الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ١٣١ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 41 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣١ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
"فاتقوا الله وأطيعون" أي اعبدوا ربكم وأطيعوا رسولكم ثم شرع يذكرهم نعم الله عليهم.
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه من عاد: اتقوا عقاب الله أيها القوم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم, وانتهوا عن اللهو واللعب, وظلم الناس, وقهرهم بالغلبة والفساد في الأرض.
فَاتَّقُوا اللَّهَأي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه وَأَطِيعُونِفيما آمركم به من الإيمان .
فَاتَّقُوا اللَّهَ واتركوا شرككم وبطركم وَأَطِيعُونِ حيث علمتم أني رسول الله إليكم, أمين ناصح.
"فاتقوا الله وأطيعون".
«فاتقوا الله» في ذلك «وأطيعون» فيما أمرتكم به.
فخافوا الله، وامتثلوا ما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، واخشوا الله الذي أعطاكم من أنواع النعم ما لا خفاء فيه عليكم، أعطاكم الأنعام: من الإبل والبقر والغنم، وأعطاكم الأولاد، وأعطاكم البساتين المثمرة، وفجَّر لكم الماء من العيون الجارية.
وبعد نهيه إباهم عن تلك الرذائل ، أمرهم بتقوى الله وطاعته وشكره على نعمه فقال : ( فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ واتقوا الذي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) .أى : اتركوا هذه الرذائل ، واتقوا الله وأطيعون فى كل ما آمركم به .
أو أنهاكم عنه ، واتقوا الله - تعالى .
القصة الرابعة: قصة هود عليه السلام: اعلم أن فاتحة هذه القصة وفاتحة قصة نوح عليه السلام واحدة فلا فائدة في إعادة التفسير ثم إنه تعالى ذكر الأمور التي تكلم فيها هود عليه السلام معهم وهي ثلاثة: فأولها: قوله: ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ ءايَةً تَعْبَثُونَ ﴾ قرئ ﴿ بِكُلّ رِيعٍ ﴾ بالكسر والفتح وهو المكان المرتفع، ومنه قوله كم ريع أرضك وهو ارتفاعها، والآية العلم، ثم فيه وجوه: أحدها: عن ابن عباس أنهم كانوا يبنون بكل ريع علماً يعبئون فيه بمن يمر في الطريق إلى هود عليه السلام والثاني: أنهم كانوا يبنون في الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم تفاخراً فنهوا عنه ونسبوا إلى العبث والثالث: أنهم كانوا ممن يهتدون بالنجوم في أسفارهم فاتخذوا في طريقهم أعلاماً طوالاً فكان ذلك عبثاً لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم الرابع: بنوا بكل ريع بروج الحمام.
وثانيها: قوله: ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ المصانع مآخذ الماء، وقيل القصور المشيدة والحصون ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ ترجون الخلد في الدنيا أو يشبه حالكم حال من يخلد، وفي مصحف أبي: (كأنكم)، وقرئ (تخلدون) بضم التاء مخففاً ومشدداً، واعلم أن الأول إنما صار مذموماً لدلالته إما على السرف، أو على الخيلاء، والثاني: إنما صار مذموماً لدلالته على الأمل الطويل والغفلة عن أن الدنيا دار ممر لا دار مقر.
وثالثها: قوله: ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾ بين أنهم مع ذلك السرف والحرص فإن معاملتهم مع غيرهم معاملة الجبارين، وقد بينا في غير هذا الموضع أن هذا الوصف في العباد ذم وإن كان في وصف الله تعالى مدحاً فكأن من يقدم على الغير لا على طريق الحق ولكن على طريق الاستعلاء يوصف بأن بطشه بطش جبار، وحاصل الأمر في هذه الأمور الثلاثة أن اتخاذ الأبنية العالية، يدل على حب العلو، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء، والجبارية تدل على حب التفرد بالعلو، فيرجع الحاصل إلى أنهم أحبوا العلو وبقاء العلو والتفرد بالعلو وهذه صفات الإلهية، وهي ممتنعة الحصول للعبد، فدل ذلك على أن حب الدنيا قد استولى عليهم بحيث استغرقوا فيه وخرجوا عن حد العبودية وحاموا حول ادعاء الربوبية، وكل ذلك ينبه على أن حب الدنيا رأس كل خطيئة وعنوان كل كفر ومعصية، ثم لما ذكر هود عليه السلام هذه الأشياء قال: ﴿ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ ﴾ زيادة في دعائهم إلى الآخرة وزجراً لهم عن حب الدنيا والاشتغال بالسرف والحرص والتجبر، ثم وصل بهذا الوعظ ما يؤكد القبول وهو التنبيه على نعم الله تعالى عليهم بالإجمال أولاً ثم التفصيل ثانياً فأيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حيث قال: ﴿ أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ﴾ ثم فصلها من بعد بقوله: ﴿ أَمَدَّكُمْ بأنعام وَبَنِينَ وجنات وَعُيُونٍ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ فبلغ في دعائهم بالوعظ والترغيب والتخويف والبيان النهاية فكان جوابهم ﴿ سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مّنَ الواعظين ﴾ أظهروا قلة اكتراثهم بكلامه، واستخفافهم بما أورده فإن قيل لو قال أوعظت أم لم تعظ كان أخصر والمعنى واحد جوابه: ليس المعنى بواحد (وبينهما فرق) لأن المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلاً من أهله (ومباشرته)، فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك أم لم تعظ، ثم احتجوا على قلة اكتراثهم بكلامه بقولهم: ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الأولين ﴾ فمن قرأ ﴿ خُلُقُ الأولين ﴾ بالفتح فمعناه أن ما جئت به اختلاق الأولين، وتخرصهم كما قالوا: ﴿ أساطير الأولين ﴾ أو ما خلقنا هذا إلا خلق القرون الخالية نحيا كحياتهم ونموت كمماتهم ولا بعث ولا حساب، ومن قرأ ﴿ خُلِقَ ﴾ بضمتين وبواحدة، فمعناه ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين وعادتهم كانوا به يدينون ونحن بهم مقتدون أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة لم يزل عليها الناس في قديم الدهر، أو ما هذا الذي جئت به من الكذب إلا عادة الأولين كانوا يلفقون مثله ويسطرونه، ثم قالوا: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ أظهروا بذلك تقوية نفوسهم فيما تمسكوا به من إنكار المعاد، فعند هذا بين الله تعالى أنه أهلكهم، وقد سبق شرح كيفية الهلاك في سائر السور، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ بكل ريع ﴾ ، بالكسر والفتح: وهو المكان المرتفع.
قال المسيب بن علس: في الآلِ يَرْفَعُهَا وَيَخْفِضُهَا ** رِيعٌ يَلُوحُ كَأَنَّهُ سَحْلُ ومنه قولهم: كم ريع أرضك؟
وهو ارتفاعها.
والآية: العلم وكانوا ممن يهتدون بالنجوم في أسفارهم.
فاتخذوا في طرقهم أعلاماً طوالاً فعبثوا بذلك، لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم.
وعن مجاهد: بنو بكل ريع بروج الحمام.
والمصانع: مآخذ الماء.
وقيل: القصور المشيدة والحصون ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ ترجون الخلود في الدنيا.
أو تشبه حالكم حال من يخلد.
وفي حرف أبيّ: كأنكم.
وقرئ: ﴿ تخلدون ﴾ بضم التاء مخففاً ومشدداً ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ ﴾ بسوط أو سيف كان ذلك ظلماً وعلواً، وقيل: الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب.
وعن الحسن: تبادرون تعجيل العذاب، لا تتثبتون متفكرين في العواقب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ﴾ بِكُلِّ مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ رِيعُ الأرْضِ لِارْتِفاعِها.
﴿ آيَةً ﴾ عَلَمًا لِلْمارَّةِ.
﴿ تَعْبَثُونَ ﴾ بِبِنائِها إذْ كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فَلا يَحْتاجُونَ إلَيْها أوْ بُرُوجَ الحَمامِ، أوْ بُنْيانًا يَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ لِلْعَبَثِ بِمَن يَمُرُّ عَلَيْهِمْ، أوْ قُصُورًا يَفْتَخِرُونَ بِها.
﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ ﴾ مَآخِذَ الماءِ وقِيلَ قُصُورًا مُشَيَّدَةً وحُصُونًا.
﴿ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ ﴾ فَتُحْكِمُونَ بُنْيانَها.
﴿ وَإذا بَطَشْتُمْ ﴾ بِسَيْفٍ أوْ سَوْطٍ.
﴿ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ ﴾ مُتَسَلِّطِينَ غاشِمِينَ بِلا رَأْفَةٍ ولا قَصْدَ تَأْدِيبٍ ونَظَرٍ في العاقِبَةِ.
﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ بِتَرْكِ هَذِهِ الأشْياءِ.
﴿ وَأطِيعُونِ ﴾ فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ فَإنَّهُ أنْفَعُ لَكم.
<div class="verse-tafsir"
{فاتقوا الله} في البطش {وَأَطِيعُونِ} فيما أدعوكم إليه
﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ واتْرُكُوا هَذِهِ الأفْعالَ ﴿ وأطِيعُونِ ﴾ فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ؛ فَإنَّهُ أنْفَعُ لَكم ﴿ واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ بِالَّذِي تَعْرِفُونَهُ مِنَ النِّعَمِ، فَـ(ما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ ﴾ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ بَدَلَ البَعْضِ - كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ المَعانِي - ووَجْهُهُ عِنْدَهم أنَّ المُرادَ التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ يَقْتَضِي اعْتِناءً بِشَأْنِهِ لِكَوْنِهِ مَطْلُوبًا في نَفْسِهِ أوْ ذَرِيعَةً إلى غَيْرِهِ مِنَ الشُّكْرِ بِالتَّقْوى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أمَدَّكم بِأنْعامٍ ﴾ إلَخْ، أوْفى بِتَأْدِيَةِ ذَلِكَ المُرادِ لِدَلالَتِهِ عَلى النِّعَمِ بِالتَّفْصِيلِ مِن غَيْرِ إحالَةٍ عَلى عِلْمِ المُخاطَبِينَ المُعانِدِينَ، فَوِزانُهُ وِزانُ (وجْهُهُ) فِي: (أعْجَبَنِي زَيْدٌ وجْهُهُ) لِدُخُولِ الثّانِي في الأوَّلِ؛ لِأنَّ ( ما تَعْلَمُونَ ) يَشْمَلُ الأنْعامَ وما بَعْدَها مِنَ المَعْطُوفاتِ، ولا يَخْفى ما في التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ مِنَ المُبالَغَةِ، وفي البَحْرِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ بِأنْعامٍ ﴾ - عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ - بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِما تَعْلَمُونَ ﴾ وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا ﴾ والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا أبْدالًا، وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ - وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا - ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ العامِلُ عِنْدَهم إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، انْتَهى.
ونُقِلَ نَحْوُهُ عَنِ السَّفاقِسِيِّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها ولا مَوْضِعَ لَها، وبَدَأ بِذِكْرِ الأنْعامِ؛ لِأنَّها تَحْصُلُ بِها الرِّياسَةُ والقُوَّةُ عَلى العَدُوِّ، والغِنى الَّذِي لا تَكْمُلُ اللَّذَّةُ بِالبَنِينَ وغَيْرِهِمْ - في الأغْلَبِ - إلّا بِهِ، وهي أحَبُّ الأمْوالِ إلى العَرَبِ، ثُمَّ بِالبَنِينَ؛ لِأنَّهم مُعْيِنُوهم عَلى الحِفْظِ والقِيامِ عَلَيْها، ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ وجْهُ قَرْنِهِما، <div class="verse-tafsir"
وقوله عز وجل: كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ يعني: كذبوا هوداً إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ وقد ذكرناه أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ يعني: بكل طريق آيَةً علامة، ويقال: بكل شرف علماً تَعْبَثُونَ يعني: تلعبون ويقال: تضربون، فتأخذون المال ممن مر بكم.
وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: آيَةً تَعْبَثُونَ «يعني: تبنون ما لا تسكنون» .
وقال أهل اللغة: كل لعب لا لذة فيه فهو عبث.
واللعب: ما كان فيه لذة، فهم إذا بنوا بناء ولا منفعة لهم فيه، فكأنهم يعبثون.
ثم قال عز وجل: وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ يعني: القصور.
وقال مجاهد: المصانع قصور وحصون.
وقال القتبي: المصانع البناء، واحدها مصنعة ويقال: الريع الارتفاع من الأرض.
ومعناه: أنكم تبنون البناء والقصور، وتظنون أن ذلك يحصنكم مِنْ أقدار الله تعالى.
ويقال: وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ يعني: الحياض لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ يعني: كأنكم تخلدون في الدنيا.
قوله عز وجل: وَإِذا بَطَشْتُمْ يعني: عاقبتم ويقال: يعني: ضربتم بالسوط وقتلتم بالسيف بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ يعني: فعلتم كفعل الجبارين، لأن الجبارين يضربون ويقتلون بغير حق، وأصل البطش في اللغة: هو الأخذ بالقهر والغلبة فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ يعني: أعطاكم بِما تَعْلَمُونَ ما تعلمون من الخير.
<div class="verse-tafsir"
وقول نوح عليه السلام: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ أي: أمين على وحي الله ورسالته.
ص: قرأ الجمهور «١» : «وَاتَّبَعَكَ» والجملة حال، أي وقد اتبعك، ويعقوب «٢» :
«وَأَتْبَاعُكَ» ، وعن اليماني «٣» : «وَأَتْبَاعِكَ» بالجر عطفاً على الضمير في «لك» انتهى، والْأَرْذَلُونَ: جمع الأرذل، ولا يستعمل إلاَّ مُعَرَّفاً أو مضافاً، أو بمن.
قال ع «٤» : ويظهر من الآية [أنَّ] «٥» مراد قوم نوح بنسبة الرذيلة إلى المؤمنين تهجينُ أفعالهم لا النظرُ في صنائعهم، وذهب أشراف قوم نوح في استنقاصهم ضَعَفَةَ المؤمنين مَذْهَبَ كُفَّارِ قريشٍ في شأنِ عَمَّارِ بن ياسر.
وصُهَيْبٍ وبلاَلٍ وغيرهم، وقولهم:
مِنَ الْمَرْجُومِينَ يحتمل أَنْ يريدوا بالحجارة أو بالقول والشتم، وقوله: فَافْتَحْ معناه:
احكم، والفتّاح، القاضي بلغة يمانية، والْفُلْكِ: السفينة، والْمَشْحُونِ معناه:
المملوء.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " بِكُلِّ رَيْعٍ " بِفَتْحِ الرّاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ.
ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ المَكانُ المُرْتَفِعُ؛ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بِكُلِّ شَرَفٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: هو في اللُّغَةِ: المَوْضِعُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ.
والثّانِي: أنَّهُ الطَّرِيقُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: الفَجُّ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والآيَةُ: العَلامَةُ.
وَفِيما أرادَ بِهَذا البِناءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أرادَ: تَبْنُونَ ما لا تَسْكُنُونَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْن عَبّاسٍ؛ والمَعْنى أنَّهُ جَعَلَ بِناءَهم ما يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ عَبَثًا.
والثّانِي: بُرُوجُ الحَمامِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في المَواضِعِ المُرْتَفِعَةِ لِيُشْرِفُوا عَلى المارَّةِ فَيَسْخَرُوا مِنهم ويَعْبَثُوا بِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُصُورٌ مُشَيَّدَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: مَصانِعُ الماءِ تَحْتَ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: بُرُوجُ الحَمامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مالِكٍ.
والثّانِي: كَيْما تَخْلُدُوا، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ: " تَخْلُدُونَ " بِرَفْعِ التّاءِ [وَتَسْكِينِ الخاءِ وفَتْحِ اللّامِ مُخَفَّفَةً.
وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَصِيْنٍ]: " تَخْلُدُونَ " بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ ﴾ المَعْنى: إذا ضَرَبْتُمْ ضَرَبْتُمْ بِالسِّياطِ ضَرْبَ الجَبّارِينَ، وإذا عاقَبْتُمْ قَتَلْتُمْ؛ وإنَّما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، لِأنَّهُ صَدَرَ عَنْ ظُلْمٍ، إذْ لَوْ ضَرَبُوا بِالسَّيْفِ أوْ بِالسَّوْطِ في حَقِّ ما لِيمُوا.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ما عُذِّبُوا بِهِ في الدُّنْيا.
والثّانِي: عَذابُ جَهَنَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ﴾ ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ ﴾ ﴿ وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ ﴾ ﴿ وَجَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ ﴾ ﴿ إنْ هَذا إلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ عادٌ: قَبِيلَةٌ، وانْصَرَفَ لِلْخِفَّةِ، وقِيلَ: هو اسْمُ أبِيهِمْ.
وخاطَبَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ بِمِثْلِ مُخاطَبَةِ سائِرِ الرُسُلِ، ثُمَّ كَلَّمَهم فِيما انْفَرَدُوا بِهِ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي اقْتَضَتْها أعْمالُهُمْ، فَقالَ: " ﴿ أتَبْنُونَ ﴾ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، "والرِيعُ": المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ المُسَيِّبِ ابْنِ عَلْسٍ يَصِفُ طَرِيقًا: في الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها رَيْعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ والسَحْلُ: الثَوْبُ الأبْيَضُ.
ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ ∗∗∗ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ويَهْماءُ قَفْرٌ تَجاوَزْتُها ∗∗∗ إذا خَبَّ في رِيعِها آلُها ويُقالُ: "رِيعٌ" بِكَسْرِ الراءِ، ويُقالُ: "رَيْعٌ" بِفَتْحِها، وبِها قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ "الرِيعِ" بِالطَرِيقِ، وبَعْضُهم بِالفَجِّ، وبَعْضُهم بِالثَنِيَّةِ الصَغِيرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وجُمْلَةُ ذَلِكَ أنَّهُ المَكانُ المُشْرِقُ، وهو الَّذِي يَتَنافَسُ الناسُ في هَيْآتِهِ.
و"الآيَةُ": البُنْيانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّهُ عَلَمٌ، قالَ مُجاهِدٌ: أبْراجُ الحَمامِ، قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورُ الطِوالُ، و"المَصانِعُ": جَمْعُ مَصْنَعٍ، وهو ما أُصْنِعَ وأُتْقِنَ في بِنائِهِ مِن قَصْرٍ مُشَيَّدٍ ونَحْوِهِ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَآخِذُ لِلْماءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ ﴾ ، إمّا أنْ يُرِيدَ: عَلى أمَلِكم ورَجائِكُمْ، وإمّا أنْ يُرِيدَ الِاسْتِفْهامَ عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَخْلُدُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ اللامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "تُخْلَدُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ اللامِ، يُقالُ: خَلَّدَ الشَيْءَ، وأخْلَدَهُ غَيْرُهُ، وقَرَأ أُبَيُّ وعَلْقَمَةُ: "لَعَلَّكم تُخَلَّدُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الخاءِ وفَتْحِ اللامِ وشَدِّها، ورُوِيَ عن أُبَيٍّ: "كَأنَّكم تَخْلُدُونَ"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "كَأنَّكم تَخْلُدُونَ".
و"البَطْشُ": الأخْذُ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ، و"الجَبّارُ": المُتَكَبِّرُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "نَخْلَةٌ جَبّارَةٌ" إذا كانَتْ لا تُدْرِكُ عُلُوًّا، ومِنهُ «قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في المَرْأةِ الَّتِي أبَتْ أنْ تُنَحّى عن طَرِيقِهِ: "إنَّها جَبّارَةٌ»، ومِنهُ الجَبَرُوتُ، فالمَعْنى: إنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَطْواتُ المُفْرِطَةُ، والبَوادِرُ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ.
ثُمَّ ذَكَّرَهم عَلَيْهِ السَلامُ بِأيادِي اللهِ تَعالى قِبَلَهم فِيما مَنَحَهم مِنَ الأنْعامِ والذُرِّيَّةِ والجَنّاتِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ فِيها، ثُمَّ خَوَّفَهم عَذابُ اللهِ تَعالى في الدُنْيا، وكانَتْ مُراجَعَتُهم أنْ سَوَّوْا بَيْنَ وعْظِهِ وتَرْكِهِ الوَعْظَ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَعَظْتَّ" بِإدْغامِ الظاءِ في التاءِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿ إنْ هَذا إلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ﴾ ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ذَلِكَ، فَقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "خُلُقُ" بِضَمِّ اللامِ، فالإشارَةُ بـِ "هَذا" إلى دِينِهِمْ وعِبادَتِهِمْ وتَصَرُّفِهِمْ في المَصانِعِ، أيْ: هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ خُلُقُ الناسِ وعادَتُهُمْ، وما بَعْدَ ذَلِكَ بَعْثٌ ولا تَعْذِيبَ كَما تَزْعُمُ أنْتَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو قُلابَةَ "خُلْقُ" بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللامِ، ورَواهُ الأصْمَعِيُّ عن نافِعٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "خُلْقُ الأوَّلِينَ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللامِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةَ، والحَسَنِ، وهَذا يُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وما هَذا الَّذِي تَزْعُمُهُ إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكِذْبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مِنهاجِهِمْ.
والثانِي أنْ يُرِيدُوا: وما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةَ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ، وما ثَمَّ بَعْثٌ ولا تَعْذِيبٌ، وكُلُّ مَعْنًى مِمّا ذَكَرْتُهُ تَحْتَمِلُهُ قِراءَةُ "خُلُقُ".
ورَوى عَلْقَمَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ"، وباقِي الآيَةِ قَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
لما أفاد الاستفهام في قوله: ﴿ أتبنون بكل رِيع آية ﴾ [الشعراء: 128] معنى الإنكار على ما قارن بناءهم الآيات واتخاذهم المصانع وعلى شدتهم على الناس عند الغضب فرع عليه أمرُهم باتقاء الله، وحصل مع ذلك التفريع تكرير جملة الأمر بالتقوى والطاعة.
وحذفُ ياء المتكلم من ﴿ أطيعون ﴾ كحذفها في نظيرها المتقدم.
وأعيد فعل ﴿ واتقوا ﴾ وهو مستغنى عنه لو اقتصر على الموصول وصفاً لاسم الجلالة لأن ظاهر النظم أن يقال: فاتقوا الله الذي أمّدكم بما تعلمون، فعُدل عن مقتضى الظاهر وبني الكلام على عطف الأمر بالتقوى على الأمر الذي قبله تأكيداً له واهتماماً بالأمر بالتقوى مع أن ما عرض من الفصل بين الصفة والموصوف بجملة ﴿ وأطيعون ﴾ قضى بأن يعاد اتصال النظم بإعادة فعل ﴿ اتقوا ﴾ .
وإنما أتي بفعل ﴿ اتقوا ﴾ معطوفاً ولم يؤت به مفصولاً لما في الجملة الثانية من الزيادة على ما في الجملة الأولى من التذكير بإنعام الله عليهم، فعلق بفعل التقوى في الجملة الأولى اسمُ الذات المقدسة للإشارة إلى استحقاقه التقوى لذاته، ثم علق بفعل التقوى في الجملة الثانية اسمُ الموصول بصلته الدالة على إنعامه للإشارة إلى استحقاقه التقوى لاستحقاقه الشكر على ما أنعم به.
وقد جاء في ذكر النعمة بالإجمال الذي يُهَيِّئ السامعين لتلقّي ما يرد بعده فقال: ﴿ الذي أمدكم بما تعلمون ﴾ ثم فُصِّل بقوله: ﴿ أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون ﴾ وأعيد فعل ﴿ أمدّكم ﴾ في جملة التفصيل لزيادة الاهتمام بذلك الإمداد فهو للتوكيد اللفظي.
وهذه الجملة بمنزلة بدل البعض من جملة ﴿ أمدكم بما تعلمون ﴾ فإن فعل ﴿ أمدّكم ﴾ الثاني وإن كان مساوياً ل ﴿ أمدكم ﴾ الأول فإنما صار بدلاً منه باعتبار ما تعلق به من قوله: ﴿ بأنعام وبنين ﴾ إلخ الذي هو بعض ممّا تعلمون.
وكلا الاعتبارين التوكيد والبدل يقتضي الفصل، فلأجله لم تعطف الجملة.
وابتدأ في تعداد النعم بذكر الأنعام لأنها أجلّ نعمة على أهل ذلك البلد، لأن منها أقواتَهم ولباسهم وعليها أسفارهم وكانوا أهلَ نُجعة فهي سبب بقائهم، وعطف عليها البنين لأنهم نعمة عظيمة بأنها أنسهم وعونهم على أسباب الحياة وبقاء ذكرهم بعدهم وكثرة أمتهم، وعطف الجنات والعيون لأنها بها رفاهية حالهم واتساع رزقهم وعيش أنعامهم.
وجملة: ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ تعليل لإنكار عدم تقواهم وللأمر بالتقوى، أي أخاف عليكم عذاباً إن لم تتقوا، فإن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده.
والعذاب يجوز أن يريد به عذاباً في الدنيا توعدهم الله به على لسانه، ويجوز أن يريد به عذاب يوم القيامة.
ووصف ﴿ يوم ﴾ ب ﴿ عظيم ﴾ على طريقة المجاز العقلي، أي عظيم ما يحصل فيه من الأهوال.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الرَّيْعَ الطَّرِيقُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ المُسَيِّبِ بْنِ عَلِيٍّ: في الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها رِيعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ السَّحْلُ: الثَّوْبُ الأبْيَضُ، شَبَّهَ الطَّرِيقَ بِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ السُّوقُ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الفَجُّ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: أنَّهُ الجِبالُ، قالَهُ أبُو صَخْرٍ.
السّادِسُ: أنَّهُ المَكانُ المُشْرِفُ مِنَ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعِهِ ∗∗∗ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ ﴿ آيَةً تَعْبَثُونَ ﴾ في آيَةٍ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: البُنْيانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: الأعْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أبْراجُ الحَمامِ، حَكاهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
وَفي العَبَثِ قَوْلانِ: أحَدُها: اللَّهْوُ واللَّعِبُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّانِي: أنَّهُ عَبَثُ العَشّارِينَ بِأمْوالِ مَن يَمُرُّ بِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُصُورُ المُشَيَّدَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: تَرَكْنا دِيارَهم مِنهم قِفارًا ∗∗∗ وهَدَّمْنا المَصانِعَ والبُرُوجا الثّانِي: أنَّها مَآجِلُ الماءِ تَحْتَ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ بَلِينا وما تَبْلى النُّجُومُ الطَّوالِعُ ∗∗∗ وتَبْقى الجِبالُ بَعْدَنا والمَصانِعُ الثّالِثُ: أنَّها بُرُوجُ الحَمامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ ﴾ أيْ كَأنَّكم تَخْلُدُونَ بِاتِّخاذِكم هَذِهِ الأبْنِيَةَ، وحَكى قَتادَةُ: أنَّها في بَعْضِ القِراءاتِ: كَأنَّكم خالِدُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أقْوِياءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: هو ضَرْبُ السِّياطِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: هو القَتْلُ بِالسَّيْفِ في غَيْرِ حَقٍّ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
وَقالَ الكَلْبِيُّ: هو القَتْلُ عَلى الغَضَبِ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ المُؤاخَذَةُ عَلى العَمْدِ والخَطَأِ مِن غَيْرِ عَفْوٍ ولا إبْقاءٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ أتبنون بكل ريع ﴾ قال: طريق ﴿ آية ﴾ قال: علماً ﴿ تعبثون ﴾ قال: تلعبون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أتبنون بكل ريع ﴾ قال: شرف.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ أتبنون بكل ريع ﴾ قال: طريق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر قال: ﴿ الريع ﴾ ما استقبل الطريق بين الجبال والظراب.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أتبنون بكل ريع ﴾ قال: بكل فج بين جبلين ﴿ آية ﴾ قال: بنيانا ﴿ وتتخذون مصانع ﴾ قال: بروج الحمام.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ تعبثون ﴾ قال: تلعبون.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وتتخذون مصانع ﴾ قال: قصوراً مشيدة وبنياناً مخلداً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وتتخذون مصانع ﴾ قال: مآخذ للماء قال: وكان في بعض القراءة ﴿ وتتخذون مصانع كأنكم خالدون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لعلكم تخلدون ﴾ قال: كأنكم تخلدون.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا بطشتم بطشتم جبارين ﴾ قال: بالسوط والسيف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ بطشتم جبارين ﴾ قال: أقوياء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ بطشتم جبارين ﴾ قال: أقوياء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن هذا إلا خلق الأولين ﴾ قال: دين الأولين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن هذا إلا خلق الأولين ﴾ قال: أساطير الأولين.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿ إن هذا إلا خلق الأولين ﴾ يقول شيء اختلقوه وفي لفظ يقول ﴿ اختلاق الأولين ﴾ .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ إن هذا إلا خلق الأوّلين ﴾ قال: كذبهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علقمة ﴿ إن هذا إلا خلق الأولين ﴾ قال: اختلاقهم.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ إن هذا إلا خلق الأولين ﴾ مرفوعة الخاء مثقلة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إن هذا إلا خلق الأولين ﴾ قال: قالوا: هكذا خلقت الأولون، وهكذا كان الناس يعيشون ما عاشوا، ثم يموتون ولا بعث عليهم ولا حساب ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ أي إنما نحن مثل الأولين نعيش كما عاشوا ثم نموت لا حساب ولا عذاب علينا ولا بعث.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ فافتح بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ﴾ أي احكم بيننا ﴿ فِي الفلك المشحون ﴾ أي المملوء ﴿ بِكُلِّ رِيعٍ ﴾ الريع المكان المرتفع وقيل الطريق ﴿ آيَةً ﴾ يعني المباني الطوال وقبل أبراج الحمام ﴿ مَصَانِعَ ﴾ جمع مصنع وهو ما أتقن صنعه من المباني، وقيل: مأخذ الماء ﴿ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ ﴾ الآية تفسير لقوله أمدكم بما تعلمون فأبْهَمَ أولاً ثم فسره ﴿ خُلُقُ الأولين ﴾ بضم الخاء واللام أي عادتهم والمعنى أنهم قالوا: ما هذا الذي عليه من ديننا إلا عادة الناس الأولين، وقرأ ابن كثير والكسائي وأبو عمرو بفتح الخاء وإسكان اللام، ويحتمل على هذا وجهين: أحدهما أنه بمعنى الخلقة والمعنى ما هذه الخلقة التي نحن عليها إلا خلقة الأولين، والآخر أنها من الاختلاق بمعنى الكذب، والمعنى ما هذا الذي جئت به إلا كذب الأولين ﴿ أَتُتْرَكُونَ ﴾ تخويف لهم معناه: أتطمعون أن تتركوا في النعم على كفركم ﴿ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ﴾ الطلع عنقود التمر في أول نباته قبل أن يخرج من الكم، والهضيم: اللين الرطب، فالمعنى طلعها يتم ويرطب، وقيل: هو الرَّخْص أول ما يخرج، وقيل: الذي ليس فيه نوى، فإن قيل: لم ذكر النخل بعد ذكر الجنات، والجنات تحتوي على النخل؟
فالجواب: أن ذلك تجريد كقوله: ﴿ فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ [الرحمن: 68]، ويحتمل أنه أراد الجنات التي ليس فيها نخل ثم عطف عليها النخل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أوعظت ﴾ مدغماً: عباس ونصير ﴿ خلق الأولين ﴾ بفتح الخاء وسكون اللام: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وعليّ ﴿ كذبت ثمود ﴾ مثل ﴿ بعدت ثمود ﴾ ﴿ فارهين ﴾ بالألف: ابن عامر وعاصم وحمزة وعليّ وخلف.
الوقوف: ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ أجر ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ تعبثون ﴾ ه لا ﴿ تخلدون ﴾ ه ج ﴿ جبارين ﴾ ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج ﴿ تعلمون ﴾ ه ج ﴿ وبنين ﴾ ه لا ﴿ وعيون ﴾ ه ج ﴿ عظيم ﴾ ه ط ﴿ الواعظين ﴾ ه لا للحتراز عن الابتداء بمقولهم ﴿ الأولين ﴾ ه لا لذلك ﴿ بمعذبين ﴾ ه ج ﴿ فأهلكناهم ﴾ ط ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ أجر ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ آمنين ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ هضيم ﴾ ه ﴿ فارهين ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج لذلك ﴿ المسرفين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذين ﴾ صفتهم ﴿ ولا يصلحون ﴾ ه ﴿ المسحرين ﴾ ه ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ مثلنا ﴾ ز ﴿ من الصادقين ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ج ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ه لا ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا ﴿ ألا تتقون ﴾ ه ج ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج ﴿ أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ه ط ﴿ من العالمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ من أزواجكم ﴾ ه ﴿ عادون ﴾ ط ﴿ المخرجين ﴾ ه ﴿ القالين ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ج ﴿ مطر المنذرين ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه.
التفسير: القصة الرابعة قصة هود ولنذكر من تفسيرها ما هو غير مكرر.
الريع بالكسر وقرئ بالفتح المكان المرتفع ومنه الغلة لارتفاعها.
والآية العلم وفي هذا البناء وجوه: فعن ابن عباس أنهم كانوا يبنون بكل موضع مرتفع علماً يعبثون فيه بمن يمر بالطريق إلى هود.
وقيل: كانوا يبنون ذلك ليعرف به فخرهم وغناهم فنهوا عنه ونسبوا إلى العبث وقيل: كانوا يقتنون الحمام قاله مجاهد.
والمصانع مآخذ الماء.
وقيل: القصور المشيدة والحصون.
ومعنى ﴿ لعلكم تخلدون ﴾ ترجون الخلود في الدنيا أو ظلماً وعلواً فوصفوا بكونهم إذ ذاك جبارين.
وقيل: الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب.
وعن الحسن: اراد أنهم يبادرون العذاب من غير تفكر في العواقب.
والحاصل أن اتخاذ الأبنية الرفيعة يدل على حب العلوّ، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء، والبطش الشديد يدل على حب التفرد بالعلوّ فكأنهم أحبوا العلوّ وبقاء العلوّ والتفرد بالعلوّ وكل هذه لمن له الصفات الإلهية لا العبدية.
ثم بالغ في تنبيههم على نعم الله حيث أجملها بقوله ﴿ واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون ﴾ إيقاظاً لهم عن سنة الغفلة مستشهداً بعلمهم ثم فصلها بقوله ﴿ أمدكم بأنعام ﴾ عليها تدور معايشكم ﴿ وبنين ﴾ بهم يتم أمر حفظها والقيام بها ﴿ وجنات ﴾ يحصل بها التفكه والتنزه ﴿ وعيون ﴾ بمائها يكمل النماء.
ثم ختم الكلام بتخويفهم تنبيهاً على أنه كما قدر أن يتفضل عليهم بهذه النعم الجسام فهو قادر على العذاب فيكون فيه مزيد حث على التقوى وكمال تنفر عن العصيان.
ثم شرع في حكاية جواب القوم وأنهم قالوا: إن وعظه وعدم وعظه بالنسبة إليهم سيان.
وإنما لم يقل "أوعظت أم لم تعظ" مع كونه أخصر لأن المراد سواء علينا افعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أو لم تكن من مباشريه وذويه راساً وهذا أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه.
منقرأ ﴿ خلق الأولين ﴾ بفتح الخاء فمعناه أن هذا إلا اختلاق الأولين وأكاذيبهم، أو ما هذا إلا خلق الأقدمين نحيا ونموت ولا بعث ولا جزاء.
والقراءة الأخرى معناها لسنا نحن إلا على دين الأولين من آبائنا، أو ليس ما نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة جارية لا خرق لها، أو ما هذا الذي جئت به من تلفيق الأكاذيب.
إلا عادة مستمرة من المتنبين.
ثم أكدوا إنكارهم المعاد بقولهم ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ فأظهروا بذلك جلادتهم وقوة نفوسهم فأخبر الله عن إهلاكهم وقد سبقت كيفية ذلك مراراً.
القصة الخامسة قصة صالح.
قال جار الله: الهمزة في ﴿ أتتركون ﴾ يجوز أن تكون للإنكار اي لا تتركون مخلدين في الأمن والراحة ولكل نعمة زوال، ويجوز أن تكون للتقرير أي قد تركتم في أسباب الأمن والفراغ، أجمل أولاً بقوله ﴿ فيما ههنا ﴾ أي في الذي استقر في هذا المكان من النعيم، ثم فسره بقوله ﴿ في جنات وعيون ﴾ وذكر النخل بعد ذكر الجنات إما تخصيص للجنات بغير النخل، وإما تخصيص للنخل بالذكر تنبيهاً على فضله ومزيته.
وطلع النخلة ما يبدو منها كنصل السيف وقد مر في "الأنعام".
والهضيم اللطيف الضامر من قولهم "كشح هضيم" أراد أنه وهب لهم أجود النخل وألطفه كالبرني مثلاً.
وقيل: وصف نخيلهم بالحمل الكثير فإنه إذا كثر الحمل هضم أي لطف.
وقيل: الهضيم اللين النضيج كأنه قال: ونخل قد ارطب ثمره.
والفراهة الكيس والنشاط ومنه "خيل فرهة" و ﴿ فارهين ﴾ حال من الناحتين.
قال علماء المعاني: جعل الأمر مطاعاً مجاز حكمي وإنما المطاع بالحقيقة هو الآمر.
وفي قوله ﴿ ولا يصلحون ﴾ إشارة إلى أن إفسادهم في الأرض غير مقترن بالإصلاح راساً.
والمسحر الذي سحر كثيراً حتى غلب على عقله.
وقيل: هو من السحر الرئة.
أرادوا أنه بشر ذو سحر وهو ضعيف لأنه يلزم التكرار بقوله: ﴿ ما أنت إلا بشر مثلنا ﴾ إلا أن يقال: إنه بيان.
والشرب النصيب من الماء كالسقي للحظ من السقي.
وقرئ بالضم عن قتادة إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله ولهم شرب يوم لا تشرب فيه الماء.
سؤال: لم أخذهم العذاب وقد ندموا والندم توبة؟
جوابه كان ندمهم ندم خوف من العقاب العاجل أو ندموا ندم توبة في غير أوانها وذلك عند عيان العذاب.
وقيل: ندموا على ترك عقر ولدها وفيه بعد.
واللام في العذاب إشارة إلى عذاب يوم عظيم.
القصة السادسة: قصة لوط: أنكر على قومه إتيانهم الذكور من الناس لا الإناث على كثرتهن، أو أنكر عليهم كونهم مختصين من العالمين بهذه الفاحشة.
فقوله: ﴿ من العالمين ﴾ يعود على الأول إلى المأتي، وعلى الثاني إلى الآتي.
والعالمون على هذا كل ما ينكح من الحيوان ولا شيء من الحيوان يرتكب هذه الفعلة إلا الإنسان.
قوله ﴿ من أزواجكم ﴾ إما بيان لما خلق وإما للتبعيض فيراد بما خلق العضو المباح منهن فلعلهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم.
والعادي المتجاوز الحد في ظلم اي ﴿ بل أنتم قوم عادون ﴾ في جميع المعاصي وهذه واحدة منها، أو بل أنتم قوم أحقاء بأن تنسبوا إلى العدوان حيث فعلتم هذه الجريمة العظيمة.
﴿ قالوا لئن لم تنته يا لوط ﴾ عن نهينا ﴿ لتكونن ﴾ من جملة من أخرجناه من بلدنا ولعلهم كانوا يطردون من خالف أراد أنه كامل في قلاهم عصبية للدين، أو أنه معدود في زمرة مبغضيهم كما تقول: فلان من العلماء.
فيكون أبلغ من قولك "هو عالم".
ثم طلب النجاة من عقوبة عملهم أو سأل العصمة عن مثل عملهم ولقد عصمهم الله ﴿ إلا عجوزاً ﴾ رضيت بفعلهم وأعانت على ذلك وكانت من أهله بحث الزواج وإن لم تشاركهم في الإيمان.
ومعنى ﴿ في الغابرين ﴾ إلا عجوزاص مقدراً غبورها أي بقاؤها في الهلاك.
واللام في ﴿ المنذرين ﴾ للجنس لتصلح الفاء علة فعل الذم والمخصوص محذوف أي ساء مطر جنس المنذرين مطر أولئك المعهودين والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ : هو - والله أعلم - ما ذكرنا، أي: قد كذبت جماعة عاد المرسلين.
وقوله: ﴿ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ ما ذكرنا أن كل رسول كان دعا قومه إلى الإيمان به وبجميع الرسل فمن كذب واحداً منهم، فقد كذب الكل.
وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ ﴾ : هو كان أخاهم في النسب؛ لأنهم جميعاً ولد آدم على بعد من آدم؛ فعلى ذلك هم إخوة فيما بينهم على بعد بعضهم من بعض.
وقوله: ﴿ أَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ألا تتقون نقمة الله وعذابه.
أو ألا تتقون مخالفة أمر الله ومناهيه.
﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ : فيما ائتمنني الله، وبعث على يدي إليكم هدايا، فاقبلوا مني هداياه وأمانته، أو أن يكون ما ذكرنا من قبل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ : ما ذكرناه.
﴿ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي: أسعى في نجاتكم وتخليصكم من عذاب الله، وما أسألكم على ذلك أجرا، وفي الشاهد: لا يعمل أحد إلا ويطمع على ذلك منه أجراً، وأنا لا أسألكم على ذلك أجراً، فيمنعكم ذلك عن قبول ذلك مني.
﴿ إِنْ أَجْرِيَ ﴾ أي: ما أجري ﴿ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: كأنهم كانوا يبنون بنياناً لا حاجة لهم إلى ذلك البنيان ولا ينتفعون به فهو عبث؛ لأن كل من بنى بناء أو عمل عملا لا ينتفع به ولا يحتاج إليه فهو عابث؛ لذلك سمى ما بنوا: عبثاً.
والثاني: جائز أن يكون ذلك المكان لهم كان مكان العبث والاجتماع للهو، فبنوا على ذلك المكان فسماه: عبثاً؛ لما لم يكن اجتماعهم في ذلك إلا للعبث واللهو.
والثالث: أن يكون ذلك المكان مكاناً يمر فيه الناس فبنوا فيه أعلاما يضلون الناس بها لما يرون أنه طريق ولم يكن ذلك، فكان قصدهم بذلك البناء باطلا، وكل باطل عبث، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ : ولا تموتون، أي: تنفقون نفقة من يطمع أن يخلد في هذه الدنيا، ليس بنفقة من يموت ويرجو ثوابه وعاقبته.
أو أن يكون قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ لما وسع عليهم الدنيا ورزقهم الدعة يحسبون أنهم يخلدون؛ لأن من وسع عليه الدنيا ويكون له الدعة والسعة في هذه الدنيا، يطمئن فيها ويسكن؛ وهو كما قال: ﴿ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾ : كنى - والله أعلم - بالجبار عن الظالم والمعتدي، أي: وإذا بطشتم بطشتم ظالمين.
والريع: هو المكان المرتفع.
وقال بعضهم: هو الطريق.
ومصانع: قال بعضهم: البنيان، وقيل: الحياض.
وقال أبو عوسجة: الريع: ما ارتفع من الأرض، وجمع الريع: ريع، وجمع الريع أرياع؛ وهما واحد.
والريع: الربح - أيضاً - تقول: أراع إذا ربحت عليه، وجمعه: أرياع.
ومصانع في موضع: قصور و[في] موضع: حياض يجتمع فيها الماء، الواحد: مصنعة من كلاهما.
وقال: البطش: الأخذ، يقال: بطشت بفلان أبطش بطشاً؛ إذا أخذته وقبضت عليه.
وقال القتبي - أيضاً -: الريع: الارتفاع من الأرض، والمصانع: البناء، واحدها: مصنعة؛ فكان المعنى: أنهم يستوثقون في البناء والحصون، ويذهبون إلى أنها تحصنهم من أقدار الله وقضائه، وهذا يشبه أن يكون ما ذكر؛ لأنه قال في آخره: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ أي: يبنون بناء كأنهم يخلدون ولا يموتون.
وقال: ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ ﴾ أي: إذا ضربتم بالسياط [ضربتم] ضرب الجبارين، وإذا عاقبتم قتلتم.
وقال بعضهم: بطشتم: أخذتم بالظلم والاعتذار والاستحلال لما حرم الله.
وقال أبو معاذ: وكل بناء مصنعة.
وفي حرف حفصة: ﴿ وتبنون مصانع كأنكم خالدون ﴾ .
والآية: العلم.
وقال بعضهم: الريع ما استقبل الطريق من الجبال والظراب.
وقال قتادة: كل نشز في الأرض.
وقال محمد بن إسحاق: إنهم كانوا إذا سافروا فلا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا القصور الطوال عبثاً علما بكل طريق يهتدون بها في طرقهم.
وقال بعضهم: مصانع، أي: مجالس ومساكن لعلكم تخلدون ما بقيت مصانعكم.
والجبار: هو الذي يضرب أو يقتل بلا حق بلا خوف تبعة في العاقبة.
وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ : قد ذكرناه.
وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيۤ أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ﴾ أمدكم: قيل: أعطاكم وهو من المدد، أي: أعطاكم النعم تباعاً واحدة بعد واحدة لا تنقطع.
ثم هو يحتمل وجهين: أحدهما: اتقوا كفران الذي أعطاكم النعم، فلا توجهوا شكرها إلى من لم ينعم عليكم ولم يمدها لكم وأنتم تعلمون، وهو عبادتهم الأصنام التي لا يقدرون على إعطاء شيء من النعم.
والثاني: اتقوا نقمة الله [الذي] أعطاكم هذه النعم؛ فإن الذي قدر على إنعامها قدر على الانتقام منكم.
وعلى التأويل الأول: اتقوا كفرانها؛ فإن الذي قدر على إعطائها قدر على صرفها عنكم على هذين الوجهين، والله أعلم.
ثم ذكر الذي أمده لهم من النعم فقال: ﴿ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ : هذا وغيره مما لا يحصى.
﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ ﴾ أي: أعلم أن ينزل بكم عذاب يوم عظيم.
وقال بعضهم: الخوف هاهنا هو الخوف نفسه؛ لأنه كان يرجو الإيمان منهم بعد، فقال: إني أخاف عليكم العذاب إذا متم على هذا، فقالوا عند ذلك جواباً له: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ ﴾ : الوعظ: هو الإخبار عن عواقب الأمور من ترغيب وترهيب، أي: سواء علينا تخوفنا العذاب أو لم تخوفنا لا نصدقك، ولا نجيبك إلى ما تدعونا إليه.
ثم قالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : قيل فيه وجوه: أحدها: أي: هذا الذي نحن عليه دين الأولين، وما أتيت أنت وتدعونا إليه هو حادث بديع.
والخلق: يجوز أن يكنى به عن الدين؛ كقوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ﴾ أي: لدين الله.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنْ هَـٰذَا ﴾ أي: ما هذا الذي تقوله إلا كذب الأولين واختلاقهم، أي: تكذب وتختلق، كما اختلق الذين من قبلك من الرسل؛ كقوله: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، فإن كان على هذا فيكون قوله: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ هذا لأنهم كذبوا الرسل جميعاً.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ قالوا: هكذا كان الناس قبلنا يعيشون ما عاشوا، ثم يموتون ولا بعث ولا حساب.
وقال بعضهم: الوعظ: هو النهي؛ كقوله: ﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً ﴾ أي: ينهاكم.
وقوله: ﴿ نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ : عليه على ما تزعم وتخبر كما لم يعذب الآباء.
وقوله: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ قيل: أهلكوا بالريح؛ كقوله: ﴿ وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ...
﴾ الآية [الحاقة: 6].
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ : قد ذكرناه.
وقال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ خَلْقُ الأولين ﴾ ؛ أي: اختلاقهم وكذبهم؛ يقال: خلقت الحديث واختلقته، إذا افتعلته.
قال الفراء: والعرب تقول للخرافات: أحاديث الخلق.
قال ومن قرأ: ﴿ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ - بضم الخاء - أراد: عادتهم وشأنهم.
<div class="verse-tafsir"
فاتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما آمركم به، وفيما أنهاكم عنه.
<div class="verse-tafsir" id="91.gRXKB"