الآية ٣٥ من سورة الشعراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ٣٥ من سورة الشعراء

يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة الشعراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فقال ( يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون ) ؟

أي : أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا ، فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه ويغلبكم على دولتكم ، فيأخذ البلاد منكم ، فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به؟

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وإنما قال: يريد أن يخرجكم فجعل الخطاب للملإ حوله من القبط, والمعنيّ به بنو إسرائيل, لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل, واتخذوهم خدما لأنفسهم ومهانا, فلذلك قال لهم: ( يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ ) وهو يريد: أن يخرج خدمكم وعبيدكم من أرض مصر إلى الشأم.

وإنما قلت معنى ذلك كذلك, لأن الله إنما أرسل موسى إلى فرعون يأمره بإرسال بني إسرائيل معه, فقال له ولأخيه فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ .

وقوله: ( فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ) يقول: فأي شيء تأمرون في أمر موسى وما به تشيرون من الرأي فيه؟

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لا يوجد تفسير لهذه الأية

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ موَّه عليهم لعلمه بضعف عقولهم, أن هذا من جنس ما يأتي به السحرة, لأنه من المتقرر عندهم, أن السحرة يأتون من العجائب, بما لا يقدر عليه الناس, وخوَّفهم أن قصده بهذا السحر, التوصل إلى إخراجهم من وطنهم, ليجدوا ويجتهدوا في معاداة من يريد إجلاءهم عن أولادهم وديارهم، فَمَاذَا تَأْمُرُونَ أن نفعل به؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون"؟

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال فرعون لأشراف قومه خشية أن يؤمنوا: إن موسى لَساحر ماهر، يريد أن يخرجكم بسحره من أرضكم، فأي شيء تشيرون به في شأنه أتبع رأيكم فيه؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يضيف إلى ذلك قوله لهم : ( يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ ) هذا الساحر ( مِّنْ أَرْضِكُمْ ) التى نشأتم عليها ( فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ) أى : فبأى شىء تشيرون على وأنتم حاشتيى ومحل ثقتى؟وفى هذه الجملى الكريمة تصوير بديع لنفس هذا الطاغية وأمثاله .

.

.إنه منذ قليل كان يرغى ويزبد .

وإذا به بعد أن فاجأه موسى بمعجزته ، يصاب بالذعر ويقول لمن زعم أنه ربهم الأعلى ( فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ) .وهكذا الطغاة عندما يضيق الخناق حول رقابهم يتذللون ويتباكون .

.

فإذا ما انفك الخناق من حول رقابهم ، عادوا إلى طغيانهم وفجورهم .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : " ولقد تحير فرعون لما أبصر الآيتين ، وبقى لا يدرى أى طرفيه أطول ، حتى زل عنه ذكر دعوى الألوهية ، وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية .

وارتعدت فرائصه ، وانتفخ سَحَره - أى رئته - خوفا وفرقا ، وبلغت به الاستكانة لقومه الذين هم بزعمه عبيده وهو إلههم : أن طفق يؤامرهم ويعترف لهم بما حذر منه وتوقعه وأحس به من جهة موسى - عليه السلام - " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الأعمش: ﴿ بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ ﴾ .

المسألة الثانية: اعلم أن قوله: ﴿ أَوْ لَوْ جِئْتُكَ بِشَئ مُّبِينٍ  ﴾ يدل على أن الله تعالى قبل أن ألقى العصا عرفه بأنه يصيرها ثعباناً، ولولا ذلك لما قال ما قال: فلما ألقى عصاه ظهر ما وعده الله به فصار ثعباناً مبيناً، والمراد أنه تبين للناظرين أنه ثعبان بحركاته وبسائر العلامات، روي أنه لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى فرعون وجعلت تقول يا موسى مرني بما شئت، ويقول فرعون يا موسى أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها فعادت عصا فإن قيل كيف قال هاهنا: ﴿ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ وفي آية أخرى: ﴿ فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى  ﴾ وفي آية ثالثة: ﴿ كَأَنَّهَا جَانٌّ  ﴾ والجان مائل إلى الصغر والثعبان مائل إلى الكبر؟

جوابه: أما الحية فهي اسم الجنس ثم إنها لكبرها صارت ثعباناً، وشبهها بالجان لخفتها وسرعتها فصح الكلامان، ويحتمل أنه شبهها بالشيطان لقوله تعالى: ﴿ والجآن خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم  ﴾ ويحتمل أنها كانت أولاً صغيرة كالجان ثم عظمت فصارت ثعباناً، ثم إن موسى عليه السلام لما أتى بهذه الآية قال له فرعون هل غيرها؟

قال نعم فأراه يده ثم أدخلها جيبه ثم أخرجها فإذا هي بيضاء يضيء الوادي من شدة بياضها من غير برص لها شعاع كشعاع الشمس، فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر فيها أموراً ثلاثة: أحدها: قوله: ﴿ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ ﴾ وذلك لأن الزمان كان زمان السحرة وكان عند كثير منهم أن الساحر قد يجوز أن ينتهي بسحره إلى هذا الحد فلهذا روج عليهم هذا القول.

وثانيها: قوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ وهذا يجري مجرى التنفير عنه لئلا يقبلوا قوله، والمعنى يريد أن يخرجكم من أرضكم بما يلقيه بينكم من العداوات فيفرق جمعكم، ومعلوم أن مفارقة الوطن أصعب الأمور فنفرهم عنه بذلك، وهذا نهاية ما يفعله المبطل في التنفير عن المحق.

وثالثها: قوله لهم: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ أي فما رأيكم فيه وما الذي أعمله، يظهر من نفسه أني متبع لرأيكم ومنقاد لقولكم، ومثل هذا الكلام يوجب جذب القلوب وانصرافها عن العدو فعند هذه الكلمات اتفقوا على جواب واحد وهو قوله: ﴿ أَرْجِهْ ﴾ قرئ (أرجئه) و(أرجه) بالهمز والتخفيف، وهما لغتان يقال: أرجأته وأرجيته إذا أخرته، والمعنى أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة، وقيل احبسه وذلك محتمل، لأنك إذا حبست الرجل عن حاجته فقد أخرته.

روي أن فرعون أراد قتله ولم يكن يصل إليه، فقالوا له لا تفعل، فإنك إن قتلته أدخلت على الناس في أمره شبهة، ولكن أرجئه وأخاه إلى أن تحشر السحرة ليقاوموه فلا يثبت له عليك حجة، ثم أشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون السحرة، ظناً منهم بأنهم إذا كثروا غلبوه وكشفوا حاله وعارضوا قوله: ﴿ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ ﴾ بقولهم: ﴿ بِكُلّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ﴾ فجاءوا بكلمة الإحاطة وبصيغة المبالغة ليطيبوا قلبه وليسكنوا بعض قلقه، قال صاحب الكشاف فإن قلت: قوله تعالى: ﴿ قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ ﴾ ما العامل في (حوله)؟

قلت: هو منصوب نصبين نصب في اللفظ ونصب في المحل والعامل في النصب اللفظي ما يقدر في الظرف، والعامل في النصب المحلي هو النصب على الحال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت ما العامل في ﴿ حَوْلَهُ ﴾ ؟

قلت: هو منصوب نصبين: نصب في اللفظ، ونصب في المحل؛ فالعامل في النصب اللفظي ما يقدر في الظرف، والعامل في النصب المحلي وهو النصب على الحال: قال: ولقد تحير فرعون لما أبصر الآيتين، وبقي لا يدري أي طرفيه أطول، حتى ذلّ عنه ذكر دعوى الإلهية، وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية، وارتعدت فرائصه، وانتفخ سحره خوفاً وفرقاً؛ وبلغت به الاستكانة لقومه الذين هم بزعمه عبيده وهو إلههم: أن طفق يؤامرهم ويعترف لهم بما حذر منه وتوقعه وأحسّ به من جهة موسى عليه السلام وغلبته على ملكه وأرضه، وقوله: ﴿ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ ﴾ قول باهت إذا غلب ومتمحل إذا لزم ﴿ تَأْمُرُونَ ﴾ من المؤامرة وهي المشاورة.

أو من الأمر الذي هو ضدّ النهي: جعل العبيد آمرين وربهم مأموراً لما استولى عليه من فرط الدهش والحيرة.

وماذا منصوب: إما لكونه في معنى المصدر، وإما لأنه مفعول به من قوله: أمرتك الخير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ ﴾ مُسْتَقِرِّينَ حَوْلَهُ فَهو ظَرْفٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ.

﴿ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ فائِقٌ في عِلْمِ السِّحْرِ.

﴿ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ بَهَرَهُ سُلْطانُ المُعْجِزَةِ حَتّى حَطَّهُ عَنْ دَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ إلى مُؤامَرَةِ القَوْمِ وائْتِمارِهِمْ وتَنْفِيرِهِمْ عَنْ مُوسى وإظْهارِ الِاسْتِشْعارِ عَنْ ظُهُورِهِ واسْتِيلائِهِ عَلى مُلْكِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا} منصوب لأنه مفعول به من قولك أمرتك الخير {تَأْمُرُونَ} تشيرون في أمره من حبس أو قتل من المؤامرة وهي المشاورة أو من الأمر الذي هو ضد النهي لما تحير فرعون برؤية الآيتين وزل عنه ذكر دعوى الالهية وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية وارتعدت فرائضه خوفا طفق يؤامر قومه الذين هم بزعمه عبيده وهو إلههم أو جعلهم آمرين ونفسه مأموراً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ لِلْمَلإ ﴾ أشْرافِ قَوْمِهِ ﴿ حَوْلَهُ ﴾ مَنصُوبٌ لَفْظًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ حالًا، أيِ: مُسْتَقِرِّينَ حَوْلَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْمَلَأِ عَلى حَدِّ: ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي والأوَّلُ أسْهَلُ وأنْسَبُ.

ومِنَ العَجِيبِ ما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم يَجْعَلُونَ المَلَأ اسْمَ مَوْصُولٍ وحَوْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِلَةً لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ لِلَّذِينَ اسْتَقَرُّوا حَوْلَهُ ﴿ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ فائِقٌ في عِلْمِ السِّحْرِ ﴿ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ ﴾ قَسْرًا ﴿ مِن أرْضِكُمْ ﴾ الَّتِي نَشَأْتُمْ فِيها وتَوَطَّنْتُمُوها ﴿ بِسِحْرِهِ ﴾ وفي هَذا غايَةُ التَّنْفِيرِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وابْتِغاءُ الغَوائِلِ لَهُ؛ إذْ مِن أصْعَبِ الأشْياءِ عَلى النُّفُوسِ مُفارَقَةُ الوَطَنِ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ قَسْرًا، وهو السِّرُّ في نِسْبَةِ الإخْراجِ والأرْضِ إلَيْهِمْ ﴿ فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ أيْ: أيَّ أمْرٍ تَأْمُرُونَ، فَمَحَلُّ ماذا النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ ( وتَأْمُرُونَ ) مِنَ الأمْرِ ضِدِّ النَّهْيِ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَأْمُرُونِي، وفي جَعْلِهِ عَبِيدَهُ - بِزَعْمِهِ - آمِرِينَ لَهُ مَعَ ما كانَ يُظْهِرُهُ لَهم مِن دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ سُلْطانَ المُعْجِزَةِ بَهَرَهُ وحَيَّرَهُ حَتّى لا يَدْرِيَ أيَّ طَرَفَيْهِ أطْوَلَ، فَزَلَّ عِنْدَ ذِكْرِ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ، وحَطَّ عَنْ مَنكِبَيْهِ كِبْرِياءَ الرُّبُوبِيَّةِ، وانْحَطَّ عَنْ ذُرْوَةِ الفَرْعَنَةِ إلى حَضِيضِ المَسْكَنَةِ، ولِهَذا أظْهَرَ اسْتِشْعارَ الخَوْفِ مِنِ اسْتِيلائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى مُلْكِهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ماذا) في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وأنْ يَكُونَ «تَأْمُرُونَ» مِنَ المُؤامَرَةِ بِمَعْنى المُشاوَرَةِ لِأمْرِ كُلٍّ بِما يَقْتَضِيهِ رَأْيُهُ، ولَعَلَّ ما تَقَدَّمَ أوْلى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يعني: قال فرعون لمن حوله من الرؤساء والأشراف، وأصله في اللغة: من ملأ.

قال بعضهم: الملأ بما يراد بهم مائتان وخمسون، وقال بعضهم: ثلاثمائة وخمسون، وهم جماعة الملّي.

ويقال: يملأ العين هيبة يعني: إذا نظر إليها الناظر.

ثم قال: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ يعني: من أرض مصر فَماذا تَأْمُرُونَ يعني: تشيرون قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ يعني: أحسبهما وأخّرهما ولا تقتلهما، ولا تؤمن بهما.

وأصله: من التأخير، يعني: أخر أمرهما حتى تنظر وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يحشرون عليك السحرة يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ يعني: حاذقاً فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وهو يوم عيد لهم، وهو يوم الزينة.

قال مقاتل: هم اثنان وسبعون ساحراً.

ويقال: سبعون ألفاً.

وقال الزجاج: ذكر أن السحرة كانوا اثني عشر ألفاً وَقِيلَ لِلنَّاسِ يعني: أهل مصر هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ للسحرة للميعاد لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ على أمرهم إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ.

قوله عز وجل: فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ يعني: إلى الميقات قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً يعني: جعلا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ يعني: أتجازينا إن غلبناه قالَ نَعَمْ أجازيكم وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ يعني: لكم مع الجائزة المنزلة والكرامة عندي قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ يعني: اطرحوا فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ يعني: نغلب موسى فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ يعني: تلتقم وتبتلعُ ما يَأْفِكُونَ يعني: ما يطرحون من الحبال والعصي.

قوله عز وجل: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ أي خروا سجداً لله تعالى قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ فقال فرعون: إياي تعنون؟

قالوا: رَبِّ مُوسى وَهارُونَ يعني: خالق موسى وهارون عليهما السلام قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ماذا أصنع بكم لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ على شاطئ نهر مصر قالُوا يعني: السحرة لاَ ضَيْرَ أي: لا يضرنا ما فعلت بنا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ يعني: إلى خالقنا راجعون إِنَّا نَطْمَعُ يعني: نرجو أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا يعني: شركنا وسحرنا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: أول المصدقين من قوم فرعون.

وذكر عن الفراء أنه قال: كانوا أول مؤمني أهل دهرهم.

وقال الزجاج: لا أحسبه عرف الرواية، لأن الذين كانوا مع موسى روي في التفسير أنهم ستمائة ألف وسبعين ألفاً، ولكن معناه: أول من آمن في هذه الساعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

توعده بالسجن ضَعْفٌ لأَنَّهُ خارت طباعه معه، وكان فيما روي أنَّه يفزعُ من موسى فزعاً شديداً حتى كان لا يُمْسِكُ بولَه، وكان عند موسى من أمر الله والتوكل عليه ما لا يفزعه تَوَعُّدُ فرعونَ، فقال له موسى على جهة اللطف به والطمع في إيمانه: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ: يتَّضِحُ لك معه صدقي، فلما سمع فرعون ذلك طمع أن يجد أَثناءه موضع معارضة فقال له: فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فألقى موسى عصاه فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ على ما تقدَّم بيانه ونَزَعَ يَدَهُ من جيبه فَإِذا هِيَ: تتلألأ كأنها قطعة من الشمس، فلما رأى فرعون ذلك هاله، ولم يكن له فيه مدفعٌ غيرَ أَنَّهُ فزع إلى رميه بالسحر.

وقوله: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ تقدم بيانه، وكذلك قولهم:

وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ تقدم بيانه.

وقوله تعالى: قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ يريد بتقريبهم الجاه الزائد على العطاء الذي طلبوه.

فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)

إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥)

وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)

فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥)

ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)

.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ: بِأمْرٍ ظاهِرٍ تَعْرِفُ بِهِ صِدْقِي أتَسْجُنُنِي؟!

وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في (الأعْرافِ: ١٠٧) إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ وهو يَوْمُ الزِّينَةِ، وكانَ عِيدًا لَهم، ﴿ وَقِيلَ لِلنّاسِ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مِصْرَ.

وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ إلى أنَّ اجْتِماعَهم كانَ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ ﴾ قالَ الأكْثَرُونَ: أرادُوا سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ؛ فالمَعْنى: لَعَلَّنا نَتَّبِعُهم عَلى أمْرِهِمْ.

وقالَ بَعْضُهم: أرادُوا مُوسى وهارُونَ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: و " لَعَلَّ " هاهُنا بِمَعْنى " كَيْ " .

وقَوْلُهُ: ﴿ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ ﴾ ﴿ قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ ﴾ ﴿ قالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ ﴾ ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ ﴾ لَمّا انْقَطَعَ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللهُ- في بابِ الحُجَّةِ رَجَعَ إلى الِاسْتِعْلاءِ والتَغَلُّبِ، وهَذا أبْيَنُ عَلاماتِ الِانْقِطاعِ، فَتَوَعَّدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ أعْياهُ خِطابُهُ، وفي تَوَعُّدِهِ بِالسَجْنِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ خارَتْ طِباعُهُ مَعَهُ، وكاَنَ -فِيما رُوِيَ- يَفْزَعُ مِنهُ فَزَعًا شَدِيدًا حَتّى كانَ لا يُمْسِكُ بَوْلَهُ.

ورُوِيَ أنَّ سِجْنَهُ كانَ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ؛ إذْ كانَ في مُطْبِقٍ مِنَ الأرْضِ لا يَنْطَلِقُ مِنهُ أبَدًا، وكاَنَ مَخُوفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ نَزْعَةُ دارِ [...

] إلى اليَوْمِ.

وكانَ عِنْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن أمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى ما لا يُرَوِّعُهُ مَعَهُ تَوَعُّدُ فِرْعَوْنَ، فَقالَ لَهُ مُوسى عَلى جِهَةِ التَلْطِفِ والطَمَعِ في إيمانِهِ: ﴿ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ﴾ يَتَّضِحُ لَكَ مَعَهُ صِدْقِي؟

أفَكُنْتَ تَسْجِنُنِي؟

فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ طَمِعَ أنْ يَجِدَ أثْناءَهُ مَوْضِعَ مُعارَضَةٍ، فَقالَ لَهُ: ﴿ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ فَألْقى عَصاهُ ﴾ مِن يَدِهِ، وكانَتْ مِن عِصِيِّ الجَنَّةِ، وكانَتْ عَصى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرْوى أنَّها كانَتْ مِن ورَقَةِ الرَيْحانِ، وكانَتْ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ في جُمْلَةِ عِصِيِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ فَأعْطاها لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَ رِعايَتِهِ لَهُ الغَنَمَ عَلى صُورَةٍ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها دَلَّتْ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى، وكانَ لَها في رَأْسِها شِعْبَتانِ، فَثَمَّ كانَ فَمُّ الحَيَّةِ.

والثُعْبانُ أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الحَيّاتِ، وقَدْ ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ ما رُوِيَ في عِظَمِ الحَيّاتِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ.

ونَزَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَدَهُ مِن جَيْبِهِ فَإذا هي تَتَلَأْلَأُ كَأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ الشَمْسِ، فَلَمّا رَأى فِرْعَوْنُ ذَلِكَ هالَهُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ مَدْفَعٌ، غَيْرَ أنَّهُ فَزِعَ إلى رَمْيِهِ بِالسِحْرِ، وطَمِعَ -لِعُلُّوِ عِلْمِ السِحْرِ في ذَلِكَ الوَقْتِ وكَثْرَتِهِ- أنْ يَكُونَ فِيهِ سَبَبٌ لِمُقاوَمَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَأوهَمَ قَوْمَهُ وأتْباعَهُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ساحِرٌ، وانْتَصَبَ "حَوْلَهُ" عَلى الظَرْفِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنَيْنِ حَوْلَهُ، فالعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والعامِلُ هو الحالُ حَقِيقَةً، والناصِبُ لَهُ "قالَ" لِأنَّهُ هو العامِلُ في ذِي الحالِ بِواسِطَةِ لامِ الجَرِّ، نَحْوُ مَرَرْتُ بِهِنْدَ ضاحِكَةً.

ثُمَّ اسْتَشارَهُمُ في أمْرِهِ وأغْراهُمُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ ﴾ ، فَأشارُوا عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ أمْرِهِ وأمْرِ أخِيهِ وجَمْعِ السَحَرَةِ لِمُقاوَمَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهُمُ أشارُوا بِسَجْنِهِ، وهو كانَ الإرْجاءَ عِنْدَهُمْ، و"الإرْجاءُ": التَأْخِيرُ، ولَمْ يُشِيرُوا بِقَتْلِهِ لِأنَّ حُجَّتَهُ نَيِّرَةٌ وضَلالَتُهُمُ في رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ مُبَيِّنَةٌ، فَخَشُوُا الفِتْنَةَ، وطَمِعُوا أنْ يَغْلِبَ بِحُجَّةٍ تُقْنِعُ العَوامِّ.

و"الحاشِرُ": الجامِعُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ: "بِكُلِّ سَحّارٍ"، وهو بِناءُ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا والأعْمَشُ: "بِكُلِّ ساحِرٍ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تقدم الكلام على نظير هذه الآية في سورة الأعراف، سوى أن في هذه الآية زيادة ﴿ بسحره ﴾ وهو واضح، وفي هذه الآية أن هذا قول فرعون للملإ، وفي آية الأعراف (109) ﴿ قال الملأ من قوم فرعون ﴾ والجمع بينهما أن فرعون قاله لمن حَوله فأعادوه بلفظه للموافقة التامة بحيث لم يكتفوا بقول: نعم، بل أعادوا كلام فرعون ليكون قولهم على تمام قوله.

وانتصب ﴿ حوله ﴾ على الظرفية.

والظرف هنا مستقر لأنه متعلق بكون محذوف هو حال من الملأ.

وتقدم وجه التعبير عن إشارتهم عليه بقوله: ﴿ تأمرون ﴾ في سورة الأعراف (110).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَألْقى عَصاهُ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتْ مِن عَوْسَجٍ، قالَ الحَكِيمُ: ولَمْ يُسَخَّرِ العَوْسَجُ لِأحَدٍ بَعْدَهُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ عَشَرَةُ أذْرُعٍ عَلى طُولِ مُوسى.

﴿ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الحَيَّةُ الذَّكَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ اعْتَمَّ الحَيّاتِ الصُّفْرَ شَعْراءَ العُنُقِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

﴿ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُبِينٌ أنَّهُ ثُعْبانٌ.

الثّانِي: مُبِينٌ أنَّها آيَةٌ وبُرْهانٌ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ هَمَّ بِمُوسى، فَلَمّا صارَتِ العَصا ثُعْبانًا فاغِرًا فاهُ خافَهُ ولاذَ بِمُوسى مُسْتَجِيرًا ووَلّى قَوْمُهُ هَرَبًا حَتّى وطِئَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وكانَ اجْتِماعُهم بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ، قالَ الزَّجّاجُ: رُوِيَ أنَّ السَّحَرَةَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ أيْ تُشِيرُونَ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ التّابِعُ المَتْبُوعَ، فَجَعَلَ المَشُورَةَ أمْرًا لِأنَّها عَلى لَفْظِهِ.

وَيَحْتَمِلُ اسْتِشارَتُهُ لَهم وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أنْ يَسْتَعْطِفَهم لِضَعْفِ نَفْسِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ أذْهَلَهُ ما شاهَدَ فَحارَ عَقْلُهُ فَلَجَأ إلى رَأْيِهِمْ وهو يَقُولُ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، وقَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ تَناقُضُ الأمْرَيْنِ خِذْلانًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ وإذ نادى ربك موسى ﴾ قال: حين نودي من جانب الطور الأيمن.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولهم عليّ ذنب ﴾ قال: قتل النفس التي قتل فيهم وفي قوله: ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت ﴾ قال: قتل النفس أيضاً.

وفي قوله: ﴿ فعلتها إذاً وأنا من الضالين ﴾ قال: من الجاهلين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولهم عليّ ذنب ﴾ قال: قتل النفس.

وفي قوله: ﴿ ألم نربّك فينا وليداً ﴾ قال: التقطه آل فرعون فربوه وليداً حتى كان رجلاً ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت ﴾ قال: قتلت النفس التي قتلت ﴿ وأنت من الكافرين ﴾ قال: فتبرأ من ذلك نبي الله قال: ﴿ فعلتها إذاً وأنا من الضالين ﴾ قال: من الجاهلين.

قال: وهي في بعض القراءة ﴿ إذن وأنا من الجاهلين ﴾ فإنما هو شيء جهله ولم يتعمده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ﴾ قال: من فرعون على موسى حين رباه.

يقول: كفرت نعمتي.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وتلك نعمة تمنها عليَّ أن عبدت بني إسرائيل ﴾ قال: قهرتهم واستعملتهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ﴾ قال: للنعمة.

إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر؟

وفي قوله: ﴿ قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين ﴾ قال: من الجاهلين.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن جريج قال في قراءة ابن مسعود ﴿ فعلتها إذن وأنا من الجاهلين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فوهب لي حكماً ﴾ قال: النبوة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وتلك نعمة تمنها عليَّ ﴾ قال: يقول موسى لفرعون: أتمن عليَّ يا فرعون بأن اتخذت بني إسرائيل عبيداً وكانوا أحراراً فقهرتهم واتخذتهم عبيداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قال فرعون وما رب العالمين ﴾ إلى قوله: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ قال: فلم يزده إلا رغماً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ﴾ يقول: مبين له خلق حية ﴿ ونزع يده ﴾ يقول: وأخرج موسى يده من جيبه ﴿ فإذا هي بيضاء ﴾ تلمع ﴿ للناظرين ﴾ ينظر إليها ويراها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: أقبل موسى بأهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلاً، فتضيف على أمه وهو لا يعرفهم في ليلة كانوا يأكلون منها الطقشيل، فنزل في جانب الدار، فجاء هارون، فلما أبصر ضيفه سأل عنه أمه، فأخبرته أنه ضيف فدعاه فأكل معه، فلما قعدا فتحدثا فسأله هارون من أنت؟

قال: أنا موسى.

فقام كل واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه، فلما أن تعارفا قال له موسى: يا هارون انطلق بي إلى فرعون فإن الله قد أرسلنا إليه.

قال هارون: سمعاً وطاعة فقامت أمهما فصاحت وقالت: أنشدكما بالله أن لا تذهبا الى فرعون فيقتلكما، فأبيا فانطلقا إليه ليلاً، فأتيا الباب، فضرباه، ففزع فرعون وفزع البواب فقال فرعون: من هذا الذي يضرب ببابي هذه الساعة؟

فأشرف عليهما البواب فكلمهما فقال له موسى: ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ففزع البواب، فأتى فرعون فأخبره فقال: إن هاهنا إنساناً مجنوناً يزعم أنه رسول رب العالمين فقال: أدخله، فدخل فقال: إنه رسول رب العالمين.

﴿ قال فرعون: وما رب العالمين ﴾ قال: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ [ طه: 50] قال: ﴿ إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين.

فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ﴾ [ الأعراف: 106] والثعبان الذكر من الحيات فاتحة فمها لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سورة القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب فأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك وصاح: يا موسى خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل.

فأخذها موسى فصارت عصا فقالت السحرة في نجواهم ﴿ إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهم ﴾ [ طه: 63] فالتقى موسى وأمير السحرة فقال له موسى: أرأيت أن غلبتك غداً أتؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟

قال الساحر: لآتين غداً بسحر لا يغلبه شيء، فوالله لئن غلبتني لأؤمنن بك، ولأشهدن أنك حق؛ وفرعون ينظر إليهما.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقيل للناس هل أنتم مجتمعون ﴾ قال: كانوا بالاسكندرية قال: ويقال بلغ ذنب الحية من وراء البحيرة يومئذ قال: وهزموا وسلم فرعون وهمت به فقال: خذها يا موسى.

وكان مما بلي الناس به منه أنه كان لا يضع على الأرض شيئاً، فاحدث يومئذ تحته، وكان ارساله الحية في القبة الخضراء.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ﴾ قال: فوجدوا الله أعز منه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن بشر بن منصور قال: بلغني أنه لما تكلم ببعض هذا ﴿ وقالوا بعزة فرعون ﴾ قالت الملائكة: قصمه ورب الكعبة فقال الله «تالون عليَّ قد أمهلته أربعين عاماً» .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ لا ضير ﴾ قال: يقولون لا يضرنا الذي تقول، وإن صنعت بنا وصلبتنا ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ يقول: انا إلى ربنا راجعون.

وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك ايانا، وثباتنا على توحيده، والبراءة من الكفر به، وفي قوله: ﴿ أن كنا أول المؤمنين ﴾ قال: كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رآها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الكافرين ﴾ قصد فرعون بهذا الكلام توبيخ موسى عليه السلام، ويعني بالفعلة: قتله للقبطي، والواو في قوله: ﴿ وَأَنتَ ﴾ إن كانت للحال فقوله من الكافرين، معناه كافراً بهذا الدين الذي جئت به لأن موسى إنما أظهر لهم الإسلام بعد الرسالة، وقد كان قبل ذلك مؤمناً، ولم يعلم بذلك فرعون، وقيل: معناه من الكافرين بنعمتي، وإن كانت الواو للاستئناف: فيحتمل أن يريد من الكافرين بديني، ومن الكفارين بنعمتي ﴿ قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين ﴾ القائل هنا هو موسى عليه السلام، والضمير في قوله: فعلتها لقتله القبطي، واختلف في معنى قوله: ﴿ مِنَ الضالين ﴾ ، فقيل: معناه من الجاهلين بأن وكزتي تقتله، وقيل؛ معناه من الناسين، فهو كقوله: ﴿ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا ﴾ [البقرة: 282] وقوله: ﴿ إِذاً ﴾ صلة في الكلام، وكأنها بمعنى حنيئذ، قال ذلك ابن عطية ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ ﴾ أي من فرعون وقومه، ولذلك جمع ضمير الخطاب بعد أن أفرده في قوله: ﴿ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ معنى ﴿ عَبَّدتَّ ﴾ : ذللت واتخذتهم عبيداً فمعنى هذا الكلام أنك عددت نعمة عليّ تعبيد بني إسرائيل، وليست في الحقيقة بنعمة إنما كانت نقمة، لأنك كنت تذبح أبناءهم، ولذلك وصلت أنا إليك فربيتني، فالإشارة بقوله: ﴿ وَتِلْكَ ﴾ إلى التربية، و ﴿ أَنْ عَبَّدتَّ ﴾ في موضع رفع عطف بيان على تلك، أو في موضع نصب على أنه مفعول من أجله، وقيل: معنى الكلام تربيتك نعمة علي لأنك عبدت بني إسرائيل وتركتني فهي في المعنى الأول إنكار لنعمته وفي الثاني اعتراف بها ﴿ قَالَ لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين ﴾ لما أظهر فرعون الجهل بالله فقال: وما رب العالمين؟

أجابه موسى بقوله: ﴿ رَبُّ السماوات والأرض ﴾ ، فقال: ﴿ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ ﴾ ؟

تعجباً من جوابه فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين ﴾ لأن وجود الإنسان وآبائه أظهر الأدلة عند العقلاء وأعظم البراهين، فإن أنفسهم أقرب الأشياء إليهم فيستدلون بها على وجود خالقهم، فلما ظهرت هذه الحجة حاد فرعون عنها ونسب موسى إلى الجنون مغالطة منه، وأيد الازدراء والتهكم في قوله: ﴿ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿ رَبُّ المشرق والمغرب ﴾ ، لأن طلوع الشمس وغروبها آية ظاهرة لا يمكن أحداً جحدها، ولا أن يدعيها لغير الله، ولذلك أقام إبراهيم الخليل بها الحجة على نمرود، فلما انقطع فرعون بالحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب فهدّده بالسجن، فأقام موسى عليه الحجة بالمعجزة، وذكرها له بتلطف طمعاً في إيمانه، فقال: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ ﴾ والواو واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام وتقديره: أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين؟

وقد تقدم في الأعراف ذكر العصا واليد، وماذا تأمرون؟

وأرجه، وحاشرين فإن قيل: كيف قال أولاً: ﴿ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ ، ثم قال آخراً ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ؟

فالجواب أنه لايَنَ أولاً طمعاً في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة: وبخهم بقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ...

لَمَجْنُونٌ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ طسم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد.

وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وقرأ حمزة ويزيد مظهرة النون عند الميم ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ ويضيق ولا ينطلق ﴾ بالنصب فيهما: يعقوب.

﴿ أرجه ﴾ مثل ما في "الأعراف" ﴿ أين لنا ﴾ بالمد وبالياء.

يزيد وأبو عمرو وزيد وقالون.

وقرأ ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد بهمزة ثم ياء، وعن قنبل ﴿ إن لنا ﴾ على الخبر.

الباقون بهمزتين.

هشام يدخل بينهما مدة.

﴿ آمنتم ﴾ بالمد: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ آمنتم ﴾ على الخير: حفص غير الخزاز.

الأخرون ﴿ أأمنتم ﴾ بهمزتين.

﴿ بعبادي إنكم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر ﴿ حاذرون ﴾ بالألف: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

الباقون بغير الألف ﴿ فاتبعوهم ﴾ بالتشديد: زيد عن يعقوب.

الباقون بقطع الهمزة وسكون التاء ﴿ تراءى الجمعان ﴾ بكسر الراء والهمزة في الوصل: حمزة ونصير وهبيرة في طريق الخزاز.

واختلفوا في الوقف؛ فعن الكسائي بكسر الراء والهمزة على وزن "تريعى" وفي رواية أخرى عنه "ترائى" اي ترائى، والمشهور عنه "ترأ" بكسر الراء وفتح الهمزة، وأما حمزة فإنه يقف "ترى" بترك الهمزة وكسر الراء ويمد ويشير إلى موضع الهمزة وهو المصدر.

وأما هبيرة فإنه يقف "تريا" بكسر الراء ويشير إلى فتح الهمزة.

الباقون يقفون "تراءى" على وزن "تراعى" ﴿ معي ربي ﴾ بفتح الياء: حفص.

الوقوف: ﴿ طسم ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خاضعين ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للابدال أو البيان تسجيلاً عليهم بالظلم ﴿ فرعون ﴾ ط للعدول عن الأمر إلى الاستفهام ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ ويضيق ﴾ بالرفع على الاستئناف ﴿ هرون ﴾ ط ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ قال كلا ﴾ لا للعطف معنى لا لفظاً ﴿ مستمعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط لأن جواب الشرط محذوف اي إن كنتم موقنين فلا تكذبوني ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ تستمعون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المسجونين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ بسحره ﴾ ق قد قيل: بناء على أن ما بعده قول الملأ لفرعون والجمع للتعظيم، والأصح أنه من تتمة قول فرعون.

﴿ تأمرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما يتلوه جواب.

﴿ عليم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجتمعون ﴾ لا لاتصال المعنى ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ لمن المقربين ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ ما يأفكون ﴾ ه للآية وللدلالة على إسراعهم في السجود ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وهرون ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ه للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ السحر ﴾ ط للفاء ولام الابتداء ﴿ فلسوف تعلمون ﴾ ه لتقدير القسم ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ لا ضير ﴾ ط توقية لحق "إن" وإلا فالأصل هو الوصل لأن ما بعده هو القول في الحقيقة كما في "الأعراف" ﴿ منقلبون ﴾ ه ج للآية مع اتحاد المقول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه للآية مع أن التقدير بأن هؤلاء ﴿ قليلون ﴾ ه ﴿ لغائظون ﴾ ه ﴿ حاذرون ﴾ ه ط لابتداء الخبر من الله ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ كذلك ﴾ ط أي كما وعدنا بني إسرائيل إيراثها ثم أخبر عن وقوع الموعود لبني إسرائيل ﴿ مشرقين ﴾ ه ﴿ لمدركون ﴾ ه ووجه الوصل الإسراع في تداركهم عن خوف الإدراك ﴿ كلا ﴾ ج لاحتمال أن يكون للردع وأن يكون بمعنى حقاً ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ ط لأجل الفاء الفصيحة أي فضرب فانفلق ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه الآية ط ﴿ مأمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه.

التفسير: قال جار الله: معنى طسم إن آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين وقد مر مثله في أول "يوسف".

والبخع الإهلاك وقد مر في اول "الكهف".

عزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا ينفع كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا ينفع.

ثم بين أنه قادر على تنزيل آية ملجئة إلى الإيمان ولكن المشيئة والحكمة تقتضيان بناء الأمر على صورة الاختبار.

قال صاحب الكشاف: وجه عطف ﴿ فظلت ﴾ على ﴿ ننزل ﴾ كما قيل في قوله ﴿ فَأَصَّدَّقَ وأكن  ﴾ كأنه قيل: أنزلنا فظلت.

وأقول: الظاهر أن الفاء في ﴿ فظلت ﴾ لسببية بدليل عدم المستتر فيه كما في ﴿ ننزل ﴾ .

ووجه العدول إلى الماضي كما قيل في ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ وجه مجيء ﴿ خاضعين ﴾ خبراً عن الأعناق إذ الأعناق تكون مقحماً لبيان موضع الخضوع.

وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين أي حين وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل ﴿ خاضعين ﴾ كقوله ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين  ﴾ وقيل: أعناقهم رؤساؤهم كما يقال لهم الرؤوس والصدور.

وقيل: اراد جماعاتهم.

يقال: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم.

عن ابن عباس: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية.

قال: ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة.

ومعنى ﴿ ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ﴾ قد مر في سورة الأنبياء.

نبه  بذلك على أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين على الإيمان حكيم يأتيهم بالقرآن حالاً بعد حال رعاية لقاعدة التكليف.

ثم ذكر أنه  لا يحدد لهم توجيه موعظة وتذكير إلا جددوا ما هو نقيض المقصود، وذلك النقيض هو الإعراض والتكذيب والاستهزاء وهذا ترتيب في غاية الحسن كأنه قيل حين أعرضوا عن الذكر: فقد كذبوا به وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره حتى صار عرضة للاستهزاء.

وهذه درجات من أخذ في الشقاء فإنه يعرض أوّلاً، ثم يصرح بالتكذيب ثانياً، ثم يبلغ في التكذيب والإنكار إلى حيث يستهزئ.

وفي قوله ﴿ فسيأتيهم ﴾ وعيد لهم بعذاب بدر أو يوم القيامة وقد مر مثله في أول "الأنعام".

ثم بين أنه مع حكمته في إنزال القرآن حالاً بعد حال رحيم يظهر من الدلائل الحسية ما يكفي للمتأمل في باب النظر والاستدلال.

والزوج الصنف والكريم نعت لكل ما يرضى ويحمد في بابه منه "وجه كريم" إذا رضي في حسنه وجماله، و"كتاب كريم" مرضي في مبانيه، و"نبات كريم" مرضي فيما يتعلق به من المنافع، فما من نبت إلا وفيه نفع وفائدة من جهة وإن كانت فيه مضرة من جهة أخرى.

ويحتمل أن يراد بالكريم النافع منه وتكون المضارّ مسلوبة عنه.

قال جار الله: معنى الجمع بين "كم" و"كل" دون أن يقول "كم أنبتنا فيها من زوج كريم" هو أن "كلا" قد دل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و"كم" دل على أن هذا محيط مفرط الكثرة.

قلت: فالحاصل أن خلق النوع يصدق بخلق فرد واحد منه كما يصدق بخلق أفراد كثيرة.

فقوله ﴿ كل زوج ﴾ إشارة إلى خلق كل نوع من أنواع النبات، وقوله ﴿ كم أنبتنا ﴾ إشارة إلى كثرة افراد كل نوع منه وفيه تنبيه على كمال القدرة ونهاية الجود والرحمة ولهذا ختم الكلام بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإنبات أو في كل واحد من تلك الأزواج ﴿ الآية ﴾ على الإبداء والإعادة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن الله  طبع على قلوبهم ﴿ وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ فمن عزته قدر على عقوبتهم ومن رحمته بين لهم الدلائل ليتفكروا ويعتبروا، والرحمة إذا صدرت عن القدرة كانت أعظم موقعاً، واعلم أنه  كرر بعض الآيات في هذه السورة لأجل التأكيد و"التقرير"؛ فمن ذلك أنه كرر قوله ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ إلى قوله ﴿ الرحيم ﴾ في ثمانية مواضع: أولها في ذكر النبي  ، والثانية في قصة موسى، ثم إبراهيم، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب.

ومن ذلك قوله ﴿ ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ وهو مذكور في خمسة مواضع: في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.

ومن ذلك أنه كرر ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ في قصة نوح وهود وصالح وليس في ذكر النبي  : ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاَّ على رب العالمين  ﴾ لذكرها في مواضع من غير هذه السورة.

وليس في قصة موسى لأنه رباه فرعون حيث قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ ولا في قصة إبراهيم لأن اباه في المخاطبين حيث يقول: ﴿ إذ قال لأبيه وقومه  ﴾ وهو قد ربَّاه فاستحيا موسى وإبراهيم أن يقولا ﴿ وما أسألكم عليه من أجر ﴾ وإن كانا منزهين من طلب الأجر.

ثم إنه  أعاد في هذه السورة قصص الأنبياء المشهورين مع أممهم اعتباراً لهذه الأمة، وبدأ بقصة موسى لما فيها من غرائب الأحوال وعجائب الأمور.

والنداء المسموع عند الأشعري هو الكلام القديم الذي لا يشبه الحروف والأصوات، وعند المعتزلة وإليه ميل أبي منصور الماتريدي أنه من جنس الحروف والأصوات وأنه وقع على وجه علم به موسى أنه من قبل الله  وقد عرفه أنه سيظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك.

قال جار الله: قوله ﴿ ألا يتقون ﴾ كلام مستأنف فيه تعجيب لموسى من حالهم الشنعاء في قلة خوفهم وكثرة ظلمهم، أو حال أدخلت عليه همزة الإنكار.

ثم إن موسى خاف أن يذكب عند أداء الرسالة فاستظهر بهارون.

وفي قراءة النصب خاف التكذيب المستتبع لضيق الصدر المستلزم لاحتباس اللسان عن الجريان في الكلام، ولعله اراد بهذه الحبسة عقدة في لسانه قبل إجابة دعوته أو بقية يروى أنها بقيت بعد الإجابة كما مر في "طه".

ومعنى ﴿ فأرسل إلى هارون ﴾ أرسل إليه جبريل واجعله نبياً يصدقني في أمري فاختصر الكلام اختصاراً.

ثم ذكر أن لهم عليه ذنباً فسمى جزاء الذنب ذنباً، أو المضاف محذوف اي تبعه ذنب وهو قود قتل القبطي كما سيجيء تفصيله في سورة القصص.

فيمكن أن يقتل قبل أداء الرسالة فلا يتمكن من المقصود، وهذا قد جوزه الكعبي وغيره من البغداديين.

وقال الأكثرون: الأقرب من حال الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله  الرسالة أنه يمكنهم من أدائها فلا معنى للخوف من القتل قبل الأداء.

نعم لو خاف بعد الأداء جاز وذلك لما جبل عليه طبع الإنسان من التنفر عن القتل فيسأل الله الأمان من ذلك وقد جمع الله له بقوله ﴿ كلا ﴾ الكلاءة وبقوله ﴿ فاذهبا ﴾ استنباء أخيه كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون ﴿ ومعكم ومستمعون ﴾ خبران لأن أو الخبر ﴿ مستمعون ﴾ و ﴿ معكم ﴾ متعلق به.

ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد معية النصرة والمعونة، وأما الاستماع فمجاز أيضاً وإن كان إطلاق السمع على الله حقيقة لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء ولا بد فيه من الجارحة.

فحاصل الآية إنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه.

وإنما وحد الرسول في قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ لأنه أراد كل واحد أو أراد الرسول بمعنى المصدر أي ذو رسالة رب العالمين.

يقال: أرسلتهم برسول اي برسالة أو جعلا لاتفاقهما واتحاد مطلبهما كرسول واحد.

وههنا إضمار دل عليه سياق الكلام أي فأتيا فرعون فقالا له ذلك.

يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين.

فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه.

فأديا إليه الرسالة فعرف أنه موسى فعند ذلك قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ أي صبياً وذلك لقرب عهده من الولادة.

قيل: مكث فيهم ثلاثين سنة من أول عمره.

وقيل: وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة ففر منهم.

والفعلة الوكزة عدد عليه نعمه، ثم وبخه بقتل نفس منهم وسماه كافراً لنعمه بسبب ذلك.

وجوز جار الله أن يراد وأنت إذ ذاك ممن يكفر بالساعة فيكون قد افترى على موسى أو جهل أمره لأنه كان يعايشهم بالتقية.

وإنما قلنا إنه افتراء أو جهل لأن الكفر غير جائز على الأنبياء ولو قبل النبوة، ويجوز أن يراد أنه من الكافرين بفرعون وإلهيته أو بآلهة كانوا يعبدونها.

قال  : ﴿ ويذرك وآلهتك  ﴾ ثم إن موسى ما أنكر تربيته ولكن أنكر الكفر فلم ينسب نفسه إلا إلى الضلال وأراد به الذهاب عن الصواب، أو أراد النسيان أو الخطأ وعدم التدبر في أدبار الأمور.

ثم ذكر موهبة ربه في حقه حين فر من فرعون وملئه المؤتمرين بقتله.

والحكم العلم بالتوحيد وكمال العقل والرأي، ولا تدخل فيه النبوة ظاهراً لئلا يلزم شبه التكرار بقوله: ﴿ وجعلني من المرسلين ﴾ قال جار الله ﴿ وتلك ﴾ إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بعد أن فسرت بقوله ﴿ أن عبدت ﴾ نظيره قوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ كأنه أبى أن يسمي نعمته إلا نقمة لأن تعبيدهم أي تذليلهم واتخاذهم عبيداً وقصدهم.

بذبح أبنائهم صار هو السبب في حصوله عنده وفي تربيته فلهذا قال الزجاج: "أن" مع ما بعده في موضع نصب أي إنما صارت نعمة عليّ لأن عبدت بني إسرائيل إذ لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم ومن هنا قال جار الله: إن قول موسى ﴿ فعلتها إذن ﴾ جواب لقول فرعون ﴿ وفعلت فعلتك ﴾ وجزاء له كأن فرعون قال: جازيت نعمتي بما فعلت.

فقال موسى: فعلتها مجازياً لك وإن نعمتك جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء.

وقال الحسن: أراد أنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت عليّ فلا نعمة لك بالتربية على أن التربية كانت من قبل أمي وعشيرتي ولم يكن منك إلا أنك لم تقتلني.

وقيل: اراد أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في الإطعام والكسوة.

واعلم أن للعلماء خلافاً في نعمة الكافر فقيل: إنها لا تستحق الشكر لأن الكافر يستحق الإهانة بكفره فلو استحق الشكر لإنعامه لزم الجمع بين الإهانة والتعظيم في حق شخص واحد في وقت واحد.

وقيل: لا يبطل بالكفر إلا الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان، وفي الآية نوع دلالة على كل من القولين.

ثم إن موسى حين أدى رسالته من قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ﴿ قال فرعون وما رب العالمين ﴾ وقد سبق مراراً أن كفره احتمل أن يكون كفر عناد وأ، يكون كفر جهالة، والذي يختص بالمقام هو أن ما يطلب به حقيقة الشيء وماهيته، وهذا هو الذي قصده فرعون بسؤاله ولم يعرف أن الماهية لا تطلق على ذاته تعالى إذ لا أجزاء لها حدية ولا تقديريه ولا بأي وجه فرض ضرورة انتهاء الكل إليه واستغنائه عن الكل من كل الوجوه، فلا يصح أن يسأل عنه بما هو ولا بكيف هو ولا بأي شيء هو ولا بهل هو، غاية ذلك أن ينبه على وجوده الذي هو أظهر الأشياء بلوازمه وآثاره على وجه يعم الكل كما يقال: إنه رب السموات والأرض وما بينهما، أو بأخص من ذلك بأن يقال مثلاً: ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين ﴾ وهو الاستدلال بالأنفس أو يقال ﴿ رب المشرق والمغرب وما بينهما ﴾ من الجهات المفروضة على السماء من لدن طلوع الكواكب إلى غروبها وبالعكس وهو الاستدلال بالآفاق.

وقد راعى في الجواب الأول طريقة اللطف فختم بقوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ أي إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وجلائه.

وخاشنهم في الأخير بقوله ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله ﴿ إن رسولكم ﴾ ويمكن أن يراد بقوله ﴿ وما بينهما ﴾ ثانياً ما بين المشرق والمغرب من المخلوقات فيكون الفرق بين هذا الاستدلال وبين الأول أن الأول هو الاستدلال بالإمكان على طريقة الحكيم، والثاني هو الاستدلال بالحدوث على طريقة المتكلمين، والأول أقرب إلى اليقين فلهذا قال ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ والثاني أقرب إلى الحس فلهذا قال ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ ولما انجر الكلام إلى حد العناد والمخاشنة هدده فرعون بقوله: ﴿ لئن اتخذت إلهاً غيري لاجعلنك من المسجونين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال: "لأسجننك" والمعنى لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه يطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع، وحينئذ عدل موسى إلى الحجة الأصلية في الباب وهو ادعاء المعجز المنبئ عن صدقه فقال ﴿ أولو جئتك ﴾ أي أتفعل فيَّ ذلك ولو جئتك بشيء أي جائياً بالمعجزة.

وفي قوله ﴿ إن كنت من الصادقين ﴾ إن سلم أنه قاله جداً لا هزلاً وجدالاً دلالة على ما ركز في العقول من أن دعوى الرسالة إن اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق صدقها.

وقد شنع في الكشاف ههنا أن في أهل القبلة من خفي عليهم ما لم يخف على فرعون حتى جوزوا القبيح عليه  ولزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات.

وفي التخطئة سهو من وجهين: أحدهما: أنه لا قبيح عند الأشاعرة عقلاً.

والثاني أنه على تقدير التسليم لا يلزم تجويز كل قبيح وهذا من ذلك للزوم الاشتباه.

وباقي القصة سبق نظيرها في "الأعراف" فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالسورة.

قوله ﴿ قال للملأ حوله ﴾ قال في الكشاف: الظرف في محل النصب على الحال.

وأقول: الأصوب أن يجعل نعتاً للملأ أي الأشراف حوله على طريقة قوله: ولقد أمرّ على اللئيم يسبني *** قوله ﴿ لمقيات يوم معلوم ﴾ اليوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى كما مر في "طه".

قوله ﴿ هل أنتم مجتمعون ﴾ استبطاء لهم في الاجتماع وحث عليه كقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق إذا أراد أن يحثه على الانطلاق.

قوله ﴿ لعلنا نتبع السحرة ﴾ لم يكن غرضهم اتباع السحرة في دينهم وإنما غرضهم الأصلي أن لا تتبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق المجاز لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى.

قوله ﴿ بعزة فرعون ﴾ هي من أيمان الجاهلية ولا يصح الحلف في الإسلام إلا بالله  وبصفاته كما مر في "البقرة" و"المائدة".

وقوله ﴿ فألقى السحرة ﴾ لم يسم فاعله وهو الله  في الحقيقة حين ألقى داعية الإيمان في قلوبهم ويجوز أن ينسب إلى ما عاينوا من المعجزات الباهرة ولك أن لا تقدر فاعلاً أي خروا.

قوله ﴿ لا ضير ﴾ أي لا ضير علينا فيما يتوعدنا به من القتل.

قوله ﴿ إنا نطمع ﴾ الطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين كقوله إبراهيم ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي ﴾ ويحتمل الظن بناء على أن المرء لا يعلم ما يختاره أو يؤل إليه عند الوفاة.

ومعنى ﴿ أن كنا ﴾ لأن كنا وكانوا أوّل طائفة مؤمنين من أهل زمانهم أو من قوم فرعون أو من أهل المشهد.

قوله: ﴿ إِنكم متبعون ﴾ تعليل للإسراء أي بنيت تدبير أمركم على أن تتقدموا لو يتبعكم فرعون وجنوده إلى أن يغشاهم من اليم ما يغشاهم.

قوله: ﴿ لشرذمة ﴾ هي الطائفة القليلة.

ثم وصفهم بالقلة واختار جمع السلامة ليدل على أن كل حزب منهم في غاية القلة، وذلك بالنسبة إلى عسكره وإلا فهم كثير في أنفسهم.

يروى أن فرعون أرسل في اثرهم الف ألف وخمسمائة الف ملك مسور مع كل ملك الف وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت على مقدّمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وكان قوم موسى إذ ذاك ستمائة ألف وسبعين ألفاً.

ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والحقارة لا قلة العدد.

قوله: ﴿ وإنهم لنا لغائطون ﴾ معناه أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم ولكنهم يفعلون أفعالاً لغيظنا كأخذ الحلي وادّعاء الاستقلال والاستخلاص عن ذل الاستخدام ونحن قوم مجموعون كلمة وائتلافاً، ومن عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور.

فالحذر المتيقظ وهو يفيد الثبات والحاذر الذي يجدد حذره.

وقيل: هو تام السلاح لأنه فعل ذلك حذراً واحتياطاً لنفسه، وكل هذه المعاذير لأجل أن لا يظن به العجز وخلاف ما ادّعاه من القهر والتسلط.

وقرئ ﴿ حادرون ﴾ بالدال غير المعجمة، والحادر السمين القوي أراد أنهم أقوياء أشدّاء.

﴿ فأخرجناهم من جنات ﴾ أي بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة.

قال مجاهد: سماها كنوزاً لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله  .

والمقام الكريم المنازل الحسنة والمجالس البهية.

وقال الضحاك: المنابر.

وقيل: السرر في الحجال.

﴿ كذلك ﴾ يحتمل النصب أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا، والجر على الوصف أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، ولارفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، وعلى هذا فيوقف على ﴿ كريم ﴾ .

﴿ فأتبعوهم ﴾ اي فلحقوهم.

ومن قرأ بالتشديد فظاهر.

والإشراق الدخول في وقت الشروق ﴿ فلما تراءى الجمعان ﴾ أي رأى قوم موسى قوم فرعون وحصل كل من الفريقين بمرأى للآخر ﴿ قال أصحاب موسى ﴾ خوفاً وفزعاً ﴿ إنا لمدركون ﴾ لملحقون.

قال موسى تثبيتاً لهم وردعاً عماهم عليه من الجزع والفزع ﴿ كلا إن معي ربي ﴾ بالنصرة والمعونة ﴿ سيهدين ﴾ سبيل النجاة والخلاص كما وعدني.

ثم بين أنه كيف هداه بقوله ﴿ فأوحينا ﴾ الآية.

ومعنى ﴿ فانفلق ﴾ فضرب فانفلق ﴿ فكان كل فرق ﴾ اي كل جزء متفرق منفلق منه ﴿ كالطود ﴾ وهو الجبل العظيم ومع ذلك وصفه بالعظيم ﴿ وأزلفنا ثم ﴾ أي قربنا حيث انفلق البحر ﴿ الآخرين ﴾ وهم قوم فرعون والمقرب منه بنو إسرائيل أو قوم فرعون أيضاً أي أدنينا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد، ويجوز أن يراد قدمانهم إلى البحر.

وقرئ ﴿ وأزلقنا ﴾ بالقاف أي أزللنا أقدامهم حساً بأن لم يكن لهم البحر يبساً كما كان لبني إسرائيل، أو عقلاً أي أذهبنا عزهم.

والبحر بحر القلزم أو بحر من وراء مصر يقال له أساف.

قالت الأشاعرة: إنه  أضاف الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم في طلب موسى كفر.

أجاب الجبائي بأن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله  ، فلما كان مسيرهم بتدبير الله وهؤلاء تبعوهم اضافه إلى نفسه توسعاً، وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول: أتعبني الغلام لما حدث ذلك عند فعله.

أو المراد أزلفناهم إلى الموت والأجل.

وقال الكعبي: أراد أنه جمع تفرقهم كيلا يصلوا إلى موسى وقومه، أو اراد أنه حلم عنهم وترك لهم لابحر يابساً حتى طمعوا في دخوله.

واعترض بأن كل ذلك لا بد أن يكون له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم فيعود المحذور.

﴿ إن في ذلك ﴾ الذي حدث في البحر من إنجاء البعض وإغراق البعض أو في ذلك أي ذكر من القصة بطولها ﴿ لآية ﴾ عجيبة للمتدبر المتفكر في الأمور الإلهية ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ حين سألوا بعد النجاة أن يجعل لهم موسى إلهاً غير الله، واتخذوا العجل، واقترحوا اقتراحات خارجة عن قانون الأدب.

ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الأمة بدليل ﴿ واتل عليهم  ﴾ وفيه تسلية لرسول الله  فقد كان يغتم بتكذيب قومه بعد ظهور المعجزات ونزول الآيات.

التأويل: الطاء طوله في كمال عظمته، والسين سلامته عن كل عيب ونقص، والميم مجده الذي لا نهاية له.

أو الطاء طهارة قلب نبيه عن تعلقات الكونين، والسين سيادته على الأنبياء والمرسلين، واليمم مشاهدته جمال رب العالمين.

أو الطاء طيران الطائرين بالله، والسين سير السائرين إلى الله، والميم مشي الماشين لله الذين يمشون على الأرض هوناً.

﴿ إن نشأ ننزل ﴾ من سماء قلوبهم ﴿ آية ﴾ من واردات الحق ﴿ فظلت ﴾ أعناق نفوسهم ﴿ لها خاضعين ﴾ ﴿ فسيأتيهم ﴾ بعد مفارقة الأرواح الأجساد ﴿ أنباء ما كانوا به يستهزؤن ﴾ لظهور نتائج معاملاتهم الخبيثة على أرواحهم ﴿ أو لم يروا إلى ﴾ أرض قلوب العارفين ﴿ كما أنبتنا فيها ﴾ من اشجار أصناف الإيمان والتوكل واليقين والإخلاص وسائر الأخلاق الكريمة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن جناب الحق لعزته يجل عن أن يكون شرعة لكل وارد ﴿ وإن ربك لهو العزيز ﴾ الذي لا يوجد بالسعي ﴿ الرحيم ﴾ حين أدرك أولياءه بجذبات العناية كما أدرك موسى حين ناداه من الشجرة، وذلك لأنه جعله مظهر لطفه كما أ نه جعل فرعون مظهر قهره فصار من العتوّ والاستكبار في غاية الكمال.

ويعلم منه أن الإنسان له استعداد في مظهرية صفة القهر ليس لإبليس فلذلك عاند إبليس آدم وقال أنا خير منه وعاند فرعون الرب وقال أنا ربكم الأعلى.

وأن له استعداداً في مظهرية صفة اللطف ليس للملك ولهذا صار الإنسان مسجوداً للملائكة.

﴿ أن أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيه أن موسى القلب مرسل إلى فرعون النفس لئلا تستعيد الصفات الروحانية فإن لفرعون النفس في البداية استيلاء على موسى القلب والصفات الروحانية فاستعملهم في قضاء حوائجه وتحصيل مقاصده فعرفه فرعون النفس وقال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ فإن موسى القلب كان في حجر فرعون النفس إلى أن بلغ أوان الحلم وهي خمس عشرة سنة، فقتل قبطي الشهوة حين كفر بإله الهوى وكان قبل القتل ضالاً عن حضرة الربوبية ﴿ ففرت منكم ﴾ غلى الله لما خفت أن تقطعوا عليّ الطريق إلى الله.

رب سموات القلوب وأرض البشرية وما بينهما من المنازل ﴿ قال لمن حوله ﴾ من صفات النفس ﴿ الا تستمعون ﴾ ﴿ قال موسى ﴾ القلب لتعارفه بربه ﴿ ربكم ورب آبائكم الأوّلين ﴾ يعني الآباء العلوية الرحانية.

وفي قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ إشارة إلى كمال ضدية القلب والنفس فما يصدر عن القلب تعده النفس من الجنون وبالعكس.

﴿ رب ﴾ مشرق الروح من أفق البدن ﴿ ورب ﴾ مغربه فيه ﴿ وما بينهما ﴾ من مدة التعلق وقد مر نظيره في محاجة إبراهيم في "البقرة" ﴿ لأجعلنك من المسجونين ﴾ في سجن حب الدنيا فإن القلب إذا توجه إلى الله فلا استيلاء للنفس عليه إلا بشبكة حب النجاة والرياسة فإنها آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين.

فقال موسى القلب: لا تقدر على أن تسجنني فإن معي عصا الذكر واليد المنزعة عما سوى الله.

وباقي التأويل قد سبق قوله: ﴿ فأخرجناهم ﴾ أي ﴿ من جنات ﴾ صفات الأوصاف الروحانية ﴿ وعيون ﴾ الحكمة ﴿ وكنوز ﴾ المعارف ﴿ ومقام كريم ﴾ في حضرة أكرم الأكرمين ﴿ وأورثاها بني إسرائيل ﴾ فيه أن النفس إذا فنيت ورث القلب منها صفاتها وبقوتها تصير إلى مقامات لم يمكنه الوصول إليها بقوة صفاته، ولو مات القلب ورثت النفس منه صفاته وبقوتها تتنزل إلى دركات لم يمكنها الوصول إليها بمجرد صفاتها ﴿ فأتبعوهم ﴾ أي لحق أوصاف النفس أوصاف القلب عند إشراق شمس الروح ﴿ فكان كل فرق ﴾ فيه أن كل صفة من أوصاف الروح كجبل عظيم في العبور عنه.

﴿ وأزلفنا ثم الآخرين ﴾ أي قربنا صفات النفس بتبعية صفات القلب إلى بحر الروح.

﴿ وأنجينا موسى ومن معه ﴾ من الأوصاف في بحر الروح بالوصول إلى الحضرة ﴿ ثم أغرقنا ﴾ أوصاف النفس في بحر الروحانية فإن الوصول إلى الحضرة من خواص القلب وغاية سير النفس هو الاستغراق في بحر الروحانية ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ لأرباب العرفان ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ بهذه المنازل فإنه لا يصير إليها إلا الشاذ من المجذوبين بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ جعلنا الله من المستعدين لها والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ثم قال له فرعون: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ : يذكر نعمته التي أنعمها عليه بتربيته إياه صغيراً، وكونه فيهم دهرا، وكفران موسى لما أنعم عليه وهو ما قال: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ، وهو قتل ذلك القبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه، فأقر له موسى بذلك، فأخبر أنه فعل ذلك حيث قال: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ .

وقوله: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ أي: فعلت ذلك وأنا كنت من الجاهلين، لا يعلم أن وكزته تلك تقتله، وإلا لو علم ما وكزه؛ لأنه لم يكن يحل له قتله حيث قال: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ  ﴾ ؛ دل ذلك منه أنه كان لم يحل قتله إلا أنه جرى ذلك على يده خطأ وجهلا.

وفيه دلالة أن الرجل قد ينهى ويؤاخذ بما يجري على يده خطأ وجهلا، ويخاطب بذلك حيث قال: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ .

ثم قال: ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ﴾ : وهو حين قال ذلك الرجل: ﴿ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ ﴾ الآية [القصص: 20]، فخرج منها خائفاً يترقب، وذلك فراره منهم.

وقوله: ﴿ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً ﴾ أي: نبوة.

وقال بعضهم: حكما، أي: منَّ عليّ بالحكم وجعلني من المرسلين، وقد كان ذلك له كله.

وقوله: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ : وهو استعبادك إياهم، أي: إذا ذكرت هذا فاذكر ذاك، هذا يحتمل وجوهاً.

أحدها: أن تذكر ما أنعمت عليّ وتمنها، ولا تذكر مساوئك ببني إسرائيل، وهو استعبادك إياهم، أي: إذا ذكرت هذا فاذكر ذاك.

والثاني: أن تلك نعمة تمنها عليّ حيث لم تعبدني وعبّدت بني إسرائيل، يخرج على قبول المنة منه.

والثالث: وتلك نعمة لو خليت عن بني إسرائيل ولم تستعبدهم لولوا ذلك عنك، وتمام هذا يقول موسى لفرعون: أتمن عليّ يا فرعون بأن اتخذت بني إسرائيل عبيداً، وكانوا أحراراً فقهرتهم؟!

وقال موسى: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ أي: من الجاهلين بذلك أنه يتولد من وكزته الموت؛ وكذلك روي في بعض الحروف: ﴿ وأنا من الجاهلين ﴾ ؛ دل أنه على الجهل ما فعل ذلك لا على القصد.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ ﴾ يقول: وهذه منة تمنها بقوله: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً ﴾ يقول: تمن بها عليّ أن تستعبد بني إسرائيل، وتمنّ عليّ بذلك.

ثم قال فرعون لموسى: ﴿ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، فقال له: ﴿ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ﴾ : من خلق، ﴿ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ ، ثم قال لمن حوله: ﴿ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ ﴾ .

إنما قال اللعين هذا - والله أعلم - لما وقع عنده أن موسى حاد عن جواب ما سأله؛ لأنه إنما سأله عن ماهيته فهو إنما أجابه عن قهره وربوبيته؛ فظن أنه حائد عن جواب ما سأله؛ وكذلك قال لقومه: ﴿ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ ﴾ إلى ما يقول موسى؛ تعجباً منه أني أسأله عن شيء وهو يجيبني عن شيء آخر.

ثم قال موسى: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، فقال عند ذلك: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ ، نسبه إلى الجنون لما ذكرنا أنه ظن أنه حائد عن الجواب في كل ما ذكر، إنما كان السؤال منه عن الماهية، وهو لم يجبه عنها، فعند ذلك قال موسى: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ، لم يجبه موسى في كل ما ذكر عن الماهية، ولكن أجابه في الأول في بيان ربوبيته وألوهيته حيث قال: ﴿ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ ذلك، فعرف اللعين أنه ليس هو رب السماوات والأرض لما يعلم أن لا صنع له في ذلك، وأنه لم ينشئهما ولكن أنشأهما رب العالمين على ما ذكر موسى، لكن كأنه لم يعرف حدوثهما ولا فناءهما بما ذكر له موسى؛ لما لم يشاهد حدوثهما وفناءهما، فلم يتقرر ذلك عنده لما يقع عنده أنهما كذلك كانا ويكونان أبداً، فعند ذلك احتاج إلى أن ذكر له ما يشاهد حدوثهما وفناءهما وهو ما قال: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ذكر له ما شاهد حدوثه وفناءه، فإذا عرف حدوث ما ذكر وفناءه يعرف أنه إذاً لم يكن بنفسه ولا كان نفسه، ولكن بمحدث أحدثه وبمدبر دبره.

ثم قال: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ﴾ : ذكر هاهنا قدرته وسلطانه، وهو ما يأتي بالنهار من المشرق، وبالليل من المغرب، ويطلع الشمس من المشرق، ويغربها من المغرب؛ وكذلك القمر والنجوم، ففيه دلالة البعث؛ لأن من قدر على أن يأتي بالنهار من كذا، وبالليل من ناحية كذا، والشمس والقمر من كذا - قادر على البعث، لا يعجزه شيء؛ ففي كل حرف من هذه الأحرف دلالة واستدلال على شيء ليس ذلك في الأخرى.

وفي قوله: ﴿ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ دلالة ربوبية الله وألوهيته.

وفي قوله: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ دلالة حدوث ما ذكر وفنائه، ودلالة محدث ومدبر.

وفي قوله: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ ﴾ دلالة قدرته وسلطانه على البعث على الوجه الذي ذكرنا.

وفي ذلك دلالة أن الله  لا يعرف بالماهية ولا بما يحس، ولكنه إنما يعرف من جهة الاستدلال بخلقه، وبالآيات التي تدل على وحدانيته، حيث سأل فرعون موسى عن الماهية، فأجاب على الاستدلال بخلقه.

ثم قال اللعين: ﴿ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ ﴾ : قال بعضهم: إنما أوعده السجن ولم يوعده القتل؛ لأنه طلب منه الحجة على ما ادعى من الرسالة حيث قال: ﴿ فَأْتِ بِهِ ﴾ الآية، ولو قتله لكان لا يقدر على إتيانها.

وقال بعضهم: لا، ولكن كان سجنه أشد من القتل ومن كل عقوبة.

فقال له موسى: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: ما يبين ربوبية الله وألوهيته أو ما يبين أني رسول الله، فقال له فرعون: ﴿ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ بالرسالة، وبما ادّعيت، فدل قول فرعون لموسى حيث قال له: ﴿ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ أنه قد عرف أنه رسول، وأنه ليس بإله على ما ادعى، وأن الإله غيره حيث طلب هذه الآية.

وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ بالآيات التي تدل على وحدانية الله  ومشيئته، ذكر هذا مقابل إنكارهم الصانع.

والإيقان: هو العلم الذي يستفاد من جهة الاستدلال؛ ولذلك لا يقال لله: موقن.

وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ : صلة قوله: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ : قال بعضهم: الثعبان: هو الكبيرة العظيمة من الحيات.

وقال في موضع آخر: ﴿ تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ  ﴾ ، فجائز أن تكون كالثعبان بعد ما طرحها وألقاها، وقبل أن يطرحها كالجان وهي الحية الصغيرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ : بياضاً خارجاً عن خلقة البشرية، وخارجاً عن الآفة على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ : هذا منه إغراء وتحريش منه لقومه على موسى؛ لئلا ينظروا إليه بعين التعظيم؛ لعظيم ما أتاهم من الآية وأراهم، حيث قال: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ ، وموسى كان لم يرد إخراجهم من أرضهم، ولكن ذلك إغراء منه لهم عليه؛ لئلا يتبعوه؛ كأنه يقول: يريد أن يخرجكم من أرضكم فيفسد عليكم معاشكم، ويضيق عليكم مقامكم ومتقلبكم.

وقوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ : هذا يبين أنه كان عرف أنه ليس بإله، فبين دناءته وقلة معرفته؛ لأنه لا يقول ملك من الملوك لقومه: ماذا تأمرون، وخاصة من يدعي لنفسه الألوهية بقوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي  ﴾ ؛ فدل أنه كان خسيس الهمة في الرأي والبال.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يريد بسحره أن يخرجكم من أرضكم، فما رأيكم فيما نتخذه فيه؟

<div class="verse-tafsir" id="91.o506G"

مزيد من التفاسير لسورة الشعراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل