الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ١٢٩ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 53 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢٩ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ) .
قال مجاهد : المصانع : البروج المشيدة ، والبنيان المخلد .
وفي رواية عنه : بروج الحمام .
وقال قتادة : هي مأخذ الماء .
قال قتادة : وقرأ بعض القراء : وتتخذون مصانع كأنكم خالدون " .
وفي القراءة المشهورة : ( لعلكم تخلدون ) أي : لكي تقيموا فيها أبدا ، وليس ذلك بحاصل لكم ، بل زائل عنكم ، كما زال عمن كان قبلكم .
وقال ابن أبي حاتم ، رحمه الله : حدثنا أبي ، حدثنا الحكم بن موسى ، حدثنا الوليد ، حدثنا ابن عجلان ، حدثني عون بن عبد الله بن عتبة ، أن أبا الدرداء ، رضي الله عنه ، لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البنيان ونصب الشجر ، قام في مسجدهم فنادى : يا أهل دمشق ، فاجتمعوا إليه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ألا تستحيون !
ألا تستحيون !
تجمعون ما لا تأكلون ، وتبنون ما لا تسكنون ، وتأملون ما لا تدركون ، إنه كانت قبلكم قرون ، يجمعون فيرعون ، ويبنون فيوثقون ، ويأملون فيطيلون ، فأصبح أملهم غرورا ، وأصبح جمعهم بورا ، وأصبحت مساكنهم قبورا ، ألا إن عادا ملكت ما بين عدن وعمان خيلا وركابا ، فمن يشتري مني ميراث عاد بدرهمين ؟
.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ ) قال: قصور مشيدة, وبنيان مخلد.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( مصانع ) : قصور مشيدة وبنيان.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن مجاهد, قال: ( مصانع ) يقول: حصون وقصور.
حدثني يونس, قال: أخبرنا يحيى بن حسان, عن مسلم, عن رجل, عن مجاهد, قوله: ( مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) قال: أبرجة الحمام.
وقال آخرون: بل هي مآخذ للماء.
* ذكر من قال ذلك: حدثني الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( مصانع ) قال: مآخذ للماء.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن المصانع جمع مصنعة, والعرب تسمي كل بناء مصنعة, وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورًا وحصونا مشيدة, وجائز أن يكون كان مآخذ للماء, ولا خبر يقطع العذر بأيّ ذلك كان, ولا هو مما يدرك من جهة العقل.
فالصواب أن يقال فيه, ما قال الله: إنهم كانوا يتخذون مصانع.
وقوله: ( لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) يقول: كأنكم تخلدون, فتبقون في الأرض.
وبنحو الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثنا معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) يقول: كأنكم تخلدون.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: قال في بعض الحروف ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ ) كأنكم تخلدون.
وكان ابن زيد يقول: " لعلكم " في هذا الموضع استفهام.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) قال: هذا استفهام, يقول: لعلكم تخلدون حين تبنون هذه الأشياء؟.
وكان بعض أهل العربية يزعم أن لعلكم في هذا الموضع بمعنى " كيما ".
قوله تعالى : وتتخذون مصانع أي منازل ; قاله الكلبي .
وقيل : حصونا مشيدة ; قال ابن عباس ومجاهد .
ومنه قول الشاعر :تركنا ديارهم منهم قفارا وهدمنا المصانع والبروجاوقيل : قصورا مشيدة ; وقاله مجاهد أيضا .
وعنه : بروج الحمام ; وقاله السدي .
قلت : وفيه بعد عن مجاهد ; لأنه تقدم عنه في الريع أنه بنيان الحمام فيكون تكرارا في الكلام .
وقال قتادة : مآجل للماء تحت الأرض .
وكذا قال الزجاج : إنها مصانع الماء ، واحدتها مصنعة ومصنع .
ومنه قول لبيد :بلينا وما تبلى النجوم الطوالع وتبقى الجبال بعدنا والمصانعالجوهري : المصنعة كالحوض يجتمع فيها ماء المطر ، وكذلك المصنعة بضم النون .
والمصانع الحصون .
وقال أبو عبيدة : يقال لكل بناء مصنعة .
حكاه المهدوي .
وقال عبد الرزاق : المصانع عندنا بلغة اليمن القصور العادية .
لعلكم تخلدون أي كي تخلدوا .
وقيل : " لعل " استفهام بمعنى التوبيخ أي فهل تخلدون كقولك : لعلك تشتمني أي هل تشتمني .
روي معناه عن ابن زيد .
وقال الفراء : كيما تخلدون لا تتفكرون في الموت .
وقال ابن عباس وقتادة : كأنكم خالدون باقون فيها .
وفي بعض القراءات ( كأنكم تخلدون ) ذكره النحاس .
وحكى قتادة : أنها كانت في بعض القراءات ( كأنكم خالدون ) .
وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ أي: بركا ومجابي للحياة لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ والحال أنه لا سبيل إلى الخلود لأحد.
( وتتخذون مصانع ) قال ابن عباس : أبنية .
وقال مجاهد : قصورا مشيدة .
وعن الكلبي : أنها الحصون .
وقال قتادة : مآخذ الماء ، يعني الحياض ، واحدتها مصنعة ) ( لعلكم تخلدون ) أي : كأنكم تبقون فيها خالدين .
والمعنى : أنهم كانوا يستوثقون المصانع كأنهم لا يموتون .
«وتتخذون مصانع» للماء تحت الأرض «لعلكم» كأنكم «تخلدون» فيها لا تموتون.
أتبنون بكل مكان مرتفع بناء عاليًا تشرفون منه فتسخرون مِنَ المارة؟
وذلك عبث وإسراف لا يعود عليكم بفائدة في الدين أو الدنيا، وتتخذون قصورًا منيعة وحصونًا مشيَّدة، كأنكم تخلدون في الدنيا ولا تموتون، وإذا بطشتم بأحد من الخلق قتلا أو ضربًا، فعلتم ذلك قاهرين ظالمين.
( وَتَتَّخِذُونَ ) أى : وتعملون ( مَصَانِعَ ) أى : قصورا ضخمة متينة ، أو حياضا تجمعون فيها مياه الأمطار .
.
.
( لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) أى : عاملين عمل من يرجو الخلود فى هذه الحياة الفانية .
القصة الرابعة: قصة هود عليه السلام: اعلم أن فاتحة هذه القصة وفاتحة قصة نوح عليه السلام واحدة فلا فائدة في إعادة التفسير ثم إنه تعالى ذكر الأمور التي تكلم فيها هود عليه السلام معهم وهي ثلاثة: فأولها: قوله: ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ ءايَةً تَعْبَثُونَ ﴾ قرئ ﴿ بِكُلّ رِيعٍ ﴾ بالكسر والفتح وهو المكان المرتفع، ومنه قوله كم ريع أرضك وهو ارتفاعها، والآية العلم، ثم فيه وجوه: أحدها: عن ابن عباس أنهم كانوا يبنون بكل ريع علماً يعبئون فيه بمن يمر في الطريق إلى هود عليه السلام والثاني: أنهم كانوا يبنون في الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم تفاخراً فنهوا عنه ونسبوا إلى العبث والثالث: أنهم كانوا ممن يهتدون بالنجوم في أسفارهم فاتخذوا في طريقهم أعلاماً طوالاً فكان ذلك عبثاً لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم الرابع: بنوا بكل ريع بروج الحمام.
وثانيها: قوله: ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ المصانع مآخذ الماء، وقيل القصور المشيدة والحصون ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ ترجون الخلد في الدنيا أو يشبه حالكم حال من يخلد، وفي مصحف أبي: (كأنكم)، وقرئ (تخلدون) بضم التاء مخففاً ومشدداً، واعلم أن الأول إنما صار مذموماً لدلالته إما على السرف، أو على الخيلاء، والثاني: إنما صار مذموماً لدلالته على الأمل الطويل والغفلة عن أن الدنيا دار ممر لا دار مقر.
وثالثها: قوله: ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾ بين أنهم مع ذلك السرف والحرص فإن معاملتهم مع غيرهم معاملة الجبارين، وقد بينا في غير هذا الموضع أن هذا الوصف في العباد ذم وإن كان في وصف الله تعالى مدحاً فكأن من يقدم على الغير لا على طريق الحق ولكن على طريق الاستعلاء يوصف بأن بطشه بطش جبار، وحاصل الأمر في هذه الأمور الثلاثة أن اتخاذ الأبنية العالية، يدل على حب العلو، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء، والجبارية تدل على حب التفرد بالعلو، فيرجع الحاصل إلى أنهم أحبوا العلو وبقاء العلو والتفرد بالعلو وهذه صفات الإلهية، وهي ممتنعة الحصول للعبد، فدل ذلك على أن حب الدنيا قد استولى عليهم بحيث استغرقوا فيه وخرجوا عن حد العبودية وحاموا حول ادعاء الربوبية، وكل ذلك ينبه على أن حب الدنيا رأس كل خطيئة وعنوان كل كفر ومعصية، ثم لما ذكر هود عليه السلام هذه الأشياء قال: ﴿ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ ﴾ زيادة في دعائهم إلى الآخرة وزجراً لهم عن حب الدنيا والاشتغال بالسرف والحرص والتجبر، ثم وصل بهذا الوعظ ما يؤكد القبول وهو التنبيه على نعم الله تعالى عليهم بالإجمال أولاً ثم التفصيل ثانياً فأيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حيث قال: ﴿ أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ﴾ ثم فصلها من بعد بقوله: ﴿ أَمَدَّكُمْ بأنعام وَبَنِينَ وجنات وَعُيُونٍ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ فبلغ في دعائهم بالوعظ والترغيب والتخويف والبيان النهاية فكان جوابهم ﴿ سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مّنَ الواعظين ﴾ أظهروا قلة اكتراثهم بكلامه، واستخفافهم بما أورده فإن قيل لو قال أوعظت أم لم تعظ كان أخصر والمعنى واحد جوابه: ليس المعنى بواحد (وبينهما فرق) لأن المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلاً من أهله (ومباشرته)، فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك أم لم تعظ، ثم احتجوا على قلة اكتراثهم بكلامه بقولهم: ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الأولين ﴾ فمن قرأ ﴿ خُلُقُ الأولين ﴾ بالفتح فمعناه أن ما جئت به اختلاق الأولين، وتخرصهم كما قالوا: ﴿ أساطير الأولين ﴾ أو ما خلقنا هذا إلا خلق القرون الخالية نحيا كحياتهم ونموت كمماتهم ولا بعث ولا حساب، ومن قرأ ﴿ خُلِقَ ﴾ بضمتين وبواحدة، فمعناه ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين وعادتهم كانوا به يدينون ونحن بهم مقتدون أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة لم يزل عليها الناس في قديم الدهر، أو ما هذا الذي جئت به من الكذب إلا عادة الأولين كانوا يلفقون مثله ويسطرونه، ثم قالوا: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ أظهروا بذلك تقوية نفوسهم فيما تمسكوا به من إنكار المعاد، فعند هذا بين الله تعالى أنه أهلكهم، وقد سبق شرح كيفية الهلاك في سائر السور، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ بكل ريع ﴾ ، بالكسر والفتح: وهو المكان المرتفع.
قال المسيب بن علس: في الآلِ يَرْفَعُهَا وَيَخْفِضُهَا ** رِيعٌ يَلُوحُ كَأَنَّهُ سَحْلُ ومنه قولهم: كم ريع أرضك؟
وهو ارتفاعها.
والآية: العلم وكانوا ممن يهتدون بالنجوم في أسفارهم.
فاتخذوا في طرقهم أعلاماً طوالاً فعبثوا بذلك، لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم.
وعن مجاهد: بنو بكل ريع بروج الحمام.
والمصانع: مآخذ الماء.
وقيل: القصور المشيدة والحصون ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ ترجون الخلود في الدنيا.
أو تشبه حالكم حال من يخلد.
وفي حرف أبيّ: كأنكم.
وقرئ: ﴿ تخلدون ﴾ بضم التاء مخففاً ومشدداً ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ ﴾ بسوط أو سيف كان ذلك ظلماً وعلواً، وقيل: الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب.
وعن الحسن: تبادرون تعجيل العذاب، لا تتثبتون متفكرين في العواقب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ﴾ بِكُلِّ مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ رِيعُ الأرْضِ لِارْتِفاعِها.
﴿ آيَةً ﴾ عَلَمًا لِلْمارَّةِ.
﴿ تَعْبَثُونَ ﴾ بِبِنائِها إذْ كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فَلا يَحْتاجُونَ إلَيْها أوْ بُرُوجَ الحَمامِ، أوْ بُنْيانًا يَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ لِلْعَبَثِ بِمَن يَمُرُّ عَلَيْهِمْ، أوْ قُصُورًا يَفْتَخِرُونَ بِها.
﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ ﴾ مَآخِذَ الماءِ وقِيلَ قُصُورًا مُشَيَّدَةً وحُصُونًا.
﴿ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ ﴾ فَتُحْكِمُونَ بُنْيانَها.
﴿ وَإذا بَطَشْتُمْ ﴾ بِسَيْفٍ أوْ سَوْطٍ.
﴿ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ ﴾ مُتَسَلِّطِينَ غاشِمِينَ بِلا رَأْفَةٍ ولا قَصْدَ تَأْدِيبٍ ونَظَرٍ في العاقِبَةِ.
﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ بِتَرْكِ هَذِهِ الأشْياءِ.
﴿ وَأطِيعُونِ ﴾ فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ فَإنَّهُ أنْفَعُ لَكم.
<div class="verse-tafsir"
{وتتخذون مصانع} مآخذ الماء أو قصور مشيدة أو حصوناً {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} ترجون الخلود فى الدنيا
﴿ وتَتَّخِذُونَ ﴾ أيْ تَعْمَلُونَ ﴿ مَصانِعَ ﴾ أيْ: مَآخِذَ لِلْماءِ ومَجارِيَ تَحْتَ الأرْضِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّها بِرَكُ الماءِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها القُصُورُ المُشَيَّدَةُ، وقِيلَ: الحُصُونُ المُحْكَمَةُ، وأنْشَدُوا قَوْلَ لَبِيدٍ: وتَبْقى جِبالٌ بَعْدَنا ومَصانِعُ ولَيْسَ بِنَصٍّ في المُدَّعى.
﴿ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ ﴾ أيْ: راجِينَ أنْ تَخْلُدُوا في الدُّنْيا، أوْ عامِلِينَ عَمَلَ مَن يَرْجُو الخُلُودَ فِيها، فَلَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وقِيلَ: هي لِلتَّعْلِيلِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (كَيْ تَخْلُدُونَ).
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي لِلِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ: هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ، وكَوْنُ لَعَلَّ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وقُرِئَ بِذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ «كَأنَّكم تَخْلُدُونَ» وظاهِرُ ما ذُكِرَ أنَّ لَعَلَّ هُنا لِلتَّشْبِيهِ، وحَكى ذَلِكَ صَرِيحًا الواقِدِيُّ عَنِ البَغَوِيِّ.
وفِي البُرْهانِ: هو مَعْنًى غَرِيبٌ لَمْ يَذْكُرْهُ النُّحاةُ، ووَقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ لَعَلَّ في الآيَةِ لِلتَّشْبِيهِ، انْتَهى.
وقَرَأ قَتادَةُ «تُخْلَدُونَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا، ويُقالُ: خَلَدَ الشَّيْءُ وأخْلَدَهُ غَيْرُهُ، وقَرَأ أُبَيٌّ وعَلْقَمَةُ: (تُخَلَّدُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وهَلْ يَعِمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ هُمُومٍ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ <div class="verse-tafsir"
وقوله عز وجل: كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ يعني: كذبوا هوداً إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ وقد ذكرناه أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ يعني: بكل طريق آيَةً علامة، ويقال: بكل شرف علماً تَعْبَثُونَ يعني: تلعبون ويقال: تضربون، فتأخذون المال ممن مر بكم.
وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: آيَةً تَعْبَثُونَ «يعني: تبنون ما لا تسكنون» .
وقال أهل اللغة: كل لعب لا لذة فيه فهو عبث.
واللعب: ما كان فيه لذة، فهم إذا بنوا بناء ولا منفعة لهم فيه، فكأنهم يعبثون.
ثم قال عز وجل: وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ يعني: القصور.
وقال مجاهد: المصانع قصور وحصون.
وقال القتبي: المصانع البناء، واحدها مصنعة ويقال: الريع الارتفاع من الأرض.
ومعناه: أنكم تبنون البناء والقصور، وتظنون أن ذلك يحصنكم مِنْ أقدار الله تعالى.
ويقال: وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ يعني: الحياض لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ يعني: كأنكم تخلدون في الدنيا.
قوله عز وجل: وَإِذا بَطَشْتُمْ يعني: عاقبتم ويقال: يعني: ضربتم بالسوط وقتلتم بالسيف بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ يعني: فعلتم كفعل الجبارين، لأن الجبارين يضربون ويقتلون بغير حق، وأصل البطش في اللغة: هو الأخذ بالقهر والغلبة فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ يعني: أعطاكم بِما تَعْلَمُونَ ما تعلمون من الخير.
<div class="verse-tafsir"
وقول نوح عليه السلام: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ أي: أمين على وحي الله ورسالته.
ص: قرأ الجمهور «١» : «وَاتَّبَعَكَ» والجملة حال، أي وقد اتبعك، ويعقوب «٢» :
«وَأَتْبَاعُكَ» ، وعن اليماني «٣» : «وَأَتْبَاعِكَ» بالجر عطفاً على الضمير في «لك» انتهى، والْأَرْذَلُونَ: جمع الأرذل، ولا يستعمل إلاَّ مُعَرَّفاً أو مضافاً، أو بمن.
قال ع «٤» : ويظهر من الآية [أنَّ] «٥» مراد قوم نوح بنسبة الرذيلة إلى المؤمنين تهجينُ أفعالهم لا النظرُ في صنائعهم، وذهب أشراف قوم نوح في استنقاصهم ضَعَفَةَ المؤمنين مَذْهَبَ كُفَّارِ قريشٍ في شأنِ عَمَّارِ بن ياسر.
وصُهَيْبٍ وبلاَلٍ وغيرهم، وقولهم:
مِنَ الْمَرْجُومِينَ يحتمل أَنْ يريدوا بالحجارة أو بالقول والشتم، وقوله: فَافْتَحْ معناه:
احكم، والفتّاح، القاضي بلغة يمانية، والْفُلْكِ: السفينة، والْمَشْحُونِ معناه:
المملوء.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " بِكُلِّ رَيْعٍ " بِفَتْحِ الرّاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ.
ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ المَكانُ المُرْتَفِعُ؛ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بِكُلِّ شَرَفٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: هو في اللُّغَةِ: المَوْضِعُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ.
والثّانِي: أنَّهُ الطَّرِيقُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: الفَجُّ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والآيَةُ: العَلامَةُ.
وَفِيما أرادَ بِهَذا البِناءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أرادَ: تَبْنُونَ ما لا تَسْكُنُونَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْن عَبّاسٍ؛ والمَعْنى أنَّهُ جَعَلَ بِناءَهم ما يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ عَبَثًا.
والثّانِي: بُرُوجُ الحَمامِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في المَواضِعِ المُرْتَفِعَةِ لِيُشْرِفُوا عَلى المارَّةِ فَيَسْخَرُوا مِنهم ويَعْبَثُوا بِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُصُورٌ مُشَيَّدَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: مَصانِعُ الماءِ تَحْتَ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: بُرُوجُ الحَمامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مالِكٍ.
والثّانِي: كَيْما تَخْلُدُوا، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ: " تَخْلُدُونَ " بِرَفْعِ التّاءِ [وَتَسْكِينِ الخاءِ وفَتْحِ اللّامِ مُخَفَّفَةً.
وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَصِيْنٍ]: " تَخْلُدُونَ " بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ ﴾ المَعْنى: إذا ضَرَبْتُمْ ضَرَبْتُمْ بِالسِّياطِ ضَرْبَ الجَبّارِينَ، وإذا عاقَبْتُمْ قَتَلْتُمْ؛ وإنَّما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، لِأنَّهُ صَدَرَ عَنْ ظُلْمٍ، إذْ لَوْ ضَرَبُوا بِالسَّيْفِ أوْ بِالسَّوْطِ في حَقِّ ما لِيمُوا.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ما عُذِّبُوا بِهِ في الدُّنْيا.
والثّانِي: عَذابُ جَهَنَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ﴾ ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ ﴾ ﴿ وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ ﴾ ﴿ وَجَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ ﴾ ﴿ إنْ هَذا إلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ عادٌ: قَبِيلَةٌ، وانْصَرَفَ لِلْخِفَّةِ، وقِيلَ: هو اسْمُ أبِيهِمْ.
وخاطَبَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ بِمِثْلِ مُخاطَبَةِ سائِرِ الرُسُلِ، ثُمَّ كَلَّمَهم فِيما انْفَرَدُوا بِهِ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي اقْتَضَتْها أعْمالُهُمْ، فَقالَ: " ﴿ أتَبْنُونَ ﴾ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، "والرِيعُ": المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ المُسَيِّبِ ابْنِ عَلْسٍ يَصِفُ طَرِيقًا: في الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها رَيْعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ والسَحْلُ: الثَوْبُ الأبْيَضُ.
ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ ∗∗∗ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ويَهْماءُ قَفْرٌ تَجاوَزْتُها ∗∗∗ إذا خَبَّ في رِيعِها آلُها ويُقالُ: "رِيعٌ" بِكَسْرِ الراءِ، ويُقالُ: "رَيْعٌ" بِفَتْحِها، وبِها قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ "الرِيعِ" بِالطَرِيقِ، وبَعْضُهم بِالفَجِّ، وبَعْضُهم بِالثَنِيَّةِ الصَغِيرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وجُمْلَةُ ذَلِكَ أنَّهُ المَكانُ المُشْرِقُ، وهو الَّذِي يَتَنافَسُ الناسُ في هَيْآتِهِ.
و"الآيَةُ": البُنْيانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّهُ عَلَمٌ، قالَ مُجاهِدٌ: أبْراجُ الحَمامِ، قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورُ الطِوالُ، و"المَصانِعُ": جَمْعُ مَصْنَعٍ، وهو ما أُصْنِعَ وأُتْقِنَ في بِنائِهِ مِن قَصْرٍ مُشَيَّدٍ ونَحْوِهِ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَآخِذُ لِلْماءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ ﴾ ، إمّا أنْ يُرِيدَ: عَلى أمَلِكم ورَجائِكُمْ، وإمّا أنْ يُرِيدَ الِاسْتِفْهامَ عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَخْلُدُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ اللامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "تُخْلَدُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ اللامِ، يُقالُ: خَلَّدَ الشَيْءَ، وأخْلَدَهُ غَيْرُهُ، وقَرَأ أُبَيُّ وعَلْقَمَةُ: "لَعَلَّكم تُخَلَّدُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الخاءِ وفَتْحِ اللامِ وشَدِّها، ورُوِيَ عن أُبَيٍّ: "كَأنَّكم تَخْلُدُونَ"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "كَأنَّكم تَخْلُدُونَ".
و"البَطْشُ": الأخْذُ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ، و"الجَبّارُ": المُتَكَبِّرُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "نَخْلَةٌ جَبّارَةٌ" إذا كانَتْ لا تُدْرِكُ عُلُوًّا، ومِنهُ «قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في المَرْأةِ الَّتِي أبَتْ أنْ تُنَحّى عن طَرِيقِهِ: "إنَّها جَبّارَةٌ»، ومِنهُ الجَبَرُوتُ، فالمَعْنى: إنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَطْواتُ المُفْرِطَةُ، والبَوادِرُ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ.
ثُمَّ ذَكَّرَهم عَلَيْهِ السَلامُ بِأيادِي اللهِ تَعالى قِبَلَهم فِيما مَنَحَهم مِنَ الأنْعامِ والذُرِّيَّةِ والجَنّاتِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ فِيها، ثُمَّ خَوَّفَهم عَذابُ اللهِ تَعالى في الدُنْيا، وكانَتْ مُراجَعَتُهم أنْ سَوَّوْا بَيْنَ وعْظِهِ وتَرْكِهِ الوَعْظَ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَعَظْتَّ" بِإدْغامِ الظاءِ في التاءِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿ إنْ هَذا إلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ﴾ ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ذَلِكَ، فَقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "خُلُقُ" بِضَمِّ اللامِ، فالإشارَةُ بـِ "هَذا" إلى دِينِهِمْ وعِبادَتِهِمْ وتَصَرُّفِهِمْ في المَصانِعِ، أيْ: هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ خُلُقُ الناسِ وعادَتُهُمْ، وما بَعْدَ ذَلِكَ بَعْثٌ ولا تَعْذِيبَ كَما تَزْعُمُ أنْتَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو قُلابَةَ "خُلْقُ" بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللامِ، ورَواهُ الأصْمَعِيُّ عن نافِعٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "خُلْقُ الأوَّلِينَ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللامِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةَ، والحَسَنِ، وهَذا يُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وما هَذا الَّذِي تَزْعُمُهُ إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكِذْبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مِنهاجِهِمْ.
والثانِي أنْ يُرِيدُوا: وما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةَ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ، وما ثَمَّ بَعْثٌ ولا تَعْذِيبٌ، وكُلُّ مَعْنًى مِمّا ذَكَرْتُهُ تَحْتَمِلُهُ قِراءَةُ "خُلُقُ".
ورَوى عَلْقَمَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ"، وباقِي الآيَةِ قَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
رأى من قومه تمحّضاً للشغل بأمور دنياهم، وإعراضاً عن الفكر في الآخرة والعمل لها والنظرِ في العاقبة، وإشراكاً مع الله في إلهيته، وانصرافاً عن عبادة الله وحده الذي خلقهم وأَعْمَرهم في الأرض وزادهم قوة على الأمم، فانصرفت همّاتهم إلى التعاظم والتفاخر واللهو واللعب.
وكانت عاد قد بلغوا مبلغاً عظيماً من البَأس وعظم السلطان والتغلب على البلاد مما أثار قولهم: ﴿ مَن أشدُّ منَّا قوةً ﴾ [فصلت: 15] فقد كانت قبائل العرب تصِف الشيء العظيم في نوعه بأنه «عَادي» وكانوا أهل رأي سديد ورجاحة أحلام، قال ودَّاك بن ثُمَيْل المازني: وأحلامُ عاد لا يخاف جلِيسهم *** ولو نطقَ العُوَّار غَرْبَ لِسان وقال النابغة يمدح غسان: أحلامُ عاد وأجساد مطهرة *** من المَعَقَّة والآفات والأثَم فطال عليهم الأمد، وتفننوا في إرضاء الهوى، وأقبلوا على الملذّات واشتد الغرور بأنفسهم فأضاعوا الجانب الأهم للإنسان وهو جانب الدين وزكاء النفس، وأهملوا أن يقصدوا من أعمالهم المقاصد النافعة ونية إرضاء الله على أعمالهم لحب الرئاسة والسمعة، فعبدوا الأصنام، واستخفوا بجانب الله تعالى، واستحمقوا الناصحين، وأرسل الله إليهم هوداً ففاتحهم بالتوبيخ على ما فُتِنوا بالإعجاب به وبذمه إذ ألهاهم التنافس فيه عن معرفة الله فنبذُوا اتّباع الشرائع وكذَّبوا الرسول.
فمِن سابِق أعمال عاد أنهم كانوا بَنوا في طرق أسفارهم أعلاماً ومنارات تدل على الطريق كيلا يضِلّ السائرون في تلك الرمال المتنقلة التي لا تبقى فيها آثار السائرين واحتفروا وشيّدوا مصانع للمياه وهي الصهاريج تَجمع ماء المطر في الشتاء ليشرب منها المسافرون وينتفع بها الحاضرون في زمن قلة الأمطار، وبنوْا حصوناً وقصوراً على أشراف من الأرض، وهذا من الأعمال النافعة في ذاتها لأن فيها حفظ الناس من الهلاك في الفيافي بِضلال الطرق، ومن الهلكة عطشاً إذا فقدوا الماء وقت الحاجة إليه، فمتى أريد بها رضى الله تعالى بنفع عبيده كانت جديرةً بالثناء عاجلاً والثواب آجلاً.
فأما إذا أهمل إرضاء الله تعالى بها واتُّخِذت للرياء والغرور بالعظمة وكانوا مُعرضين عن التوحيد وعن عبادة الله انقلبت عظمة دنيويةً محْضة لا ينظر فيها إلى جانب النفع ولا تحث الناس على الاقتداء في تأسيس أمثالها وقصاراها التمدح بما وجدوه منها.
فصار وجودها شبيهاً بالعبث لأنها خلت عن روح المقاصد الحسنة فلا عبرة عند الله بها لأن الله خلق هذا العالم ليكون مظهر عبادته وطاعته.
وكانوا أيضاً في الإعراض عن الآخرة والاقتصار على التزود للحياة الدنيا بمنزلة من يحسبون أنفسهم خالدين في الدنيا.
والأعمال إذا خلت عن مراعاة المقاصد التي ترضي الله تعالى اختلفت مشارب عامليها طرائق قِدَداً على اختلاف الهمم واجتلاب المصالح الخاصة، فلذلك أنكرها عليهم رسولهم بالاستفهام الإنكاري على سنة المواعظ فإنها تُبنَى على مراعاة ما في الأعمال من الضر الراجح على النفع، فلا يلفت الواعظ إلى ما عسى أن يكون في الأعمال من مرجوح إذا كان ذلك النفع مرغوباً للناس، فإن باعث الرغبة المنْبَثَّ في الناس مغننٍ عن ترغيبهم فيه، وتصدي الواعظ لذلك فضول وخروج عن المقصد بتحذيرهم أو تحريضهم فيما عدا ذلك، إذا كان الباعث على الخير مفقوداً أو ضئيلاً.
وقد كان هذا المقام مقام موعظة كما دلّ عليه قوله تعالى عنهم ﴿ قالوا سواءٌ علينا أوعَظت أم لم تكن من الواعظين ﴾ [الشعراء: 136].
ومقام الموعظة أوسع من مقام تغيير المنكر، فموعظة هود عليه السلام متوجهة إلى ما في نفوسهم من الأدواء الروحية، وليس في موعظته أمر بتغيير ما بنَوه من العلامات ولا ما اتخذوه من المصانع.
ولما صار أثر البناء شاغلاً عن المقصد النافع للحياة في الآخرة نُزّل فعلهم المفضي إلى العبث منزلة الفعل الذي أريد منه العبث عند الشروع فيه فأنكر عليهم البناءُ بإدخال همزة الإنكار على فعل ﴿ تبنون ﴾ ، وقُيّد بجملة: ﴿ تعبثون ﴾ التي هي في موضع الحال من فاعل ﴿ تبنون ﴾ ، مع أنهم لما بنوا ذلك ما أرادوا بفعلهم عبثاً، فمناط الإنكار من الاستفهام الإنكاري هو البناء المقيّد بالعبث، لأن الحكم إذا دخل على مقيّد بقيْد انصرف إلى ذلك القيد.
وكذلك المعطوف على الفعل المستفهَم عنه وهو جملة: ﴿ وتتخذون مصانع ﴾ هو داخل في حيّز الإنكار ومقيَّد بجملة الحال المقيَّد بها المعطوفُ عليه بناءً على أن الحال المتوسطة بين الجملتين ترجع إلى كلتيهما على رأي كثير من علماء أصول الفقه لا سيما إذا قامت القرينة على ذلك.
وقد اختلفت أقوال المفسّرين في تعيين البناء والآيات والمصانع كما سيأتي.
وفي بعض ما قالوه ما هو متمحّض للّهو والعبث والفساد، وفي بعضه ما الأصل فيه الإباحة، وفي بعضه ما هو صلاح ونفع كما سيأتي.
وموقع جملة: ﴿ أتبنون ﴾ في موضع بدل الاشتمال لجملة: ﴿ ألا تتقون ﴾ [الشعراء: 124] فإن مضمونها مما يشتمل عليه عدم التقوى الذي تسلط عليه الإنكار وهو في معنى النفي.
والرِّيع بكسر الراء: الشَّرف، أي المكان المرتفع، كذا عن ابن عباس، والطريقُ والفج بين الجبلين، كذا قال مجاهد وقتادة.
والآية: العلامة الدالة على الطريق، وتطلق الآية على المصنوع المعجِب لأنه يكون علامة على إتقان صانعه أو عظمة صاحبه.
و (كل) مستعمل في الكثرة، أي في الأرياع المشرفة على الطرق المسلوكة، والعبث: العمل الذي لا فائدة نفع فيه.
والمصانع: جمع مَصنع وأصله مَفعَل مشتق من صَنَع فهو مصدر ميمي وُصف به للمبالغة، فقيل: هو الجابية المحفورة في الأرض.
وروي عن قتادة: مبنية بالجير يخزن بها الماء ويُسمّى صهريجاً وماجِلاً، وقيل: قصور وهو عن مجاهد.
وكانت بلاد عاد ما بين عُمان وحضرموت شرقاً وغَرباً ومتغلغلة في الشمال إلى الرمال وهي الأحقاق.
وجملة: ﴿ لعلكم تخلدون ﴾ مستأنفة.
و (لعل) للترجي، وهو طلب المتكلم شيئاً مستقْرب الحصول، والكلام تهكّم بهم، أي أرجو لكم الخلود بسبب تلك المصانع.
وقيل: جعلت عاد بنايات على المرتفعات على الطرق يعبثون فيها ويسخرون بالمارة.
وقد يفسر هذا القول بأن الأمة في حال انحطاطها حولت ما كان موضوعاً للمصالح إلى مفاسد فعمدوا إلى ما كان مبنياً لقصد تيسير السير والأمن على السابلة من الضلال في الفيافي المهلكة فجعلوه مكامن لَهو وسخرية، كما اتخذت بعض أديرة النصارى في بلاد العرب مجالس خمر، وكما أدركنا الصهاريج التي في قرطاجنة كانت خَزَّاناً لمياه زغوان المنسابة إليها على الحنايا فرأيناها مكامِن للّصوص ومخازن للدواب إلى أول هذا القرن سنة 1303 ه.
وقيل: إن المصانع قصور عظيمة اتّخذوها فيكون الإنكار عليهم متوجهاً إلى الإسراف في الإنفاق على أبنية راسخة مكينة كأنها تمنعهم من الموت، فيكون الكلام مسوقاً مساق الموعظة من التوغّل في الترف والتعاظم.
هذا ما استخلصناه من كلمات انتثرت في أقوال عن المفسرين وهي تدل على حيرة من خلال كلامهم في توجيه إنكار هود على قومه عملَيْن كانا معدودين في النافع من أعمال الأمم، وأحسب أن قد أزلنا تلك الحيرة.
وقوله: ﴿ وإذا بطشتم بطشتم جبارين ﴾ أعقب به موعظتهم على اللهو واللعب والحرص على الدنيا بأن وعظهم على الشدة على الخلق في العقوبة، وهذا من عدم التوازن في العقول فهم يبنون العلامات لإرشاد السابلة ويصطنعون المصانع لإغاثة العطاش فكيف يُلاقي هذا التفكير تفكيراً بالإفراط في الشدة على الناس في البطش بهم، أي عقوبتهم.
والبطش: الضرب عند الغضب بسوط أو سيف، وتقدم في قوله: ﴿ أم لهم أيدٍ يبطِشون بها ﴾ في آخر الأعراف (195).
و ﴿ جبارين ﴾ حال من ضمير ﴿ بطشتم ﴾ وهو جمع جبّار، والجبار: الشديد في غير الحق، فالمعنى: إذا بطشتم كان بطشكم في حالة التجبر، أي الإفراط في الأذى وهو ظلم، قال تعالى: ﴿ إن تريد إلاّ أن تكون جبّاراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ﴾ [القصص: 19].
وشأن العقاب أن يكون له حَد مناسب للذنب المعاقب عليه بلا إفراط ولا تفريط، فالإفراط في البطش استخفاف بحقوق الخلق.
وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صنفان من أهل النار لم أرهما: قومٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات....
" الحديث.
ووقع فعل ﴿ بطشتم ﴾ الثاني جواباً ل ﴿ إذا ﴾ وهو مرادف لفعل شرطها، لحصول الاختلاف بين فعل الشرط وفعل الجواب بالعموم والخصوص كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ وإذا مرّوا باللّغو مرّوا كراماً ﴾ في سورة الفرقان (72) وإنما يقصد مثل هذا النظم لإفادة الاهتمام بالفعل إذ يحصل من تكريره تأكيد مدلوله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الرَّيْعَ الطَّرِيقُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ المُسَيِّبِ بْنِ عَلِيٍّ: في الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها رِيعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ السَّحْلُ: الثَّوْبُ الأبْيَضُ، شَبَّهَ الطَّرِيقَ بِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ السُّوقُ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الفَجُّ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: أنَّهُ الجِبالُ، قالَهُ أبُو صَخْرٍ.
السّادِسُ: أنَّهُ المَكانُ المُشْرِفُ مِنَ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعِهِ ∗∗∗ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ ﴿ آيَةً تَعْبَثُونَ ﴾ في آيَةٍ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: البُنْيانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: الأعْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أبْراجُ الحَمامِ، حَكاهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
وَفي العَبَثِ قَوْلانِ: أحَدُها: اللَّهْوُ واللَّعِبُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّانِي: أنَّهُ عَبَثُ العَشّارِينَ بِأمْوالِ مَن يَمُرُّ بِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُصُورُ المُشَيَّدَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: تَرَكْنا دِيارَهم مِنهم قِفارًا ∗∗∗ وهَدَّمْنا المَصانِعَ والبُرُوجا الثّانِي: أنَّها مَآجِلُ الماءِ تَحْتَ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ بَلِينا وما تَبْلى النُّجُومُ الطَّوالِعُ ∗∗∗ وتَبْقى الجِبالُ بَعْدَنا والمَصانِعُ الثّالِثُ: أنَّها بُرُوجُ الحَمامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ ﴾ أيْ كَأنَّكم تَخْلُدُونَ بِاتِّخاذِكم هَذِهِ الأبْنِيَةَ، وحَكى قَتادَةُ: أنَّها في بَعْضِ القِراءاتِ: كَأنَّكم خالِدُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أقْوِياءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: هو ضَرْبُ السِّياطِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: هو القَتْلُ بِالسَّيْفِ في غَيْرِ حَقٍّ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
وَقالَ الكَلْبِيُّ: هو القَتْلُ عَلى الغَضَبِ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ المُؤاخَذَةُ عَلى العَمْدِ والخَطَأِ مِن غَيْرِ عَفْوٍ ولا إبْقاءٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ أتبنون بكل ريع ﴾ قال: طريق ﴿ آية ﴾ قال: علماً ﴿ تعبثون ﴾ قال: تلعبون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أتبنون بكل ريع ﴾ قال: شرف.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ أتبنون بكل ريع ﴾ قال: طريق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر قال: ﴿ الريع ﴾ ما استقبل الطريق بين الجبال والظراب.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أتبنون بكل ريع ﴾ قال: بكل فج بين جبلين ﴿ آية ﴾ قال: بنيانا ﴿ وتتخذون مصانع ﴾ قال: بروج الحمام.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ تعبثون ﴾ قال: تلعبون.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وتتخذون مصانع ﴾ قال: قصوراً مشيدة وبنياناً مخلداً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وتتخذون مصانع ﴾ قال: مآخذ للماء قال: وكان في بعض القراءة ﴿ وتتخذون مصانع كأنكم خالدون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لعلكم تخلدون ﴾ قال: كأنكم تخلدون.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا بطشتم بطشتم جبارين ﴾ قال: بالسوط والسيف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ بطشتم جبارين ﴾ قال: أقوياء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ بطشتم جبارين ﴾ قال: أقوياء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن هذا إلا خلق الأولين ﴾ قال: دين الأولين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن هذا إلا خلق الأولين ﴾ قال: أساطير الأولين.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿ إن هذا إلا خلق الأولين ﴾ يقول شيء اختلقوه وفي لفظ يقول ﴿ اختلاق الأولين ﴾ .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ إن هذا إلا خلق الأوّلين ﴾ قال: كذبهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علقمة ﴿ إن هذا إلا خلق الأولين ﴾ قال: اختلاقهم.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ إن هذا إلا خلق الأولين ﴾ مرفوعة الخاء مثقلة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إن هذا إلا خلق الأولين ﴾ قال: قالوا: هكذا خلقت الأولون، وهكذا كان الناس يعيشون ما عاشوا، ثم يموتون ولا بعث عليهم ولا حساب ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ أي إنما نحن مثل الأولين نعيش كما عاشوا ثم نموت لا حساب ولا عذاب علينا ولا بعث.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ قال الليث: المصنعة شبه صهريج عميق يُتخذ للماء، والجمع (١) قال لبيد: وما تَبْلى النجومُ الطوالعُ ...
وتبلى الديارُ بعدنا والمصانعُ (٢) وقال أبو عبيدة: كل بناء مَصْنَعة (٣) قال الأزهري: وقال بعضهم: هي أحباس تُتَّخذ للماء، كالزلَف، واحدها: مَصْنَعة، ومَصْنَع يحتفرها الناس فيملؤها ماءُ السماء فيشربونها.
ويقال للقصور أيضًا: مصانع (٤) قال ابن عباس: هي الأبنية (٥) وقال مجاهد: قصورًا مشيدة، وبنيانًا مخلدًا (٦) وقال الكلبي: مصانع: منازل (٧) وقال مقاتل: يعني القصور (٨) وذكر قتادة القولين؛ أحدهما: القصور، والحصون.
والثاني: مآخذ للماء (٩) وقال سفيان: المصانع التي يكون فيها الماء (١٠) وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد كي تخلدوا (١١) (١٢) وقال الزجاج: ومعنى ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ أي: كي تخلدون، أي: وتتخذون مباني للخلود (١٣) وقال ابن قتيبة] (١٤) (١٥) وقال ابن عباس وقتادة ومقاتل: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ كأنكم تخلدون (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ ﴾ معناه: كأنك فاعلٌ ذلك إن لم يؤمنوا (١٩) قال ابن الأنباري: وتكون: (لعل) بمعنى الاستفهام؛ كقولك: لعلك تشتمني، معناه: هل تشتمني (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (١) في نسخة (أ)، الجميع.
وفي كتاب "العين" 1/ 305 (صنع): وتجمع المصانع.
(٢) كتاب "العين" 1/ 305 (صنع)، ولم أجد قول الليث في "تهذيب اللغة" 2/ 37 (صنع)، وأما البيت فقد ذكره الأزهري منسوبًا للبيد.
وهو مطلع قصيدة يرثي بها أخاه: أربد، وهي في الديوان 88، بلفظ: بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ...
وتبقى الجبال بعدنا والمصانع (٣) "مجاز القرآن" 2/ 88.
(٤) "تهذيب اللغة" 2/ 37 (صنع).
(٥) قال ابن قتيبة: "المصانع: الباء، واحدها مصنعة".
"غريب القرآن" 319.
(٦) "تفسير مجاهد" 2/ 463.
وأخرجه ابن جرير 19/ 95، وابن أبي حاتم 9/ 2794.
وأخرجه عبد الرزاق 2/ 75، بلفظ: قصور، وحصون.
(٧) "تنوير المقباس" 311.
وذكر الهواري 3/ 234، عن الكلبي، أن المراد: القصور.
وذكر البغوي 6/ 123، عنه: الحصون.
(٨) "تفسير مقاتل" 53 أ، وفيه: "يعني: القصور ليُذكروا بها، هذا منزل بني فلان، وبني فلان".
واقتصر في الوجيز 2/ 793، على أن المراد بالمصانع: المباني والقصور.
(٩) أخرج القول الثاني، عبد الرزاق 2/ 74.
وابن جرير 19/ 95، وابن أبي حاتم 9/ 2794.
(١٠) قال ابن جرير 19/ 95: "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن المصانع جمع مصنعَةٍ، والعرب تسمي كل بناءٍ مصنعةً، وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصوراً، وحصوناً مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للماء، ولا خبر يقطع العذر بأي ذلك كان، ولا هو مما يدرك من جهة العقل، فالصواب أن يقال فيه ما قال الله: إنهم كانوا يتخذون مصانع".
(١١) ذكره عنه الثعلبي 8/ 114 ب.
وابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 136.
(١٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 281.
وذكره ابن جرير 19/ 96، بقوله: "وكان بعض أهل العربية يزعم أن لعلكم في هذا الموضع بمعنى: كيما".
ولم يسمه، ولم يعلق عليه.
(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 96، وفيه: ومعنى ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ أي: لأن تخلدوا.
(١٤) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (أ)، (ب).
(١٥) "غريب القرآن" لابن قتيبة 319.
(١٦) كأنكم تخلدون، في نسخة (ج).
ذكر البخاري، عن ابن عباس: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ كأنكم.
الفتح 8/ 496.
وهو كذلك في "تنوير المقباس" 311.
ووصله ابن جرير== 19/ 96، وابن أبي حاتم 9/ 2795، من طريق علي بن أبي طلبة.
وأخرجه ابن جرير، عن قتادة أيضًا.
(١٧) "تفسير مقاتل" 53 أ.
(١٨) "تنوير المقباس" 311.
(١٩) ذكره عن يونس، الأزهري، "تهذيب اللغة" 1/ 106 (لعل).
(٢٠) ذكره عن ابن الأنباري، الأزهري، "تهذيب اللغة" 1/ 106 (لعل).
(٢١) في نسخة (أ): لعلك.
(٢٢) أخرجه ابن جرير 19/ 96، وابن أبي حاتم 9/ 2795.
وذكره الثعلبي 8/ 114 ب.
(٢٣) كون لعل للترجي ذكره الأزهري عن ابن الأنباري؛ بلفظ: "لعل يكون ترجياً، ويكون بمعنى: كي".
"تهذيب اللغة" 1/ 106 (لعل).
<div class="verse-tafsir"
﴿ فافتح بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ﴾ أي احكم بيننا ﴿ فِي الفلك المشحون ﴾ أي المملوء ﴿ بِكُلِّ رِيعٍ ﴾ الريع المكان المرتفع وقيل الطريق ﴿ آيَةً ﴾ يعني المباني الطوال وقبل أبراج الحمام ﴿ مَصَانِعَ ﴾ جمع مصنع وهو ما أتقن صنعه من المباني، وقيل: مأخذ الماء ﴿ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ ﴾ الآية تفسير لقوله أمدكم بما تعلمون فأبْهَمَ أولاً ثم فسره ﴿ خُلُقُ الأولين ﴾ بضم الخاء واللام أي عادتهم والمعنى أنهم قالوا: ما هذا الذي عليه من ديننا إلا عادة الناس الأولين، وقرأ ابن كثير والكسائي وأبو عمرو بفتح الخاء وإسكان اللام، ويحتمل على هذا وجهين: أحدهما أنه بمعنى الخلقة والمعنى ما هذه الخلقة التي نحن عليها إلا خلقة الأولين، والآخر أنها من الاختلاق بمعنى الكذب، والمعنى ما هذا الذي جئت به إلا كذب الأولين ﴿ أَتُتْرَكُونَ ﴾ تخويف لهم معناه: أتطمعون أن تتركوا في النعم على كفركم ﴿ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ﴾ الطلع عنقود التمر في أول نباته قبل أن يخرج من الكم، والهضيم: اللين الرطب، فالمعنى طلعها يتم ويرطب، وقيل: هو الرَّخْص أول ما يخرج، وقيل: الذي ليس فيه نوى، فإن قيل: لم ذكر النخل بعد ذكر الجنات، والجنات تحتوي على النخل؟
فالجواب: أن ذلك تجريد كقوله: ﴿ فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ [الرحمن: 68]، ويحتمل أنه أراد الجنات التي ليس فيها نخل ثم عطف عليها النخل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أوعظت ﴾ مدغماً: عباس ونصير ﴿ خلق الأولين ﴾ بفتح الخاء وسكون اللام: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وعليّ ﴿ كذبت ثمود ﴾ مثل ﴿ بعدت ثمود ﴾ ﴿ فارهين ﴾ بالألف: ابن عامر وعاصم وحمزة وعليّ وخلف.
الوقوف: ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ أجر ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ تعبثون ﴾ ه لا ﴿ تخلدون ﴾ ه ج ﴿ جبارين ﴾ ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج ﴿ تعلمون ﴾ ه ج ﴿ وبنين ﴾ ه لا ﴿ وعيون ﴾ ه ج ﴿ عظيم ﴾ ه ط ﴿ الواعظين ﴾ ه لا للحتراز عن الابتداء بمقولهم ﴿ الأولين ﴾ ه لا لذلك ﴿ بمعذبين ﴾ ه ج ﴿ فأهلكناهم ﴾ ط ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ أجر ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ آمنين ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ هضيم ﴾ ه ﴿ فارهين ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج لذلك ﴿ المسرفين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذين ﴾ صفتهم ﴿ ولا يصلحون ﴾ ه ﴿ المسحرين ﴾ ه ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ مثلنا ﴾ ز ﴿ من الصادقين ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ج ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ه لا ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا ﴿ ألا تتقون ﴾ ه ج ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج ﴿ أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ه ط ﴿ من العالمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ من أزواجكم ﴾ ه ﴿ عادون ﴾ ط ﴿ المخرجين ﴾ ه ﴿ القالين ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ج ﴿ مطر المنذرين ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه.
التفسير: القصة الرابعة قصة هود ولنذكر من تفسيرها ما هو غير مكرر.
الريع بالكسر وقرئ بالفتح المكان المرتفع ومنه الغلة لارتفاعها.
والآية العلم وفي هذا البناء وجوه: فعن ابن عباس أنهم كانوا يبنون بكل موضع مرتفع علماً يعبثون فيه بمن يمر بالطريق إلى هود.
وقيل: كانوا يبنون ذلك ليعرف به فخرهم وغناهم فنهوا عنه ونسبوا إلى العبث وقيل: كانوا يقتنون الحمام قاله مجاهد.
والمصانع مآخذ الماء.
وقيل: القصور المشيدة والحصون.
ومعنى ﴿ لعلكم تخلدون ﴾ ترجون الخلود في الدنيا أو ظلماً وعلواً فوصفوا بكونهم إذ ذاك جبارين.
وقيل: الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب.
وعن الحسن: اراد أنهم يبادرون العذاب من غير تفكر في العواقب.
والحاصل أن اتخاذ الأبنية الرفيعة يدل على حب العلوّ، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء، والبطش الشديد يدل على حب التفرد بالعلوّ فكأنهم أحبوا العلوّ وبقاء العلوّ والتفرد بالعلوّ وكل هذه لمن له الصفات الإلهية لا العبدية.
ثم بالغ في تنبيههم على نعم الله حيث أجملها بقوله ﴿ واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون ﴾ إيقاظاً لهم عن سنة الغفلة مستشهداً بعلمهم ثم فصلها بقوله ﴿ أمدكم بأنعام ﴾ عليها تدور معايشكم ﴿ وبنين ﴾ بهم يتم أمر حفظها والقيام بها ﴿ وجنات ﴾ يحصل بها التفكه والتنزه ﴿ وعيون ﴾ بمائها يكمل النماء.
ثم ختم الكلام بتخويفهم تنبيهاً على أنه كما قدر أن يتفضل عليهم بهذه النعم الجسام فهو قادر على العذاب فيكون فيه مزيد حث على التقوى وكمال تنفر عن العصيان.
ثم شرع في حكاية جواب القوم وأنهم قالوا: إن وعظه وعدم وعظه بالنسبة إليهم سيان.
وإنما لم يقل "أوعظت أم لم تعظ" مع كونه أخصر لأن المراد سواء علينا افعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أو لم تكن من مباشريه وذويه راساً وهذا أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه.
منقرأ ﴿ خلق الأولين ﴾ بفتح الخاء فمعناه أن هذا إلا اختلاق الأولين وأكاذيبهم، أو ما هذا إلا خلق الأقدمين نحيا ونموت ولا بعث ولا جزاء.
والقراءة الأخرى معناها لسنا نحن إلا على دين الأولين من آبائنا، أو ليس ما نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة جارية لا خرق لها، أو ما هذا الذي جئت به من تلفيق الأكاذيب.
إلا عادة مستمرة من المتنبين.
ثم أكدوا إنكارهم المعاد بقولهم ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ فأظهروا بذلك جلادتهم وقوة نفوسهم فأخبر الله عن إهلاكهم وقد سبقت كيفية ذلك مراراً.
القصة الخامسة قصة صالح.
قال جار الله: الهمزة في ﴿ أتتركون ﴾ يجوز أن تكون للإنكار اي لا تتركون مخلدين في الأمن والراحة ولكل نعمة زوال، ويجوز أن تكون للتقرير أي قد تركتم في أسباب الأمن والفراغ، أجمل أولاً بقوله ﴿ فيما ههنا ﴾ أي في الذي استقر في هذا المكان من النعيم، ثم فسره بقوله ﴿ في جنات وعيون ﴾ وذكر النخل بعد ذكر الجنات إما تخصيص للجنات بغير النخل، وإما تخصيص للنخل بالذكر تنبيهاً على فضله ومزيته.
وطلع النخلة ما يبدو منها كنصل السيف وقد مر في "الأنعام".
والهضيم اللطيف الضامر من قولهم "كشح هضيم" أراد أنه وهب لهم أجود النخل وألطفه كالبرني مثلاً.
وقيل: وصف نخيلهم بالحمل الكثير فإنه إذا كثر الحمل هضم أي لطف.
وقيل: الهضيم اللين النضيج كأنه قال: ونخل قد ارطب ثمره.
والفراهة الكيس والنشاط ومنه "خيل فرهة" و ﴿ فارهين ﴾ حال من الناحتين.
قال علماء المعاني: جعل الأمر مطاعاً مجاز حكمي وإنما المطاع بالحقيقة هو الآمر.
وفي قوله ﴿ ولا يصلحون ﴾ إشارة إلى أن إفسادهم في الأرض غير مقترن بالإصلاح راساً.
والمسحر الذي سحر كثيراً حتى غلب على عقله.
وقيل: هو من السحر الرئة.
أرادوا أنه بشر ذو سحر وهو ضعيف لأنه يلزم التكرار بقوله: ﴿ ما أنت إلا بشر مثلنا ﴾ إلا أن يقال: إنه بيان.
والشرب النصيب من الماء كالسقي للحظ من السقي.
وقرئ بالضم عن قتادة إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله ولهم شرب يوم لا تشرب فيه الماء.
سؤال: لم أخذهم العذاب وقد ندموا والندم توبة؟
جوابه كان ندمهم ندم خوف من العقاب العاجل أو ندموا ندم توبة في غير أوانها وذلك عند عيان العذاب.
وقيل: ندموا على ترك عقر ولدها وفيه بعد.
واللام في العذاب إشارة إلى عذاب يوم عظيم.
القصة السادسة: قصة لوط: أنكر على قومه إتيانهم الذكور من الناس لا الإناث على كثرتهن، أو أنكر عليهم كونهم مختصين من العالمين بهذه الفاحشة.
فقوله: ﴿ من العالمين ﴾ يعود على الأول إلى المأتي، وعلى الثاني إلى الآتي.
والعالمون على هذا كل ما ينكح من الحيوان ولا شيء من الحيوان يرتكب هذه الفعلة إلا الإنسان.
قوله ﴿ من أزواجكم ﴾ إما بيان لما خلق وإما للتبعيض فيراد بما خلق العضو المباح منهن فلعلهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم.
والعادي المتجاوز الحد في ظلم اي ﴿ بل أنتم قوم عادون ﴾ في جميع المعاصي وهذه واحدة منها، أو بل أنتم قوم أحقاء بأن تنسبوا إلى العدوان حيث فعلتم هذه الجريمة العظيمة.
﴿ قالوا لئن لم تنته يا لوط ﴾ عن نهينا ﴿ لتكونن ﴾ من جملة من أخرجناه من بلدنا ولعلهم كانوا يطردون من خالف أراد أنه كامل في قلاهم عصبية للدين، أو أنه معدود في زمرة مبغضيهم كما تقول: فلان من العلماء.
فيكون أبلغ من قولك "هو عالم".
ثم طلب النجاة من عقوبة عملهم أو سأل العصمة عن مثل عملهم ولقد عصمهم الله ﴿ إلا عجوزاً ﴾ رضيت بفعلهم وأعانت على ذلك وكانت من أهله بحث الزواج وإن لم تشاركهم في الإيمان.
ومعنى ﴿ في الغابرين ﴾ إلا عجوزاص مقدراً غبورها أي بقاؤها في الهلاك.
واللام في ﴿ المنذرين ﴾ للجنس لتصلح الفاء علة فعل الذم والمخصوص محذوف أي ساء مطر جنس المنذرين مطر أولئك المعهودين والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ : هو - والله أعلم - ما ذكرنا، أي: قد كذبت جماعة عاد المرسلين.
وقوله: ﴿ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ ما ذكرنا أن كل رسول كان دعا قومه إلى الإيمان به وبجميع الرسل فمن كذب واحداً منهم، فقد كذب الكل.
وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ ﴾ : هو كان أخاهم في النسب؛ لأنهم جميعاً ولد آدم على بعد من آدم؛ فعلى ذلك هم إخوة فيما بينهم على بعد بعضهم من بعض.
وقوله: ﴿ أَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ألا تتقون نقمة الله وعذابه.
أو ألا تتقون مخالفة أمر الله ومناهيه.
﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ : فيما ائتمنني الله، وبعث على يدي إليكم هدايا، فاقبلوا مني هداياه وأمانته، أو أن يكون ما ذكرنا من قبل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ : ما ذكرناه.
﴿ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي: أسعى في نجاتكم وتخليصكم من عذاب الله، وما أسألكم على ذلك أجرا، وفي الشاهد: لا يعمل أحد إلا ويطمع على ذلك منه أجراً، وأنا لا أسألكم على ذلك أجراً، فيمنعكم ذلك عن قبول ذلك مني.
﴿ إِنْ أَجْرِيَ ﴾ أي: ما أجري ﴿ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: كأنهم كانوا يبنون بنياناً لا حاجة لهم إلى ذلك البنيان ولا ينتفعون به فهو عبث؛ لأن كل من بنى بناء أو عمل عملا لا ينتفع به ولا يحتاج إليه فهو عابث؛ لذلك سمى ما بنوا: عبثاً.
والثاني: جائز أن يكون ذلك المكان لهم كان مكان العبث والاجتماع للهو، فبنوا على ذلك المكان فسماه: عبثاً؛ لما لم يكن اجتماعهم في ذلك إلا للعبث واللهو.
والثالث: أن يكون ذلك المكان مكاناً يمر فيه الناس فبنوا فيه أعلاما يضلون الناس بها لما يرون أنه طريق ولم يكن ذلك، فكان قصدهم بذلك البناء باطلا، وكل باطل عبث، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ : ولا تموتون، أي: تنفقون نفقة من يطمع أن يخلد في هذه الدنيا، ليس بنفقة من يموت ويرجو ثوابه وعاقبته.
أو أن يكون قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ لما وسع عليهم الدنيا ورزقهم الدعة يحسبون أنهم يخلدون؛ لأن من وسع عليه الدنيا ويكون له الدعة والسعة في هذه الدنيا، يطمئن فيها ويسكن؛ وهو كما قال: ﴿ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾ : كنى - والله أعلم - بالجبار عن الظالم والمعتدي، أي: وإذا بطشتم بطشتم ظالمين.
والريع: هو المكان المرتفع.
وقال بعضهم: هو الطريق.
ومصانع: قال بعضهم: البنيان، وقيل: الحياض.
وقال أبو عوسجة: الريع: ما ارتفع من الأرض، وجمع الريع: ريع، وجمع الريع أرياع؛ وهما واحد.
والريع: الربح - أيضاً - تقول: أراع إذا ربحت عليه، وجمعه: أرياع.
ومصانع في موضع: قصور و[في] موضع: حياض يجتمع فيها الماء، الواحد: مصنعة من كلاهما.
وقال: البطش: الأخذ، يقال: بطشت بفلان أبطش بطشاً؛ إذا أخذته وقبضت عليه.
وقال القتبي - أيضاً -: الريع: الارتفاع من الأرض، والمصانع: البناء، واحدها: مصنعة؛ فكان المعنى: أنهم يستوثقون في البناء والحصون، ويذهبون إلى أنها تحصنهم من أقدار الله وقضائه، وهذا يشبه أن يكون ما ذكر؛ لأنه قال في آخره: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ أي: يبنون بناء كأنهم يخلدون ولا يموتون.
وقال: ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ ﴾ أي: إذا ضربتم بالسياط [ضربتم] ضرب الجبارين، وإذا عاقبتم قتلتم.
وقال بعضهم: بطشتم: أخذتم بالظلم والاعتذار والاستحلال لما حرم الله.
وقال أبو معاذ: وكل بناء مصنعة.
وفي حرف حفصة: ﴿ وتبنون مصانع كأنكم خالدون ﴾ .
والآية: العلم.
وقال بعضهم: الريع ما استقبل الطريق من الجبال والظراب.
وقال قتادة: كل نشز في الأرض.
وقال محمد بن إسحاق: إنهم كانوا إذا سافروا فلا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا القصور الطوال عبثاً علما بكل طريق يهتدون بها في طرقهم.
وقال بعضهم: مصانع، أي: مجالس ومساكن لعلكم تخلدون ما بقيت مصانعكم.
والجبار: هو الذي يضرب أو يقتل بلا حق بلا خوف تبعة في العاقبة.
وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ : قد ذكرناه.
وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيۤ أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ﴾ أمدكم: قيل: أعطاكم وهو من المدد، أي: أعطاكم النعم تباعاً واحدة بعد واحدة لا تنقطع.
ثم هو يحتمل وجهين: أحدهما: اتقوا كفران الذي أعطاكم النعم، فلا توجهوا شكرها إلى من لم ينعم عليكم ولم يمدها لكم وأنتم تعلمون، وهو عبادتهم الأصنام التي لا يقدرون على إعطاء شيء من النعم.
والثاني: اتقوا نقمة الله [الذي] أعطاكم هذه النعم؛ فإن الذي قدر على إنعامها قدر على الانتقام منكم.
وعلى التأويل الأول: اتقوا كفرانها؛ فإن الذي قدر على إعطائها قدر على صرفها عنكم على هذين الوجهين، والله أعلم.
ثم ذكر الذي أمده لهم من النعم فقال: ﴿ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ : هذا وغيره مما لا يحصى.
﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ ﴾ أي: أعلم أن ينزل بكم عذاب يوم عظيم.
وقال بعضهم: الخوف هاهنا هو الخوف نفسه؛ لأنه كان يرجو الإيمان منهم بعد، فقال: إني أخاف عليكم العذاب إذا متم على هذا، فقالوا عند ذلك جواباً له: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ ﴾ : الوعظ: هو الإخبار عن عواقب الأمور من ترغيب وترهيب، أي: سواء علينا تخوفنا العذاب أو لم تخوفنا لا نصدقك، ولا نجيبك إلى ما تدعونا إليه.
ثم قالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : قيل فيه وجوه: أحدها: أي: هذا الذي نحن عليه دين الأولين، وما أتيت أنت وتدعونا إليه هو حادث بديع.
والخلق: يجوز أن يكنى به عن الدين؛ كقوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ﴾ أي: لدين الله.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنْ هَـٰذَا ﴾ أي: ما هذا الذي تقوله إلا كذب الأولين واختلاقهم، أي: تكذب وتختلق، كما اختلق الذين من قبلك من الرسل؛ كقوله: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، فإن كان على هذا فيكون قوله: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ هذا لأنهم كذبوا الرسل جميعاً.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ قالوا: هكذا كان الناس قبلنا يعيشون ما عاشوا، ثم يموتون ولا بعث ولا حساب.
وقال بعضهم: الوعظ: هو النهي؛ كقوله: ﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً ﴾ أي: ينهاكم.
وقوله: ﴿ نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ : عليه على ما تزعم وتخبر كما لم يعذب الآباء.
وقوله: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ قيل: أهلكوا بالريح؛ كقوله: ﴿ وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ...
﴾ الآية [الحاقة: 6].
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ : قد ذكرناه.
وقال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ خَلْقُ الأولين ﴾ ؛ أي: اختلاقهم وكذبهم؛ يقال: خلقت الحديث واختلقته، إذا افتعلته.
قال الفراء: والعرب تقول للخرافات: أحاديث الخلق.
قال ومن قرأ: ﴿ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ - بضم الخاء - أراد: عادتهم وشأنهم.
<div class="verse-tafsir"
وتتخذون حصونًا وقصورًا كانكم تخلدون في هذه الدنيا، ولا تنتقلون عنها؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.ldexz"