الآية ١٩٢ من سورة الشعراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ١٩٢ من سورة الشعراء

وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٩٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩٢ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩٢ من سورة الشعراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن الكتاب الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ، صلوات الله وسلامه عليه : ( وإنه ) أي : القرآن الذي تقدم ذكره في أول السورة في قوله : ( وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ) [ الآية ] .

( لتنزيل رب العالمين ) أي : أنزله الله عليك وأوحاه إليك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وإنّ هذا القرآن ( لَتَنـزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) والهاء في قوله ( وإنه ) كناية الذكر الذي فى قوله: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( لَتَنـزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) قال: هذا القرآن.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

عاد إلى ما تقدم بيانه في أول السورة من إعراض المشركين عن القرآن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر قصص الأنبياء مع أممهم, وكيف دعوهم, و ما ردوا عليهم به; وكيف أهلك الله أعداءهم, وصارت لهم العاقبة.

ذكر هذا الرسول الكريم, والنبي المصطفى العظيم وما جاء به من الكتاب, الذي فيه هداية لأولي الألباب فقال: (وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فالذي أنزله, فاطر الأرض والسماوات, المربي جميع العالم, العلوي والسفلي، وكما أنه رباهم بهدايتهم لمصالح دنياهم وأبدانهم, فإنه يربيهم أيضا, بهدايتهم لمصالح دينهم وأخراهم، ومن أعظم ما رباهم به, إنزال هذا الكتاب الكريم, الذي اشتمل على الخير الكثير, والبر الغزير، وفيه من الهداية, لمصالح الدارين, والأخلاق الفاضلة, ما ليس في غيره، وفي قوله: (وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) من تعظيمه وشدة الاهتمام فيه, من كونه نزل من الله, لا من غيره, مقصودا فيه نفعكم وهدايتكم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل: "وإنه"، يعني القرآن.

"لتنزيل رب العالمين".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإنه» أي القرآن «لتنزيل رب العالمين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن هذا القرآن الذي ذُكِرَتْ فيه هذه القصص الصادقة، لَمنزَّل مِن خالق الخلق، ومالك الأمر كله، نزل به جبريل الأمين، فتلاه عليك - أيها الرسول - حتى وعيته بقلبك حفظًا وفهمًا؛ لتكون مِن رسل الله الذين يخوِّفون قومهم عقاب الله، فتنذر بهذا التنزيل الإنس والجن أجمعين.

نزل به جبريل عليك بلغة عربية واضحة المعنى، ظاهرة الدلالة، فيما يحتاجون إليه في إصلاح شؤون دينهم ودنياهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وكما بدأت السورة بالحديث عن القرآن ، وعن الرسول صلى الله عليه وسلم ، عادت مرة أخرى بعد الحديث عن قصص بعض الأنبياء - إلى متابعة الحديث عن القرآن الكريم ، وعن نزوله ، وعن تأثيره ، وعن مصدره .

فقال - تعالى - : ( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين .

.

.

.

).الضمير فى قوله ( وَإِنَّهُ ) يعود إلى القرآن الكريم ، وما اشتمل عليه من قصص وهدايات .

.أى : وإن هذا القرآن لتنزيل رب العالمين ، لا تنزيل غيره ، والتعبير عن إنزاله بالتنزيل ، للمبالغة فى إنزاله من عند الله - تعالى - وحده .ووصف - سبحانه - ذاته بالربوبية للعالمين ، للإيذان بأن إنزاله بهذه الطريقة ، من مظاهر رحمته بعباده ، وإحكام تربيته لهم جميعا .قال - تعالى - : ( تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العالمين ) وقال - سبحانه - : ( تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَق الأرض والسماوات العلى ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القول فيما ذكره الله تعالى من أحوال محمد عليه الصلاة والسلام: اعلم أن الله تعالى لما ختم ما اقتصه من خبر الأنبياء ذكر بعد ذلك ما يدل على نبوته صلى الله عليه وسلم وهو من وجهين: الأول: قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ العالمين ﴾ وذلك لأنه لفصاحته معجز فيكون ذلك من رب العالمين، أو لأنه إخبار عن القصص الماضية من غير تعليم ألبتة، فلا يكون ذلك إلا بوحي من الله تعالى، وقوله بعده: ﴿ وإنه لَفِى زُبُرِ الأولين ﴾ كأنه مؤكد لهذا الاحتمال، وذلك لأنه عليه السلام لما ذكر هذه القصص السبع على ما هي موجودة في زبر الأولين من غير تفاوت أصلاً مع أنه لم يشتغل بالتعلم والاستعداد، دل ذلك على أنه ليس إلا من عند الله تعالى، فهذا هو المقصود من الآية.

فأما قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ العالمين ﴾ فالمراد بالتنزيل المنزل، ثم قد كان يجوز في القرآن وهذه القصص أن يكون تنزيلاً من الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم بلا واسطة فقال: ﴿ نَزَلَ بِهِ الروح الأمين ﴾ والباء في قوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ الروح ﴾ و ﴿ نَزَلَ بِهِ الروح ﴾ على القراءتين للتعدية، ومعنى ﴿ نَزَلَ بِهِ الروح ﴾ جعل الله الروح نازلاً به ﴿ على قَلْبِكَ ﴾ أي (حفظكه و) فهمك إياه وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى كقوله تعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى  ﴾ والروح الأمين جبريل عليه السلام وسماه روحاً من حيث خلق من الروح، وقيل لأنه نجاة الخلق في باب الدين فهو كالروح الذي تثبت معه الحياة، وقيل لأنه روح كله لا كالناس الذين في أبدانهم روح وسماه أميناً لأنه مؤتمن على ما يؤديه إلى الأنبياء عليهم السلام، وإلى غيرهم.

وأما قوله: ﴿ على قَلْبِكَ ﴾ ففيه قولان: الأول: أنه إنما قال: ﴿ على قَلْبِكَ ﴾ وإن كان إنما أنزله عليه ليؤكد به أن ذلك المنزل محفوظ للرسول متمكن في قلبه لا يجوز عليه التغيير فيوثق بالإنذار الواقع منه الذي بين الله تعالى أنه هو المقصود ولذلك قال: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين ﴾ الثاني: أن القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز والاختبار، وأما سائر الأعضاء فمسخرة له والدليل عليه القرآن والحديث والمعقول، أما القرآن فآيات إحداها قوله تعالى في سورة البقرة (97): ﴿ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ ﴾ وقال هاهنا: ﴿ نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ  ﴾ .

وثانيها: أنه ذكر أن استحقاق الجزاء ليس إلا على ما في القلب من المساعي فقال: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِي أيمانكم ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ  ﴾ والتقوى في القلب لأنه تعالى قال: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَحُصّلَ مَا فِي الصدور  ﴾ .

وثالثها: قوله حكاية عن أهل النار: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أصحاب السعير  ﴾ ومعلوم أن العقل في القلب والسمع منفذ إليه، وقال: ﴿ إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً  ﴾ ومعلوم أن السمع والبصر لا يستفاد منهما إلا ما يؤديانه إلى القلب، فكان السؤال عنهما في الحقيقة سؤالاً عن القلب وقال تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعين وَمَا تُخْفِى الصدور  ﴾ ، ولم تخف الأعين إلا بما تضمر القلوب عند التحديق بها.

ورابعها: قوله: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ  ﴾ فخص هذه الثلاثة بإلزام الحجة منها واستدعاء الشكر عليها، وقد قلنا لا طائل في السمع والأبصار إلا بما يؤديان إلى القلب ليكون القلب هو القاضي فيه والمتحكم عليه، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وأبصارا وَأَفْئِدَةً فَمَا أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أبصارهم وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ من شيء  ﴾ فجعل هذه الثلاثة تمام ما ألزمهم من حجته، والمقصود من ذلك هو الفؤاد القاضي فيما يؤدي إليه السمع والبصر.

وخامسها: قوله تعالى: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم  ﴾ فجعل العذاب لازماً على هذه الثلاثة وقال: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا  ﴾ وجه الدلالة أنه قصد إلى نفي العلم عنهم رأساً، فلو ثبت العلم في غير القلب كثباته في القلب لم يتم الغرض فهذه الآيات ومشاكلها ناطقة بأجمعها أن القلب هو المقصود بإلزام الحجة، وقد بينا أن ما قرن بذكره من ذكر السمع والبصر فذلك لأنهما آلتان للقلب في تأدية صور المحسوسات والمسموعات.

وأما الحديث فما روى النعمان بن بشير قال سمعته عليه السلام يقول: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب».

وأما المعقول فوجوه: أحدها: أن القلب إذا غشي عليه فلو قطع سائر الأعضاء لم يحصل الشعور به وإذا أفاق القلب فإنه يشعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات فدل ذلك على أن سائر الأعضاء تبع للقلب ولذلك فإن القلب إذا فرح أو حزن فإنه يتغير حال الأعضاء عند ذلك، وكذا القول في سائر الأعراض النفسانية.

وثانيها: أن القلب منبع المشاق الباعثة على الأفعال الصادرة من سائر الأعضاء وإذا كانت المشاق مبادئ للأفعال ومنبعها هو القلب كان الآمر المطلق هو القلب.

وثالثها: أن معدن العقل هو القلب وإذا كان كذلك كان الآمر المطلق هو القلب.

أما المقدمة الأولى: ففيها النزاع فإن طائفة من القدماء ذهبوا إلى أن معدن العقل هو الدماغ والذي يدل على قولنا وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرض فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا  ﴾ وقوله: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ  ﴾ أي عقل، أطلق عليه اسم القلب لما أنه معدنه الثاني: أنه تعالى أضاف أضداد العلم إلى القلب، وقال: ﴿ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ  ﴾ ، ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ  ﴾ وقولهم: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ  ﴾ ، ﴿ يَحْذَرُ المنافقين أن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم  ﴾ ، ﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ  ﴾ ، ﴿ كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ  ﴾ ، ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا  ﴾ ، ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فِي الصدور  ﴾ فدلت هذه الآيات على أن موضع الجهل والغفلة هو القلب فوجب أن يكون موضع العقل والفهم أيضاً هو القلب الثالث: وهو أنا إذا جربنا أنفسنا وجدنا علومنا حاصلة في ناحية القلب، ولذلك فإن الواحد منا إذا أمعن في الفكر وأكثر منه أحس من قلبه ضيقاً وضجراً حتى كأنه يتألم بذلك، وكل ذلك يدل على أن موضع العقل هو القلب، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون المكلف هو القلب لأن التكليف مشروط بالعقل والفهم الرابع: وهو أن القلب أول الأعضاء تكوناً، وآخرها موتاً، وقد ثبت ذلك بالتشريح ولأنه متمكن في الصدر الذي هو أوسط الجسد، ومن شأن الملوك المحتاجين إلى الخدم أن يكونوا في وسط المملكة لتكتنفهم الحواشي من الجوانب فيكونوا أبعد من الآفات، واحتج من قال العقل في الدماغ بأمور: أحدها: أن الحواس التي هي الآلات للإدراك نافذة إلى الدماغ دون القلب.

وثانيها: أن الأعصاب التي هي الآلات في الحركات الاختيارية نافذة من الدماغ دون القلب.

وثالثها: أن الآفة إذا حلت في الدماغ اختل العقل.

ورابعها: أن في العرف كل من أريد وصفه بقلة العقل قيل إنه خفيف الدماغ خفيف الرأس.

وخامسها: أن العقل أشرف فيكون مكانه أشرف، والأعلى هو الأشرف وذلك هو الدماغ لا القلب فوجب أن يكون محل العقل هو الدماغ والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال الحواس تؤدي آثارها إلى الدماغ، ثم إن الدماغ يؤدي تلك الآثار إلى القلب، فالدماغ آلة قريبة للقلب للقلب والحواس آلات بعيدة فالحس يخدم الدماغ، ثم الدماغ يخدم القلب وتحقيقه أنا ندرك من أنفسنا أنا إذا عقلنا أن الأمر الفلاني يجب فعله أو يجب تركه، فإن الأعضاء تتحرك عند ذلك، ونحن نجد التعقلات من جانب القلب لا من جانب الدماغ وعن الثاني: أنه لا يبعد أن يتأدى الأثر من القلب إلى الدماغ، ثم الدماغ يحرك الأعضاء بواسطة الأعصاب النابتة منه، وعن الثالث: لا يبعد أن يكون سلامة الدماغ شرطاً لوصول تأثير القلب إلى سائر الأعضاء، وعن الرابع: أن ذلك العرف إنما كان لأن القلب إنما يعتدل مزاجه بما يستمد من الدماغ من برودته، فإذا لحق الدماغ خروج عن الاعتدال خرج القلب عن الاعتدال أيضاً، إما لازدياد حرارته عن القدر الواجب أو لنقصان حراراته عن ذلك القدر فحينئذ يختل العقل وعن الخامس: أنه لو صح ما قالوه لوجب أن يكون موضع العقل هو القحف، ولما بطل ذلك ثبت فساد قولهم والله أعلم.

فرع: اعلم أن المعاني التي بينا كونها مختصة بالقلوب قد تضاف إلى الصدر تارة وإلى الفؤاد أخرى، أما الصدر فلقوله تعالى: ﴿ وَحُصّلَ مَا فِي الصدور  ﴾ وقوله: ﴿ وَلِيَبْتَلِىَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور  ﴾ ، ﴿ وإِنْ تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ  ﴾ وأما الفؤاد فقوله: ﴿ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم  ﴾ ومن الناس من فرق بين القلب والفؤاد فقال: القلب هو العلقة السوداء في جوف الفؤاد دون ما يكتنفها من اللحم والشحم، ومجموع ذلك هو الفؤاد ومنهم من قال القلب والفؤاد لفظان مترادفان، وكيف كان فيجب أن يعلم أن من جملة العضو المسمى قلباً وفؤاداً موضعاً هو الموضع في الحقيقة للعقل والاختيار، وأن معظم جرم هذا العضو مسخر لذلك الموضع، كما أن سائر الأعضاء مسخرة للقلب، فإن العضو قد تزيد أجزاؤه من غير ازدياد المعاني المنسوبة إليه أعني العقل والفرح والحزن وقد ينقص من غير نقصان في تلك المعاني، فيشبه أن يكون اسم القلب اسماً للأجزاء التي تحل فيها هذه المعاني بالحقيقة، واسم الفؤاد يكون اسماً لمجموع العضو، فهذا هو الكلام في هذا الباب والله الموفق للصواب.

وأما قوله تعالى: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين ﴾ فيدخل تحت الإنذار الدعاء إلى كل واجب من علم وعمل والمنع من كل قبيح لأن في الوجهين جميعاً يدخل الخوف من العقاب.

وأما قوله تعالى: ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِىّ مُّبِينٍ ﴾ فالباء إما أن تتعلق بالمنذرين فيكون المعنى لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان، وهم خمسة هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد عليهم السلام، وإما أن تتعلق بنزل فيكون المعنى نزله باللسان العربي لينذر به لأنه لو نزله باللسان الأعجمي (لتجافوا عنه أهلاً و) لقالوا له ما نصنع بما لا نفهمه فيتعذر الإنذار به، وفي هذا الوجه أن تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك لأنك تفهمه ويفهمه قومك، ولو كان أعجمياً لكان نازلاً على سمعك دون قلبك، لأنك تسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الأولين ﴾ فيحتمل هذه الأخبار خاصة، ويحتمل أن يكون المراد صفة القرآن، ويحتمل صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون المراد وجوه التخويف، لأن ذكر هذه الأشياء بأسرها قد تقدم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَإِنَّهُ ﴾ وإن هذا التنزيل، يعني: ما نزل من هذه القصص والآيات.

والمراد بالتنزيل: المنزل.

والباء في ﴿ نَزَلَ بِهِ الروح ﴾ ونزل به الروح، على القراءتين للتعدية.

ومعنى ﴿ نَزَلَ بِهِ الروح ﴾ جعل الله الروح نازلاً به ﴿ على قَلْبِكَ ﴾ أي: حفظكه وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات مالاً ينسى، كقوله تعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى ﴾ [الأعلى: 6] ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ ﴾ إما أنّ يتعلق بالمنذرين، فيكون المعنى: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود، وصالح، وشعيب، وإسمعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام.

وإما أن يتعلق بنزل، فيكون المعنى: نزله باللسان العربي لتنذر به؛ لأنه لو نزله باللسان الأعجمي، لتجافوا عنه أصلاً، ولقالوا: ما نصنع بمالاً نفهمه فيتعذر الإنذار به وفي هذا الوجه: أن تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك، لأنك تفهمه ويفهمه قومك.

ولو كان أعجمياً لكان نازلاً على سمعك دون قلبك، لأنك تسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها ولا تعيها، وقد يكون الرجل عارفاً بعدّة لغات، فإذا كلم بلغته التي لقنها أولاً ونشأ عليها وتطبع بها، لم يكن قلبه إلا إلى معاني الكلام يتلقاها بقلبه ولا يكاد يفطن للألفاظ كيف جرت، وإن كلم بغير تلك اللغة وإن كان ماهراً بمعرفتها كان نظره أولاً في ألفاظها ثم في معانيها، فهذا تقرير أنه نزل على قلبه لنزوله بلسان عربي مبين ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ وإن القرآن يعني ذكره مثبت في سائر الكتب السماوية.

وقيل: إن معانيه فيها.

وبه يحتج لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة على أن القرآن قرآن إذا ترجم بغير العربية حيث قيل: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الاولين ﴾ لكون معانيه فيها.

وقيل: الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك في ﴿ أَن يَعْلَمَهُ ﴾ وليس بواضح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ هَذا آخِرُ القِصَصِ السَّبْعِ المَذْكُورَةِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ  وتَهْدِيدًا لِلْمُكَذِّبِينَ بِهِ، وإطْرادُ نُزُولِ العَذابِ عَلى تَكْذِيبِ الأُمَمِ بَعْدَ إنْذارِ الرُّسُلِ بِهِ، واقْتِراحِهِمْ لَهُ اسْتِهْزاءً وعَدَمِ مُبالاةٍ بِهِ يَدْفَعُ أنْ يُقالَ إنَّهُ كانَ بِسَبَبِ اتِّصالاتٍ فَلَكِيَّةٍ أوْ كانَ ابْتِلاءً لَهم لا مُؤاخَذَةً عَلى تَكْذِيبِهِمْ.

﴿ وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ﴾ .

﴿ عَلى قَلْبِكَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِحَقِيَةِ تِلْكَ القِصَصِ وتَنْبِيهٌ عَلى إعْجازِ القُرْآنِ ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ، فَإنَّ الإخْبارَ عَنْها مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمْها لا يَكُونُ إلّا وحْيًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والقَلْبُ إنْ أرادَ بِهِ الرُّوحَ فَذاكَ وإنْ أرادَ بِهِ العُضْوَ فَتَخْصِيصُهُ، لِأنَّ المَعانِيَ الرُّوحانِيَّةَ إنَّما تَنْزِلُ أوَّلًا عَلى الرُّوحِ ثُمَّ تَنْتَقِلُ مِنهُ إلى القَلْبِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّعَلُّقِ، ثُمَّ تَتَصَعَّدُ مِنهُ إلى الدِّماغِ فَيَنْتَقِشُ بِها لَوْحُ المُتَخَيَّلَةِ، و ( الرُّوحُ الأمِينُ ) جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ أمِينُ اللَّهِ عَلى وحْيِهِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَشْدِيدِ الزّايِ ونَصْبِ ( الرُّوحَ الأمِينَ ) .

﴿ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ عَمّا يُؤَدِّي إلى عَذابِ مَن فَعَلَ أوْ تَرَكَ.

﴿ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ واضِحِ المَعْنى لِئَلّا يَقُولُوا ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ( نَزَلَ )، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُنْذِرِينَ أيْ لِتَكُونَ مِمَّنْ أنْذَرُوا بِلُغَةِ العَرَبِ وهم هُودٌ وصالِحٌ وإسْماعِيلُ وشُعَيْبٌ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ وإنَّ ذِكْرَهُ أوْ مَعْناهُ لَفي الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِنَّهُ} أي القرآن {لَتَنزِيلُ رَبّ العالمين} منزل منه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ هَذا آخِرُ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي سِيقَتْ لِما عَلِمْتَهُ سابِقًا، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى هَذا العَدَدِ - عَلى ما قِيلَ - لِأنَّهُ عَدَدٌ تامٌّ، وأنا أُفَوِّضُ العِلْمَ بِسِرِّ ذَلِكَ وكَذا العِلْمَ بِسِرِّ تَرْتِيبِ القَصَصِ عَلى هَذا الوَجْهِ لِحَضْرَةِ عَلّامِ الغُيُوبِ جَلَّ شَأْنُهُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ إلَخْ، عَوْدٌ لِما في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ العَظِيمِ، ورَدُّ ما قالَ المُشْرِكُونَ فِيهِ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقِيلَ: هو تَقْرِيرٌ لِحَقِّيَّةِ تِلْكَ القَصَصِ، وتَنْبِيهٌ عَلى إعْجازِ القُرْآنِ ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  فَإنَّ الإخْبارَ عَنْها مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمْها لا يَكُونُ إلّا وحْيًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فالضَّمِيرُ لِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ النّاطِقَةِ بِتِلْكَ القَصَصِ المَحْكِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ الَّذِي هي مِن جُمْلَتِهِ، والإخْبارُ عَنْ ذَلِكَ بِـ(تَنْزِيلُ) لِلْمُبالِغَةِ، والمُرادُ أنَّهُ لَمُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ووَصْفُهُ سُبْحانَهُ بِرُبُوبِيَّةِ العالَمِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَنْزِيلَهُ مِن أحْكامِ تَرْبِيَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ورَأْفَتِهِ بِالكُلِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني: القرآن، ويقال: إنه إشارة إلى ما ذُكر في أول السورة تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، وأنه يعني: الكتاب لتنزيل رب العالمين نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر نَزَّلَ بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف.

فمن قرأ بالتشديد، فمعناه: نَزَّلَ الله تعالى بالقرآن الروح الأمين، يعني: جبريل  ، نصب الروح لوقوع الفعل عليه، يعني: أنزل الله تعالى جبريل بالقرآن.

ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه: نزل جبريل  بالقرآن، فجعل الروح رفعاً لأنه فاعل.

ثم قال: عَلى قَلْبِكَ أي نزله عليك ليثبت به قلبك، ويقال: أي لكي يحفظ به قلبك.

ويقال: عَلى قَلْبِكَ أي نزل على قدر فهمك وحفظك.

ويقال: أي نزله عليك فوعاه قلبك، وثبت فيه، فلا تنساه أبداً كما قال: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [الأعلى: 6] ويقال: عَلى قَلْبِكَ يعني: على موافقة قلبك ومرادك لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ يعني: من المخوفين بالقرآن للكفار من النار.

ثم قال عز وجل: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ يعني: يبيّن لهم بلغتهم.

ويقال: بلغة قريش وهوازن، وكان لسانهما أفصح.

قال مقاتل: وذلك أنهم كانوا يقولون: إنه يُعلمه أبو فكيهة، وكان أعجمياً رومياً، فأخبر أن القرآن بلغة قريش وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ يعني: أمر محمد  ونعته وصفته في كتب الأولين، كما قال: يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: 157] والزبر: الكتب، واحدها زبور، مثل رسل ورسول، ويقال: إنه يعني: القرآن لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ يعني: بعضه كان في كتب الأولين، ويقال: نعت القرآن، وخبره كان في كتب الأولين.

ثم قال عز وجل: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً قرأ ابن عامر وحده تكن وآية بالضم، وقرأ الباقون بالياء بلفظ التذكير آيَةً بالنصب.

فمن قرأ بلفظ التذكير والنصب جعل أَنْ يَعْلَمَهُ اسم كان، وجعل آيَةً خبر كان، والمعنى: أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل على جهة المعنى.

ومن قرأ بلفظ التأنيث والضم، جعل آية هي الاسم، وأَنْ يَعْلَمَهُ خبر تكن، ومعنى القراءتين واحد، وذلك أن كفار مكة بعثوا رسولاً إلى يهود المدينة، وسألوهم عن بعثته فقالوا: هذا زمان خروجه ونعته كذا، فنزل: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً يعني: لكفار مكة آيَةً يعني: علامة أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: إن هذا علامة لهم ليؤمنوا به.

ثم قال: وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ يعني: القرآن لو نزلناه بالعبرانية على رجل ليس بعربي اللسان من العبرانيين فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ يعني: على كفار مكة مَّا كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ يعني: بالقرآن، فهذا منة من الله تعالى، حيث خاطبهم بلغتهم ليفهموه.

وقال القتبي: في قوله عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ يقال: رجل أعجمي إذا كان في لسانه عجمة، وإن كان من العرب، ورجل عجمي بغير ألف إذا كان من العجم وإن كان فصيح اللسان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ قرأ نافع وابن كثير «١» وابن عامر:

«أَصْحَابُ لَيْكَةَ» على وزن فَعْلَةَ هنا، وفي [ص] وقرأ الباقون: «الأَيْكَةِ» وهي: الدوحة المُلْتَفَّةُ من الشجر على الإطلاق، وقيل من شجر معروف له غضارة تألفه الحمام والقُمَارِيُّ ونحوها، و «لَيْكَة» اسم البلد في قراءة مَنْ قرأ ذلك قاله بعض المفسرين، وذهب قوم إلى أنّها مسهّلة من الأيكة، وأنّها وقعت في المصحف هنا وفي «ص» بغير ألف.

وقوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] وكذلك ما بعده بلفظ الجمع من حيث إنَّ تكذيب نَبِيٍّ واحد يستلزم تَكْذِيبَ جميعَ الأنبياء لأَنَّهم كلهم يدعون الخلق إلى الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، وفي قول الأنبياء- عليهم السلام-: «أَلا تتقون» عرض رفيق وَتَلَطُّفٌ، كما قال تعالى: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى [النازعات: ١٨] والجِبِلَّةُ: الخليقة والقرون الماضية، والكسف: القطع، واحدها كسفة، ويَوْمِ الظُّلَّةِ: هو يوم عذابهم، وصورته فيما رُوِيَ أَنَّ الله امتحنهم بحرٍّ شديد، وأنشأ الله سحابة في بعض قطرهم فجاء بعضهم إلى ظِلِّها فوجد لها برداً ورَوْحاً، فتداعوا إليها/ حتى تكاملوا ٤٩ ب فاضطرمت عليهم ناراً، فأحرقتهم عن آخرهم.

وقيل غير هذا، والحق أَنَّه عذاب جعله الله ظلة عليهم.

وقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني القرآن.

وقوله: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ متعلق ب نَزَلَ، أي: سمعه النبي صلى الله عليه وسلّم من جبريل حروفاً عربيَّةً، وهذا هو القول الصحيح، وما سوى هذا فمردود.

وقوله سبحانه: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أي: القرآن مذكور في الكتب المُنَزَّلَة القديمة، مُنَبَّهٌ عليه، مُشَارٌ إليه أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ كَعَبْدِ الله بْنِ سَلاَمٍ ونحوه قاله ابن عباس ومجاهد «١» ، قال مُقَاتِلٌ «٢» : هذه الآية مدنية، وَمَنْ قال إنَّ الآية مَكِّيَّةٌ ذهب إلى أنَّ علماء بني إسرائيل ذكروا لقريش أَنَّ في التوراة صفَةَ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، وأَنَّ هذا زمانه، فهذه الإشارة إلى ذلك وذلك أَنَّ قريشاً بعثت إلى الأحبار يسألونهم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلّم، ثم أخبر تعالى أَنَّ هذا القرآن لو سمعوه من أعجمَ، أي: من حيوان غير ناطق، أو من جماد، والأعجم: كل ما لا يفصح- ما كانوا يؤمنون، والأعجمون: جمع أَعْجَم، وهو الذي لا يُفْصِحُ، وإنْ كان عربيّ النَّسَبِ، وكذلك يقال للحيوانات والجمادات، ومنه الحديث: «جُرْحُ العجماء جبار» «٣» والعجميّ هو الذي نسبه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ .

﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " نَزَلَ بِهِ " خَفِيفًا " الرُّوحُ الأمِينُ " بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نَزَّلَ " مُشَدَّدَةَ الزّايِ " الرُّوحَ الأمِينَ " بِالنَّصْبِ.

والمُرادُ بِالرُّوحِ الأمِينِ جِبْرِيلُ، وهو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ تَعالى إلى أنْبِيائِهِ، ﴿ عَلى قَلْبِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: نَزَلَ عَلَيْكَ فَوَعاهُ قَلْبُكَ، فَثَبَتَ، فَلا تَنْساهُ أبَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ أيْ: مِمَّنْ أنْذَرَ بِآياتِ اللَّهِ المُكَذِّبِينَ، ﴿ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِلِسانِ قُرَيْشٍ لِيَفْهَمُوا ما فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ: " زُبْرِ " بِتَسْكِينِ الباءِ.

وفي هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ؛ والمَعْنى: وإنَّ ذِكْرَ القُرْآَنِ وخَبَرَهُ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والزُّبُرُ: الكُتُبُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " أوْ لَمْ يَكُنْ لَهم " بِالياءِ " آيَةً " بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " تَكُنْ " بِالتّاءِ " آَيَةٌ " بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وقَتادَةُ: " تَكُنْ " بِالتّاءِ " آيَةً " بِالنَّصْبِ قالَ الزَّجّاجُ: إذا قُلْتَ " يَكُنْ " بِالياءِ، فالِاخْتِيارُ نَصْبُ " آيَةً " ويَكُونُ " أنْ " اسْمَ كانَ، ويَكُونُ " آيَةٌ " خَبَرَ كانَ، المَعْنى: أوْ لَمْ يَكُنْ لَهم عِلْمُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ النَّبِيَّ  حَقٌّ، وأنَّ نُبُوَّتَهُ حَقٌّ؟!

" آيَة " أيْ: عَلامَةٌ مُوَضَّحَةٌ، لِأنَّ العُلَماءَ الَّذِينَ آمَنُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ وَجَدُوا ذِكْرَ النَّبِيِّ  مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

ومَن قَرَأ " أوْ لَمْ تَكُنْ " بِالتّاءِ " آيَةٌ " جَعَلَ " آيَةً " هي الِاسْمُ، و " أنْ يَعْلَمَهُ " خَبَرُ " تَكُنْ " .

وَيَجُوزُ أيْضًا " أوْ لَمْ تَكُنْ " بِالتّاءِ " آيَةً " بِالنَّصْبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ  ﴾ وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " أنَّ تَعْلَمَهُ " بِالتّاءِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعَثَ أهْلُ مَكَّةَ إلى اليَهُودِ وهم بِالمَدِينَةِ يَسْألُونَهم عَنْ مُحَمَّدٍ  ، فَقالُوا: إنَّ هَذا لَزَمانُهُ، وإنّا لَنَجِدُ في التَّوْراةِ صِفَتَهُ، فَكانَ ذَلِكَ آيَةً لَهم عَلى صِدْقِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ أعْجَمَ، والأُنْثى عَجْماءُ، والأعْجَمُ: الَّذِي لا يُفْصِحُ، وكَذَلِكَ الأعْجَمِيُّ؛ فَأمّا العَجَمِيُّ: فالَّذِي مِن جِنْسِ العَجَمِ، أفْصَحَ أوْ لَمْ يُفْصِحْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: لَوْ قَرَأهُ عَلَيْهِمْ أعْجَمِيٌّ لَقالُوا: نَفْقَهُ هَذا، فَلَمْ يُؤْمِنُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُوحُ الأمِينُ ﴾ ﴿ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ ﴿ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ﴾ ﴿ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، أيْ: إنَّهُ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا سِحْرٍ، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، و ﴿ الرُوحُ الأمِينُ ﴾ : جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ، ونَزَلَ بِاللَفْظِ العَرَبِيِّ والمَعانِي الثابِتَةِ في الصَدْرِ والمَصاحِفِ، والضَمِيرُ عَلى ذَلِكَ كُلُّهُ عائِدٌ في "بِهِ".

و"اللِسانُ" عِبارَةٌ عَنِ اللُغَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "نَزَلَ" خَفِيفَةَ الزايِ "الرُوحُ" بِالرَفْعِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِشَدِّ الزايِ "الرُوحَ" نَصْبًا، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ  ﴾ ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ .

وقَوْلُهُ: "بِهِ" في مَوْضِعِ الحالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى قَلْبِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى حِفْظِهِ إيّاهُ، وعَلَّلَ النُزُولَ عَلى قَلْبِهِ بِكَوْنِهِ مِنَ المُنْذِرِينَ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُنْذِرَ بِهِ إلّا بَعْدَ حِفْظِهِ.

وقَوْلُهُ: "بِلِسانٍ" يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ الباءَ بِـ "نَزَلَ بِهِ"، وهَذا عَلى «أنَّ النَبِيَّ  إنَّما كانَ يَسْمَعُ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ حُرُوفًا عَرَبِيَّةً»، وهو القَوْلُ الصَحِيحُ، وتَكُونُ صَلْصَلَةُ الجَرَسِ صِفَةً لِشِدَّةِ الصَوْتِ وتَداخُلِ حُرُوفِهِ وعَجَلَةِ مَوْرِدِهِ وإغْلاظِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "لِتَكُونَ"، وتُمْسِكَ بِهَذا مَن رَأى أنَّ النَبِيَّ  كانَ يَسْمَعُ مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ يُتَفَهَّمُ لَهُ مِنهُ القُرْآنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَ ألْفاظِ القُرْآنِ مِن لَدُنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ  ، وهَذا مَرْدُودٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ في كُتُبِهِمْ، يُرِيدُ أنَّ القُرْآنَ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ القَدِيمَةِ مُنَبِّهٌ عَلَيْهِ مُشارٍ إلَيْهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُبُرُ" بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِسُكُونِها.

ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانَ يَنْبَغِي أنْ يُصَحِّحَ عِنْدَهم أمْرُهُ، كانَ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَهُ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ ونَحْوِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا -فِيما حَكى عنهُ الثَعْلَبِيُّ -: إنَّ أهْلَ مَكَّةَ بَعَثُوا إلى أحْبارِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم عَنِ النَبِيِّ  ، فَقالُوا: هَذا زَمانُهُ، ووَصَفُوا بَعْثَهُ، ثُمَّ خَلَطُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ  ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ هَذا كَوْنُ الآيَةِ مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، فَمَن قالَ: إنَّها مَكِّيَّةٌ، ذَهَبَ إلى أنَّ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ ذَكَرُوا أنَّ في التَوْراةِ صِفَةَ النَبِيِّ  ، وهَذِهِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ.

وكُلُّهم قَرَأ: "يَكُنْ" بِالياءِ "آيَةً" نَصْبًا، غَيْرُ ابْنِ عامِرٍ فَإنَّهُ قَرَأ: "تَكُنْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ: "آيَةٌ" رَفْعًا، وهي قِراءَةُ عاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ يَعْلَمَهُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "أنْ تَعْلَمَهُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

ثُمَّ سَلّى مُحَمَّدًا  عن صُدُودِ قَوْمِهِ عَنِ الشَرْعِ بِأنْ أخْبَرَ أنَّ هَذا القُرْآنَ العَرَبِيَّ لَوْ سَمِعُوهُ مِن أعْجَمٍ، أيْ: مِن حَيَوانٍ غَيْرِ ناطِقٍ، أو جَمادٍ، -والأعْجَمُ: كُلُّ ما لا يُفْصِحُ- ما كانُوا يُؤْمِنُونَ، أيْ: قَدْ خَتَمَ الكُفْرُ عَلَيْهِمْ فَلا سَبِيلَ إلى إيمانِهِمْ، و"الأعْجَمُونَ" جَمْعُ أعْجَمٍ، وهو الَّذِي لا يُفْصِحُ، وإنْ كانَ عَرَبِيُّ اللِسانِ يُقالُ لَهُ: أعْجَمُ، وكَذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيَواناتِ والجَماداتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «جُرْحُ العَجْماءِ جِبارٌ»، وأسْنَدَ الطَبَرَيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ أنَّهُ قالَ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ: "جَمَلِي هَذا أعْجَمُ، فَلَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ، ما كانُوا يُؤْمِنُونَ"، والعَجَمِيُّ هو الَّذِي نَسَبُهُ في العَجَمِ وإنْ كانَ فَصِيحَ اللِسانِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "الأعْجَمِيَّيْنِ"، قالَ أبُو حاتِمْ: أرادَ جَمْعَ "الأعْجَمِيِّ" المَنسُوبِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: الأعْجَمُونَ جَمْعُ أعْجَمٍ، وهو أعْجَمُ، أُضِيفَ فَقَوِيَتْ بِالإضافَةِ رُتْبَتُهُ في الأسْماءِ فَجَمَعَ، ولَيْسَ بِأعْجَمِيِّ النِسْبَةِ إلى العَجَمِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أوَ لَمْ يَكُنْ" بِالياءِ "لَهم آيَةً" بِالنَصْبِ، وقَرَأ: "أوَ لَيْسَ لَكم آيَةٌ" ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "ألَيْسَ" بِغَيْرِ واوٍ أو فاءٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَكُنْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ "آيَةٌ" رَفْعًا، وقَرَأ بَعْضُ مَن قَرَأ بِالتاءِ "آيَةً" بِالنَصْبِ، وسائِرُهم بِالرَفْعِ، وقَدْ مَضى ذِكْرُ ما في السَبْعِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ عائِدٌ عَلى "الذِكْرِ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن الرَحْمَنِ مُحْدَثٍ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عود إلى ما افتتحت به السورة من التنويه بالقرآن وكونه الآية العظمى بما اقتضاه قوله: ﴿ تلك آيات الكتاب المبين ﴾ [الشعراء: 2] كما تقدم لتختتم السورة بإطناب التنويه بالقرآن كما ابتُدئت بإجمال التنويه به، والتنبيه على أنه أعظم آية اختارها الله أن تكون معجزةً أفضل المرسلين.

فضمير ﴿ وإنه ﴾ عائد إلى معلوم من المقام بعد ذكر آيات الرسل الأولين.

فبواو العطف اتصلت الجملة بالجمل التي قبلها، وبضمير القرآن اتصل غرضها بغرض صدر السورة.

فجملة: ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين ﴾ معطوفة على الجمل التي قبلها المحكية فيها أخبار الرسل المماثلة أحوالُ أقوامهم لحال قوم محمد صلى الله عليه وسلم وما أيدهم الله به من الآيات ليعلم أن القرآن هو آية الله لهذه الأمة، فعطفها على الجمل التي مثلها عطف القصة على القصة لتلك المناسبة.

ولكن هذه الجملة متصلة في المعنى بجملة: ﴿ تلك آيات الكتاب المبين ﴾ [الشعراء: 2] بحيث لولا ما فصل بينها وبين الأخرى من طول الكلام لكانت معطوفة عليها.

ووُجه الخطابُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن في التنويه بالقرآن تسلية له على ما يلاقيه من إعراض الكافرين عن قبوله وطاعتهم فيه.

والتأكيد ب (إنَّ) ولاَم الابتداء لرد إنكار المنكرين.

والتنزيل مصدر بمعنى المفعول للمبالغة في الوصف حتى كأنَّ المنزَّلَ نفسُ التنزيل.

وجملة: ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾ بيان ل ﴿ تنزيل رب العالمين ﴾ ، أي كان تنزيله على هذه الكيفية.

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمَرو وحفص وأبو جعفر بتخفيف زاي ﴿ نزل ﴾ ورفع ﴿ الروحُ ﴾ .

وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف ﴿ نَزَّل ﴾ بتشديد الزاي ونصب ﴿ الروح الأمينَ ﴾ ، أي نزلّه الله به.

و ﴿ الروح الأمين ﴾ جبريل وهو لقبه في القرآن، سمّي رُوحاً لأن الملائكة من عالم الروحانيات وهي المجردات.

وتقدم الكلام على الروح في سورة الإسراء، وتقدم ﴿ روح القدس ﴾ في البقرة (87).

ونزول جبريل إذنُ الله تعالى، فنزولُه تنزيل من رب العالمين.

والأمين } صفة جبريل لأن الله أمنه على وحيه.

والباء في قوله: ﴿ نزل به ﴾ للمصاحبة.

والقلب: يطلق على ما به قبول المعلومات كما قال تعالى: ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ ﴾ [ق: 37] أي إدراك وعقل.

وقوله: ﴿ على قلبك ﴾ يتعلق بفعل ﴿ نزل ﴾ ، و ﴿ على ﴾ للاستعلاء المجازي لأن النزول وصول من مكان عال فهو مقتض استقرار النازل على مكان.

ومعنى نزول جبريل على قلب النبي عليهما السلام: اتصاله بقوة إدراك النبي لإلقاء الوحي الإلهي في قوَّته المتلقّية للكلام الموحى بألفاظه، ففعل (نزل) حقيقة.

وحرف ﴿ على ﴾ مستعار للدلالة على التمكن مما سمي بقلب النبي مثل استعارته في قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5].

وقد وصَف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كما في حديث «الصحيحين» عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟

فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «أحياناً يأتيني مثلَ صَلْصَلَة الجَرَس فيَفْصِمُ عني وقد وَعَيتُ عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملَك رجلاً فيكلمني فأعِي ما يقول» وهذان الوصفان خاصّان بوحي نزول القرآن.

وثمة وحي من قبيل إبلاغ المعنى وسمّاه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر نفْثاً.

فقال: «إن روح القدس نَفَث في رُوعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي أجلها» فهذا اللفظ ليس من القرآن فهو وحي بالمعنى [والروع: العقل] وقد يكون الوحي في رؤيا النوم فإن النبي لا ينام قلبه، ويكون أيضاً بسماع كلام الله من وراء حجاب، وقد بيّنا في شرح الحديث النكتة في اختصاص إحدى الحالتين ببعض الأوقات.

وأشعر قوله: ﴿ على قلبك ﴾ أن القرآن أُلقيَ في قلبه بألفاظه، قال تعالى: ﴿ وما كنت تتْلُو مِن قبله من كتاب ﴾ [العنكبوت: 48].

ومعنى: ﴿ لتكون من المنذرين ﴾ لتكون من الرسل.

واختير من أفعاله النذارة لأنها أخص بغرض السورة فإنها افتتحت بذكر إعراضهم وبإنذارهم.

وفي: ﴿ من المنذرين ﴾ من المبالغة في تمكن وصف الرسالة منه ما تقدم غيرَ مرة في مثل هذه الصيغة في هذه القصص وغيرها.

و ﴿ بلسان ﴾ حال من الضمير المجرور في ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾ .

والباء للملابسة.

واللسان: اللغة، أي نزل بالقرآن ملابساً للغة عربية مبينة أي كائناً القرآن بلغة عربية.

والمبين: الموضِّح الدلالة على المعاني التي يعنيها المتكلم، فإن لغة العرب أفصح اللغات وأوسعها لاحتمال المعاني الدقيقة الشريفة مع الاختصار، فإن ما في أساليب نظم كلام العرب من علامات الإعراب، والتقديم والتأخير، وغير ذلك، والحقيقة والمجاز والكناية، وما في سعة اللغة من الترادف، وأسماء المعاني المقيّدة، وما فيها من المحسنات، ما يلج بالمعاني إلى العقول سهلةً متمكنة، فقدّر الله تعالى هذه اللغة أن تكون هي لغة كتابه الذي خاطب به كافة الناس، فأنزل بادئ ذي بدء بين العرب أهل ذلك اللسان ومقاويل البيان ثم جعل منهم حمَلتَه إلى الأمم تترجم معانيَه فصاحتُهم وبيانُهم، ويتلقى أساليبَه الشادون منهم وولدانُهم، حين أصبحوا أمة واحدة يقوم باتحاد الدين واللغة كيانهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ الرُّوحُ الأمِينُ ﴾ يَعْنِي جِبْرِيلَ.

﴿ عَلى قَلْبِكَ ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدٍ  .

﴿ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ يَعْنِي لِأُمَّتِكَ.

﴿ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ يَعْنِي أنَّ لِسانَ القُرْآنِ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ لِأنَّ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ عَرَبِيٌّ، والمُخاطَبُونَ بِهِ عَرَبٌ ولِأنَّهُ تَحَدّى بِفَصاحَتِهِ فُصَحاءَ العَرَبِ.

وَفِي اللِّسانِ العَرَبِيِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِسانُ جُرْهُمَ، قالَهُ أبُو بَرْزَةَ.

الثّانِي: لِسانُ قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين ﴾ قال: هذا القرآن ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾ قال: جبريل.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾ قال: الروح الأمين: جبريل رأيت له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرها فهم مثل ريش الطواويس.

وأخرج ابن مردويه عن الحسن أظنه عن سعد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «الأوان الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وإن أبطأ عليها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وإنه ليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وأن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله واجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ بلسان عربي مبين ﴾ قال: بلسان قريش.

ولو كان غير عربي ما فهموه.

وأخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس والبيهقي في شعب الإِيمان عن بريدة في قوله: ﴿ بلسان عربي مبين ﴾ قال: بلسان جرهم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بريدة، مثله.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال: كان نفر من قريش من أهل مكة قدموا على قوم من يهود من بني قريظة لبعض حوائجهم، فوجدوهم يقرأون التوراة فقال القرشيون: ماذا نلقى ممن يقرأ توراتكم هذه؟

لهؤلاء أشد علينا من محمد وأصحابه.

فقال اليهود: نحن من أولئك برآء.

أولئك يكذبون على التوراة وما أنزل الله في الكتب إنما أرادوا عرض الدنيا.

فقال القرشيون: فإذا لقيتموهم فسوِّدوا وجوههم وقال المنافقون: وما يعلمه إلا بشر مثله.

وأنزل الله: ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين ﴾ إلى قوله: ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وصفته، ونعته، وأمره.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يقول: في الكتب التي أنزلها على الأولين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ قال: كتب الأولين ﴿ أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ﴾ قال: يعني بذلك اليهود والنصارى، كانوا يعلمون أنهم يجدون محمداً مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل أنه رسول الله.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أو لم يكن لهم آية ﴾ بالياء.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ﴾ قال: عبد الله بن سلاممبشر بن عبيد القرشي في قوله: ﴿ أو لم يكن لهم آية ﴾ يقول: أو لم يكن لهم القرآن آية.

وأخرج ابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية العوفي في قوله: ﴿ أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ﴾ قال: كانوا خمسة؛ أسد، وأسيد، وابن يامين، وثعلبة، وعبد الله بن سلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجمين ﴾ قال: يقول لو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجمين لكانت العرب أشر الناس فيه، لا يفهمونه ولا يدرون ما هو.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجمين ﴾ قال: لو أنزله الله عجمياً لكانوا أخسر الناس به لأنهم لا يعرفون العجمية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجمين ﴾ قال: الفرس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ كذلك سلكناه ﴾ قال: الشرك جعلناه ﴿ في قلوب المجرمين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جهضم قال: «رؤي النبي صلى الله عليه وسلم كأنه متحير فسألوه عن ذلك فقال: ولم...

!

ورأيت عدوّي يلون أمر أمتي من بعدي.

فنزلت ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين ﴾ ، ﴿ ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ﴾ ، ﴿ ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ﴾ فطابت نفسه» .

وأخرج عبد بن حميد عن سليمان بن عبد الملك؛ أنه كان لا يدع أن يقول في خطبته كل جمعة: إنما أهل الدنيا فيها على وجل لم تمض لهم نية، ولم تطمئن لهم دار حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.

لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجعاتها، ولا يبقى فيها شيء، ثم يتلو ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين ﴾ ، ﴿ ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ﴾ ، ﴿ ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ﴾ قال: الرسل.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ﴾ قال: ما أهلك الله من قرية إلا من بعد ما جاءتهم الرسل، والحجة، والبيان من الله.

ولله الحجة على طلقة ﴿ ذكرى ﴾ قال: تذكرة لهم، وموعظة وحجة لله ﴿ وما كنا ظالمين ﴾ يقول: ما كنا لنعذبهم إلا من بعد البينة والحجة والعذر.

حتى نرسل الرسل، وننزل الكتب، وفي قوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين ﴾ يعني القرآن ﴿ وما ينبغي لهم أن ينزلوا به وما يستطيعون ﴾ يقول لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعونه ﴿ إنهم عن السمع لمعزولون ﴾ قال: عن سمع السماء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين ﴾ قال: زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد؛ فأخبرهم الله أنها لا تقدر على ذلك ولا تستطيعه، وما ينبغي لهم أن ينزلوا بهذا وهو محجور عليهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ يعني: القرآن (١) (١) "تفسير مقاتل" 54 ب.

و"تنوير المقباس" 314.

وتفسير هود الهواري 3/ 240.

وأخرجه ابن جرير 19/ 111؛ وابن أبي حاتم 9/ 2817، عن قتادة.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 116 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين ﴾ الضمير للقرآن ﴿ الروح الأمين ﴾ يعني جبريل عليه السلام ﴿ على قَلْبِكَ ﴾ إشارة إلى حفظه إياه لأن القلب هو الذي يحفظ ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ ﴾ يعني كلام العرب هو متعلق بنزل أو المنذرين ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأولين ﴾ المعنى أن القرآن مذكور في كتب المتقدّمين ففي ذلك دليل على صحته ثم أقام الحجة على قريش بقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بني إِسْرَائِيلَ ﴾ بأنه من عند الله آية لكم وبرهان، والمراد من أسلم من بني إسرائيل: كعبد الله بن سلام وقيل: الذين كانوا يبشرون بمبعثه عليه الصلاة والسلام ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ على بَعْضِ الأعجمين ﴾ الآية جمع أعجم، وهو الذي لا يتكلم سواء كان إنساناً أو بهيمة أو جماداً والأعجمي: المنسوب إلى العجم أي غير العرب وقيل: بمعنى الأعجم، ومعنى الآية: أن القرآن لو نزل على من لا يتكلم، ثم قرأه عليهم لا يؤمنوا لإفراط عنادهم، ففي ذلك تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم على كفرهم به مع وضوح برهانه ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ معنى ﴿ سَلَكْنَاهُ ﴾ .

أدخلناه، والضمير للتكذيب الذي دل عليه ما تقدم من الكلام، أو القرآن أي سلكناه في قلوبهم مكذباً به، وتقدير قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مثل هذا السلك سلكناه، ﴿ المجرمين ﴾ : يحتمل أن يريد به قريشاً أو الكفار المتقدمين و ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ : تفسير للسلك الذي سلكه في قلوبهم ﴿ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ﴾ تمنوا أن يؤخروا حين لم ينفعهم التمني ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ توبيخ لقريش على استعجالهم بالعذاب في قولهم: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ﴾ [النمل: 10] ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء ﴾ [الأنفال: 32] وشبه ذلك ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ﴾ المعنى أن مدّة إمهالهم لا تغني مع نزول العذاب بعدها، وإن طالت مدة سنين، لأن كل ما هو آت قريب، قال بعضهم ﴿ سِنِينَ ﴾ يريد به عمر الدنيا ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ ﴾ المعنى أن الله لم يهلك قوماً إلا بعد أن أقام الحجة عليهم بأن أرسل إليهم رسولاً فأنذرهم فكذبوه ﴿ ذكرى ﴾ منصوب على المصدر من معنى الإنذار، أو على الحال من الضمير من منذرون، أو على المفعول من أجله، أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين ﴾ الضمير للقرآن، وهو ردّ على من قال أنه كهانة نزلت به الشياطين على محمد ﴿ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أي ما يمكنهم ذلك ولا يقدرون عليه، ولفظ: ﴿ مَا يَنبَغِي ﴾ تارة يستعمل بمعنى لا يمكن وتارة بمعنى لا يليق ﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ ﴾ تعليل لكون الشياطين لا يستطيعون الكهانة، لأنهم منعوا من استراق السمع منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان أمر الكهان كثيراً منتشراً قبل ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليكة ﴾ بلام مفتوحة بعدها ياء ساكنة وبفتح التاء على أنها ممتنعة من الصرف للعلمية والتأنيث، وكذلك في "صاد": اي جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.

الآخرون ﴿ الأيكة ﴾ معرفاً مجروراً.

﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز.

الآخرون بسكونها ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ونزل به ﴾ مخففاً ﴿ الروح الأمين ﴾ مرفوعين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وابو زيد عن المفضل وزيد عن يعقوب.

الباقون ﴿ نزل ﴾ مشدداً ﴿ الروح الأمين ﴾ منصوبين ﴿ أو لم تكن ﴾ بتاء التأنيث ﴿ آية ﴾ بالرفع: ابن عامر.

الباقون بالياء التحتانية ﴿ آية ﴾ بالنصب: ﴿ فتوكل ﴾ بالفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون بالواو ﴿ من تنزل الشياطين ﴾ بتشديد التاء وكذلك ﴿ تنزل ﴾ البزي وابن فليح ﴿ يتبعهم ﴾ بالتخفيف: نافع ﴿ وادي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وقرأ قتيبة بالإمالة.

الوقوف: ﴿ المرسلين ﴾ ج ه ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج ﴿ أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ه ط ﴿ المخسرين ﴾ ج ه ﴿ المستقيم ﴾ ج ه ﴿ مفسدين ﴾ ج ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ط ﴿ المسحرين ﴾ ه لا ﴿ الكاذبين ﴾ ه ج ﴿ نصف آي القرآن ﴾ ﴿ الصادقين ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الظلة ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الأمين ﴾ ه لا ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ه ﴿ الأعجمين ﴾ ه لا ﴿ مؤمنين ﴾ ه ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ط بناء على أن ﴿ لا يؤمنون ﴾ مستأنف للبيان ولو جعل حالاً فلا وقف ﴿ الأليم ﴾ ه لا ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا ﴿ منظرون ﴾ ه ط ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ما أغنى ﴾ جملة نفي أو استفهام قامت مقام الشرط ﴿ يمتعون ﴾ ه ط ﴿ منذرون ﴾ ه وقد يوقف عليها بناء على أن ﴿ ذكرى ﴾ ليس بمفعول له والمراد ذكرناهم والوقف على ﴿ ذكرى ﴾ جائز ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ يستطيعون ﴾ ه ط ﴿ المعزولون ﴾ ه ط ﴿ المعذبين ﴾ ج ه ﴿ الأقربين ﴾ ج ه للعطف ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ج ﴿ الرحيم ﴾ ه لا ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ أثيم ﴾ ج ه بناء على أن ﴿ يلقون ﴾ حال من ضمير ﴿ الشياطين ﴾ اي تنزل ملقين السمع أو صفة ﴿ لكل افاك ﴾ وإن جعل مستأنفاً كأن قائلاً قال: لم تنزل؟

فقيل: يفعلون كيت وكيت فلك الوقف.

﴿ كاذبون ﴾ ه ط ﴿ الغاوون ﴾ ه ط ﴿ يهيمون ﴾ ه لا ﴿ لا يفعلون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ ينقلبون ﴾ ه.

التفسير: القصة السابعة قصة شعيب وأنه كان أخاً مدين دون أصحاب الأيكة ولهذا لم يقل "أخوهم شعيب".

يروى أن اصحاب الأيكة كانوا اصحاب شجر ملتف وكان شجرهم الدوم وهي التي حملها المقل.

قال في الكشاف: قرئ ﴿ أصحاب ليكة ﴾ بتخفيف الهمزة وبالجر على الإضافة وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أن ﴿ ليكة ﴾ بوزن ليلة اسم بلد فتوهم قاد إليه خط المصحف في هذه السورة وفي سورة ص، ثم اعترض عليه بأن ﴿ ليكة ﴾ اسم لا يعرف.

قلت: إنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء عدم ذلك الشيء، والظن بالمتواتر يجب أن يكون أحسن من ذلك.

أمرهم شعيب بإيفاء الكيل ونهاهم عن الإخسار وهو التطفيف وأن يجعل الشخص خاسراً فكأنه أمره بالإيفاء مرتين توكيداً ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وزنوا بالقسطاطس المستقيم ﴾ وقد مر في سورة سبحان.

قال في الكشاف: إن كان من القسط وهو العدل وجعلت السين مكررة فوزنه "فعلاس" وإلا فهو رباعي.

قلت: إن كان مكرراً فوزنه "فعلال" أيضاً.

وقوله ﴿ ولا تبخسوا ﴾ تأكيداً آخر وقد سبق في "هود".

والجبلة الخليقة حذرهم الله الذي تفضل عليهم بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين.

قال في الكشاف: الفرق بين إدخال الواو ههنا في قوله ﴿ وما أنت إلا بشر ﴾ وبين تركها في قصة ثمود هو أنه قصد ههنا معنيان منافيان عندهم للرسالة: كونه مسحراً وكونه بشراً وهناك جعل المعنى الثاني مقرراً للأول.

قلت: الفرق بين والإشكال في تخصصيص كل من القصتين بما خصت به، ولعل السبب فيه هو أن صالحاً قلل في الخطاب فقللوا في الجواب، وأكثر شعيب في الخطاب ولهذا قيل له خطيب الأنبياء فأكثروا في الجواب.

"وإن" في قولهم ﴿ وإن نظنك ﴾ هي المخففة من الثقيلة عملت في ضمير شأن مقدر.

واللام في قوله ﴿ لمن الكاذبين ﴾ هي الفارقة.

والكسف بالسكون والحركة جمع كسفة وهي القطعة وقد مر في سبحان في اقتراحات قريش.

والمعنى إن كنت صادقاً في دعوة النبوة فادع الله أن يسقط علينا قطع السماء.

وإنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فأرادوا بذلك إظهار كذبه فحلم عنهم شعيب ولم يدع عليهم بل فوض الأمر إلى الله بقوله: ﴿ ربي أعلم بما تعملون ﴾ يروى أن شعيباً بعث إلى أمتين: اصحاب مدين وأصحاب الأيكة.

فأهلكت مدين بصيحة جبرائيل، وأهلكت اصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة وذلك إنه حبس عنهم الريح سبعاً وسلط عليهم الحرّ فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظلٍ ولا ماء ولا شراب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى الصحراء فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا.

وحين سلى رسول الله  بهذه القصص المؤكدة بالمكررات المختتمة بالمقررات عاد إلى مخاطبته قائلاً ﴿ وإنه ﴾ اي وإن الذي نزل عليك من الأخبار ﴿ لتنزيل رب العالمين ﴾ أي منزله.

والباء في ﴿ نزل به ﴾ علىالقراءتين للتعدية ولكنها في قراءة التشديد تقتضي مفعولاً آخر هو الروح أي جعل الله  الروح الأمين نازلاً به على قلبك محفوظاً مفهوماً ﴿ لتكون من المنذرين ﴾ من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد  .

ويجوز أن يكون قوله ﴿ لسان ﴾ متعلقاً ﴿ بنزل ﴾ أي نزله ﴿ بلسان عربي ﴾ لتنذر به فإنه لو نزله بالأعجمي لقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه.

ومن هذا الوجه ينشأ فائدة أخرى لقوله ﴿ على قلبك ﴾ أي نزلناه بحيث تفهمه ولو كان أعجمياً لكان نازلاً على سمعك دون قلبك.

والظاهر من نقل أئمة اللغة أن القلب والفؤاد مترادفان.

ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن بعضهم أن القلب هو العلقة السوداء في جوف الفؤاد وذكر كلاماً طويلاً في أن محل العقل هو القلب دون الدماغ وهو المخاطب في الحقيقة فلهذا قال ﴿ نزله على قلبك ﴾ ونحن قد تركناه لقلة تعلقه بالمقام ولضعف دلائله مع مخالفته لما عليه معظم أرباب المعقول.

قوله ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يعني أن ذكر القرآن مثبت في الكتب السماوية للأمم المتقدمة، وإن معاني القرآن في تلك الزبر.

وقد يحتج به لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة.

وقيل: الضمير فيه وفي ﴿ أن يعلمه ﴾ للنبي  وأنه حجة ثابتة على نبوته قد شهد بها علماء بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره من الذين أسلموا منهم واعترفوا أن نعته وصفته في كتبهم مذكور، وكان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود يتعرفون منهم هذا الخبر.

من قرأ ﴿ يكن ﴾ بالتذكير و ﴿ آية ﴾ بالنصب على الخبر والاسم ﴿ أن يعلمه ﴾ فظاهر، ومن قرأ ﴿ تكن ﴾ بالتأنيث و ﴿ آية ﴾ بالرفع على الاسم والخبر ﴿ أن يعلمه ﴾ فقيل: ليست بقوية لوقوع النكرة اسماً والمعرفة خبراً.

ويمكن أن يجاب بأن الفعل المضارع مع أن ليس من المعارف الصريحة، وقد توجه هذه القراءة بتقدير ضمير القصة في ﴿ تكن ﴾ وجملته ﴿ آية أن يعلمه ﴾ و ﴿ لهم ﴾ لغواً أو ﴿ لهم آية ﴾ ﴿ وأن يعلمه ﴾ بدل من آية.

قال جار الله: إنما كتب علموء بالواو على لغة من يميل الألف إلى الواو ولذلك كتبت الصلوة والزكوة بالواو.

ثم أكد بقوله ﴿ ولو نزلناه ﴾ ما مر من آية لو نزله بالأعجمي فقرأه عليهم بعض الأعجمين لم يؤمنوا به لأنهم لم يكونوا يفهمونه.

وقال جار الله: معناه ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية فضلاً أن يقدر على نظم مثله فقرأه عليهم هكذا فصيحاً معجزاً متحدّى به لكفروا به كما كفروا ولتمحلوا لجحودهم عذراً ولسموه سحراً.

ثم قال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا السلك ﴿ سلكناه ﴾ في قلوبهم وقررناه فيها فعلى أيّ وجه دبر أمرهم فلا سبيل إلى تغييرهم عما هم عليه من الإنكار والإصرار، وقد سبق مثل هذه الآية في أول "الحجر".

والحاصل أنهم لا يزالون على التكذيب حتى يعاينوا الوعيد، وفيه تسلية لرسول الله  فإن اليأس إحدى الراحتين.

قال في الكشاف: ليس الفاء في قوله ﴿ فيأتيهم بغتة فيقولوا ﴾ لأجل ترادف العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة، وإنما المعنى ترتيبها في الشدة كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة.

فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة.

نظيره قولك: إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، لا تريد الترتيب في الوجود ولكن في الشدة.

قلت: هذا معنى صحيح ولكن لا مانع من إرادة الترتيب والتعذيب في الوجود يظهر بالتأمل إن شاء الله العزيز.

ثم نكرهم بقوله ﴿ أفبعذابنا يستعجلون ﴾ وفيه إنكار وتهكم أي كيف يستعجل العذاب من لا طاقة له به حتى استمهل بعد أن كان من العمر في مهلة؟

وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ يستعجلون ﴾ حكاية حال ماضية يوبخون بها عند استنظارهم، أو يكون متصلاً بما بعده وذلك أنهم اعتقدوا العذاب غير كائن فلذلك استعجلوه وظنوا أنهم يمتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن، فأنكر الله عليهم استعجالهم الصادر عن الأشر والبطر والاستهزاء والاتكال على طول الأمل.

ثم قال: هب أن الأمر كما ظنوه من التمتع والتعمير فإذا لحقهم الوعيد أو الأجل أو القيامة هل ينفعهم ذلك؟.

عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له: عظني فتلا عليه هذه الآية فقال له ميمون: لقد وعظت فأبلغت.

ثم بين أنه ما أهلك قرية إلا بعد إلزام الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، وعلى هذا يكون ﴿ ذكرى ﴾ متعلقة ﴿ بأهلكنا ﴾ مفعولاً له.

ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً ﴿ لأنذر ﴾ بمعنى التذكرة فإن ﴿ أنذر ﴾ وذكر متقاربان، أو حالاً من الضمير في ﴿ منذرون ﴾ أو مفعولاً له متعلقاً به أي ينذرونهم ذوي تذكرة أو لأجل الموعظة والتذكير، أو التقدير: هذه ذكرى فالجملة اعتراض.

ويجوز أن يكون صفة ﴿ لمنذرون ﴾ على حذف المضاف أي ذوو ذكرى، أو جعلوا ذكرى لبلوغهم في التذكرة أقصى غاياتها.

والبحث عن وجود الواو وعدمه في مثل هذا التركيب قد مر في أول الحجر في قوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم  ﴾ إلا أنا نذكر ههنا سبب تخصيص تلك الآية بالواو وهذه بعدم الواو فنقول: لا ريب أن الواو تفيد مزيد الربط والاجتماع في الحال وفي الوصف إن جوزتا: فسواء قدرنا الجملتين أعني قوله ﴿ ولها كتاب معلوم  ﴾ وقوله ﴿ لها منذرون ﴾ حالاً أو وصفاً فالمقام يقتضي ورود النسق على ما ورد، وذلك أن قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ صفة لازمة للقرية فإن الكتب في اللوح وصف أزلي فناسب أن يكون في اللفظ ما يدل على اللزوم واللصوق وهو الواو، ثم زيد في التأكيد بقوله ﴿ معلوم ﴾ وبقوله ﴿ ما تسبق ﴾ وهذا بخلاف قوله ﴿ لها منذرون ﴾ فإنها صفة حادثة فأطلقت وجود صدر الجملة عن الواو لذلك والله أعلم.

ثم إنه لما احتج على صدق محمد  بكون القرآن معجزاً منزلاً من رب العالمين مشتملاً على معاني كتب الأولين وكان الكفار يقولون إنه من إلقاء الجن كحال الكهنة أراد أن يزيل شبهتهم بقوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ﴾ التنزل بالوحي ﴿ وما يستطيعون ﴾ .

ثم بين عدم اقتدارهم بقوله ﴿ إنهم عن السمع ﴾ أي عن سماع كلام أهل السماء ﴿ لمعزولون ﴾ وذلك بواسطة رجم الشهب كما أخبر عنه الصادق والمعجزات يتساند بعضها ببعض، ولو فرض أنهم غير مرجومين بالشهب فالعقل يدل على أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى منه بشأن العدو، وكان محمد  يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم فلو كان الغيب بإلقاء الشياطين لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم ذلك.

وحين أثبت حقية القرآن أمر نبيه بجوامع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ فلا تدع ﴾ والمراد أمته كما مر في نظائره من قوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم  ﴾ وغير ذلك ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ فيه أن الاهتمام بشأن من هو أقرب إلى المرء أولى.

وفيه أنه يجب أن لا يأخذه في باب التبليغ ما يأخذ القريب للقرب من المساهلة ولين الجانب.

"يروى أنه  لما نزلت الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب فخذاً فخذاً وقال: يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله: إني لا أملك لكم من الله شيئاً سلوني من المال ما شئتم" .

"وروي أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس على رجل شاة، فأكلوا وشربوا حتى شبعوا ثم أنذرهم فقال: يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟

قالوا: نعم.

قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" .

قوله ﴿ واخفض جناحك ﴾ قد مر تفسيره في آخر "الحجر" وفي "سبحان" وزاد ههنا ﴿ لمن اتبعك ﴾ كيلا يذهب الوهم إلى أن خفض الجناح وهو التواضع ولين الجانب مختص بالمؤمنين من عشيرته.

وإنما لم يقتصر على قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ لأن كثيراً منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين.

وقال في الكشاف: سبب الجمع بين اللفظين هو أنه سماهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، أو أراد بالمؤمنين المصدّقين بالألسنة فزاد قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ ليخرج من صدّق باللسان دون الجنان، أو صدق بهما ولم يتبعه في العمل.

وحين أمره بالتواضع لأهل الإخلاص في الإيمان أمره بالتبرئة من ارباب العصيان.

فاستدل الجبائي به على أن الله  أيضاً بريء من عملهم فكيف يكون فاعلاً له؟!

وأجيب بأنه إن أراد ببراءة الله أنه ما أمر بها فمسلم، وإن أراد أنه لا يريدها فممنوع لانتهاء جميع الحوادث إلى إرادته ضرورة قوله ﴿ وتوكل ﴾ معطوف على قوله ﴿ فلا تدع ﴾ أو على قوله ﴿ فقل ﴾ أمره بتفويض الأمر في دفع أعاديه إلى العزيز الذي يقهر من ناوأ أولياءه الرحيم الذي لا يخذل من ينصر دينه.

قال بعض العلماء: المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما فيه معصية الله عز وجل، ولو وقع في محنة واستعان في دفعها ببعض المخلوقين لم يخرج من حد المتوكلين، ثم عدد مواجب الرحمة وهي رؤيته قيامه وتقلبه في الساجدين أي في المصلين.

وللمفسرين فيه وجوه منها: ما روي أنه حين نسخ فرض التهجد طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه حرصاً عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير ذكراً وتلاوة.

فالمراد بتقلبه في الساجدين تصفح أحوال المتهجدين من اصحابه ليطلع عليهم كيف يعملون لآخرتهم.

ومنها أن المراد تصرفه فما بين المؤمنين به بالقيام والركوع والسجود والقعود.

ويروى عن مقاتل أنه استدل به على وجود فضل صلاة الجماعة في القرآن.

ومنها أنه إشارة إلى ما جاء في الحديث "أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلف ظهري" فالتقلب تقلب بصره فيمن يصلي خلفه.

وقيل: أراد أنه لا يخفى علينا كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين.

وقد احتج بالآية علماء الشيعة على مذهبهم أن آباء النبي  لا يكونون كفاراً.

قالوا: أراد تقلب روحه من ساجد إلى ساجد كما في الحديث المعتمد عليه عندهم "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وناقشهم أهل السنة في التأويل المذكور وفي صحة الحديث.

والأصوب عندي أن لا نشتغل بمنع أمثال هذه الدعوى ونسرح إلى بقعة الإمكان على أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول.

ثم أكد قوله وما تنزلت به الشياطين بقوله ﴿ هل أنبئكم على من تنزل ﴾ قال في الكشاف: تقديره أعلى من تنزل؟

ليكون الاستفهام في صدر الكلام كقولك: أعلى زيد مررت؟

قلت: هذا تكلف بارد لأن لااستفهام في "من" ضمني لا يصرح به قط.

والأفاك الكثير الإفك، والأثيم مبالغة آثم وهم الكهنة والمتنبئة كسطيح ومسيلمة وأمثالهما.

والضمير في ﴿ يلقون ﴾ عائد إلى الشياطين كانوا قبل الرجم بالشهب يختطفون بعض الغيوب من الملأ الأعلى بإلقاء ﴿ السمع ﴾ أي بالإصغاء ثم يرجعون به إلى أوليائهم ﴿ وأكثرهم كاذبون ﴾ لأنهم يخلطون الحق المسموع بكلامهم الباطل كما جاء في الحديث "الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة" .

والقر الصب.

وقيل: السمع بمعنى السمموع أي يلقي الشياطين إلى أوليائهم ما يسمعونه من الملائكة.

ويحتمل أن يكون الضمير في: ﴿ يلقون ﴾ للأفاكين والسمع الأذن أو المسموع أي يلقونه السمع إلى لاشياطين فيتلقون وحيهم، أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس.

وإنما لم يقل "وكلهم كاذبون" لأن الكذوب قد يصدق فيصدق عليه انه صادق في الجملة لأن هذه عبارة الفصحاء لا يحكمون حكماً كلياً ما لم تدع إليه ضرورة.

والحاصل أنهم كانوا يقيسون حال النبي  على حال الكهنة فقيل لهم: إن الأغلب على الكهنة الكذب ولم يظهر من أحوال محمد  إلا الصدق، فكيف يكون كاهناً؟

ثم بين ما يعرف منه أن النبي ليس بشاعر كما أنه ليس بكاهن فقال ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قيل: أي الشياطين.

والأظهر أنهم الذين يروون أشعارهم وكان شعراء قريش مثل عبد الله بن الزبعري وأمية بن ابي الصلت يهجون النبي  ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أهاجيهم فنزلت.

ثم بين غوايتهم بقوله ﴿ ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ﴾ وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول يمدحون إنساناً معيناً تارة ويذمونه أخرى غالين في كلا الطرفين مستعملين التخيل في كل ما يرومونه.

وذكر من قبائح خصالهم ﴿ أنهم يقولون ﴾ عند الطلب والدعاوي ﴿ مالا يفعلون ﴾ ولعمري إنها خصلة شنعاء تدل على الدناءة واللؤم.

قالوا وما فعلوا وأين هم *** من معشر فعلوا وما قلوا وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: فبتن بجانبيّ مصرعات *** وبت أفض أغلاق الختام فقال: وجب عليك الحد: قال: قد درأ الله عني الحد يا أمير المؤمنين وتلا الآية.

ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم الذكر والفكر فيما لا بأس به من المواعظ والنصائح، ومدح الحق وذويه، ويكون هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم مثل عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير كانوا ينافحون عن رسول الله  .

"وعن كعب بن مالك أن رسول الله  قال له: اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل" .

وكان يقول لحسان: هاجهم وروح القدس معك.

والحاصل أن النظر في الشعر إلى المعنى لا على مجرد النظم والروي.

فإن كان المعنى صحيحاً مطابقاً للحق والصدق فلا بأس بإِدخاله في سلك النظم والقافية بل لعل النظم يروجه ويهيج الطبع على قبوله وهو الذي عناه  "إن من الشعر لحكماً" .

وإن كان المعنى فاسداً والغرض غير صحيح فهو الذي توجه الذم إليه.

وللانتصار حد معلوم وهو أن لا يزيد على الجواب لقوله  : { ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  ﴾ وقال  "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم" ثم ختم السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال ﴿ وسيعلم الذين ظلموا ﴾ خصصه بعضهم بالشعراء إذا خرجوا عن حد الإنصاف، ومالوا إلى الجور والاعتساف، ولعله عام يتناول لكل من ظلم نفسه بالإعراض عن تدبر ما في السورة بل القرآن كله.

وقوله ﴿ أيّ منقلب ﴾ صفة لمصدر محذوف والعامل ﴿ ينقلبون ﴾ أي ينقلبون في الدركات السفلى انقلاباً أيّ منقلب ولا يعمل فيه ﴿ يعلم ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.

وعن ابن عباس أنه قرأه بالفاء والتاء والمراد سيعلمون أنه ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة.

التأويل: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجميين ﴾ فيه إظهار القدرة من وجهين: الأول جعل الأعجمي بحيث يقرا العربي عليهم كقول القائل: أمسيت كردياً واصبحت عربياً.

والثاني أن أهل الإنكار لا يصيرون أهل الإقرار ولو أتاهم مثل هذا الإعجاز البين، وذلك لأن الله كذلك يسلكه في قلوبهم فيأتيهم عذاب البعد والطرد في الدنيا ﴿ بغتة وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نيام فإذا ماتوا انتبهوا فيقولون هل نحن منظرون.

﴿ وما ينبغي لهم وما يستطيعون ﴾ لأنهم خلقوا من النار والقرآن نور قديم فلا يكون للنار المخلوقة قوة حمل النور القديم، ولهذا تستغيث النار من نور المؤمن وتقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.

﴿ فتكون من المعذبين ﴾ لأن كل من طلب مع الله شيئاً آخر حتى الجنة فله عذاب البعد والحرمان من الله.

﴿ وأنذر عشيرتك ﴾ فيه أن النسب نسب النفوس فإن أكل المرء يشبعه ولا يشبع ولده.

إلا إذا أكل الطعام كما أكل والده وهذا معنى المتابعة.

﴿ إني بريء مما تعملون ﴾ لم يقل "إني بريء منكم" لأن المراد لا تبرأ منهم وقل لهم قولاً جميلاً بالنصح والموعظة الحسنة حتى يرجعوا ببركة دعوتك إلى القول الحق، أو ينالوا الجنة بواسطة شفاعتك.

﴿ وتقلبك في الساجدين ﴾ بأن خلق روح كل ساجد من روحك.

﴿ إنه هو السميع ﴾ في الأزل مقالتك "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" لأن أرواحهم خلقت من روحك ﴿ العليم ﴾ باستحقاقك لهذه الكرامة الله  حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : وإنه - أي: القرآن - تنزيل رب العالمين، أي: نزله رب العالمين.

﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ ﴾ : جواب لقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ : يحتمل وجوهاً.

أحدها: أن جبريل لما ينزل من القرآن إنما ينزل على قلبه، لا يحجبه شيء عن قلبه.

والثاني: ﴿ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ أي: لا يذهب عنه، بل الله يجمعه في قلبك؛ كقوله: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ  إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  ﴾ .

أو أن يكون قوله: ﴿ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ أي: يثبته على قلبك لقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ .

أو أن يكون قال ذلك لما انتهى إلى قلبه وحفظه غاية حفظه قال: ﴿ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ ؛ كأنه ألقي في قلبه وكذلك يقال.

وقوله: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾ : كأنه - والله أعلم - على التقديم والتأخير يخرج، أي: نزل به الروح الأمين على قلبك بلسان عربي مبين لتكونن من المنذرين.

والباطنية يقولون: أنزله على رسوله كالخيال غير موصوف بلسان، ثم إن رسوله أداه بلسانه العربي المبين أي: بينه، لكنه ليس كذا؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً  ﴾ ؛ فيبطل قولهم: إنه أداه بلسانه عربيّاً من غير أن أنزله كذلك، ولو كان على ما يقوله الباطنية: إنه لم ينزله بهذا اللسان - أعني: اللسان العربي - وأن الرسول هو الذي صيره بهذا اللسان وأداه به لكان لا يصير جواباً لقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ  ﴾ ، ولا حجة عليهم، فإذا ذكر هذا جواباً لقولهم وحجة عليهم؛ دل أنه إنما أنزل عليه عربيّاً، وأن تأويل الأول ما ذكرنا على التقديم والتأخير.

وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: وإنه - أي: نعت محمد وصفته - كان في كتب الأولين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ أي: هذا القرآن كان ذكره في كتب الأولين أنه ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أن عينه كان فيها.

أو أن كان بعضه في زبر الأولين لا الكل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ : قال بعض أهل التأويل، أو لم يكن لهم محمد آية أن علماء بني إسرائيل كانوا يعلمون أنهم يجدونه مكتوباً عندهم في الكتب.

لكن تأويله: أو لم يكفهم علم علماء بني إسرائيل آية أنه رسوله.

ثم الآية تكون بوجهين: أحدهما: ما ذكر أن أهل مكة أرسلوا إلى اليهود بالمدينة يسألونهم عن رسول الله، فأخبروهم عنه أنه يخرج في وقت كذا، وأن نعته كذا، وهذا وقت خروجه.

والثاني: يقول: أولم يكفهم آية إسلام علماء بني إسرائيل وفقهائهم أنه رسول نحو ابن سلام وغيره، إذ كانوا لا يسلمون إلا عن علم وثبت أنه رسول؛ إذ كان في إسلامهم ذهاب مكانتهم ورياستهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ : قال بعضهم: نزلناه على رجل منهم عربي فلم يؤمنوا به، فكيف لو نزلناه على أعجمي؟!

وقال بعضهم: لو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجمين، فقرأه عليهم، يقول: إذن لكانوا شر الناس فيهم ما فهموه وما دروا ما هو؛ وهو قريب من الأول.

وقال بعضهم: لو نزلناه على بعض الأعجمين من الدواب فكلمهم هذا ما صدقوه؛ يذكر سفههم وتعنتهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ ﴾ أي: لو نزلناه أعجميّاً فلم يفهموه لقالوا: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ  ﴾ ، ولكن نزلناه عربيّاً؛ لئلا يقولوا ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ : قال بعضهم: هكذا سلكنا الكفر والتكذيب، وأدخلناه في قلوب المجرمين.

وقال بعضهم: كذلك سلكناه - يعني: البيان والحجج - في قلوب المجرمين حتى عقلوه، ولزمتهم الحجة، لكنهم تركوا الإيمان تعنتاً وعناداً، لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم، حين لا ينفعهم إيمانهم؛ لأن إيمانهم عند معاينة العذاب إيمان دفع واضطرار لا إيمان اختيار، وهو كما قال: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ  ﴾ ؛ لأنه إيمان دفع العذاب عن أنفسهم حين خرج أنفسهم من بين أيديهم، وإيمان اضطرار لا إيمان اختيار؛ لذلك لم ينفعهم.

وقوله: ﴿ فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً ﴾ أي: يأتيهم العذاب فجأة وهم لا يشعرون؛ لأنه - عز وجل - إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون أبداً، أنزل بهم العذاب بغتة، ولو علم منهم أنهم يؤمنون حقيقة عند معاينة العذاب؛ لأنزل عليهم العذاب معاينة مجاهرة؛ ليؤمنوا فيقبل منهم ذلك ويدفع العذاب عنهم، كما قبل إيمان قوم يونس حيث قال: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا...

 ﴾ ، قبل منهم الإيمان عند معاينتهم العذاب؛ لما علم منهم أنهم يحققون الإيمان في ذلك، وأما من كان همهم المعاندة والمكابرة فهم لا يحققون الإيمان.

وقوله: ﴿ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ﴾ : لا يزالون يطلبون الرجعة إلى الدنيا، وتأخير العذاب عن أنفسهم إذا نزل بهم؛ كقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ  ﴾ فيتمنون الرجوع والنظرة، لكن لا يجابون.

وقوله: ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ : [هو] كقولهم: ﴿ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً  ﴾ ومثله، وإلا ليس هذا في الظاهر جواباً لقوله: ﴿ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ﴾ وجواب هذا - والله أعلم - قوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ...

﴾ : يقول: ما يغني تأخير العذاب عنهم، وإمهالهم عنه وقتا يمتعون [فيه] - من عذاب الله من شيء؛ لا ينفعهم ذلك.

أو أن يكونوا سألوا العذاب في الظاهر واستمهلوه في الحقيقة، فخرج قوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ...

﴾ الآية جواباً لاستمهالهم.

أو أن يكون بعضهم استعجل العذاب واستمهل غيرهم، فخرج هذا جواب من استمهل.

ثم خوفهم فقال: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَىٰ ﴾ : يقول: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ ﴾ إهلاك استئصال وانتقام، إلا بعد الإنذار وإقامة الحجة والبيان.

﴿ ذِكْرَىٰ ﴾ ، أي: موعظة وزجرا عما هم فيه.

أو ﴿ ذِكْرَىٰ ﴾ بذكر ما لهم وما عليهم وما لبعضهم على بعض.

وقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ : في تعذيبهم، أي: لم نعذبهم بلا ذنب ولا جرم، ولكن بعنادهم ومكابرتهم؛ لأن العذاب في الدنيا لا يكون لنفس الكفر ولكن لعناد ومكابرة، وإنما عذاب الكفر في الآخرة؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً  ﴾ أي: ما كنا معذبين في الدنيا تعذيب انتقام حتى نبعث رسولا، فيظهر منهم العناد والمكابرة، فعند ذلك يعذبهم الله.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ أي: ما كنا نعذبهم إلا من بعد البيان والحجة وقطع العذر، والله أعلم.

وفي مصحف أبي: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا بذنوب أهلها ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ ﴾ : قال بعضهم: ما تنزلت بالقرآن الشياطين، فذلك جواب لقول أهل مكة: إن محمدا كاهن معه رئيٌّ يأتيه بما يقول يعنون بالرئيِ: الشيطان، وكانت الشياطين من قبل يقعدون من السماء مقاعد يستمعون فيها الوحي من الملائكة، فينزلون به على الكهان فمن بين مصيب ومخطئ، فقالوا: محمد كذلك، فأكذبهم الله في مقالتهم تلك، فقال: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ﴾ أي بالقرآن ﴿ ٱلشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ ﴾ أن ينزلوا بالقرآن ﴿ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ، أي: قد حيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب، وأخبر أنهم عن السمع لمعزولون.

وفي قوله: ﴿ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ دلالة أن من أراد أن يجعل القرآن حجة لغير الذي جعل هو حجة، لم يقدر على النطق به ولا التلاوة؛ نحو: من يأتي أفقاً من آفاق الأرض لم ينته إليهم هذا القرآن، فادعى لنفسه النبوة وجعل يحتج بهذا القرآن، فإنه لا يقدر على تلاوته ولا النطق به؛ لأنه إنما جعل حجة وبرهاناً للمحق لا للمبطل حيث قال: وما تنزلت الشياطين وما ينبغي لهم أن ينزلوا وما يستطيعون ذلك وإنهم معزولون عن ذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن هذا القرآن المنزل على محمد  منزل من رب المخلوقات.

<div class="verse-tafsir" id="91.rZ6AK"

مزيد من التفاسير لسورة الشعراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله