الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ١٠٦ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 48 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٦ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون ) أي : ألا تخافون الله في عبادتكم غيره ؟
لما( قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ ) فتحذروا عقابه على كفركم به, وتكذيبكم رسله.
إذ قال لهم أخوهم نوح أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين .
وقيل : هي أخوة المجانسة .
قال الله تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه وقد مضى هذا في ( الأعراف ) .
وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم .
يريدون يا واحدا منهم .
الزمخشري : ومنه بيت الحماسة :لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهاناألا تتقون أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام .
كذّبوه إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ في النسب نُوحٌ وإنما ابتعث الله الرسل, من نسب من أرسل إليهم, لئلا يشمئزوا من الانقياد له, ولأنهم يعرفون حقيقته, فلا يحتاجون أن يبحثوا عنه، فقال لهم مخاطبا بألطف خطاب - كما هي طريقة الرسل, صلوات الله وسلامه عليهم - : أَلا تَتَّقُونَ الله, تعالى, فتتركون ما أنتم مقيمون عليه, من عبادة الأوثان, وتخلصون العبادة لله وحده.
( إذ قال لهم أخوهم ) في النسب لا في الدين .
( نوح ألا تتقون )
«إذ قال لهم أخوهم» نسبا «نوح ألا تتقون» الله.
كَذَّبت قوم نوح رسالة نبيهم، فكانوا بهذا مكذبين لجميع الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل.
إذ قال لهم أخوهم نوح: ألا تخشون الله بترك عبادة غيره؟
إني لكم رسول أمين فيما أبلغكم، فاجعلوا الإيمان وقاية لكم من عذاب الله وأطيعوني فيما آمركم به من عبادته وحده.
وما أطلب منكم أجرًا على تبليغ الرسالة، ما أجري إلا على رب العالمين، المتصرف في خلقه، فاحذروا عقابه، وأطيعوني بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
و ( إِذْ ) فى قوله - تعالى - : ( إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ ) أى : كذبوا نيهم نوحا وقت أن قال لهم ناصحا ومنذرا ( أَلاَ تَتَّقُونَ ) أى : ألا تتقون الله - تعالى - الذى خلقكم ورزقكم ، فتخلصوا له العبادة وتتركوا عبادة غيره .
القصة الثالثة: قصة نوح عليه السلام: اعلم أنه تعالى لما قص على محمد صلى الله عليه وسلم خبر موسى وإبراهيم تسلية له فيما يلقاه من قومه قص عليه أيضاً نبأ نوح عليه السلام، فقد كان نبؤه أعظم من نبأ غيره، لأنه كان يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومع ذلك كذبه قومه فقال: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾ وإنما قال (كذبت) لأن القوم مؤنث وتصغيرها قويمة، وإنما حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين لوجهين: أحدهما: أنهم وإن كذبوا نوحاً لكن تكذيبه في المعنى يتضمن تكذيب غيره، لأن طريقة معرفة الرسل لا تختلف فمن حيث المعنى حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين وثانيهما: أن قوم نوح كذبوا بجميع رسل الله تعالى، إما لأنهم كانوا من الزنادقة أو من البراهمة.
وأما قوله: ﴿ أَخُوهُمْ ﴾ فلأنه كان منهم، من قول العرب يا أخا بني تميم يريدون يا واحداً منهم، ثم إنه سبحانه حكى عن نوح عليه السلام أنه أولاً خوفهم، وثانياً أنه وصف نفسه، أما التخويف فهو قوله: ﴿ أَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ .
واعلم أن القوم إنما قبلوا تلك الأديان للتقليد والمقلد إذا خوف خاف، وما لم يحصل الخوف في قلبه لا يشتغل بالاستدلال، فلهذا السبب قدم على جميع كلماته قوله: ﴿ أَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ .
وأما وصفه نفسه فذاك بأمرين: أحدهما: قوله: ﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ وذلك لأنه كان فيهم مشهوراً بالأمانة كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش فكأنه قال كنت أميناً من قبل، فكيف تتهموني اليوم؟
وثانيهما: قوله: ﴿ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي على ما أنا فيه من ادعاء الرسالة لئلا يظن به أنه دعاهم للرغبة، فإن قيل: ولماذا كرر الأمر بالتقوى؟
جوابه: لأنه في الأول أراد ألا تتقون مخالفتي وأنا رسول الله، وفي الثاني: ألا تتقون مخالفتي ولست آخذ منكم أجراً فهو في المعنى مختلف ولا تكرار فيه، وقد يقول الرجل لغيره: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيراً!
ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيراً، وإنما قدم الأمر بتقوى الله تعالى على الأمر بطاعته، لأن تقوى الله علة لطاعته فقدم العلة على المعلول، ثم إن نوحاً عليه السلام لما قال لهم ذلك أجابوه بقولهم: ﴿ أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون ﴾ .
قال صاحب الكشاف: وقرى ﴿ وأتباعك الأرذلون ﴾ جمع تابع كشاهد وأشهاد أو جمع تبع كبطل وأبطال والواو للحال وحقها أن يضمر بعدها قد في ﴿ واتبعك ﴾ وقد جمع أرذال على الصحة وعلى التكسير في قولهم: ﴿ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا ﴾ والرذالة الخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة والحجامة.
واعلم أن هذه الشبهة في نهاية الركاكة، لأن نوحاً عليه السلام بعث إلى الخلق كافة، فلا يختلف الحال في ذلك بسبب الفقر والغنى وشرف المكاسب ودناءتها، فأجابهم نوع عليه السلام بالجواب الحق وهو قوله: ﴿ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وهذا الكلام يدل على أنهم نسبوهم مع ذلك إلى أنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما آمنوا بالهوى والطمع كما حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأى ﴾ ثم قال: ﴿ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبّى ﴾ معناه لا نعتبر إلا الظاهر من أمرهم دون ما يخفى، ولما قال: ﴿ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبّى ﴾ وكانوا لا يصدقون بذلك أردفه بقوله: ﴿ لَوْ تَشْعُرُونَ ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ المؤمنين ﴾ وذلك كالدلالة على أن القوم سألوه إبعادهم لكي يتبعوه أو ليكونوا أقرب إلى ذلك، فبين أن الذي يمنعه عن طردهم أنهم آمنوا به ثم بين أن غرضه بما حمل من الرسالة يمنع من ذلك بقوله: ﴿ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ والمراد إني أخوف من كذبني ولم يقبل مني، فمن قبل فهو القريب، ومن رد فهو البعيد، ثم إن نوحاً عليه السلام لما تمم هذا الجواب لم يكن منهم إلا التهديد، فقالوا: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يا نوح لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين ﴾ والمعنى أنهم خوفوه بأن يقتل بالحجارة، فعند ذلك حصل اليأس لنوح عليه السلام من فلاحهم، وقال: ﴿ رَبّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ فافتح بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً ﴾ وليس الغرض منه إخبار الله تعالى بالتكذيب لعلمه أن عالم الغيب والشهادة أعلم، ولكنه أراد إني لا أدعوك عليهم لما آذوني، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك ﴿ فافتح بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ ﴾ أي فاحكم بيني وبينهم والفتاحة الحكومة، والفتاح الحاكم لأنه يفتح المستغلق، والمراد من هذا الحكم إنزال العقوبة عليهم لأنه قال عقبه: ﴿ وَنَجّنِى ﴾ ولولا أن المراد إنزال العقوبة لما كان لذكر النجاة بعده معنى، وقد تقدم القول في قصته مشروحاً في سورة الأعراف وسورة هود.
ثم قال تعالى: ﴿ فأنجيناه وَمَن مَّعَهُ فِي الفلك المشحون ﴾ قال صاحب الكشاف: الفلك السفينة وجمعه فلك قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ ﴾ فالواحد بوزن قفل والجمع بوزن أسد والمشحون المملوء يقال شحنها عليهم خيلاً ورجالاً، فدل ذلك على أن الذين نجوا معه كان فيهم كثرة، وأن الفلك امتلأ بهم وبما صحبهم، وبين تعالى أنه بعد أن أنجاهم أغرق الباقين وأن إغراقه لهم كان كالمتأخر عن نجاتهم.
<div class="verse-tafsir"
القوم: مؤنثة، وتصغيرها قويمة.
ونظير قوله: ﴿ المرسلين ﴾ والمراد نوح عليه السلام: قولك: فلان يركب الدواب ويلبس البرود، وماله إلا دابة وبرد.
قيل: أخوهم؛ لأنه كان منهم، من قول العرب: يا أخا بني تميم، يريدون: يا واحداً منهم.
ومنه بيت الحماسة: لاَ يَسْأَلُونَ أَخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ ** في النَّائِبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانَا كان أميناً فيهم مشهوراً بالأمانة، كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش ﴿ وَأَطِيعُونِ ﴾ في نصحي لكم وفيما أدعوكم إليه من الحق ﴿ عَلَيْهِ ﴾ على هذا الأمر، وعلى ما أنا فيه، يعني: دعاءه ونصحه ومعنى: ﴿ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ ﴾ : فاتقوا الله في طاعتي، وكرره ليؤكده عليهم ويقرّره في نفوسهم، مع تعليق كل واحدة منهما بعلة، جعل علة الأوّل كونه أميناً فيما بينهم، وفي الثاني حسم طمعه عنهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ ﴾ الـ ( قَوْمُ ) مُؤَنَّثَةٌ ولِذَلِكَ تُصَغَّرُ عَلى قُوَيْمَةٍ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في تَكْذِيبِهِمُ المُرْسَلِينَ.
﴿ إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ﴾ لِأنَّهُ كانَ مِنهم.
﴿ ألا تَتَّقُونَ ﴾ اللَّهَ فَتَتْرُكُوا عِبادَةَ غَيْرِهِ.
﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ مَشْهُورٌ بِالأمانَةِ فِيكم.
﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ ﴾ فِيما آمُرُكم بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
<div class="verse-tafsir"
{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ} نسباً لا ديناً {نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} خالق الأنام فتتركوا عبادة الأصنام
وإذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ لَهُمْ ﴾ ظَرْفٌ لِلتَّكْذِيبِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ مَدِيدٍ وقَعَ فِيهِ ما وقَعَ مِنَ الجانِبَيْنِ إلى تَمامِ الأمْرِ، كَما أنَّ تَكْذِيبَهم عِبارَةٌ عَمّا صَدَرَ مِنهم مِن حِينِ ابْتِداءِ دَعْوَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى انْتِهائِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ( إذْ ) لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: كَذَّبَتْ لِأجْلِ أنْ قالَ لَهُمْ: ﴿ أخُوهم نُوحٌ ﴾ أيْ: نَسِيبُهم كَما يُقالُ: يا أخا العَرَبِ، ويا أخا تَمِيمٍ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبَهم في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانًا والضَّمِيرُ لِقَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: هو لِلْمُرْسَلِينَ، والأُخُوَّةُ المُجانَسَةُ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ ألا تَتَّقُونَ ﴾ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - حَيْثُ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ ﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ ﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أرْسَلَنِي لِمَصْلَحَتِكم ﴿ أمِينٌ ﴾ مَشْهُورٌ بِالأمانَةِ فِيما بَيْنَكُمْ، وقِيلَ: أمِينٌ عَلى أداءِ رِسالَتِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ ﴾ فِيما آمُرُكم بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى، وقُدِّمَ الأمْرُ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى عَلى الأمْرِ بِالطّاعَةِ؛ لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِطاعَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً يعني: رجعة إلى الدنيا فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: من المصدقين على دين الإسلام إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني: لعبرة لمن يعبد غير الله تعالى، ليعلم أنه يتبرأ منه في الآخرة، ولا ينفعه وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: الذين جمعوا في النار، لم يكونوا مؤمنين وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ بالنقمة لمن عبد غيره الرَّحِيمُ بالمؤمنين.
قوله عز وجل: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ يعني: نوحاً وحده.
ويقال: جميع الأنبياء عليهم السلام، لأن نوحاً دعاهم إلى الإيمان بجميع الأنبياء والرسل عليهم السلام، فلما كذبوه فقد كذبوا جميع الرسل إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ يعني: نبيهم، سماه أخوهم، لأنه كان منهم وابن أبيهم أَلا تَتَّقُونَ يعني: ألا تخافون الله تعالى فتوحدوه إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فيما بينكم وبين ربكم، وجعلني الله عز وجل أميناً في أداء الرسالة إليكم.
ويقال: إنه كان أميناً فيهم قبل أن يبعث فَاتَّقُوا اللَّهَ أي: خافوا الله وَأَطِيعُونِ يعني: فاتبعوني فيما أمركم به وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يعني: على الإيمان مِنْ أجر يعني: أجرا إِنْ أَجْرِيَ يعني: ما ثوابي إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وقد ذكرناه.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: خَطِيئَتِي ذهب أكثرُ المفسرين إلى: أَنَّهُ أراد كَذَباتِهِ الثلاثَ، قوله: هي أختي في شأن سارة، وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] .
وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [الأنبياء: ٦٣] ، وقالت فرقة: أراد بالخطيئة اسم الجنس، فدعا في كل أمره من غير تعيين.
قال ع «١» : وهذا أظهر عندي.
مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧)
وقوله: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً: أي حكمةً ونبوَّةً، ودعاؤه في مثل هذا هو في معنى التثبيت والدوام، ولسان الصِّدْق: هو الثَّنَاءُ الحَسَنُ، واستغفاره لأبيه في هذه الآية هو قبل أنْ يَتَبَيَّنَ له أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ.
وقوله: بِقَلْبٍ سَلِيمٍ معناه: خالص من الشرك والمعاصي وعلق الدنيا المتروكة، وإن ٤٨ ب كانت مباحة كالمال والبنين قال سفيان هو الذي يَلْقَى رَبَّهُ/ وليس في قلبه شيء غيره.
قال ع «٢» : وهذا يقتضي عموم اللفظة، ولكنَّ السليم من الشرك هو الأَهَمُّ، وقال الجُنَيْدُ: بقلب [لدِيغٍ من خشية الله، والسُّلِيمُ: اللديغ.
ص: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ الظاهر أَنَّهُ استثناءٌ منقطع، أي: لكن مَنْ أتَى الله بقلب] «٣» سليم، نفعته سلامةُ قلبه، انتهى.
وَأُزْلِفَتِ معناه: قَرُبَتْ، والغاوون الذين بُرِّزَتْ لهم الجحيم هم: المشركون، ثم أخبر سبحانه عن حال يوم القيامة من أَنَّ الأصنامُ تُكَبْكَبُ في النار، أي: تلقى كبّة واحدة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: القَوْمُ مُذَكَّرُونَ؛ والمَعْنى: كَذَّبَتْ جَماعَةُ قَوْمِ نُوحٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ﴾ كانَتِ الأُخُوَّةُ مِن جِهَةِ النَّسَبِ بَيْنَهم، لا مِن جِهَةِ الدِّينِ، ﴿ ألا تَتَّقُونَ ﴾ عَذابَ اللَّهِ بِتَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، ﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ عَلى الرِّسالَةِ فِيما بَيْنِي وبَيْنَ رَبِّكم.
﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ ﴾ أيْ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ ﴾ ﴿ قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنْ حِسابُهم إلا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ وَما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ﴾ ﴿ فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ ﴿ ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ أسْنَدَ "كَذَّبَتْ" إلى "القَوْمِ" وفِيهِ عَدَمُ التَأْنِيثِ، مِن حَيْثُ "القَوْمُ" في مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ.
وقَوْلُهُ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ إنَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ؛ إذْ قَوْلُهم واحِدٌ، ودَعْوَتُهم سَواءٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أخُوهُمْ ﴾ يُرِيدُ: في النَسَبِ والمَنشَأِ، لا في الدِينِ، و"أمِينٌ" مَعْناهُ: عَلى وحْيِ اللهِ تَعالى ورِسالِتِهِ، يُرِيدُ: في المَنشَأِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ: "أجْرِي" ساكِنَةَ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بِفَتْحِ الياءِ في كُلِّ القُرْآنِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمُ الأمْرَ بِالتَقْوى والدُعاءِ إلى الطاعَةِ تَحْذِيرًا ونِذارَةً وحِرْصًا عَلَيْهِمْ، فَذَهَبَ أشْرافُهم إلى اسْتِنْقاصِ أتْباعِهِ بِسَبَبِ صِغارِ الناسِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وضُعَفائِهِمْ، وهَذا كَفِعْلِ قُرَيْشٍ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وصُهَيْبٍ، وغَيْرِهِما.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: "الأرْذَلُونَ": الحاكَّةُ والحَجّامُونَ والأساكِفَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ المِثالِ، أيْ: أهْلُ الصَنائِعِ الخَسِيسَةِ، لا أنَّ هَذِهِ الصَنائِعَ المَذْكُورَةَ خُصَّتْ بِهَذا.
و"الأرْذَلُونَ": جَمْعُ الأرْذَلِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا مُعَرَّفًا أو مُضافًا، أو بِمَن، ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مُرادَ قَوْمِ نُوحٍ بِنِسْبَةِ الرَذِيلَةِ إلى المُؤْمِنِينَ تَهْجِينُ أفْعالِهِمْ، لا النَظَرُ في صَنائِعِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ: ﴿ وَما عِلْمِي ﴾ الآيَةُ؛ لِأنَّ مَعْنى كَلامِهِ: لَيْسَ في نَظَرِي وعِلْمِي بِأعْمالِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّما أقْنَعُ بِظاهِرِهِمْ وأجْتَزِئُ بِهِ، ثُمَّ حِسابُهم عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ : «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقُولُوا إلَهَ إلّا اللهُ...» الحَدِيثُ بِجُمْلَتِهِ.
وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "واتَّبَعَكَ" عَلى الفِعْلِ الماضِي، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعِيدٍ الأنْصارِيِّ: "وَأتْباعُكُ" عَلى الجَمْعِ، ونَسَبَها أبُو الفَتْحِ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ، والضِحاكِ، وطَلْحَةَ، قالَ أبُو عَمْرٍو: وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والأعْمَشِ، وأبِي حَيْوَةَ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمَذانِيُّ: "لَوْ يَشْعُرُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ:"تَشْعُرُونَ" بِتاءِ الخِطابِ.
وإعْرابُ قَوْلِهِ: "وَأتْباعُكَ" إمّا جَعَلَهُ في مَوْضِعِ الحالِ، وإمّا عُطِفَ عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ أنُؤْمِنُ لَكَ ﴾ ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِقَوْلِهِ: "لَكَ".
وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ المَرْجُومِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِالحِجارَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِالقُرْآنِ والشَتْمُ ونَحْوُهُ وهو شَبِيهٌ بِرَجْمِ الحِجارَةِ، وهو مِنَ الرَجْمِ بِالغَيْبِ والظَنِّ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: "افْتَحْ" مَعْناهُ: احْكُمْ، والفَتّاحُ: القاضِي بِلُغَةٍ يَمَنِيَّةٍ، و"الفُلْكُ": السَفِينَةُ، وجَمْعُها فُلْكٌ أيْضًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ القَوْلِ في هَذا الجَمْعِ في سُورَةِ الأعْرافِ.
و"المَشْحُونِ" مَعْناهُ: المَمْلُوءُ بِما يَنْبَغِي لَهُ مِن قَدْرِ ما يَحْمِلُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ناشئ عن قوله: ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ [الشعراء: 103] أي لا تأسَ عليهم ولا يعظُمْ عليك أنهم كذّبوك فقد كذبت قوم نوح المرسلين؛ وقد علم العرب رسالةَ نوح، وكذلك شأن أهل العقول الضالّة أنهم يعرفون الأحوال وينسون أسبابها.
وأنث الفعل المسند إلى قوم نوح لتأويل ﴿ قوم ﴾ بمعنى الأمة أو الجماعة كما يقال: قالت قريش، وقالت بنو عامر، وذلك قياس في كل اسم جَمع لا واحد له من لفظه إذا كان للآدمي مثل نَفَر ورهْط، فأما إذا كان لغير الآدميين نحو إبل فمؤنث لا غير.
قاله الجوهري وتبعه صاحب «اللسان» و«المصباح».
ووقع في «الكشاف» هذه العبارة «القومُ مؤنثة وتصغيرُها قُويمة» فظاهر عبارته أن هذا اللفظ مؤنث المعنى في الاستعمال لا غير، وهذَا لم يقله غيره وسكت شراحه عليه ولم يعرج الزمخشري عليه في «الأساس» فإن حمل على ظاهر العبارة فهو مخالف لكلام الجوهري وابن سيده.
ويحتمل أنه أراد جواز تأنيث (قوم) وأنه يجوز أن يصغر على قويمة فيُجمع بين كلامه وكلام الجوهري وابن سيده، وهو احتمال بعيد من ظاهر كلامه الموكَّد بقوله: وتصغيره قُويمة، لما هو مقرر من أن التصغير يرد الأسماء إلى أصولها.
وأيّاً مّا كان فهو صريح في أن تأنيثه ليس بتأويله بمعنى الأمة لأن التأويل اعتبار للمتكلم فلا يكون له أثر في إجراء الصيغ مثل التصغير، فإن الصيغ من آثار الوضع دون الاستعمال، ألا ترى أنه لا تجعل للمعاني المجازية صيغ خاصة بالمجاز.
وجُمع ﴿ المرسلين ﴾ وإنما كذَّبوا رسولاً واحداً أولَ الرسل ولم يكن قبله رسول وهم أول المكذّبين، فإنما جُمع لأن تكذيبهم لم يكن لأجل ذاته ولكنه كان لإحالتهم أن يرسل الله بشراً، وأن تكون عبادة أصنامهم ضلالاً فكان تكذيبهم إياه مقتضياً تكذيب كل رسول لأن كل رسول يقول مثل ما قاله نوح عليه السلام، ولذلك تكرر في قوله: ﴿ كذبت عاد المرسلين ﴾ [الشعراء: 123] وما بعده.
وقد حكي تكذيبهم أن يكون الرسول بشراً في قوله: ﴿ أَوَعَجِبْتم أن جاءكم ذِكْر من ربكم على رجل منكم لينذركم ﴾ في [الأعراف: 63].
وسيأتي حكاية تكذيب عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب لَيْكة على هذا النمط فيما تكرر من قوله: كذبت } وقوله: ﴿ المرسلين ﴾ .
و ﴿ إذ قال ﴾ ظرف، أي كذبوه حين قال لهم ﴿ ألا تتقون ﴾ فقالوا: ﴿ أنؤمن لك ﴾ [الشعراء: 111].
ويظهر أن قوله: ﴿ ألا تتقون ﴾ صدر بعد أن دعاهم من قبل وكرّر دعوتهم إذ رآهم مُصرِّين على الكفر ويدل لذلك قولهم في مجاوبته ﴿ واتَّبَعَك الأرذلون ﴾ [الشعراء: 111].
وخص بالذكر في هذه السورة هذا الموقف من مواقفه لأنه أنسب بغرض السورة في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بذكر مماثل حاله مع قومه.
والأخ مستعمل في معنى القريب من القبيلة.
وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ وإلى عاد أخاهم هوداً ﴾ في سورة [الأعراف: 65].
وقوله: ﴿ ألا تتقون ﴾ يجوز أن يكون لفظ ﴿ أَلاَ ﴾ مركباً من حرفين همزة استفهام دخلت على (لاَ) النافية، فهو استفهام عن انتفاء تقواهم مستعمل في الإنكار وهو يقتضي امتناعهم من الامتثال لدعوته.
ويجوز أن يكون ﴿ أَلاَ ﴾ حرفاً واحداً هو حرف التحْضيض مثل قوله تعالى: ﴿ ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم ﴾ [التوبة: 13] وهو يقتضي تباطؤهم عن تصديقه.
والمراد بالتقوى: خشية الله من عقابه إياهم على أن جعلوا معه شركاء.
وجملة: ﴿ إني لكم رسول أمين ﴾ تعليل للإنكار أو للتحضيض، أي كيف تستمرون على الشرك وقد نهيتكم عنه وأنا رسول لكم أمينٌ عندكم.
وكان نوح موسوماً بالأمانة لا يتهم في قومه كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يلقب الأمين في قريش.
قال النابغة: كذلك كانَ نوحٌ لا يخون *** وتأكيده بحرف التأكيد مع عدم سبق إنكارهم أمانته لأنه توقَّع حدوث الإنكار فاستدل عليهم بتجربة أمانته قبل تبليغ الرسالة، فإن الأمانة دليل على صدقه فيما بلَّغهم من رسالة الله، كما قال هرقل لأبي سفيان وقد سأله: هل جربتم عليه (يعني النبي صلى الله عليه وسلم كَذِباً، فقال أبو سفيان: لاَ ونَحْن منه في مدة لا ندري ما فعل فيها.
فقال له هرقل بعد ذلك: فقد عَلِمتُ أنه ما كان ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله.
ففي حكاية استدلال نوح بأمانته بين قومه في هذه القصة المسوقة مثلاً للمشركين في تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم تعريض بهم إذ كذبوه بعد أن كانوا يدْعونه الأمين، ويحتمل أن يراد به أمين من جانب الله على الأمة التي أرسل إليها.
والتأكيد أيضاً لتوقع الإنكار منهم.
وجملة: ﴿ وما أسئلكم عليه من أجر ﴾ عطف على جملة: ﴿ إني لكم رسول أمين ﴾ أي علمتم أني أمين لكم وتعلمون أني لا أطلب من دعوتكم إلى الإيمان نفعاً لنفسي.
وضمير ﴿ عليه ﴾ عائد إلى معلوم من مقام الدعوة.
وقوله: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ تأكيد لقوله: ﴿ ألا تتقون ﴾ وهو اعتراض بين الجملتين المتعاطفتين.
وكرر جملة: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ لزيادة التأكيد فيكون قد افتتح دعوته بالنهي عن ترك التقوى ثم علل ذلك ثم أعاد ما تقتضيه جملة الاستفتاح، ثم علل ذلك بقوله: ﴿ وما أسئلكم عليه من أجر ﴾ ، ثم أعاد جملة الدعوة في آخر كلامه إذ قال: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ مرة ثانية بمنزلة النتيجة للدعوة ولتعليلها.
وحذفت الياء من ﴿ أطيعون ﴾ في الموضعين كما حذفت في قوله: ﴿ فأخاف أن يَقتلونِ ﴾ [الشعراء: 14] في أوائل السورة.
وفي قوله: ﴿ إنْ أجري إلاّ على رب العالمين ﴾ إشارة إلى يوم الجزاء وكانوا ينكرون البعث كما دل عليه قوله في سورة [نوح: 17- 18] ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويُخرجكم إخراجاً ﴾ وتقدم ذكر نوح عند قوله تعالى: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً ﴾ في [آل عمران: 33].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَسْألُونَ ولا يَقْنَعُونَ.
الثّانِي: أنَّهُمُ المُتَكَبِّرُونَ.
الثّالِثُ: سَفَلَةُ النّاسِ وأراذِلُهم، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ الحائِكُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: أنَّهُمُ الأساكِفَةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّهم أصْحابُ المِهَنِ الرَّذِلَةِ كُلِّها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ قالوا أنؤمن لك ﴾ قالوا: أنصدقك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ واتبعك الأرذلون ﴾ قال: الحوّاكون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ واتبعك الأرذلون ﴾ قال: سفلة الناس وأراذلهم.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة ﴿ واتبعك الأرذلون ﴾ قال: الحوّاكون.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ قال: هو أعلم بما في أنفسهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لتكونن من المرجومين ﴾ قال: بالحجارة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ لتكونن من المرجومين ﴾ قال: بالشتيمة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فافتح بيني وبينهم فتحاً ﴾ قال: اقض بيني وبينهم قضاء.
وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح.
مثله.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ الفلك المشحون ﴾ قال: السفينة الموقورة الممتلئة.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول عبيد بن الأبرص: شحنا أرضهم بالخيل حتى ** تركناهم أذل من الصراط وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: تدرون ما المشحون؟
قلنا: لا.
قال هو الموقر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ الفلك المشحون ﴾ قال: الممتلئ.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ الفلك المشحون ﴾ قال: المملوء المفروغ منه تحميلاً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ في الفلك المشحون ﴾ قال: المحمل.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ في الفلك المشحون ﴾ كنا نحدث: إنه الموقر.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن الشعبي ﴿ في الفلك المشحون ﴾ قال: المثقل.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس، مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح ﴿ في الفلك المشحون ﴾ قال: سفينة نوح.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ ﴾ قال ابن عباس: ابن أبيهم، يعني: أن الأخوة كانت من جهة النسب، لا من جهة الدين.
وهو قول جميع المفسرين: أخوهم في النسب.
يعني: أنه منهم، وليس بأخيهم في الدين (١) قال الزجاج: كل رسول يأتي بلسان قومه، ليوضح لهم الحجة، ويكون أبين لهم (٢) ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ الآية، [إبراهيم: 4] وقوله: ﴿ أَلَا تَتَّقُونَ ﴾ مفسر (٣) (١) "تفسير مقاتل" 52 أ.
و"تنوير المقباس" 310.
وتفسير هود الهواري 3/ 232.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 95.
(٣) في نسخة (أ): تفسر.
وفي نسخة (ب): تفسر في هذه الآية السورة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَبُرِّزَتِ الجحيم لِلْغَاوِينَ ﴾ يعني المشركين بدلالة ما بعده ﴿ فَكُبْكِبُواْ فِيهَا ﴾ كبكبوا: مضاعف من كب كررت حروفه دلالة على تكرير معناه: أي كبهم الله في النار مرة بعد مرة، والضمير للأصنام، والغاوون هم المشركون، وقيل: الضمير للمشركين، والغاوون هم الشياطين ﴿ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العالمين ﴾ أي نجعلكم سواء معه ﴿ وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ المجرمون ﴾ يعني كبراءهم، وأهل الجرم والجراءة منهم ﴿ حَمِيمٍ ﴾ أي خالص الودّ، قال الزمخشري: جمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة، وقلة الأصدقاء ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين ﴾ أسند الفعل إلى القوم، وفيه علامة التأنيث، لأن القوم في معنى الجماعة والأمة، فإن قيل: كيف قال المرسلين بالجمع وإنما كذبوا نوحاً وحده؟
فالجواب من وجهين: أحدهما أنه أراد الجنس كقولك: فلان يركب الخيل وإنما لم يركب إلى فرساً واحداً والآخر أن من كذب نبياً واحداً فقد كذب جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأن قولهم واحد ودعوتهم سواء، وكذلك الجواب في: كذبت عاد المرسلين وغيره ﴿ واتبعك الأرذلون ﴾ جمع أرذل، وقد تقدّم الكلام عليه في قوله: ﴿ أَرَاذِلُنَا ﴾ في [هود: 27] ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ المؤمنين ﴾ يعني الذين سموهم أرذلين، فإنّ الكفار أرادوا من نوح أن يطردهم، كما أرادت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد عمار بن ياسر وصهيباً وبلالاً وأشباههم من الضعفاء ﴿ المرجومين ﴾ يحتمل أن يريدوا الرجم بالحجارة، أو بالقول وهو الشتم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لي إلا ﴾ ﴿ واغفر لأبي إنه ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع ﴿ وأجري إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص: ﴿ وأتباعك ﴾ على أنه جمع تابع أو تبع: يعقوب ﴿ أنا إلا ﴾ بالمد: أبو نشيط عن قالون ﴿ معي من المؤمنين ﴾ بفتح ياء المتكلم: حفص وورش.
الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" طرف ﴿ اتل ﴾ وإنما هو منصوب باذكر ﴿ ما تعبدون ﴾ ه ﴿ عاكفين ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ه ﴿ يضرون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا لأن الضمير بعده توكيد ﴿ الأقدمون ﴾ ه والوصل أولى للفاء ﴿ العالمين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ صفة الرب ﴿ يهدين ﴾ ه لا ﴿ يشفين ﴾ ه ﴿ ويسقين ﴾ ه ﴿ يحيين ﴾ ه لا ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ بالصالحين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ النعيم ﴾ ه لا ﴿ الضالين ﴾ ه لا ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ ولا بنون ﴾ ه لا ﴿ سليم ﴾ ه ط بناء على أن ما بعده إلى آخر أحوال الجنة والنار هو من كلام الله وهو الظاهر.
وقيل: هو من تتمة كلام إبراهيم ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ شافعين ﴾ ه ﴿ حميم ﴾ ه ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الاية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ج لأن "إذ" تصلح ظرفاً للتكذيب مفعولاً لا ذكر ﴿ تتقون ﴾ ج ه لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ أمين ﴾ ه لا للفاء ﴿ وأطيعون ﴾ ج ه ﴿ من أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ج ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه لا ﴿ الأرذلون ﴾ ه ط ﴿ يعملون ﴾ ج ه لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ تشعرون ﴾ ه لذلك ﴿ المؤمنين ﴾ ج ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ المرجومين ﴾ ه ط ﴿ كذبون ﴾ ه ج ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المشحون ﴾ ج ه ﴿ الباقين ﴾ ه ﴿ الآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ط ﴿ الرحيم ﴾ ه.
التفسير: القصة الثانية قصة إبراهيم وكان يعلم عبدة أصنام ولكنه سألهم للإلزام والتبكيت.
ومثله أهل المعاني بأن يقول أحد للتاجر: ما مالك؟
وهو يعلم أن ماله الرقيق ثم يقول له الرقيق: جمال وليس بمال.
وإنما قال في سورة الصافات ﴿ ماذا تعبدون ﴾ بزيادة "ذا" لأنه أراد هناك مزيد التوبيخ ولذلك بنى الكلام على الزيادة ثم اردفه بقوله ﴿ أئفكا آلهة دون الله تريدون ﴾ وحين صرح هنالك بالتوبيخ لم يجيبوه وههنا ظنوا أنه يريد الاستفهام حقيقة فأجابوه ولكنهم بسطوا الكلام بسطاً ولم يقتصروا على ﴿ أصناماً ﴾ بل زادوا ناصبه وعقبوه بقولهم ﴿ فنظل لها عاكفين ﴾ إظهاراً للابتهاج والافتخار.
قال في الكشاف: وإنما قالوا ﴿ فنظل ﴾ لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل.
قلت: وهذا مبني على النقل الصحيح والظن به حسن.
قال: لا بد في ﴿ يسمعونكم ﴾ من تقدير حذف المضاف معناه هل يسمعون دعاءكم؟
قلت: ويحتمل أن يكون المحذوف مفعولاً ثانياً أي هل يسمعونكم تدعون إذ تدعون وهو حكاية حال ماضية لأن "إذ" للمضي ومعناه استحضار الأحوال الماضية التي كانوا يدعونها فيها.
وحين تمسكوا في الجواب بطريقة التقليد قائلين على سبيل الإضراب ﴿ بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ﴾ نبههم إبراهيم بقوله ﴿ أفرأيتم ﴾ على أن الباطل لا يتغير بأن يكون قديماً أو حديثاً ولا بأن يكون في مرتكبيه كثرة أو قلة، وصرح بأن معبوديه أعداء لقوله ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً ﴾ أو لأن الذي يغري على عبادتها هو الشيطان وهو أعدى عدو للإنسان، وإنما لم يقل عدوّ لكم لأنه أراد تصوير المسألة في نفسه ليكون أدل على النصح وأقرب إلى القبول كأنه قال: إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدوّ.
ويحكى عن الشافعي أن رجلاً واجهه بشيء فقال: لو كنت بحيث أنت لاحتجت إلى أدب.
وقوله ﴿ إلا رب العالمين ﴾ استثناء منقطع أي لكن رب العالمين حبيب لي.
ثم وصف لهم الرب بأنه ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ أي خلق بدني على كماله الممكن له ثم يهدين في الاستقبال إلى ضروب مصالح الدين والدنيا كامتصاص الدم في البطن والثدي بعد الولادة نظيره ما مر في "طه" ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ .
ثم نبه بقوله ﴿ والذي هو يطعمني ويسقين ﴾ أن الذي يتعلق به قوام البدن من الاغتذاء بالطعام والإساغة بالشراب هو من جملة إنعام الله لأنه خلق هناك قوى جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة وغيرها، ولولاها لما تم أمر الانتفاع بالغذاء بل نفس الغذاء من جملة نعمه الشاملة، ثم قال ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ وذلك أن البدن ليس دائماً على النهج الطبيعي بحيث تصدر عنه الأفعال الموضوع هو لها سليمة فاسترداد الصحة بعد زوالها ليس إلا بإذن الله وبما خلق لكل داء دواء وإنما لم يقل أمرضني لأن كثيراً من اسباب المرض يحدث بإسراف الإنسان في المطعم والمشرب.
وأيضاً الصحة تحتاج إلى سبب قاهر يقسر الأخلاط والقوى على النسبة المطلوبة، أما المرض فإنه بسبب تنافر الأخلاط وطلب كل منها مركزه الأصلي.
وأيضاً فيه رعاية الأدب في مقام المدح وتعداد النعم وإنما لم يراع هذه النكتة في قوله ﴿ والذي يميتني ﴾ لأن الإماتة ليست بضر كالمرض.
إما بعدم الإحساس وقتئذ، وإما لأنها مقدمة الوصول إلى عالم الخير والراحة.
وإنما زاد لفظة "هو" في الإطعام والشفاء لأنهما قد ينسبان إلى الإنسان فيقال: زيد يطعم وعمرو يداوي.
فأكد إعلاماً بأن ذلك في الحقيقة من الله، واما الإماتة والإحياء فلا يدعيهما مدع فأطلق: ثم اشار إلى ما بعد الإحياء من المجازاة بقوله ﴿ والذي أطمع ﴾ فحمل الأشاعرة الطمع على مجرد الظن والرجاء بناء على أنه لا يجب لأحد على الله شيء.
وحمله المعتزلة على اليقين تارة وعلى هضم النفس والتواضع وتعليم الأمة أخرى، كما أنه أضاف الخطيئة إلى نفسه لمثل ذلك.
وقد تحمل الخطيئة على المعاريض المنسوبة إليه من قوله ﴿ إني سقيم ﴾ وقوله ﴿ بل فعله كبيرهم ﴾ وقوله لسارة "هي أختي" وإنما علق المغفرة بيوم الدين لأن أثرها يتبين يومئذ وهو في الدنيا خفي.
قال بعضهم: فائدة زيادة "لي" هي أن يعلم أن المغفرة فائدتها تعود إليه والله لا يستفيد بذلك كمالاً لم يكن له.
والمراد: أطمع أن يغفر لي لمجرد عبوديتي له واحتياجي إليه لا بواسطة شفيع كما قال لجبرائيل: أما إليك فلا.
وحين قدم الثناء شرع في الدعاء تعليماً لأمته إذا أرادوا مسألة فقال ﴿ رب هب لي حكماً ﴾ وهو إشارة إلى كمال القوة النظرية ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ وهو إشارة إلى كمال القوة العملية.
ولقد اجابه حيث قال ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ وقيل: الحكم النبوة إذ النبي ذو حكمة وذو حكم.
بين عباد الله وزيف بأنه كان حاصلاً فكيف يطلبه؟
والظاهر أنه اراد بالحكم النسب الذهنية المطابقة للخارجية أعني العلوم النظرية كما بينا.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال، إنه طلب العلم من الله فلولا أن العلم بخلقه وإلا كان السؤال عبثاً.
وحمله المعتزلة على منح الألطاف.
قيل: الحكم المطلوب بالدعاء إن كان هو العلم بغير الله لزم أن يكون سائلاً لما يشغله عن الله وهو باطل، وإن كان العلم بالله بقدر ما هو شرط صحة الإيمان لزم طلب ما هو حاصل لأدنى المؤمنين فضلاً عن إبراهيم، فإذن هو العلم الزائد على ما هو ضروري في الإيمان وهو الوقوف على حقيقة الذات والصفات، ثم لا يكشف المقال عنها غير الخيال وبه يصير المؤمن من الواصلين إلى العين دون السامعين إلى الأثر.
ثم طلب الذكر الجميل بقوله ﴿ واجعل لي لسان صدق ﴾ والإضافة فيه كقوله ﴿ قدم صدق ﴾ وقال ابن عباس: وقد أعطاه الله ذلك لقوله ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ ولهذا اتفق أهل الأديان قاطبة على حبه وادعاء متابعته.
ومدح الكافر ليس مقصوداً لذاته من حيث هو كافر وإنما المقصود أن يكون ممدوح كل إنسان ومحموداً بكل لسان.
وفائدة الثناء على الشخص بعد وفاته هو انصراف الهمم إلى ما به يحصل له عند الله زلفى وقد يصبر ذلك المدح داعياً للمادح أو لمن يسمعه إلى اكتساب مثل تلك الفضائل.
وقيل: سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون داعياً إلى ملته وهو محمد .
ثم سأل ما هو غاية كل سعادة فقال ﴿ واجعلني من ورثة جنة النعيم ﴾ وقد مر معنى هذه الوراثة في قوله ﴿ وتلك الجنة التي أورثتموها ﴾ وكذلك في سورة مريم ﴿ تلك الجنة التي نورث من عبادنا ﴾ ثم طلب السعادة الحقيقية لأشد الناس التصاقاً به وهو ابوه قائلاً ﴿ واغفر لأبي ﴾ وقد سبق في آخر التوبة وفي مريم" ما يتعلق به من المباحث.
وههنا سؤال: وهو أنه متى حصلت الجنة بدعائه امتنع حصول الخزي فكيف قال بعده ﴿ ولا تخزني ﴾ وايضاً قال ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ وما كان نصيب الكافر كيف يستجير منه المعصوم؟
أجاب عنه في التفسير الكبير كما أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فكذلك درجات الأبرار دركات المقربين، وخزي كل واحد ما يليق بحاله فكأنه سأل الشركة أوّلاً ثم الخصوصية ثانياً.
وأقول: يحتمل أن يكون هذا الدعاء من تتمة دعائه لأبيه أي لا تخزني ولا تفضحني بسبب تعذيب ابي يوم يبعث الضالون أو العباد كلهم، ومثل هذا الضمير مما يعلم عوده بالقرينة.
ويجوز أن يكون سأل الجنة بشرط التعظيم والإجلال، ويجوز أن يكون أخر هذا الدعاء لما يعقبه من حديث يوم القيامة وأهوالها وأحوالها فاراد أن لا ينقطع نظم الكلام.
وفي قوله ﴿ إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ إشارة إلى ما وصفه الله به في قوله ﴿ وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم ﴾ وفي هذا الاستثناء وجوه منها: أنه منقطع والمضاف محذوف أي إلا حال من أتى الله بقلب سليم والمراد بالحال سلامة القلب والمعنى: أن المال والبنين لا ينفعان وإنما ينفع سلامة القلب عن الأمراض الروحانية كالجهل وسائر الأخلاق الذميمة، ويندرج في سلامة القلب سلامة سائر الجوارح لأنه رئيسها.
ولا شك أن المال والبنين ليسا من جنس سلامة القلب فيكون الاستثناء منقطعاً.
ومنها أنه متصل وذلك على وجهين: أحدهما لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه.
وثانيهما أن يجعل من باب قولهم: تحية بينهم ضرب وجيع *** والمضاف المحذوف الحال أو السلامة نظيره أن يقال لك: هل لزيد مال وبنون؟
فتقول: ماله وبنوه سلامة قلبه تريد نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب له بدلاً عن ذلك.
ومنها أن يكون الموصول مفعولاً لينفع والاستثناء مفرغ أي لا ينفع مال ولا بنون أحداً إلا رجلاً سلم قلبه مع ماله وبنيه حيث أنفقه في طاعة الله وما قصر في باب تأديبهم وإرشادهم، أو سلم قلبه من فتنة المال والبنين فلم يكفر ولم يعص.
وقد يفسر السليم بالذائب من خشية الله .
وحين أنجرّ الكلام إلى ذكر يوم القيامة وصف الله أو إبراهيم أحواله وأهواله فقال ﴿ وأزلقت الجنة للمتقين ﴾ قال المفسرون: الجنة تقرب من موقف السعداء ليكون لهم فرجاً معجلاً، وتجعل النار بارزة مكشوفة للأشقياء ليزدادوا غماً وحسرة، ولمثل هذا اليوم وبخهم بقوله ﴿ إينما كنتم تعبدون ﴾ يعني الآلهة التي كنتم تعبدونها ﴿ من دون الله هل ينصرونكم ﴾ بنصرتهم لكم أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار وذلك قوله ﴿ فكبكبوا فيها هم ﴾ أي الآلهة ﴿ والغاوون ﴾ الذين عبدوهم قال جار الله: الكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقى في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها أعاذنا الله منها.
والمراد بجنود إبليس شياطينهم أو متبعوه من عصاة الجن والإنس.
﴿ قالوا ﴾ يعني الغاوين وجنود إبليس ﴿ وهم ﴾ يعني والحال أن الأصنام وعبدتهم ﴿ فيها يختصمون ﴾ قال أكثر المفسرين: يجوز أن ينطق الله الأصنام بحيث يصح منها التخاصم.
وقيل: إن هذا التخاطب بين العصاة والشياطين إذ سووهم برب العالمين.
والمراد بالمجرمين على التفسيرين الرؤساء والكبراء.
وعن السدي: الأولون الذين سنوا الشرك.
وعن ابن جريج: إبليس وقابيل لأنه سن القتل وأنواع المعاصي: ﴿ فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ﴾ خالص يهمه ما يهمنا وفيه نفي الشفعاء والصديق راساً أو نفي للذين كانوا عدّوهم شفعاء واصدقاء من الأصنام والرؤساء، أو نفي للانتفاع بهم قصدوا بنفيهم ما يتعلق بهم من الفائدة، فكل عديم النفع حكمه حكم المعدوم.
قال جار الله: إنما جمع الشافع ووحد الصديق لكثرة الشفعاء لأجل الخشية عادة، ولكن الصديق الصادق أعز من الكبريت الأحمر حتى زعم بعض الحكماء أنه اسم لا معنى له.
وجوز أن يكون الصديق في معنى الجمع والكرة الرجعة إلى الدنيا "ولو" في معنى التمني.
وقوله ﴿ فنكون ﴾ جواب التمني أو عطف في المعنى على ﴿ كرة ﴾ أي ليت لنا كرة فإن نكون، وعلى هذا جاز أن تكون "لو" على أصل الشرط والجواب محذوف وهو لفعلنا كيت وكيت.
ثم بين أن فيما كره من قصة إبراهيم لآية لمن يريد أن يستدل بذلك وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين.
القصة الثالثة قصة نوح: ولا ريب أن نبأه عظيم فقد كان يدعوهم الف سنة غلا خمسين عاماً، ومع ذلك لم يزد قومه إلا التكذيب.
والقوم مؤنث بدليل قوله ﴿ كذبت ﴾ وكان أميناً فيهم مشهوراً كمحمد في قريش.
وكرر قوله ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ تأكيداً وتقريراً في النفوس مع أنه علق كل واحد بسبب وهو الأمانة في الأول وقطع الطمع في الثاني نظيره قول الرجل لغيره: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيراً؟
ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيراً؟
وقدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته لأن تقوى الله علة طاعته.
قوله ﴿ وما علمي ﴾ يريد ايّ شيء علمي ومعناه انتفاء علمه بإخلاص أعمالهم لله عز وجل واطلاعه على باطنهم ومكنون ضميرهم كأنهم طعنوا في إيمانهم ايضاً فذكر أن حسابهم على الله وأنه لم يبعث إلا للنذارة.
ويجوز أن يكون فسر لهم الرذالة بما هو الرذالة عنده من سوء الأعمال وفساد العقائد فبنى جوابه على ذلك وقال: ما علمي إلا اعتبار الظاهر والله يتولى السرائر.
وفي قوله ﴿ لو تشعرون ﴾ إشارة إلى أنهم لا يصدقون بالحساب والجزاء، وفيه إنكار أن يسمى المؤمن رذلاً وإن كان أفقر الناس وأوضعهم فالغني غني الدين والنسب نسب التقوى.
﴿ رب أن قومي كذبون ﴾ ليس إخباراً لأنه علام الغيوب وإنما هو تمهيد مقدمة لطلب الفتح والحكومة.
والفلك المشحون المملوء من كل زوجين اثنين مع نوح وأهله.
التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ﴾ وهو الروح وما يتولد منه ﴿ نعبد أصناماً ﴾ وهو ما سوى الله ﴿ فنظل لها عاكفين ﴾ إلا أن أدركتنا العناية فنعرض عنها: ﴿ بل وجدنا آباءنا ﴾ وهم الأرواح والآباء العلوية كذلك يتعلق بعضهم ببعض ﴿ فإنهم عدوّ لي ﴾ إن تعلقت فصرت محجوباً بهم عن الله ﴿ خلقني فهو يهدين ﴾ إلى حضرته و ﴿ يطعمني ﴾ من طعام العبودية الذي يعيش القلوب، ويسقيني من شراب طهور التجلي ﴿ وإذا مرضت ﴾ بتعلقات الكونين ﴿ فهو يشفين ﴾ بالجذبة الإلهية ﴿ والذي يميتني ﴾ عن أوصاف البشرية ﴿ ثم يحيين ﴾ بأوصاف الروحانية ويميتني عن أوصاف الروحانية ثم يحيين بالأوصاف الربانية ثم يميتني عن أنانيتي ثم يحيين بهويته ﴿ والذي أطمع أن ﴾ يستر ظلمة خطيئة وجودي بطلوع شمس نهار الدين ﴿ رب هب لي ﴾ من ربوبيتك ﴿ حكماً ﴾ على بذل وجودي فيهويتك ﴿ وألحقني ﴾ بالذين صلحوا لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة.
﴿ واجعل لي لسان صدق في الآخرين ﴾ من النفس وصفاتها ليعرضوا عما سوى الله ﴿ واغفر لأبي ﴾ الروح ﴿ إنه كان من الضالين ﴾ حين رد من العالم العلوي إلى السفلي من قولهم "ضل الماء في اللبن" ﴿ ولا تخزني ﴾ بتعلقات الكونين ﴿ قال نوح ﴾ القلب ﴿ وما علمي بما كانوا يعملون ﴾ يعني أراذل الجسد والأعضاء لأنهم عملة عالم الشهادة وأنا من عملة عالم الغيب ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ فيما يعملون من الأعمال الحيوانية لحاجة ضرورية يعفو عنها والشهوة حيوانية يؤاخذهم بها ﴿ لو تشعرون ﴾ الفرق بينهما ﴿ قالوا ﴾ أي النفس وصفاتها ﴿ لئن لم تنته يا نوح ﴾ القلب عما تدعونا إليه على خلاف إرادتنا ﴿ لنكونن من المرجومين ﴾ بأحجار الوساوس والهواجس ﴿ في الفلك المشحون ﴾ أي في فلك الشريعة المملوء بالأوامر والنواهي والحكم والمواعظ والأسرار والحقائق ﴿ ثم أغرقنا الباقين ﴾ بطوفان استيلاء الأخلاق الذميمة وآفات الدنيا الدنية، وباقي القصص إشارات إلى رسول القلب المسلم من الله وقومه النفس وصفاتها وإليه المرجع والمآب لما قررناه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ : ذكر كذبت بالتأنيث على إضمار جماعة؛ كأنه قال: كذبت جماعة قوم نوح، وإلا القوم يذكر ويؤنث.
وقوله: ﴿ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ : لأن من كذب رسولا من الرسل فقد كذب الرسل جميعاً؛ لأن كل رسول يدعو الخلق إلى الإيمان بجميع الرسل.
وبعد: فإن نوحاً كان يدعو قومه إلى الإيمان بالرسل الذين يكونون بعده؛ لذلك قال - والله أعلم -: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ ﴾ : قال أهل التأويل: كان أخاهم في النسب، وليس بأخيهم في الدين.
قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله -: إن الله - - سمى الناس: بني آدم؛ على بعدهم من آدم، فيجوز - أيضاً - تسميتهم: إخوة على بعد بعضهم من بعض.
وقوله: ﴿ أَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ : نقمة الله وعذابه في مخالفتكم أمره ونهيه.
أو يقول: ألا تتقون عبادة غير الله، وطاعة من دونه.
وقوله: ﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ : هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: كنت أميناً فيكم قبل هذا، فتصدقونني في جميع ما أخبرتكم وأنبأتكم، فما بالكم لا تصدقونني الآن إذا أخبرتكم أني رسول الله إليكم؟!
والثاني: يقول: إني لكم رسول أمين، ائتمنني الله وجعلني أميناً على وحيه، فأبلغكم الرسالة وأؤدّي الأمانة شئتم أو أبيتم، قبلتم أو لم تقبلوا، فلا أخافكم ما توعدونني بعد أن جعلني الله أمينا وائتمنني على أمانته؛ كقوله: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ أي: اتقوا نقمة الله وعذابه، أو اتقوا مخالفة الله في أمره ونهيه، وأطيعون فيما أبلغكم عن الله وأدعوكم إليه.
﴿ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه وأبلغكم أجراً وشيئاً يمنعكم ثقل ذلك عن الإجابة، ولا أحملكم في أموالكم وأنفسكم مؤنة فيما أدعوكم إليه، بل أدعوكم إلى عبادة الواحد، وعبادة الواحد أهون وأخف على أنفسكم من عبادة العدد، ولا أحملكم في أموالكم وأنفسكم مؤنة فيما أدعوكم إليه من عبادة العدد، ولا أحملكم - أيضاً - مؤنة يمنعكم ذلك عن إجابتي.
﴿ إِنْ أَجْرِيَ ﴾ أي: ما أجري.
﴿ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ما ذكرنا، أي: اتقوا نقمة الله وعذابه، واتقوا مخالفة الله في أمره ونهيه، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه.
وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ ﴾ : يقولون: نصدّقك وإنما اتبعك الضعفاء منا والسفلة ممن لا رأي لهم ولا تدبير، ولو كنت صادقاً لاتبعك الأشراف والرؤساء، فكان في اتباع الأراذل له ومن ذكروا أعظم آية من الرسالة من اتباع الأشراف، وذلك أن الأراذل من الناس هم أتباع لغيرهم؛ لما يأملون من فضل مال ونيل منهم، أو رياسة ومنزلة تكون لهم، أو لفضل بصر وحظ وعلم في الدين؛ فيصيرون أتباعاً لمن كان عنده من هذه الخصال شيء، فالرسل - صلوات الله عليهم - حيث لم يكن عندهم أموال ولا طمع رياسة ولا منزلة اتبعهم الضعفاء والسفلة، مع خوف لهم على أنفسهم من أولئك الأشراف من القتل والصلب لمخالفتهم إياهم، فما اتبعوهم إلا لما تبين عندهم أنهم على حق، وأن ما يدعون صدقٌ، ففي اتباع من ذكرنا أعظم دلالة على صدق الرسل فيما ادعوا من الرسالة لو تأملوا التفكر في ذلك.
وقول نوح: ﴿ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يقول: لم أكن أعلم أن الله يهديهم للإيمان والتوحيد من بينكم - يعني: الضعفاء - ويدعكم لا يهديكم.
ثم قال: ﴿ إِنْ حِسَابُهُمْ ﴾ أي: ما جزاء الذين اتبعوني من الأراذل ﴿ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ﴾ .
والثاني: ﴿ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ، أي: ما أنا بعالم بما يعملون هم في السر وما ذلك عليّ، ﴿ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ﴾ ، أي: حسابهم عليه فيما يعملون في السر؛ فهذا يدل أن التأويل الأخير أشبه وأقرب من الأول، وكان من أولئك طعن في الذين آمنوا بأنهم يعملون في السر على خلاف ما أظهروا، حتى قال لهم ذلك.
وفي بعض القراءات: ﴿ لو يشعرون ﴾ بالياء، فهو راجع إلى المؤمنين الذين اتبعوه، يقول: حسابهم على الله فيما يعملون في السر، أي: لو يشعرون ذلك ولا يعملون في السر خلاف ما يعملون في العلانية، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : قال أهل التأويل: إنهم سألوا نوحاً أن يطرد أولئك الذين آمنوا به من الضعفاء؛ حتى يؤمنوا هم به، فقال عند ذلك: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
وجائز أن يكونوا طعنوا في الذين آمنوا أنهم قالوا ظاهراً، وأما في السر فليسوا على ذلك، فقال نوح عن ذلك: وما أنا بطارد الذين آمنوا؛ يدل على ذلك قول نوح حيث قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً ﴾ ، هذا القول منه يدل على أن كان منهم طعن في أولئك الذي آمنوا به، حيث وكل أمرهم إلى الله فقال: الله أعلم بما في أنفسهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ : قد ذكرناه فيما تقدم في غير موضع.
وقوله: ﴿ قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ ﴾ : المرجوم: هو المقتول بالحجارة، وهي أشد قتل؛ لذلك أوعدوه.
وقال بعضهم: لتكونن من المشتومين باللسان.
لكن الأول أقرب؛ لأنه قد كان منهم الشتم فلا يحتمل الوعيد به.
ثم دعا نوح عند ذلك فقال: ﴿ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً ﴾ أي: اقض بيني وبينهم قضاء، أي: اقض عليهم بالعذاب والهلاك، ألا ترى أنه قال: ﴿ وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ فدل سؤاله نجاة نفسه ومن معه من المؤمنين على أن قوله: ﴿ فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً ﴾ سأل ربه هلاك من كذبه، وهو ما قال في قصة أخرى: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ الذي وعدت أنه ينزل بهم، وهو العذاب، فعلى ذلك هذا.
ثم لا يحتمل أن يكون هذا منه في أول تكذيب كان منهم، بل كان ذلك بعد ما أيس من إيمانهم؛ لأنه لبث فيهم ما قال الله ألف سنة إلا خمسين عاما، وفي كل ذلك دعاهم إلى توحيد الله، وإنما دعا عليهم بالهلاك بعد ما أخبره الله عن أمرهم وأيأسه عن إيمانهم، فقال: ﴿ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ ، وأذن له بالدعاء عليهم بما دعا؛ إذ الأنبياء - صلوات الله عليهم - لا يدعون على قومهم بالهلاك إلا بإذن من الله في ذلك؛ ألا ترى أنه ذكر عتاب يونس بالخروج من بينهم بلا إذن كان من الله له بالخروج من بينهم، فإذا عوتب هو بالخروج بلا إذن فلا يحتمل أن يدعو بالهلاك بلا إذن، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ﴾ : قيل: المملوء.
قال أبو معاذ: والعرب تقول: شحنت السفينة فلم يبق إلا الدفع: وهو السوق، وتقول العرب: شحنا عليهم بلادهم خيلا ورجالا، أي: ملأناها.
وقال بعضهم: المشحون: المجهز الذي قد فرغ منه فلم يبق إلا دفعة؛ وهو واحد.
وإنما شحنت بأصناف من الخلق وإلا كان المؤمنون قليلي العدد، وهو ما قال فيها: ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ ، أخبر أنه أنجى من كان معه في الفلك المشحون، وأهلك الباقين.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ أي: في نبأ نوح الآية لمن كان بعدهم.
أو إن في هلاك قوم نوح وإغراقهم لعبرة لمن بعدهم.
﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ...
﴾ إلى آخر القصة قد ذكرناه.
<div class="verse-tafsir"
إذ قال لهم نوح: ألا تتقون الله بترك عبادة غيره خوفًا منه؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.g3QdA"