الآية ٤ من سورة الشعراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ٤ من سورة الشعراء

إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةًۭ فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة الشعراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال الله تعالى : ( إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ) أي : لو شئنا لأنزلنا آية تضطرهم إلى الإيمان قهرا ، ولكنا لا نفعل ذلك; لأنا لا نريد من أحد إلا الإيمان الاختياري; وقال تعالى : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) [ يونس : 99 ] ، وقال : ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين .

إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) [ هود : 118 ، 119 ] ، فنفذ قدره ، ومضت حكمته ، وقامت حجته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم ، وإنزال الكتب عليهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ )...

الآية, فقال بعضهم: معناه: فظلّ القوم الذين أنـزل عليهم من السماء آية خاضعة أعناقهم لها من الذلَّة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد في قوله: ( فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) قال: فظلوا خاضعة أعناقهم لها.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( خَاضِعِينَ ) قال: لو شاء الله لنـزل عليه آية يذلون بها, فلا يلوي أحد عنقه إلى معصية الله.

حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إِنْ نَشَأْ نُنـزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً ) قال: لو شاء الله لأراهم أمرا من أمره لا يعمل أحد منهم بعده بمعصية.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) قال: ملقين أعناقهم.

حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) قال: الخاضع: الذليل.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظلت سادتهم وكبراؤهم للآية خاضعين, ويقول: الأعناق: هم الكبراء من الناس.

واختلف أهل العربية في وجه تذكير (خاضعين), وهو خبر عن الأعناق, فقال بعض نحوييّ البصرة: يزعمون أن قوله ( أعْنَاقُهُمْ ) على الجماعات, نحو: هذا عنق من الناس كثير, أو ذُكِّر كما يذكَّر بعض المؤنث, كما قال الشاعر: تَمَزَّزْتُهــا والـدّيكُ يَدْعُـو صَبَاحَـهُ إذا مــا بنـو نَعْشٍ دَنَـوْا فَتَصَوَّبُـوا (2) فجماعات هذا أعناق, أو يكون ذكره لإضافته إلى المذكر كما يؤنث لإضافته إلى المؤنث, كما قال الأعشى: وتشـرقُ بـالقَوْلِ الَّـذِي قَـدْ أذَعْتَـه كمَـا شَـرَقَتْ صَـدْرُ القَنـاةِ مِنَ الدَّم (3) وقال العجاج: لَمَّا رأى مَتْنَ السَّماء أبْعَدَتْ (4) وقال الفرزدق: إذَا الْقُنْبُضَـاتُ السُّـودُ طَوَّفْنَ بالضحى رَقَــدْنَ عَلَيهِـنَّ الحِجَـالُ المُسَـجَّفُ (5) وقال الأعشى: وإن أمــرأً أهْــدَى إلَيْـكَ وَدُونَـهُ مِـنَ الأرْضِ يَهْمـاءٌ وَبَيْـدَاءُ خَـيْفَقُ لَمَحْقُوقَــة أن تَسْــتَجِيبِي لِصَوْتِـهِ وأنْ تَعْلَمِــي أنَّ المُعــانَ المُـوَفَّقُ (6) قال: ويقولون: بنات نعش وبنو نعش, ويقال: بنات عِرس, وبنو عِرس; وقالت امرأة: أنا امرؤ لا أخبر السرّ, قال: وذكر لرؤبة رجل فقال: هو كان أحد بنات مساجد الله, يعني الحَصَى.

وكان بعض نحويي الكوفة يقول: هذا بمنـزلة قول الشاعر: تَـــرَى أرْمَـــاحَهُمْ مُتَقَلديهـــا إذَا صَــدِئَ الحَــدِيدُ عـلى الكُمـاةِ (7) فمعناه عنده: فظلت أعناقهم خاضعيها هم, كما يقال: يدك باسطها, بمعنى: يدك باسطها أنت, فاكتفى بما ابتدأ به من الاسم أن يكون, فصار الفعل كأنه للأوّل وهو للثاني, وكذلك قوله: لمحقوقة أن تستجيبي لصوته إنما هو لمحقوقة أنت, والمحقوقة: الناقة, إلا أنه عطفه على المرء لما عاد بالذكر.

وكان آخر منهم يقول: الأعناق: الطوائف, كما يقال: رأيت الناس إلى فلان عنقا واحدة, فيجعل الأعناق الطوائف والعصب; ويقول: يحتمل أيضا أن تكون الأعناق هم السادة والرجال الكبراء, فيكون كأنه قيل: فظلت رءوس القوم وكبراؤهم لها خاضعين, وقال: أحب إلي من هذين الوجهين في العربية أن يقال: إن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون, فجعلت الفعل أولا للأعناق, ثم جعلت خاضعين للرجال, كما قال الشاعر: عَـلى قَبْضَـة مَرْجُـوَّة ظَهْـرُ كَفِّـهِ فَـلا المَـرْءُ مُسْـتَحي وَلا هُـوَ طاعِمُ (8) فأنث فعل الظهر, لأن الكفّ تجمع الظهر, وتكفي منه, كما أنك تكتفي بأن تقول: خضعت لك, من أن تقول: خَضَعَتْ لك رقبتي, وقال: ألا ترى أن العرب تقول: كل ذي عين ناظر وناظرة إليك, لأن قولك: نظرتْ إليك عيني, ونظرت إليك بمعنى واحد بترك كل, وله الفعل ومرده إلى العين, فلو قلت: فظلت أعناقهم لها خاضعة, كان صوابا.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بما قال أهل التأويل في ذلك أن تكون الأعناق هي أعناق الرجال, وأن يكون معنى الكلام: فظلت أعناقهم ذليلة, للآية التي ينـزلها الله عليهم من السماء, وأن يكون قوله " خاضعين " مذكرا, لأنه خبر عن الهاء والميم في الأعناق, فيكون ذلك نظير قول جرير: أرَى مَــرَّ السِّــنِينَ أخَــذْنَ مِنِّـي كمَــا أخَـذَ السِّـرَارُ مِـنَ الهـلالِ (9) وذلك أن قوله: مرّ, لو أسقط من الكلام, لأدى ما بقي من الكلام عنه ولم يفسد سقوطه معنى الكلام عما كان به قبل سقوطه, وكذلك لو أسقطت الأعناق من قوله: فظلت أعناقهم, لأدى ما بقي من الكلام عنها, وذلك أن الرجال إذا ذلوا, فقد ذلت رقابهم, وإذا ذلت رقابهم فقد ذلوا.

فإن قيل في الكلام: فظلوا لها خاضعين, كان الكلام غير فاسد, لسقوط الأعناق, ولا متغير معناه عما كان عليه قبل سقوطها, فصرف الخبر بالخضوع إلى أصحاب الأعناق, وإن كان قد ابتدأ بذكر الأعناق لما قد جرى به استعمال العرب في كلامهم, إذا كان الاسم المبتدأ به, وما أضيف إليه يؤدّي الخبر كل واحد منهما عن الآخر.

----------------------- الهوامش : (2) هذا البيت أنشده سيبويه للنابغة الجعدي، (اللسان: نعش) وقبله بيت آخر، يصف بهما الخمر، وهو قوله: وَصَهْبَـاءُ لا يَخْـفَى الْقَذَى وَ هْيَ دُونَهُ تُصَفَّـقُ فـي رأوُوقِهَـا ثُـمَّ تُقْطَـبُ قال: وبنات نعش سبعة كواكب، أربعة منها مربعة، وثلاثة بنات نعش، الواحد: ابن نعش لأن الكوكب مذكر فيذكرونه على تذكيره.

وإذا قالوا: ثلاث أو أربع ذهبوا إلى البنات، وكذلك بنات نعش الصغرى.

واتفق سيبويه والفراء على ترك صرف نعش للمعرفة والتأنيث.

وقيل: شبهت بحملة النعش في تربيعها.

وجاء في الشعر بنو نعش، أنشد سيبويه للنابغة الجعدي: * وصهبــاء لا يخـفي .........* " البيتان، الصهباء: الخمر.

وقوله: "لا يخفى القذى وهي دونه" أي لا تستره إذا وقع فيها، لكونها صافية، فالقذى يرى فيها إذا وقع.

وقوله: وهي دونه: يريد أن القذى إذا حصل في أسفل الإناء، رآه الرائي في الموضع الذي فوقه الخمر، والخمر أقرب إلى الرائي من القذى.

يريد أنها يرى ما وراءها.

وتصفق تدار من إناء إلى إناء وقوله: تمززتها: أي شربتها قليلا قليلا.

وتقطب: تمزج بالماء.

قال الأزهري: وللشاعر إذا اضطر أن يقول: بنو نعش، كما قال الشاعر، وأنشد البيت، ووجه الكلام: بنات نعش، كما قالوا: بنات آوى وبنات عرس، والواحد منها ابن عرس، يؤنثون جمع ما خلا الآدميين.

ورواية أبي عبيدة في (مجاز القرآن ص 171): شربت إذا ما الديك...

إلخ البيت.

(3) البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة (اللسان: شرق) قال: شرق الشيء شرقًا، فهو شرق: اشتدت حمرته بدم، أو بحسن لون أحمر، قال الأعشى: "وتشرق بالقول.." البيت.

والبيت هو الرابع والثلاثون من قصيدة في ديوانه (طبع القاهرة ص 121) يهجو بها عمير بن عبد الله بن المنذر بن عبدان، حين جمع بينه وبين جهنام الشاعر ليهاجيه.

قال شارح الديوان: "وحتى تشرق بما أذعنت من قول، كما يشرق مقدم الرمح بالدم".

وصدر القناة: أعلاها.

والشاهد في البيت أنه أنث الفعل شرق بالتاء، مع أن فاعله وهو "صدر" مذكر.

ولكنه لما أضيف إلى القناة وهي مؤنثة، فكأنه جعل الفعل للقناة لا لصدرها.

(4) لم أجد البيت في ديوان العجاج ورؤبة.

ووجدت أرجوزة من نفس القافية للزفيان ملحقة بديوان العجاج (94 ، 95) وليس فيها البيت.

والمتن: الظهر.

والشاهد في هذا الرجز أنه أنث الفعل أبعدت بالتاء، مع أن الضمير فيه راجع إلى المتن، وهو مذكر؛ لكن لما أضيف المتن إلى السماء وهي مؤنثة، فكأن الشاعر أعاد الضمير على السماء، وتناسى المتن، فأنث لذلك، وكأنه قال: "لما رأى السماء أبعدت".

وهو كالشاهد الذي قبله.

(5) البيت للفرزدق (اللسان: قبض).

والقنبضة من النساء: القصيرة، والنون زائدة، والضمير في رقدن: يعود إلى نساء وصفهن بالنعمة والترف إذا كانت القنبضات السود في خدمة وتعب ا ه.

يعني بالقنبضات الولائد والإماء من الخدم.

والحجال: جمع حجلة، بالتحريك، وهي بيت كالقبة يستر بالثياب، ويكون له أزرار كبار.

ومنه حديث: "أعروا النساء يلزمن الحجال".

وجمع الحجلة: حجل وحجال، قال الفرزدق: * رقـدن عليهـن الحجال المسجف * قال: الحجال، وهي جماعة، ثم قال: المسجف فذكر، لأن لفظ الحجال لفظ الواحد مثل الجراب.

قال: ومثله قوله تعالى: (قال من يحيي العظام وهي رميم)، ولم يقل رميمة.

وانظر البيت أيضًا في ديوان الفرزدق (طبعة الصاوي ص 552) قال: والتسجيف: إرخاء السجفين، وهما سترا باب الحجلة للعروس وكل باب يستره ستران بينهما مشقوق، فكل شق منهما سجف.

(6) البيتان لأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه ص 223) من قافيته التي مطلعها: * أرقـت ومـا هذا السهاد المؤرق * يمدح بها المحلق بن خنثم بن شداد بن ربيعة.

وفي رواية البيت الأول فيه وفي خزانة الأدب الكبرى (للبغدادي 1: 551، 2: 410) أسرى، في موضع: أهدى.

و"أن المعان موفق" في موضع "أن المعان الموفق".

= ومعنى أهدى من الهدية، وهذا لا يصلح إلا على أن الخطاب للناقة وكان قد أهداها الممدوح إليه، لا على أن الخطاب للمرأة المذكورة في القصيدة قبل البيت في قوله "وكم دون ليلى" وتمام رواية البيت على أنه خطاب للناقة هو: وإن امــرأ أهــداك بينـي وبينـه فيــاف تنوفــات ويهمـاء سـملق والأكثرون على رواية أسرى إليك، وأنه خطاب للمرأة، وعليه بنى الكوفيون كلامهم في الاستشهاد بالبيت.

وأسرى: لغة في سرى أي سار ليلا.

والموماة: الأرض التي لا ماء فيها.

والبيداء واليهماء القفر.

والسملق: الأرض المستوية.

وقد اختلف النحويون في تخريج قوله: "المحقوقة أن تستجيبى"، فقيل: لمحقوقة استجابتك أي استجابتك محقوقة.

وعليه فالتأنيث في محقوقة للمصدر المؤنث جوازًا.

وعليه أيضًا فلا شاهد في البيت.

وقال الكوفيون: محقوقة خبر إن امرأ، غير جار على من هو له وهو امرأ، وإنما هو جار على المرأة المخاطبة بقوله إليك.

والبصريون يوجبون إذا جرى الخبر على غير من هو له إبراز الضمير المستتر فيه، فكان حقه أن يقول: لمحقوقة أنت أن تستجيبى لصوته.

ويرى الكوفيون أن إبراز الضمير المستتر في مثل هذه الحالة حكمه الجواز لا الوجوب، واستدلوا بالبيت على ترك إبرازه.

ورد البصريون كلامهم بما لا محل لذكره هنا.

واستشهد المؤلف بالبيت على ما استشهد به الكوفيون.

(7) البيت ذكره ابن الأنباري في الإنصاف ولم ينسبه وكذلك لم ينسبه البغدادي في الخزانة (2: 411) وهو كالشاهد الذي قبله.

قال البغدادي: الظاهر من كلام ابن الشجري في أماليه، ومن كلام ابن الأنباري في مسائل الخلاف، ومن كلام غيرهما: أن مذهب الكوفيين، جواز ترك التأكيد مطلقًا، سواء أمن اللبس أم لا.

قال ابن الأنباري: احتج الكوفيون لمذهبهم بالشعر المتقدم، وبقوله: "ترى أرباقهم.." البيت.

ولو كان إبراز الضمير واجبًا لقال: متقلديها هم.

فلما لم يبرز الضمير دل على جوازه.

وأجاب البصريون عن هذا بأنه على حذف مضاف، أي نرى أصحاب أرباقهم متقلديها.

ورواية البيت في الخزانة والإنصاف: "ترى أرباقهم" في موضع "ترى أرماحهم".

وكذلك أنشده الفراء في معاني القرآن: أرباقهم (ص 228).

(8) هذا البيت مما استشهد به الفراء في معاني القرآن (الورقة 328) قال عند قوله تعالى: (فظلت أعناقهم لها خاضعين): الفعل للأعناق، فيقول القائل: كيف لم يقل خاضعة.

وفي ذلك وجوه كلها صواب.

أولها: أن مجاهدًا جعل الأعناق الرجال الكبراء، فكانت الأعناق ها هنا بمنزلة قولك: ظلت رءوسهم، رءوس القوم وكبراؤهم (لها خاضعين) ، الآية.

والوجه الآخر: أن تجعل الأعناق: الطوائف، كما تقول: رأيت الناس إلى فلان عنقًا واحدًا، فتجعل الأعناق: الطوائف والعصب.

وأحب إليَّ من هذين الوجهين في العربية: أن الأعناق إذا خضعت، فأربابها خاضعون، فجعلت الفعل أولا للأعناق.

ثم جعلت خاضعين للرجال، كما قال الشاعر "على قبضة مرجوة.." البيت.

فأنث فعل الظهر، لأن الكف تجمع الظهر، وتكفي منه.

(9) البيت لجرير، وقد سبق الاستشهاد به في الجزء (12 : 157) وذكره صاحب (اللسان: خضع) قال: جاز أن يخبر عن المضاف إليه كما قال الشاعر "رأت مر السنين"، لما كانت السنون لا تكون إلا بمن أخبر عن السنين، وإن كان أضاف إليها المرور.

والسرار: الليلة التي يخفى فيها الهلال آخر الشهر.

ورواية "رأت مر السنين": هي رواية الديوان (طبعة الصاوي: 426) ورواية أبي عبيدة في مجاز القرآن (ص 171).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية أي معجزة ظاهرة وقدرة باهرة فتصير معارفهم ضرورية ، ولكن سبق القضاء بأن تكون المعارف نظرية .

وقال أبو حمزة الثمالي في هذه الآية : بلغني أن لهذه الآية صوتا يسمع من السماء في النصف من شهر رمضان ; تخرج به العواتق من البيوت وتضج له الأرض .

وهذا فيه بعد ; لأن المراد قريش لا غيرهم .

فظلت أعناقهم لها خاضعين أي فتظل أعناقهم لها خاضعين قال مجاهد : أعناقهم كبراؤهم ، وقال النحاس : ومعروف في اللغة ; يقال : جاءني عنق من الناس أي رؤساء منهم .

أبو زيد والأخفش : أعناقهم جماعاتهم ; يقال : جاءني عنق من الناس أي جماعة .

وقيل : إنما أراد أصحاب الأعناق ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه .

قتادة : المعنى لو شاء لأنزل آية يذلون بها فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية .

ابن عباس : نزلت فينا وفي بني أمية ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد معاوية ; ذكره الثعلبي والغزنوي فالله أعلم .

وخاضعين وخاضعة هنا سواء ; قاله عيسى بن عمر واختاره المبرد .

والمعنى : إنهم إذا ذلت رقابهم ذلوا ; فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها .

ويسوغ في كلام العرب أن تترك الخبر عن الأول وتخبر عن الثاني ; قال الراجز :طول الليالي أسرعت في نقضي طوين طولي وطوين عرضيفأخبر عن الليالي وترك الطول .

وقال جرير :أرى مر السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلالوإنما جاز ذلك لأنه لو أسقط " مر " و " طول " من الكلام لم يفسد معناه ; فكذلك رد الفعل إلى الكناية في قوله : فظلت أعناقهم لأنه لو أسقط الأعناق لما فسد الكلام ، ولأدى ما بقي من الكلام عنه حتى يقول : فظلوا لها خاضعين .

وعلى هذا اعتمد الفراء وأبو عبيدة .

.

والكسائي [ ص: 87 ] يذهب إلى أن المعنى : خاضعيها هم ، وهذا خطأ عند البصريين والفراء .

ومثل هذا الحذف لا يقع في شيء من الكلام ; قاله النحاس .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولهذا قال: ( إِنْ نَشَأْ نُنزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً ).

أي: من آيات الاقتراح، ( فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ ) أي: أعناق المكذبين ( لَهَا خَاضِعِينَ ) ولكن لا حاجة إلى ذلك, ولا مصلحة فيه, فإنه إذ ذاك الوقت, يكون الإيمان غير نافع، وإنما الإيمان النافع, الإيمان بالغيب, كما قال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا الآية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ) قال قتادة : لو شاء الله لأنزل عليهم آية يذلون بها ، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله .

وقال ابن جريج : معناه : لو شاء الله لأراهم أمرا من أمره ، لا يعمل أحد منهم بعده معصية .

وقوله - عز وجل - : ( خاضعين ) ولم يقل خاضعة وهي صفة الأعناق ، وفيه أقاويل : أحدها : أراد أصحاب الأعناق ، فحذف الأصحاب وأقام الأعناق مقامهم ، لأن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون ، فجعل الفعل أولا للأعناق ، ثم جعل خاضعين للرجال .

وقال الأخفش : رد الخضوع على المضمر الذي أضاف الأعناق إليه .

وقال قوم : ذكر الصفة لمجاورتها المذكر ، وهو قوله " هم " على عادة العرب في تذكير المؤنث إذا أضافوه إلى مذكر ، وتأنيث المذكر إذا أضافوه إلى مؤنث .

وقيل : أراد فظلوا خاضعين فعبر بالعنق عن جميع البدن ، كقوله : ذلك بما قدمت يداك ( الحج - 10 ) و ألزمناه طائره في عنقه " ( الإسراء - 13 ) .

وقال مجاهد : أراد بالأعناق الرؤساء والكبراء ، أي : فظلت كبراؤهم خاضعين .

وقيل : أراد بالأعناق الجماعات ، يقال : جاء القوم عنقا عنقا ، أي : جماعات وطوائف .

وقيل : إنما قال خاضعين على وفاق رءوس الآي ليكون على نسق واحد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلّت» بمعنى المضارع: أي تظل، أي تدوم «أعناقهم لها خاضعين» فيؤمنون، ولما وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو لأربابها جمعت الصفة جمع العقلاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن نشأ ننزل على المكذبين من قومك من السماء معجزة مخوِّفة لهم تلجئهم إلى الإيمان، فتصير أعناقهم خاضعة ذليلة، ولكننا لم نشأ ذلك؛ فإن الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب اختيارًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

لا - أيها الرسول الكريم - لا تفعل ذلك ، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ، وإنك لا تستطيع هداية أحد ولكن الله - تعالى - يهدى من يشاء ، وإننا ( إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) .ومفعول المشيئة محذوف ، والمراد بالآية هنا المعجزة القاهرة التى تجعلهم لا يملكون انصرافا معها عن الإيمان ، والأعناق جمع عنق .

وقد تطلق على وجوه الناس وزعمائهم تقول : جاءنى عنق من الناس : أى جماعة منهم أو من رؤسائهم والمقدمين فيهم .والمعنى : لا تحزن يا محمد لعدم إيمان كفار مكة بك ، فإننا إن نشأ إيمانهم ، ننزل عليهم آية ملجئة لهم إلى الإيمان ، تجعلهم ينقادون له ، ويدخلون فيه دخولا ملزما لهم ، ولكنا لا نفعل ذلك ، لأن حكمتنا قد اقتضت أن يكون دخول الناس فى الإيمان عن طريق الاختيار والرغبة ، وليس عن طريق الإلجاء والقسر .وصور - سبحانه - هذه الآية بتلك الصورة الحسية ( فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) ، للإشعار بأن هذه بالآية لو أراد - سبحانه - إنزالها لجعلتهم يخضعون خضوعا تاما لها ، حتى لكأن أعناقهم على هيئة من الخضوع والذلة لا تملك معها الارتفاع أو الحركة .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : كيف صح مجىء خاضعين خبرا عن الأعناق؟

قلت : أصل الكلام : فظلوا لها خاضعين .

فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع ، وترك الكلام على أصله .

كقوله : ذهبت أهل اليمامة ، كأن الأهل غير مذكور .

أو لما وصفت بالخضوع الذى هو للعقلاء ، قيل : خاضعين .

.

.

.

وقيل أعناق الناس : رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما قيل لهم : هم الرءوس والنواصى والصدور .

.

.

وقيل : جماعات الناس .

.

" .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الطاء إشارة إلى طرب قلوب العارفين، والسين سرور المحبين، والميم مناجاة المريدين، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ قتادة ﴿ باخع نَّفْسَكَ ﴾ على الإضافة، وقرئ ﴿ فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعة ﴾ .

المسألة الثانية: البخع أن يبلغ بالذبح البخاع، وهو الخرم النافذ في ثقب الفقرات وذلك أقصى حد الذابح، ولعل للإشفاق.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ طسم * تِلْكَ ءايَاتُ الكتاب المبين ﴾ معناه: آيات هذه السورة تلك آيات الكتاب المبين، وتمام تقريره ما مر في قوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب  ﴾ ولا شبهة في أن المراد بالكتاب هو القرآن والمبين وإن كان في الحقيقة هو المتكلم فقد يضاف إلى الكلام من حيث يتبين به عند النظر فيه، فإن قيل القوم لما كانوا كفاراً فكيف تكون آيات القرآن مبينة لهم ما يلزمهم، وإنما يتبين بذلك الأحكام؟

قلنا ألفاظ القرآن من حيث تعذر عليهم أن يأتوا بمثله يمكن أن يستدل به على فاعل مخالف لهم كما يستدل بسائر ما لا يقدر العباد على مثله، فهو دليل التوحيد من هذا الوجه ودليل النبوة من حيث الإعجاز، ويعلم به بعد ذلك أنه إذا كان من عند الله تعالى فهو دلالة الأحكام أجمع، وإذا ثبت هذا صارت آيات القرآن كافية في كل الأصول والفروع أجمع، ولما ذكر الله تعالى أنه بين الأمور قال بعده: ﴿ لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ منبهاً بذلك على أن الكتاب وإن بلغ في البيان كل غاية فغير مدخل لهم في الإيمان لما أنه سبق حكم الله بخلافه، فلا تبالغ في الحزن والأسف على ذلك لأنك إن بالغت فيه كنت بمنزلة من يقتل نفسه ثم لا ينتفع بذلك أصلاً فصبره وعزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا نفع فيه كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا نفع لهم فيه، ثم بين تعالى أنه قادر على أن ينزل آية يذلون عندها ويخضعون، فإن قيل: كيف صح مجيء ﴿ خاضعين ﴾ خبراً عن الأعناق؟

قلنا أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فذكرت الأعناق لبيان موضع الخضوع، ثم ترك الكلام على أصله، ولما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء، قيل ﴿ خاضعين ﴾ كقوله: ﴿ لِى سَاجِدِينَ  ﴾ ، وقيل أعناق الناس رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما يقال هم الرؤوس والصدور، وقيل هم جماعات الناس، يقال جاءنا عنق من الناس لفوج منهم.

المسألة الرابعة: نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الكهف (6): ﴿ فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أراد: آية ملجئة إلى الإيمان قاصرة عليه.

﴿ فَظَلَّتْ ﴾ معطوف على الجزاء الذي هو ننزل، لأنه لو قيل: أنزلنا، لكان صحيحاً.

ونظيره: فأصدق وأكن، كأنه قيل: أصدق.

وقد قرئ: ﴿ لو شئنا لأنزلنا ﴾ .

وقرئ: ﴿ فتظل أعناقهم ﴾ فإن قلت: كيف صحّ مجيء خاضعين خبراً عن الأعناق قلت: أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله، كقوله: ذهبت أهل اليمامة، كأنّ الأهل غير مذكور.

أو لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء، قيل: خاضعين، كقوله تعالى: ﴿ لِى سَاجِدِينَ ﴾ [يوسف: 4] .

وقيل: أعناق الناس: رؤسائهم ومقدّموهم، شبهوا بالأعناق كما قيل لهم هم الرؤوس والنواصي والصدور.

قال: فِي مَحْفِلٍ مِنْ نَوَاصِي النَّاسِ مَشْهُودِ وقيل: جماعات الناس.

يقال: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم.

وقرئ: ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعة ﴾ .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية.

قال: ستكون لنا عليهم الدولة، فتذلّ لنا أعناقهم بعد صعوبة، ويلحقهم هوان بعد عزّة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً ﴾ دَلالَةً مُلْجِئَةً إلى الإيمانِ أوْ بَلِيَّةً قاسِرَةً عَلَيْهِ.

﴿ فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ مُنْقادِينَ وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِبَيانِ مَوْضِعِ الخُضُوعِ وتُرِكَ الخَبَرُ عَلى أصْلِهِ.

وَقِيلَ لَمّا وُصِفَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم.

وقِيلَ المُرادُ بِها الرُّؤَساءُ أوِ الجَماعاتُ مِن قَوْلِهِمْ: جاءَنا عُنُقٌ مِنَ النّاسِ لِفَوْجٍ مِنهم، وقُرِئَ «خاضِعَةً» وظَلَّتْ عُطِفَ عَلى ( نُنَزِّلْ ) عَطْفَ وأكُنْ عَلى فَأصَّدَّقَ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ أنْزَلَنا بَدَلَهُ لَصَحَّ.

﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ ﴾ مَوْعِظَةٍ أوْ طائِفَةٍ مِنَ القُرْآنِ.

﴿ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾ يُوحِيهِ إلى نَبِيِّهِ.

﴿ مُحْدَثٍ ﴾ مُجَدَّدٍ إنْزالُهُ لِتَكْرِيرِ التَّذْكِيرِ وتَنْوِيعِ التَّقْرِيرِ.

﴿ إلا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ﴾ إلّا جَدَّدُوا إعْراضًا عَنْهُ وإصْرارًا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ.

﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا ﴾ أيْ بِالذِّكْرِ بَعْدَ إعْراضِهِمْ وأمْعَنُوا في تَكْذِيبِهِ بِحَيْثُ أدّى بِهِمْ إلى الِاسْتِهْزاءِ بِهِ المُخْبَرُ بِهِ عَنْهم ضِمْنًا في قَوْلِهِ: ﴿ فَسَيَأْتِيهِمْ ﴾ أيْ إذا مَسَّهم عَذابُ اللَّهِ يَوْمَ بَدْرٍ أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ مِن أنَّهُ كانَ حَقًّا أمْ باطِلًا، وكانَ حَقِيقًا بِأنْ يُصَدَّقَ ويُعَظَّمَ قَدْرُهُ أوْ يُكَذَّبَ فَيُسْتَخَفَّ أمْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إن نّشأ} إيمانهم {ننزّل عليهم مّن السّماء آيةً} دلالة واضحة {فظلّت} أي فتظل لأن الجزاء يقع فيه لفظ الماضي في معنى المستقبل تقول إن زرتني أكرمتك أي أكرمك كذا قاله الزجاج {أعناقهم} رؤساؤهم ومقدموهم أو جماعتهم يقال جاءنا عنق من الناس لفوج منهم {لها خاضعين} منقادين وعن ابن عباس رضى الله عنهما نزلت فينا وفي بني أمية فتكون لنا عليهم الدولة

الشعراء (١٣ - ٥)

فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ نَشَأْ ﴾ إلَخْ، اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ بِإشْفاقِهِ عَلى نَفْسِهِ  أوِ النَّهْيِ عَنِ البَخْعِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ، وهو - عَلى المَشْهُورِ - ما دَلَّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الجَزاءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِما قَبْلُ، أيْ: إنْ نَشَأ إيمانَهم ﴿ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً ﴾ مُلْجِئَةً لَهم إلى الإيمانِ، قاسِرَةً عَلَيْهِ، كَما نَتَقَ الجَبَلَ فَوْقَ بَنِي إسْرائِيلَ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ «إنْ يَشَأْ يُنَزِّلْ» عَلى الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ لَهُ تَعالى، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ: (لَوْ شِئْنا لَأنْزَلْنا ﴿ فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ أيْ: مُنْقادِينَ، وهو خَبَرٌ عَنِ الأعْناقِ، وقَدِ اكْتَسَبَتِ التَّذْكِيرَ وصِفَةَ العُقَلاءِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، فَأُخْبِرَ عَنْها لِذَلِكَ بِجَمْعِ مَن يَعْقِلُ، كَما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنْ بَعْضِ أجِلَّةِ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، واخْتِصاصُ جَوازِ مِثْلِ ذَلِكَ الشِّعْرَ - كَما حَكاهُ السِّيرافِيُّ عَنِ النَّحْوِيِّينَ - مِمّا لَمْ يَرْتَضِهِ المُحَقِّقُونَ، ومِنهم أبُو العَبّاسِ، وهو مِمَّنْ خَرَّجَ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِما أنَّها وُصِفَتْ بِفِعْلٍ لا يَكُونُ إلّا مَقْصُودًا لِلْعاقِلِ وهو الخُضُوعُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ وأنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقَدْ رُوعِيَ بَعْدَ حَذْفِهِ، أيْ: أصْحابُ أعْناقِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ رَكِيكٌ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُ الكَلامِ: فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ، فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِبَيانِ مَوْضِعِ الخُضُوعِ؛ لِأنَّهُ يَتَراءى قَبْلَ التَّأمُّلِ لِظُهُورِ الخُضُوعِ في العُنُقِ بِنَحْوِ الِانْحِناءِ أنَّهُ هو الخاضِعُ دُونَ صاحِبِهِ، وتُرِكَ الجَمْعُ بَعْدَ الإقْحامِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلُ، وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ خاضِعِينَ حالٌ لِلضَّمِيرِ المَجْرُورِ لا لِلْأعْناقِ.

وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ فَقالَ: هو بَعِيدٌ في التَّحْقِيقِ لِأنَّ ﴿ خاضِعِينَ ﴾ يَكُونُ جارِيًا عَلى غَيْرِ فاعِلِ (ظَلَّتْ) فَيَفْتَقِرُ إلى إبْرازِ ضَمِيرِ الفاعِلِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ (خاضِعِينَ هُمْ) فافْهَمْ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، والأخْفَشُ: الأعْناقُ الجَماعاتُ، يُقالُ: جاءَ في عُنُقٍ مِنَ النّاسِ أيْ جَماعَةٍ، والمَعْنى: ظَلَّتْ جَماعاتُهُمْ، أيْ: جُمْلَتُهم.

وقِيلَ: المُرادُ بِها الرُّؤَساءُ والمُقَدَّمُونَ مَجازًا، كَما يُقالُ لَهُمْ: رُؤُوسٌ وصُدُورٌ، فَيَثْبُتُ الحُكْمُ لِغَيْرِهِمْ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ إطْلاقَ العُنُقِ عَلى الجَماعَةِ مُطْلَقًا رُؤَساءَ أمْ لا حَقِيقَةٌ، وذَكَرَ الطِّيبِيُّ عَنِ الأساسِ أنَّ مِنَ المَجازِ: (أتانِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ) لِلْجَماعَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وجاؤُوا رُسُلًا رُسُلًا وعُنُقًا عُنُقًا، والكَلامُ يَأْخُذُ بَعْضُهُ بِأعْناقِ بَعْضٍ، ثُمَّ قالَ: يُفْهَمُ مِن تَقابُلِ (رُسُلًا رُسُلًا) لِقَوْلِهِ: (عُنُقًا عُنُقًا) أنَّ في إطْلاقِ الأعْناقِ عَلى الجَماعاتِ اعْتِبارُ الهَيْئَةِ المُجْتَمِعَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: فَظَلُّوا خاضِعِينَ، مُجْتَمِعِينَ عَلى الخُضُوعِ، مُتَّفِقِينَ عَلَيْهِ، لا يَخْرُجُ أحَدٌ مِنهم عَنْهُ.

وقَرَأ عِيسى وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «خاضِعَةً» وهي ظاهِرَةٌ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ في الأعْناقِ بَيْدَ أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِها ما هو جَمْعُ العُنُقِ بِمَعْنى الجارِحَةِ كانَ الإسْنادُ إلَيْها مَجازِيًّا ولَها في القِراءَتَيْنِ صِلَةُ ظَلَّتْ، أوِ الوَصْفِ والتَّقْدِيمُ لِلْفاصِلَةِ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ لا لِلْحَصْرِ، و(ظَلَّتْ) عَطْفٌ عَلى (نُنَزِّلْ) ولا بُدَّ مِن تَأْوِيلِ أحَدِ الفِعْلَيْنِ بِما هو مِن نَوْعِ الآخَرِ؛ لِأنَّهُ - وإنْ صَحَّ عَطْفُ الماضِي عَلى المُضارِعِ - إلّا أنَّهُ هُنا غَيْرُ مُناسِبٍ، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ بِالفاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ أوِ السَّبَبِيَّةِ، ولا يُعْقَلُ ذَلِكَ والمَعْقُولُ عَكْسُهُ، وبِتَأْوِيلِ أحَدِ الفِعْلَيْنِ يُدْفَعُ ذَلِكَ، لَكِنِ اخْتارَ بَعْضُهم تَأْوِيلَ (ظَلَّتْ) بِـ(تَظَلُّ) وكَأنَّ العُدُولَ عَنْهُ لِيُؤْذِنَ الماضِي بِسُرْعَةِ الِانْفِعالِ، وأنَّ نُزُولَ الآيَةِ - لِقُوَّةِ سُلْطانِهِ وسُرْعَةِ تَرَتُّبِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ - كَأنَّهُ كانَ واقِعًا قَبْلَهُ، وبَعْضُهم تَأْوِيلَ (نُنَزِّلْ) بِـ(أنْزَلْنا) ولَعَلَّ وضْعَهُ مَوْضِعَهُ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ إنْزالِ تِلْكَ الآيَةِ العَظِيمَةِ المُلْجِئَةِ إلى الإيمانِ، وحُصُولُ خُضُوعِ رِقابِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ في ذِهْنِ السّامِعِ لِيَتَعَجَّبَ مِنهُ، فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ طَلْحَةُ «فَتَظَلْ» بِفَكِّ الإدْغامِ والجَزْمِ، وضَعَّفَ الحَرِيرِيُّ في دُرَّةِ الغَوّاصِ الفَكَّ في مِثْلِ ذَلِكَ، ورَجَّحَ صاحِبُ الكَشْفِ القِراءَةَ بِأنَّها أبْلَغُ لِإفادَةِ الماضِي ما سَمِعْتَهُ آنِفًا.

هَذا، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ إنْزالُ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى تَكْلِيفُ النّاسِ بِالإيمانِ مِن دُونِ إلْجاءٍ، نَعَمْ، إذا قِيلَ: المُرادُ: آيَةٌ مُذِلَّةٌ لَهم - كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ - جازَ أنْ يُقالَ بِتَحَقُّقٍ ذَلِكَ، ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - كَما في البَحْرِ والكَشّافِ - مِن قَوْلِهِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا وفي بَنِي أُمَيَّةَ، سَتَكُونُ لَنا عَلَيْهِمُ الدَّوْلَةُ فَتَذِلُّ أعْناقُهم بَعْدَ صُعُوبَةٍ، ويَلْحَقُهم هَوانٌ بَعْدَ عِزَّةٍ ناظِرٌ إلى هَذا، وعَنْ أبِي حَمْزَةَ الثُّمالِيِّ أنَّ الآيَةَ صَوْتٌ يُسْمَعُ مِنَ السَّماءِ في نِصْفِ شَهْرِ رَمَضانَ، وتُخْرَجُ لَهُ العَواتِقُ مِنَ البُيُوتِ، وهَذا قَوْلٌ بِتَحَقُّقِ الإنْزالِ بَعْدُ، وكَأنَّ ذَلِكَ زَمانَ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ومِن صِحَّةِ ما ذُكِرَ مِنَ الأخْبارِ في القَلْبِ شَيْءٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

كلّها مكية إلا آيات في آخرها وهي مائتان وسبع وعشرون آية قول الله سبحانه وتعالى: طسم قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: بإمالة الطاء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالتفخيم، وهما لغتان معروفتان عند العرب، ويجوز كلاهما.

وقرأ نافع بين ذلك، وقرأ حمزة بإظهار النون، والباقون بالإدغام لتقارب مخرجهما.

ومن لم يدغم أراد التبيين، وكلاهما جائز.

وأما التفسير، فروى معمر عن قتادة أنه قال: «اسم من أسماء القرآن.» (١) (٢)  .

وقال بعضهم: عجزت العلماء عن تفسيرها.

ويقال: هو قسم أقسم الله تعالى به.

تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني: هذه آيات الكتاب.

ويقال: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ التي كنت وعدت في التوراة أن أنزلها على محمد  الْكِتابِ الْمُبِينِ يعني: القرآن يبين لكم الحق من الباطل لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ يعني: مهلك نفسك.

ويقال: قاتل نفسك بالحزن أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ يعني: إذا لم يصدقوا بالقرآن، وذلك حين كذبه أهل مكة شقّ ذلك عليه وحزن بذلك، فقال له: ليس عليك سوى التبليغ، ولا تقتل نفسك إن لم يؤمنوا.

ثم قال عز وجل: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً يعني: علامة فَظَلَّتْ يعني: فصارت أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ يعني: وننزل عليهم آية تضطرهم إلى أن يؤمنوا، ولكنه لم يفعل، لأنه لو فعل ذلك لذهبت المحنة، فلم يستوجبوا الثواب إذا آمنوا بعد معاينة العذاب، كمن آمن يوم القيامة لا ينفعه إيمانه، لأنه قد ظهر له بالمعاينة.

ويقال: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ يعني: ساداتهم وكبراؤهم للآية خاضِعِينَ، والأعناق: الكبراء، فإن قيل: جمع الأعناق مؤنث.

وقال: خاضعين، ولم يقل: خاضعات؟

قيل له: لأن الكلام انصرف إلى المعنى، فكأنه قال: هم لها خاضعون.

قوله تعالى: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ وقد ذكرناه إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ يعني: مكذبين معرضين عن الإيمان به فَقَدْ كَذَّبُوا يعني: كذبوا بالقرآن، كما قال في آية أُخرى: فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ [الأنعام: 5] .

ثمّ قال: فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا يعني: أخبار مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني: يوم القيامة.

ويقال: قد جاءهم بعض ذلك في الدنيا، وهو القتل والقهر والغلبة.

(١) عزاه السيوطي 6/ 288 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٢) عزاه السيوطي: 6/ 288 إلى ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى التقدير: واذكر إذ نادى ربك موسى، وسَوْقُ هذه القصة تمثيل لكفار قريش في تكذيبهم النبيَّ صلى الله عليه وسلّم.

وقوله: فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ معناه: يعينني وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ يعني قَتْلَهُ القِبْطِيَّ.

وقوله تعالى: كَلَّا رَدٌّ لقوله: إِنِّي أَخافُ أي: لا تخف ذلك، وقول فرعون لموسى: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً هو على جهة المَنِّ عليه والاحتقار، أي: رَبَّيْنَاكَ صغيراً، ولم نقتلك في جملة مَنْ قَتَلْنَا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ: فمتى كان هذا الذي تدَّعِيْهِ، ثم قرره على قتل القبطي بقوله: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ والفَعْلَةُ- بفتح الفاء-: المَرَّةُ، وقوله: وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ يريد: وقتلت القبطيَّ وأنت في قتلك إياه من الكافرين إذ هو نَفْسٌ لا يحلُّ قتلها قاله الضَّحَّاكُ «١» ، أو يريد: وأنت من الكافرين بنعمتي في قتلك إياه قاله ابن زيد «٢» ويحتمل أن يريد: وأنت الآن من الكافرين بنعمتي، وكان بين خروج موسى عليه السلام حين قتل القبطي وبين رجوعه نَبِيّاً إلى فرعون- أَحَدَ عَشَرَ عاماً غيرَ أشهرٍ.

وقوله: قالَ فَعَلْتُها إِذاً: من كلام موسى عليه السلام والضميرُ في قوله:

فَعَلْتُها لِقَتْلَةِ القِبْطِيِّ.

وقوله: وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ قال ابن زيد: معناه: من الجاهلين بأنَّ وكزتي إياه تأتي على نفسه «٣» ، وقال أبو عبيدةَ: معناه: من الناسين، ونزع بقوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [البقرة: ٢٨٢] ، وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس «٤» : «وأَنَا مِنَ الجَاهِلِينَ» ، ويشبه أن تكون هذه القراءة على جهة التفسير، وحُكْماً يريد: النبوّة وحكمتها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الشُّعَراءِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ  ﴾ إلى آخِرِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طسم ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " طسم " بِفَتْحِ الطّاءِ وإدْغامِ النُّونِ مِن هِجاءِ " سِين " عِنْدَ المِيمِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وأبانُ، والمُفَضَّلُ: " طسم " و " طس " [النَّمْلِ] بِإمالَةِ الطّاءِ فِيهِما.

وَأظْهَرَ النُّونَ مِن هِجاءِ " سِين " عِنْدَ المِيمِ حَمْزَةُ هاهُنا وفي (القَصَصِ) .

وَفِي مَعْنى " طسم " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها حُرُوفٌ مِن كَلِماتٍ، ثُمَّ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: [ما] رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ طسم ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " الطّاءُ: طُورُ سَيْناءَ، والسِّينُ: الإسْكَنْدَرِيَّةُ، والمِيمُ: مَكَّةُ "» .

والثّانِي: [أنَّ] الطّاءَ: طَيْبَةُ، وسِينَ: بَيْتُ المَقْدِسِ، ومِيمَ: مَكَّةُ، [رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ] .

والثّالِثُ: الطّاءُ: شَجَرَةُ طُوبى، والسِّينُ: سِدْرَةُ المُنْتَهى، والمِيمُ: مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ.

والثّانِي: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ بَيَّنّا كَيْفَ يَكُونُ مِثْلُ هَذا مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى في فاتِحَةِ مَرْيَمَ.

وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطُولِهِ وسَنائِهِ ومُلْكِهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو رَوْقٍ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [المائِدَةِ: ١٥، الكَهْفِ: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ والمَعْنى: لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ ما يَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ لَفَعَلَ، فَقالَ: ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " إنْ يَشَأْ يُنَزِّلْ " بِالياءِ فِيهِما، ﴿ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ جَعَلَ الفِعْلَ أوَّلًا لِلْأعْناقِ، ثُمَّ جَعَلَ ﴿ خاضِعِينَ ﴾ لِلرِّجالِ، لِأنَّ الأعْناقَ إذا خَضَعَتْ فَأرْبابُها خاضِعُونَ.

وقِيلَ: لَمّا وصَفَ الأعْناقَ بِالخُضُوعِ، وهو مِن صِفات بَنِي آدَمَ، أخْرَجَ الفِعْلَ مَخْرَجَ الآدَمِيِّينَ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿ والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ  ﴾ ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ فَظَلَّتْ ﴾ مَعْناهُ: فَتَظَلُّ، لِأنَّ الجَزاءَ يَقَعُ فِيهِ لَفْظُ الماضِي في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِكَ: إنْ تَأْتِنِي أكْرَمْتُكَ، مَعْناهُ: أُكْرِمْكَ؛ وإنَّما قالَ: ﴿ خاضِعِينَ ﴾ لِأنَّ خُضُوعَ الأعْناقِ هو خُضُوعُ أصْحابِها، وذَلِكَ أنَّ الخُضُوعَ لَمّا لَمْ يَكُنْ إلّا بِخُضُوعِ الأعْناقِ، جازَ أنْ يُخْبِرَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: رَأتْ مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ فَلَمّا كانَتِ السُّنُونَ لا تَكُونُ إلّا بِمَرٍّ، أخْبَرَ عَنِ السِّنِينَ، وإنْ كانَ أضافَ إلَيْها المُرُورَ.

قالَ: وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يَعْنِي بِالأعْناقِ كُبَراءَهم ورُؤَساءَهم.

وجاءَ في اللُّغَةِ أنَّ أعْناقَهم جَماعاتُهم؛ يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ، أيْ: جَماعَةٌ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الأنْبِياءِ: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ ﴾ يَعْنِي المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ ﴿ كَمْ أنْبَتْنا فِيها ﴾ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فِيها نَباتٌ ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن كُلِّ جِنْسٍ حَسَنٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الزَّوْجُ: النَّوْعُ، والكَرِيمُ: المَحْمُودُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ الإنْباتِ ﴿ لآيَةً ﴾ تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ﴿ وَما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُهم يُؤْمِنُ في عِلْمِ اللَّهِ، ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ ﴾ المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ بِأوْلِيائِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الشُعَراءِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، قالَهُ جُمْهُورُ الناسِ، وقالَ مُقاتِلٌ: مِنها مَدَّنِيٌّ الآيَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها الشُعَراءُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ  ﴾ .

قوله عزّ وجلّ: ﴿ طسم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن الرَحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كانُوا عنهُ مُعْرِضِينَ ﴾ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ في أوائِلِ السُورِ مُسْتَوْعَبًا.

و "تِلْكَ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وهو وخَبَرُهُ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ عن "طسم" في بَعْضِ التَأْوِيلاتِ.

والإشارَةُ بـ "تِلْكَ" هي بِحَسْبِ الخِلافِ في "طسم"، وعَلى بَعْضِ الأقْوالِ تَكُونُ "تِلْكَ" إشارَةً إلى حاضِرٍ، و "ذَلِكَ" إلى مَوْجُودٍ، كَما أنَّ "هَذِهِ" قَدْ تَكُونُ الإشارَةُ بِها إلى غائِبٍ مَعْهُودٍ كَأنَّهُ حاضِرٌ.

و ﴿ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ القُرْآنُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "طسم" بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها وبِإدْغامِ النُونِ مِن "سِينْ" في المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وَحْدَهُ بِإظْهارِها، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، ورَوى يَعْقُوبُ عن أبِي جَعْفَرٍ ونافِعٍ قَطْعَ كُلِّ حَرْفٍ مِنها عَلى حِدَةٍ، قالَ أبُو حاتِمُ: الِاخْتِيارُ فَتْحُ الطاءِ وإدْغامُ آخِرَ "سِينْ" في أوَّلِ "مِيمْ" فَتَصِيرُ المِيمُ مُتَّصِلَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكَ ﴾ الآيَةُ، تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ  عَمّا كانَ فِيهِ مِنَ القَلَقِ والحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ، فَكانَ مِن شَغْلِ البالِ في حَيِّزِ الخَوْفِ عَلى نَفْسِهِ.

و "الباخِعُ" القاتِلُ نَفْسَهُ والمُهْلِكُ لَها بالهَمِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والناسُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عن يَدَيْهِ المَقادِرُ وخُوطِبَ بِـ "لَعَلَّ" عَلى ما في نَفْسِ البَشَرِ مِن تَوَقُّعِ الهَلاكِ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ.

ومَعْنى الآيَةِ: ألّا تَهْتَمَّ يا مُحَمَّدُ بِهِمْ، وبَلِّغْ رِسالَتَكَ، وما عَلَيْكَ مِن إيمانِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ بِيَدِ اللهِ تَعالى لَوْ شاءَ لَآمَنُوا، وقَوْلُهُ: "ألّا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ نَشَأْ ﴾ شَرْطٌ، وما في الشَرْطِ مِنَ الإبْهامِ هو - في هَذِهِ الآيَةِ - في حَيِّزِنا، وأمّا اللهُ تَعالى فَقَدْ عَلِمْ أنَّهُ لا يُنَزِّلُ عَلَيْهِمْ آيَةَ اضْطِرارٍ، وإنَّما جَعَلَ اللهُ تَعالى آياتِ الأنْبِياءِ والآياتِ الدالَّةِ عَلَيْهِ مُعَرَّضَةً لِلنَّظَرِ والفِكْرِ لِيَهْتَدِيَ مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ هُداهُ، ويَضِلَّ مَن سَبَقَ ضَلالُهُ، ولِيَكُونَ لِلنَّظْرَةِ تَكَسُّبٌ بِهِ يَتَعَلَّقُ الثَوابُ والعِقابُ، وآيَةُ الِاضْطِرارِ تَدْفَعُ جَمِيعَ هَذا أنْ لَوْ كانَتْ.

وقَرَأ: "نُنَزِّلْ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الزايِ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، والأعْرَجُ، وعاصِمْ، والحَسَنُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ البَصْرَةِ بِسُكُونِ النُونِ وتَخْفِيفِ الزايِ.

ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو "يَشَأْ يُنَزِّلْ" بِالياءِ فِيهِما.

والخُضُوعُ لِلدَّلالَةِ في الآيَةِ المُنَزَّلَةِ كانَ يَتَرَتَّبُ بِأحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا بِخَوْفِ هَلاكٍ في مُخالَفَةِ الأمْرِ المُقْتَرِنِ بِها كَنَتْقِ الجَبَلِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ يَقَعُ الإذْعانُ لَها وانْقِيادُ النُفُوسِ، وكُلُّ هَذَيْنِ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَبِيٌّ، ووَجْهُ ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ، وهو تَوْجِيهٌ مَنصُوصٌ لِلْعُلَماءِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَتَظَلُّ أعْناقُهُمْ"، وهو المُرادُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وجَعْلُ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ إشارَةٌ إلى تَقْوِيَةِ وُقُوعِ الفِعْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْناقُهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، والأخْفَشِ أنْ يُرِيدَ: جَماعاتِهُمْ، يُقالُ: جاءَ في عُنُقٍ مِنَ الناسِ، أيْ جَماعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أنَّ العِراقَ وأهْلَهُ ∗∗∗ عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتا وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ أبِي مِحْجَنٍ: ..................

∗∗∗ وأكْتُمُ السِرَّ فِيهِ ضَرْبَةُ العُنُقِ ولِهَذا قِيلَ: "عُنُقُ رَقَبَةٍ"، ولَمْ يُقَلْ: "عُنُقُ عُنُقٍ" فِرارًا مِنَ الِاشْتِراكِ، قالَهُ الزَهْراوِيُّ.

والتَأْوِيلُ الآخَرُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الأعْناقِ" الجارِحَةَ المَعْلُومَةَ، وذَلِكَ أنَّ خُضُوعَ العُنُقِ والرَقَبَةِ هو عَلامَةُ الذِلَّةِ والِانْقِيادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإذا الرِجالُ رَأوا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِقابِ نَواكِسَ الأبْصارِ فَمَعْنى هَذا التَأْوِيلِ نَتَكَلَّمُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ خاضِعِينَ ﴾ ، كَيْفَ جَمَعَهُ جَمْعَ مَن يَعْقِلُ؟

وذَلِكَ مُتَخَرِّجٌ عَلى نَحْوَيْنِ مِن كَلامِ العَرَبِ: أحَدُهُما أنَّ الإضافَةَ إلى مَن يَعْقِلُ أفادَتْ حُكْمَهُ لِمَن لا يَعْقِلُ، كَما تُفِيدُ الإضافَةُ إلى المُؤَنَّثِ تَأْنِيثَ عَلامَةِ المُذَكَّرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: .................

∗∗∗ كَما شَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَمِ وهَذا كَثِيرٌ.

والنَحْوُ الآخَرُ أنْ تَكُونَ "الأعْناقُ" لَمّا وُصِفَتْ بِفِعْلٍ لا يَكُونُ إلّا مَقْصُودًا لِلْبَشَرِ وهو الخُضُوعُ -؛ إذْ هو فِعْلٌ يَتْبَعُ أمْرًا في النَفْسِ جُمِعَتْ فِيهِ جَمْعَ مَن يَعْقِلُ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتَيْنا طائِعِينَ  ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ  ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لَها خاضِعَةٌ".

ثُمْ عَنَّفَ الكُفّارَ، ونَبَّهَ عَلى سُوءِ فِعْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ يُرِيدُ: مُحْدَثَ الإتْيانِ، أيْ: مَجِيءُ القُرْآنِ لِلْبَشَرِ كانَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الذِكْرِ" مُحَمَّدًا  ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ قَدْ أنْزَلَ اللهُ إلَيْكم ذِكْرًا  ﴾ ﴿ رَسُولا  ﴾ ، فَيَكُونُ وصْفُهُ بِالمُحْدَثِ مُتَمَكِّنًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أفْصَحُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ ﴾ الآيَةُ وعِيدٌ بِعَذابِ الدُنْيا، والآخِرَةِ، ويُقَوِّي أنَّهُ وعِيدٌ بِعَذابِ الدُنْيا؛ أنَّ ذَلِكَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ، كَبَدْرٍ وغَيْرِها.

ولَمّا كانَ إعْراضُهم عَنِ النَظَرِ في الصانِعِ والإلَهِ أعْظَمَ كُفْرِهِمْ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الأصْنامَ آلِهَةً، ويُعْرِضُونَ عَنِ الذِكْرِ في ذَلِكَ، نَبِّهْ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ الخالِقُ المُنْشِئُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ ﴾ الآيَةُ.

و "الزَوْجُ": النَوْعُ والصِنْفُ، و "الكَرِيمُ": الحَسَنُ المُتْقَنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، ويُرادُ الأشْياءُ الَّتِي بِها قِوامُ الأُمُورِ والأغْذِيَةُ والنَباتاتُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الحَيَوانُ لِأنَّهُ عن إنْباتٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا  ﴾ .

قالَ الشَعْبِيُّ: الناسُ مِن نَباتِ الأرْضِ، فَمَن صارَ إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ بِضِدِّ ذَلِكَ فَهو لَئِيمٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ .

حُكْمٌ عَلى أكْثَرِهِمْ بِالكُفْرِ.

ثُمْ تَوَعَّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ ، يُرِيدُ: عَزَّ في نِقْمَتِهِ مِنَ الكُفّارِ ورَحِمْ مُؤْمِنِي كُلِّ أُمَّةٍ، وقالَ نَحْوَ هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، وفي لَفْظَةِ "الرَحِيمُ" وعْدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني ناشئ عن قوله: ﴿ أن لا يكونوا مؤمنين ﴾ [الشعراء: 3] لأن التسلية على عدم إيمانهم تثير في النفس سؤالاً عن إمهالهم دون عقوبة ليؤمنوا، كما قال موسى ﴿ ربّنا إنك آتيت فرعون وملأه زينةً وأموالاً في الحياة الدنيا ربّنا ليَضِلّوا عن سَبيلك ربّنا اطمِسْ على أموالهم واشدُدْ على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾ [يونس: 88]، فأجيب بأن الله قادر على ذلك، فهذا الاستئناف اعتراض بين الجملتين المعطوفة إحداهما على الأخرى.

ومفعول ﴿ نشأ ﴾ محذوف يدل عليه جواب الشرط على الطريقة الغالبة في حذف مفعول فعل المشيئة.

والتقدير: إن نشأ تنزيلَ آية ملجئة ننزلها.

وجيء بحرف ﴿ إنْ ﴾ الذي الغالب فيه أن يشعر بعدم الجزم بوقوع الشرط للإشعار بأن ذلك لا يشاؤه الله لحكمة اقتضت أن لا يشاءه.

ومعنى انتفاء هذه المشيئة أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يحصل الإيمان عن نظر واختيار لأن ذلك أجدى لانتشار سمعة الإسلام في مبدإ ظهوره.

فالمراد بالآية العلامة التي تدل على تهديدهم بالإهلاك تهديداً محسوساً بأن تظهر لهم بوارق تنذر باقتراب عذاب.

وهذا من معنى قوله تعالى: ﴿ وإن كان كَبُر عليك إعراضُهم فإن استطعتَ أن تَبْتَغِيَ نَفَقاً في الأرض أو سُلّماً في السماء فتأتيهم بآية ﴾ [الأنعام: 35]، وليس المراد آيات القرآن وذلك أنهم لم يقتنعوا بآيات القرآن.

وجعل تنزيل الآية من السماء حينئذ أوضح وأشدّ تخويفاً لقلّة العهد بأمثالها ولتوقع كل من تحت السماء أن تصيبه.

فإن قلت: لماذا لم يُرِهِمْ آية كما أُرِي بنو إسرائيل نَتْقَ الجبل فوقهم كأنه ظُلَّةٌ؟

قلت: كان بنو إسرائيل مؤمنين بموسى وما جاء به فلم يكن إظهار الآيات لهم لإلجائهم على الإيمان ولكنه كان لزيادة تثبيتهم كما قال إبراهيم ﴿ أرني كيف تحيي الموتى ﴾ [البقرة: 260].

وفرّع على تنزيل الآية ما هو في معنى الصفة لها وهو جملة ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ بفاء التعقيب.

وعطف ﴿ فظلت ﴾ وهو ماض على المضارع قوله: ﴿ ننزل ﴾ لأن المعطوف عليه جواب شرط، فللمعطوف حكم جواب الشرط فاستوى فيه صيغة المضارع وصيغة الماضي لأن أداة الشرط تخلص الماضي للاستقبال؛ ألا ترى أنه لو قيل: إن شئنا نزّلنا أو إن نَشأ نَزَّلنا، لكان سواء إذ التحقيق أنه لا مانع من اختلاف فعلي الشرط والجزاء بالمضارَعيَّة والماضوية، على أن المعطوفات يتّسع فيها ما لا يُتّسع في المعطوف عليها لقاعدة: أن يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، كما في القاعدة الثامنة من الباب الثامن من «مغني اللبيب»، غير أن هذا الاختلاف بين الفعلين لا يخلو من خصوصية في كلام البليغ وخاصة في الكلام المعجز، وهي هنا أمران: التفنّن بين الصيغتين، وتقريبُ زَمن مضي المعقب بالفاء من زمن حصول الجزاء بحيث يكون حصول خضوعهم للآية بمنزلة حصول تنزيلها فيتمّ ذلك سريعاً حتى يخيّل لهم من سُرعة حصوله أنه أمر مضى فلذلك قال: ﴿ فظلت ﴾ ولم يقل: فتظل.

وهذا قريب من استعمال الماضي في قوله تعالى: ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ [النحل: 1] وكلاهما للتهديد، ونظيره لقصد التشويق: قد قامت الصلاة.

والخضوع: التطامن والتواضع.

ويستعمل في الانقياد مجازاً لأن الانقياد من أسباب الخضوع.

وإسناد الخضوع إلى الأعناق مجاز عقلي، وفيه تمثيل لحال المنقادين الخائفين الأذلّة بحال الخاضعين الذين يتّقون أن تصيبهم قاصمة على رؤوسهم فهم يطأطئون رؤوسهم وينحنون اتقاء المصيبة النازلة بهم.

والأعناق: جمع عُنُق بضمتين وقد تسكن النون وهو الرقبة، وهو مؤنث.

وقيل: المضموم النون مؤنث، والساكن النون مذكر.

ولما كانت الأعناق هي مظهر الخضوع أُسند الخضوع إليها وهو في الحقيقة مما يسند إلى أصحابها ومنه قوله تعالى: ﴿ وخَشَعَت الأصواتُ للرحمن ﴾ [طه: 108] أي أهل الأصوات بأصواتهم كقول الأعشى: (كذلكَ فافعَلْ ما حييتَ إذَا شتوا) *** وأقْدم إذا ما أعينُ الناس تَفْرَق فأسند الفَرق إلى العيون على سبيل المجاز العقلي لأن الأعين سبب الفرق عند رؤية الأشياء المخيفة.

ومنه قوله تعالى: ﴿ سحَرُوا أعينَ الناس ﴾ [الأعراف: 116] وإنما سحَروا الناس سحراً ناشئاً عن رؤية شعوذة السحر بأعينهم، مع ما يزيد به قوله: «ظلت أعناقهم لها خاضعين» من الإشارة إلى تمثيل حالهم، ومقتضى الظاهر فظلوا لها خاضعين بأعناقهم.

وفي إجراء ضمير العقلاء في قوله: ﴿ خاضعين ﴾ على الأعناق تجريد للمجاز العقلي في إسناد ﴿ خاضعين إلى أعناقهم ﴾ لأن مقتضى الجري على وتيرة المجاز أن يقال لها: خاضعة، وذلك خضوع من توقع لحاق العذاب النازل.

وعن مجاهد: أن الأعناق هنا جمع عُنُق بضمتين يطلق على سيد القوم ورئيسهم كما يطلق عليه رأس القوم وصدر القوم، أي فظلت سادتهم، يعني الذين أغرَوْهم بالكفر خاضعين، فيكون الكلام تهديداً لزعمائهم الذين زيَّنوا لهم الاستمرار على الكفر، وهو تفسير ضعيف.

وعن ابن زيد والأخفش: الأعناق الجماعات واحدها عُنُق بضمتين جماعة الناس، أي فظلّوا خاضعين جماعات جماعات، وهذا أضعف من سابقه.

ومن بدع التفاسير وركيكها ما نسبه الثعلبي إلى ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوانٌ بعد عِزّة، وهذا من تحريف كلم القرآن عن مواضعه ونحاشي ابن عباس رضي الله عنه أن يقوله وهو الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يُعلّمه التأويل.

وهذا من موضوعات دعاة المُسَوِّدة مثل أبي مسلم الخراساني وكم لهم في الموضوعات من اختلاق، والقرآن أجلّ من أن يتعرض لهذه السفاسف.

وقرأ الجمهور: ﴿ ننزّل ﴾ بالتشديد في الزاي وفتح النون الثانية.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بضم النون الثانية وتخفيف الزاي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الشُّعَراءِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ  ﴾ إلى آخِرِها.

قَوْلُهُ ﴿ طسم ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ الفَواتِحِ الَّتِي افْتَتَحَ اللَّهُ بِها كِتابَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: أنَّها حُرُوفُ هِجاءٍ مُقَطَّعَةٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ: أمّا الطّاءُ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّها مِنَ الطُّولِ.

الثّانِي: أنَّها مِنَ الطّاهِرِ.

وَأمّا السِّينُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِنَ القُدُّوسِ.

الثّانِي: أنَّها مِنَ السَّمِيعِ.

الثّالِثُ: مِنَ السَّلامِ.

وَأمّا المِيمُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِنَ المَجِيدِ.

الثّانِي: مِنَ الرَّحِيمِ.

الثّالِثُ: مِنَ المَلِكِ.

وَلِأصْحابِ الخَواطِرِ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاءَ شَجَرَةُ طُوبى، والسِّينَ سِدْرَةُ المُنْتَهى، والمِيمَ مُحَمَّدٌ المُصْطَفى  .

الثّانِي: أنَّ الطّاءَ طَرَبُ التّائِبِينَ، والسِّينَ سَتْرُ اللَّهِ عَلى المُذْنِبِينَ، والمِيمَ مَعْرِفَتُهُ بِالغاوِينَ، وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ ﴿ الم ﴾ مِن زِيادَةِ التَّأْوِيلاتِ ما يُجْزِئُ تَخْرِيجُهُ قَبْلَ هَذا المَوْضِعِ.

قَوْلُهُ: ﴿ باخِعٌ نَفْسَكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قاتِلٌ نَفْسَكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والبَخْعُ القَتْلُ، قالَهُ ذُو الرُّمَّةِ: ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقادِرُ الثّانِي: مُحْرِجٌ نَفْسَكَ، قالَهُ عَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: ما عَظُمَ مِنَ الأُمُورِ القاهِرَةِ.

الثّانِي: ما ظَهَرَ مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ.

﴿ فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَلْوِي أحَدٌ مِنهم عُنُقَهُ إلى مَعْصِيَةٍ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أصْحابَ الأعْناقِ فَحَذَفَهُ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّ الأعْناقَ الرُّؤَساءُ، ذَكَرَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، وقالَهُ قُطْرُبٌ.

الرّابِعُ: أنَّ العُنُقَ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، مِن قَوْلِهِمْ: أتانِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ جَماعَةٌ، ورَأيْتُ النّاسَ عُنُقًا إلى فُلانٍ، ذَكَرَهُ النَّقّاشُ.

قَوْلُهُ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أيْ نَوْعٍ مَعَهُ قَرِينَةٌ مِن أبْيَضَ وأحْمَرَ، وحُلْوٍ وحامِضٍ.

أحَدُها: حَسَنٌ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ النّافِعُ المَحْمُودُ كَما أنَّ الكَرِيمَ مِنَ النّاسِ هو النّافِعُ المَحْمُودُ.

الرّابِعُ: هُمُ النّاسُ نَباتُ الأرْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا  ﴾ فَمَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَهو كَرِيمٌ، ومَن دَخَلَ النّارَ فَهو لَئِيمٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لعلك باخع نفسك ﴾ قال: لعلك قاتل نفسك ﴿ ألا يكونوا مؤمنين ﴾ ، ﴿ إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ قال: لو شاء الله أنزل عليهم آية يذلون بها فلا يلوي أحدهم عنقه إلى معصية الله ﴿ وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث...

﴾ يقول: ما يأتيهم من شيء من كتاب الله إلا أعرضوا عنه، ﴿ فسيأتيهم ﴾ يعني يوم القيامة ﴿ أنباء ﴾ ما استهزأوا به من كتاب الله وفي قوله: ﴿ كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ﴾ قال: حسن.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ قال: العنق الجماعة من الناس قال: وهل تعرف العربُ ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الحرث بن هشام وهو يقول ويذكر أبا جهل: يخبرنا المخبر أن عمراً ** أمام القوم من عنق مخيل وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ قال: ذليلين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: الخاضع: الذليل.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ﴾ قال: من نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي ﴿ كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ﴾ قال: الناس من نبات الأرض.

فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: كل شيء في الشعراء من قوله: ﴿ عزيز رحيم ﴾ فهو ما هلك ممن مضى من الأمم يقول ﴿ عزيز ﴾ حين انتقم من أعدائه ﴿ رحيم ﴾ بالمؤمنين حين أنجاهم مما أهلك به أعداءه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ قال ابن جريج: ولو شاء لأراهم أمرا من أمره لا يعمل أحد منهم بعده معصية (١) (٢) قال أبو إسحاق: قوله ﴿ فَظَلَّتْ ﴾ معناه: فتظل، والجزاء يقع فيه لفظ الماضي بمعنى المستقبل، تقول: إن أتيتني أكرمتك، معناه: أكرمك (٣) وهذا الذي ذكره (٤) ﴿ إن ﴾ تعطف على مجزوم الجزاء بفَعَل؛ لأن الجزاء يصلح في موضع يفعَل فعل (٥) ﴿ فَظَلَّتْ ﴾ مردودة على يفعل، وأنشد: إن يسمعوا ريبةً طاروا بها فرَحًا (٦) بمعنى: يطيروا.

قال أبو علي فيما أصلح على أبي إسحاق: اعلم أن الجزاء يكون على ثلاثة أضرب: يكون بالفعل وبالفاء وبإذا، فإذا كان بالفعل جاز أن يقع الماضي موضع المستقبل في الجزاء كما جاز أن يقع موقعه في الشرط؛ لأن الحرف يقلب المعنى إلى الاستقبال كما تفعل ذلك لم، في النفي، ولا، في قولك: واللهِ لا فعلت، فتقول على هذا: إن أتيتني أتيتك، تريد إن تأتني آتك، فتوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء، كما أوقعته في الشرط، وإن كان ذلك في الشرط أبين؛ لأن الحرف يخلص عمله في الفعل [الذي يلحق بشرط (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا  ﴾ وقوله: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا  ﴾ ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ  ﴾ وكان موضع الفاء مع ما بعدها من الجملة جزمًا بدلالة قوله: ﴿ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ  ﴾ بالجزم (١٥) إنك إن يُصرعْ أخوك تصرعُ (١٦) ونحوه على التقديم (١٧) ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ  ﴾ بان أن عمل إن منقطع عما بعد الفاء من هذه الأفعال لخروج الفعل الذي بعدها [أن يكون جزاء] (١٨) ﴿ فَظَلَّتْ ﴾ فتظل؛ لأن الجزاء يقع فيه لفظ الماضي موقع المستقبل (١٩) (٢٠) وقال أبو علي (٢١) ﴿ فَظَلَّتْ ﴾ جوابًا للشرط.

والفاء في ﴿ فَظَلَّتْ ﴾ ليس جوابًا للشرط؛ بل هي للعطف على جواب الشرط؛ لأن جواب الشرط قد تقدم في قوله: ﴿ نُنَزِّلْ ﴾ ثم عطف عليه بالماضي، وعاد الكلام إلى ما قاله الزجاج والفراء.

وقوله: ﴿ أَعْنَاقُهُمْ ﴾ كثير من المفسرين يجعلون الأعناق هاهنا جمع العنق التي هي العضو (٢٢) ﴿ خَاضِعِينَ ﴾ ولم يقل: خاضعة، كما قال: ﴿ فَظَلَّتْ ﴾ لأجل رؤوس الآي، وجاز ذلك؛ لأن المؤنث إذا أضيف إلى المذكر وكان بعضًا منه جاز تذكيره، وذلك أن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون، فتُرك الخبر عن الأعناق وأُخبر عن أربابها.

وهذا قول الأخفش، والفراء، والزجاج، والمبرد، وجميع النحويين؛ قالوا: يجوز أن يُترك المضاف وُيخبر عن المضاف إليه، فيكون كالخبر عن المضاف (٢٣) (٢٤) كأنه قال: تسفيها الرياح (٢٥) وقول آخر: لَمَا رأى مَتْنَ السماء انْقَدَّتِ (٢٦) كما شَرِقَتْ صدْرُ القَنَاةِ من الدَّم (٢٧) وقال جرير: رأت مَرَّ السنينَ أخذْنَ مِنِّي (٢٨) وأنشد أبو عبيدة: إذا بعضُ السنينَ تعرَّقتْنَا ...

كفى الأيتامَ فقدَ أبي اليتيمِ (٢٩) قال الفراء: جعل الفعل أولاً للأعناق، ثم جعل خاضعين للرجال (٣٠) وقال الأخفش: تجعل الخضوع مردودًا على المضمرة التي أضاف الأعناق إليها (٣١) وقال الزجاج: لما لم يكن الخضوع إلا بخضوع الأعناق جاز أن يخبر عن المضاف إليه (٣٢) وذهب مجاهد في تفسير الأعناق إلى أنها الرؤساء والكبراء (٣٣) (٣٤) ومن الناس من يفسر الأعناق بالجماعات وهو قول (٣٥) (٣٦) أنَّ العراق وأهله عنق ...

إليك فهيت هيتا (٣٧) أراد أنهم مالوا إليك جميعاً.

ويقال: هم عُنق واحد عليه، أي: جماعة (٣٨) وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي: العُنق: الجمع الكثير من الناس (٣٩) قال المبرد: وهذا قول أبي زيد في هذه الآية قال: أعناقهم: جماعاتهم (٤٠) وقال النضر: العنق: جماعة من الناس (٤١) وقال الأخطل: وإذا المئون تُؤوكِلتْ أعناقُها ...

فاحملْ هُناك على فتًى حمَّالِ (٤٢) قال ابن الأعرابي: أعناقها: جماعتها (٤٣) وقال غيره: ساداتها (٤٤) (٤٥) (١) أخرجه ابن جرير 19/ 59.

وذكره الثعلبي 8/ 107 أ.

(٢) أخرجه عبد الرزاق 2/ 73.

وعنه ابن جرير 19/ 59.

وابن أبي حاتم 8/ 2750.

وأخرج ابن جرير 19/ 59 عن ابن عباس: (ملقين أعناقهم).

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً  ﴾ .

قال ابن كثير 6/ 135: "فنفذ قدره، ومضت حكمته، وقامت حجته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم".

وذكر الثعلبي 8/ 107 أ، بإسناده من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قولاً غريباً في المراد بهذه الآية، قال: نزلت هذه الآية فينا، وفي بني أمية، قال: سيكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة، وهوان بعد عزة.

وقد تبع الثعلبي في سياق هذه الرواية دون تعليق عليها عدد من المفسرين، كالزمخشري 3/ 291، والطبرسي 7/ 289، والقرطبي 13/ 90، وقال بعد سياقها: فالله أعلم.

وأبو حيان 7/ 7، ولم يتعقبها.

وقد أحسن الواحدي في إعراضه عن ذكر هذه الرواية في تفاسيره الثلاثة، وإن كان الأولى أن يرد هذه الرواية، وينقضها، وممن أعرض عن ذكرها ابن كثير، والسيوطي، والشوكاني، وغيرهم، ولم أر من تعقب هذه الرواية غير ابن عاشور 19/ 97، حيث قال: (ومن بدع التفاسير وركيكها ما نسبه الثعلبي إلى ابن عباس، أنه قال: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة، ويلحقهم هوان بعد عزة.

وهذا من تحريف كلم القرآن عن مواضعه، ونحاشي ابن عباس -  - أن يقوله، وهو الذي دعا له رسول الله -  - بأن يعلمه التأويل والقرآن أجل من أن يتعرض لهذه السفاسف).

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 82.

(٤) في نسخة (أ)، (ب)، هنا تكرارة وهو: في معنى المستقبل، تقول: إن أتيتني أكرمتك، معناه: أكرمك.

(٥) في "معاني القرآن" للفراء 2/ 276، فعل يفعل.

(٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 276، ولفظ البيت عنده: إن يسمعوا سُبَّة طاروا بها فرحاً ...

مني وما يسمعوا من صالح دفنوا وأنشده أبو عبيدة، "مجاز القرآن" 2/ 7، وابن جني، "المحتسب" 1/ 206، ولم ينسباه، ونسبه في "حاشية المحتسب" لقعنب بن أم صاحب، واسمه: ضمرة، أحد بني عبد الله بن غطفان.

(٧) في كتاب أبي علي: الذي هو الشرط.

بدل: الذي يلحق بشرط.

(٨) ما بين المعقوفين، في نسخة (ج).

(٩) في نسخة (ب): (والفعل).

(١٠) في كتاب أبي علي: فينجزم بها كما انجزم بها الشرط.

(١١) في كتاب أبي علي، زيادة: فيه.

(١٢) في كتاب أبي علي زيادة وهي (وصف الجوهر، وبأن الموصولة بالفعل إلى مختص بالمصدر الآتي أو بالماضي).

(١٣) ما بين المعقوفين، غير موجود في كتاب أبي علي.

(١٤) في كتاب أبي علي: الجملة.

بدل: الآي.

(١٥) بالجزم قراءة حمزة والكسائي.

"السبعة في القراءات" 299، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 216، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 273.

(١٦) أنشده كاملاً سيبويه، "الكتاب" 3/ 67، ونسبه لجرير بن عبد الله البجلي، وصدره: يا أقرع بن حابس يا أقرع ثم قال سيبويه: أي: إنك تُصْرَعُ إن يُصْرَعْ أخوك.

وفي الحاشية: كان جرير البجلي تنافر هو وخالد بن أرطأة الكلبي إلى الأقرع بن حابس التميمي المجاشعي، وكان عالم العرب في زمانه فقال جرير هذا عند المنافرة.

وأنشده المبرد، "المقتضب" 2/ 72، ولم ينسبه، وفي الحاشية: استشهد به سيبويه على التقديم والتأخير، والتقدير عنده: إنك تُصرع إن يصرع أخوك.

(١٧) وقد استشهد به المبرد على ذلك، وذكر غيره "المقتضب" 2/ 72.

(١٨) ما بين المعقوفين، غير موجود في كتاب أبي علي.

(١٩) يوجد هنا تكرار في نسخة (أ)، قدره: سطر ونصف.

(٢٠) الجزء الثاني من كتاب "الإغفال" 218 ب، 219 أ، ب.

مع شيء يسير من الاختلاف.

(٢١) لعل الصواب: وقول أبي علي؛ لأن هذا نقد لكلام أبي علي.

(٢٢) "تفسير ابن جرير" 19/ 59، وقد أخرجه عن مجاهد، وقتادة.

(٢٣) "المقتضب" 4/ 199، وفيه: وأما ما عليه جماعة أهل النحو، وأكثر أهل التفسير، == فيما أعلم، فإنه أضاف الأعناق إليهم، يريد: الرقاب، ثم جعل الخبر عنهم؛ لأن خضوعهم بخضوع الأعناق.

و"معاني القرآن" للفراء 2/ 277، و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 644.

و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 83.

و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 82.

قال السمرقندي 2/ 470: "لأن الكلام انصرف إلى المعنى فكأنه قال: هم لها خاضعون.

وليس فيها: لأجل رؤوس الآي"، وقد ذكره الثعلبي 8/ 107 ب.

قال البغوي 6/ 106: وقيل: إنما قال: ﴿ خَاضِعِينَ ﴾ على وفاق رؤوس الآي، ليكون على نسق واحد.

ولم ينسبه.

وذكر هذا القول ابن عطية 11/ 90، فقال: الإضافة إلى من يعقل أفادت حكمه لمن لا يعقل، كما تفيد الإضافة إلى المؤنث تأنيث علامة المذكر.

(٢٤) البيت لذي الرمة، ديوانه 266، بلفظ: رويداً، بدل: مشين.

وأنشده سيبويه، "الكتاب" 1/ 52، ونسبه لذي الرمة، وفي الحاشية: جعل النساء في اهتزازهن حين يمشين بمنزلة الرماح تستخفها الريح فتزعزعها.

وأنشده المبرد، "المقتضب" 4/ 197، والزجاج، "معاني القرآن" 4/ 83، ولم ينسباه.

ولم أجد هذا البيت عند الفراء، ولا الأخفش، ولم أجده عند ابن جرير، ولا الثعلبي.

(٢٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 83، وفيه: تسفهتها الرياح.

(٢٦) أنشده الأخفش في "معاني القرآن" 2/ 644، ولم ينسبه.

وفي الحاشية: لم تفد المراجع شيئاً في القول والقائل؟.

ولم أجده عند الفراء.

ونسبه ابن جرير 19/ 60، للعجاج، وفيه: أبعدت، بدل: انقدت.

وفي الحاشية: لم أجد البيت في "ديوان العجاج"؟

والمتن الظهر، والشاهد في هذا الرجز أنه أنث الفعل: أبعدت، بالتاء، مع أن الضمير فيه راجع إلى المتن، وهو مذكر، لكن لما أضيف المتن إلى السماء وهي مؤنثة فكأن الشاعر أعاد الضمير على السماء وتناسى المتن، فأنث لذلك.

وأنشده الثعلبي 8/ 107 ب، منسوبًا للعجاج.

والبيت في ديوان العجاج ص 219، == بلفظ: إذا رأى متن السماء انقدت ...

وحيَ الإله والبلادَ رُجَّتِ (٢٧) أنشده كاملاً ونسبه للأعشى: سيبويه "الكتاب" 1/ 52، وأنشده المبرد، "المقتضب" 4/ 197، ولم ينسبه، وكذا الأخفش في "معاني القرآن" 2/ 644، وصدره: وتشرق بالقول الذي قد أذعتَه ولم أجده عند الفراء.

وأنشده ابن جرير 19/ 60، والثعلبي 8/ 107 ب.

ونسباه للأعشى.

وهو في ديوانه 183، من قصيدة له في هجاء عمير بن عبد الله بن المنذر.

وفي "حاشية ابن جرير": صدر القناة: أعلاها، والشاهد من البيت أنه أنث الفعل: شرق، بالتاء، مع أن فاعله وهو: صدر، مذكر ولكنه لما أضيف إلى القناة وهي مؤنثة فكأنه جعل الفعل للقناة لا لصدرها.

(٢٨) ديوان جرير 341، من قصيدة يهجو فيها الفرزدق، والبيت بتمامه: رأت مر السنين أخذن مني ...

كما أخذ السرار من الهلال والسرار: آخر الشهر.

وذكر صدره المبرد في "المقتضب" 4/ 200، ولم ينسبه.

وذكره كاملاً أبو عبيدة، في "مجاز القرآن" 2/ 83، وابن جرير 19/ 62، والثعلبي 8/ 107 ب، والطوسي 8/ 6، ونسبوه لجرير، وأنشده الزجاج، "معاني القرآن" 4/ 82، ولم ينسبه قال أبو عبيدة: (رجع إلى السنين، وترك: مرَّ).

(٢٩) أنشده سيبويه، "الكتاب" 1/ 52، ونسبه لجرير، وهو في ديوانه 412، من قصيدة له في مدح هشام بن عبد الملك، وفي حاشية "الكتاب": السنة: الجدب، == وتعرقتنا: ذهبت بأموالنا كما يتعرق الآكل العظم فيذهب ما عليه من اللحم.

وأنشده المبرد في "المقتضب" 4/ 198، ولم ينسبه، وفي حاشيته: استشهد به سيبويه على اكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه.

ولم أجده في "مجاز القرآن".

ولا في "تفسير الثعلبي".

(٣٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 277.

(٣١) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 644، بمعناه.

(٣٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 82.

قال ابن جرير 19/ 62: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، وأشبهها بما قال أهل التأويل في ذلك: أن تكون الأعناق هي أعناق الرجال، وأن يكون معنى الكلام: فظلت أعناقهم ذليلة، للآية التي ينزلها الله عليهم من السماء، وأن يكون قوله: ﴿ خَاضِعِينَ ﴾ مذكراً؛ لأنه خبر عن الهاء والميم في الأعناق).

(٣٣) ذكره عنه الفراء، في "معاني القرآن" 2/ 277، والثعلبي، في "تفسير الثعلبي" 8/ 108 أ.

ولم أجده في "تفسير مجاهد".

وذكره ابن جرير 19/ 59، ولم ينسبه، وأخرج بسنده عن مجاهد: (فظلوا خاضعة أعناقهم لها من الذلة).

(٣٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 277.

واختار هذا القول، هود الهواري، في "تفسيره" 3/ 221.

(٣٥) قول.

في نسخة (ج).

(٣٦) "تهذيب اللغة" 1/ 252 (عنق).

وذكره الفراء، في "معاني القرآن" 2/ 277، والأخفش 2/ 645.

والثعلبي 8/ 108 أ، وصدره بقوله: (وقيل: أراد بالأعناق الجماعات والطوائف من الناس).

أخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ قال: العنق الجماعة من الناس "الدر المنثور" 6/ 289، و"غريب القرآن" في شعر العرب 211.

(٣٧) قال أبو عبيدة: أنشدني أبو عمرو بن العلاء: أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا ...

أن العراق وأهله عنق إليك فهيت هيتا يريد: علي بن أبي طالب -  - "مجاز القرآن" 1/ 305.

وأنشده الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 252 (عنق)، ولم ينسبه، وكذا في "اللسان" 10/ 273.

وذكره الثعلبي 8/ 108 أ، وابن عطية 11/ 89، وأبو حيان 7/ 6، ولم ينسبوه.

(٣٨) "تهذيب اللغة" 1/ 252 (عنق).

(٣٩) "تهذيب اللغة" 1/ 253 (عنق)، بنصه.

(٤٠) "المقتضب" 4/ 199، ونسبه لأبي زيد الأنصاري.

(٤١) "تهذيب اللغة" 1/ 254 (عنق).

(٤٢) يمدح الأخطل في هذا البيت عكرمة الفياض، كاتب بشر بن مروان الذي كان قد أدى عنه حمالة حملها ليحقن دماء بني قومه، يقول: إذا ما قتل مئات القتلى، ولم تؤد دياتهم فعليك بعكرمة انقل إليه حاجتك يتكفل بها.

"شرح ديوان الأخطل" 250.

وأنشده الأزهري 1/ 254 (عنق)، منسوبًا للأخطل، وكذا في "اللسان" 10/ 273.

(٤٣) "تهذيب اللغة" 1/ 254 (عنق).

(٤٤) "تهذيب اللغة" 1/ 254 (عنق)، ولم يسمه.

(٤٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 277.

و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 83.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بَاخِعٌ ﴾ ذكر في الكهف ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ الأعناق جمع عنق وهي الجارحة المعروفة، وإنما جمع خاضعين جمع العقلاء؛ لأنه أضاف الأعناق إلى العقلاء، ولأنه وصفها بفعل لا يكون إلا من العقلاء، وقيل: الأعناق الرؤساء من الناس شبهوا بالأعناق كما يقال لهم: رؤوس وصدور، وقيل: هم الجماعات من الناس، فلا يحتاج جمع خاضعين إلى تأويل ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ يعني به محدث الإتيان ﴿ فَسَيَأْتِيهِمْ ﴾ الآية: تهديد ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أي من كل صنف من النبات فيعم ذلك الأقوات والفواكه والأدوية والمرعى، ووصفه بالكرم لما فيه من الحسن ومن المنافع ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ الإشارة إلى ما تقدّم من النبات، وإنما ذكره بلفظ الإفراد لأنه أراد أن في كل واحد آية أو إشارة إلى مصدر قوله: ﴿ أَنبَتْنَا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ طسم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد.

وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وقرأ حمزة ويزيد مظهرة النون عند الميم ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ ويضيق ولا ينطلق ﴾ بالنصب فيهما: يعقوب.

﴿ أرجه ﴾ مثل ما في "الأعراف" ﴿ أين لنا ﴾ بالمد وبالياء.

يزيد وأبو عمرو وزيد وقالون.

وقرأ ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد بهمزة ثم ياء، وعن قنبل ﴿ إن لنا ﴾ على الخبر.

الباقون بهمزتين.

هشام يدخل بينهما مدة.

﴿ آمنتم ﴾ بالمد: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ آمنتم ﴾ على الخير: حفص غير الخزاز.

الأخرون ﴿ أأمنتم ﴾ بهمزتين.

﴿ بعبادي إنكم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر ﴿ حاذرون ﴾ بالألف: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

الباقون بغير الألف ﴿ فاتبعوهم ﴾ بالتشديد: زيد عن يعقوب.

الباقون بقطع الهمزة وسكون التاء ﴿ تراءى الجمعان ﴾ بكسر الراء والهمزة في الوصل: حمزة ونصير وهبيرة في طريق الخزاز.

واختلفوا في الوقف؛ فعن الكسائي بكسر الراء والهمزة على وزن "تريعى" وفي رواية أخرى عنه "ترائى" اي ترائى، والمشهور عنه "ترأ" بكسر الراء وفتح الهمزة، وأما حمزة فإنه يقف "ترى" بترك الهمزة وكسر الراء ويمد ويشير إلى موضع الهمزة وهو المصدر.

وأما هبيرة فإنه يقف "تريا" بكسر الراء ويشير إلى فتح الهمزة.

الباقون يقفون "تراءى" على وزن "تراعى" ﴿ معي ربي ﴾ بفتح الياء: حفص.

الوقوف: ﴿ طسم ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خاضعين ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للابدال أو البيان تسجيلاً عليهم بالظلم ﴿ فرعون ﴾ ط للعدول عن الأمر إلى الاستفهام ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ ويضيق ﴾ بالرفع على الاستئناف ﴿ هرون ﴾ ط ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ قال كلا ﴾ لا للعطف معنى لا لفظاً ﴿ مستمعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط لأن جواب الشرط محذوف اي إن كنتم موقنين فلا تكذبوني ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ تستمعون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المسجونين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ بسحره ﴾ ق قد قيل: بناء على أن ما بعده قول الملأ لفرعون والجمع للتعظيم، والأصح أنه من تتمة قول فرعون.

﴿ تأمرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما يتلوه جواب.

﴿ عليم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجتمعون ﴾ لا لاتصال المعنى ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ لمن المقربين ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ ما يأفكون ﴾ ه للآية وللدلالة على إسراعهم في السجود ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وهرون ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ه للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ السحر ﴾ ط للفاء ولام الابتداء ﴿ فلسوف تعلمون ﴾ ه لتقدير القسم ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ لا ضير ﴾ ط توقية لحق "إن" وإلا فالأصل هو الوصل لأن ما بعده هو القول في الحقيقة كما في "الأعراف" ﴿ منقلبون ﴾ ه ج للآية مع اتحاد المقول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه للآية مع أن التقدير بأن هؤلاء ﴿ قليلون ﴾ ه ﴿ لغائظون ﴾ ه ﴿ حاذرون ﴾ ه ط لابتداء الخبر من الله ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ كذلك ﴾ ط أي كما وعدنا بني إسرائيل إيراثها ثم أخبر عن وقوع الموعود لبني إسرائيل ﴿ مشرقين ﴾ ه ﴿ لمدركون ﴾ ه ووجه الوصل الإسراع في تداركهم عن خوف الإدراك ﴿ كلا ﴾ ج لاحتمال أن يكون للردع وأن يكون بمعنى حقاً ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ ط لأجل الفاء الفصيحة أي فضرب فانفلق ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه الآية ط ﴿ مأمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه.

التفسير: قال جار الله: معنى طسم إن آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين وقد مر مثله في أول "يوسف".

والبخع الإهلاك وقد مر في اول "الكهف".

عزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا ينفع كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا ينفع.

ثم بين أنه قادر على تنزيل آية ملجئة إلى الإيمان ولكن المشيئة والحكمة تقتضيان بناء الأمر على صورة الاختبار.

قال صاحب الكشاف: وجه عطف ﴿ فظلت ﴾ على ﴿ ننزل ﴾ كما قيل في قوله ﴿ فَأَصَّدَّقَ وأكن  ﴾ كأنه قيل: أنزلنا فظلت.

وأقول: الظاهر أن الفاء في ﴿ فظلت ﴾ لسببية بدليل عدم المستتر فيه كما في ﴿ ننزل ﴾ .

ووجه العدول إلى الماضي كما قيل في ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ وجه مجيء ﴿ خاضعين ﴾ خبراً عن الأعناق إذ الأعناق تكون مقحماً لبيان موضع الخضوع.

وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين أي حين وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل ﴿ خاضعين ﴾ كقوله ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين  ﴾ وقيل: أعناقهم رؤساؤهم كما يقال لهم الرؤوس والصدور.

وقيل: اراد جماعاتهم.

يقال: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم.

عن ابن عباس: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية.

قال: ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة.

ومعنى ﴿ ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ﴾ قد مر في سورة الأنبياء.

نبه  بذلك على أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين على الإيمان حكيم يأتيهم بالقرآن حالاً بعد حال رعاية لقاعدة التكليف.

ثم ذكر أنه  لا يحدد لهم توجيه موعظة وتذكير إلا جددوا ما هو نقيض المقصود، وذلك النقيض هو الإعراض والتكذيب والاستهزاء وهذا ترتيب في غاية الحسن كأنه قيل حين أعرضوا عن الذكر: فقد كذبوا به وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره حتى صار عرضة للاستهزاء.

وهذه درجات من أخذ في الشقاء فإنه يعرض أوّلاً، ثم يصرح بالتكذيب ثانياً، ثم يبلغ في التكذيب والإنكار إلى حيث يستهزئ.

وفي قوله ﴿ فسيأتيهم ﴾ وعيد لهم بعذاب بدر أو يوم القيامة وقد مر مثله في أول "الأنعام".

ثم بين أنه مع حكمته في إنزال القرآن حالاً بعد حال رحيم يظهر من الدلائل الحسية ما يكفي للمتأمل في باب النظر والاستدلال.

والزوج الصنف والكريم نعت لكل ما يرضى ويحمد في بابه منه "وجه كريم" إذا رضي في حسنه وجماله، و"كتاب كريم" مرضي في مبانيه، و"نبات كريم" مرضي فيما يتعلق به من المنافع، فما من نبت إلا وفيه نفع وفائدة من جهة وإن كانت فيه مضرة من جهة أخرى.

ويحتمل أن يراد بالكريم النافع منه وتكون المضارّ مسلوبة عنه.

قال جار الله: معنى الجمع بين "كم" و"كل" دون أن يقول "كم أنبتنا فيها من زوج كريم" هو أن "كلا" قد دل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و"كم" دل على أن هذا محيط مفرط الكثرة.

قلت: فالحاصل أن خلق النوع يصدق بخلق فرد واحد منه كما يصدق بخلق أفراد كثيرة.

فقوله ﴿ كل زوج ﴾ إشارة إلى خلق كل نوع من أنواع النبات، وقوله ﴿ كم أنبتنا ﴾ إشارة إلى كثرة افراد كل نوع منه وفيه تنبيه على كمال القدرة ونهاية الجود والرحمة ولهذا ختم الكلام بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإنبات أو في كل واحد من تلك الأزواج ﴿ الآية ﴾ على الإبداء والإعادة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن الله  طبع على قلوبهم ﴿ وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ فمن عزته قدر على عقوبتهم ومن رحمته بين لهم الدلائل ليتفكروا ويعتبروا، والرحمة إذا صدرت عن القدرة كانت أعظم موقعاً، واعلم أنه  كرر بعض الآيات في هذه السورة لأجل التأكيد و"التقرير"؛ فمن ذلك أنه كرر قوله ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ إلى قوله ﴿ الرحيم ﴾ في ثمانية مواضع: أولها في ذكر النبي  ، والثانية في قصة موسى، ثم إبراهيم، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب.

ومن ذلك قوله ﴿ ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ وهو مذكور في خمسة مواضع: في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.

ومن ذلك أنه كرر ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ في قصة نوح وهود وصالح وليس في ذكر النبي  : ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاَّ على رب العالمين  ﴾ لذكرها في مواضع من غير هذه السورة.

وليس في قصة موسى لأنه رباه فرعون حيث قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ ولا في قصة إبراهيم لأن اباه في المخاطبين حيث يقول: ﴿ إذ قال لأبيه وقومه  ﴾ وهو قد ربَّاه فاستحيا موسى وإبراهيم أن يقولا ﴿ وما أسألكم عليه من أجر ﴾ وإن كانا منزهين من طلب الأجر.

ثم إنه  أعاد في هذه السورة قصص الأنبياء المشهورين مع أممهم اعتباراً لهذه الأمة، وبدأ بقصة موسى لما فيها من غرائب الأحوال وعجائب الأمور.

والنداء المسموع عند الأشعري هو الكلام القديم الذي لا يشبه الحروف والأصوات، وعند المعتزلة وإليه ميل أبي منصور الماتريدي أنه من جنس الحروف والأصوات وأنه وقع على وجه علم به موسى أنه من قبل الله  وقد عرفه أنه سيظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك.

قال جار الله: قوله ﴿ ألا يتقون ﴾ كلام مستأنف فيه تعجيب لموسى من حالهم الشنعاء في قلة خوفهم وكثرة ظلمهم، أو حال أدخلت عليه همزة الإنكار.

ثم إن موسى خاف أن يذكب عند أداء الرسالة فاستظهر بهارون.

وفي قراءة النصب خاف التكذيب المستتبع لضيق الصدر المستلزم لاحتباس اللسان عن الجريان في الكلام، ولعله اراد بهذه الحبسة عقدة في لسانه قبل إجابة دعوته أو بقية يروى أنها بقيت بعد الإجابة كما مر في "طه".

ومعنى ﴿ فأرسل إلى هارون ﴾ أرسل إليه جبريل واجعله نبياً يصدقني في أمري فاختصر الكلام اختصاراً.

ثم ذكر أن لهم عليه ذنباً فسمى جزاء الذنب ذنباً، أو المضاف محذوف اي تبعه ذنب وهو قود قتل القبطي كما سيجيء تفصيله في سورة القصص.

فيمكن أن يقتل قبل أداء الرسالة فلا يتمكن من المقصود، وهذا قد جوزه الكعبي وغيره من البغداديين.

وقال الأكثرون: الأقرب من حال الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله  الرسالة أنه يمكنهم من أدائها فلا معنى للخوف من القتل قبل الأداء.

نعم لو خاف بعد الأداء جاز وذلك لما جبل عليه طبع الإنسان من التنفر عن القتل فيسأل الله الأمان من ذلك وقد جمع الله له بقوله ﴿ كلا ﴾ الكلاءة وبقوله ﴿ فاذهبا ﴾ استنباء أخيه كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون ﴿ ومعكم ومستمعون ﴾ خبران لأن أو الخبر ﴿ مستمعون ﴾ و ﴿ معكم ﴾ متعلق به.

ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد معية النصرة والمعونة، وأما الاستماع فمجاز أيضاً وإن كان إطلاق السمع على الله حقيقة لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء ولا بد فيه من الجارحة.

فحاصل الآية إنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه.

وإنما وحد الرسول في قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ لأنه أراد كل واحد أو أراد الرسول بمعنى المصدر أي ذو رسالة رب العالمين.

يقال: أرسلتهم برسول اي برسالة أو جعلا لاتفاقهما واتحاد مطلبهما كرسول واحد.

وههنا إضمار دل عليه سياق الكلام أي فأتيا فرعون فقالا له ذلك.

يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين.

فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه.

فأديا إليه الرسالة فعرف أنه موسى فعند ذلك قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ أي صبياً وذلك لقرب عهده من الولادة.

قيل: مكث فيهم ثلاثين سنة من أول عمره.

وقيل: وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة ففر منهم.

والفعلة الوكزة عدد عليه نعمه، ثم وبخه بقتل نفس منهم وسماه كافراً لنعمه بسبب ذلك.

وجوز جار الله أن يراد وأنت إذ ذاك ممن يكفر بالساعة فيكون قد افترى على موسى أو جهل أمره لأنه كان يعايشهم بالتقية.

وإنما قلنا إنه افتراء أو جهل لأن الكفر غير جائز على الأنبياء ولو قبل النبوة، ويجوز أن يراد أنه من الكافرين بفرعون وإلهيته أو بآلهة كانوا يعبدونها.

قال  : ﴿ ويذرك وآلهتك  ﴾ ثم إن موسى ما أنكر تربيته ولكن أنكر الكفر فلم ينسب نفسه إلا إلى الضلال وأراد به الذهاب عن الصواب، أو أراد النسيان أو الخطأ وعدم التدبر في أدبار الأمور.

ثم ذكر موهبة ربه في حقه حين فر من فرعون وملئه المؤتمرين بقتله.

والحكم العلم بالتوحيد وكمال العقل والرأي، ولا تدخل فيه النبوة ظاهراً لئلا يلزم شبه التكرار بقوله: ﴿ وجعلني من المرسلين ﴾ قال جار الله ﴿ وتلك ﴾ إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بعد أن فسرت بقوله ﴿ أن عبدت ﴾ نظيره قوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ كأنه أبى أن يسمي نعمته إلا نقمة لأن تعبيدهم أي تذليلهم واتخاذهم عبيداً وقصدهم.

بذبح أبنائهم صار هو السبب في حصوله عنده وفي تربيته فلهذا قال الزجاج: "أن" مع ما بعده في موضع نصب أي إنما صارت نعمة عليّ لأن عبدت بني إسرائيل إذ لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم ومن هنا قال جار الله: إن قول موسى ﴿ فعلتها إذن ﴾ جواب لقول فرعون ﴿ وفعلت فعلتك ﴾ وجزاء له كأن فرعون قال: جازيت نعمتي بما فعلت.

فقال موسى: فعلتها مجازياً لك وإن نعمتك جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء.

وقال الحسن: أراد أنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت عليّ فلا نعمة لك بالتربية على أن التربية كانت من قبل أمي وعشيرتي ولم يكن منك إلا أنك لم تقتلني.

وقيل: اراد أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في الإطعام والكسوة.

واعلم أن للعلماء خلافاً في نعمة الكافر فقيل: إنها لا تستحق الشكر لأن الكافر يستحق الإهانة بكفره فلو استحق الشكر لإنعامه لزم الجمع بين الإهانة والتعظيم في حق شخص واحد في وقت واحد.

وقيل: لا يبطل بالكفر إلا الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان، وفي الآية نوع دلالة على كل من القولين.

ثم إن موسى حين أدى رسالته من قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ﴿ قال فرعون وما رب العالمين ﴾ وقد سبق مراراً أن كفره احتمل أن يكون كفر عناد وأ، يكون كفر جهالة، والذي يختص بالمقام هو أن ما يطلب به حقيقة الشيء وماهيته، وهذا هو الذي قصده فرعون بسؤاله ولم يعرف أن الماهية لا تطلق على ذاته تعالى إذ لا أجزاء لها حدية ولا تقديريه ولا بأي وجه فرض ضرورة انتهاء الكل إليه واستغنائه عن الكل من كل الوجوه، فلا يصح أن يسأل عنه بما هو ولا بكيف هو ولا بأي شيء هو ولا بهل هو، غاية ذلك أن ينبه على وجوده الذي هو أظهر الأشياء بلوازمه وآثاره على وجه يعم الكل كما يقال: إنه رب السموات والأرض وما بينهما، أو بأخص من ذلك بأن يقال مثلاً: ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين ﴾ وهو الاستدلال بالأنفس أو يقال ﴿ رب المشرق والمغرب وما بينهما ﴾ من الجهات المفروضة على السماء من لدن طلوع الكواكب إلى غروبها وبالعكس وهو الاستدلال بالآفاق.

وقد راعى في الجواب الأول طريقة اللطف فختم بقوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ أي إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وجلائه.

وخاشنهم في الأخير بقوله ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله ﴿ إن رسولكم ﴾ ويمكن أن يراد بقوله ﴿ وما بينهما ﴾ ثانياً ما بين المشرق والمغرب من المخلوقات فيكون الفرق بين هذا الاستدلال وبين الأول أن الأول هو الاستدلال بالإمكان على طريقة الحكيم، والثاني هو الاستدلال بالحدوث على طريقة المتكلمين، والأول أقرب إلى اليقين فلهذا قال ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ والثاني أقرب إلى الحس فلهذا قال ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ ولما انجر الكلام إلى حد العناد والمخاشنة هدده فرعون بقوله: ﴿ لئن اتخذت إلهاً غيري لاجعلنك من المسجونين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال: "لأسجننك" والمعنى لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه يطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع، وحينئذ عدل موسى إلى الحجة الأصلية في الباب وهو ادعاء المعجز المنبئ عن صدقه فقال ﴿ أولو جئتك ﴾ أي أتفعل فيَّ ذلك ولو جئتك بشيء أي جائياً بالمعجزة.

وفي قوله ﴿ إن كنت من الصادقين ﴾ إن سلم أنه قاله جداً لا هزلاً وجدالاً دلالة على ما ركز في العقول من أن دعوى الرسالة إن اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق صدقها.

وقد شنع في الكشاف ههنا أن في أهل القبلة من خفي عليهم ما لم يخف على فرعون حتى جوزوا القبيح عليه  ولزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات.

وفي التخطئة سهو من وجهين: أحدهما: أنه لا قبيح عند الأشاعرة عقلاً.

والثاني أنه على تقدير التسليم لا يلزم تجويز كل قبيح وهذا من ذلك للزوم الاشتباه.

وباقي القصة سبق نظيرها في "الأعراف" فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالسورة.

قوله ﴿ قال للملأ حوله ﴾ قال في الكشاف: الظرف في محل النصب على الحال.

وأقول: الأصوب أن يجعل نعتاً للملأ أي الأشراف حوله على طريقة قوله: ولقد أمرّ على اللئيم يسبني *** قوله ﴿ لمقيات يوم معلوم ﴾ اليوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى كما مر في "طه".

قوله ﴿ هل أنتم مجتمعون ﴾ استبطاء لهم في الاجتماع وحث عليه كقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق إذا أراد أن يحثه على الانطلاق.

قوله ﴿ لعلنا نتبع السحرة ﴾ لم يكن غرضهم اتباع السحرة في دينهم وإنما غرضهم الأصلي أن لا تتبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق المجاز لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى.

قوله ﴿ بعزة فرعون ﴾ هي من أيمان الجاهلية ولا يصح الحلف في الإسلام إلا بالله  وبصفاته كما مر في "البقرة" و"المائدة".

وقوله ﴿ فألقى السحرة ﴾ لم يسم فاعله وهو الله  في الحقيقة حين ألقى داعية الإيمان في قلوبهم ويجوز أن ينسب إلى ما عاينوا من المعجزات الباهرة ولك أن لا تقدر فاعلاً أي خروا.

قوله ﴿ لا ضير ﴾ أي لا ضير علينا فيما يتوعدنا به من القتل.

قوله ﴿ إنا نطمع ﴾ الطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين كقوله إبراهيم ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي ﴾ ويحتمل الظن بناء على أن المرء لا يعلم ما يختاره أو يؤل إليه عند الوفاة.

ومعنى ﴿ أن كنا ﴾ لأن كنا وكانوا أوّل طائفة مؤمنين من أهل زمانهم أو من قوم فرعون أو من أهل المشهد.

قوله: ﴿ إِنكم متبعون ﴾ تعليل للإسراء أي بنيت تدبير أمركم على أن تتقدموا لو يتبعكم فرعون وجنوده إلى أن يغشاهم من اليم ما يغشاهم.

قوله: ﴿ لشرذمة ﴾ هي الطائفة القليلة.

ثم وصفهم بالقلة واختار جمع السلامة ليدل على أن كل حزب منهم في غاية القلة، وذلك بالنسبة إلى عسكره وإلا فهم كثير في أنفسهم.

يروى أن فرعون أرسل في اثرهم الف ألف وخمسمائة الف ملك مسور مع كل ملك الف وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت على مقدّمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وكان قوم موسى إذ ذاك ستمائة ألف وسبعين ألفاً.

ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والحقارة لا قلة العدد.

قوله: ﴿ وإنهم لنا لغائطون ﴾ معناه أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم ولكنهم يفعلون أفعالاً لغيظنا كأخذ الحلي وادّعاء الاستقلال والاستخلاص عن ذل الاستخدام ونحن قوم مجموعون كلمة وائتلافاً، ومن عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور.

فالحذر المتيقظ وهو يفيد الثبات والحاذر الذي يجدد حذره.

وقيل: هو تام السلاح لأنه فعل ذلك حذراً واحتياطاً لنفسه، وكل هذه المعاذير لأجل أن لا يظن به العجز وخلاف ما ادّعاه من القهر والتسلط.

وقرئ ﴿ حادرون ﴾ بالدال غير المعجمة، والحادر السمين القوي أراد أنهم أقوياء أشدّاء.

﴿ فأخرجناهم من جنات ﴾ أي بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة.

قال مجاهد: سماها كنوزاً لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله  .

والمقام الكريم المنازل الحسنة والمجالس البهية.

وقال الضحاك: المنابر.

وقيل: السرر في الحجال.

﴿ كذلك ﴾ يحتمل النصب أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا، والجر على الوصف أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، ولارفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، وعلى هذا فيوقف على ﴿ كريم ﴾ .

﴿ فأتبعوهم ﴾ اي فلحقوهم.

ومن قرأ بالتشديد فظاهر.

والإشراق الدخول في وقت الشروق ﴿ فلما تراءى الجمعان ﴾ أي رأى قوم موسى قوم فرعون وحصل كل من الفريقين بمرأى للآخر ﴿ قال أصحاب موسى ﴾ خوفاً وفزعاً ﴿ إنا لمدركون ﴾ لملحقون.

قال موسى تثبيتاً لهم وردعاً عماهم عليه من الجزع والفزع ﴿ كلا إن معي ربي ﴾ بالنصرة والمعونة ﴿ سيهدين ﴾ سبيل النجاة والخلاص كما وعدني.

ثم بين أنه كيف هداه بقوله ﴿ فأوحينا ﴾ الآية.

ومعنى ﴿ فانفلق ﴾ فضرب فانفلق ﴿ فكان كل فرق ﴾ اي كل جزء متفرق منفلق منه ﴿ كالطود ﴾ وهو الجبل العظيم ومع ذلك وصفه بالعظيم ﴿ وأزلفنا ثم ﴾ أي قربنا حيث انفلق البحر ﴿ الآخرين ﴾ وهم قوم فرعون والمقرب منه بنو إسرائيل أو قوم فرعون أيضاً أي أدنينا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد، ويجوز أن يراد قدمانهم إلى البحر.

وقرئ ﴿ وأزلقنا ﴾ بالقاف أي أزللنا أقدامهم حساً بأن لم يكن لهم البحر يبساً كما كان لبني إسرائيل، أو عقلاً أي أذهبنا عزهم.

والبحر بحر القلزم أو بحر من وراء مصر يقال له أساف.

قالت الأشاعرة: إنه  أضاف الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم في طلب موسى كفر.

أجاب الجبائي بأن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله  ، فلما كان مسيرهم بتدبير الله وهؤلاء تبعوهم اضافه إلى نفسه توسعاً، وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول: أتعبني الغلام لما حدث ذلك عند فعله.

أو المراد أزلفناهم إلى الموت والأجل.

وقال الكعبي: أراد أنه جمع تفرقهم كيلا يصلوا إلى موسى وقومه، أو اراد أنه حلم عنهم وترك لهم لابحر يابساً حتى طمعوا في دخوله.

واعترض بأن كل ذلك لا بد أن يكون له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم فيعود المحذور.

﴿ إن في ذلك ﴾ الذي حدث في البحر من إنجاء البعض وإغراق البعض أو في ذلك أي ذكر من القصة بطولها ﴿ لآية ﴾ عجيبة للمتدبر المتفكر في الأمور الإلهية ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ حين سألوا بعد النجاة أن يجعل لهم موسى إلهاً غير الله، واتخذوا العجل، واقترحوا اقتراحات خارجة عن قانون الأدب.

ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الأمة بدليل ﴿ واتل عليهم  ﴾ وفيه تسلية لرسول الله  فقد كان يغتم بتكذيب قومه بعد ظهور المعجزات ونزول الآيات.

التأويل: الطاء طوله في كمال عظمته، والسين سلامته عن كل عيب ونقص، والميم مجده الذي لا نهاية له.

أو الطاء طهارة قلب نبيه عن تعلقات الكونين، والسين سيادته على الأنبياء والمرسلين، واليمم مشاهدته جمال رب العالمين.

أو الطاء طيران الطائرين بالله، والسين سير السائرين إلى الله، والميم مشي الماشين لله الذين يمشون على الأرض هوناً.

﴿ إن نشأ ننزل ﴾ من سماء قلوبهم ﴿ آية ﴾ من واردات الحق ﴿ فظلت ﴾ أعناق نفوسهم ﴿ لها خاضعين ﴾ ﴿ فسيأتيهم ﴾ بعد مفارقة الأرواح الأجساد ﴿ أنباء ما كانوا به يستهزؤن ﴾ لظهور نتائج معاملاتهم الخبيثة على أرواحهم ﴿ أو لم يروا إلى ﴾ أرض قلوب العارفين ﴿ كما أنبتنا فيها ﴾ من اشجار أصناف الإيمان والتوكل واليقين والإخلاص وسائر الأخلاق الكريمة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن جناب الحق لعزته يجل عن أن يكون شرعة لكل وارد ﴿ وإن ربك لهو العزيز ﴾ الذي لا يوجد بالسعي ﴿ الرحيم ﴾ حين أدرك أولياءه بجذبات العناية كما أدرك موسى حين ناداه من الشجرة، وذلك لأنه جعله مظهر لطفه كما أ نه جعل فرعون مظهر قهره فصار من العتوّ والاستكبار في غاية الكمال.

ويعلم منه أن الإنسان له استعداد في مظهرية صفة القهر ليس لإبليس فلذلك عاند إبليس آدم وقال أنا خير منه وعاند فرعون الرب وقال أنا ربكم الأعلى.

وأن له استعداداً في مظهرية صفة اللطف ليس للملك ولهذا صار الإنسان مسجوداً للملائكة.

﴿ أن أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيه أن موسى القلب مرسل إلى فرعون النفس لئلا تستعيد الصفات الروحانية فإن لفرعون النفس في البداية استيلاء على موسى القلب والصفات الروحانية فاستعملهم في قضاء حوائجه وتحصيل مقاصده فعرفه فرعون النفس وقال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ فإن موسى القلب كان في حجر فرعون النفس إلى أن بلغ أوان الحلم وهي خمس عشرة سنة، فقتل قبطي الشهوة حين كفر بإله الهوى وكان قبل القتل ضالاً عن حضرة الربوبية ﴿ ففرت منكم ﴾ غلى الله لما خفت أن تقطعوا عليّ الطريق إلى الله.

رب سموات القلوب وأرض البشرية وما بينهما من المنازل ﴿ قال لمن حوله ﴾ من صفات النفس ﴿ الا تستمعون ﴾ ﴿ قال موسى ﴾ القلب لتعارفه بربه ﴿ ربكم ورب آبائكم الأوّلين ﴾ يعني الآباء العلوية الرحانية.

وفي قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ إشارة إلى كمال ضدية القلب والنفس فما يصدر عن القلب تعده النفس من الجنون وبالعكس.

﴿ رب ﴾ مشرق الروح من أفق البدن ﴿ ورب ﴾ مغربه فيه ﴿ وما بينهما ﴾ من مدة التعلق وقد مر نظيره في محاجة إبراهيم في "البقرة" ﴿ لأجعلنك من المسجونين ﴾ في سجن حب الدنيا فإن القلب إذا توجه إلى الله فلا استيلاء للنفس عليه إلا بشبكة حب النجاة والرياسة فإنها آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين.

فقال موسى القلب: لا تقدر على أن تسجنني فإن معي عصا الذكر واليد المنزعة عما سوى الله.

وباقي التأويل قد سبق قوله: ﴿ فأخرجناهم ﴾ أي ﴿ من جنات ﴾ صفات الأوصاف الروحانية ﴿ وعيون ﴾ الحكمة ﴿ وكنوز ﴾ المعارف ﴿ ومقام كريم ﴾ في حضرة أكرم الأكرمين ﴿ وأورثاها بني إسرائيل ﴾ فيه أن النفس إذا فنيت ورث القلب منها صفاتها وبقوتها تصير إلى مقامات لم يمكنه الوصول إليها بقوة صفاته، ولو مات القلب ورثت النفس منه صفاته وبقوتها تتنزل إلى دركات لم يمكنها الوصول إليها بمجرد صفاتها ﴿ فأتبعوهم ﴾ أي لحق أوصاف النفس أوصاف القلب عند إشراق شمس الروح ﴿ فكان كل فرق ﴾ فيه أن كل صفة من أوصاف الروح كجبل عظيم في العبور عنه.

﴿ وأزلفنا ثم الآخرين ﴾ أي قربنا صفات النفس بتبعية صفات القلب إلى بحر الروح.

﴿ وأنجينا موسى ومن معه ﴾ من الأوصاف في بحر الروح بالوصول إلى الحضرة ﴿ ثم أغرقنا ﴾ أوصاف النفس في بحر الروحانية فإن الوصول إلى الحضرة من خواص القلب وغاية سير النفس هو الاستغراق في بحر الروحانية ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ لأرباب العرفان ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ بهذه المنازل فإنه لا يصير إليها إلا الشاذ من المجذوبين بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ جعلنا الله من المستعدين لها والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ طسۤمۤ ﴾ قد ذكرنا تأويل الحروف المعجمة فيما تقدم؛ وكذلك قوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ قد ذكرنا تأويله، أيضاً.

وقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ : كان يشتد على رسول الله تركهم الإيمان وتكذيبهم إياه؛ إشفاقاً وخوفاً عليهم، وتعظيماً لله وإجلالا لحقه، حتى كادت نفسه تهلك حزناً على ذلك؛ وكقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً  ﴾ ، والأسف: هو النهاية في الحزن؛ كقول يعقوب: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ  ﴾ .

وقال بعضهم: الأسف: هو النهاية في الغضب؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ  ﴾ قيل: أغضبونا، وقد ذكرنا في سورة يوسف على ما ذكر الله ورسوله ووصفه كان مطبوباً بحزن وتأسف لمكان كفرهم وتكذيبهم؛ كقوله: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ...

﴾ الآية [التوبة: 128]، يحزن عليهم إشفاقاً عليهم، ويغضب عليهم لله تعظيماً له وإجلالا لأمره لما ضيعوا أمره ونهيه، وهكذا الواجب على كل من رأى آخر في فاحشة أو كبيرة أن يحزن ويترحم عليه ويغضب لله لما ارتكب من الفاحشة.

وقوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ : قالت المعتزلة: قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً ﴾ مشيئة قسر وقهر حتى يضطروا لها فيؤمنوا.

لكن عندنا مشيئة الإيمان والاختيار، أي: إن شاء إيمانهم ينزل عليهم آية فيؤمنوا؛ لأن الآية لا تضطر أحداً ولا تقهر على الإيمان، دليله قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ الآية [الأنعام: 111]، أخبر أنهم لا يؤمنون وإن فعل ما ذكر، ولا يضطرهم ذلك على الإيمان؛ وكذلك ما أخبر عنهم في الآخرة، قال: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ...

﴾ الآية [المجادلة: 18].

وقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ...

﴾ الآية [الأنعام: 23]، أخبر عن خلفهم وإنكارهم في الآخرة: أنهم لم يكونوا على ما كانوا، ولا تكون آية أعظم مما عاينوا من أنواع العذاب، ثم لم يمنعهم ذلك عن التكذيب، ولا اضطرهم على الإقرار والتصديق؛ دل أن الآية وإن كانت عظيمة لا تضطر أهلها على الإيمان والتصديق، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم ما يغنينا عن ذكرها في هذا الموضع.

وقوله: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ أي: مالت وخضعت لها أعناقهم، والأعناق كأنها كناية عن أنفسهم.

وعن ابن عباس قال: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ قال: سيكون لنا دولة على بني أمية، فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة وهوانا بعد عزة، فقد كان ذلك.

وقال بعضهم: الأعناق: السادة والقادة، والواحد عنق، أي: إذا أسلم القادة أسلم الأتباع اتباعاً لهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ ﴾ : قال بعضهم: يقول: كلما نزل شيء بعد شيء من الموعظة والذكر فهو محدث من الأزل.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ ﴾ مما به فيه ذكرهم في الآخرين وشرفهم في الخلق إلا كانوا عنه معرضين؛ لأنهم لو آمنوا لذكروا في الناس، وبقي لهم ذكر وشرف كذكر الأنبياء والرسل فيهم إلى آخر الدهر.

وقوله: ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ هو محدث على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما.

قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ ﴾ كما تقول: ظللت اليوم، قالا: والأعناق: السادة والواحد منه: عنق.

وقوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُواْ...

﴾ الآية: هي ظاهرة؛ قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: قد رأوا ما أنبتنا وأخرجنا منها.

والثاني: على الأمر، أي: رأوا ما أنبتنا في الأرض، وأخرجنا منها.

﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ : قال الحسن: الكريم: الحسن البهيج.

وقوله: ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أي: جنس حسن.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ لآيَةً ﴾ لوحدانية الله وألوهيته، وآية لسلطانه وقدرته، وآية لعلمه وتدبيره؛ لأن من قدر على إحياء النبات والأرض بعد ما يبس وجف لقادر على إحياء الموتى وبعثهم.

ودل إخراج النبات من الأرض في كل عام على حد واحد، وعلى قدر وميزان واحد، على أنه إنما خرج ذلك عن تدبير وعلم ذاتي وقدرة ذاتية، ليست بمستفادة؛ فدل ذلك كله أنه فعل واحد قادر مدبّر عالم، لا يعجزه شيء أو لا يخفى عليه شيء، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ : يحتمل قوله: وما كان أكثر الذين بعث إليهم محمد مؤمنين، وهم الذين كانوا وقت مبعثه.

وجائز أن يكون: وما أكثر ما يكونوا مؤمنين.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : جائز أن يقال: العزيز: المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه.

ويحتمل: العزيز على الخلائق كلهم، وهم أذلاء دونه، به يعز من عز.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنْ نشَأ إنزال آية عليهم من السماء أنزلناها عليهم، فتظل أعناقهم خاضعة لها ذليلة، لكنا لم نشأ ذلك ابتلاء لهم: هل يؤمنون بالغيب؟

<div class="verse-tafsir" id="91.y5476"

مزيد من التفاسير لسورة الشعراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله