الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ٢٢٤ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 96 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٢٤ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( والشعراء يتبعهم الغاوون ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني : الكفار ؛ يتبعهم ضلال الإنس والجن .
وكذا قال مجاهد ، رحمه الله ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيرهما .
وقال عكرمة : كان الشاعران يتهاجيان ، فينتصر لهذا فئام من الناس ، ولهذا فئام من الناس ، فأنزل الله : ( والشعراء يتبعهم الغاوون ) .
وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة ، حدثنا ليث ، عن ابن الهاد ، عن يحنس - مولى مصعب بن الزبير - عن أبي سعيد قال : بينما نحن نسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعرج ، إذ عرض شاعر ينشد ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " خذوا الشيطان - أو أمسكوا الشيطان - لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا " .
يقول تعالى ذكره: والشعراء يتبعهم أهل الغيّ لا أهل الرشاد والهدى.
واختلف أهل التأويل في الذين وصفوا بالغيّ في هذا الموضع فقال بعضهم: رواة الشعر.
* ذكر من قال ذلك: حدثني الحسن بن يزيد الطحان, قال: ثنا إسحاق بن منصور, قال: ثنا قيس, عن يعلى, عن عكرمة, عن ابن عباس; وحدثني أبو كُرَيب, قال: ثنا طلق بن غنام, عن قيس; وحدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن عطية, عن قيس, عن يعلى بن النعمان, عن عكرمة, عن ابن عباس: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) قال: الرواة.
وقال آخرون: هم الشياطين.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) : الشياطين.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: (يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) قال: يتبعهم الشياطين.
حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن, قالا ثنا سفيان, عن سلمة بن كهيل, عن عكرمة, في قوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) قال: عصاة الجنّ.
وقال آخرون: هم السفهاء, وقالوا: نـزل ذلك في رجلين تهاجيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ)...
إلى آخر الآية, قال: كان رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحدهما من الأنصار, والآخر من قوم آخرين, وأنهما تهاجيا, وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه, وهم السفهاء, فقال الله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ).
حدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) قال: كان رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحدهما من الأنصار, والآخر من قوم آخرين, تهاجيا, مع كل واحد منهما غواة من قومه, وهم السُّفهاء.
وقال آخرون: هم ضلال الجنّ والإنس.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) قال: هم الكفار يتبعهم ضلال الجنّ والإنس.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) قال: الغاوون المشركون.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال فيه ما قال الله جلّ ثناؤه: إن شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس, ومردة الشياطين, وعصاة الجنّ, وذلك أن الله عم بقوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) فلم يخصص بذلك بعض الغواة دون بعض, فذلك على جميع أصناف الغواة التي دخلت في عموم الآية.
قوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) يقول تعالى ذكره: ألم تر يا محمد أنهم, - يعني الشعراء - في كلّ واد يذهبون, كالهائم على وجهه على غير قصد, بل جائرا على الحقّ, وطريق, الرشاد, وقصد السبيل.
وإنما هذا مثل ضربه الله لهم في افتنانهم في الوجوه التي يفتنون فيها بغير حق, فيمدحون بالباطل قوما ويهجون آخرين كذلك بالكذب والزور.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
قوله تعالى : والشعراء يتبعهم الغاوون فيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : والشعراء جمع شاعر مثل جاهل وجهلاء ; قال ابن عباس : هم الكفار يتبعهم ضلال الجن والإنس .
وقيل ( الغاوون ) الزائلون عن الحق ، ودل بهذا أن الشعراء أيضا غاوون ; لأنهم لو لم يكونوا غاوين ما كان أتباعهم كذلك .
وقد قدمنا في سورة ( النور ) أن من الشعر ما يجوز إنشاده ، ويكره ، ويحرم .
روى مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال : ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال : هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء قلت : نعم .
قال هيه فأنشدته بيتا .
فقال هيه ثم أنشدته بيتا .
فقال هيه حتى أنشدته مائة بيت .
هكذا ، صواب هذا السند وصحيح روايته .
وقد وقع لبعض رواة كتاب مسلم : عن عمرو بن الشريد عن الشريد أبيه ; وهو وهم لأن الشريد هو الذي أردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
واسم أبي الشريد سويد .
وفي هذا دليل على حفظ الأشعار والاعتناء بها إذا تضمنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعا وطبعا ، وإنما استكثر النبي صلى الله عليه وسلم من شعر أمية لأنه كان حكيما ; ألا ترى قوله عليه السلام : وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم فأما ما تضمن ذكر الله وحمده والثناء عليه فذلك مندوب إليه ، كقول القائل :الحمد لله العلي المنان صار الثريد في رءوس العيدانأو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مدحه كقول العباس :[ ص: 135 ]من قبلها طبت في الظلال وفي مس تودع حيث يخصف الورقثم هبطت البلاد لا بشر أن ت ولا مضغة ولا علقبل نطفة تركب السفين وقد أل جم نسرا وأهله الغرقتنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبقفقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا يفضض الله فاك .
أو الذب عنه كقول حسان :هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاءوهي أبيات ذكرها مسلم في صحيحه وهي في السير أتم .
أو الصلاة عليه ، كما روى زيد بن أسلم : خرج عمر ليلة يحرس فرأى مصباحا في بيت ، وإذا عجوز تنفش صوفا وتقول :على محمد صلاة الأبرار صلى عليه الطيبون الأخيارقد كنت قواما بكا بالأسحار يا ليت شعري والمنايا أطوارهل يجمعني وحبيبي الداريعني النبي صلى الله عليه وسلم ; فجلس عمر يبكي .
وكذلك ذكر أصحابه ومدحهم رضي الله عنهم ; ولقد أحسن محمد بن سابق حيث قال :إني رضيت عليا للهدى علما كما رضيت عتيقا صاحب الغاروقد رضيت أبا حفص وشيعته وما رضيت بقتل الشيخ في الداركل الصحابة عندي قدوة علم فهل علي بهذا القول من عارإن كنت تعلم أني لا أحبهم إلا من أجلك فاعتقني من الناروقال آخر فأحسن :حب النبي رسول الله مفترض وحب أصحابه نور ببرهانمن كان يعلم أن الله خالقه لا يرمين أبا بكر ببهتانولا أبا حفص الفاروق صاحبه ولا الخليفة عثمان بن عفانأما علي فمشهور فضائله والبيت لا يستوي إلا بأركان[ ص: 136 ] قال ابن العربي : أما الاستعارات في التشبيهات فمأذون فيها وإن استغرقت الحد وتجاوزت المعتاد ; فبذلك يضرب الملك الموكل بالرؤيا المثل ، وقد أنشد كعب بن زهير النبي صلى الله عليه وسلم :بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبولوما سعاد غداة البين إذ رحلوا إلا أغن غضيض الطرف مكحولتجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت كأنه منهل بالراح معلولفجاء في هذه القصيدة من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع ، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ولا ينكر في تشبيهه ريقها بالراح .
وأنشد أبو بكر رضي الله عنه :فقدنا الوحي إذ وليت عنا وودعنا من الله الكلامسوى ما قد تركت لنا رهينا توارثه القراطيس الكرامفقد أورثتنا ميراث صدق عليك به التحية والسلامفإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعه وأبو بكر ينشده ، فهل للتقليد والاقتداء موضع أرفع من هذا .
قال أبو عمر : ولا ينكر الحسن من الشعر أحد من أهل العلم ولا من أولي النهى ، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر ، أو تمثل به أو سمعه فرضيه ما كان حكمة أو مباحا ، ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى ، فإذا كان كذلك فهو والمنثور من القول سواء لا يحل سماعه ولا قوله ; وروى أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول : أصدق كلمة - أو أشعر كلمة - قالتها العرب قول لبيد :ألا كل شيء ما خلا الله باطلأخرجه مسلم وزاد وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم وروي عن ابن سيرين أنه أنشد شعرا فقال له بعض جلسائه : مثلك ينشد الشعر يا أبا بكر .
فقال : ويلك يا لكع !
وهل الشعر إلا كلام لا يخالف سائر الكلام إلا في القوافي ، فحسنه حسن وقبيحه قبيح !
قال : وقد كانوا يتذاكرون الشعر .
قال : وسمعت ابن عمر ينشد :يحب الخمر من مال الندامى ويكره أن يفارقه الغلوس[ ص: 137 ] وكان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة العشرة ثم المشيخة السبعة شاعرا مجيدا مقدما فيه .
وللزبير بن بكار القاضي في أشعاره كتاب ، وكانت له زوجة حسنة تسمى عثمة فعتب عليها في بعض الأمر فطلقها ، وله فيها أشعار كثيرة ; منها قوله :تغلغل حب عثمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسيرتغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرورأكاد إذا ذكرت العهد منها أطير لو أن إنسانا يطيروقال ابن شهاب : قلت له تقول الشعر في نسكك وفضلك !
فقال : إن المصدور إذا نفث برأ .الثانية : وأما الشعر المذموم الذي لا يحل سماعه وصاحبه ملوم ، فهو المتكلم بالباطل حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة ، وأشحهم على حاتم ، وأن يبهتوا البريء ويفسقوا التقي ، وأن يفرطوا في القول بما لم يفعله المرء ; رغبة في تسلية النفس وتحسين القول ; كما روي عن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله :فبتن بجانبي مصرعات وبت أفض أغلاق الختامفقال : قد وجب عليك الحد .
فقال : يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحد بقوله : وأنهم يقولون ما لا يفعلون .
وروي أن النعمان بن عدي بن نضلة كان عاملا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال :من مبلغ الحسناء أن حليلها بميسان يسقى في زجاج وحنتمإذا شئت غنتني دهاقين قرية ورقاصة تجذو على كل منسمفإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني .
ولا تسقني بالأصغر المتثلملعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدمفبلغ ذلك عمر فأرسل إليه بالقدوم عليه .
وقال : إي والله إني ليسوءني ذلك .
فقال : يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئا مما قلت ; وإنما كانت فضلة من القول ، وقد قال الله تعالى : والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون فقال له عمر : أما عذرك فقد درأ عنك الحد ; ولكن لا تعمل لي عملا أبدا وقد قلت ما [ ص: 138 ] قلت .
وذكر الزبير بن بكار قال : حدثني مصعب بن عثمان أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة لم يكن له هم إلا عمر بن أبي ربيعة والأحوص فكتب إلى عامله على المدينة : إني قد عرفت عمر والأحوص بالشر والخبث فإذا أتاك كتابي هذا فاشدد عليهما واحملهما إلي .
فلما أتاه الكتاب حملهما إليه ، فأقبل على عمر ، فقال : هيه !فلم أر كالتجمير منظر ناظر ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوىوكم مالئ عينيه من شيء غيره .
إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمىأما والله لو اهتممت بحجك لم تنظر إلى شيء غيرك ; فإذا لم يفلت الناس منك في هذه الأيام فمتى يفلتون !
ثم أمر بنفيه .
فقال : يا أمير المؤمنين !
أوخير من ذلك ؟
فقال : ما هو ؟
قال : أعاهد الله أني لا أعود إلى مثل هذا الشعر ، ولا أذكر النساء في شعر أبدا ، وأجدد توبة ، فقال : أوتفعل ؟
قال : نعم ، فعاهد الله على توبته وخلاه ; ثم دعا بالأحوص ، فقال هيه !الله بيني وبين قيمها يفر مني بها وأتبعبل الله بين قيمها وبينك !
ثم أمر بنفيه ; فكلمه فيه رجال من الأنصار فأبى ، وقال : والله لا أرده ما كان لي سلطان ، فإنه فاسق مجاهر .
فهذا حكم الشعر المذموم وحكم صاحبه ، فلا يحل سماعه ولا إنشاده في مسجد ولا غيره ، كمنثور الكلام القبيح ونحوه .
وروى إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حسن الشعر كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام رواه إسماعيل عن عبد الله الشامي وحديثه عن أهل الشام صحيح فيما قال يحيى بن معين وغيره .
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام .[ ص: 139 ] الثالثة : روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا وفي الصحيح أيضا عن أبي سعيد الخدري قال : بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذوا الشيطان - أو : أمسكوا الشيطان - لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا قال علماؤنا : وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا مع هذا الشاعر لما علم من حاله ، فلعل هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله أنه قد اتخذ الشعر طريقا للتكسب ، فيفرط في المدح إذا أعطي ، وفي الهجو والذم إذا منع ، فيؤذي الناس في أموالهم وأعراضهم .
ولا خلاف في أن من كان على مثل هذه الحالة فكل ما يكتسبه بالشعر حرام .
وكل ما يقوله من ذلك حرام عليه ، ولا يحل الإصغاء إليه ، بل يجب الإنكار عليه ، فإن لم يمكن ذلك لمن خاف من لسانه قطعا ; تعين عليه أن يداريه بما استطاع ، ويدافعه بما أمكن ، ولا يحل له أن يعطي شيئا ابتداء ، لأن ذلك عون على المعصية ، فإن لم يجد من ذلك بدا أعطاه بنية وقاية العرض ; فما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة .
قلت : قوله : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه القيح المدة يخالطها دم .
يقال منه : قاح الجرح يقيح وتقيح وقيح .
و ( يريه ) قال الأصمعي : هو من الوري على مثال الرمي وهو أن يدوى جوفه ، يقال منه : رجل موري ، مشدد غير مهموز .
وفي الصحاح : وري القيح جوفه يريه وريا : إذا أكله .
وأنشد اليزيدي :قالت له وريا إذا تنحنحاوهذا الحديث أحسن ما قيل في تأويله : إنه الذي قد غلب عليه الشعر ، وامتلأ صدره منه دون علم سواه ولا شيء من الذكر ، ممن يخوض به في الباطل ، ويسلك به مسالك لا تحمد له ، كالمكثر من اللغط والهذر والغيبة وقبيح القول .
ومن كان الغالب عليه الشعر لزمته هذه [ ص: 140 ] الأوصاف المذمومة الدنية ، لحكم العادة الأدبية .
وهذا المعنى هو الذي أشار إليه البخاري في صحيحه لما بوب على هذا الحديث ( باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر ) .
وقد قيل في تأويله : إن المراد بذلك الشعر الذي هجي به النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره .
وهذا ليس بشيء ; لأن القليل من هجو النبي صلى الله عليه وسلم وكثيره سواء في أنه كفر ومذموم ، وكذلك هجو غير النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين محرم قليله وكثيره ، وحينئذ لا يكون لتخصيص الذم بالكثير معنى .الرابعة : قال الشافعي : الشعر نوع من الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام ، يعني أن الشعر ليس يكره لذاته وإنما يكره لمضمناته ، وقد كان عند العرب عظيم الموقع .
قال الأول منهم :وجرح اللسان كجرح اليدوقال النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر الذي يرد به حسان على المشركين : إنه لأسرع فيهم من رشق النبل أخرجه مسلم .
وروى الترمذي وصححه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه ويقول :خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيلهضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليلهفقال عمر : يا ابن رواحة !
في حرم الله وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم !
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خل عنه يا عمر فلهو أسرع فيهم من نضح النبل .الخامسة : قوله تعالى : والشعراء يتبعهم الغاوون لم يختلف القراء في رفع ( والشعراء ) فيما علمت .
ويجوز النصب على إضمار فعل يفسره " يتبعهم " وبه قرأ عيسى بن عمر ; قال أبو عبيد : كان الغالب عليه حب النصب ; قرأ والسارق والسارقة و حمالة الحطب و سورة أنزلناها .
وقرأ نافع وشيبة والحسن والسلمي : ( يتبعهم ) مخففا .
الباقون " يتبعهم " .
وقال الضحاك : تهاجى رجلان أحدهما أنصاري والآخر مهاجري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل واحد غواة قومه وهم السفهاء فنزلت ; وقاله ابن عباس .
وعنه هم الرواة للشعر .
وروى عنه علي بن أبي طلحة أنهم هم الكفار يتبعهم ضلال الجن والإنس ; وقد ذكرناه .
وروى غضيف عن النبي صلى الله عليه وسلم : من أحدث هجاء في الإسلام فاقطعوا لسانه وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما افتتح مكة رن إبليس رنة وجمع إليه ذريته ; فقال ايئسوا أن تريدوا أمة محمد على الشرك بعد يومكم هذا ولكن أفشوا فيهما - يعني مكة والمدينة - الشعر .
فلما نزهه عن نزول الشياطين عليه, برَّأه أيضا من الشعر فقال: ( وَالشُّعَرَاءُ ) أي: هل أنبئكم أيضا عن حالة الشعراء, ووصفهم الثابت، فإنهم ( يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) عن طريق الهدى, المقبلون على طريق الغي والردى، فهم في أنفسهم غاوون, وتجد أتباعهم كل غاو ضال فاسد.
( والشعراء يتبعهم الغاوون ) قال أهل التفسير : أراد شعراء الكفار الذين كانوا يهجون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذكر مقاتل أسماءهم ، فقال : منهم عبد الله بن الزبعرى السهمي ، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي ، ومشافع بن عبد مناف .
وأبو عزة بن عبد الله الجمحي ، وأمية بن أبي الصلت الثقفي ، تكلموا بالكذب وبالباطل ، وقالوا : نحن نقول مثل ما يقول محمد .
وقالوا الشعر ، واجتمع إليهم غواة من قومهم يستمعون أشعارهم حين يهجون النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، ويروون عنهم وذلك .
قوله : ) والشعراء يتبعهم الغاوون ( هم الرواة الذين يروون هجاء [ النبي صلى الله عليه وسلم و المسلمين .
وقال قتادة ومجاهد : الغاوون هم الشياطين .
وقال الضحاك : تهاجى رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما من الأنصار والآخر من قوم آخرين ، ومع كل واحد منهما غواة من قومه ، وهم السفهاء فنزلت هذه الآية .
وهي رواية عطية عن ابن عباس .
«والشعراء يتبعهم الغاوون» في شعرهم فيقولن به ويرونه عنهم فهم مذمومون.
والشعراء يقوم شعرهم على الباطل والكذب، ويجاريهم الضالون الزائغون مِن أمثالهم.
ألم تر - أيها النبي - أنهم يذهبون كالهائم على وجهه، يخوضون في كل فن مِن فنون الكذب والزور وتمزيق الأعراض والطعن في الأنساب وتجريح النساء العفائف، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، يبالغون في مدح أهل الباطل، وينتقصون أهل الحق؟
وقوله - سبحانه - : ( والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون ) إبطال لشبهة أخرى من شبهاتهم وهى زعمهم أنه صلى الله عليه وسلم شاعر .والشعراء : جمع شاعر كعالم وعلماء .
والغاوون : جمع غاو وهو الضال عن طريق الحق .أى : ومن شأن الشعراء أن الذين يتبعونهم من البشر ، هم الضالون عن الصراط المستقيم ، وعن جادة الحق والصواب .
اعلم أن الكفار لما قالوا: لم لا يجوز أن يقال إن الشياطين تنزل بالقرآن على محمد كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة وبالشعر على الشعراء؟
ثم إنه سبحانه فرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الكهنة، فذكر هاهنا ما يدل على الفرق بينه عليه السلام وبين الشعراء، وذلك هو أن الشعراء يتبعهم الغاوون، أي الضالون، ثم بين تلك الغواية بأمرين: الأول: ﴿ أَنَّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴾ والمراد منه الطرق المختلفة كقولك أنا في واد وأنت في واد، وذلك لأنهم قد يمدحون الشيء بعد أن ذموه وبالعكس، وقد يعظمونه بعد أن استحقروه وبالعكس، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون بشعرهم الحق ولا الصدق بخلاف أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه من أول أمره إلى آخره بقي على طريق واحد وهو الدعوة إلى الله تعالى والترغيب في الآخرة والإعراض عن الدنيا الثاني: ﴿ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ﴾ وذلك أيضاً من علامات الغواة، فإنهم يرغبون في الجود ويرغبون عنه، وينفرون عن البخل ويصرون عليه، ويقدحون في الناس بأدنى شيء صدر عن واحد من أسلافهم، ثم إنهم لا يرتكبون إلا الفواحش، وذلك يدل على الغواية والضلالة.
وأما محمد صلى الله عليه وسلم فإنه بدأ بنفسه حيث قال الله تعالى له: ﴿ فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين ﴾ ثم بالأقرب فالأقرب حيث قال الله تعالى له: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين ﴾ وكل ذلك على خلاف طريقة الشعراء، فقد ظهر بهذا الذي بيناه أن حال محمد صلى الله عليه وسلم ما كان يشبه حال الشعراء، ثم إن الله تعالى لما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة بياناً لهذا الفرق استثنى عنهم الموصوفين بأمور أربعة: أحدها: الإيمان وهو قوله: ﴿ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ ﴾ .
وثانيها: العمل الصالح وهو قوله: ﴿ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ .
وثالثها: أن يكون شعرهم في التوحيد والنبوة ودعوة الخلق إلى الحق، وهو قوله: ﴿ وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً ﴾ .
ورابعها: أن لا يذكروا هجو أحد إلا على سبيل الانتصار ممن يهجوهم، وهو قوله: ﴿ وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ﴾ قال الله تعالى: ﴿ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ ثم إن الشرط فيه ترك الاعتداء لقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ ﴾ وقيل المراد بهذا الاستثناء عبدالله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير لأنهم كانوا يهجون قريشاً، وعن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «اهجهم، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل».
وكان يقول لحسان بن ثابت: «قل وروح القدس معك».
فأما قوله تعالى: ﴿ وَسَيَعْلَمْ الذين ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾ فالذي عندي فيه والله أعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة ما يزيل الحزن عن قلب رسوله صلى الله عليه وسلم من الدلائل العقلية، ومن أخبار الأنبياء المتقدمين، ثم ذكر الدلائل على نبوته عليه السلام، ثم ذكر سؤال المشركين في تسميتهم محمداً صلى الله عليه وسلم تارة بالكاهن، وتارة بالشاعر، ثم إنه تعالى بين الفرق بينه وبين الكاهن أولاً ثم بين الفرق بينه وبين الشاعر ثانياً ختم السورة بهذا التهديد العظيم، يعني إن الذين ظلموا أنفسهم وأعرضوا عن تدبر هذه الآيات، والتأمل في هذه البينات فإنهم سيعلمون بعد ذلك أي منقلب ينقلبون وقال الجمهور: المراد منه الزجر عن الطريقة التي وصف الله بها هؤلاء الشعراء، والأول أقرب إلى نظم السورة من أولها إلى آخرها، والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه أجمعين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿ والشعراء ﴾ مبتدأ.
و ﴿ يَتَّبِعُهُمُ الغاوون ﴾ خبره: ومعناه: أنه لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم وما هم عليه من الهجاء وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، والنسيب بالحرم والغزل والابتهار، ومدح من لا يستحق المدح، ولا يستحسن ذلك منهم ولا يطرب على قولهم إلا الغاوون والسفهاء والشطار.
وقيل: الغاوون: الراوون.
وقيل: الشياطين، وقيل: هم شعراء قريش: عبد الله بن الزبعري، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومسافع بن عبد مناف، وأبو عزة الجمحيّ.
ومن ثقيف: أمية ابن أبي الصلت.
قالوا: نحن نقول مثل قول محمد وكانوا يهجونه، ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أشعارهم وأهاجيهم وقرأ عيسى بن عمر: والشعراء، بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر.
قال أبو عبيد: كان الغالب عليه حبّ النصب.
قرأ: ﴿ حَمَّالَةَ الحطب ﴾ [المسد: 4] ﴿ والسارق والسارقة ﴾ [المائدة: 38] و ﴿ سُورَةٌ أنزلناها ﴾ [النور: 1] وقرئ: ﴿ يتبعهم ﴾ ، على التخفيف.
ويتبعهم، بسكون العين تشبيهاً (لبعه بعضد).
ذكر الوادي والهيوم: فيه تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق ومجاوزة حدّ القصد فيه، حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحهم على حاتم، وأن يبهتوا البريّ، ويفسقوا التقي.
وعن الفرزدق: أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: فَبِتْنَ بِجَانِبَيَّ مُصَرَّعَاتٍ ** وَبِتُّ أُفضُّ أَغْلاَقَ الْخِتَامِ فقال: قد وجب عليك الحدّ، فقال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحدّ بقوله: ﴿ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ وأتْباعُ مُحَمَّدٍ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وهو اسْتِئْنافٌ أبْطَلَ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شاعِرًا وقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ﴾ لِأنَّ أكْثَرَ مُقَدِّماتِهِمْ خَيالاتٌ لا حَقِيقَةَ لَها، وأغْلَبُ كَلِماتِهِمْ في النَّسِيبِ بِالحُرُمِ والغَزَلِ والِابْتِهارِ وتَمْزِيقِ الأعْراضِ والقَدْحِ في الأنْسابِ والوَعْدِ الكاذِبِ والِافْتِخارِ الباطِلِ ومَدْحِ مَن لا يَسْتَحِقُّهُ والإطْراءِ فِيهِ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ﴾ وكَأنَّهُ لَمّا كانَ إعْجازُ القُرْآنِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى، وقَدْ قَدَحُوا في المَعْنى بِأنَّهُ مِمّا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، وفي اللَّفْظِ بِأنَّهُ مِن جِنْسِ كَلامِ الشُّعَراءِ تَكَلَّمَ في القِسْمَيْنِ وبَيَّنَ مُنافاةَ القُرْآنِ لَهُما ومُضادَّةَ حالِ الرَّسُولِ لِحالِ أرْبابِهِما.
وقَرَأ نافِعٌ ﴿ يَتَّبِعُهُمُ ﴾ عَلى التَّخْفِيفِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ وتَسْكِينِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِبَعْضِهِ بَعْضًا.
<div class="verse-tafsir"
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)
{والشعراء} مبتدأ خبره {يَتَّبِعُهُمُ الغاوون} أي لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وتمزيق الأعراض والقدح في الانسان ومدح من لا يستحق المدح ولا يستحسن ذلك منهم إلا
الشعراء (٢٢٧ - ٢٢٥)
الغاوون أي السفهاء أو الراوون أو الشياطين أو المشركون قال الزجاج إذا مدح أو هجا شاعر بما لا يكون وأحب ذلك قوم وتابعوه فهم الغاوون يتبعهم نافع
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ مَسُوقٌ لِتَنْزِيهِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا - عَنْ أنْ يَكُونَ - وحاشاهُ - مِنَ الشُّعَراءِ، وإبْطالِ زَعْمِ الكَفَرَةِ أنَّ القُرْآنَ مِن قَبِيلِ الشِّعْرِ.
والمُتَبادَرُ مِنهُ الكَلامُ المَنظُومُ المُقَفّى، ولِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهم رَمَوْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِكَوْنِهِ آتِيًا بِشِعْرٍ مَنظُومٍ مُقَفًّى حَتّى تَأوَّلُوا عَلَيْهِ ما جاءَ في القُرْآنِ مِمّا يَكُونُ مَوْزُونًا بِأدْنى تَصَرُّفٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ ويَكُونُ بِهَذا الِاعْتِبارِ شَطْرًا مِنَ الطَّوِيلِ، وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى ﴾ ويَكُونُ مِنَ المَدِيدِ، وكَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ ﴾ ويَكُونُ مِنَ البَسِيطِ، وقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴾ ويَكُونُ مِنَ الوافِرِ، وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ ويَكُونُ مِنَ الكامِلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اسْتَخْرَجُوهُ مِنهُ مِن سائِرِ البُحُورِ، وقَدِ اسْتَخْرَجُوا مِنهُ ما يُشْبِهُ البَيْتَ التّامَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾ .
وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا هَذا المَقْصِدَ فِيما رَمَوْهُ بِهِ إذْ لا يَخْفى عَلى الأغْبِياءِ مِنَ العَجَمِ - فَضْلًا عَنْ بُلَغاءِ العَرَبِ - أنَّ القُرْآنَ الَّذِي جاءَ بِهِ لَيْسَ عَلى أسالِيبِ الشِّعْرِ، وهم ما قالُوا فِيهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شاعِرٌ إلّا لَمّا جاءَهم بِالقُرْآنِ، واسْتِخْراجُ ما ذُكِرَ ونَحْوُهُ مِنهُ لَيْسَ إلّا لِمَزِيدِ فَصاحَتِهِ وسَلاسَتِهِ ولَمْ يُؤْتَ بِهِ لِقَصْدِ النَّظْمِ.
ولَوِ اعْتُبِرَ في كَوْنِ الكَلامِ شِعْرًا إمْكانُ اسْتِخْراجِ كَلامٍ مَنظُومٍ مِنهُ لَكانَ كَثِيرٌ مِنَ الأطْفالِ شُعَراءَ؛ فَإنَّ كَثِيرًا مِن كَلامِهِمْ يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّهم إنَّما قَصَدُوا رَمْيَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنَّهُ - وحاشاهُ ثُمَّ حاشاهُ - يَأْتِي بِكَلامٍ مُخَيَّلٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ غالِبًا في الشُّعَراءِ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالمَنظُومِ مِنَ الكَلامِ عَبَّرُوا عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِشاعِرٍ، وعَمّا جاءَ بِهِ بِالشِّعْرِ، ومَعْنى الآيَةِ: والشُّعَراءُ يُجارِيهِمْ ويَسْلُكُ مَسْلَكَهم ويَكُونُ مِن جُمْلَتِهِمُ الغاوُونَ الضّالُّونَ عَنِ السُّنَنِ، الحائِرُونَ فِيما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، ولا يَسْتَمِرُّونَ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ في الأفْعالِ والأقْوالِ والأحْوالِ، لا غَيْرُهم مِن أهْلِ الرُّشْدِ المُهْتَدِينَ إلى طَرِيقِ الحَقِّ الثّابِتِينَ عَلَيْهِ.
والحَصْرُ مُسْتَفادٌ مِن بِناءِ ﴿ يَتَّبِعُهُمُ ﴾ إلَخْ عَلى الشُّعَراءِ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ، كَما قَرَّرَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ ومَن لا يَرى الحَصْرَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ يَأْخُذُهُ مِنَ الوَصْفِ المُناسِبِ، أعْنِي أنَّ الغَوايَةَ جُعِلَتْ عِلَّةً لِلِاتِّباعِ فَإذا انْتَفَتِ انْتَفى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ يعني: هل أخبركم عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ هذا موصول بقوله: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يعني: كذاب صاحب الإثم، فاجر القلب.
الأفاك: الكذاب، والأثيم: الفاجر، يعني به: كهنة الكفار يُلْقُونَ السَّمْعَ يعني: يلقون بآذانهم إلى السمع من السماء لكلام الملائكة عليهم السلام وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ يعني: حين يخبرون الكهنة.
وروى معمر عن الزهري عن عائشة ا أنها قالت: «الشياطين تسترق السمع، فتجيء بكلمة حق، فتقذفها في أذن وليها، فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة» .
وهذا كان قبل أن يحجبوا من السماء.
ثم قال عز وجل: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ قال قتادة ومجاهد: يتبعهم الشياطين.
وقال في رواية الكلبي: الغاوون هم الرواة الذين كانوا يروون هجاء النبي وأصحابه.
ويقال: الْغاوُونَ هم الضالون.
ويقال: شعراء الكفار كانوا يهجون رسول الله فيتبعهم الكفار.
ثم قال عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ يعني: في كل وجه وفن يذهبون ويخوضون، يأخذون مرة يذمون، ومرة يمدحون، وذكر عن القتبي أنه قال: فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ من القول، وفي كل مذهب يذهبون كما تذهب البهائم على وجهها.
وقال غيره: هام الرجل والبعير، إذا مضى على وجهه، لا يدري أن يذهب، فكذلك الشاعر يأخذ كلامه لا يدري أين ينتهي.
قرأ نافع وحده يَتَّبِعُهُمُ بجزم التاء، والتخفيف، وقرأ الباقون يَتَّبِعُهُمُ بنصب التاء والتشديد، وهما بمعنى واحد: يتبعهم، ويتبعهم.
ثم قال: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ يعني: أن الشعراء يقولون قد فعلنا كذا وكذا، وقلنا كذا، فيمدحون بذلك أنفسهم وهم كذبة.
ثم استثنى شعراء المسلمين حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك م، فقال عز وجل: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً يعني: ذكروا الله في أشعارهم.
ويقال: وذكروا الله عز وجل في الأحوال كلها وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا يعني: انتصر شعراء المسلمين من شعراء الكافرين، فكافؤوهم والبادئ أظلم.
ويقال: انتصروا من أهل مكة من بعد ما أخرجوا، لأن الحرب تكون بالسيف وباللسان، فأذن القتال بالشعر، كما أذن بالسيف، إذ فيه قهرهم.
ثم أوعد شعراء الكافرين فقال تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: الذين هجوا المسلمين أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ يعني: أي مرجع يرجعون إليه في الآخرة، يعني: إلى الخسران والنار.
ويقال: هاتان الآيتان مدنيتان، وذكر أنه لما نزل وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ جاء عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وهما يبكيان فقرأ رسول الله وَالشُّعَراءُ إلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فقال: «هذا أنتم» وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا أنتم.
وروي عن عكرمة قال عن ابن عباس أن النبيّ قال: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً، وَإِنَّ مِنَ الشُّعَرَاءِ لَحُكَمَاءَ» (١) (٢) (١) حديث ابن عباس: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» أخرجه الترمذي (2845) وأبو داود (5011) وابن ماجة (3756) وأحمد 1/ 269، 272.
وحديث أبي بن كعب عند أحمد 5/ 125 والبخاري (6145) وحديث ابن عباس «إن من البيان سحرا وإنّ من الشعر حكما، عند الترمذي (2845) والطيالسي (2670) وأحمد 1/ 303، 309.
(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .
الصلاة، أي: صلاتك مع المصلّين.
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)
وقوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ أي: قل لهم يا محمد: هل أخبركم عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ؟
والأَفَّاكُ: الكَذَّابُ، والأثيم: الكثير الإِثم، ويريد الكهنة لأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ مِنَ الشَّيَاطِينِ الكَلِمَةَ الوَاحِدَةَ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ، حَسْبَمَا جاء في الحديثِ «١» ، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع، والضمير في يُلْقُونَ يحتمل أنْ يكون للشياطين، ويحتمل أنْ يكون للكهنة، ولما ذكر الكهنة بإفكهم وحالهم التي تقتضي نفي كلامهم عن كلام الله تعالى- عقب ذلك بذكر الشعراء وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن، إذ قال بعض الكفرة في القرآن: أنه شعر، والمراد شعراء الجاهلية، ويدخل في الآية كل شاعر مخلط يهجو ويمدح شهوة، ويقدف المحصنات، ويقول الزور.
وقوله: الْغاوُونَ قال ابن عباس: هم المستحسنون «٢» لأشعارهم، المصاحبون لهم.
وقال عِكْرَمةُ: هم الرَّعَاعُ الذين يتبعون الشاعر ويغتنمون إنشاده «٣» .
وقوله: فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ عبارة عن تخليطهم وخوضهم في كل فن من غث الكلام وباطله قاله ابن عباس «٤» وغيره، وروى جابرُ بنُ عبدِ اللهِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم أنَّه قال:
«مَنْ مَشَى سَبْعَ خُطْوَاتٍ في شِعْرٍ، كُتِبَ مِنَ الغاوِينَ» ذكره أسدُ بنَ موسى، وذكره النقاش.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ: " يُتْبِعُهم " بِسُكُونِ التّاءِ؛ والوَجْهانِ حَسَنانِ، يُقالُ: تَبِعْتُ واتَّبَعْتُ، مِثْلُ حَقَّرْتُ واحْتَقَرْتُ.
وَرَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ رَجُلانِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ تَهاجَيا، فَكانَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما غُواةٌ مِن قَوْمِهِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ .
وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هم شُعَراءُ المُشْرِكِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزَّبَعْرى، وأبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وهُبَيْرَةُ ابْنُ أبِي وهْبٍ المَخْزُومِيُّ في آَخَرِينَ، قالُوا: نَحْنُ نَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وقالُوا الشِّعْرَ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِمْ غُواةٌ مِن قَوْمِهِمْ يَسْتَمِعُونَ أشْعارَهم ويَرْوُونَ عَنْهم.
وَفِي الغاوِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: السُّفَهاءُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ﴾ هَذا مَثَلٌ بِمَن يَهِيمُ في الأوْدِيَةِ؛ والمَعْنى أنَّهم يَأْخُذُونَ في كُلِّ فَنٍّ مِن لَغْوٍ وكَذِبٍ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَيَمْدَحُونَ بِباطِلٍ ويَذُمُّونَ بِباطِلٍ، ويَقُولُونَ: فَعَلْنا، ولَمْ يَفْعَلُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «لَمّا نَزَلَ ذَمُّ الشُّعَراءِ، جاءَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنْزَلَ اللَّهُ هَذا وهو يَعْلَمُ أنّا شُعَراءُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا الِاسْتِثْناءُ لِشُعَراءِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَدَحُوا رَسُولَ اللَّهِ وذَمُّوا مِن هِجاءٍ، ﴿ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ أيْ: لَمْ يَشْغَلْهُمُ الشِّعْرُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ولَمْ يَجْعَلُوا الشِّعْرَ هَمَّهم.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وذَكَرُوا اللَّهَ في شِعْرِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ: الشِّعْرُ في طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وانْتَصَرُوا ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ لِأنَّ المُشْرِكِينَ بَدَؤُوا بِالهِجاءِ.
ثُمَّ أوْعَدَ شُعَراءَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ: أشْرَكُوا وهَجَوْا رَسُولَ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ ﴿ أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " أيَّ " مَنصُوبَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ يَنْقَلِبُونَ ﴾ لا بِقَوْلِهِ: " سَيَعْلَمُ " لِأنَّ " أيًّا " وسائِرَ أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها.
ومَعْنى الكَلامِ: إنَّهم يَنْقَلِبُونَ إلى نارٍ يُخَلَّدُونَ فِيها.
وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو رَجاءٍ: " أيَّ مُتَقَلِّبٍ يَتَقَلَّبُونَ " بِتاءَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وبِقافَيْنِ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما نُقْطَتانِ وتَشْدِيدِ اللّامِ فِيهِما.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " أيَّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُونَ " بِالفاءِ فِيهِما وبِنُونَيْنِ ساكِنَيْنِ وبِتاءَيْنِ.
وكانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ: سَيَعْلَمُ الظّالِمُونَ حَظَّ مَن نَقَصُوا، إنَّ الظّالِمَ يَنْتَظِرُ العِقابَ، وإنَّ المَظْلُومَ يَنْتَظِرُ النَّصْرَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَحِيمِ ﴾ ﴿ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ ﴿ وَتَقَلُّبَكَ في الساجِدِينَ ﴾ ﴿ إنَّهُ هو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَياطِينُ ﴾ ﴿ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ ﴾ ﴿ يُلْقُونَ السَمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ ﴾ ﴿ والشُعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ﴾ ﴿ وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "فَتُوَكَّلُ" بِالفاءِ، وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، والجُمْهُورُ بِالواوِ، وكَذَلِكَ في سائِرِ المَصاحِفِ، وأمَرَهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ في كُلِّ أمْرِهِ، ثُمَّ جاءَ بِالصِفاتِ الَّتِي تُؤْنِسُ المُتَوَكِّلَ، وهي العِزَّةُ والرَحْمَةُ المَذْكُورَتانِ في أواخِرَ قِصَصِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُورَةِ وضَمَّنَها نَصْرَ كُلِّ نَبِيٍّ عَلى الكَفَرَةِ، والتَهَمُّمِ بِأمْرِهِ والنَظَرِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ عِبارَةٌ عن إدْراكٍ، وظاهِرُ الآيَةِ أرادَ قِيامَ الصَلاةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ يُرِيدُ سائِرَ التَصَرُّفاتِ، وهو تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي الساجِدِينَ ﴾ أيْ: في أهْلِ الصَلاةِ، أيْ صَلاتُكَ مَعَ المُصَلِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما، وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: تَقْلِيبُ أعْيُنِكَ وأبْصارِكَ الساجِدِينَ حِينَ تَراهم مِن وراءِ ظَهْرِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَعْنًى أجْنَبِيٌّ هُنا،.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا وقَتادَةُ: أرادَ: تَقَلُّبَكَ في المُؤْمِنِينَ، فَعَبَّرَ عنهم بِالساجِدِينَ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ الأنْبِياءَ: أيْ: تَقْلِبُكَ كَما تَقْلِبُ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَياطِينُ ﴾ ، هُنا اسْتِفْهامٌ وتَوْقِيفُ تَقْرِيرٍ، و"الأفّاكُ": الكَذّابُ، و"الأثِيمُ": الآثِمْ، ويُرِيدُ الكَهَنَةَ لِأنَّهم كانُوا يَتَلَقَّوْنَ مِنَ الشَياطِينِ الكَلِمَةَ الواحِدَةَ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَماءِ فَيَخْلِطُونَ مَعَها مِائَةَ كِذْبَةٍ، فَإذا صَدَقَتْ تِلْكَ الكَلِمَةُ كانَتْ سَبَبَ ضَلالَةٍ لِمَن سَمِعَها.
وقَوْلُهُ: "يُلْقُونَ" يَعْنِي الشَياطِينَ، ومُقْتَضى ذَلِكَ أنَّ الشَيْطانَ المُسْتَرِقَ أيْضًا كانَ يَكْذِبُ إلى ما سَمِعَ، هَذا في الأكْثَرِ، ويُحْتَمَلُ الضَمِيرُ في "يُلْقُونَ" -أيْ يَكْذِبُونَ- لِلْكَهَنَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ الكَهَنَةَ بِإفْكِهِمْ وكَذِبِهِمُ الَّذِي يَقْتَضِي نَفْيَ كَلامِهِمْ عن كَلامِ اللهِ تَعالى عَقَّبَ ذَلِكَ بِذَكَرِ الشُعَراءُ وحالِهِمْ لِيُنَبِّهَ عَلى بُعْدِ كَلامِهِمْ مِن كَلامِ اللهِ تَعالى في القُرْآنِ، إذْ قالَ في القُرْآنِ بَعْضُ الكَفَرَةِ: إنَّهُ شِعْرٌ، وهَذِهِ الكِنايَةُ عن شِعْرِ الجاهِلِيَّةِ، حَكى النَقّاشُ عَنِ السُدِّيِّ أنَّها في ابْنِ الزِبَعْرى، وأبِي سُفْيانَ بْنِ الحَرْثِ، وهُبَيْرَةَ بْنِ أبِي وهْبٍ، ومُسافِعُ الجُمَحِيِّ، وأبِي عَزَّةَ، وأُمِّيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلانِ مِمَّنْ تابَ وآمَنَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَدْخُلُ في الآيَةِ كُلُّ شاعِرٍ مُخْلِطٍ يَهْجُو أو يَمْدَحُ شَهْوَةً، ويَقْذِفُ المُحْصَناتِ، ويَقُولُ الزُورَ.
وقَرَأ نافِعٌ "يَتْبَعُهُمْ" بِسُكُونِ التاءِ وفَتْحِ الباءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ اللهِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ-، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّ التاءِ وكَسْرِ الباءِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ: "الغاوُونَ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ الرُواةُ، وقالَ أيْضًا: هُمُ المُسْتَحْسِنُونَ لِأشْعارِهِمُ، المُصاحِبُونَ لَهُمْ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هُمُ الرِعاعُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشاعِرَ، وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: "الغاوُونَ": الشَياطِينُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ﴾ عِبارَةٌ عن تَخْلِيطِهِمْ وخَوْضِهِمْ في كُلِّ فَنٍّ مِن غَثِّ الكَلامِ وباطِلِهِ، وتَحْسِينِهِمُ القَبِيحَ وتَقْبِيحِهِمُ الحَسَنَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ﴾ ذَكَرَ لِتَعاطِيهِمْ وتَعَمُّقِهِمْ في مَجازِ الكَلامِ حَتّى يَؤُوَّلَ إلى الكَذِبِ، ولَكِنْ في هَذا اللَفْظِ عُذْرٌ لِبَعْضِهِمْ أحْيانًا، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّ النُعْمانَ بْنَ عَدِيٍّ لَمّا ولّاهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَيَسانَ، وقالَ لِزَوْجَتِهِ الشِعْرَ المَشْهُورَ عَزَلَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ﴾ فَدَرَأ عنهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ الحَدَّ في الخَمْرِ.
ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: «مَن مَشى سَبْعَ خُطُواتٍ في شِعْرٍ كُتِبَ مِنَ الغاوِينَ»، ذَكَرَهُ أسَدُ بْنُ مُوسى، وذَكَرَهُ النَقّاشُ.
<div class="verse-tafsir"
كان مما حوته كِنانةُ بهتان المشركين أن قالوا في النبي صلى الله عليه وسلم هو شاعر، فلما نَثلَتْ الآيات السابقة سِهام كنانتهم وكسرتها وكان منها قولهم: هو كاهن، لم يبق إلا إبطالُ قولهم: هو شاعر، وكان بين الكهانة والشعر جامع في خيال المشركين إذ كانوا يزعمون أن للشاعر شيطاناً يملي عليه الشعر وربما سموه الرَّئِيّ، فناسب أن يقارَن بين تزييف قولهم في القرآن: هو شعر، وقولهم في النبي صلى الله عليه وسلم هو شاعر، وبين قولهم: هو قول كاهن، كما قرن بينهما في قوله تعالى: ﴿ وما هو بقول شاعِر قليلاً ما تُؤمنون ولا بقوللِ كاهن قليلاً ما تذّكّرون ﴾ [الحاقة: 41، 42]؛ فعُطف هنا قوله: ﴿ والشعراء يتبعهم الغاون ﴾ على جملة: ﴿ تنزل على كل أفّاك أثيم ﴾ [الشعراء: 222].
ولمّا كان حال الشعراء في نفس الأمر مخالفاً لحال الكهان إذ لم يكن لملكة الشعر اتصال مّا بالنفوس الشيطانية وإنما كان ادعاء ذلك من اختلاق بعض الشعراء أشاعوه بين عامة العرب، اقتصرت الآية على نفي أن يكون الرسول شاعراً، وأن يكون القرآنُ شعراً.
دون تعرض إلى أنه تنزيل الشياطين كما جاء في ذكر الكهانة.
وقد كان نفر من الشعراء بمكة يهجون النبي صلى الله عليه وسلم وكان المشركون يُعْنَون بمجالسهم وسماععِ أقوالهم ويجتمع إليهم الأعراب خارج مكة يستمعون أشعارهم وأهاجيَهم، أدمجت الآية حال من يتَّبع الشعراء بحالهم تشويهاً للفريقين وتنفيراً منهما.
ومن هؤلاء: النضْر بن الحارث، وهبيرة بن أبي وهب ومُسافع بن عبد مناف، وأبو عَزة الجمحِي، وابن الزِّبَعْرَى، وأميةُ بن أبي الصَّلْت، وأبو سفيان ابن الحارث، وأمُّ جميل العوراء بنت حرب زوُج أبي لهب التي لَقبها القرآن: ﴿ حمَّالة الحطب ﴾ [المسد: 4] وكانت شاعرة وهي التي قالت: مُذَمَّماً عَصَيْنا *** وأمرَه أبينا ودينَه قَلَيْنَا فكانت هذه الآية نفياً للشعر أن يكون من خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم وذماً للشعراء الذين تصدوا لهجائه.
فقوله: ﴿ يتبعهم الغاوون ﴾ ذمّ لأتباعهم وهو يقتضي ذم المتبوعين بالأحرى.
والغاوي: المتصف بالغي والغواية، وهي الضلالة الشديدة، أي يتبعهم أهل الضلالة والبطالة الراغبون في الفسق والأذى.
فقوله: ﴿ يتبعهم الغاوون ﴾ خبر، وفيه كناية عن تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون منهم فإن أتباعه خيرة قومهم وليس فيهم أحد من الغاوين، فقد اشتملت هذه الجملة على تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم وتنزيه أصحابه وعلى ذم الشعراء وذمّ أتباعهم وتنزيه القرآن عن أن يكون شعراً.
وتقديمُ المسند إليه على المسند الفعلي هنا يظهر أنه لمجرد التقوّي والاهتمام بالمسند إليه للفت السمع إليه والمقام مستغن عن الحصر لأنه إذا كانوا يتبعهم الغاوون فقد انتفى أتباعهم عن الصالحين لأن شأن المجالس أن يتحد أصحابها في النزعة كما قيل: عن المرء لا تَسْألْ وسَلْ عن قرينه *** وجعله في «الكشاف» للحصر، أي لا يتبعهم إلاّ الغاوون، لأنه أصرح في نفي اتِّباع الشعراء عن المسلمين.
وهذه طريقتُهُ باطراد في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي أنه يفيد تخصيصه بالخبر، أي قصْر مضمون الخبر عليه، أي فهو قصر إضافي كما تقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ في سورة البقرة (15).
والرؤية في ﴿ ألم تر ﴾ قلبية لأن الهُيام والوادي مستعاران لمعاني اضطراب القول في أغراض الشعر وذلك مما يُعلم لا مما يُرى.
والاستفهام تقريري، وأجري التقرير على نفي الرؤية لإظهار أن الإقرار لا محيد عنه كما تقدم في قوله: ﴿ قال ألم نُربِّك فينا وليداً ﴾ [الشعراء: 18]، والخطاب لغير معين.
وضمائر فجملة: ألم تر أنهم في كل واد يهيمون } وما عطف عليها مؤكدة لما اقتضته جملة: ﴿ يتبعهم الغاوون ﴾ من ذم الشعراء بطريق فحوى الخطاب.
ومثلت حال الشعراء بحال الهائمين في أودية كثيرة مختلفة لأن الشعراء يقولون في فنون من الشعر من هجاء واعتداء على أعراض الناس، ومن نسيب وتشبيب بالنساء، ومدح من يمدحُونه رغبة في عطائه وإن كان لا يستحق المدح، وذمِّ من يمنعهم وإن كان من أهل الفضل، وربما ذمّوا من كانوا يمدحونه ومدحوا من سَبق لهم ذمه.
والهيام: هو الحيرة والتردد في المرعى.
والوادُ: المنخفض بين عُدوتين.
وإنما ترعى الإبل الأودية إذا أقحلت الرُبى، والربى أجود كلأ، فمُثّل حال الشعراء بحال الإبل الراعية في الأودية متحيرة، لأن الشعراء في حرص على القول لاختلاب النفوس.
و ﴿ كل ﴾ مستعمل في الكثرة.
رُوي أنه اندسّ بعض المزَّاحين في زمرة الشعراء عند بعض الخلفاء فعرف الحَاجب الشعراء، وأنكر هذا الذي اندسّ فيهم، فقال له: هؤلاء الشعراء وأنتَ من الشعراء؟
قال: بل أنا من الغاوين، فاستطرفها.
وشفَّع مذمتهم هذه بمذمة الكذب فقال: ﴿ وأنهم يقولون ما لا يفعلون ﴾ ، والعرب يتمادحون بالصدق ويعيرون بالكذب، والشاعر يقول ما لا يعتقد وما يخالف الواقع حتى قيل: أحسن الشعر أكذبه، والكذب مذموم في الدين الإسلامي فإن كان الشعر كذباً لا قرينة على مراد صاحبه فهو قبيح، وإن كان عليه قرينة كان كذباً معتذَراً عنه فكان غير محمود.
وفي هذا إبداء للبَون الشاسع بين حال الشعراء وحال النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان لا يقول إلا حقاً ولا يصانع ولا يأتي بما يضلّل الأفهام.
ومن اللطائف أن الفرزدق أنشد عند سليمان بن عبد الملك قوله: فبِتْن بجانبيَّ مصرَّعاتٍ *** وبتُّ أفضّ أغلاق الختام فقال سليمان: قد وجب عليك الحد.
فقال: يا أمير المؤمنين قد دَرَأ الله عَني الحد بقوله: ﴿ وأنهم يقولون ما لا يفعلون ﴾ .
وروي أن النعمان بن عدي بن نضلة كان عاملاً لعمر بن الخطاب فقال شعراً: مَن مُبلِغُ الحسناءِ أن حليلها *** بميسان يُسقى في زُجاج وحنتم إلى أن قال: لعل أميرَ المؤمنين يسوءه *** تنادُمُنا بالجَوْسَققِ المتهدم فبلغ ذلك عمرَ فأرسل إليه بالقُدوم عليه وقال له: أي والله إني ليسوءني ذلك وقد وجب عليك الحدّ، فقال: يا أمير المؤمنين ما فعلتُ شيئاً مما قلتُ وإنما كان فضلةً من القول، وقد قال الله تعالى: ﴿ وأنهم يقولون ما لا يفعلون ﴾ فقال له عمر: أمّا عذرك فقد درأ عنك الحد ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً وقد قلتَ ما قلت.
وقد كُني باتباع الغاوين إياهم عن كونهم غاوين، وأفيد بتفظيع تمثيلهم بالإبل الهائمة تشويه حالتهم، وأن ذلك من أجل الشعر كما يؤذن به إناطة الخبر بالمشتق، فاقتضى ذلك أن الشعر منظور إليه في الدين بعين الغضّ منه، واستثناء ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الخ...
من عموم الشعراء، أي من حكم ذمّهم.
وبهذا الاستثناء تعيّن أن المذمومين هم شعراء المشركين الذين شغلهم الشعر عن سماع القرآن والدخول في الإسلام.
ومعنى: ﴿ وذكروا الله كثيراً ﴾ إي كان إقبالهم على القرآن والعبادة أكثر من إقبالهم على الشعر.
﴿ وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴾ وهم مَن أسلموا من الشعراء وقالوا الشعر في هجاء المشركين والانتصارِ للنبيء صلى الله عليه وسلم مثل الذين أسلموا وهاجروا إلى الحبشة، فقد قالوا شعراً كثيراً في ذم المشركين.
وكذلك من أسلموا من الأنصار كعبد الله بن رَواحة، وحسانَ بن ثابت ومن أسلم بعدُ من العرب مثل لَبيد، وكعب بن زهير، وسُحيم عبد بني الحسحاس، وليس ذكر المؤمنين من الشعراء بمقتضي كون بعض السُّورة مدنيّاً كما تقدم في الكلام على ذلك أول السورة.
وقد دلت الآية على أن للشعر حالتين: حالة مذمومة، وحالة مأذونة، فتعين أن ذمه ليس لكونه شعراً ولكن لما حفّ به من معان وأحوال اقتضت المذمة، فانفتح بالآية للشعر بابُ قبول ومدح فحقّ على أهل النظر ضبط الأحوال التي تأوي إلى جانب قبوله أو إلى جانب مدحه، والتي تأوي إلى جانب رفضه.
وقد أومأ إلى الحالة الممدوحة قوله: ﴿ وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴾ ، وإلى الحالة المأذونة قوله: ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ .
وكيف وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الشعر مما فيه محامد الخصال واستنصتَ أصحابُه لشعر كعب بن زهير مما فيه دقة صفات الرواحل الفارهة، على أنه أذِن لحسان في مهاجاة المشركين وقال له: «كلامك أشد عليهم من وقع النبل..» وقال له: «قل ومعك روح القدس».
وسيأتي شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ في سورة يس (69).
وأجاز عليه كما أجاز كعبَ بن زهير فخلع عليه بردته، فتلك حالة مقبولة لأنه جاء مؤمناً.
وقال أبو هريرة: سمعت رسول الله يقول على المنبر: أصدَقُ كلمةٍ، أو أشْعَر كلمة قالتها العرب كلمةُ لبيد: ألا كُلُّ شيء ما خلا الله باطل *** وكان يستنشد شعر أمية بن أبي الصلت لما فيه من الحكمة وقال: كاد أميةُ أن يُسلم، وأمر حسّاناً بهجاء المشركين وقال له: قُل ومعك رُوح القدس.
وقال لكعببِ بن مالك: لكلامُك أشد عليهم من وقْع النبْل.
روى أبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن بسنده إلى خُريم بن أوس بن حارثة أنه قال: هاجرت إلى رسول الله بالمدينة منصرَفَه من تبوك فسمعت العباس قال: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك.
فقال: قُل لا يفضُض الله فاك.
فقال العباس: من قبلِها طبتَ في الظلال وفي *** مُستَوْدَع حيثُ يخصف الوَرق الأبيات السبعة.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " لا يفضض الله فاك " وروى الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبدُ الله بن رواحة يمشي بين يديه يقول: خَلُّوا بني الكفار عن سبيله *** اليومَ نضربكم على تنزيله ضَرباً يُزيل الهامَ عن مقيله *** ويُذهل الخليلَ عن خليله فقال له عُمر: يا ابن رواحة في حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " خَلِّ عنه يا عمر فإنه أسرع فيهم من نَضْح النبْل " وعن الزهري أن كعب بن مالك قال: يا رسول الله ما تقول في الشعر؟
قال: " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما تنضحونهم بالنبل " ولعلي بن أبي طالب شعر كثير، وكثير منه غير صحيح النسبة إليه.
وقد بين القرطبي في «تفسيره» في هذه السورة وفي سورة النور القول في التفرقة بين حالي الشعر.
وكذلك الشيخ عبد القاهر الجرجاني في أول كتاب «دلائل الإعجاز».
ووجب أن يكون النظر في معاني الشعر وحال الشاعر، ولم يزل العلماء يعنَون بشعر العَرب ومَن بعدهم، وفي ذلك الشعر تحبيب لفصاحة العربية وبلاغتها وهو آيل إلى غرض شرعي من إدراك بلاغة القرآن.
ومعنى: ﴿ من بعد ما ظلموا ﴾ أي من بعد ما ظلمهم المشركون بالشتم والهجاء.
﴿ ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾ .
ناسب ذكر الظلم أن ينتقل منه إلى وعيد الظالمين وهم المشركون الذين ظلموا المسلمين بالأذى والشتم بأقوالهم وأشعارهم.
وجُعلت هذه الآية في موقع التذييل فاقتضت العموم في مسمى الظلم الشامل للكفر وهو ظلم المرء نفسه وللمعاصي القاصرة على النفس كذلك، وللاعتداء على حقوق الناس.
وقد تلاها أبو بكر في عهده إلى عمر بالخلافة بعده، والواو اعتراضية للاستئناف.
وهذه الآية تحذير عن غمص الحقوق وحثّ عن استقصاء الجهد في النصح للأمة وهي ناطقة بأهيب موعظة وأهول وعيد لمن تدبرها لما اشتملت عليه من حرف التنفيس المؤذن بالاقتراب، ومن اسم الموصول المؤذن بأن سوء المنقلب يترقب الظالمين لأجل ظلمهم، ومن الإبهام في قوله: ﴿ أي منقلب ينقلبون ﴾ إذ ترك تبيينه بعقاب معيّن لتذهل نفوس المُوعَدِين في كل مذهب ممكن من هول المنقلب وهو على الإجمال منقلَب سوء.
والمنقلب: مصدر ميمي من الانقلاب وهو المصير والمآلُ، لأن الانقلاب هو الرجوع.
وفعل العلم معلق عن العمل بوجود اسم الاستفهام بعده.
واسم الاستفهام في موضع نصب بالنيابة عن المفعول المطلق الذي أضيف هو إليه.
قال في «الكشاف»: وكان السلف الصالح يتواعظون بها ويتناذرون شدتها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ يَعْنِي إذا غَضِبُوا سَبُّوا، وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: السُّفَهاءُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: الرُّواةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في كُلِّ فَنٍّ مِنَ الكَلامِ يَأْخُذُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: في كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إنِّي لَمُعْتَذِرٍ إلَيْكَ مِنَ الَّذِي أسْدَيْتُ إذْ أنا في الضَّلالِ أهِيمُ الثّالِثُ: هو أنْ يَمْدَحَ قَوْمًا بِباطِلٍ، ويَذُمَّ قَوْمًا بِباطِلٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفي الهائِمِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُخالِفُ في القَصْدِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ المُجاوِزُ لِلْحَدِّ.
﴿ وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ﴾ يَعْنِي ما يَذْكُرُونَهُ في شِعْرِهِمْ مِنَ الكَذِبِ بِمَدْحٍ أوْ ذَمٍّ أوْ تَشْبِيهٍ أوْ تَشْبِيبٍ.
﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ تَقْدِيرُهُ فَإنَّهم لا يَتْبَعُهُمُ الغاوُونَ ولا يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ.
رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ وكَعْبَ بْنَ مالِكٍ وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ نَزَلَ ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ فَبَكَوْا عِنْدَهُ وقالُوا: هَلَكْنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ حَتّى بَلَغَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ فَقالَ: أنْتُمْ.
» ﴿ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في شِعْرِهِمْ.
الثّانِي: في كَلامِهِمْ.
﴿ وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ أيْ رَدُّوا عَلى المُشْرِكِينَ ما كانُوا يَهْجُونَ بِهِ المُؤْمِنِينَ فَقاتِلُوهم عَلَيْهِ نُصْرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وانْتِقامًا مِنَ المُشْرِكِينَ.
﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ وهَذا وعِيدٌ يُرادُ بِهِ مَن هَجا رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الشُّعَراءِ لِكُلِّ كافِرٍ مِن شاعِرٍ وغَيْرِ شاعِرٍ سَيَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أيَّ مَصِيرٍ يَصِيرُونَ وأيَّ مَرْجِعٍ يَرْجِعُونَ، لِأنَّ مَصِيرَهم إلى النّارِ وهو أقْبَحُ مَصِيرٍ، ومَرْجِعُهم إلى العَذابِ وهو شَرُّ مَرْجِعٍ.
والفَرْقُ بَيْنَ المُنْقَلَبِ والمُرْجِعِ أنَّ المُنْقَلَبَ الِانْتِقالُ إلى ضِدِّ ما هو فِيهِ والمَرْجِعَ العَوْدُ مِن حالٍ هو فِيها إلى حالٍ كانَ عَلَيْها، فَصارَ إلى مَرْجِعٍ مُنْقَلَبًا ولَيْسَ كُلُّ مُنْقَلَبٍ مَرْجِعًا.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: تهاجى رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحدهما من الأنصار؛ والآخر من قوم آخرين، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء فأنزل الله: ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون..
﴾ الآيات.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك، مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: تهاجى شاعران في الجاهلية وكان مع كل واحد منهما فئام من الناس.
فأنزل الله: ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عروة قال: لما نزلت ﴿ والشعراء ﴾ إلى قوله: ﴿ ما لا يفعلون ﴾ قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله قد علم الله أني منهم.
فأنزل الله: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ إلى قوله: ﴿ ينقلبون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي حسن سالم البراد قال: لما نزلت ﴿ والشعراء...
﴾ جاء عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وهم يبكون فقالوا: يا رسول الله لقد أنزل الله هذه الآية وهو يعلم انا شعراء أهلكنا؟
فأنزل الله: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليهم.
وأخرج عبد بن حميد والحاكم عن أبي الحسن مولى بني نوفل؛ أن عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت الشعراء يبكيان وهو يقرأ ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ حتى بلغ ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال: أنتم ﴿ وذكروا الله كثيراً ﴾ قال: أنتم ﴿ وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴾ قال: أنتم ﴿ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ﴾ قال: الكفار.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ يتبعهم الغاوون ﴾ قال: هم الكفار، يتبعون ضلال الجن والإِنس ﴿ في كل وادٍ يهيمون ﴾ في كل لغو يخوضون ﴿ وأنهم يقولون ما لا يفعلون ﴾ أكثر ولهم مكذبون، ثم استثنى منهم فقال: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً ﴾ في كلامهم ﴿ وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴾ قال: ردوا على الكفار الذين كانون يهجون المؤمنين.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ والشعراء ﴾ قال: المشركون منهم الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يتبعهم الغاوون ﴾ غواة الجن ﴿ في كل واد يهيمون ﴾ في كل فن من الكلام يأخذون، ثم استثنى فقال: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ يعني حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، كانوا يذبون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هجاء المشركين.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ يتبعهم الغاوون ﴾ قال: هم الرواة.
وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود في ناسخه عن ابن عباس قال: ﴿ الشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ فنسخ من ذلك واستثنى فقال: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً ﴾ .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً ﴾ قال: أبو بكر، وعمر، وعلي، وعبد الله بن رواحة.
وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه وأبو يعلى وابن مردويه عن كعب بن مالك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه؟
فقال: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه- والذي نفسي بيده- لكأنما بوجههم مثل نضج النبل» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي سعيد قال: بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً» .
وأخرج الديلمي عن ابن مسعود مرفوعاً: الشعراء الذين يموتون في الإِسلام يأمرهم الله أن يقولوا شعراً تتغنى به الحور العين لأزواجهن في الجنة، والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل والثبور في النار.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الشعر حكمة قال: وأتاه قرظة بن كعب، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت فقالوا: إنا نقول الشعر، وقد نزلت هذه الآية.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأوا ﴿ والشعراء ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال: أنتم هم ﴿ وذكروا الله كثيراً ﴾ قال: أنتم هم ﴿ وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴾ قال: أنتم هم» .
وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قال: كان الشاعران يتقاولان ليكون لهذا تبع ولهذا تبع.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قال: هم عصاة الجن.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قال: الشياطين ﴿ ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون ﴾ قال: يمدحون قوماً بباطل، ويشتمون قوماً بباطل.
وأخرج الفريابي وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قال: الشياطين ﴿ ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون ﴾ قال: في كل فن يفتنون ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات...
﴾ قال: عبد الله بن رواحة، وأصحابه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال: هذه ثنية الله من الشعراء ومن غيرهم ﴿ وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴾ قال: في بعض القراءة ﴿ وانتصروا بمثل ما ظلموا ﴾ قال: نزلت هذه الآية في رهط من الأنصار هاجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت ﴿ وسيعلم الذين ظلموا ﴾ من الشعراء وغيرهم ﴿ أي منقلب ينقلبون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات...
﴾ قال: نزلت في عبد الله بن رواحة، وفي شعراء الأنصار.
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت «اهج المشركين فإن جبريل معك» .
وأخرج ابن سعد عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «قيل يا رسول الله إن أبا سفيان بن الحرث بن عبد المطلب يهجوك، فقام ابن رواحة، فقال: يا رسول الله ائذن لي فيه قال: أنت الذي تقول ثبت الله؟
قال: نعم.
يا رسول الله قلت: ثبت الله ما أعطاك من حسن ** تثبيت موسى ونصراً مثل ما نصرا قال: وأنت يفعل الله بك مثل ذلك، ثم وثب كعب فقال: يا رسول الله ائذن لي فيه فقال: أنت الذي تقول همت؟
قال: نعم يا رسول الله قلت: همت سخينة أن تغالب ربها ** فليغلبن مغالب الغلاب قال: أما إن الله لم ينس لك ذلك، ثم قام حسان الحسام فقال: يا رسول الله ائذن لي فيه، وأخرج لساناً له اسود فقال: يا رسول الله ائذن لي فيه فقال: اذهب إلى أبي بكر فليحدثك حديث القوم، وأيامهم، وأحسابهم واهجهم وجبريل معك» .
وأخرج ابن سعد عن ابن بريدة، أن جبريل أعان حسان بن ثابت على مدحته النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين بيتاً.
وأخرج ابن سعد وأحمد عن أبي هريرة قال: مر عمر بحسان وهو ينشد في المسجد فلحظ إليه.
فنظر إليه فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك.
فسكت.
ثم التفت حسان إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أجب عني اللهم أيده بروح القدس» ؟
قال: نعم.
وأخرج ابن سعد عن ابن سيرين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وهم في سفر «أين حسان بن ثابت؟
فقال: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: أحد.
فجعل ينشده ويصغي إليه حتى فرغ من نشيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا أشد عليهم من وقع النبل» .
وأخرج ابن عساكر عن حسن بن علي قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن رواحة: ما الشعر؟
قال: شيء يختلج في صدر الرجل فيخرجه على لسانه شعراً» .
وأخرج ابن سعد عن مدرك بن عمارة قال: «قال عبد الله بن رواحة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تقول الشعر إذا أردت أن تقول- كأنه يتعجب لذاك-!
قلت: انظر في ذاك ثم أقول.
قال: فعليك بالمشركين» .
وأخرج ابن سعد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يحمي أعراض المسلمين فقال عبد الله بن رواحة: أنا.
وقال كعب بن مالك: أنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك تحسن الشعر.
وقال حسان بن ثابت: أنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهجهم فإن روح القدس سيعينك» .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نصر القوم بسلاحهم أنفسهم فألسنتهم أحق.
فقام رجل فقال: يا رسول الله أنا.
قال: لست هناك.
فجلس فقام آخر فقال: يا رسول الله أنا.
فقال بيده معنى اجلس.
فقام حسان فقال: يا رسول الله ما يسرني به مقولاً بين صنعاء وبصرى، وإنك ما سببت قوماً قط بشيء هو أشد عليهم من شيء يعرفونه، فمر بي إلى من يعرف أيامهم وبيوتاتهم حتى أضع لساني، فأمر به إلى أبي بكر» .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال: «هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثلاثة من كفار قريش: أبو سفيان بن الحرث، وعمرو بن العاص، وابن الزبعري، قال قائل لعلي: أهج عنا هؤلاء القوم الذين قد هجونا فقال علي: إن أذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلت.
فقال: الرجل: يا رسول الله ائذن لعلي كيما يهجو عنا هؤلاء القوم الذين هجونا فقال: ليس هناك.
ثم قال للأنصار: ما يمنع القوم الذين قد نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلاحهم وأنفسهم أن ينصروه بألسنتهم؟
فقال حسان بن ثابت: أنا لها يا رسول الله، وأخذ بطرف لسانه فقال: والله ما يسرني بهم مقولاً بين بصرى وصنعاء فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكيف تهجوهم وأنا منهم؟
فقال: إني أسُلّكَ منهم كما تسل الشعرة من العجين، فكان يهجوهم ثلاثة من الأنصار يجيبونهم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة.
فكان حسان وكعب يعارضانهم بمثل قولهم بالوقائع، والأيام، والمآثر، ويعيرونهم بالمناقب، وكان ابن رواحة يعيرهم بالكفر وينسبهم إلى الكفر، ويعلم أنه ليس فيهم شيء شراً من الكفر.
وكانوا في ذلك الزمان أشد القول عليهم قول حسان وكعب، وأهون القول عليهم قول ابن رواحة، فلما أسلموا وفقهوا الإِسلام كان أشد القول عليهم قول ابن رواحة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الشعر حكماً» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن من الشعر حكماً» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الشعر حكماً، وإن من البيان سحراً» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيدة في قوله: ﴿ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ﴾ قال: هؤلاء الذين يخربون البيت.
وأخرج أحمد عن أبي أمامة بن سهل حنيف قال: سمعت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة.
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يبايع رجل بين الركن والمقام، ولن يستحل هذا البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم تجيء الحبشة فتخربه خراباً لا يعمر بعده أبداً، وهم الذين يستخرجون كنزه» .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتركوا الحبشة ما تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة» .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال: من آخر أمر الكعبة أن الحبشة يغزون البيت، فيتوجه المسلمون نحوهم، فيبعث الله عليهم ريحاً شرقية فلا تدع لله عبداً في قلبه مثقال ذرة من تقى إلا قبضته حتى إذا فرغوا من خيارهم بقي عجاج من الناس.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب قال كأني أنظر إلى رجل من الحبش؛ أصلع، أجمع، حمش الساقين، جالس عليها وهو يهدمها.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: كأني به: أصيلع، أفيدع، قائم عليها، يهدمها بمسحاته.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: كتب أبي في وصيته سطرين بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا حين يؤمن الكافر، ويتقي الفاجر، ويصدق الكاذب.
إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن يعدل فذلك ظني به ورجائي فيه، وإن يجر ويبدل فلا أعلم الغيب ﴿ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن رباح قال: كان صفوان بن مجرز إذا قرأ هذه الآية بكى ﴿ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾ (١) (٢) (٣) (٤) (٥) قال ابن عباس: يريد: المشركين ﴿ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾ من الشياطين (٦) وقد ذكر مقاتل أسماءهم؛ فقال: منهم: عبد الله بن الزَّبَعرى السهمي، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومُسافع بن عبد مناف الجُمحي، وأبو عزة عمرو بن عبد الله، كلهم من قريش، وأمية بن أبي الصلت الثقفي، تكلموا بالكذب والباطل وقالوا: نحن نقول مثل قول محمد، وقالوا: الشعر، واجتمع إليهم غواة من قومهم (٧) - وأصحابه (٨) وقال عكرمة: تهاجا شاعران في الجاهلية مع كل واحد فئام (٩) ﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾ وهما ذانك الشاعران (١٠) (١١) وهي رواية العوفي عن ابن عباس (١٢) وقال عكرمة، والشعبي: ﴿ الْغَاوُونَ ﴾ عصاة الجن (١٣) (١٤) ﴿ الْغَاوُونَ ﴾ الشياطين (١٥) وروى عكرمة عنه: ﴿ الْغَاوُونَ ﴾ الرواة (١٦) -، وكانو ينحرون لهم الجُزُر (١٧) وقال الفراء: نزلت في ابن الزبعرى وأشباهه؛ لأنهم كانوا يهجون النبي - - والمسلمين (١٨) - (١٩) (١) عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبعُهُمُ الْغَاوُونَ) فَنَسَخَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى فَقَالَ: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ .
أخرجه أبو داود 5/ 280، كتاب الأدب، رقم: 5016.
وذكر ابن تيمية -رحمه الله- حكمة جيدة لذكر الحديث عن الشعراء في هذه السورة، بعد ذكر قصص من سبق من الأنبياء، فقال: "فذكر الفرق بينه وبين من قال: تنزل عليه الشياطين، من الكهان، والمتنبئين ونحوهم، وبين الشعراء؛ لأن الكاهن قد يخبر بغيب بكلام مسجوع، والشاعر أيضًا يأتي بكلام منظوم يحرك به النفوس، فإن قرين الشيطان مادته من الشيطان، ويعين الشيطان بكذبه وفجوره، والشاعر مادته من نفسه، وربما أعانه الشيطان، فأخبر أن الشياطين إنما تنزل على من يناسبها، وهو الكاذب في قوله، الفاجر في عمله، بخلاف الصادق البر، وأن الشعراء إنما يحركون النفوس إلى أهوائها فيتبعهم الغاوون، وهو الذين يتبعون الأهواء وشهوات الغي، فنفى كلاً منهما بانتفاء لازمه، وبين ما تجتمع فيه من شياطين الإنس والجن".
تفسير آيات أشكلت 2/ 727.
(٢) هكذا في جميع النسخ: شعراً وشعرة.
وفي "تهذيب اللغة" 1/ 420: شَعراً، وشِعرًا.
(٣) ما بين المعقوفين، في نسخة (أ)، (ب).
(٤) "تهذيب اللغة" 1/ 420 (شعر).
(٥) قال الشافعي: "الشعر: كلام منظوم بمنزلة المنثور من الكلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، فإذا قال الرجل شعرًا وفيه رفث، وفحش سقطت عدالته، وإذا قال شعرًا فيه الغزل الذي ليس بمكروه، أو مَدَح رجلاً قُبلت عدالته".
"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 142.
(٦) أخرجه ابن جرير 19/ 127.
(٧) في نسخة (أ)، (ب): قولهم.
(٨) "تفسير مقاتل" 55 ب.
(٩) الفئام من الناس: الجماعة.
"تهذيب اللغة" 15/ 572 (فأم).
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2832.
(١١) أخرج ابن جرير 19/ 127، بلفظ: "كان رجلان على عهد رسول الله - - أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين".
وذكره كذلك الثعلبي 8/ 118 ب.
وفي كون ذلك حدث بعد الهجرة إشكال من ناحية كون هذه السورة مكية.
قال ابن كثير 6/ 175: "ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؟
في ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مُرسلاتٌ لا يعتمد عليها، والله أعلم، ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم".
(١٢) أخرجه ابن جرير 19/ 127، عن ابن عباس، وعكرمة.
وابن أبي حاتم 9/ 2833.
وذكره الثعلبي 8/ 118 ب.
(١٣) أخرجه ابن جرير 19/ 127، وابن أبي حاتم 9/ 2831، عن عكرمة.
(١٤) أخرجه الثعلبي 8/ 118 ب، بسنده عن ابن بريدة عن ابن عباس.
(١٥) "تفسير مجاهد" 2/ 467.
وأخرجه ابن جرير 19/ 127.
وأخرجه عبد الرزاق 2/ 78، عن قتادة، وعنه ابن جرير 19/ 127.
(١٦) أخرجه ابن جرير 19/ 126، وابن أبي حاتم 9/ 2831.
وذكره الثعلبي 8/ 118ب.
(١٧) "تنوير المقباس" 315، بلفظ: الراوون يروون عنهم.
(١٨) والمسلمين، في نسخة (أ)، (ب).
وهو موافق لما عند الفراء.
(١٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 285.
قال ابن جرير 19/ 127: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين، وعصاة الجن، وذلك أن الله عَمَّ بقوله: ﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾ فلم يخصص بذلك بعض الغواة دون بعض".
<div class="verse-tafsir"
﴿ والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون ﴾ لما ذكر الكهان ذكر الشعراء ليبين أن القرآن ليس بكهانة ولا شعر لتابين أوصافه وما بين أوصاف الشعر والكهانة، وأراد الشعراء الذين يلقون من الشعر مالا ينبغي كالهجاء والمدح بالباطل وغير ذلك، وقيل: أراد شعراء الجاهلية، وقيل: شعراء كفار قريش الذين كانوا يؤذون المسلمين بأشعارهم، والغاوون قيل: هم رواه الشعر وقيل: هم سفهاء الناس الذي تعجبهم الأشعار لما فيها من اللغو والباطل، وقيل: هم الشياطين ﴿ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴾ استعارة وتمثيل أي يذهبون في كل وجه من الكلام الحق والباطل، ويفرطون في التجوز حتى يخرجوا إلى الكذب ﴿ إِلاَّ الذين آمَنُواْ ﴾ الآية: استثناء من الشعراء يعني بهم شعراء المسلمين كحسان بن ثابت وغيره ممن اتصف بهذه الأوصاف، وقيل: إن هذه الآية مدنية ﴿ وَذَكَرُواْ الله ﴾ قيل: معناه ذكروا الله في أشعارهم، وقيل: يعني الذكر على الإطلاق ﴿ وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ﴾ إشارة إلى ما قاله حسان بن ثابت وغيره من الشعراء في هجو الكفار بعد أن هجا الكفار النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾ وعيد للذين ظلموا والظلم هنا بمعنى الاعتداء على الناس لقوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ﴾ وعمل ينقلبون في أيّ لتأخره، وقيل: إن العامل في أيّ سيعلم.
القراءات: ﴿ ليكة ﴾ بلام مفتوحة بعدها ياء ساكنة وبفتح التاء على أنها ممتنعة من الصرف للعلمية والتأنيث، وكذلك في "صاد": اي جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.
الآخرون ﴿ الأيكة ﴾ معرفاً مجروراً.
﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز.
الآخرون بسكونها ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ونزل به ﴾ مخففاً ﴿ الروح الأمين ﴾ مرفوعين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وابو زيد عن المفضل وزيد عن يعقوب.
الباقون ﴿ نزل ﴾ مشدداً ﴿ الروح الأمين ﴾ منصوبين ﴿ أو لم تكن ﴾ بتاء التأنيث ﴿ آية ﴾ بالرفع: ابن عامر.
الباقون بالياء التحتانية ﴿ آية ﴾ بالنصب: ﴿ فتوكل ﴾ بالفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون بالواو ﴿ من تنزل الشياطين ﴾ بتشديد التاء وكذلك ﴿ تنزل ﴾ البزي وابن فليح ﴿ يتبعهم ﴾ بالتخفيف: نافع ﴿ وادي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وقرأ قتيبة بالإمالة.
الوقوف: ﴿ المرسلين ﴾ ج ه ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج ﴿ أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ه ط ﴿ المخسرين ﴾ ج ه ﴿ المستقيم ﴾ ج ه ﴿ مفسدين ﴾ ج ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ط ﴿ المسحرين ﴾ ه لا ﴿ الكاذبين ﴾ ه ج ﴿ نصف آي القرآن ﴾ ﴿ الصادقين ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الظلة ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الأمين ﴾ ه لا ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ه ﴿ الأعجمين ﴾ ه لا ﴿ مؤمنين ﴾ ه ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ط بناء على أن ﴿ لا يؤمنون ﴾ مستأنف للبيان ولو جعل حالاً فلا وقف ﴿ الأليم ﴾ ه لا ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا ﴿ منظرون ﴾ ه ط ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ما أغنى ﴾ جملة نفي أو استفهام قامت مقام الشرط ﴿ يمتعون ﴾ ه ط ﴿ منذرون ﴾ ه وقد يوقف عليها بناء على أن ﴿ ذكرى ﴾ ليس بمفعول له والمراد ذكرناهم والوقف على ﴿ ذكرى ﴾ جائز ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ يستطيعون ﴾ ه ط ﴿ المعزولون ﴾ ه ط ﴿ المعذبين ﴾ ج ه ﴿ الأقربين ﴾ ج ه للعطف ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ج ﴿ الرحيم ﴾ ه لا ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ أثيم ﴾ ج ه بناء على أن ﴿ يلقون ﴾ حال من ضمير ﴿ الشياطين ﴾ اي تنزل ملقين السمع أو صفة ﴿ لكل افاك ﴾ وإن جعل مستأنفاً كأن قائلاً قال: لم تنزل؟
فقيل: يفعلون كيت وكيت فلك الوقف.
﴿ كاذبون ﴾ ه ط ﴿ الغاوون ﴾ ه ط ﴿ يهيمون ﴾ ه لا ﴿ لا يفعلون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ ينقلبون ﴾ ه.
التفسير: القصة السابعة قصة شعيب وأنه كان أخاً مدين دون أصحاب الأيكة ولهذا لم يقل "أخوهم شعيب".
يروى أن اصحاب الأيكة كانوا اصحاب شجر ملتف وكان شجرهم الدوم وهي التي حملها المقل.
قال في الكشاف: قرئ ﴿ أصحاب ليكة ﴾ بتخفيف الهمزة وبالجر على الإضافة وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أن ﴿ ليكة ﴾ بوزن ليلة اسم بلد فتوهم قاد إليه خط المصحف في هذه السورة وفي سورة ص، ثم اعترض عليه بأن ﴿ ليكة ﴾ اسم لا يعرف.
قلت: إنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء عدم ذلك الشيء، والظن بالمتواتر يجب أن يكون أحسن من ذلك.
أمرهم شعيب بإيفاء الكيل ونهاهم عن الإخسار وهو التطفيف وأن يجعل الشخص خاسراً فكأنه أمره بالإيفاء مرتين توكيداً ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وزنوا بالقسطاطس المستقيم ﴾ وقد مر في سورة سبحان.
قال في الكشاف: إن كان من القسط وهو العدل وجعلت السين مكررة فوزنه "فعلاس" وإلا فهو رباعي.
قلت: إن كان مكرراً فوزنه "فعلال" أيضاً.
وقوله ﴿ ولا تبخسوا ﴾ تأكيداً آخر وقد سبق في "هود".
والجبلة الخليقة حذرهم الله الذي تفضل عليهم بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين.
قال في الكشاف: الفرق بين إدخال الواو ههنا في قوله ﴿ وما أنت إلا بشر ﴾ وبين تركها في قصة ثمود هو أنه قصد ههنا معنيان منافيان عندهم للرسالة: كونه مسحراً وكونه بشراً وهناك جعل المعنى الثاني مقرراً للأول.
قلت: الفرق بين والإشكال في تخصصيص كل من القصتين بما خصت به، ولعل السبب فيه هو أن صالحاً قلل في الخطاب فقللوا في الجواب، وأكثر شعيب في الخطاب ولهذا قيل له خطيب الأنبياء فأكثروا في الجواب.
"وإن" في قولهم ﴿ وإن نظنك ﴾ هي المخففة من الثقيلة عملت في ضمير شأن مقدر.
واللام في قوله ﴿ لمن الكاذبين ﴾ هي الفارقة.
والكسف بالسكون والحركة جمع كسفة وهي القطعة وقد مر في سبحان في اقتراحات قريش.
والمعنى إن كنت صادقاً في دعوة النبوة فادع الله أن يسقط علينا قطع السماء.
وإنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فأرادوا بذلك إظهار كذبه فحلم عنهم شعيب ولم يدع عليهم بل فوض الأمر إلى الله بقوله: ﴿ ربي أعلم بما تعملون ﴾ يروى أن شعيباً بعث إلى أمتين: اصحاب مدين وأصحاب الأيكة.
فأهلكت مدين بصيحة جبرائيل، وأهلكت اصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة وذلك إنه حبس عنهم الريح سبعاً وسلط عليهم الحرّ فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظلٍ ولا ماء ولا شراب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى الصحراء فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا.
وحين سلى رسول الله بهذه القصص المؤكدة بالمكررات المختتمة بالمقررات عاد إلى مخاطبته قائلاً ﴿ وإنه ﴾ اي وإن الذي نزل عليك من الأخبار ﴿ لتنزيل رب العالمين ﴾ أي منزله.
والباء في ﴿ نزل به ﴾ علىالقراءتين للتعدية ولكنها في قراءة التشديد تقتضي مفعولاً آخر هو الروح أي جعل الله الروح الأمين نازلاً به على قلبك محفوظاً مفهوماً ﴿ لتكون من المنذرين ﴾ من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد .
ويجوز أن يكون قوله ﴿ لسان ﴾ متعلقاً ﴿ بنزل ﴾ أي نزله ﴿ بلسان عربي ﴾ لتنذر به فإنه لو نزله بالأعجمي لقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه.
ومن هذا الوجه ينشأ فائدة أخرى لقوله ﴿ على قلبك ﴾ أي نزلناه بحيث تفهمه ولو كان أعجمياً لكان نازلاً على سمعك دون قلبك.
والظاهر من نقل أئمة اللغة أن القلب والفؤاد مترادفان.
ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن بعضهم أن القلب هو العلقة السوداء في جوف الفؤاد وذكر كلاماً طويلاً في أن محل العقل هو القلب دون الدماغ وهو المخاطب في الحقيقة فلهذا قال ﴿ نزله على قلبك ﴾ ونحن قد تركناه لقلة تعلقه بالمقام ولضعف دلائله مع مخالفته لما عليه معظم أرباب المعقول.
قوله ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يعني أن ذكر القرآن مثبت في الكتب السماوية للأمم المتقدمة، وإن معاني القرآن في تلك الزبر.
وقد يحتج به لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة.
وقيل: الضمير فيه وفي ﴿ أن يعلمه ﴾ للنبي وأنه حجة ثابتة على نبوته قد شهد بها علماء بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره من الذين أسلموا منهم واعترفوا أن نعته وصفته في كتبهم مذكور، وكان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود يتعرفون منهم هذا الخبر.
من قرأ ﴿ يكن ﴾ بالتذكير و ﴿ آية ﴾ بالنصب على الخبر والاسم ﴿ أن يعلمه ﴾ فظاهر، ومن قرأ ﴿ تكن ﴾ بالتأنيث و ﴿ آية ﴾ بالرفع على الاسم والخبر ﴿ أن يعلمه ﴾ فقيل: ليست بقوية لوقوع النكرة اسماً والمعرفة خبراً.
ويمكن أن يجاب بأن الفعل المضارع مع أن ليس من المعارف الصريحة، وقد توجه هذه القراءة بتقدير ضمير القصة في ﴿ تكن ﴾ وجملته ﴿ آية أن يعلمه ﴾ و ﴿ لهم ﴾ لغواً أو ﴿ لهم آية ﴾ ﴿ وأن يعلمه ﴾ بدل من آية.
قال جار الله: إنما كتب علموء بالواو على لغة من يميل الألف إلى الواو ولذلك كتبت الصلوة والزكوة بالواو.
ثم أكد بقوله ﴿ ولو نزلناه ﴾ ما مر من آية لو نزله بالأعجمي فقرأه عليهم بعض الأعجمين لم يؤمنوا به لأنهم لم يكونوا يفهمونه.
وقال جار الله: معناه ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية فضلاً أن يقدر على نظم مثله فقرأه عليهم هكذا فصيحاً معجزاً متحدّى به لكفروا به كما كفروا ولتمحلوا لجحودهم عذراً ولسموه سحراً.
ثم قال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا السلك ﴿ سلكناه ﴾ في قلوبهم وقررناه فيها فعلى أيّ وجه دبر أمرهم فلا سبيل إلى تغييرهم عما هم عليه من الإنكار والإصرار، وقد سبق مثل هذه الآية في أول "الحجر".
والحاصل أنهم لا يزالون على التكذيب حتى يعاينوا الوعيد، وفيه تسلية لرسول الله فإن اليأس إحدى الراحتين.
قال في الكشاف: ليس الفاء في قوله ﴿ فيأتيهم بغتة فيقولوا ﴾ لأجل ترادف العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة، وإنما المعنى ترتيبها في الشدة كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة.
فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة.
نظيره قولك: إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، لا تريد الترتيب في الوجود ولكن في الشدة.
قلت: هذا معنى صحيح ولكن لا مانع من إرادة الترتيب والتعذيب في الوجود يظهر بالتأمل إن شاء الله العزيز.
ثم نكرهم بقوله ﴿ أفبعذابنا يستعجلون ﴾ وفيه إنكار وتهكم أي كيف يستعجل العذاب من لا طاقة له به حتى استمهل بعد أن كان من العمر في مهلة؟
وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ يستعجلون ﴾ حكاية حال ماضية يوبخون بها عند استنظارهم، أو يكون متصلاً بما بعده وذلك أنهم اعتقدوا العذاب غير كائن فلذلك استعجلوه وظنوا أنهم يمتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن، فأنكر الله عليهم استعجالهم الصادر عن الأشر والبطر والاستهزاء والاتكال على طول الأمل.
ثم قال: هب أن الأمر كما ظنوه من التمتع والتعمير فإذا لحقهم الوعيد أو الأجل أو القيامة هل ينفعهم ذلك؟.
عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له: عظني فتلا عليه هذه الآية فقال له ميمون: لقد وعظت فأبلغت.
ثم بين أنه ما أهلك قرية إلا بعد إلزام الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، وعلى هذا يكون ﴿ ذكرى ﴾ متعلقة ﴿ بأهلكنا ﴾ مفعولاً له.
ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً ﴿ لأنذر ﴾ بمعنى التذكرة فإن ﴿ أنذر ﴾ وذكر متقاربان، أو حالاً من الضمير في ﴿ منذرون ﴾ أو مفعولاً له متعلقاً به أي ينذرونهم ذوي تذكرة أو لأجل الموعظة والتذكير، أو التقدير: هذه ذكرى فالجملة اعتراض.
ويجوز أن يكون صفة ﴿ لمنذرون ﴾ على حذف المضاف أي ذوو ذكرى، أو جعلوا ذكرى لبلوغهم في التذكرة أقصى غاياتها.
والبحث عن وجود الواو وعدمه في مثل هذا التركيب قد مر في أول الحجر في قوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ﴾ إلا أنا نذكر ههنا سبب تخصيص تلك الآية بالواو وهذه بعدم الواو فنقول: لا ريب أن الواو تفيد مزيد الربط والاجتماع في الحال وفي الوصف إن جوزتا: فسواء قدرنا الجملتين أعني قوله ﴿ ولها كتاب معلوم ﴾ وقوله ﴿ لها منذرون ﴾ حالاً أو وصفاً فالمقام يقتضي ورود النسق على ما ورد، وذلك أن قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ صفة لازمة للقرية فإن الكتب في اللوح وصف أزلي فناسب أن يكون في اللفظ ما يدل على اللزوم واللصوق وهو الواو، ثم زيد في التأكيد بقوله ﴿ معلوم ﴾ وبقوله ﴿ ما تسبق ﴾ وهذا بخلاف قوله ﴿ لها منذرون ﴾ فإنها صفة حادثة فأطلقت وجود صدر الجملة عن الواو لذلك والله أعلم.
ثم إنه لما احتج على صدق محمد بكون القرآن معجزاً منزلاً من رب العالمين مشتملاً على معاني كتب الأولين وكان الكفار يقولون إنه من إلقاء الجن كحال الكهنة أراد أن يزيل شبهتهم بقوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ﴾ التنزل بالوحي ﴿ وما يستطيعون ﴾ .
ثم بين عدم اقتدارهم بقوله ﴿ إنهم عن السمع ﴾ أي عن سماع كلام أهل السماء ﴿ لمعزولون ﴾ وذلك بواسطة رجم الشهب كما أخبر عنه الصادق والمعجزات يتساند بعضها ببعض، ولو فرض أنهم غير مرجومين بالشهب فالعقل يدل على أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى منه بشأن العدو، وكان محمد يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم فلو كان الغيب بإلقاء الشياطين لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم ذلك.
وحين أثبت حقية القرآن أمر نبيه بجوامع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ فلا تدع ﴾ والمراد أمته كما مر في نظائره من قوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ وغير ذلك ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ فيه أن الاهتمام بشأن من هو أقرب إلى المرء أولى.
وفيه أنه يجب أن لا يأخذه في باب التبليغ ما يأخذ القريب للقرب من المساهلة ولين الجانب.
"يروى أنه لما نزلت الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب فخذاً فخذاً وقال: يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله: إني لا أملك لكم من الله شيئاً سلوني من المال ما شئتم" .
"وروي أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس على رجل شاة، فأكلوا وشربوا حتى شبعوا ثم أنذرهم فقال: يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟
قالوا: نعم.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" .
قوله ﴿ واخفض جناحك ﴾ قد مر تفسيره في آخر "الحجر" وفي "سبحان" وزاد ههنا ﴿ لمن اتبعك ﴾ كيلا يذهب الوهم إلى أن خفض الجناح وهو التواضع ولين الجانب مختص بالمؤمنين من عشيرته.
وإنما لم يقتصر على قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ لأن كثيراً منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين.
وقال في الكشاف: سبب الجمع بين اللفظين هو أنه سماهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، أو أراد بالمؤمنين المصدّقين بالألسنة فزاد قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ ليخرج من صدّق باللسان دون الجنان، أو صدق بهما ولم يتبعه في العمل.
وحين أمره بالتواضع لأهل الإخلاص في الإيمان أمره بالتبرئة من ارباب العصيان.
فاستدل الجبائي به على أن الله أيضاً بريء من عملهم فكيف يكون فاعلاً له؟!
وأجيب بأنه إن أراد ببراءة الله أنه ما أمر بها فمسلم، وإن أراد أنه لا يريدها فممنوع لانتهاء جميع الحوادث إلى إرادته ضرورة قوله ﴿ وتوكل ﴾ معطوف على قوله ﴿ فلا تدع ﴾ أو على قوله ﴿ فقل ﴾ أمره بتفويض الأمر في دفع أعاديه إلى العزيز الذي يقهر من ناوأ أولياءه الرحيم الذي لا يخذل من ينصر دينه.
قال بعض العلماء: المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما فيه معصية الله عز وجل، ولو وقع في محنة واستعان في دفعها ببعض المخلوقين لم يخرج من حد المتوكلين، ثم عدد مواجب الرحمة وهي رؤيته قيامه وتقلبه في الساجدين أي في المصلين.
وللمفسرين فيه وجوه منها: ما روي أنه حين نسخ فرض التهجد طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه حرصاً عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير ذكراً وتلاوة.
فالمراد بتقلبه في الساجدين تصفح أحوال المتهجدين من اصحابه ليطلع عليهم كيف يعملون لآخرتهم.
ومنها أن المراد تصرفه فما بين المؤمنين به بالقيام والركوع والسجود والقعود.
ويروى عن مقاتل أنه استدل به على وجود فضل صلاة الجماعة في القرآن.
ومنها أنه إشارة إلى ما جاء في الحديث "أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلف ظهري" فالتقلب تقلب بصره فيمن يصلي خلفه.
وقيل: أراد أنه لا يخفى علينا كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين.
وقد احتج بالآية علماء الشيعة على مذهبهم أن آباء النبي لا يكونون كفاراً.
قالوا: أراد تقلب روحه من ساجد إلى ساجد كما في الحديث المعتمد عليه عندهم "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وناقشهم أهل السنة في التأويل المذكور وفي صحة الحديث.
والأصوب عندي أن لا نشتغل بمنع أمثال هذه الدعوى ونسرح إلى بقعة الإمكان على أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول.
ثم أكد قوله وما تنزلت به الشياطين بقوله ﴿ هل أنبئكم على من تنزل ﴾ قال في الكشاف: تقديره أعلى من تنزل؟
ليكون الاستفهام في صدر الكلام كقولك: أعلى زيد مررت؟
قلت: هذا تكلف بارد لأن لااستفهام في "من" ضمني لا يصرح به قط.
والأفاك الكثير الإفك، والأثيم مبالغة آثم وهم الكهنة والمتنبئة كسطيح ومسيلمة وأمثالهما.
والضمير في ﴿ يلقون ﴾ عائد إلى الشياطين كانوا قبل الرجم بالشهب يختطفون بعض الغيوب من الملأ الأعلى بإلقاء ﴿ السمع ﴾ أي بالإصغاء ثم يرجعون به إلى أوليائهم ﴿ وأكثرهم كاذبون ﴾ لأنهم يخلطون الحق المسموع بكلامهم الباطل كما جاء في الحديث "الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة" .
والقر الصب.
وقيل: السمع بمعنى السمموع أي يلقي الشياطين إلى أوليائهم ما يسمعونه من الملائكة.
ويحتمل أن يكون الضمير في: ﴿ يلقون ﴾ للأفاكين والسمع الأذن أو المسموع أي يلقونه السمع إلى لاشياطين فيتلقون وحيهم، أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس.
وإنما لم يقل "وكلهم كاذبون" لأن الكذوب قد يصدق فيصدق عليه انه صادق في الجملة لأن هذه عبارة الفصحاء لا يحكمون حكماً كلياً ما لم تدع إليه ضرورة.
والحاصل أنهم كانوا يقيسون حال النبي على حال الكهنة فقيل لهم: إن الأغلب على الكهنة الكذب ولم يظهر من أحوال محمد إلا الصدق، فكيف يكون كاهناً؟
ثم بين ما يعرف منه أن النبي ليس بشاعر كما أنه ليس بكاهن فقال ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قيل: أي الشياطين.
والأظهر أنهم الذين يروون أشعارهم وكان شعراء قريش مثل عبد الله بن الزبعري وأمية بن ابي الصلت يهجون النبي ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أهاجيهم فنزلت.
ثم بين غوايتهم بقوله ﴿ ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ﴾ وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول يمدحون إنساناً معيناً تارة ويذمونه أخرى غالين في كلا الطرفين مستعملين التخيل في كل ما يرومونه.
وذكر من قبائح خصالهم ﴿ أنهم يقولون ﴾ عند الطلب والدعاوي ﴿ مالا يفعلون ﴾ ولعمري إنها خصلة شنعاء تدل على الدناءة واللؤم.
قالوا وما فعلوا وأين هم *** من معشر فعلوا وما قلوا وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: فبتن بجانبيّ مصرعات *** وبت أفض أغلاق الختام فقال: وجب عليك الحد: قال: قد درأ الله عني الحد يا أمير المؤمنين وتلا الآية.
ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم الذكر والفكر فيما لا بأس به من المواعظ والنصائح، ومدح الحق وذويه، ويكون هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم مثل عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير كانوا ينافحون عن رسول الله .
"وعن كعب بن مالك أن رسول الله قال له: اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل" .
وكان يقول لحسان: هاجهم وروح القدس معك.
والحاصل أن النظر في الشعر إلى المعنى لا على مجرد النظم والروي.
فإن كان المعنى صحيحاً مطابقاً للحق والصدق فلا بأس بإِدخاله في سلك النظم والقافية بل لعل النظم يروجه ويهيج الطبع على قبوله وهو الذي عناه "إن من الشعر لحكماً" .
وإن كان المعنى فاسداً والغرض غير صحيح فهو الذي توجه الذم إليه.
وللانتصار حد معلوم وهو أن لا يزيد على الجواب لقوله : { ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ وقال "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم" ثم ختم السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال ﴿ وسيعلم الذين ظلموا ﴾ خصصه بعضهم بالشعراء إذا خرجوا عن حد الإنصاف، ومالوا إلى الجور والاعتساف، ولعله عام يتناول لكل من ظلم نفسه بالإعراض عن تدبر ما في السورة بل القرآن كله.
وقوله ﴿ أيّ منقلب ﴾ صفة لمصدر محذوف والعامل ﴿ ينقلبون ﴾ أي ينقلبون في الدركات السفلى انقلاباً أيّ منقلب ولا يعمل فيه ﴿ يعلم ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
وعن ابن عباس أنه قرأه بالفاء والتاء والمراد سيعلمون أنه ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة.
التأويل: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجميين ﴾ فيه إظهار القدرة من وجهين: الأول جعل الأعجمي بحيث يقرا العربي عليهم كقول القائل: أمسيت كردياً واصبحت عربياً.
والثاني أن أهل الإنكار لا يصيرون أهل الإقرار ولو أتاهم مثل هذا الإعجاز البين، وذلك لأن الله كذلك يسلكه في قلوبهم فيأتيهم عذاب البعد والطرد في الدنيا ﴿ بغتة وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نيام فإذا ماتوا انتبهوا فيقولون هل نحن منظرون.
﴿ وما ينبغي لهم وما يستطيعون ﴾ لأنهم خلقوا من النار والقرآن نور قديم فلا يكون للنار المخلوقة قوة حمل النور القديم، ولهذا تستغيث النار من نور المؤمن وتقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.
﴿ فتكون من المعذبين ﴾ لأن كل من طلب مع الله شيئاً آخر حتى الجنة فله عذاب البعد والحرمان من الله.
﴿ وأنذر عشيرتك ﴾ فيه أن النسب نسب النفوس فإن أكل المرء يشبعه ولا يشبع ولده.
إلا إذا أكل الطعام كما أكل والده وهذا معنى المتابعة.
﴿ إني بريء مما تعملون ﴾ لم يقل "إني بريء منكم" لأن المراد لا تبرأ منهم وقل لهم قولاً جميلاً بالنصح والموعظة الحسنة حتى يرجعوا ببركة دعوتك إلى القول الحق، أو ينالوا الجنة بواسطة شفاعتك.
﴿ وتقلبك في الساجدين ﴾ بأن خلق روح كل ساجد من روحك.
﴿ إنه هو السميع ﴾ في الأزل مقالتك "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" لأن أرواحهم خلقت من روحك ﴿ العليم ﴾ باستحقاقك لهذه الكرامة الله حسبي.
قوله: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ : خرج هذا - والله أعلم - وما تقدم ذكره من الآيات جواباً لقول كان من رؤساء الكفرة وقادتهم لا يزالون يلبسون على أتباعهم والسفلة أمر رسول الله وما ينزل، فقالوا مرة: ﴿ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ومرة: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ ، وأنه شاعر وأنه ساحر، ومرة قالوا: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ، وأمثال هذا، فجائز أن كان منهم - أيضاً - قول: إن الشياطين هم الذين يتنزلون بهذا القرآن عليه، على ما ذكر أنهم قالوا: يجيء به الرئي - وهو الشيطان - فيلقيه على لسانه، فقال عند ذلك جواباً لهم: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ...
﴾ الآية، ولكن إنما يتنزل به جبريل حيث قال: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ...
﴾ الآية [النحل: 102].
ثم أخبر عن الشياطين أنهم على من ينزلون حيث قال: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ ﴾ فقال: ﴿ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ ، ذكر هذا لما عرفوا هم أن الشياطين لا يتنزلون إلا بكذب وباطل، فمن لا ينزل إلا بكذب وباطل لا ينزل إلا على كذاب أفاك، وكان معلوما عندهم أن محمدا لم يكذب قط ولا أفك أبداً؛ إذ لم يأخذوه يكذب فيما بينهم قط، فيقول - والله أعلم - كيف يتنزل عليه الشياطين وهو معروف عندكم أنه ليس بكذاب ولا أفاك، وقد تعلمون أن الشياطين لا ينزلون إلا بكذب وباطل؟!
على هذا يخرج تأويل هذه الآيات، وإلا على الابتداء لا يحتمل أن تكون.
ثم أخبر عن صنيع الشياطين فقال: ﴿ يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾ : قال بعضهم: يلقي الشياطين بآذانهم إلى السمع في السماء لكلام الملائكة، وذلك أن الله إذا أراد أمراً في الأرض علم به أهل السماء من الملائكة، فيتكلمون به فيسمع الشياطين ذلك، فيخبرون به الكهنة، فيخبر الكهنة أهل الأرض بذلك، فيقولون: إنه يكون في الأرض كذا في وقت كذا، ثم قال: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾ - على هذا التأويل -: وأكثر الشياطين كاذبون فيما يخبرون الكهنة من أخبار السماء.
وقال بعضهم: إن الجن كانوا يصعدون إلى السماء فيسترقون أسماعهم إلى السماء، فيسمعون من أخبار أهلها، ثم ينزلون به على الكهنة، ويسمع الكهنة - أيضاً - من أخبار الرسل، ويخلطون ما سمعوا من الرسل من الحق بما سمعوا من الشياطين.
وقال بعضهم: كانوا يسمعون من الجن حقّاً، لكنهم يخلطون من عند أنفسهم كذباً، فيحدثون به الناس، حتى إذا كان الناس يتركون ما يسمعون منهم من الكذب، حدثوهم بذلك الحق الذي نزل به من السماء، ويراجعونهم ويصدقونهم؛ فذلك قول الله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾ أي: أكثر قولهم كذب، والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ ﴾ قال بعضهم: رجلان شاعران كانا على عهد رسول الله : أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، فهجوا رسول الله وأصحابه ومع كل واحد منهما غواة من قومه؛ فذلك قوله: ﴿ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ ﴾ .
قال: فاستأذن شعراء المسلمين النبي أن يقتصوا من المشركين، فأذن لهم النبي، فهجوا المشركين ومدحوا النبي وذلك قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ؛ أخبر في الأول: ﴿ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ ﴾ ، فاستثنى شعراء المسلمين بقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
وقال بعضهم: الشعراء عصاة الجن يتبعهم غواة الإنس؛ كقوله: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .
وقال بعضهم: هم الكفار ضلال الجن والإنس؛ وهو مثل الأول.
وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴾ : قال بعضهم: في كل فن يأخذون، أي: يمدحون قوماً بباطل، ويذمون قوماً بباطل.
﴿ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ﴾ ، وأنهم يصفون ما لا يعلمون؛ وكذلك ذكر في بعض الحروف أنه كذلك.
وقال بعضهم: إنهم في كل لغو وباطل يخوضون.
﴿ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ﴾ يقول: في أكثر قولهم يكذبون.
وقال بعضهم: ﴿ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ﴾ أي: يقولون: فعلنا كذا، وهم كذبة؛ لم يفعلوا ذلك.
وقال أبو عوسجة: ﴿ يَهِيمُونَ ﴾ أي: يذهبون ويمضون ويركبون كل واد، هام يهيم هيماً فهو هائم، ويقال: الهائم: العطشان، يقول: هام يهيم هيما، وهيمان، عطشان، وقوم هيم، والهائم، الواهن المحب الذي هو عطشان إلى لقاء من يحب، والتهويم: النوم؛ يقال: هوم يهوم تهويما، وقوله: ﴿ فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ ﴾ هم العطاش، والواحد: هيمان.
وقال القتبي: ﴿ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴾ أي: في كل واد من القول [و]في كل مذهب يذهبون؛ كما يذهب الهائم على وجهه.
وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ : هذا الاستثناء يحتمل أن يكون من قوله: ﴿ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ ﴾ وهو ما ذكرنا؛ كأنه قال: أولئك الشعراء وهم القادة منهم الذين قالوا: نحن نقول بمثل ما أتى محمد وقالوا الشعر وأنشدوه واجتمع إليهم غواة من قومهم يستمعون أشعارهم، ويروون عنهم حين يهجون النبي وأصحابه، فاستثنى شعراء المسلمين الذين قالوا الشعر وأنشدوه في انتصار رسول الله وأصحابه فقال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ فإنهم لا يتبعهم الغاوون.
أو أن يكون الاستثناء من قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ فإنهم لا يهيمون في كل واد، ويقولون ما يفعلون، ولا يقولون ما لا يفعلون، بل يذكرون الله كثيراً وينتصرون لرسوله؛ ولأنفسهم من بعد ما ظلموا؛ فيكون الاستثناء في أحد التأويلين من الاتباع [و]في الآخر من الأئمة والقادة؛ فكان منهم قول سبق في ذلك، حتى قال: ﴿ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر؛ إذ لا يحتمل على الابتداء دون قول كان منهم على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ...
﴾ ، وقوله: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ...
﴾ الآية، قد كان من أولئك الكفرة قول وطعن بأن الشياطين هم الذين يتنزلون به عليه، حتى خرج جواباً لهم: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ ﴾ ، وإن لم يذكر ذلك، يظهر ذلك في الجواب أن كان منهم قول وطعن، وإن لم يذكر، ثم أوعدهم وقال: ﴿ وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾ يحتمل في الآخرة في منقلب الظلمة وهي النار، أي: يعلمون علم عيان يومئذ، وإن لم يعلموا ذلك في الدنيا علم استدلال لما تركوا النظر فيه.
أو يعلمون ذلك علم عيان في الآخرة، وإن علموا في الدنيا علم استدلال، لكنهم تعاندوا وكابروا فلم يؤمنوا، والله أعلم وصلى الله على رسولنا محمد وآله أجمعين.
والشعراء الذين زعمتم أن محمدًا منهم يتبعهم المنحرفون عن طريق الهدى والاستقامة، فيروون ما يقولونه من شعر.
<div class="verse-tafsir" id="91.Mrp3n"