ه ﴿ يضرون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا لأن الضمير بعده توكيد ﴿ الأقدمون ﴾ ه والوصل أولى للفاء ﴿ العالمين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ صفة الرب ﴿ يهدين ﴾ ه لا ﴿ يشفين ﴾ ه ﴿ ويسقين ﴾ ه ﴿ يحيين ﴾ ه لا ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ بالصالحين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ النعيم ﴾ ه لا ﴿ الضالين ﴾ ه لا ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ ولا بنون ﴾ ه لا ﴿ سليم ﴾ ه ط بناء على أن ما بعده إلى آخر أحوال الجنة والنار هو من كلام الله وهو الظاهر.
وقيل: هو من تتمة كلام إبراهيم ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ شافعين ﴾ ه ﴿ حميم ﴾ ه ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الاية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ج لأن "إذ" تصلح ظرفاً للتكذيب مفعولاً لا ذكر ﴿ تتقون ﴾ ج ه لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ أمين ﴾ ه لا للفاء ﴿ وأطيعون ﴾ ج ه ﴿ من أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ج ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه لا ﴿ الأرذلون ﴾ ه ط ﴿ يعملون ﴾ ج ه لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ تشعرون ﴾ ه لذلك ﴿ المؤمنين ﴾ ج ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ المرجومين ﴾ ه ط ﴿ كذبون ﴾ ه ج ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المشحون ﴾ ج ه ﴿ الباقين ﴾ ه ﴿ الآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ط ﴿ الرحيم ﴾ ه.
التفسير: القصة الثانية قصة إبراهيم وكان يعلم عبدة أصنام ولكنه سألهم للإلزام والتبكيت.
ومثله أهل المعاني بأن يقول أحد للتاجر: ما مالك؟
وهو يعلم أن ماله الرقيق ثم يقول له الرقيق: جمال وليس بمال.
وإنما قال في سورة الصافات ﴿ ماذا تعبدون ﴾ بزيادة "ذا" لأنه أراد هناك مزيد التوبيخ ولذلك بنى الكلام على الزيادة ثم اردفه بقوله ﴿ أئفكا آلهة دون الله تريدون ﴾ وحين صرح هنالك بالتوبيخ لم يجيبوه وههنا ظنوا أنه يريد الاستفهام حقيقة فأجابوه ولكنهم بسطوا الكلام بسطاً ولم يقتصروا على ﴿ أصناماً ﴾ بل زادوا ناصبه وعقبوه بقولهم ﴿ فنظل لها عاكفين ﴾ إظهاراً للابتهاج والافتخار.
قال في الكشاف: وإنما قالوا ﴿ فنظل ﴾ لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل.
قلت: وهذا مبني على النقل الصحيح والظن به حسن.
قال: لا بد في ﴿ يسمعونكم ﴾ من تقدير حذف المضاف معناه هل يسمعون دعاءكم؟
قلت: ويحتمل أن يكون المحذوف مفعولاً ثانياً أي هل يسمعونكم تدعون إذ تدعون وهو حكاية حال ماضية لأن "إذ" للمضي ومعناه استحضار الأحوال الماضية التي كانوا يدعونها فيها.
وحين تمسكوا في الجواب بطريقة التقليد قائلين على سبيل الإضراب ﴿ بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ﴾ نبههم إبراهيم بقوله ﴿ أفرأيتم ﴾ على أن الباطل لا يتغير بأن يكون قديماً أو حديثاً ولا بأن يكون في مرتكبيه كثرة أو قلة، وصرح بأن معبوديه أعداء لقوله ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً ﴾ أو لأن الذي يغري على عبادتها هو الشيطان وهو أعدى عدو للإنسان، وإنما لم يقل عدوّ لكم لأنه أراد تصوير المسألة في نفسه ليكون أدل على النصح وأقرب إلى القبول كأنه قال: إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدوّ.
ويحكى عن الشافعي أن رجلاً واجهه بشيء فقال: لو كنت بحيث أنت لاحتجت إلى أدب.
وقوله ﴿ إلا رب العالمين ﴾ استثناء منقطع أي لكن رب العالمين حبيب لي.
ثم وصف لهم الرب بأنه ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ أي خلق بدني على كماله الممكن له ثم يهدين في الاستقبال إلى ضروب مصالح الدين والدنيا كامتصاص الدم في البطن والثدي بعد الولادة نظيره ما مر في "طه" ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ .
ثم نبه بقوله ﴿ والذي هو يطعمني ويسقين ﴾ أن الذي يتعلق به قوام البدن من الاغتذاء بالطعام والإساغة بالشراب هو من جملة إنعام الله لأنه خلق هناك قوى جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة وغيرها، ولولاها لما تم أمر الانتفاع بالغذاء بل نفس الغذاء من جملة نعمه الشاملة، ثم قال ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ وذلك أن البدن ليس دائماً على النهج الطبيعي بحيث تصدر عنه الأفعال الموضوع هو لها سليمة فاسترداد الصحة بعد زوالها ليس إلا بإذن الله وبما خلق لكل داء دواء وإنما لم يقل أمرضني لأن كثيراً من اسباب المرض يحدث بإسراف الإنسان في المطعم والمشرب.
وأيضاً الصحة تحتاج إلى سبب قاهر يقسر الأخلاط والقوى على النسبة المطلوبة، أما المرض فإنه بسبب تنافر الأخلاط وطلب كل منها مركزه الأصلي.
وأيضاً فيه رعاية الأدب في مقام المدح وتعداد النعم وإنما لم يراع هذه النكتة في قوله ﴿ والذي يميتني ﴾ لأن الإماتة ليست بضر كالمرض.
إما بعدم الإحساس وقتئذ، وإما لأنها مقدمة الوصول إلى عالم الخير والراحة.
وإنما زاد لفظة "هو" في الإطعام والشفاء لأنهما قد ينسبان إلى الإنسان فيقال: زيد يطعم وعمرو يداوي.
فأكد إعلاماً بأن ذلك في الحقيقة من الله، واما الإماتة والإحياء فلا يدعيهما مدع فأطلق: ثم اشار إلى ما بعد الإحياء من المجازاة بقوله ﴿ والذي أطمع ﴾ فحمل الأشاعرة الطمع على مجرد الظن والرجاء بناء على أنه لا يجب لأحد على الله شيء.
وحمله المعتزلة على اليقين تارة وعلى هضم النفس والتواضع وتعليم الأمة أخرى، كما أنه أضاف الخطيئة إلى نفسه لمثل ذلك.
وقد تحمل الخطيئة على المعاريض المنسوبة إليه من قوله ﴿ إني سقيم ﴾ وقوله ﴿ بل فعله كبيرهم ﴾ وقوله لسارة "هي أختي" وإنما علق المغفرة بيوم الدين لأن أثرها يتبين يومئذ وهو في الدنيا خفي.
قال بعضهم: فائدة زيادة "لي" هي أن يعلم أن المغفرة فائدتها تعود إليه والله لا يستفيد بذلك كمالاً لم يكن له.
والمراد: أطمع أن يغفر لي لمجرد عبوديتي له واحتياجي إليه لا بواسطة شفيع كما قال لجبرائيل: أما إليك فلا.
وحين قدم الثناء شرع في الدعاء تعليماً لأمته إذا أرادوا مسألة فقال ﴿ رب هب لي حكماً ﴾ وهو إشارة إلى كمال القوة النظرية ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ وهو إشارة إلى كمال القوة العملية.
ولقد اجابه حيث قال ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ وقيل: الحكم النبوة إذ النبي ذو حكمة وذو حكم.
بين عباد الله وزيف بأنه كان حاصلاً فكيف يطلبه؟
والظاهر أنه اراد بالحكم النسب الذهنية المطابقة للخارجية أعني العلوم النظرية كما بينا.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال، إنه طلب العلم من الله فلولا أن العلم بخلقه وإلا كان السؤال عبثاً.
وحمله المعتزلة على منح الألطاف.
قيل: الحكم المطلوب بالدعاء إن كان هو العلم بغير الله لزم أن يكون سائلاً لما يشغله عن الله وهو باطل، وإن كان العلم بالله بقدر ما هو شرط صحة الإيمان لزم طلب ما هو حاصل لأدنى المؤمنين فضلاً عن إبراهيم، فإذن هو العلم الزائد على ما هو ضروري في الإيمان وهو الوقوف على حقيقة الذات والصفات، ثم لا يكشف المقال عنها غير الخيال وبه يصير المؤمن من الواصلين إلى العين دون السامعين إلى الأثر.
ثم طلب الذكر الجميل بقوله ﴿ واجعل لي لسان صدق ﴾ والإضافة فيه كقوله ﴿ قدم صدق ﴾ وقال ابن عباس: وقد أعطاه الله ذلك لقوله ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ ولهذا اتفق أهل الأديان قاطبة على حبه وادعاء متابعته.
ومدح الكافر ليس مقصوداً لذاته من حيث هو كافر وإنما المقصود أن يكون ممدوح كل إنسان ومحموداً بكل لسان.
وفائدة الثناء على الشخص بعد وفاته هو انصراف الهمم إلى ما به يحصل له عند الله زلفى وقد يصبر ذلك المدح داعياً للمادح أو لمن يسمعه إلى اكتساب مثل تلك الفضائل.
وقيل: سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون داعياً إلى ملته وهو محمد .
ثم سأل ما هو غاية كل سعادة فقال ﴿ واجعلني من ورثة جنة النعيم ﴾ وقد مر معنى هذه الوراثة في قوله ﴿ وتلك الجنة التي أورثتموها ﴾ وكذلك في سورة مريم ﴿ تلك الجنة التي نورث من عبادنا ﴾ ثم طلب السعادة الحقيقية لأشد الناس التصاقاً به وهو ابوه قائلاً ﴿ واغفر لأبي ﴾ وقد سبق في آخر التوبة وفي مريم" ما يتعلق به من المباحث.
وههنا سؤال: وهو أنه متى حصلت الجنة بدعائه امتنع حصول الخزي فكيف قال بعده ﴿ ولا تخزني ﴾ وايضاً قال ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ وما كان نصيب الكافر كيف يستجير منه المعصوم؟
أجاب عنه في التفسير الكبير كما أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فكذلك درجات الأبرار دركات المقربين، وخزي كل واحد ما يليق بحاله فكأنه سأل الشركة أوّلاً ثم الخصوصية ثانياً.
وأقول: يحتمل أن يكون هذا الدعاء من تتمة دعائه لأبيه أي لا تخزني ولا تفضحني بسبب تعذيب ابي يوم يبعث الضالون أو العباد كلهم، ومثل هذا الضمير مما يعلم عوده بالقرينة.
ويجوز أن يكون سأل الجنة بشرط التعظيم والإجلال، ويجوز أن يكون أخر هذا الدعاء لما يعقبه من حديث يوم القيامة وأهوالها وأحوالها فاراد أن لا ينقطع نظم الكلام.
وفي قوله ﴿ إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ إشارة إلى ما وصفه الله به في قوله ﴿ وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم ﴾ وفي هذا الاستثناء وجوه منها: أنه منقطع والمضاف محذوف أي إلا حال من أتى الله بقلب سليم والمراد بالحال سلامة القلب والمعنى: أن المال والبنين لا ينفعان وإنما ينفع سلامة القلب عن الأمراض الروحانية كالجهل وسائر الأخلاق الذميمة، ويندرج في سلامة القلب سلامة سائر الجوارح لأنه رئيسها.
ولا شك أن المال والبنين ليسا من جنس سلامة القلب فيكون الاستثناء منقطعاً.
ومنها أنه متصل وذلك على وجهين: أحدهما لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه.
وثانيهما أن يجعل من باب قولهم: تحية بينهم ضرب وجيع *** والمضاف المحذوف الحال أو السلامة نظيره أن يقال لك: هل لزيد مال وبنون؟
فتقول: ماله وبنوه سلامة قلبه تريد نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب له بدلاً عن ذلك.
ومنها أن يكون الموصول مفعولاً لينفع والاستثناء مفرغ أي لا ينفع مال ولا بنون أحداً إلا رجلاً سلم قلبه مع ماله وبنيه حيث أنفقه في طاعة الله وما قصر في باب تأديبهم وإرشادهم، أو سلم قلبه من فتنة المال والبنين فلم يكفر ولم يعص.
وقد يفسر السليم بالذائب من خشية الله .
وحين أنجرّ الكلام إلى ذكر يوم القيامة وصف الله أو إبراهيم أحواله وأهواله فقال ﴿ وأزلقت الجنة للمتقين ﴾ قال المفسرون: الجنة تقرب من موقف السعداء ليكون لهم فرجاً معجلاً، وتجعل النار بارزة مكشوفة للأشقياء ليزدادوا غماً وحسرة، ولمثل هذا اليوم وبخهم بقوله ﴿ إينما كنتم تعبدون ﴾ يعني الآلهة التي كنتم تعبدونها ﴿ من دون الله هل ينصرونكم ﴾ بنصرتهم لكم أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار وذلك قوله ﴿ فكبكبوا فيها هم ﴾ أي الآلهة ﴿ والغاوون ﴾ الذين عبدوهم قال جار الله: الكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقى في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها أعاذنا الله منها.
والمراد بجنود إبليس شياطينهم أو متبعوه من عصاة الجن والإنس.
﴿ قالوا ﴾ يعني الغاوين وجنود إبليس ﴿ وهم ﴾ يعني والحال أن الأصنام وعبدتهم ﴿ فيها يختصمون ﴾ قال أكثر المفسرين: يجوز أن ينطق الله الأصنام بحيث يصح منها التخاصم.
وقيل: إن هذا التخاطب بين العصاة والشياطين إذ سووهم برب العالمين.
والمراد بالمجرمين على التفسيرين الرؤساء والكبراء.
وعن السدي: الأولون الذين سنوا الشرك.
وعن ابن جريج: إبليس وقابيل لأنه سن القتل وأنواع المعاصي: ﴿ فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ﴾ خالص يهمه ما يهمنا وفيه نفي الشفعاء والصديق راساً أو نفي للذين كانوا عدّوهم شفعاء واصدقاء من الأصنام والرؤساء، أو نفي للانتفاع بهم قصدوا بنفيهم ما يتعلق بهم من الفائدة، فكل عديم النفع حكمه حكم المعدوم.
قال جار الله: إنما جمع الشافع ووحد الصديق لكثرة الشفعاء لأجل الخشية عادة، ولكن الصديق الصادق أعز من الكبريت الأحمر حتى زعم بعض الحكماء أنه اسم لا معنى له.
وجوز أن يكون الصديق في معنى الجمع والكرة الرجعة إلى الدنيا "ولو" في معنى التمني.
وقوله ﴿ فنكون ﴾ جواب التمني أو عطف في المعنى على ﴿ كرة ﴾ أي ليت لنا كرة فإن نكون، وعلى هذا جاز أن تكون "لو" على أصل الشرط والجواب محذوف وهو لفعلنا كيت وكيت.
ثم بين أن فيما كره من قصة إبراهيم لآية لمن يريد أن يستدل بذلك وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين.
القصة الثالثة قصة نوح: ولا ريب أن نبأه عظيم فقد كان يدعوهم الف سنة غلا خمسين عاماً، ومع ذلك لم يزد قومه إلا التكذيب.
والقوم مؤنث بدليل قوله ﴿ كذبت ﴾ وكان أميناً فيهم مشهوراً كمحمد في قريش.
وكرر قوله ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ تأكيداً وتقريراً في النفوس مع أنه علق كل واحد بسبب وهو الأمانة في الأول وقطع الطمع في الثاني نظيره قول الرجل لغيره: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيراً؟
ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيراً؟
وقدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته لأن تقوى الله علة طاعته.
قوله ﴿ وما علمي ﴾ يريد ايّ شيء علمي ومعناه انتفاء علمه بإخلاص أعمالهم لله عز وجل واطلاعه على باطنهم ومكنون ضميرهم كأنهم طعنوا في إيمانهم ايضاً فذكر أن حسابهم على الله وأنه لم يبعث إلا للنذارة.
ويجوز أن يكون فسر لهم الرذالة بما هو الرذالة عنده من سوء الأعمال وفساد العقائد فبنى جوابه على ذلك وقال: ما علمي إلا اعتبار الظاهر والله يتولى السرائر.
وفي قوله ﴿ لو تشعرون ﴾ إشارة إلى أنهم لا يصدقون بالحساب والجزاء، وفيه إنكار أن يسمى المؤمن رذلاً وإن كان أفقر الناس وأوضعهم فالغني غني الدين والنسب نسب التقوى.
﴿ رب أن قومي كذبون ﴾ ليس إخباراً لأنه علام الغيوب وإنما هو تمهيد مقدمة لطلب الفتح والحكومة.
والفلك المشحون المملوء من كل زوجين اثنين مع نوح وأهله.
التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ﴾ وهو الروح وما يتولد منه ﴿ نعبد أصناماً ﴾ وهو ما سوى الله ﴿ فنظل لها عاكفين ﴾ إلا أن أدركتنا العناية فنعرض عنها: ﴿ بل وجدنا آباءنا ﴾ وهم الأرواح والآباء العلوية كذلك يتعلق بعضهم ببعض ﴿ فإنهم عدوّ لي ﴾ إن تعلقت فصرت محجوباً بهم عن الله ﴿ خلقني فهو يهدين ﴾ إلى حضرته و ﴿ يطعمني ﴾ من طعام العبودية الذي يعيش القلوب، ويسقيني من شراب طهور التجلي ﴿ وإذا مرضت ﴾ بتعلقات الكونين ﴿ فهو يشفين ﴾ بالجذبة الإلهية ﴿ والذي يميتني ﴾ عن أوصاف البشرية ﴿ ثم يحيين ﴾ بأوصاف الروحانية ويميتني عن أوصاف الروحانية ثم يحيين بالأوصاف الربانية ثم يميتني عن أنانيتي ثم يحيين بهويته ﴿ والذي أطمع أن ﴾ يستر ظلمة خطيئة وجودي بطلوع شمس نهار الدين ﴿ رب هب لي ﴾ من ربوبيتك ﴿ حكماً ﴾ على بذل وجودي فيهويتك ﴿ وألحقني ﴾ بالذين صلحوا لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة.
﴿ واجعل لي لسان صدق في الآخرين ﴾ من النفس وصفاتها ليعرضوا عما سوى الله ﴿ واغفر لأبي ﴾ الروح ﴿ إنه كان من الضالين ﴾ حين رد من العالم العلوي إلى السفلي من قولهم "ضل الماء في اللبن" ﴿ ولا تخزني ﴾ بتعلقات الكونين ﴿ قال نوح ﴾ القلب ﴿ وما علمي بما كانوا يعملون ﴾ يعني أراذل الجسد والأعضاء لأنهم عملة عالم الشهادة وأنا من عملة عالم الغيب ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ فيما يعملون من الأعمال الحيوانية لحاجة ضرورية يعفو عنها والشهوة حيوانية يؤاخذهم بها ﴿ لو تشعرون ﴾ الفرق بينهما ﴿ قالوا ﴾ أي النفس وصفاتها ﴿ لئن لم تنته يا نوح ﴾ القلب عما تدعونا إليه على خلاف إرادتنا ﴿ لنكونن من المرجومين ﴾ بأحجار الوساوس والهواجس ﴿ في الفلك المشحون ﴾ أي في فلك الشريعة المملوء بالأوامر والنواهي والحكم والمواعظ والأسرار والحقائق ﴿ ثم أغرقنا الباقين ﴾ بطوفان استيلاء الأخلاق الذميمة وآفات الدنيا الدنية، وباقي القصص إشارات إلى رسول القلب المسلم من الله وقومه النفس وصفاتها وإليه المرجع والمآب لما قررناه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ﴾ ، وذكر في حرف ابن مسعود وأبي: ﴿ وقربت الجحيم الضالين ﴾ وفي هذه [القراءة] الظاهرة: بُرِّزَتْ: أُظْهِرَتْ.
وقوله: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ في الدنيا، أي: ثم يقال لهم: أين ما كنتم تعبدون من دون الله في الدنيا، هل ينصرونكم ويمنعونكم من عذاب الله، أو ينتصرون هم من العذاب؟!
لأنهم يطرحون جميعاً العابد والمعبود في النار؛ كقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ ، وإنما قالوا ذلك لهم؛ لأنهم كانوا يقولون في الدنيا ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، فيقال لهم مقابل ذلك في الآخرة: ﴿ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ ﴾ الآية.
وقوله: ﴿ فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ ﴾ : قال الزجاج: هو من كب، أي: كبوا، لكن ذكر كبكبوا على التكرار والإعادة مرة بعد مرة، أي: يكبون لم يزل عملهم ذلك، أو كلام نحو هذا.
وقال القتبي: ﴿ فَكُبْكِبُواْ فِيهَا ﴾ : ألقوا على رءوسهم، وقذفوا.
وأصل الحرف كبوا، من ذلك كببت الإناء، فأبدلت مكان الباء الكاف، وهو الطرح والإلقاء على الوجوه؛ يقال: كبكبتهم أي: طرحتهم في النار أو في البئر، هو من قوله: ﴿ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ ﴾ .
﴿ وَٱلْغَاوُونَ ﴾ : قيل: الضالون، يقال: غوى يغوى غيا وغواية فهو غاوٍ، أي: ضل؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.
وقال أبو معاذ: ﴿ فَكُبْكِبُواْ ﴾ : أصله: كبوا.
وقال بعضهم: جمعوا فيها: ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ وَٱلْغَاوُونَ ﴾ هم الشياطين، ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ ﴾ : ذريته، أي: الشياطين الذين أضلوا بني آدم؛ وهو قول قتادة.
وقال بعضهم: ﴿ وَٱلْغَاوُونَ ﴾ : هم كفار الجن، ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ ﴾ هم الشياطين.
وقال بعضهم: ﴿ وَٱلْغَاوُونَ ﴾ : هم الأئمة من الكفار، ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ ﴾ : سائر الكفار أتباعهم وذريتهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ﴾ : ذكر أنهم يختصمون في النار، ولم يذكر فيم يكون خصومتهم؟
فجائز أن يكون في آية أخرى: ﴿ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، وقوله: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ ﴾ الآية [ص: 61]، وقوله: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً ﴾ الآية [الأعراف: 38]، وأمثاله من المجادلات التي تجري فيما بين الأتباع والمتبوعين.
وقال بعضهم: اختصامهم ما ذكر على أثره، قال: ﴿ تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ الآية؛ هذه مخاصمتهم.
وقوله: ﴿ تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : فإن كان قولهم هذا للأصنام التي عبدوها، وذلك في تسميتهم آلهة، وجعلهم العبادة لها يسوونها برب العالمين في التسمية والعبادة.
وإن كان قولهم هذا للشياطين، فهو في اتباعهم أمرهم ودعاهم الذي دعوهم، وإلا لا أحد من الكفرة يقصد قصد عبادة الشيطان أو يسميه: إلها، ولكن على ما ذكرنا من متابعتهم أمرهم.
وفي حرف ابن مسعود: ﴿ إذ نسويكم برب العالمين إذ كنا نشرككم برب العالمين ﴾ .
وقال بعضهم: إذ كنا نطيعكم كما نطيع رب العالمين.
وقال بعضهم: إذ نعدلكم برب العالمين؛ وبعضه قريب من بعض.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ أي: ما أضلنا إلا أوائلنا؛ وكذلك في حرف ابن مسعود: ﴿ وما أضلنا إلا الأولون ﴾ .
وتأويل هذا: أنهم لما رأوا الأولين تركوا على ما كانوا عليه من الكفر والشرك، ولم يعذبوا في الدنيا ولا أصابتهم نقمة - ظنوا أنهم أمروا بذلك، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
وقوله: ﴿ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ ﴾ : لأنهم قالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ فلم يشفعوا لهم، أي: ليست لنا شفعاء يشفعون، ولو كانت لهم شفعاء لا تنفعهم شفاعتهم، على ما قال: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ ، وهو ما قال: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ ﴾ ، ليس أنه كان ينفعهم فعلى ذلك هذا.
وقوله: ﴿ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ : الحميم: القريب، أي: ليس لهم حميم يهتم بأمرهم.
وقوله: ﴿ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً ﴾ أي: لو أن لنا رجعة إلى المحنة فنكون من المؤمنين، فأخبر الله أنهم لو ردوا لعادوا بقوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ ﴾ إلى ما كانوا فيه لما نهوا عنه، وقد ذكرناه.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ ما ذكرنا من الأخبار والأنباء لآية وعبرة لمن اعتبروا.
﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ : قال بعضهم: لو كان أكثرهم مؤمنين ما عذبوا في الدنيا.
وجائز أن يكون لو ردوا إلى المحنة التي سألوا الرجعة إليها، ما كان أكثرهم مؤمنين.
وجائز أن يكون نفر منهم، والله أعلم.
﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : قد ذكرناه.
<div class="verse-tafsir"
إن في ذلك المذكور من قصة إبراهيم ، ومصير المكذبين لعبرة للمعتبرين، وما كان معظمهم مؤمنين.
<div class="verse-tafsir" id="91.20ma2"