الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ٢٢٧ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 127 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٢٧ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) : قال محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبي الحسن سالم البراد - مولى تميم الداري - قال : لما نزلت : ( والشعراء يتبعهم الغاوون ) ، جاء حسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يبكون فقالوا : قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء .
فتلا النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) قال : " أنتم " ، ( وذكروا الله كثيرا ) قال : " أنتم " ، ( وانتصروا من بعد ما ظلموا ) قال : " أنتم " .
رواه ابن أبي حاتم .
وابن جرير ، من رواية ابن إسحاق .
وقد روى ابن أبي حاتم أيضا ، عن أبي سعيد الأشج ، عن أبي أسامة ، عن الوليد بن كثير ، عن يزيد بن عبد الله ، عن أبي الحسن مولى بني نوفل ; أن حسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نزلت : ( والشعراء يتبعهم الغاوون ) يبكيان ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرؤها عليهما : ( والشعراء يتبعهم الغاوون ) حتى بلغ : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) ، قال : " أنتم " .
وقال أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن عروة قال : لما نزلت : ( والشعراء يتبعهم الغاوون ) إلى قوله : ( يقولون ما لا يفعلون ) قال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله ، قد علم الله أني منهم .
فأنزل الله : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) إلى قوله : ( ينقلبون ) .
وهكذا قال ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، وقتادة ، وزيد بن أسلم ، وغير واحد أن هذا استثناء مما تقدم .
ولا شك أنه استثناء ، ولكن هذه السورة مكية ، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية [ في ] شعراء الأنصار ؟
في ذلك نظر ، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها ، والله أعلم ، ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم ، حتى يدخل فيه من كان متلبسا من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله ، ثم تاب وأناب ، ورجع وأقلع ، وعمل صالحا ، وذكر الله كثيرا في مقابلة ما تقدم من الكلام السيئ ، فإن الحسنات يذهبن السيئات ، وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما كذب بذمه ، كما قال عبد الله بن الزبعرى حين أسلم : يا رسول المليك ، إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور إذ أجاري الشيطان في سنن الغي ي ومن مال ميله مثبور وكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، كان من أشد الناس عداوة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن عمه ، وأكثرهم له هجوا ، فلما أسلم لم يكن أحد أحب إليه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان يمدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما كان يهجوه ، ويتولاه بعدما كان قد عاداه .
وهكذا روى مسلم في صحيحه ، عن ابن عباس : أن أبا سفيان صخر بن حرب لما أسلم قال : يا رسول الله ، ثلاث أعطنيهن قال : " نعم " .
قال : معاوية تجعله كاتبا بين يديك .
قال : " نعم " .
قال : وتؤمرني حتى أقاتل الكفار ، كما كنت أقاتل المسلمين .
قال : " نعم " .
وذكر الثلاثة .
ولهذا قال تعالى : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا ) قيل : معناه : ذكروا الله كثيرا في كلامهم .
وقيل : في شعرهم ، وكلاهما صحيح مكفر لما سبق .
وقوله : ( وانتصروا من بعد ما ظلموا ) قال ابن عباس : يردون على الكفار الذين كانوا يهجون به المؤمنين .
وكذا قال مجاهد ، وقتادة ، وغير واحد .
وهذا كما ثبت في الصحيح : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لحسان : " اهجهم - أو قال : هاجهم - وجبريل معك " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن أبيه أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله ، عز وجل ، قد أنزل في الشعر ما أنزل ، فقال : " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده ، لكأن ما ترمونهم به نضح النبل " .
وقوله : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) ، كما قال تعالى : ( يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) [ غافر : 52 ] وفي الصحيح : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إياكم والظلم ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة " .
وقال قتادة بن دعامة في قوله : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) يعني : من الشعراء وغيرهم .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا إياس بن أبي تميمة ، قال : حضرت الحسن ومر عليه بجنازة نصراني ، فقال الحسن : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) .
وقال عبد الله بن رباح ، عن صفوان بن محرز : أنه كان إذا قرأ هذه الآية - بكى حتى أقول : قد اندق قضيب زوره - ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) .
وقال ابن وهب : أخبرني ابن سريج الإسكندراني ، عن بعض المشيخة : أنهم كانوا بأرض الروم ، فبينما هم ليلة على نار يشتوون عليها - أو : يصطلون - إذا بركاب قد أقبلوا ، فقاموا إليهم ، فإذا فضالة بن عبيد فيهم ، فأنزلوه فجلس معهم - قال : وصاحب لنا قائم يصلي - قال حتى مر بهذه الآية : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) قال فضالة بن عبيد : هؤلاء الذين يخربون البيت .
وقيل : المراد بهم أهل مكة .
وقيل : الذين ظلموا من المشركين .
والصحيح أن هذه الآية عامة في كل ظالم ، كما قال ابن أبي حاتم : ذكر عن زكريا بن يحيى الواسطي : حدثني الهيثم بن محفوظ أبو سعد النهدي ، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن المجير حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : كتب أبي وصيته سطرين : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة ، عند خروجه من الدنيا ، حين يؤمن الكافر ، وينتهي الفاجر ، ويصدق الكاذب : إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، فإن يعدل فذاك ظني به ، ورجائي فيه ، وإن يجر ويبدل فلا أعلم الغيب ، ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) .
آخر تفسير سورة " الشعراء " والحمد لله رب العالمين .
وقوله: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) وهذا استثناء من قوله ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ).
وذكر أن هذا الاستثناء نـزل في شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم, كحسان بن ثابت, وكعب بن مالك, ثم هو لكلّ من كان بالصفة التي وصفه الله بها.
وبالذي قلنا في ذلك جاءت الأخبار.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة وعليّ بن مجاهد, وإبراهيم بن المختار, عن ابن إسحاق, عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط, عن أبي الحسن سالم البراد مولى تميم الداري, قال: لما نـزلت: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) قال: جاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة, وكعب بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهم يبكون, فقالوا: قد علم الله حين أنـزل هذه الآية أنا شعراء, فتلا النبيّ صلى الله عليه وسلم: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ).
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثنا محمد بن إسحاق, عن بعض أصحابه, عن عطاء بن يسار, قال: نـزلت (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) إلى آخر السورة في حسَّان بن ثابت, وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك.
قال: ثنا يحيى بن واضح, عن الحسين, عن يزيد, عن عكرمة وطاوس, قالا قال: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ), فنسخ من ذلك واستثنى, قال: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )...
الآية.
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قال: ثم استثنى المؤمنين منهم, يعني الشعراء, فقال: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ).
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس, فذكر مثله.
حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) قال: هم الأنصار الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عيسى بن يونس, عن محمد بن إسحاق, عن يزيد بن عبد الله بن قسيط, عن أبي حسن البراد, قال: لما نـزلت: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) ثم ذكر نحو حديث ابن حميد عن سلمة.
وقوله: (وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) اختلف أهل التأويل في حال الذكر الذي وصف الله به هؤلاء المستثنين من الشعراء, فقال بعضهم: هي حال منطقهم ومحاورتهم الناس, قالوا: معنى الكلام: وذكروا الله كثيرا في كلامهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ) في كلامهم.
وقال آخرون: بل ذلك في شعرهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ) قال: ذكروا الله في شعرهم.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وصف هؤلاء الذين استثناهم من شعراء المؤمنين بذكر الله كثيرا, ولم يخص ذكرهم الله على حال دون حال في كتابه, ولا على لسان رسوله, فصفتهم أنهم يذكرون الله كثيرا في كلّ أحوالهم.
وقوله: ( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) يقول: وانتصروا ممن هجاهم من شعراء المشركين ظلما بشعرهم وهجائهم إياهم, وإجابتهم عما هجوهم به.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: ( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) قال: يردون على الكفار الذين كانوا يهجون المؤمنين.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: وانتصروا من المشركين (مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ).
وقيل: عني بذلك كله الرهط الذين ذكرت.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا عليّ بن مجاهد وإبراهيم بن المختار, عن ابن إسحاق, عن يزيد بن عبد الله بن قسيط, عن أبي الحسن سالم البراد مولى تميم الداريّ, قال: لما نـزلت: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) جاء حسَّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة, وكعب بن مالك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهم يبكون, فقالوا: قد علم الله حين أنـزل هذه الآية أنا شعراء, فتلا النبيّ صلى الله عليه وسلم: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ).
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عيسى بن يونس, عن محمد بن إسحاق, عن يزيد بن عبد الله بن قسيط, عن أبي حسن البراد, قال: لما نـزلت (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) ثم ذكر نحوه.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) قال: عبد الله بن رواحة وأصحابه.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) قال: عبد الله بن رواحة.
وقوله: ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) يقول تعالى ذكره: وسيعلم الذين ظلموا أنفسهم بشركهم بالله من أهل مكة ( أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) يقول: أي مرجع يرجعون إليه, وأي معاد يعودون إليه بعد مماتهم, فإنهم يصيرون إلى نار لا يُطفأ سعيرها, ولا يَسْكُن لهبها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, وعليّ بن مجاهد, وإبراهيم بن المختار, عن ابن إسحاق, عن يزيد بن عبد الله بن قسيط, عن أبي الحسن سالم البراد مولى تميم الداري: ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) يعني: أهل مكة.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) قال: وسيعلم الذين ظلموا من المشركين أي منقلب ينقلبون.
آخر تفسير سورة الشعراء
ثم استثنى شعر المؤمنين : حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وكعب بن زهير ومن كان على طريقهم من القول الحق ; فقال إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا في كلامهم .
وانتصروا من بعد ما ظلموا وإنما يكون الانتصار بالحق ، وبما حده الله عز وجل ، فإن تجاوز ذلك فقد انتصر بالباطل .
وقال أبو الحسن المبرد .
لما نزلت : " والشعراء " جاء حسان وكعب بن مالك وابن رواحة يبكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ; [ ص: 142 ] فقالوا : يا نبي الله !
أنزل الله تعالى هذه الآية ، وهو تعالى يعلم أنا شعراء ؟
فقال : اقرءوا ما بعدها إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات - الآية - أنتم وانتصروا من بعد ما ظلموا أنتم أي بالرد على المشركين .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : انتصروا ولا تقولوا إلا حقا ولا تذكروا الآباء والأمهات فقال حسان لأبي سفيان :هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاءوإن أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاءأتشتمه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداءلساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاءوقال كعب يا رسول الله !
إن الله قد أنزل في الشعر ما قد علمت فكيف ترى فيه ؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن المؤمن يجاهد بنفسه وسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل .
وقال كعب :جاءت سخينة كي تغالب ربها وليغلبن مغالب الغلابفقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد مدحك الله يا كعب في قولك هذا .
وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى : والشعراء يتبعهم الغاوون منسوخ بقوله : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات .
قال المهدوي : وفي الصحيح عن ابن عباس أنه استثناء .
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون في هذا تهديد لمن انتصر بظلم قال شريح سيعلم الظالمون كيف يخلصون من بين يدي الله عز وجل ; فالظالم ينتظر العقاب ، والمظلوم ينتظر النصرة .
وقرأ ابن عباس : ( أي منفلت ينفلتون ) بالفاء والتاء ومعناهما واحد ذكره الثعلبي .
ومعنى : أي منقلب ينقلبون أي مصير يصيرون وأي مرجع يرجعون ; لأن مصيرهم إلى النار ، وهو أقبح مصير ، ومرجعهم إلى العقاب وهو شر مرجع .
والفرق بين المنقلب والمرجع أن المنقلب الانتقال إلى ضد ما هو فيه ، والمرجع العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها فصار كل مرجع [ ص: 143 ] منقلبا ، وليس كل منقلب مرجعا ; والله أعلم ; ذكره الماوردي .
و ( أي ) منصوب ب ( ينقلبون ) وهو بمعنى المصدر ، ولا يجوز أن يكون منصوبا ب ( سيعلم ) لأن " أيا " وسائر أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها فيما ذكر النحويون ; قال النحاس : وحقيقة القول في ذلك أن الاستفهام معنى وما قبله معنى آخر فلو عمل فيه ما قبله لدخل بعض المعاني في بعض .
ولما وصف الشعراء بما وصفهم به, استثنى منهم من آمن بالله ورسوله, وعمل صالحا, وأكثر من ذكر الله, وانتصر من أعدائه المشركين من بعد ما ظلموهم.
فصار شعرهم من أعمالهم الصالحة, وآثار إيمانهم, لاشتماله على مدح أهل الإيمان, والانتصار من أهل الشرك والكفر, والذب عن دين الله, وتبيين العلوم النافعة, والحث على الأخلاق الفاضلة فقال: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) ينقلبون إلى موقف وحساب, لا يغادر صغيرة ولا كبيرة, إلا أحصاها, ولا حقا إلا استوفاه.
والحمد لله رب العالمين.
( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن أبيه ، أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل " .
أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني ، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ، أخبرنا الهيثم بن كليب ، أخبرنا أبو عيسى الترمذي ، حدثنا إسحاق بن منصور ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا جعفر بن سليمان ، حدثنا ثابت ، عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه ويقول : خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله فقال له عمر : يا ابن رواحة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي حرم الله تقول الشعر ؟
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " خل عنه يا عمر ، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل " أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا شعبة ، أخبرني عدي أنه سمع البراء قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحسان : " اهجهم أو هاجهم وجبريل معك " .
أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني ، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي ، أخبرنا الهيثم بن كليب ، حدثنا أبو عيسى ، حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري وعلي بن حجر - المعنى واحد - قالا حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو ينافح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله يؤيد حسان بروح القدس ، ما ينافح أو يفاخر عن رسول الله " .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغفار بن محمد ، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث ، حدثني أبي عن جدي ، حدثنا خالد بن زيد ، حدثني سعيد بن أبي هلال عن عمارة بن غزية ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي عن سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " اهجوا قريشا فإنه أشد عليهم من رشق النبل " ، فأرسل إلى ابن رواحة فقال : " اهجهم " ، فهجاهم فلم يرض ، فأرسل إلى كعب بن مالك ، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت ، فلما دخل عليه قال حسان : قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه ، فجعل يحركه ، فقال : والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تعجل ، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها ، وإن لي فيهم نسبا حتى يخلص لك نسبي " ، فأتاه حسان ثم رجع ، فقال : يا رسول الله قد خلص لي نسبك ، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين .
قالت عائشة : فسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لحسان : " إن روح القدس لا يزال يؤيدك ، ما نافحت عن الله ورسوله " ، وقالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " هجاهم حسان فشفى واشتفى " ، قال حسان : هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء هجوت محمدا برا حنيفا رسول الله شيمته الوفاء فإن أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس له كفاء أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب عن الزهري ، أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن أن مروان بن الحكم أخبره أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبره أن أبي بن كعب أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن من الشعر لحكمة " قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : الشعر كلام ، فمنه حسن ، ومنه قبيح ، فخذ الحسن ودع القبيح وقال الشعبي : كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يقول الشعر ، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول الشعر ، وكان علي رضي الله تعالى عنه أشعر الثلاثة .
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده; فروي أنه دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي فاستنشده القصيدة التي قالها فقال : أمن آل نعم أنت غاد فمبكر غداة غد أم رائح فمهجر فأنشده ابن أبي ربيعة القصيدة إلى آخرها ، وهي قريبة من سبعين بيتا ، ثم إن ابن عباس أعاد القصيدة جميعها ، وكان حفظها بمرة واحدة .
( وذكروا الله كثيرا ) أي : لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله ( وانتصروا من بعد ما ظلموا ) قال مقاتل : انتصروا من المشركين ، لأنهم بدءوا بالهجاء .
ثم أوعد شعراء المشركين فقال : ( وسيعلم الذين ظلموا ) أشركوا وهجوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( أي منقلب ينقلبون ) أي مرجع يرجعون بعد الموت .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : إلى جهنم والسعير .
والله أعلم .
«إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات» من الشعراء.
«وذكروا الله كثيرا» لم يشغلهم الشعر عن الذكر «وانتصروا» بهجوهم الكفار «من بعد ما ظلموا» بهجو الكفار لهم في جملة المؤمنين فليسو مذمومين قال الله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) وقال تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم) «وسيعلم الذين ظلموا» من الشعراء وغيرهم «أي منقلب» مرجع «ينقلبون» يرجعون بعد الموت.
استثنى الله من الشعراءِ الشعراءَ الذين اهتدَوْا بالإيمان وعملوا الصالحات، وأكثروا مِن ذِكْر الله فقالوا الشعر في توحيد الله - سبحانه- والثناء عليه جلَّ ذكره، والدفاع عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وتكلموا بالحكمة والموعظة والآداب الحسنة، وانتصروا للإسلام، يهجون مَن يهجوه أو يهجو رسوله، ردًّا على الشعراء الكافرين.
وسيعلم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي، وظلموا غيرهم بغمط حقوقهم، أو الاعتداء عليهم، أو بالتُّهم الباطلة، أي مرجع من مراجع الشر والهلاك يرجعون إليه؟
إنَّه منقلب سوء، نسأل الله السلامة والعافية.
وقوله - تعالى : ( إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ .
.
.
) استثناء من الشعراء المذمومين الذين يتبعهم الغاوون ، والذين هم فى كل واد يهيمون .أى : إلا الشعراء الذين آمنوا بالله - تعالى - وعملوا الأعمال الصالحات وذكروا الله كثيرا بحيث لا يشغلهم شعرهم عن طاعة الله ، وانتصروا من بعد ما ظلموا من أعدائهم الكافرين ، بأن ردوا على أباطيلهم ، ودافعوا عن الدين الحق .إلا هؤلاء ، فإنهم لا يكونون من الشعراء المذمومين ، بل هم من الشعراء الممدوحين .قال ابن كثير : لما نزل قوله - تعالى - : ( والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون ) جاء حسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون وقالوا .
قد علم الله - تعالى - أنا شعراء ، فتلا عليهم النبى صلى الله عليه وسلم : ( إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ) قال : أنتم .
( وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً ) قال : أنتم ( وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ) قال : أنتم " .فالشعراء : منهم المذمومون وهم الذين فى كل واد يهيمون ويقولون مالا يفعلون .
.ومنهم الممدوحون وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا .والشعر فى ذاته كلام : حسنه حسن ، وقبيحه قبيح ، فخذ الحسن ، واترك القبيح .وقد تكلم العلماء هنا كلاما ويلا يتعلق بتفسير هذه الآيات التى تحدثت عن الشعراء فارجع إليه إن شئت .ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى - ( وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) .والمنقلب : المرجع والمصير ، وهو مفعول مطلق .
أى : ينقلبون أى انقلاب والجملة الكريمة مشتملة على أشد ألوان التهديد والوعيد للظالمين .قال القرطبى : ومعنى : ( أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) أى مصير يصيرون ، وأى مرجع يرجعون ، لأن مصيرهم إلى النار ، وهو أقبح مصير ، ومرجعهم إلى العقاب وهو شر مرجع يرجعون ، لأن مصيرهم إلى النار ، وهو أقبح مصير ، ومرجعهم إلى العقاب وهو شر مرجع والفرق بين المنقلب والمرجع : أن المنقلب : الانتقال إلى ضد ما هو فيه ، والمرجع : العود من حال هو فيها ، إلى حال كان عليها ، فصار كل مرجع منقلبا ، وليس كل منقلب مرجعا .وقال الإمام ابن كثير : والصحيح أن هذه الآية عامة فى كل ظالم .
.
.
وعن عائشة - رضى الله عنها - قالت : كتب أبى وصيته من سطرين : بسم الله الرحمن الرحيم .
هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبى قحافة ، عند خروجه من الدنيا ، حين يؤمن الكافر ، وينتهى الفاجر ، ويصدق الكاذب .
إنى استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، فإن يعدل فذاك ظنى به ، ورجائى فيه ، وإن يظلم ويبدل فلا أعلم الغيب ( وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) .
اعلم أن الكفار لما قالوا: لم لا يجوز أن يقال إن الشياطين تنزل بالقرآن على محمد كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة وبالشعر على الشعراء؟
ثم إنه سبحانه فرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الكهنة، فذكر هاهنا ما يدل على الفرق بينه عليه السلام وبين الشعراء، وذلك هو أن الشعراء يتبعهم الغاوون، أي الضالون، ثم بين تلك الغواية بأمرين: الأول: ﴿ أَنَّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴾ والمراد منه الطرق المختلفة كقولك أنا في واد وأنت في واد، وذلك لأنهم قد يمدحون الشيء بعد أن ذموه وبالعكس، وقد يعظمونه بعد أن استحقروه وبالعكس، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون بشعرهم الحق ولا الصدق بخلاف أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه من أول أمره إلى آخره بقي على طريق واحد وهو الدعوة إلى الله تعالى والترغيب في الآخرة والإعراض عن الدنيا الثاني: ﴿ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ﴾ وذلك أيضاً من علامات الغواة، فإنهم يرغبون في الجود ويرغبون عنه، وينفرون عن البخل ويصرون عليه، ويقدحون في الناس بأدنى شيء صدر عن واحد من أسلافهم، ثم إنهم لا يرتكبون إلا الفواحش، وذلك يدل على الغواية والضلالة.
وأما محمد صلى الله عليه وسلم فإنه بدأ بنفسه حيث قال الله تعالى له: ﴿ فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين ﴾ ثم بالأقرب فالأقرب حيث قال الله تعالى له: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين ﴾ وكل ذلك على خلاف طريقة الشعراء، فقد ظهر بهذا الذي بيناه أن حال محمد صلى الله عليه وسلم ما كان يشبه حال الشعراء، ثم إن الله تعالى لما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة بياناً لهذا الفرق استثنى عنهم الموصوفين بأمور أربعة: أحدها: الإيمان وهو قوله: ﴿ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ ﴾ .
وثانيها: العمل الصالح وهو قوله: ﴿ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ .
وثالثها: أن يكون شعرهم في التوحيد والنبوة ودعوة الخلق إلى الحق، وهو قوله: ﴿ وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً ﴾ .
ورابعها: أن لا يذكروا هجو أحد إلا على سبيل الانتصار ممن يهجوهم، وهو قوله: ﴿ وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ﴾ قال الله تعالى: ﴿ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ ثم إن الشرط فيه ترك الاعتداء لقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ ﴾ وقيل المراد بهذا الاستثناء عبدالله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير لأنهم كانوا يهجون قريشاً، وعن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «اهجهم، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل».
وكان يقول لحسان بن ثابت: «قل وروح القدس معك».
فأما قوله تعالى: ﴿ وَسَيَعْلَمْ الذين ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾ فالذي عندي فيه والله أعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة ما يزيل الحزن عن قلب رسوله صلى الله عليه وسلم من الدلائل العقلية، ومن أخبار الأنبياء المتقدمين، ثم ذكر الدلائل على نبوته عليه السلام، ثم ذكر سؤال المشركين في تسميتهم محمداً صلى الله عليه وسلم تارة بالكاهن، وتارة بالشاعر، ثم إنه تعالى بين الفرق بينه وبين الكاهن أولاً ثم بين الفرق بينه وبين الشاعر ثانياً ختم السورة بهذا التهديد العظيم، يعني إن الذين ظلموا أنفسهم وأعرضوا عن تدبر هذه الآيات، والتأمل في هذه البينات فإنهم سيعلمون بعد ذلك أي منقلب ينقلبون وقال الجمهور: المراد منه الزجر عن الطريقة التي وصف الله بها هؤلاء الشعراء، والأول أقرب إلى نظم السورة من أولها إلى آخرها، والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه أجمعين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله وتلاوة القرآن، وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعراً قالوه في توحيد الله والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والآداب الحسنة، ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة وصلحاء الأمة، وما لا بأس به من المعاني التي لا يتلطخون فيها بذنب ولا يتلبسون بشائنة ولا منقصة، وكان هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم.
قال الله تعالى: ﴿ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ [النساء: 148] وذلك من غير اعتداء ولا زيادة على ما هو جواب لقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 194] وعن عمرو بن عبيد: أن رجلاً من العلوية قال له: إن صدري ليجيش بالشعر، فقال: فما يمنعك منه فيما لا بأس به؟
والقول فيه: أن الشعر باب من الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام.
وقيل: المراد بالمستثنين: عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، والكعبان: كعب بن مالك، وكعب بن زهير؛ والذين كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكافحون هجاة قريش.
وعن كعب بن مالك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «اهجُهم؛ فوالذي نفسِي بيدِهِ لهُو أَشدُّ عليهم منَ النبل» وكان يقول لحسان: «قلْ وروحُ القدسِ معَكَ» ختم السورة بآية ناطقة بما لا شيء أهيب منه وأهول، ولا أنكى لقلوب المتأمّلين ولا أصدع لأكباد المتدبرين، وذلك قوله: ﴿ وَسَيَعْلَمُ ﴾ وما فيه من الوعيد البليغ، وقوله ﴿ الذين ظَلَمُواْ ﴾ وإطلاقه.
وقوله: ﴿ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾ وإبهامه، وقد تلاها أبو بكر لعمر رضي الله عنهما حين عهد إليه: وكان السلف الصالح يتواعظون بها ويتناذرون شدتها.
وتفسير الظلم بالكفر تعليل، ولأن تخاف فتبلغ الأمن: خير من أن تأمن فتبلغ الخوف.
وقرأ ابن عباس: ﴿ أي منفلت ينفلتون ﴾ ومعناها: إن الذين ظلموا يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله، وسيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة: اللهم اجعلنا ممن جعل هذه الآية بين عينيه فلم يغفل عنها؛ وعلم أن من عمل سيئة فهو من الذين ظلموا، والله أعلم بالصواب.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منْ قرأَ سورةَ الشعراءِ كان لَه من الأجر عشرُ حسناتٍ بعددِ منْ صَدَّق بنوحٍ وكذَّبَ بهِ وهودٍ وشعيبٍ وصالحٍ وإبراهيمَ وبعددِ منْ كَذَّبَ بعيسى وصدّق بمحمدٍ عليهمُ الصلاةُ والسَلامُ»
﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ اسْتِثْناءٌ لِلشُّعَراءِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ ذِكْرَ اللَّهِ ويَكُونُ أكْثَرُ أشْعارِهِمْ في التَّوْحِيدِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى والحَثِّ عَلى طاعَتِهِ، ولَوْ قالُوا هَجْوًا أرادُوا بِهِ الِانْتِصارَ مِمَّنْ هَجاهم ومُكافَحَةَ هُجاةِ المُسْلِمِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ وحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ والكَعْبَيْنِ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ لِحَسّانَ «قُلْ ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ» .
( وعَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهُ «اهْجُهم فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهو أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبْلِ» ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِما في سَيَعْلَمُ مِنَ الوَعِيدِ البَلِيغِ وفي الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنَ الإطْلاقِ والتَّعْمِيمِ، وفي ﴿ أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ مِنَ الإيهامِ والتَّهْوِيلِ، وقَدْ تَلاها أبُو بَكْرٍ لَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حِينَ عَهِدَ إلَيْهِ، وقُرِئَ «أيَّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُونَ» مِنَ الِانْفِلاتِ وهو النَّجاةُ والمَعْنى: أنَّ الظّالِمِينَ يَطْمَعُونَ أنْ يَنْفَلِتُوا عَنْ عَذابِ اللَّهِ وسَيَعْلَمُونَ أنْ لَيْسَ لَهم وجْهٌ مِن وُجُوهِ الِانْفِلاتِ.
عَنِ النَّبِيِّ «مَن قَرَأ سُورَةَ الشُّعَراءِ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ بِنُوحٍ وكَذَّبَ بِهِ وهُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ وإبْراهِيمَ وبِعَدَدِ مَن كَذَّبَ بِعِيسى وصَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ» .
{إلا الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات} كعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير وكعب بن مالك رضي الله عنهم {وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً} أي كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر وإذا قالوا شعراً قالوه في توحيد الله تعالى والثناء عليه والحكمة والموعظة والزهد والأدب ومدح رسول الله والصحابة وصلحاء الأمة ونحو ذلك مما ليس فيه ذنب وقال أبو يزيد الذكر الكثير ليس بالعدد والغفلة لكنه بالحضور {وانتصروا} وهجوا من بعد ما ظَلَمُواْ هجوا أي ردوا هجاء من هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وأحق الخلق بالهجاء من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجاه وعن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل وكان يقول لحسان وقل وروح القدس معك ختم السورة بما يقطع أكباد المتدبرين وهو قوله {وَسَيَعْلَمْ} وما فيه من الوعيد البليغ وقوله {الذين ظلموا} واطلافه وقوله {أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} وإبهامه وقد تلاها أبو بكر لعمر رضي الله تعالى عنه حين عهد إليه وكان السلف يتواعظو بها قال ابن عطاء سيعلم المعرض عنا ما الذي فاته منا وأي منصوب ينقلبون على المصدر لا بيعلم لأن أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها أي يتقلبون أي الانقلاب
النمل (٥ - ١)
سورة النمل
سورة النمل مكية وهي ثلاث وتسعون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ اسْتِثْناءٌ لِلشُّعَراءِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ ذِكْرَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ويَكُونُ أكْثَرُ أشْعارِهِمْ في التَّوْحِيدِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - والحَثِّ عَلى الطّاعَةِ والحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ، والزُّهْدِ في الدُّنْيا، والتَّرْهِيبِ عَنِ الرُّكُونِ إلَيْها، والِاغْتِرارِ بِزَخارِفِها، والِافْتِتانِ بِمَلاذِّها الفانِيَةِ، والتَّرْغِيبِ فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ونَشْرِ مَحاسِنِ رَسُولِهِ ومَدْحِهِ وذِكْرِ مُعْجِزاتِهِ؛ لِيَتَغَلْغَلَ حُبُّهُ في سُوَيْداءِ قُلُوبِ السّامِعِينَ، وتَزْدادَ رَغَباتُهم في اتِّباعِهِ، ونَشْرِ مَدائِحِ آلِهِ وأصْحابِهِ وصُلَحاءِ أُمَّتِهِ لِنَحْوِ ذَلِكَ، ولَوْ وقَعَ مِنهم في بَعْضِ الأوْقاتِ هَجْوٌ وقَعَ بِطَرِيقِ الِانْتِصارِ مِمَّنْ هَجاهم مِن غَيْرِ اعْتِداءٍ ولا زِيادَةٍ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قِراءَةُ بَعْضِهِمْ «وانْتَصَرُوا بِمِثْلِ ما ظُلِمُوا».
وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَثْنَيْنَ شُعَراءُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يُنافِحُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ويُكافِحُونَ هُجاةَ المُشْرِكِينَ، واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَهْطٍ مِنَ الأنْصارِ هاجُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مِنهم كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، وعَنِ السُّدِّيِّ نَحْوُهُ.
وبِما أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ أبِي حَسَنٍ سالِمٍ البَرّادِ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: (والشُّعَراءُ) الآيَةَ جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ وهم يَبْكُونَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وهو يَعْلَمُ أنّا شُعَراءُ، هَلَكْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ، فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ فَتَلاها عَلَيْهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلى آخِرِ الصِّفاتِ فَقالَ: هم أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، ولَعَلَّهُ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، فَقَدْ جاءَ عَنْهُ في بَعْضِ الرِّواياتِ ما يُشْعِرُ بِالعُمُومِ.
هَذا، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى ذَمِّ الشِّعْرِ والمُبالَغَةِ في المَدْحِ والهَجْوِ وغَيْرِهِما مِن فُنُونِهِ، وجَوازِهِ في الزُّهْدِ والأدَبِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، وجَوازِ الهَجْوِ لِمَن ظُلِمَ انْتِصارًا كَذا قِيلَ.
واعْلَمْ أنَّ الشِّعْرَ بابٌ مِنَ الكَلامِ حَسَنُهُ حَسَنٌ وقَبِيحُهُ قَبِيحٌ، وفي الحَدِيثِ: ««إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً»».
وقَدْ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الشِّعْرَ، وأجازَ عَلَيْهِ، «وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِحَسّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «اهْجُهم - يَعْنِي المُشْرِكِينَ - فَإنَّ رُوحَ القُدُسِ سَيُعِينُكَ»» وفي رِوايَةٍ ««اهْجُهم وجِبْرِيلُ مَعَكَ»».
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعانَ حَسّانًا عَلى مِدْحَتِهِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِسَبْعِينَ بَيْتًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في التّارِيخِ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ في الشُّعَراءِ ما أنْزَلَ فَكَيْفَ تَرى فِيهِ؟
فَقالَ: «إنَّ المُؤْمِنَ يُجاهِدُ بِسَيْفِهِ ولِسانِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأنَّ ما تَرْمُونَهم بِهِ نَضْحَ النَّبْلِ»».
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةً وهم في سَفَرٍ: «أيْنَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ فَقالَ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، قالَ: خُذْ فَجَعَلَ يُنْشِدُهُ ويُصْغِي إلَيْهِ حَتّى فَرَغَ مِن نَشِيدِهِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: لَهَذا أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن وقْعِ النَّبْلِ»».
ويُرْوى عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَنِي لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ مِنبَرًا في المَسْجِدِ يُنْشِدُ عَلَيْهِ الشِّعْرَ».
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مَرْفُوعًا: «الشُّعَراءُ الَّذِينَ يَمُوتُونَ في الإسْلامِ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَقُولُوا شِعْرًا يَتَغَنّى بِهِ الحُورُ العِينُ لِأزْواجِهِنَّ في الجَنَّةِ، والَّذِينَ ماتُوا في الشِّرْكِ يَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ في النّارِ».
وقَدْ أنْشَدَ كُلٌّ مِنَ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أجْمَعِينَ الشِّعْرَ، وكَذا كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - فَمِن شِعْرِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أمِن طَيْفِ سَلْمى بِالبِطاحِ الدَّمائِثِ أرِقْتَ وأمْرٍ في العَشِيرَةِ حادِثِ تَرى مِن لُؤَيٍّ فِرْقَةً لا يَصُدُّها ∗∗∗ عَنِ الكُفْرِ تَذْكِيرٌ ولا بَعْثُ باعِثِ رَسُولٌ أتاهم صادِقٌ فَتَكَذَّبُوا ∗∗∗ عَلَيْهِ وقالُوا لَسْتَ فِينا بِماكِثِ ولَمّا دَعَوْناهم إلى الحَقِّ أدْبَرُوا ∗∗∗ وهَرُّوا هَرِيرَ المُجْحِراتِ اللَّواهِثِ فَكَمْ قَدْ مَثَّلْنا فِيهِمْ بِقَرابَةٍ ∗∗∗ وتَرْكُ التُّقى شَيْءٌ لَهم غَيْرُ كارِثِ فَإنْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وعُقُوقِهِمْ ∗∗∗ فَما طَيِّباتُ الحِلِّ مِثْلُ الخَبائِثِ وإنْ يَرْكَبُوا طُغْيانَهم وضَلالَهم ∗∗∗ فَلَيْسَ عَذابُ اللَّهِ عَنْهم بِلابِثِ ونَحْنُ أُناسٌ مِن ذُؤابَةِ غالِبٍ ∗∗∗ لَنا العِزُّ مِنها في الفُرُوعِ الأثائِثِ فَأوْلى بِرَبِّ الرّاقِصاتِ عَشِيَّةً ∗∗∗ حَراجِيجَ تُحْدِي في السَّرِيحِ الرَّثائِثِ كَأُدْمِ ظِباءٍ حَوْلَ مَكَّةَ عُكَّفٍ ∗∗∗ يَرِدْنَ حِياضَ البِئْرِ ذاتِ النَّبائِثِ لَئِنْ لَمْ يَفِيقُوا عاجِلًا مِن ضَلالِهِمْ ∗∗∗ ولَسْتُ إذا آلَيْتُ يَوْمًا بِحانِثِ لَتَبْتَدِرَنَّهم غارَةٌ ذاتُ مَصْدَقٍ ∗∗∗ تُحَرِّمُ أطْهارَ النِّساءِ الطَّوامِثِ تُغادِرُ قَتْلى يَعْصِبُ الطَّيْرُ حَوْلَهم ∗∗∗ ولا تَرْأفُ الكُفّارُ رَأفَ ابْنِ حارِثِ فَأبْلِغْ بَنِي سَهْمٍ لَدَيْكَ رِسالَةً ∗∗∗ وكُلَّ كَفُورٍ يَبْتَغِي الشَّرَّ باحِثِ فَإنْ تَشَعَّثُوا عَرْضِي عَلى سُوءِ رَأْيِكم ∗∗∗ فَإنِّي مِن أعْراضِكم غَيْرُ شاعِثِ ومِن شِعْرِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وكانَ مِن أنْقَدِ أهْلِ زَمانِهِ لِلشِّعْرِ وأنْفَذِهِمْ فِيهِ مَعْرِفَةً: تَوَعَّدَنِي كَعْبٌ ثَلاثًا يَعِدُّها ∗∗∗ ولا شَكَّ أنَّ القَوْلَ ما قالَهُ كَعْبُ وما بِي خَوْفُ المَوْتِ إنِّي لَمَيِّتٌ ∗∗∗ ولَكِنَّ خَوْفَ الذَّنْبِ يَتْبَعُهُ الذَّنْبُ وقَوْلُهُ ويُرْوى لِلْأعْوَرِ الثَّنِيِّ: هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإنَّ الأُمُورَ ∗∗∗ بِكَفِّ الإلَهِ مَقادِيرُها فَلَيْسَ بِآتِيكَ مَنهِيُّها ∗∗∗ ولا قاصِرٌ عَنْكَ مَأْمُورُها ومِنهُ وقَدْ لَبِسَ بُرْدًا جَدِيدًا فَنَظَرَ النّاسُ إلَيْهِ، ويُرْوى لِوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ مِن أبْياتٍ: لا شَيْءَ مِمّا تَرى تَبْقى بِشاشَتُهُ ∗∗∗ يَبْقى الإلَهُ ويَفْنى المالُ والوَلَدُ لَمْ تُغْنِ عَنْ هُرْمُزَ يَوْمًا خَزائِنُهُ ∗∗∗ والخُلْدَ حاوَلَهُ عادٌ فَما خَلَدُوا ولا سُلَيْمانُ إذْ تَجْرِي الرِّياحُ لَهُ ∗∗∗ والإنْسُ والجِنُّ فِيما بَيْنَها تَرِدُ حَوْضٌ هُنالِكَ مَوْرُودٌ بِلا كَذِبٍ ∗∗∗ لا بُدَّ مِن ورْدِهِ يَوْمًا كَما ورَدُوا ومِن شِعْرِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: غِنى النَّفْسِ يُغْنِي النَّفْسَ حَتّى يَكُفَّها ∗∗∗ وإنَّ عَضَّها حَتّى يَضُرَّ بِها الفَقْرُ ومِن شِعْرِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وكانَ مُجَوِّدًا حَتّى قِيلَ: إنَّهُ أشْعَرُ الخُلَفاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - يَذْكُرُ هَمْدانَ ونَصْرَهم إيّاهُ في صِفِّينَ: ولَمّا رَأيْتُ الخَيْلَ تُزْحَمُ بِالقَنا ∗∗∗ نَواصِيها حُمْرُ النُّحُورِ دَوامِي وأعْرَضَ نَقَعٌ في السَّماءِ كَأنَّهُ ∗∗∗ عَجاجَةُ دَجْنٍ مُلْبَسٌ بِقَتامِ ونادى ابْنُ هِنْدٍ في الكُلاعِ وحِمْيَرَ ∗∗∗ وكِنْدَةَ في لَخْمٍ وحَيِّ جُذامِ تَيَمَّمْتُ هَمْدانَ الَّذِينَ هم هم ∗∗∗ إذا نابَ دَهْرٌ جُنَّتِي وسِهامِي فَجاوَبَنِي مِن خَيْلِ هَمْدانَ عُصْبَةٌ ∗∗∗ فَوارِسُ مِن هَمْدانَ غَيْرُ لِئامِ فَخاضُوا لِظاها واسْتَطارُوا شَرارَها ∗∗∗ وكانُوا لَدى الهَيْجا كَشُرْبِ مَدامِ فَلَوْ كُنْتُ بَوّابًا عَلى بابِ جَنَّةٍ ∗∗∗ لَقُلْتُ لِهَمْدانَ ادْخُلُوا بِسَلامِ وقَدْ جَمَعُوا ما نُسِبَ إلَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِنَ الشِّعْرِ في دِيوانٍ كَبِيرٍ، ولا يَصِحُّ مِنهُ إلّا اليَسِيرُ.
ومِن شِعْرِ ابْنِهِ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وقَدْ خَرَجَ عَلى أصْحابِهِ مُخْتَضِبًا: نَسُودُ أعْلاها وتَأْبى أُصُولُها ∗∗∗ فَلَيْتَ الَّذِي يَسُودُ مِنها هو الأصْلُ ومِن شِعْرِ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقَدْ عاتَبَهُ أخُوهُ الحَسَنُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في امْرَأتِهِ: لَعَمْرُكَ إنَّنِي لَأُحِبُّ دارًا ∗∗∗ تَحُلُّ بِها سَكِينَةُ والرَّبابُ أُحِبُّهُما وأبْذُلُ جُلَّ مالِي ∗∗∗ ولَيْسَ لِلائِمِي عِنْدِي عِتابُ ومِن شِعْرِ فاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْهُ يَوْمَ وفاةِ أبِيها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ماذا عَلى مَن شَمَّ تُرْبَةَ أحْمَدَ ∗∗∗ أنْ لا يَشُمَّ مَدى الزَّمانِ غَوالِيا صَبَّتْ عَلَيَّ مَصائِبَ لَوْ أنَّها ∗∗∗ صُبَّتْ عَلى الأيّامِ صِرْنَ لَيالِيا ومِن شِعْرِ العَبّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَوْمَ حُنَيْنٍ يَفْتَخِرُ بِثُبُوتِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ألا هَلْ أتى عُرْسِي مَكْرِي ومَوْقِفِي ∗∗∗ بِوادِي حُنَيْنٍ والأسِنَّةُ تُشْرَعُ وقَوْلِي إذا ما النَّفْسُ جاشَتْ لَها قُرًى ∗∗∗ وهامٌ تَدَهْدى والسَّواعِدُ تُقْطَعُ وكَيْفَ رَدَدْتُ الخَيْلَ وهي مُغِيرَةٌ ∗∗∗ بِزَوْراءَ تُعْطِي بِاليَدَيْنِ وتَمْنَعُ نَصَرْنا رَسُولَ اللَّهِ في الحَرْبِ سَبْعَةٌ ∗∗∗ وقَدْ فَرَّ مَن قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأقْشَعُوا ومِن شِعْرِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إذا طارِقاتُ الهَمِّ ضاجَعَتِ الفَتى ∗∗∗ وأعْمَلَ فِكْرَ اللَّيْلِ واللَّيْلُ عاكِرُ وباكَرَنِي في حاجَةٍ لَمْ يَجِدْ لَها ∗∗∗ سِوايَ ولا مِن نَكْبَةِ الدَّهْرِ ناصِرُ فَرَّجْتُ بِمالِي هَمَّهُ مِن مَقامِهِ ∗∗∗ وزايَلَهُ هَمٌّ طَرُوقٌ مُسامِرُ وكانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَيَّ بِظَنِّهِ ∗∗∗ بِي الخَيْرَ أنِّي لِلَّذِي ظَنَّ شاكِرُ وهَلُمَّ جَرّا إلى حَيْثُ شِئْتَ.
ولَيْسَ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ - كَما قِيلَ - رِجالًا ولا نِساءً مَن لَمْ يَقُلِ الشِّعْرَ حاشا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغَ في أمْرِهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولِأجِلَّةِ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم مِن أئِمَّةِ الدِّينِ وفُقَهاءِ المُسْلِمِينَ شِعْرٌ كَثِيرٌ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ومُتْعِبِ العِيسِ مُرْتاحٍ إلى بَلَدٍ ∗∗∗ والمَوْتُ يَطْلُبُهُ في ذَلِكَ البَلَدِ وضاحِكٍ والمَنايا فَوْقَ هامَتِهِ ∗∗∗ لَوْ كانَ يَعْلَمُ غَيْبًا ماتَ مَن كَمَدِ مَن كانَ لَمْ يُؤْتَ عِلْمًا في بَقاءِ غَدٍ ∗∗∗ فَما يُفَكِّرُ في رِزْقٍ لِبَعْدِ غَدِ والِاسْتِقْصاءُ في هَذا البابِ يَحْتاجُ إلى إفْرادِهِ بِكِتابٍ، وفِيما ذُكِرَ كِفايَةٌ.
وقَدْ مَدَحَهُ أيْضًا غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ، فَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ كَتَبَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ: مُرْ مَن قِبَلَكَ بِتَعَلُّمِ الشِّعْرِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى مَعالِي الأخْلاقِ، وصَوابِ الرَّأْيِ، ومَعْرِفَةِ الأنْسابِ، وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: الشِّعْرُ مِيزانُ العُقُولِ.
وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - يَقُولُ: إذا قَرَأْتُمْ شَيْئًا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ تَعْرِفُوهُ فاطْلُبُوهُ في أشْعارِ العَرَبِ؛ فَإنَّ الشِّعْرَ دِيوانُ العَرَبِ.
وما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إذْ عَرَضَ شاعِرٌ يَنْشُدُ فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «لَأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أحَدِكم قَيْحًا خَيْرٌ مِن أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا»» حَمَلَهُ الشّافِعِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - عَلى الشِّعْرِ المُشْتَمِلِ عَلى الفُحْشِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.
فَقَدْ أخْرَجَ الكَلْبِيُّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ بَلَغَها أنَّ أبا هُرَيْرَةَ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لَأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أحَدِكم قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا»» مِنَ الشِّعْرِ الَّذِي هُجِيتُ بِهِ يَعْنِي نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ذَكَرَ ذَلِكَ المُرْشِدِيُّ في فَتاواهُ نَقْلًا عَنْ كِتابِ (بُسْتانِ الزّاهِدِينَ) ولا يَخْفى أنَّهُ يَبْعُدُ الحَمْلُ المَذْكُورُ لِلتَّعْبِيرِ بِـ(يَمْتَلِئَ) فَإنَّ الكَثِيرَ والقَلِيلَ مِمّا فِيهِ فُحْشٌ أوْ هَجْوٌ لِسَيِّدِ الخَلْقِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَواءٌ.
وما أحْسَنَ قَوْلَ الماوَرْدِيِّ: الشِّعْرُ في كَلامِ العَرَبِ مُسْتَحَبٌّ ومُباحٌ ومَحْظُورٌ، فالمُسْتَحَبُّ ما حَذَّرَ مِنَ الدُّنْيا ورَغَّبَ في الآخِرَةِ، وحَثَّ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ.
والمُباحُ ما سَلِمَ مِن فُحْشٍ أوْ كَذِبٍ.
والمَحْظُورُ نَوْعانِ: كَذِبٌ وفُحْشٌ، وهُما جَرْحٌ في قائِلِهِ، وأمّا مُنْشِدُهُ فَإنْ حَكاهُ اضْطِرارًا لَمْ يَكُنْ جَرْحًا أوِ اخْتِيارًا جُرِحَ.
وتَبِعَهُ عَلى ذَلِكَ الرُّويانِيُّ، وجَعَلَ الرُّويانِيُّ ما فِيهِ الهَجْوُ لِمُسْلِمٍ - سَواءٌ كانَ بِصِدْقٍ أوْ كَذِبٍ - مِنَ المَحْظُورِ أيْضًا، ووافَقَهُ جَماعَةٌ، إلّا أنَّ إثْمَ الصّادِقِ أخَفُّ مِن إثْمِ الكاذِبِ - كَما قالَ القَمُولِيُّ - وإثْمَ الحاكِي - عَلى ما قالَ الرّافِعِيُّ - دُونَ إثْمِ المُنْشِدِ.
وقالَ الأذْرَعِيُّ: لَيْسَ هَذا عَلى إطْلاقِهِ، بَلْ إذا اسْتَوى الحاكِي والمُنْشِدُ، أمّا إذا أنْشَدَهُ ولَمْ يُذِعْهُ فَأذاعَهُ الحاكِي فَإثْمُهُ أشَدُّ بِلا شَكٍّ، واحْتُرِزَ بِقَيْدِ المُسْلِمِ عَمّا فِيهِ الهَجْوُ لِكافِرٍ فَإنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا.
وفَصَّلَ بَعْضُهم ما فِيهِ الهَجْوُ لِمُسْلِمٍ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ أطْلَقُوا جَوازَ هَجْوِ الكافِرِ؛ اسْتِدْلالًا بِأمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَسّانًا ونَحْوَهُ بِهَجْوِ المُشْرِكِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَحَلُّ ذَلِكَ الكُفّارُ عَلى العُمُومِ، وكَذا المُعِينُ الحَرْبِيُّ - مَيِّتًا كانَ أوْ حَيًّا - حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرِيبٌ مَعْصُومٌ يَتَأذّى بِهِ، وأمّا الذِّمِّيُّ أوِ المُعاهَدُ أوِ الحَرْبِيُّ الَّذِي لَهُ قَرِيبٌ ذِمِّيٌّ أوْ مُسْلِمٌ يَتَأذّى بِهِ فَلا يَجُوزُ هَجْوُهُ - كَما قالَهُ الأذْرَعِيُّ وابْنُ العِمادِ وغَيْرُهُما - وقالُوا: إنَّ هَجْوَ حَسّانَ - وإنْ كانَ في مُعَيَّنٍ - لَكِنَّهُ في حَرْبِيٍّ، وعَلى التَّنَزُّلِ فَهو ذَبٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَيَكُونُ مِنَ القُرَبِ، فَضْلًا عَنِ المُباحاتِ.
وألْحَقَ الغَزالِيُّ وتَبِعَهُ جَمْعٌ المُبْتَدِعَ بِالحَرْبِيِّ، فَيَجُوزُ هَجْوُهُ بِبِدْعَتِهِ لَكِنْ لِمَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ كالتَّحْذِيرِ مِن جِهَتِهِ، وجَوَّزَ ابْنُ العِمادِ هَجْوَ المُرْتَدِّ دُونَ تارِكِ الصَّلاةِ والزّانِي المُحْصَنِ، وما قالَهُ في المُرْتَدِّ واضِحٌ؛ لِأنَّهُ كالحَرْبِيِّ بَلْ أقْبَحُ، وفي الأخِيرَيْنِ مَحَلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَتَجاهَرْ، أمّا المُتَجاهِرُ بِفِسْقِهِ فَيَجُوزُ هَجْوُهُ بِما تَجاهَرَ بِهِ فَقَطْ؛ لِجَوازِ غَيْبَتِهِ بِذَلِكَ فَقَطْ.
وقالَ البَلْقِينِيُّ: الأرْجَحُ تَحْرِيمُ هَجْوِ المُتَجاهِرِ المَذْكُورِ لا لِقَصْدِ زَجْرِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَتُوبُ وتَبْقى وصْمَةُ الشِّعْرِ السّائِرِ عَلَيْهِ، ولا كَذَلِكَ الكافِرُ إذا أسْلَمَ.
ورُدَّ بِأنَّ مُجاهَرَتَهُ بِالمَعْصِيَةِ وعَدَمَ مُبالاتِهِ بِالنّاسِ وكَلامِهِمْ فِيهِ صَيَّراهُ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ ولا مُراعًى فَهو المُهْدِرُ لِحُرْمَةِ نَفْسِهِ بِالنِّسْبَةِ لِما تَجاهَرَ بِهِ، فَلَمْ يُبالِ بِبَقاءِ تِلْكَ الوَصْمَةِ عَلَيْهِ.
نَعَمْ، لَوْ قِيلَ بِحُرْمَةِ إنْشادِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ إذا كانَ يَتَأذّى بِهِ هو أوْ قَرِيبُهُ المُسْلِمُ أوِ الذِّمِّيُّ، أوْ بَعْدَ مَوْتِهِ إذا كانَ يَتَأذّى بِهِ مَن ذُكِرَ لَمْ يَبْعُدْ.
وذَكَرَ جَماعَةٌ أنَّ مِن جُمْلَةِ المَحْظُورِ أيْضًا ما فِيهِ تَشْبِيبٌ بِغُلامٍ ولَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ مَعَ ذِكْرِ أنَّهُ يَعْشَقُهُ، أوْ بِامْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ - وإنْ لَمْ يَذْكُرْها بِفُحْشٍ - أوْ بِامْرَأةٍ مُبْهَمَةٍ مَعَ ذِكْرِها بِالفُحْشِ، ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ إنْشاءِ ذَلِكَ وإنْشادِهِ، واعْتَبَرَ بَعْضُهُمُ التَّعْيِينَ في الغُلامِ كالمَرْأةِ فَلا يَحْرُمُ التَّشْبِيبُ بِمُبْهَمٍ.
قالَ الأذْرَعِيُّ: وهو الأقْرَبُ، والأوَّلُ ضَعِيفٌ جِدًّا، وقالَ أيْضًا: يَجِبُ القَطْعُ بِأنَّهُ إذا شَبَّبَ بِحَلِيلَتِهِ ولَمْ يَذْكُرْ سِوى المَحَبَّةِ والشَّوْقِ أوْ ذَكَرَ شَيْئًا مِنَ التَّشْبِيهاتِ الظّاهِرَةِ أنَّهُ لا يَضُرُّ، وكَذا إذا ذَكَرَ امْرَأةً مَجْهُولَةً ولَمْ يَذْكُرْ سُوءًا.
وفِي الإحْياءِ في حُرْمَةِ التَّشْبِيبِ بِنَحْوِ وصْفِ الخُدُودِ والأصْداغِ وسائِرِ أوْصافِ النِّساءِ نَظَرٌ، والصَّحِيحُ أنَّهُ لا يَحْرُمُ نَظْمُهُ ولا إنْشادُهُ بِصَوْتٍ وغَيْرِ صَوْتٍ، وعَلى المُسْتَمِعِ أنْ يُنْزِلَهُ عَلى امْرَأةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإنْ نَزَّلَهُ عَلى حَلِيلَتِهِ جازَ، أوْ عَلى غَيْرِها فَهو العاصِي بِالتَّنْزِيلِ، ومَن هَذا وصْفُهُ فَيَنْبَغِي أنْ يَجْتَنِبَ السَّماعَ، وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ ما يَحْرُمُ إنْشاؤُهُ قَدْ لا تَحْرُمُ رِوايَتُهُ؛ فَإنَّ المَغازِيَ رُوِيَ فِيها قَصائِدُ الكُفّارِ الَّذِينَ هاجُوا فِيها الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أحَدٌ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ أذِنَ في الشِّعْرِ الَّذِي تَقاوَلَتْ بِهِ الشُّعَراءُ في يَوْمَيْ بَدْرٍ وأُحُدٍ وغَيْرِهِما إلّا قَصِيدَةَ ابْنِ أبِي الصَّلْتِ الحائِيَّةَ، انْتَهى.
قالَ الأذْرَعِيُّ: ولا شَكَّ في هَذا إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُحْشٌ ولا أذًى لِحَيٍّ ولا مَيِّتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ولَمْ تَدْعُ حاجَةٌ إلَيْهِ، وقَدْ ذَمَّ العُلَماءُ جَرِيرًا والفَرَزْدَقَ في تَهاجِيهِما، ولَمْ يَذُمُّوا مَنِ اسْتَشْهَدَ بِذَلِكَ عَلى إعْرابٍ وغَيْرِهِ مِن عِلْمِ اللِّسانِ، ويَجِبُ حَمْلُ كَلامِ الأئِمَّةِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو عادَةُ أهْلِ اللَّعِبِ والبِطالَةِ، وعَلى إنْشادِ شِعْرِ شُعَراءِ العَصْرِ إذا كانَ إنْشاؤُهُ حَرامًا؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ إلّا أذًى أوْ وقِيعَةٌ في الأحْياءِ، أوْ إساءَةُ الأحْياءِ في أمْواتِهِمْ، أوْ ذِكْرُ مَساوِئِ الأمْواتِ وغَيْرُ ذَلِكَ، ولَيْسَ مِمّا يُحْتَجُّ بِهِ في اللُّغَةِ ولا غَيْرِها فَلَمْ يَبْقَ إلّا اللَّعِبُ بِالأعْراضِ، وزادَ بَعْضٌ حُرْمَةَ شِعْرٍ فِيهِ تَعْرِيضٌ، وجَعَلَ التَّعْرِيضَ في الهَجْوِ كالتَّصْرِيحِ، ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ.
وقالَ آخَرُ: إنَّ ما فِيهِ فَخْرٌ مَذْمُومٌ وقَلِيلُهُ كَكَثِيرِهِ، والحَقُّ أنَّ ذَلِكَ إنْ تَضَمَّنَ غَرَضًا شَرْعِيًّا فَلا بَأْسَ بِهِ، ولِلسَّلَفِ شِعْرٌ كَثِيرٌ مِن ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ بَعْضٌ مِنهُ، وحَمَلَ الأكْثَرُونَ الخَبَرَ السّابِقَ عَلى ما إذا غَلَبَ عَلَيْهِ الشِّعْرُ ومَلَكَ نَفْسَهُ حَتّى اشْتَغَلَ بِهِ عَنِ القُرْآنِ والفِقْهِ ونَحْوِهِما ولِذَلِكَ ذُكِرَ الِامْتِلاءُ، والحاصِلُ أنَّ المَذْمُومَ امْتِلاءُ القَلْبِ مِنَ الشِّعْرِ بِحَيْثُ لا يَتَّسِعُ لِغَيْرِهِ ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ.
ولَيْسَ في الخَبَرِ ذَمُّ إنْشائِهِ ولا إنْشادِهِ لِحاجَةٍ شَرْعِيَّةٍ وإلّا لَوَقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ الدّالَّةِ عَلى حِلِّ ذَلِكَ، وهي أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وأبْعَدُ مِن أنْ تَقْبَلَ التَّأْوِيلِ كَما لا يَخْفى.
وما رُوِيَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ مِن قَوْلِهِ: ولَوْلا الشِّعْرُ بِالعُلَماءِ يُزْرِي ∗∗∗ لَكُنْتُ اليَوْمَ أشْعُرَ مَن لَبِيدِ مَحْمُولٌ عَلى نَحْوِ ما حَمَلَ الأكْثَرُونَ الخَبَرَ عَلَيْهِ، وإلّا فَما قالَهُ شِعْرٌ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ شَيْخِنا عَلاءِ الدِّينِ عَلِيٍّ أفَنْدِي - تَغَمَّدَهُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ - مُخاطِبًا خاتِمَةَ الوُزَراءِ في الزَّوْراءِ داوُدَ باشا مِن أبْياتٍ: ولَوْ لِداعِيهِ يَرْضى الشِّعْرَ مَنقَبَةً ∗∗∗ لَقُمْتُ ما بَيْنَ مُنْشِيهِ ومُنْشِدِهِ هَذا، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - كَلامٌ يَتَعَلَّقُ بِهَذا البَحْثِ أيْضًا عِنْدَ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ ﴾ .
ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ سَمِعَ قَوْلَ الفَرَزْدَقَ: فَبِتْنَ بِجانِبِي مُصَرَّعاتٍ ∗∗∗ وبِتُّ أفُضُّ أغْلاقَ الخِتامِ فَقالَ لَهُ: قَدْ وجَبَ عَلَيْكَ الحَدُّ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَدْ دَرَأ اللَّهُ تَعالى عَنِّي الحَدَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ﴾ .
﴿ وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ ووَعِيدٌ أكِيدٌ لِما في (سَيَعْلَمُ) مِن تَهْوِيلِ مُتَعَلَّقِهِ، وفي (الَّذِينَ ظَلَمُوا) مِنَ الإطْلاقِ والتَّعْمِيمِ، وقَدْ كانَ السَّلَفُ الصّالِحُ يَتَواعَظُونَ بِها، وخَتَمَ بِها أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وصِيَّتَهُ حِينَ عَهِدَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنْ يَكْتُبَ في مَرَضِ مَوْتِهِ حِينَئِذٍ: ﷽ هَذا ما عَهِدَ بِهِ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي قُحافَةَ عِنْدَ آخِرِ عَهْدِهِ بِالدُّنْيا وأوَّلِ عَهْدِهِ بِالآخِرَةِ في الحالِ الَّتِي يُؤْمَنُ فِيها الكافِرُ، ويُتَّقى فِيها الفاجِرُ، ويُصَدَّقُ فِيها الكاذِبُ: إنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكم عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَإنْ يَعْدِلْ فَذاكَ ظَنِّي بِهِ ورَجائِي فِيهِ، وإنْ يَجُرْ ويُبَدِّلْ فَلا عِلْمَ لِي بِالغَيْبِ، والخَيْرَ أرَدْتُ، ولِكُلِّ امْرِئٍ ما اكْتَسَبَ ﴿ وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ .
وتَفْسِيرُ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ - وإنْ كانَ شائِعًا في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ - إلّا أنَّ الأنْسَبَ - عَلى ما قِيلَ - هُنا الإطْلاقُ لِمَكانِ قَوْلِهِ تَعالى: (مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا) وقالَ الطِّيبِيُّ: سِياقُ الآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وما لَقِيَ مِنهم مَنِ الشَّدائِدِ - كَما مَرَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ - يُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ.
ورَوى مُحْيِي السُّنَّةِ: (الَّذِينَ ظَلَمُوا) أشْرَكُوا وهَجَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أرْقَمَ، عَنِ الحَسَنِ: «أيَّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُونَ» بِالفاءِ والتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مِنَ الِانْفِلاتِ بِمَعْنى النَّجاةِ، والمَعْنى إنَّ الظّالِمِينَ يَطْمَعُونَ أنْ يَنْفَلِتُوا مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى، وسَيَعْلَمُونَ أنْ لَيْسَ لَهم وجْهٌ مِن وُجُوهِ الِانْفِلاتِ (وسَيَعْلَمُ) هُنا مُعَلَّقَةٌ، و(أيَّ) اسْتِفْهامٌ مُضافٌ إلى (مُنْقَلَبٍ) والنّاصِبُ لَهُ (يَنْقَلِبُونَ) والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، كَذا في البَحْرِ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: (أيَّ مُنْقَلَبٍ) مَصْدَرٌ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والعامِلُ (يَنْقَلِبُونَ) أيْ: يَنْقَلِبُونَ انْقِلابًا، أيَّ مُنْقَلَبٍ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ (يَعْلَمُ) لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَخْلِيطٌ؛ لِأنَّ أيًّا إذا وُصِفَ بِها لَمْ تَكُنِ اسْتِفْهامًا، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ المَوْصُوفَ بِها قَسِيمُ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وتَحْقِيقُ انْقِسامِ أيٍّ يُطْلَبُ مِن كُتُبِ النَّحْوِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * * ومِمّا قِيلَ في بَعْضِ الآياتِ مِن بابِ الإشارَةِ: (طسم) قالَ الجُنَيْدُ: الطّاءُ طَرَبُ التّائِبِينَ في مَيْدانِ الرَّحْمَةِ، والسِّينُ سُرُورُ العارِفِينَ في مَيْدانِ الوَصْلَةِ، والمِيمُ مَقامُ المُحِبِّينَ في مَيْدانِ القُرْبَةِ.
وقِيلَ: الطّاءُ طَهارَةُ القَدَمِ مِنَ الحَدَثانِ، والسِّينُ سَناءُ صِفاتِهِ تَعالى الَّتِي تُكْشَفُ في مَرايا البُرْهانِ، والمِيمُ مَجْدُهُ سُبْحانَهُ الَّذِي ظَهَرَ بِوَصْفِ البَهاءِ في قُلُوبِ أهْلِ العِرْفانِ.
وقِيلَ: الطّاءُ طَهارَةُ قَلْبِ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ تَعَلُّقاتِ الكَوْنَيْنِ، والسِّينُ سِيادَتُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والمِيمُ مُشاهَدَتُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - جَمالَ رَبِّ العالَمِينَ.
وقِيلَ: الطّاءُ شَجَرَةُ طُوبى، والسِّينُ سِدْرَةُ المُنْتَهى، والمِيمُ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ.
﴿ لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ إلَخْ ...
فِيهِ إشارَةٌ إلى كَمالِ شَفَقَتِهِ عَلى أُمَّتِهِ، وأنَّ الحِرْصَ عَلى إيمانِ الكافِرِ لا يَمْنَعُ سَوابِقَ الحِكَمِ.
﴿ وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ ﴿ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ ﴾ إلى آخِرِ القِصَّةِ فِيهِ إشارَةٌ إلى حُسْنِ التَّعاضُدِ في المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ، والتَّلَطُّفِ بِالضّالِّ في إلْزامِهِ بِالحُجَجِ القَطْعِيَّةِ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي عَدَمُ الِاحْتِفالِ بِمَن رَبَّيْتَهُ صَغِيرًا ثُمَّ رَأيْتَهُ وقَدْ مَنَحَهُ اللَّهُ تَعالى ما مَنَحَهُ مَن فَضْلِهِ كَبِيرًا.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ فِيهِ إشارَةً إلى ما في الأنْفُسِ، وجَعَلَ مُوسى إشارَةً إلى مُوسى القَلْبِ، وفِرْعَوْنَ إشارَةً إلى فِرْعَوْنَ النَّفْسِ، وقَوْمَهُ إشارَةً إلى الصِّفاتِ النَّفْسانِيَّةِ، وبَنِي إسْرائِيلَ إشارَةً إلى الصِّفاتِ الرُّوحانِيَّةِ، والفِعْلَةَ إشارَةً إلى قَتْلِ قِبْطِيِّ الشَّهْوَةِ، والعَصا إشارَةً إلى عَصا الذِّكْرِ، أعْنِي (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) واليَدَ إشارَةً إلى يَدِ القُدْرَةِ، وكَوْنَها بَيْضاءَ إشارَةً إلى كَوْنِها مُؤَيَّدَةً بِالتَّأْيِيدِ الإلَهِيِّ، والنّاظِرِينَ إشارَةً إلى أرْبابِ الكَشْفِ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى، والسَّحَرَةَ إشارَةً إلى الأوْصافِ البَشَرِيَّةِ والأخْلاقِ الرَّدِيَّةِ، والنّاسَ إشارَةً إلى الصِّفاتِ النّاسُوتِيَّةِ، والأجْرَ إشارَةً إلى الحُظُوظِ الحَيَوانِيَّةِ، والحِبالَ إشارَةً إلى حِبالِ الحِيَلِ، والعِصِيَّ إشارَةً إلى عِصِيِّ التَّمْوِيهاتِ والمُخَيَّلاتِ، والمَدائِنَ إشارَةً إلى أطْوارِ النَّفْسِ، وهَكَذا.
وعَلى هَذا الطَّرِيقِ سَلَكُوا في الإشارَةِ في سائِرِ القَصَصِ، فَجَعَلُوا إبْراهِيمَ إشارَةً إلى القَلْبِ، وأباهُ وقَوْمَهُ إشارَةً إلى الرُّوحِ وما يَتَوَلَّدُ مِنها، والأصْنامَ إشارَةً إلى ما يُلائِمُ الطِّباعَ مِنَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ، وهَكَذا مِمّا لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.
ولِلشَّيْخِ الأكْبَرِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في هَذِهِ القَصَصِ كَلامٌ عَجِيبٌ، مَن أرادَهُ فَلْيَطْلُبْهُ في كُتُبِهِ، وهو - قُدِّسَ سِرُّهُ - مِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ خَطِيئَةَإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّتِي أرادَها بِقَوْلِهِ: ﴿ والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾ كانَتْ إضافَةَ المَرَضِ إلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ ﴾ وقَدْ ذَكَرَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَسَألَهُ عَنْ مُرادِهِ بِها فَأجابَهُ بِما ذَكَرَ.
وقالَ في بابِ أسْرارِ الزَّكاةِ مِنَ الفُتُوحاتِ: إنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ ( إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِ العالَمِينَ ) لا يَقْدَحُ في كَمالِ عُبُودِيَّتِهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ لِأنْ يُعْلَمَ أنَّ كُلَّ عَمَلٍ خالِصٍ يَطْلُبُ الأجْرَ بِذاتِهِ، وذَلِكَ لا يُخْرِجُ العَبْدَ عَنْ أوْصافِ العُبُودِيَّةِ، فَإنَّ العَبْدَ في صُورَةِ الأجِيرِ ولَيْسَ بِأجِيرٍ حَقِيقَةً؛ إذْ لا يَسْتَأْجِرُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ بَلْ يَسْتَأْجِرُ الأجْنَبِيَّ، وإنَّما العَمَلُ نَفْسُهُ يَقْتَضِي الأُجْرَةَ وهو لا يَأْخُذُها، وإنَّما يَأْخُذُها العامِلُ وهو العَبْدُ، فَهو قابِضُ الأُجْرَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَأشْبَهَ الأجِيرَ في قَبْضِ الأُجْرَةِ وخالَفَهُ بِالِاسْتِئْجارِ اهـ.
وحَقَّقَ أيْضًا ذَلِكَ في البابِ السّادِسَ عَشَرَ والثَّلاثِمِائَةِ مِنَ الفُتُوحاتِ، وذَكَرَ في البابِ السّابِعَ عَشَرَ والأرْبَعِمِائَةِ مِنها أنَّ أجْرَ كُلِّ نَبِيٍّ يَكُونُ عَلى قَدْرِ ما نالَهُ مِنَ المَشَقَّةِ الحاصِلَةِ لَهُ مِنَ المُخالِفِينَ.
﴿ وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ﴾ ﴿ وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ﴿ إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ قُوَّةُ حَمْلِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ خُلِقَ مِن نارٍ ولَيْسَ لَها قُوَّةُ حَمْلِ النُّورِ، ألا تَرى أنَّ نارَ الجَحِيمِ كَيْفَ تَسْتَغِيثُ عِنْدَ مُرُورِ المُؤْمِنِ عَلَيْها، وتَقُولُ: جُزْ يا مُؤْمِنُ فَقَدْ أطْفَأ نُورُكَ لَهَبِي، ولِنَحْوِ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ عَلى سَمْعِهِ.
وهَذا بِالنِّسْبَةِ إلى أوَّلِ مَراتِبِ ظُهُورِهِ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ - عَلى ما ذُكِرَ - أنَّ الشَّياطِينَ لا يَسْمَعُونَ آياتِ القُرْآنِ إذا تَلَوْناها ولا يَحْفَظُونَها، ولَيْسَ كَذَلِكَ، نَعَمْ، ذُكِرَ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْمَعُوا آيَةَ الكُرْسِيِّ، وآخِرَ البَقَرَةِ؛ وذَلِكَ لِخاصِّيَّةٍ فِيهِما.
﴿ وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّسَبَ إذا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ الإيمانُ لا يَنْفَعُ شَيْئًا، ولَمّا كانَ حِجابُ القَرابَةِ كَثِيفًا أُمِرَ بِإنْذارِ عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ هم أهْلُ النَّسَبِ المَعْنَوِيِّ، الَّذِي هو أقْرَبُ مِنَ النَّسَبِ الصُّورِيِّ، كَما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ الفارِضِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - بِقَوْلِهِ: نَسَبٌ أقْرَبُ في شَرْعِ الهَوى بَيْنَنا مِن نَسَبٍ مِن أبَوَيَّ وأنا أحْمَدُ اللَّهَ تَعالى كَما هو أهْلُهُ عَلى أنْ جَعَلَنِي مِنَ الفائِزِينَ بِالنَّسَبَيْنِ؛ حَيْثُ وهَبَ لِي الإيمانَ، وجَعَلَنِي مِن ذُرِّيَّةِ سَيِّدِ الكَوْنَيْنِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَها أنا مِن جِهَةِ أُمِّ أبِي مِن ذُرِّيَّةِ الحَسَنِ، ومِن جِهَةِ أبِي مِن ولَدِ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: نَسَبٌ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن شَمْسِ الضُّحى ∗∗∗ نُورًا ومِن فَلَقِ الصَّباحِ عَمُودًا واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - هو ولِيُّ الإحْسانِ، المُتَفَضِّلُ بِصُنُوفِ النِّعَمِ عَلى نَوْعِ الإنْسانِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِ العالَمِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
قوله عز وجل: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ يعني: هل أخبركم عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ هذا موصول بقوله: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يعني: كذاب صاحب الإثم، فاجر القلب.
الأفاك: الكذاب، والأثيم: الفاجر، يعني به: كهنة الكفار يُلْقُونَ السَّمْعَ يعني: يلقون بآذانهم إلى السمع من السماء لكلام الملائكة عليهم السلام وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ يعني: حين يخبرون الكهنة.
وروى معمر عن الزهري عن عائشة ا أنها قالت: «الشياطين تسترق السمع، فتجيء بكلمة حق، فتقذفها في أذن وليها، فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة» .
وهذا كان قبل أن يحجبوا من السماء.
ثم قال عز وجل: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ قال قتادة ومجاهد: يتبعهم الشياطين.
وقال في رواية الكلبي: الغاوون هم الرواة الذين كانوا يروون هجاء النبي وأصحابه.
ويقال: الْغاوُونَ هم الضالون.
ويقال: شعراء الكفار كانوا يهجون رسول الله فيتبعهم الكفار.
ثم قال عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ يعني: في كل وجه وفن يذهبون ويخوضون، يأخذون مرة يذمون، ومرة يمدحون، وذكر عن القتبي أنه قال: فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ من القول، وفي كل مذهب يذهبون كما تذهب البهائم على وجهها.
وقال غيره: هام الرجل والبعير، إذا مضى على وجهه، لا يدري أن يذهب، فكذلك الشاعر يأخذ كلامه لا يدري أين ينتهي.
قرأ نافع وحده يَتَّبِعُهُمُ بجزم التاء، والتخفيف، وقرأ الباقون يَتَّبِعُهُمُ بنصب التاء والتشديد، وهما بمعنى واحد: يتبعهم، ويتبعهم.
ثم قال: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ يعني: أن الشعراء يقولون قد فعلنا كذا وكذا، وقلنا كذا، فيمدحون بذلك أنفسهم وهم كذبة.
ثم استثنى شعراء المسلمين حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك م، فقال عز وجل: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً يعني: ذكروا الله في أشعارهم.
ويقال: وذكروا الله عز وجل في الأحوال كلها وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا يعني: انتصر شعراء المسلمين من شعراء الكافرين، فكافؤوهم والبادئ أظلم.
ويقال: انتصروا من أهل مكة من بعد ما أخرجوا، لأن الحرب تكون بالسيف وباللسان، فأذن القتال بالشعر، كما أذن بالسيف، إذ فيه قهرهم.
ثم أوعد شعراء الكافرين فقال تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: الذين هجوا المسلمين أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ يعني: أي مرجع يرجعون إليه في الآخرة، يعني: إلى الخسران والنار.
ويقال: هاتان الآيتان مدنيتان، وذكر أنه لما نزل وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ جاء عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وهما يبكيان فقرأ رسول الله وَالشُّعَراءُ إلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فقال: «هذا أنتم» وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا أنتم.
وروي عن عكرمة قال عن ابن عباس أن النبيّ قال: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً، وَإِنَّ مِنَ الشُّعَرَاءِ لَحُكَمَاءَ» (١) (٢) (١) حديث ابن عباس: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» أخرجه الترمذي (2845) وأبو داود (5011) وابن ماجة (3756) وأحمد 1/ 269، 272.
وحديث أبي بن كعب عند أحمد 5/ 125 والبخاري (6145) وحديث ابن عباس «إن من البيان سحرا وإنّ من الشعر حكما، عند الترمذي (2845) والطيالسي (2670) وأحمد 1/ 303، 309.
(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .
وقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ...
الآية: هذا الاستثناء هو في شعراء الإسلام كحَسَّان بن ثابت، وكَعْبِ بن مالك، وعبد الله بن رَوَاحَةَ، وكُلِّ مَنِ اتصف بهذه الصفة، ويُرْوَى عن عطاءِ بن يَسَارٍ وغيرِهِ أَنَّ هؤلاءِ شَقَّ عليهم ما ذُكِرَ قَبْلُ في الشعراء، فذكروا ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلّم فنزلت آيةُ الاستثناء بالمدينة.
وقوله تعالى: وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً يحتملُ أنْ يريد في أشعارهم، وهو تأويل ابن زيد «١» ، ويحتمل أنَّ ذلك خُلُقٌ لهم وعبادة قاله ابن عباس «٢» ، فكل شاعر في الإسلام يهجو ويمدَحُ عن غير حَقٍّ فهو داخل في [هذه الآية، وكل تقيٍّ منهم يُكْثِرُ من الزُّهْدِ، ويمسك عن كل ما يُعَابُ فهو داخل في] «٣» الاستثناء.
ت: قد كتبنا- والحمد للَّه- في هذا المختصر- جملةً صالحة في فضل الأذكار عسى اللَّه أنْ ينفع به من وقع بيده، ففي «جامع الترمذي» عن أبي سعيد الخُدْريِّ، قال:
سئل النبيّ صلى الله عليه وسلّم: أَيُّ العِبَاد أَفْضَل دَرَجَة عِنْدَ اللَّهِ تعالى يَوْمَ القِيَامَةِ؟
قَال: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيراً، قُلْتُ: وَمِنَ الْغَازي فِي سَبِيلِ اللَّه عزَّ وجَلَّ؟!
قال: لو ضرب بسيفه في الكفّار ٥٠ ب وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَماً- لكانَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ تَعَالى أَفْضَلَ مِنْهُ» «٤» / وروى الترمذيُّ، وابن ماجه عن أبي الدَّرْدَاءِ، قال: قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِن إنْفَاقِ الذَّهَبِ والوَرَقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تُلْقَوْا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ونضربوا أَعْنَاقَكُمْ؟
قَالُوا: بلى، قَالَ: ذِكْرُ اللهِ تعالى» «٥» .
قَالَ الحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللهِ في كِتَابِهِ «المستدرك على الصحيحين» .
هذا حدِيثٌ صحيحُ الإسْنادِ، انتهى من «حليةِ النَّوَوِيَّ» .
وقوله: وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا إشارةٌ إلى مَا رَدَّ به حَسَّانُ وَعَلِيٌّ وغيرهُما على قريش.
قلت: قيل: وَأَنْصَفُ بَيتٍ قَالَتْهُ العَرَبُ: قَوْلُ حَسَّانٍ لأَبي سُفْيَانَ أَو لأَبِي جَهْلٍ:
[الوافر]
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ...
فشرّكما لخير كما الْفِدَاءُ «١»
وَبَاقِي الآيةِ وَعِيدٌ لظلمةِ كُفَّارِ مَكَّةَ وتهديد لهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ: " يُتْبِعُهم " بِسُكُونِ التّاءِ؛ والوَجْهانِ حَسَنانِ، يُقالُ: تَبِعْتُ واتَّبَعْتُ، مِثْلُ حَقَّرْتُ واحْتَقَرْتُ.
وَرَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ رَجُلانِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ تَهاجَيا، فَكانَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما غُواةٌ مِن قَوْمِهِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ .
وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هم شُعَراءُ المُشْرِكِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزَّبَعْرى، وأبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وهُبَيْرَةُ ابْنُ أبِي وهْبٍ المَخْزُومِيُّ في آَخَرِينَ، قالُوا: نَحْنُ نَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وقالُوا الشِّعْرَ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِمْ غُواةٌ مِن قَوْمِهِمْ يَسْتَمِعُونَ أشْعارَهم ويَرْوُونَ عَنْهم.
وَفِي الغاوِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: السُّفَهاءُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ﴾ هَذا مَثَلٌ بِمَن يَهِيمُ في الأوْدِيَةِ؛ والمَعْنى أنَّهم يَأْخُذُونَ في كُلِّ فَنٍّ مِن لَغْوٍ وكَذِبٍ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَيَمْدَحُونَ بِباطِلٍ ويَذُمُّونَ بِباطِلٍ، ويَقُولُونَ: فَعَلْنا، ولَمْ يَفْعَلُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «لَمّا نَزَلَ ذَمُّ الشُّعَراءِ، جاءَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنْزَلَ اللَّهُ هَذا وهو يَعْلَمُ أنّا شُعَراءُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا الِاسْتِثْناءُ لِشُعَراءِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَدَحُوا رَسُولَ اللَّهِ وذَمُّوا مِن هِجاءٍ، ﴿ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ أيْ: لَمْ يَشْغَلْهُمُ الشِّعْرُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ولَمْ يَجْعَلُوا الشِّعْرَ هَمَّهم.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وذَكَرُوا اللَّهَ في شِعْرِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ: الشِّعْرُ في طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وانْتَصَرُوا ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ لِأنَّ المُشْرِكِينَ بَدَؤُوا بِالهِجاءِ.
ثُمَّ أوْعَدَ شُعَراءَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ: أشْرَكُوا وهَجَوْا رَسُولَ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ ﴿ أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " أيَّ " مَنصُوبَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ يَنْقَلِبُونَ ﴾ لا بِقَوْلِهِ: " سَيَعْلَمُ " لِأنَّ " أيًّا " وسائِرَ أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها.
ومَعْنى الكَلامِ: إنَّهم يَنْقَلِبُونَ إلى نارٍ يُخَلَّدُونَ فِيها.
وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو رَجاءٍ: " أيَّ مُتَقَلِّبٍ يَتَقَلَّبُونَ " بِتاءَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وبِقافَيْنِ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما نُقْطَتانِ وتَشْدِيدِ اللّامِ فِيهِما.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " أيَّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُونَ " بِالفاءِ فِيهِما وبِنُونَيْنِ ساكِنَيْنِ وبِتاءَيْنِ.
وكانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ: سَيَعْلَمُ الظّالِمُونَ حَظَّ مَن نَقَصُوا، إنَّ الظّالِمَ يَنْتَظِرُ العِقابَ، وإنَّ المَظْلُومَ يَنْتَظِرُ النَّصْرَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظُلِمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ هو في شُعَراءِ الإسْلامِ، كَحَسّانِ بْنِ ثابِتٍ، وكَعْبِ بْنِ مالِكٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ، وكُلُّ مَنِ اتُّصِفَ بِهَذِهِ الصِفَةِ، ورُوِيَ عن عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّ هَؤُلاءِ شُقَّ عَلَيْهِمْ ما ذُكِرَ قَبْلُ في الشِعْرِ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَنَزَلَتْ آيَةٌ لِلِاسْتِثْناءِ في الشِعْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في أشْعارِهِمْ، وهو تَأْوِيلُ ابْنُ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذَلِكَ خَلْقٌ لَهم وعادَةٌ وعِبادَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذا كَما قالَ لَبِيَدٌ حِينَ طُلِبَ مِنهُ شِعْرٌ: "إنَّ اللهَ أبْدَلَنِي بِالشِعْرِ القُرْآنَ خَيْرًا مِنهُ"، وكُلُّ شاعِرٍ في الإسْلامِ يَهْجُو أو يَمْدَحُ مِن غَيْرِ حَقٍّ، ولا يَرْتَدِعُ عن قَوْلٍ دَنِيءٍ، فَهم داخِلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، وكُلُّ تَقِيٍّ مِنهم يُكْثِرُ مِنَ الذِكْرِ، ويُمْسِكُ عن كُلِّ ما يُعابُ فَهو داخِلٌ في الِاسْتِثْناءِ.
وقَوْلُهُ: "وانْتَصَرُوا" إشارَةٌ إلى ما قالُوهُ مِنَ الشِعْرِ وغَيْرِهِ في قُرَيْشٍ، قالَ قَتادَةُ: وانْتَصَرُوا بِمِثْلِ ما ظُلِمُوا.
وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ لِلظَّلَمَةِ كُفّارُ مَكَّةَ، وتَهْدِيدٌ لَهم.
وعَمَلٌ "يَنْقَلِبُونَ" في "أيٍّ" لِتَأخُّرِهِ.
والحَوْلُ والقُوَّةُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واللهُ تَبارَكَ وتَعالى أعْلَمُ.
تَمَّ بِحَمْدِ اللهِ وتَوْفِيقِهِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الشُعَراءِ وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ
كان مما حوته كِنانةُ بهتان المشركين أن قالوا في النبي صلى الله عليه وسلم هو شاعر، فلما نَثلَتْ الآيات السابقة سِهام كنانتهم وكسرتها وكان منها قولهم: هو كاهن، لم يبق إلا إبطالُ قولهم: هو شاعر، وكان بين الكهانة والشعر جامع في خيال المشركين إذ كانوا يزعمون أن للشاعر شيطاناً يملي عليه الشعر وربما سموه الرَّئِيّ، فناسب أن يقارَن بين تزييف قولهم في القرآن: هو شعر، وقولهم في النبي صلى الله عليه وسلم هو شاعر، وبين قولهم: هو قول كاهن، كما قرن بينهما في قوله تعالى: ﴿ وما هو بقول شاعِر قليلاً ما تُؤمنون ولا بقوللِ كاهن قليلاً ما تذّكّرون ﴾ [الحاقة: 41، 42]؛ فعُطف هنا قوله: ﴿ والشعراء يتبعهم الغاون ﴾ على جملة: ﴿ تنزل على كل أفّاك أثيم ﴾ [الشعراء: 222].
ولمّا كان حال الشعراء في نفس الأمر مخالفاً لحال الكهان إذ لم يكن لملكة الشعر اتصال مّا بالنفوس الشيطانية وإنما كان ادعاء ذلك من اختلاق بعض الشعراء أشاعوه بين عامة العرب، اقتصرت الآية على نفي أن يكون الرسول شاعراً، وأن يكون القرآنُ شعراً.
دون تعرض إلى أنه تنزيل الشياطين كما جاء في ذكر الكهانة.
وقد كان نفر من الشعراء بمكة يهجون النبي صلى الله عليه وسلم وكان المشركون يُعْنَون بمجالسهم وسماععِ أقوالهم ويجتمع إليهم الأعراب خارج مكة يستمعون أشعارهم وأهاجيَهم، أدمجت الآية حال من يتَّبع الشعراء بحالهم تشويهاً للفريقين وتنفيراً منهما.
ومن هؤلاء: النضْر بن الحارث، وهبيرة بن أبي وهب ومُسافع بن عبد مناف، وأبو عَزة الجمحِي، وابن الزِّبَعْرَى، وأميةُ بن أبي الصَّلْت، وأبو سفيان ابن الحارث، وأمُّ جميل العوراء بنت حرب زوُج أبي لهب التي لَقبها القرآن: ﴿ حمَّالة الحطب ﴾ [المسد: 4] وكانت شاعرة وهي التي قالت: مُذَمَّماً عَصَيْنا *** وأمرَه أبينا ودينَه قَلَيْنَا فكانت هذه الآية نفياً للشعر أن يكون من خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم وذماً للشعراء الذين تصدوا لهجائه.
فقوله: ﴿ يتبعهم الغاوون ﴾ ذمّ لأتباعهم وهو يقتضي ذم المتبوعين بالأحرى.
والغاوي: المتصف بالغي والغواية، وهي الضلالة الشديدة، أي يتبعهم أهل الضلالة والبطالة الراغبون في الفسق والأذى.
فقوله: ﴿ يتبعهم الغاوون ﴾ خبر، وفيه كناية عن تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون منهم فإن أتباعه خيرة قومهم وليس فيهم أحد من الغاوين، فقد اشتملت هذه الجملة على تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم وتنزيه أصحابه وعلى ذم الشعراء وذمّ أتباعهم وتنزيه القرآن عن أن يكون شعراً.
وتقديمُ المسند إليه على المسند الفعلي هنا يظهر أنه لمجرد التقوّي والاهتمام بالمسند إليه للفت السمع إليه والمقام مستغن عن الحصر لأنه إذا كانوا يتبعهم الغاوون فقد انتفى أتباعهم عن الصالحين لأن شأن المجالس أن يتحد أصحابها في النزعة كما قيل: عن المرء لا تَسْألْ وسَلْ عن قرينه *** وجعله في «الكشاف» للحصر، أي لا يتبعهم إلاّ الغاوون، لأنه أصرح في نفي اتِّباع الشعراء عن المسلمين.
وهذه طريقتُهُ باطراد في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي أنه يفيد تخصيصه بالخبر، أي قصْر مضمون الخبر عليه، أي فهو قصر إضافي كما تقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ في سورة البقرة (15).
والرؤية في ﴿ ألم تر ﴾ قلبية لأن الهُيام والوادي مستعاران لمعاني اضطراب القول في أغراض الشعر وذلك مما يُعلم لا مما يُرى.
والاستفهام تقريري، وأجري التقرير على نفي الرؤية لإظهار أن الإقرار لا محيد عنه كما تقدم في قوله: ﴿ قال ألم نُربِّك فينا وليداً ﴾ [الشعراء: 18]، والخطاب لغير معين.
وضمائر فجملة: ألم تر أنهم في كل واد يهيمون } وما عطف عليها مؤكدة لما اقتضته جملة: ﴿ يتبعهم الغاوون ﴾ من ذم الشعراء بطريق فحوى الخطاب.
ومثلت حال الشعراء بحال الهائمين في أودية كثيرة مختلفة لأن الشعراء يقولون في فنون من الشعر من هجاء واعتداء على أعراض الناس، ومن نسيب وتشبيب بالنساء، ومدح من يمدحُونه رغبة في عطائه وإن كان لا يستحق المدح، وذمِّ من يمنعهم وإن كان من أهل الفضل، وربما ذمّوا من كانوا يمدحونه ومدحوا من سَبق لهم ذمه.
والهيام: هو الحيرة والتردد في المرعى.
والوادُ: المنخفض بين عُدوتين.
وإنما ترعى الإبل الأودية إذا أقحلت الرُبى، والربى أجود كلأ، فمُثّل حال الشعراء بحال الإبل الراعية في الأودية متحيرة، لأن الشعراء في حرص على القول لاختلاب النفوس.
و ﴿ كل ﴾ مستعمل في الكثرة.
رُوي أنه اندسّ بعض المزَّاحين في زمرة الشعراء عند بعض الخلفاء فعرف الحَاجب الشعراء، وأنكر هذا الذي اندسّ فيهم، فقال له: هؤلاء الشعراء وأنتَ من الشعراء؟
قال: بل أنا من الغاوين، فاستطرفها.
وشفَّع مذمتهم هذه بمذمة الكذب فقال: ﴿ وأنهم يقولون ما لا يفعلون ﴾ ، والعرب يتمادحون بالصدق ويعيرون بالكذب، والشاعر يقول ما لا يعتقد وما يخالف الواقع حتى قيل: أحسن الشعر أكذبه، والكذب مذموم في الدين الإسلامي فإن كان الشعر كذباً لا قرينة على مراد صاحبه فهو قبيح، وإن كان عليه قرينة كان كذباً معتذَراً عنه فكان غير محمود.
وفي هذا إبداء للبَون الشاسع بين حال الشعراء وحال النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان لا يقول إلا حقاً ولا يصانع ولا يأتي بما يضلّل الأفهام.
ومن اللطائف أن الفرزدق أنشد عند سليمان بن عبد الملك قوله: فبِتْن بجانبيَّ مصرَّعاتٍ *** وبتُّ أفضّ أغلاق الختام فقال سليمان: قد وجب عليك الحد.
فقال: يا أمير المؤمنين قد دَرَأ الله عَني الحد بقوله: ﴿ وأنهم يقولون ما لا يفعلون ﴾ .
وروي أن النعمان بن عدي بن نضلة كان عاملاً لعمر بن الخطاب فقال شعراً: مَن مُبلِغُ الحسناءِ أن حليلها *** بميسان يُسقى في زُجاج وحنتم إلى أن قال: لعل أميرَ المؤمنين يسوءه *** تنادُمُنا بالجَوْسَققِ المتهدم فبلغ ذلك عمرَ فأرسل إليه بالقُدوم عليه وقال له: أي والله إني ليسوءني ذلك وقد وجب عليك الحدّ، فقال: يا أمير المؤمنين ما فعلتُ شيئاً مما قلتُ وإنما كان فضلةً من القول، وقد قال الله تعالى: ﴿ وأنهم يقولون ما لا يفعلون ﴾ فقال له عمر: أمّا عذرك فقد درأ عنك الحد ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً وقد قلتَ ما قلت.
وقد كُني باتباع الغاوين إياهم عن كونهم غاوين، وأفيد بتفظيع تمثيلهم بالإبل الهائمة تشويه حالتهم، وأن ذلك من أجل الشعر كما يؤذن به إناطة الخبر بالمشتق، فاقتضى ذلك أن الشعر منظور إليه في الدين بعين الغضّ منه، واستثناء ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الخ...
من عموم الشعراء، أي من حكم ذمّهم.
وبهذا الاستثناء تعيّن أن المذمومين هم شعراء المشركين الذين شغلهم الشعر عن سماع القرآن والدخول في الإسلام.
ومعنى: ﴿ وذكروا الله كثيراً ﴾ إي كان إقبالهم على القرآن والعبادة أكثر من إقبالهم على الشعر.
﴿ وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴾ وهم مَن أسلموا من الشعراء وقالوا الشعر في هجاء المشركين والانتصارِ للنبيء صلى الله عليه وسلم مثل الذين أسلموا وهاجروا إلى الحبشة، فقد قالوا شعراً كثيراً في ذم المشركين.
وكذلك من أسلموا من الأنصار كعبد الله بن رَواحة، وحسانَ بن ثابت ومن أسلم بعدُ من العرب مثل لَبيد، وكعب بن زهير، وسُحيم عبد بني الحسحاس، وليس ذكر المؤمنين من الشعراء بمقتضي كون بعض السُّورة مدنيّاً كما تقدم في الكلام على ذلك أول السورة.
وقد دلت الآية على أن للشعر حالتين: حالة مذمومة، وحالة مأذونة، فتعين أن ذمه ليس لكونه شعراً ولكن لما حفّ به من معان وأحوال اقتضت المذمة، فانفتح بالآية للشعر بابُ قبول ومدح فحقّ على أهل النظر ضبط الأحوال التي تأوي إلى جانب قبوله أو إلى جانب مدحه، والتي تأوي إلى جانب رفضه.
وقد أومأ إلى الحالة الممدوحة قوله: ﴿ وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴾ ، وإلى الحالة المأذونة قوله: ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ .
وكيف وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الشعر مما فيه محامد الخصال واستنصتَ أصحابُه لشعر كعب بن زهير مما فيه دقة صفات الرواحل الفارهة، على أنه أذِن لحسان في مهاجاة المشركين وقال له: «كلامك أشد عليهم من وقع النبل..» وقال له: «قل ومعك روح القدس».
وسيأتي شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ في سورة يس (69).
وأجاز عليه كما أجاز كعبَ بن زهير فخلع عليه بردته، فتلك حالة مقبولة لأنه جاء مؤمناً.
وقال أبو هريرة: سمعت رسول الله يقول على المنبر: أصدَقُ كلمةٍ، أو أشْعَر كلمة قالتها العرب كلمةُ لبيد: ألا كُلُّ شيء ما خلا الله باطل *** وكان يستنشد شعر أمية بن أبي الصلت لما فيه من الحكمة وقال: كاد أميةُ أن يُسلم، وأمر حسّاناً بهجاء المشركين وقال له: قُل ومعك رُوح القدس.
وقال لكعببِ بن مالك: لكلامُك أشد عليهم من وقْع النبْل.
روى أبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن بسنده إلى خُريم بن أوس بن حارثة أنه قال: هاجرت إلى رسول الله بالمدينة منصرَفَه من تبوك فسمعت العباس قال: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك.
فقال: قُل لا يفضُض الله فاك.
فقال العباس: من قبلِها طبتَ في الظلال وفي *** مُستَوْدَع حيثُ يخصف الوَرق الأبيات السبعة.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " لا يفضض الله فاك " وروى الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبدُ الله بن رواحة يمشي بين يديه يقول: خَلُّوا بني الكفار عن سبيله *** اليومَ نضربكم على تنزيله ضَرباً يُزيل الهامَ عن مقيله *** ويُذهل الخليلَ عن خليله فقال له عُمر: يا ابن رواحة في حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " خَلِّ عنه يا عمر فإنه أسرع فيهم من نَضْح النبْل " وعن الزهري أن كعب بن مالك قال: يا رسول الله ما تقول في الشعر؟
قال: " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما تنضحونهم بالنبل " ولعلي بن أبي طالب شعر كثير، وكثير منه غير صحيح النسبة إليه.
وقد بين القرطبي في «تفسيره» في هذه السورة وفي سورة النور القول في التفرقة بين حالي الشعر.
وكذلك الشيخ عبد القاهر الجرجاني في أول كتاب «دلائل الإعجاز».
ووجب أن يكون النظر في معاني الشعر وحال الشاعر، ولم يزل العلماء يعنَون بشعر العَرب ومَن بعدهم، وفي ذلك الشعر تحبيب لفصاحة العربية وبلاغتها وهو آيل إلى غرض شرعي من إدراك بلاغة القرآن.
ومعنى: ﴿ من بعد ما ظلموا ﴾ أي من بعد ما ظلمهم المشركون بالشتم والهجاء.
﴿ ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾ .
ناسب ذكر الظلم أن ينتقل منه إلى وعيد الظالمين وهم المشركون الذين ظلموا المسلمين بالأذى والشتم بأقوالهم وأشعارهم.
وجُعلت هذه الآية في موقع التذييل فاقتضت العموم في مسمى الظلم الشامل للكفر وهو ظلم المرء نفسه وللمعاصي القاصرة على النفس كذلك، وللاعتداء على حقوق الناس.
وقد تلاها أبو بكر في عهده إلى عمر بالخلافة بعده، والواو اعتراضية للاستئناف.
وهذه الآية تحذير عن غمص الحقوق وحثّ عن استقصاء الجهد في النصح للأمة وهي ناطقة بأهيب موعظة وأهول وعيد لمن تدبرها لما اشتملت عليه من حرف التنفيس المؤذن بالاقتراب، ومن اسم الموصول المؤذن بأن سوء المنقلب يترقب الظالمين لأجل ظلمهم، ومن الإبهام في قوله: ﴿ أي منقلب ينقلبون ﴾ إذ ترك تبيينه بعقاب معيّن لتذهل نفوس المُوعَدِين في كل مذهب ممكن من هول المنقلب وهو على الإجمال منقلَب سوء.
والمنقلب: مصدر ميمي من الانقلاب وهو المصير والمآلُ، لأن الانقلاب هو الرجوع.
وفعل العلم معلق عن العمل بوجود اسم الاستفهام بعده.
واسم الاستفهام في موضع نصب بالنيابة عن المفعول المطلق الذي أضيف هو إليه.
قال في «الكشاف»: وكان السلف الصالح يتواعظون بها ويتناذرون شدتها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ يَعْنِي إذا غَضِبُوا سَبُّوا، وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: السُّفَهاءُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: الرُّواةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في كُلِّ فَنٍّ مِنَ الكَلامِ يَأْخُذُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: في كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إنِّي لَمُعْتَذِرٍ إلَيْكَ مِنَ الَّذِي أسْدَيْتُ إذْ أنا في الضَّلالِ أهِيمُ الثّالِثُ: هو أنْ يَمْدَحَ قَوْمًا بِباطِلٍ، ويَذُمَّ قَوْمًا بِباطِلٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفي الهائِمِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُخالِفُ في القَصْدِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ المُجاوِزُ لِلْحَدِّ.
﴿ وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ﴾ يَعْنِي ما يَذْكُرُونَهُ في شِعْرِهِمْ مِنَ الكَذِبِ بِمَدْحٍ أوْ ذَمٍّ أوْ تَشْبِيهٍ أوْ تَشْبِيبٍ.
﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ تَقْدِيرُهُ فَإنَّهم لا يَتْبَعُهُمُ الغاوُونَ ولا يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ.
رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ وكَعْبَ بْنَ مالِكٍ وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ نَزَلَ ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ فَبَكَوْا عِنْدَهُ وقالُوا: هَلَكْنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ حَتّى بَلَغَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ فَقالَ: أنْتُمْ.
» ﴿ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في شِعْرِهِمْ.
الثّانِي: في كَلامِهِمْ.
﴿ وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ أيْ رَدُّوا عَلى المُشْرِكِينَ ما كانُوا يَهْجُونَ بِهِ المُؤْمِنِينَ فَقاتِلُوهم عَلَيْهِ نُصْرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وانْتِقامًا مِنَ المُشْرِكِينَ.
﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ وهَذا وعِيدٌ يُرادُ بِهِ مَن هَجا رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الشُّعَراءِ لِكُلِّ كافِرٍ مِن شاعِرٍ وغَيْرِ شاعِرٍ سَيَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أيَّ مَصِيرٍ يَصِيرُونَ وأيَّ مَرْجِعٍ يَرْجِعُونَ، لِأنَّ مَصِيرَهم إلى النّارِ وهو أقْبَحُ مَصِيرٍ، ومَرْجِعُهم إلى العَذابِ وهو شَرُّ مَرْجِعٍ.
والفَرْقُ بَيْنَ المُنْقَلَبِ والمُرْجِعِ أنَّ المُنْقَلَبَ الِانْتِقالُ إلى ضِدِّ ما هو فِيهِ والمَرْجِعَ العَوْدُ مِن حالٍ هو فِيها إلى حالٍ كانَ عَلَيْها، فَصارَ إلى مَرْجِعٍ مُنْقَلَبًا ولَيْسَ كُلُّ مُنْقَلَبٍ مَرْجِعًا.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: تهاجى رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحدهما من الأنصار؛ والآخر من قوم آخرين، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء فأنزل الله: ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون..
﴾ الآيات.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك، مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: تهاجى شاعران في الجاهلية وكان مع كل واحد منهما فئام من الناس.
فأنزل الله: ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عروة قال: لما نزلت ﴿ والشعراء ﴾ إلى قوله: ﴿ ما لا يفعلون ﴾ قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله قد علم الله أني منهم.
فأنزل الله: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ إلى قوله: ﴿ ينقلبون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي حسن سالم البراد قال: لما نزلت ﴿ والشعراء...
﴾ جاء عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وهم يبكون فقالوا: يا رسول الله لقد أنزل الله هذه الآية وهو يعلم انا شعراء أهلكنا؟
فأنزل الله: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليهم.
وأخرج عبد بن حميد والحاكم عن أبي الحسن مولى بني نوفل؛ أن عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت الشعراء يبكيان وهو يقرأ ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ حتى بلغ ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال: أنتم ﴿ وذكروا الله كثيراً ﴾ قال: أنتم ﴿ وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴾ قال: أنتم ﴿ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ﴾ قال: الكفار.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ يتبعهم الغاوون ﴾ قال: هم الكفار، يتبعون ضلال الجن والإِنس ﴿ في كل وادٍ يهيمون ﴾ في كل لغو يخوضون ﴿ وأنهم يقولون ما لا يفعلون ﴾ أكثر ولهم مكذبون، ثم استثنى منهم فقال: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً ﴾ في كلامهم ﴿ وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴾ قال: ردوا على الكفار الذين كانون يهجون المؤمنين.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ والشعراء ﴾ قال: المشركون منهم الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يتبعهم الغاوون ﴾ غواة الجن ﴿ في كل واد يهيمون ﴾ في كل فن من الكلام يأخذون، ثم استثنى فقال: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ يعني حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، كانوا يذبون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هجاء المشركين.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ يتبعهم الغاوون ﴾ قال: هم الرواة.
وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود في ناسخه عن ابن عباس قال: ﴿ الشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ فنسخ من ذلك واستثنى فقال: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً ﴾ .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً ﴾ قال: أبو بكر، وعمر، وعلي، وعبد الله بن رواحة.
وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه وأبو يعلى وابن مردويه عن كعب بن مالك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه؟
فقال: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه- والذي نفسي بيده- لكأنما بوجههم مثل نضج النبل» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي سعيد قال: بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً» .
وأخرج الديلمي عن ابن مسعود مرفوعاً: الشعراء الذين يموتون في الإِسلام يأمرهم الله أن يقولوا شعراً تتغنى به الحور العين لأزواجهن في الجنة، والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل والثبور في النار.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الشعر حكمة قال: وأتاه قرظة بن كعب، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت فقالوا: إنا نقول الشعر، وقد نزلت هذه الآية.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأوا ﴿ والشعراء ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال: أنتم هم ﴿ وذكروا الله كثيراً ﴾ قال: أنتم هم ﴿ وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴾ قال: أنتم هم» .
وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قال: كان الشاعران يتقاولان ليكون لهذا تبع ولهذا تبع.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قال: هم عصاة الجن.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قال: الشياطين ﴿ ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون ﴾ قال: يمدحون قوماً بباطل، ويشتمون قوماً بباطل.
وأخرج الفريابي وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قال: الشياطين ﴿ ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون ﴾ قال: في كل فن يفتنون ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات...
﴾ قال: عبد الله بن رواحة، وأصحابه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال: هذه ثنية الله من الشعراء ومن غيرهم ﴿ وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴾ قال: في بعض القراءة ﴿ وانتصروا بمثل ما ظلموا ﴾ قال: نزلت هذه الآية في رهط من الأنصار هاجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت ﴿ وسيعلم الذين ظلموا ﴾ من الشعراء وغيرهم ﴿ أي منقلب ينقلبون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات...
﴾ قال: نزلت في عبد الله بن رواحة، وفي شعراء الأنصار.
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت «اهج المشركين فإن جبريل معك» .
وأخرج ابن سعد عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «قيل يا رسول الله إن أبا سفيان بن الحرث بن عبد المطلب يهجوك، فقام ابن رواحة، فقال: يا رسول الله ائذن لي فيه قال: أنت الذي تقول ثبت الله؟
قال: نعم.
يا رسول الله قلت: ثبت الله ما أعطاك من حسن ** تثبيت موسى ونصراً مثل ما نصرا قال: وأنت يفعل الله بك مثل ذلك، ثم وثب كعب فقال: يا رسول الله ائذن لي فيه فقال: أنت الذي تقول همت؟
قال: نعم يا رسول الله قلت: همت سخينة أن تغالب ربها ** فليغلبن مغالب الغلاب قال: أما إن الله لم ينس لك ذلك، ثم قام حسان الحسام فقال: يا رسول الله ائذن لي فيه، وأخرج لساناً له اسود فقال: يا رسول الله ائذن لي فيه فقال: اذهب إلى أبي بكر فليحدثك حديث القوم، وأيامهم، وأحسابهم واهجهم وجبريل معك» .
وأخرج ابن سعد عن ابن بريدة، أن جبريل أعان حسان بن ثابت على مدحته النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين بيتاً.
وأخرج ابن سعد وأحمد عن أبي هريرة قال: مر عمر بحسان وهو ينشد في المسجد فلحظ إليه.
فنظر إليه فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك.
فسكت.
ثم التفت حسان إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أجب عني اللهم أيده بروح القدس» ؟
قال: نعم.
وأخرج ابن سعد عن ابن سيرين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وهم في سفر «أين حسان بن ثابت؟
فقال: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: أحد.
فجعل ينشده ويصغي إليه حتى فرغ من نشيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا أشد عليهم من وقع النبل» .
وأخرج ابن عساكر عن حسن بن علي قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن رواحة: ما الشعر؟
قال: شيء يختلج في صدر الرجل فيخرجه على لسانه شعراً» .
وأخرج ابن سعد عن مدرك بن عمارة قال: «قال عبد الله بن رواحة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تقول الشعر إذا أردت أن تقول- كأنه يتعجب لذاك-!
قلت: انظر في ذاك ثم أقول.
قال: فعليك بالمشركين» .
وأخرج ابن سعد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يحمي أعراض المسلمين فقال عبد الله بن رواحة: أنا.
وقال كعب بن مالك: أنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك تحسن الشعر.
وقال حسان بن ثابت: أنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهجهم فإن روح القدس سيعينك» .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نصر القوم بسلاحهم أنفسهم فألسنتهم أحق.
فقام رجل فقال: يا رسول الله أنا.
قال: لست هناك.
فجلس فقام آخر فقال: يا رسول الله أنا.
فقال بيده معنى اجلس.
فقام حسان فقال: يا رسول الله ما يسرني به مقولاً بين صنعاء وبصرى، وإنك ما سببت قوماً قط بشيء هو أشد عليهم من شيء يعرفونه، فمر بي إلى من يعرف أيامهم وبيوتاتهم حتى أضع لساني، فأمر به إلى أبي بكر» .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال: «هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثلاثة من كفار قريش: أبو سفيان بن الحرث، وعمرو بن العاص، وابن الزبعري، قال قائل لعلي: أهج عنا هؤلاء القوم الذين قد هجونا فقال علي: إن أذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلت.
فقال: الرجل: يا رسول الله ائذن لعلي كيما يهجو عنا هؤلاء القوم الذين هجونا فقال: ليس هناك.
ثم قال للأنصار: ما يمنع القوم الذين قد نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلاحهم وأنفسهم أن ينصروه بألسنتهم؟
فقال حسان بن ثابت: أنا لها يا رسول الله، وأخذ بطرف لسانه فقال: والله ما يسرني بهم مقولاً بين بصرى وصنعاء فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكيف تهجوهم وأنا منهم؟
فقال: إني أسُلّكَ منهم كما تسل الشعرة من العجين، فكان يهجوهم ثلاثة من الأنصار يجيبونهم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة.
فكان حسان وكعب يعارضانهم بمثل قولهم بالوقائع، والأيام، والمآثر، ويعيرونهم بالمناقب، وكان ابن رواحة يعيرهم بالكفر وينسبهم إلى الكفر، ويعلم أنه ليس فيهم شيء شراً من الكفر.
وكانوا في ذلك الزمان أشد القول عليهم قول حسان وكعب، وأهون القول عليهم قول ابن رواحة، فلما أسلموا وفقهوا الإِسلام كان أشد القول عليهم قول ابن رواحة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الشعر حكماً» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن من الشعر حكماً» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الشعر حكماً، وإن من البيان سحراً» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيدة في قوله: ﴿ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ﴾ قال: هؤلاء الذين يخربون البيت.
وأخرج أحمد عن أبي أمامة بن سهل حنيف قال: سمعت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة.
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يبايع رجل بين الركن والمقام، ولن يستحل هذا البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم تجيء الحبشة فتخربه خراباً لا يعمر بعده أبداً، وهم الذين يستخرجون كنزه» .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتركوا الحبشة ما تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة» .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال: من آخر أمر الكعبة أن الحبشة يغزون البيت، فيتوجه المسلمون نحوهم، فيبعث الله عليهم ريحاً شرقية فلا تدع لله عبداً في قلبه مثقال ذرة من تقى إلا قبضته حتى إذا فرغوا من خيارهم بقي عجاج من الناس.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب قال كأني أنظر إلى رجل من الحبش؛ أصلع، أجمع، حمش الساقين، جالس عليها وهو يهدمها.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: كأني به: أصيلع، أفيدع، قائم عليها، يهدمها بمسحاته.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: كتب أبي في وصيته سطرين بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا حين يؤمن الكافر، ويتقي الفاجر، ويصدق الكاذب.
إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن يعدل فذلك ظني به ورجائي فيه، وإن يجر ويبدل فلا أعلم الغيب ﴿ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن رباح قال: كان صفوان بن مجرز إذا قرأ هذه الآية بكى ﴿ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ﴾ .
﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ قال مقاتل والكلبي: هم عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وسائر شعراء المسلمين (١) وقال ابن عباس: استثنى شعراء المهاجرين والأنصار (٢) وقال أبو إسحاق: هم الشعراء الذين مدحوا رسول الله - - وردوا هجاءه، وهجاء المسلمين (٣) قوله: ﴿ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ أي: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله عز وجل، ولم يجعلوا الشعر همهم (٤) ﴿ وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ﴾ قال مقاتل: وانتصروا من المشركين (٥) (٦) وقال عطاء عن ابن عباس: يريد إخراج المشركين إياهم من مكة وبيعهم دورهم.
وعلى هذا الظلم الذي نالهم ليس الهجاء، إنما هو: ما ذكره من الإخراج عن المنزل وبيع المساكن، وانتصارهم منهم: هجاؤهم إياهم (٧) (٨) - وهجاه (٩) قال مقاتل: ثم أوعد شعراء المشركين فقال: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ يعني: أشركوا (١٠) وقال الكلبي: هجوا النبي - - (١١) وقال ابن عباس: ﴿ ظُلِمُوا ﴾ المهاجرين وأخرجوهم من ديارهم.
وعلى هذا هو عام في مشركي مكة؛ وهو الأولى.
﴿ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد إلى جهنم والسعير.
وقال أبو إسحاق: عني أنهم ينقلبون إلى نار جهنم مخلدون فيها، وأيَّ: منصوبة بقوله: ﴿ يَنْقَلِبُونَ ﴾ لا بقوله: ﴿ وَسَيَعْلَمُ ﴾ لأن أيًا، وسائر أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها (١٢) وهذا مما تقدم الكلام فيه في مواضع من هذا الكتاب (١٣) (١) "تفسير مقاتل" 55 ب.
وقال مجاهد: "ابن رواحة، وأصحابه".
"تفسير مجاهد" 2/ 467 وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2834، عن ابن عباس، من طريق الضحاك.
وأخرجه عنه أيضًا النحاس، الناسخ والمنسوخ 2/ 571.
(٢) أخرجه ابن جرير 19/ 129، ولفظه: "ثم استثنى المؤمنين منهم، يعني: الشعراء".
(٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 105.
(٤) في نسخة (ج): همتهم.
"معاني القرآن" للزجاج 4/ 105.
بنصه.
فعلى هذا إما أن يراد: ذكروا الله كثيرًا، في كلامهم، على وجه العموم، أو: ذكروا الله كثيرًا في شعرهم، وقد أخرج ابن جرير القول الأخير عن ابن زيد.
وهذا القول يدل على ضرورة أن يتميز الشاعر المؤمن بكثرة ما يورد في شعره من ذكر الله تعالى، والدعوة إليه.
والله أعلم.
(٥) "تفسير مقاتل" 56 أ.
(٦) "تفسير السمرقندي" 2/ 487.
(٧) "تفسير السمرقندي" 2/ 487، بمعناه، ولم ينسبه.
أخرج ابن جرير 19/ 130، عن ابن عباس، من طريق علي بن أبي طلحة قال: (يردون على الكفار الذين كانوا يهجون المؤمنين).
(٨) في نسخة (أ)، زيادة: نالهم ليس الهجاء إنما هو ما ذكره من إلا.
والكلام مستقيم بدونها.
(٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 105، بنصه.
(١٠) "تفسير مقاتل" 56 أ.
(١١) "تنوير المقباس" ص 315، وذكره عنه السمرقندي 2/ 487، بلفظ: (هجوا المشركين).
(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 105.
(١٣) راجع الإسراء: 110 ﴿ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ والكهف: 12 ﴿ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ ﴾ .
﴿ والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون ﴾ لما ذكر الكهان ذكر الشعراء ليبين أن القرآن ليس بكهانة ولا شعر لتابين أوصافه وما بين أوصاف الشعر والكهانة، وأراد الشعراء الذين يلقون من الشعر مالا ينبغي كالهجاء والمدح بالباطل وغير ذلك، وقيل: أراد شعراء الجاهلية، وقيل: شعراء كفار قريش الذين كانوا يؤذون المسلمين بأشعارهم، والغاوون قيل: هم رواه الشعر وقيل: هم سفهاء الناس الذي تعجبهم الأشعار لما فيها من اللغو والباطل، وقيل: هم الشياطين ﴿ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴾ استعارة وتمثيل أي يذهبون في كل وجه من الكلام الحق والباطل، ويفرطون في التجوز حتى يخرجوا إلى الكذب ﴿ إِلاَّ الذين آمَنُواْ ﴾ الآية: استثناء من الشعراء يعني بهم شعراء المسلمين كحسان بن ثابت وغيره ممن اتصف بهذه الأوصاف، وقيل: إن هذه الآية مدنية ﴿ وَذَكَرُواْ الله ﴾ قيل: معناه ذكروا الله في أشعارهم، وقيل: يعني الذكر على الإطلاق ﴿ وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ﴾ إشارة إلى ما قاله حسان بن ثابت وغيره من الشعراء في هجو الكفار بعد أن هجا الكفار النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾ وعيد للذين ظلموا والظلم هنا بمعنى الاعتداء على الناس لقوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ﴾ وعمل ينقلبون في أيّ لتأخره، وقيل: إن العامل في أيّ سيعلم.
القراءات: ﴿ ليكة ﴾ بلام مفتوحة بعدها ياء ساكنة وبفتح التاء على أنها ممتنعة من الصرف للعلمية والتأنيث، وكذلك في "صاد": اي جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.
الآخرون ﴿ الأيكة ﴾ معرفاً مجروراً.
﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز.
الآخرون بسكونها ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ونزل به ﴾ مخففاً ﴿ الروح الأمين ﴾ مرفوعين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وابو زيد عن المفضل وزيد عن يعقوب.
الباقون ﴿ نزل ﴾ مشدداً ﴿ الروح الأمين ﴾ منصوبين ﴿ أو لم تكن ﴾ بتاء التأنيث ﴿ آية ﴾ بالرفع: ابن عامر.
الباقون بالياء التحتانية ﴿ آية ﴾ بالنصب: ﴿ فتوكل ﴾ بالفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون بالواو ﴿ من تنزل الشياطين ﴾ بتشديد التاء وكذلك ﴿ تنزل ﴾ البزي وابن فليح ﴿ يتبعهم ﴾ بالتخفيف: نافع ﴿ وادي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وقرأ قتيبة بالإمالة.
الوقوف: ﴿ المرسلين ﴾ ج ه ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج ﴿ أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ه ط ﴿ المخسرين ﴾ ج ه ﴿ المستقيم ﴾ ج ه ﴿ مفسدين ﴾ ج ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ط ﴿ المسحرين ﴾ ه لا ﴿ الكاذبين ﴾ ه ج ﴿ نصف آي القرآن ﴾ ﴿ الصادقين ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الظلة ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الأمين ﴾ ه لا ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ه ﴿ الأعجمين ﴾ ه لا ﴿ مؤمنين ﴾ ه ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ط بناء على أن ﴿ لا يؤمنون ﴾ مستأنف للبيان ولو جعل حالاً فلا وقف ﴿ الأليم ﴾ ه لا ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا ﴿ منظرون ﴾ ه ط ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ما أغنى ﴾ جملة نفي أو استفهام قامت مقام الشرط ﴿ يمتعون ﴾ ه ط ﴿ منذرون ﴾ ه وقد يوقف عليها بناء على أن ﴿ ذكرى ﴾ ليس بمفعول له والمراد ذكرناهم والوقف على ﴿ ذكرى ﴾ جائز ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ يستطيعون ﴾ ه ط ﴿ المعزولون ﴾ ه ط ﴿ المعذبين ﴾ ج ه ﴿ الأقربين ﴾ ج ه للعطف ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ج ﴿ الرحيم ﴾ ه لا ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ أثيم ﴾ ج ه بناء على أن ﴿ يلقون ﴾ حال من ضمير ﴿ الشياطين ﴾ اي تنزل ملقين السمع أو صفة ﴿ لكل افاك ﴾ وإن جعل مستأنفاً كأن قائلاً قال: لم تنزل؟
فقيل: يفعلون كيت وكيت فلك الوقف.
﴿ كاذبون ﴾ ه ط ﴿ الغاوون ﴾ ه ط ﴿ يهيمون ﴾ ه لا ﴿ لا يفعلون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ ينقلبون ﴾ ه.
التفسير: القصة السابعة قصة شعيب وأنه كان أخاً مدين دون أصحاب الأيكة ولهذا لم يقل "أخوهم شعيب".
يروى أن اصحاب الأيكة كانوا اصحاب شجر ملتف وكان شجرهم الدوم وهي التي حملها المقل.
قال في الكشاف: قرئ ﴿ أصحاب ليكة ﴾ بتخفيف الهمزة وبالجر على الإضافة وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أن ﴿ ليكة ﴾ بوزن ليلة اسم بلد فتوهم قاد إليه خط المصحف في هذه السورة وفي سورة ص، ثم اعترض عليه بأن ﴿ ليكة ﴾ اسم لا يعرف.
قلت: إنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء عدم ذلك الشيء، والظن بالمتواتر يجب أن يكون أحسن من ذلك.
أمرهم شعيب بإيفاء الكيل ونهاهم عن الإخسار وهو التطفيف وأن يجعل الشخص خاسراً فكأنه أمره بالإيفاء مرتين توكيداً ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وزنوا بالقسطاطس المستقيم ﴾ وقد مر في سورة سبحان.
قال في الكشاف: إن كان من القسط وهو العدل وجعلت السين مكررة فوزنه "فعلاس" وإلا فهو رباعي.
قلت: إن كان مكرراً فوزنه "فعلال" أيضاً.
وقوله ﴿ ولا تبخسوا ﴾ تأكيداً آخر وقد سبق في "هود".
والجبلة الخليقة حذرهم الله الذي تفضل عليهم بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين.
قال في الكشاف: الفرق بين إدخال الواو ههنا في قوله ﴿ وما أنت إلا بشر ﴾ وبين تركها في قصة ثمود هو أنه قصد ههنا معنيان منافيان عندهم للرسالة: كونه مسحراً وكونه بشراً وهناك جعل المعنى الثاني مقرراً للأول.
قلت: الفرق بين والإشكال في تخصصيص كل من القصتين بما خصت به، ولعل السبب فيه هو أن صالحاً قلل في الخطاب فقللوا في الجواب، وأكثر شعيب في الخطاب ولهذا قيل له خطيب الأنبياء فأكثروا في الجواب.
"وإن" في قولهم ﴿ وإن نظنك ﴾ هي المخففة من الثقيلة عملت في ضمير شأن مقدر.
واللام في قوله ﴿ لمن الكاذبين ﴾ هي الفارقة.
والكسف بالسكون والحركة جمع كسفة وهي القطعة وقد مر في سبحان في اقتراحات قريش.
والمعنى إن كنت صادقاً في دعوة النبوة فادع الله أن يسقط علينا قطع السماء.
وإنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فأرادوا بذلك إظهار كذبه فحلم عنهم شعيب ولم يدع عليهم بل فوض الأمر إلى الله بقوله: ﴿ ربي أعلم بما تعملون ﴾ يروى أن شعيباً بعث إلى أمتين: اصحاب مدين وأصحاب الأيكة.
فأهلكت مدين بصيحة جبرائيل، وأهلكت اصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة وذلك إنه حبس عنهم الريح سبعاً وسلط عليهم الحرّ فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظلٍ ولا ماء ولا شراب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى الصحراء فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا.
وحين سلى رسول الله بهذه القصص المؤكدة بالمكررات المختتمة بالمقررات عاد إلى مخاطبته قائلاً ﴿ وإنه ﴾ اي وإن الذي نزل عليك من الأخبار ﴿ لتنزيل رب العالمين ﴾ أي منزله.
والباء في ﴿ نزل به ﴾ علىالقراءتين للتعدية ولكنها في قراءة التشديد تقتضي مفعولاً آخر هو الروح أي جعل الله الروح الأمين نازلاً به على قلبك محفوظاً مفهوماً ﴿ لتكون من المنذرين ﴾ من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد .
ويجوز أن يكون قوله ﴿ لسان ﴾ متعلقاً ﴿ بنزل ﴾ أي نزله ﴿ بلسان عربي ﴾ لتنذر به فإنه لو نزله بالأعجمي لقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه.
ومن هذا الوجه ينشأ فائدة أخرى لقوله ﴿ على قلبك ﴾ أي نزلناه بحيث تفهمه ولو كان أعجمياً لكان نازلاً على سمعك دون قلبك.
والظاهر من نقل أئمة اللغة أن القلب والفؤاد مترادفان.
ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن بعضهم أن القلب هو العلقة السوداء في جوف الفؤاد وذكر كلاماً طويلاً في أن محل العقل هو القلب دون الدماغ وهو المخاطب في الحقيقة فلهذا قال ﴿ نزله على قلبك ﴾ ونحن قد تركناه لقلة تعلقه بالمقام ولضعف دلائله مع مخالفته لما عليه معظم أرباب المعقول.
قوله ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يعني أن ذكر القرآن مثبت في الكتب السماوية للأمم المتقدمة، وإن معاني القرآن في تلك الزبر.
وقد يحتج به لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة.
وقيل: الضمير فيه وفي ﴿ أن يعلمه ﴾ للنبي وأنه حجة ثابتة على نبوته قد شهد بها علماء بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره من الذين أسلموا منهم واعترفوا أن نعته وصفته في كتبهم مذكور، وكان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود يتعرفون منهم هذا الخبر.
من قرأ ﴿ يكن ﴾ بالتذكير و ﴿ آية ﴾ بالنصب على الخبر والاسم ﴿ أن يعلمه ﴾ فظاهر، ومن قرأ ﴿ تكن ﴾ بالتأنيث و ﴿ آية ﴾ بالرفع على الاسم والخبر ﴿ أن يعلمه ﴾ فقيل: ليست بقوية لوقوع النكرة اسماً والمعرفة خبراً.
ويمكن أن يجاب بأن الفعل المضارع مع أن ليس من المعارف الصريحة، وقد توجه هذه القراءة بتقدير ضمير القصة في ﴿ تكن ﴾ وجملته ﴿ آية أن يعلمه ﴾ و ﴿ لهم ﴾ لغواً أو ﴿ لهم آية ﴾ ﴿ وأن يعلمه ﴾ بدل من آية.
قال جار الله: إنما كتب علموء بالواو على لغة من يميل الألف إلى الواو ولذلك كتبت الصلوة والزكوة بالواو.
ثم أكد بقوله ﴿ ولو نزلناه ﴾ ما مر من آية لو نزله بالأعجمي فقرأه عليهم بعض الأعجمين لم يؤمنوا به لأنهم لم يكونوا يفهمونه.
وقال جار الله: معناه ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية فضلاً أن يقدر على نظم مثله فقرأه عليهم هكذا فصيحاً معجزاً متحدّى به لكفروا به كما كفروا ولتمحلوا لجحودهم عذراً ولسموه سحراً.
ثم قال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا السلك ﴿ سلكناه ﴾ في قلوبهم وقررناه فيها فعلى أيّ وجه دبر أمرهم فلا سبيل إلى تغييرهم عما هم عليه من الإنكار والإصرار، وقد سبق مثل هذه الآية في أول "الحجر".
والحاصل أنهم لا يزالون على التكذيب حتى يعاينوا الوعيد، وفيه تسلية لرسول الله فإن اليأس إحدى الراحتين.
قال في الكشاف: ليس الفاء في قوله ﴿ فيأتيهم بغتة فيقولوا ﴾ لأجل ترادف العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة، وإنما المعنى ترتيبها في الشدة كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة.
فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة.
نظيره قولك: إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، لا تريد الترتيب في الوجود ولكن في الشدة.
قلت: هذا معنى صحيح ولكن لا مانع من إرادة الترتيب والتعذيب في الوجود يظهر بالتأمل إن شاء الله العزيز.
ثم نكرهم بقوله ﴿ أفبعذابنا يستعجلون ﴾ وفيه إنكار وتهكم أي كيف يستعجل العذاب من لا طاقة له به حتى استمهل بعد أن كان من العمر في مهلة؟
وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ يستعجلون ﴾ حكاية حال ماضية يوبخون بها عند استنظارهم، أو يكون متصلاً بما بعده وذلك أنهم اعتقدوا العذاب غير كائن فلذلك استعجلوه وظنوا أنهم يمتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن، فأنكر الله عليهم استعجالهم الصادر عن الأشر والبطر والاستهزاء والاتكال على طول الأمل.
ثم قال: هب أن الأمر كما ظنوه من التمتع والتعمير فإذا لحقهم الوعيد أو الأجل أو القيامة هل ينفعهم ذلك؟.
عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له: عظني فتلا عليه هذه الآية فقال له ميمون: لقد وعظت فأبلغت.
ثم بين أنه ما أهلك قرية إلا بعد إلزام الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، وعلى هذا يكون ﴿ ذكرى ﴾ متعلقة ﴿ بأهلكنا ﴾ مفعولاً له.
ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً ﴿ لأنذر ﴾ بمعنى التذكرة فإن ﴿ أنذر ﴾ وذكر متقاربان، أو حالاً من الضمير في ﴿ منذرون ﴾ أو مفعولاً له متعلقاً به أي ينذرونهم ذوي تذكرة أو لأجل الموعظة والتذكير، أو التقدير: هذه ذكرى فالجملة اعتراض.
ويجوز أن يكون صفة ﴿ لمنذرون ﴾ على حذف المضاف أي ذوو ذكرى، أو جعلوا ذكرى لبلوغهم في التذكرة أقصى غاياتها.
والبحث عن وجود الواو وعدمه في مثل هذا التركيب قد مر في أول الحجر في قوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ﴾ إلا أنا نذكر ههنا سبب تخصيص تلك الآية بالواو وهذه بعدم الواو فنقول: لا ريب أن الواو تفيد مزيد الربط والاجتماع في الحال وفي الوصف إن جوزتا: فسواء قدرنا الجملتين أعني قوله ﴿ ولها كتاب معلوم ﴾ وقوله ﴿ لها منذرون ﴾ حالاً أو وصفاً فالمقام يقتضي ورود النسق على ما ورد، وذلك أن قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ صفة لازمة للقرية فإن الكتب في اللوح وصف أزلي فناسب أن يكون في اللفظ ما يدل على اللزوم واللصوق وهو الواو، ثم زيد في التأكيد بقوله ﴿ معلوم ﴾ وبقوله ﴿ ما تسبق ﴾ وهذا بخلاف قوله ﴿ لها منذرون ﴾ فإنها صفة حادثة فأطلقت وجود صدر الجملة عن الواو لذلك والله أعلم.
ثم إنه لما احتج على صدق محمد بكون القرآن معجزاً منزلاً من رب العالمين مشتملاً على معاني كتب الأولين وكان الكفار يقولون إنه من إلقاء الجن كحال الكهنة أراد أن يزيل شبهتهم بقوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ﴾ التنزل بالوحي ﴿ وما يستطيعون ﴾ .
ثم بين عدم اقتدارهم بقوله ﴿ إنهم عن السمع ﴾ أي عن سماع كلام أهل السماء ﴿ لمعزولون ﴾ وذلك بواسطة رجم الشهب كما أخبر عنه الصادق والمعجزات يتساند بعضها ببعض، ولو فرض أنهم غير مرجومين بالشهب فالعقل يدل على أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى منه بشأن العدو، وكان محمد يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم فلو كان الغيب بإلقاء الشياطين لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم ذلك.
وحين أثبت حقية القرآن أمر نبيه بجوامع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ فلا تدع ﴾ والمراد أمته كما مر في نظائره من قوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ وغير ذلك ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ فيه أن الاهتمام بشأن من هو أقرب إلى المرء أولى.
وفيه أنه يجب أن لا يأخذه في باب التبليغ ما يأخذ القريب للقرب من المساهلة ولين الجانب.
"يروى أنه لما نزلت الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب فخذاً فخذاً وقال: يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله: إني لا أملك لكم من الله شيئاً سلوني من المال ما شئتم" .
"وروي أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس على رجل شاة، فأكلوا وشربوا حتى شبعوا ثم أنذرهم فقال: يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟
قالوا: نعم.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" .
قوله ﴿ واخفض جناحك ﴾ قد مر تفسيره في آخر "الحجر" وفي "سبحان" وزاد ههنا ﴿ لمن اتبعك ﴾ كيلا يذهب الوهم إلى أن خفض الجناح وهو التواضع ولين الجانب مختص بالمؤمنين من عشيرته.
وإنما لم يقتصر على قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ لأن كثيراً منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين.
وقال في الكشاف: سبب الجمع بين اللفظين هو أنه سماهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، أو أراد بالمؤمنين المصدّقين بالألسنة فزاد قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ ليخرج من صدّق باللسان دون الجنان، أو صدق بهما ولم يتبعه في العمل.
وحين أمره بالتواضع لأهل الإخلاص في الإيمان أمره بالتبرئة من ارباب العصيان.
فاستدل الجبائي به على أن الله أيضاً بريء من عملهم فكيف يكون فاعلاً له؟!
وأجيب بأنه إن أراد ببراءة الله أنه ما أمر بها فمسلم، وإن أراد أنه لا يريدها فممنوع لانتهاء جميع الحوادث إلى إرادته ضرورة قوله ﴿ وتوكل ﴾ معطوف على قوله ﴿ فلا تدع ﴾ أو على قوله ﴿ فقل ﴾ أمره بتفويض الأمر في دفع أعاديه إلى العزيز الذي يقهر من ناوأ أولياءه الرحيم الذي لا يخذل من ينصر دينه.
قال بعض العلماء: المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما فيه معصية الله عز وجل، ولو وقع في محنة واستعان في دفعها ببعض المخلوقين لم يخرج من حد المتوكلين، ثم عدد مواجب الرحمة وهي رؤيته قيامه وتقلبه في الساجدين أي في المصلين.
وللمفسرين فيه وجوه منها: ما روي أنه حين نسخ فرض التهجد طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه حرصاً عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير ذكراً وتلاوة.
فالمراد بتقلبه في الساجدين تصفح أحوال المتهجدين من اصحابه ليطلع عليهم كيف يعملون لآخرتهم.
ومنها أن المراد تصرفه فما بين المؤمنين به بالقيام والركوع والسجود والقعود.
ويروى عن مقاتل أنه استدل به على وجود فضل صلاة الجماعة في القرآن.
ومنها أنه إشارة إلى ما جاء في الحديث "أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلف ظهري" فالتقلب تقلب بصره فيمن يصلي خلفه.
وقيل: أراد أنه لا يخفى علينا كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين.
وقد احتج بالآية علماء الشيعة على مذهبهم أن آباء النبي لا يكونون كفاراً.
قالوا: أراد تقلب روحه من ساجد إلى ساجد كما في الحديث المعتمد عليه عندهم "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وناقشهم أهل السنة في التأويل المذكور وفي صحة الحديث.
والأصوب عندي أن لا نشتغل بمنع أمثال هذه الدعوى ونسرح إلى بقعة الإمكان على أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول.
ثم أكد قوله وما تنزلت به الشياطين بقوله ﴿ هل أنبئكم على من تنزل ﴾ قال في الكشاف: تقديره أعلى من تنزل؟
ليكون الاستفهام في صدر الكلام كقولك: أعلى زيد مررت؟
قلت: هذا تكلف بارد لأن لااستفهام في "من" ضمني لا يصرح به قط.
والأفاك الكثير الإفك، والأثيم مبالغة آثم وهم الكهنة والمتنبئة كسطيح ومسيلمة وأمثالهما.
والضمير في ﴿ يلقون ﴾ عائد إلى الشياطين كانوا قبل الرجم بالشهب يختطفون بعض الغيوب من الملأ الأعلى بإلقاء ﴿ السمع ﴾ أي بالإصغاء ثم يرجعون به إلى أوليائهم ﴿ وأكثرهم كاذبون ﴾ لأنهم يخلطون الحق المسموع بكلامهم الباطل كما جاء في الحديث "الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة" .
والقر الصب.
وقيل: السمع بمعنى السمموع أي يلقي الشياطين إلى أوليائهم ما يسمعونه من الملائكة.
ويحتمل أن يكون الضمير في: ﴿ يلقون ﴾ للأفاكين والسمع الأذن أو المسموع أي يلقونه السمع إلى لاشياطين فيتلقون وحيهم، أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس.
وإنما لم يقل "وكلهم كاذبون" لأن الكذوب قد يصدق فيصدق عليه انه صادق في الجملة لأن هذه عبارة الفصحاء لا يحكمون حكماً كلياً ما لم تدع إليه ضرورة.
والحاصل أنهم كانوا يقيسون حال النبي على حال الكهنة فقيل لهم: إن الأغلب على الكهنة الكذب ولم يظهر من أحوال محمد إلا الصدق، فكيف يكون كاهناً؟
ثم بين ما يعرف منه أن النبي ليس بشاعر كما أنه ليس بكاهن فقال ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قيل: أي الشياطين.
والأظهر أنهم الذين يروون أشعارهم وكان شعراء قريش مثل عبد الله بن الزبعري وأمية بن ابي الصلت يهجون النبي ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أهاجيهم فنزلت.
ثم بين غوايتهم بقوله ﴿ ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ﴾ وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول يمدحون إنساناً معيناً تارة ويذمونه أخرى غالين في كلا الطرفين مستعملين التخيل في كل ما يرومونه.
وذكر من قبائح خصالهم ﴿ أنهم يقولون ﴾ عند الطلب والدعاوي ﴿ مالا يفعلون ﴾ ولعمري إنها خصلة شنعاء تدل على الدناءة واللؤم.
قالوا وما فعلوا وأين هم *** من معشر فعلوا وما قلوا وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: فبتن بجانبيّ مصرعات *** وبت أفض أغلاق الختام فقال: وجب عليك الحد: قال: قد درأ الله عني الحد يا أمير المؤمنين وتلا الآية.
ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم الذكر والفكر فيما لا بأس به من المواعظ والنصائح، ومدح الحق وذويه، ويكون هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم مثل عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير كانوا ينافحون عن رسول الله .
"وعن كعب بن مالك أن رسول الله قال له: اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل" .
وكان يقول لحسان: هاجهم وروح القدس معك.
والحاصل أن النظر في الشعر إلى المعنى لا على مجرد النظم والروي.
فإن كان المعنى صحيحاً مطابقاً للحق والصدق فلا بأس بإِدخاله في سلك النظم والقافية بل لعل النظم يروجه ويهيج الطبع على قبوله وهو الذي عناه "إن من الشعر لحكماً" .
وإن كان المعنى فاسداً والغرض غير صحيح فهو الذي توجه الذم إليه.
وللانتصار حد معلوم وهو أن لا يزيد على الجواب لقوله : { ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ وقال "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم" ثم ختم السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال ﴿ وسيعلم الذين ظلموا ﴾ خصصه بعضهم بالشعراء إذا خرجوا عن حد الإنصاف، ومالوا إلى الجور والاعتساف، ولعله عام يتناول لكل من ظلم نفسه بالإعراض عن تدبر ما في السورة بل القرآن كله.
وقوله ﴿ أيّ منقلب ﴾ صفة لمصدر محذوف والعامل ﴿ ينقلبون ﴾ أي ينقلبون في الدركات السفلى انقلاباً أيّ منقلب ولا يعمل فيه ﴿ يعلم ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
وعن ابن عباس أنه قرأه بالفاء والتاء والمراد سيعلمون أنه ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة.
التأويل: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجميين ﴾ فيه إظهار القدرة من وجهين: الأول جعل الأعجمي بحيث يقرا العربي عليهم كقول القائل: أمسيت كردياً واصبحت عربياً.
والثاني أن أهل الإنكار لا يصيرون أهل الإقرار ولو أتاهم مثل هذا الإعجاز البين، وذلك لأن الله كذلك يسلكه في قلوبهم فيأتيهم عذاب البعد والطرد في الدنيا ﴿ بغتة وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نيام فإذا ماتوا انتبهوا فيقولون هل نحن منظرون.
﴿ وما ينبغي لهم وما يستطيعون ﴾ لأنهم خلقوا من النار والقرآن نور قديم فلا يكون للنار المخلوقة قوة حمل النور القديم، ولهذا تستغيث النار من نور المؤمن وتقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.
﴿ فتكون من المعذبين ﴾ لأن كل من طلب مع الله شيئاً آخر حتى الجنة فله عذاب البعد والحرمان من الله.
﴿ وأنذر عشيرتك ﴾ فيه أن النسب نسب النفوس فإن أكل المرء يشبعه ولا يشبع ولده.
إلا إذا أكل الطعام كما أكل والده وهذا معنى المتابعة.
﴿ إني بريء مما تعملون ﴾ لم يقل "إني بريء منكم" لأن المراد لا تبرأ منهم وقل لهم قولاً جميلاً بالنصح والموعظة الحسنة حتى يرجعوا ببركة دعوتك إلى القول الحق، أو ينالوا الجنة بواسطة شفاعتك.
﴿ وتقلبك في الساجدين ﴾ بأن خلق روح كل ساجد من روحك.
﴿ إنه هو السميع ﴾ في الأزل مقالتك "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" لأن أرواحهم خلقت من روحك ﴿ العليم ﴾ باستحقاقك لهذه الكرامة الله حسبي.
قوله: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ : خرج هذا - والله أعلم - وما تقدم ذكره من الآيات جواباً لقول كان من رؤساء الكفرة وقادتهم لا يزالون يلبسون على أتباعهم والسفلة أمر رسول الله وما ينزل، فقالوا مرة: ﴿ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ومرة: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ ، وأنه شاعر وأنه ساحر، ومرة قالوا: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ، وأمثال هذا، فجائز أن كان منهم - أيضاً - قول: إن الشياطين هم الذين يتنزلون بهذا القرآن عليه، على ما ذكر أنهم قالوا: يجيء به الرئي - وهو الشيطان - فيلقيه على لسانه، فقال عند ذلك جواباً لهم: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ...
﴾ الآية، ولكن إنما يتنزل به جبريل حيث قال: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ...
﴾ الآية [النحل: 102].
ثم أخبر عن الشياطين أنهم على من ينزلون حيث قال: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ ﴾ فقال: ﴿ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ ، ذكر هذا لما عرفوا هم أن الشياطين لا يتنزلون إلا بكذب وباطل، فمن لا ينزل إلا بكذب وباطل لا ينزل إلا على كذاب أفاك، وكان معلوما عندهم أن محمدا لم يكذب قط ولا أفك أبداً؛ إذ لم يأخذوه يكذب فيما بينهم قط، فيقول - والله أعلم - كيف يتنزل عليه الشياطين وهو معروف عندكم أنه ليس بكذاب ولا أفاك، وقد تعلمون أن الشياطين لا ينزلون إلا بكذب وباطل؟!
على هذا يخرج تأويل هذه الآيات، وإلا على الابتداء لا يحتمل أن تكون.
ثم أخبر عن صنيع الشياطين فقال: ﴿ يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾ : قال بعضهم: يلقي الشياطين بآذانهم إلى السمع في السماء لكلام الملائكة، وذلك أن الله إذا أراد أمراً في الأرض علم به أهل السماء من الملائكة، فيتكلمون به فيسمع الشياطين ذلك، فيخبرون به الكهنة، فيخبر الكهنة أهل الأرض بذلك، فيقولون: إنه يكون في الأرض كذا في وقت كذا، ثم قال: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾ - على هذا التأويل -: وأكثر الشياطين كاذبون فيما يخبرون الكهنة من أخبار السماء.
وقال بعضهم: إن الجن كانوا يصعدون إلى السماء فيسترقون أسماعهم إلى السماء، فيسمعون من أخبار أهلها، ثم ينزلون به على الكهنة، ويسمع الكهنة - أيضاً - من أخبار الرسل، ويخلطون ما سمعوا من الرسل من الحق بما سمعوا من الشياطين.
وقال بعضهم: كانوا يسمعون من الجن حقّاً، لكنهم يخلطون من عند أنفسهم كذباً، فيحدثون به الناس، حتى إذا كان الناس يتركون ما يسمعون منهم من الكذب، حدثوهم بذلك الحق الذي نزل به من السماء، ويراجعونهم ويصدقونهم؛ فذلك قول الله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾ أي: أكثر قولهم كذب، والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ ﴾ قال بعضهم: رجلان شاعران كانا على عهد رسول الله : أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، فهجوا رسول الله وأصحابه ومع كل واحد منهما غواة من قومه؛ فذلك قوله: ﴿ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ ﴾ .
قال: فاستأذن شعراء المسلمين النبي أن يقتصوا من المشركين، فأذن لهم النبي، فهجوا المشركين ومدحوا النبي وذلك قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ؛ أخبر في الأول: ﴿ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ ﴾ ، فاستثنى شعراء المسلمين بقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
وقال بعضهم: الشعراء عصاة الجن يتبعهم غواة الإنس؛ كقوله: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .
وقال بعضهم: هم الكفار ضلال الجن والإنس؛ وهو مثل الأول.
وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴾ : قال بعضهم: في كل فن يأخذون، أي: يمدحون قوماً بباطل، ويذمون قوماً بباطل.
﴿ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ﴾ ، وأنهم يصفون ما لا يعلمون؛ وكذلك ذكر في بعض الحروف أنه كذلك.
وقال بعضهم: إنهم في كل لغو وباطل يخوضون.
﴿ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ﴾ يقول: في أكثر قولهم يكذبون.
وقال بعضهم: ﴿ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ﴾ أي: يقولون: فعلنا كذا، وهم كذبة؛ لم يفعلوا ذلك.
وقال أبو عوسجة: ﴿ يَهِيمُونَ ﴾ أي: يذهبون ويمضون ويركبون كل واد، هام يهيم هيماً فهو هائم، ويقال: الهائم: العطشان، يقول: هام يهيم هيما، وهيمان، عطشان، وقوم هيم، والهائم، الواهن المحب الذي هو عطشان إلى لقاء من يحب، والتهويم: النوم؛ يقال: هوم يهوم تهويما، وقوله: ﴿ فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ ﴾ هم العطاش، والواحد: هيمان.
وقال القتبي: ﴿ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴾ أي: في كل واد من القول [و]في كل مذهب يذهبون؛ كما يذهب الهائم على وجهه.
وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ : هذا الاستثناء يحتمل أن يكون من قوله: ﴿ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ ﴾ وهو ما ذكرنا؛ كأنه قال: أولئك الشعراء وهم القادة منهم الذين قالوا: نحن نقول بمثل ما أتى محمد وقالوا الشعر وأنشدوه واجتمع إليهم غواة من قومهم يستمعون أشعارهم، ويروون عنهم حين يهجون النبي وأصحابه، فاستثنى شعراء المسلمين الذين قالوا الشعر وأنشدوه في انتصار رسول الله وأصحابه فقال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ فإنهم لا يتبعهم الغاوون.
أو أن يكون الاستثناء من قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ فإنهم لا يهيمون في كل واد، ويقولون ما يفعلون، ولا يقولون ما لا يفعلون، بل يذكرون الله كثيراً وينتصرون لرسوله؛ ولأنفسهم من بعد ما ظلموا؛ فيكون الاستثناء في أحد التأويلين من الاتباع [و]في الآخر من الأئمة والقادة؛ فكان منهم قول سبق في ذلك، حتى قال: ﴿ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر؛ إذ لا يحتمل على الابتداء دون قول كان منهم على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ...
﴾ ، وقوله: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ...
﴾ الآية، قد كان من أولئك الكفرة قول وطعن بأن الشياطين هم الذين يتنزلون به عليه، حتى خرج جواباً لهم: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ ﴾ ، وإن لم يذكر ذلك، يظهر ذلك في الجواب أن كان منهم قول وطعن، وإن لم يذكر، ثم أوعدهم وقال: ﴿ وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾ يحتمل في الآخرة في منقلب الظلمة وهي النار، أي: يعلمون علم عيان يومئذ، وإن لم يعلموا ذلك في الدنيا علم استدلال لما تركوا النظر فيه.
أو يعلمون ذلك علم عيان في الآخرة، وإن علموا في الدنيا علم استدلال، لكنهم تعاندوا وكابروا فلم يؤمنوا، والله أعلم وصلى الله على رسولنا محمد وآله أجمعين.
إلا الذين آمنوا من الشعراء وعملوا الأعمال الصالحات، وذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وانتصروا من أعداء الله بعدما ظلموهم مثل حسان بن ثابت ، وسيعلم الذين ظلموا بالشرك بالله والاعتداء على عباده أي مرجع يرجعون إليه، فسيرجعون إلى موقف عظيم، وحساب دقيق.
من فوائد الآيات إثبات العدل لله، ونفي الظلم عنه.
تنزيه القرآن عن قرب الشياطين منه.
أهمية اللين والرفق للدعاة إلى الله.
الشعر حَسَنُهُ حَسَن، وقبيحه قبيح.