الآية ٥٧ من سورة الشعراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ٥٧ من سورة الشعراء

فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ ٥٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٧ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٧ من سورة الشعراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى : ( فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ) أي : فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم ، وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق والملك والجاه الوافر في الدنيا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: فأخرجنا فرعون وقومه من بساتين وعيون ماء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فأخرجناهم من جنات وعيون يعني من أرض مصر .

وعن عبد الله بن عمرو قال : كانت الجنات بحافتي النيل في الشقتين جميعا من أسوان إلى رشيد ، وبين الجنات زروع .

والنيل سبعة خلجان : خليج الإسكندرية ، وخليج سخا ، وخليج دمياط ، وخليج سردوس ، وخليج منف ، وخليج الفيوم ، وخليج المنهى متصلة لا ينقطع منها شيء عن [ ص: 97 ] شيء ، والزروع ما بين الخلجان كلها .

وكانت أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا بما دبروا وقدروا من قناطرها وجسورها وخلجانها ; ولذلك سمي النيل إذا غلق ستة عشر ذراعا نيل السلطان ، ويخلع على ابن أبي الرداد ; وهذه الحال مستمرة إلى الآن .

وإنما قيل نيل السلطان لأنه حينئذ يجب الخراج على الناس .

وكانت أرض مصر جميعها تروى من إصبع واحدة من سبعة عشر ذراعا ، وكانت إذا غلق النيل سبعة عشر ذراعا ونودي عليه إصبع واحد من ثمانية عشر ذراعا ، ازداد في خراجها ألف ألف دينار .

فإذا خرج عن ذلك ونودي عليه إصبعا واحدا من تسعة عشر ذراعا نقص خراجها ألف ألف دينار ; وسبب هذا ما كان ينصرف في المصالح والخلجان والجسور والاهتمام بعمارتها .

فأما الآن فإن أكثرها لا يروى حتى ينادى إصبع من تسعة عشر ذراعا بمقياس مصر .

وأما أعمال الصعيد الأعلى ، فإن بها ما لا يتكامل ريه إلا بعد دخول الماء في الذراع الثاني والعشرين بالصعيد الأعلى .قلت : أما أرض مصر فلا تروى جميعها الآن إلا من عشرين ذراعا وأصابع ; لعلو الأرض وعدم الاهتمام بعمارة جسورها ، وهو من عجائب الدنيا ; وذلك أنه يزيد إذا انصبت المياه في جميع الأرض حتى يسيح على جميع أرض مصر ، وتبقى البلاد كالأعلام لا يوصل إليها إلا بالمراكب والقياسات .

وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال : نيل مصر سيد الأنهار ، سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب ، وذلل الله له الأنهار ، فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده ، فأمدته الأنهار بمائها ، وفجر الله له عيونا ، فإذا انتهى إلى ما أراد الله عز وجل ، أوحى الله تبارك وتعالى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره .

وقال قيس بن الحجاج : لما افتتحت مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل " بئونة " من أشهر القبط فقالوا له : أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها ، فقال لهم : وما ذاك ؟

فقالوا : إذا كان لاثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها ; أرضينا أبويها ، وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ، ثم ألقيناها في هذا النيل ، فقال لهم عمرو : هذا لا يكون في الإسلام ; وإن الإسلام ليهدم ما قبله .

فأقاموا " أبيب ومسرى " لا يجري قليل ولا كثير ، وهموا بالجلاء .

فلما رأى ذلك عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، فأعلمه بالقصة ، فكتب إليه عمر بن الخطاب : إنك قد أصبت بالذي فعلت ، وأن الإسلام يهدم ما قبله [ ص: 98 ] ولا يكون هذا .

وبعث إليه ببطاقة في داخل كتابه .

وكتب إلى عمرو : إني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي ، فألقها في النيل إذا أتاك كتابي .

فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها فإذا فيها : من عبد الله أمير المؤمنين عمر إلى نيل مصر أما بعد ، فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر ، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك .

قال : فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها ; لأنه لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل .

فلما ألقى البطاقة في النيل ، أصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله في ليلة واحدة ستة عشر ذراعا ، وقطع الله تلك السيرة عن أهل مصر من تلك السنة .

قال كعب الأحبار : أربعة أنهار من الجنة وضعها الله في الدنيا : سيحان وجيحان والنيل والفرات ، فسيحان نهر الماء في الجنة ، وجيحان نهر اللبن في الجنة ، والنيل نهر العسل في الجنة ، والفرات نهر الخمر في الجنة .

وقال ابن لهيعة : الدجلة نهر اللبن في الجنة .

قلت : الذي في الصحيح من هذا حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة لفظ مسلم وفي حديث الإسراء من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رجل من قومه قال : وحدث نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت يا جبريل ما هذه الأنهار قال أما النهران الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات لفظ مسلم .

وقال البخاري من طريق شريك عن أنس فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال ما هذان النهران يا جبريل قال هذا النيل والفرات عنصرهما .

ثم مضى في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من اللؤلؤ والزبرجد فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر فقال ما هذا يا جبريل فقال هذا هو الكوثر الذي خبأ لك ربك .

وذكر الحديث .

والجمهور على أن المراد بالعيون عيون الماء .

وقال سعيد بن جبير : المراد عيون الذهب .

وفي الدخان كم تركوا من جنات وعيون وزروع .

قيل : إنهم كانوا يزرعون ما بين الجبلين من أول مصر إلى آخرها .

وليس في الدخان " وكنوز " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قال الله تعالى: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ أي: بساتين مصر وجناتها الفائقة, وعيونها المتدفقة, وزروع قد ملأت أراضيهم, وعمرت بها حاضرتهم وبواديهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فأخرجناهم من جنات ) وفي القصة : البساتين كانت ممتدة على حافتي النيل ، ( وعيون ) أنهار جارية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

قال تعالى: «فأخرجناهم» أي فرعون وقومه من مصر ليلحقوا موسى وقومه «من جنات» بساتين كانت على جانبي النيل «وعيون» أنهار جارية في الدور من النيل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأخرج الله فرعون وقومه من أرض "مصر" ذات البساتين وعيون الماء وخزائن المال والمنازل الحسان.

وكما أخرجناهم، جعلنا هذه الديار من بعدهم لبني إسرائيل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما اقتضته إرادته ومشيئته فى فرعون وقومه فقال : ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) أى : فأخرجناهم بقدرتنا وإرادتنا من ( جَنَّاتٍ ) .أى : بساتين كانوا يعيشون فيها ( وَعُيُونٍ ) عذبة الماء كانوا يشربون منها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قرئ ﴿ أَسَرَّ ﴾ بقطع الهمزة ووصلها وسر.

لما ظهر أمر موسى عليه السلام بما شاهدوه من الآية، أمره الله تعالى بأن يخرج ببني إسرائيل لما كان في المعلوم من تدبير الله تعالى في موسى وتخليصه من القوم وتمليكه بلادهم وأموالهم، ولم يأمن وقد جرت تلك الغلبة الظاهرة أن يقع من فرعون ببني إسرائيل ما يؤدي إلى الاستئصال، فلذلك أمره الله تعالى أن يسري ببني إسرائيل، وهم الذين آمنوا وكانوا من قوم موسى، ولا شبهة أن في الكلام حذفاً وهو أنه أسرى بهم كما أمره الله تعالى، ثم إن قوم موسى عليه السلام قالوا لقوم فرعون إن لنا في هذه الليلة عيداً، ثم استعاروا منهم حليهم وحللهم بهذا السبب، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر، فلما سمع ذلك فرعون أرسل في المدائن حاشرين، ثم إنه قوى نفسه ونفس أصحابه بأن وصف قوم موسى بوصفين من أوصاف الذم، ووصف قوم نفسه بصفة المدح أما وصف قوم موسى عليه السلام بالذم.

فالصفة الأولى: قوله: ﴿ إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴾ والشرذمة الطائفة القليلة، ومنه قولهم ثوب شراذم للذي بلي، وتقطع قطعاً ذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلاً بالوصف، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلاً واختار جمع السلامة الذي هو للقلة (وقد يجمع القليل على أقلة وقلل)، ويجوز أن يريد بالقلة الذلة (والقماءة) لا قلة العدد، والمعنى أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم، ثم اختلف المفسرون في عدد تلك الشرذمة، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا ستمائة ألف مقاتل لا شاب فيهم دون عشرين سنة، ولا شيخ يوفي على الستين سوى الحشم، وفرعون يقللهم لكثرة من معه، وهذا الوصف قد يستعمل في الكثير عند الإضافة إلى ما هو أكثر منه، فروي أن فرعون خرج على فرس أدهم حصان وفي عسكره على لون فرسه ثلثمائة ألف.

الصفة الثانية: قوله: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ﴾ يعني يفعلون أفعالاً تغيظنا وتضيق صدورنا، واختلفوا في تلك الأفعال على وجوه: أحدها: ما تقدم من أمر الحلي وغيره.

وثانيها: خروج بني إسرائيل عن عبودية فرعون واستقلالهم بأنفسهم.

وثالثها: مخالفتهم لهم في الدين وخروجهم عليهم.

ورابعها: ليس إلا أنهم لم يتخذوا فرعون إلهاً.

أما الذي وصف فرعون به قومه فهو قوله: ﴿ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذرون ﴾ وفيه ثلاث قراءات (حذرون) و(حاذرون) و(حادرون) بالدال غير المعجمة.

واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهي اسم الفاعل واسم المفعول كالضارب والمضروب أفادت الحدوث، وإذا لم تكن كذلك وهي الشبهة أفادت الثبوت، فمن قرأ ﴿ حاذرون ﴾ ذهب إلى إنا قوم من عادتنا الحذر واستعمال الحزم، ومن قرأ ﴿ حاذرون ﴾ فكأنه ذهب إلى معنى إنا قوم ما عهدنا أن نحذر إلا عصرنا هذا.

وأما من قرأ ﴿ حادرون ﴾ بالدال غير المعجمة فكأنه ذهب إلى نفي الحذر أصلاً، لأن الحادر هو المشمر، فأراد إنا قوم أقوياء أشداء، أو أراد إنا مدججون في السلاح، والغرض من هذه المعاذير أن لا يتوهم أهل المدائن أنه منكسر من قوم موسى أو خائف منهم.

أما قوله تعالى: ﴿ فأخرجناهم ﴾ فالمراد إنا جعلنا في قلوبهم داعية الخروج فاستوجبت الداعية الفعل، فكان الفعل مضافاً إلى الله تعالى لا محالة.

وأما قوله: ﴿ مّن جنات وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ ﴾ فقال مجاهد: سماها كنوزاً، لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى، والمقام الكريم يريد المنازل الحسنة والمجالس البهية، والمعنى إنا أخرجناهم من بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة، والمواضع التي كانوا يتنعمون فيها لنسلمها إلى بني إسرائيل.

أما قوله كذلك فيحتمل ثلاثة أوجه: النصب على أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه، والجر على أنه وصف لمقام كريم، أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي الأمر كذلك.

أما قوله: ﴿ فَأَتْبَعُوهُم ﴾ أي فلحقوهم، وقرئ (فاتبعوهم) ﴿ مُشْرِقِينَ ﴾ داخلين في وقت الشروق من أشرقت الشمس شروقاً إذا طلعت.

أما قوله: ﴿ فَلَمَّا تَرَاءا الجمعان ﴾ أي رأى بعضهم بعضاً، قال أصحاب موسى: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ أي لملحقون ﴿ وَقَالُواْ يا موسى أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ﴾ كانوا يذبحون أبناءنا، من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا يدركوننا، أي في الساعة فيقتلوننا، وقرئ ﴿ فَلَمَّا تَرَاءتِ الفئتان ﴾ ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ بتشديد الدال وكسر الراء من أدرك الشيء إذا تتابع ففنى، ومنه قوله تعالى: ﴿ بَلِ ادرك عِلْمُهُمْ فِي الأخرة  ﴾ قال الحسن: جهلوا علم الآخرة، والمعنى إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد، فعند ذلك قال لهم كلا وذلك كالمنع مما توهموه، ثم قوى نفوسهم بأمرين: أحدهما: ﴿ إِنَّ مَعِىَ رَبّى ﴾ وهذا دلالة النصرة والتكفل بالمعونة والثاني: قوله: ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ والهدى هو طريق النجاة والخلاص، وإذا دله على طريق نجاته وهلاك أعدائه، فقد بلغ النهاية في النصرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وعن مجاهد: سماها كنوزاً لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله.

والمقام: المكان، يريد: المنازل الحسنة والمجالس البهية.

وعن الضحاك: المنابر.

وقيل السر في الحجال ﴿ كذلك ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: النصب على أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه.

والجر على أنه وصف لمقام، أي: مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم.

والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك.

﴿ فَأَتْبَعُوهُم ﴾ فلحقوهم.

وقرئ: ﴿ فاتبعوهم ﴾ ﴿ مُشْرِقِينَ ﴾ داخلين في وقت الشروق، من شرقت الشمس شروقاً إذا طلعت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأخْرَجْناهُمْ ﴾ بِأنْ خَلَقْنا داعِيَةَ الخُرُوجِ بِهَذا السَّبَبِ فَحَمَلَتْهم عَلَيْهِ.

﴿ مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ .

﴿ وَكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ ﴾ يَعْنِي المَنازِلَ الحَسَنَةَ والمَجالِسَ البَهِيَّةَ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْنا فَهو مَصْدَرٌ، أوْ مِثْلُ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَقامٍ، أوِ الأمْرُ كَذَلِكَ فَيَكُونُ خَبَرَ المَحْذُوفِ.

﴿ وَأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ .

﴿ فَأتْبَعُوهُمْ ﴾ وقُرِئَ «فاتَّبَعُوهم» .

﴿ مُشْرِقِينَ ﴾ داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فأخرجناهم مّن جنات} بساتين {وَعُيُونٍ} وأنهار جارية

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأخْرَجْناهُمْ ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، أيْ: خَلَقْنا فِيهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ بِهَذا السَّبَبِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ الثَّلاثُ فَحَمْلَتْهم عَلَيْهِ، أوْ خَلَقْنا خُرُوجَهم ﴿ مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ كانَتْ لَهم بِحافَتَيِ النِّيلِ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وغَيْرِهِ - ﴿ وكُنُوزٍ ﴾ أيْ: أمْوالٍ كَنَزُوها وخَزَنُوها تَحْتَ الأرْضِ، وخُصِّتْ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الأمْوالَ الظّاهِرَةَ أُمُورٌ لازِمَةٌ لَهُمْ؛ لِأنَّها مِن ضَرُورِيّاتِ مَعاشِهِمْ، فَإخْراجُهم عَنْها مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وقِيلَ: لِأنَّ أمْوالَهُمُ الظّاهِرَةَ قَدِ انْطَمَسَتْ بِالتَّدْمِيرِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإخْراجَ قَبْلَ الِانْطِماسِ إذْ مِن جُمْلَةِ الأمْوالِ الظّاهِرَةِ الجَنّاتُ، والإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم أُخْرِجُوا مِنها بِعُنْوانِ كَوْنِها جَنّاتٍ، والأصْلُ فِيهِ الحَقِيقَةُ.

وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أنَّهُ بَعْدُ يَرِدُ أنَّ المُدَمَّرَ ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ، وهو مُفَسَّرٌ بِالقُصُورِ والعِماراتِ والجِنانِ، فَيَبْقى ما سِوى ذَلِكَ غَيْرَ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِالتَّدْمِيرِ مِنَ الأمْوالِ الظّاهِرَةِ مَعَ أنَّهم أُخْرِجُوا مِنهُ أيْضًا، فَيَحْتاجُ تَوْجِيهُ عَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالكُنُوزِ أمْوالُهُمُ الباطِنَةُ والظّاهِرَةُ، وأُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ؛ لِأنَّها لَمْ يُنْفَقْ مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، والأوَّلُ أوْفَقُ بِاللُّغَةِ.

وأكْثَرُ جَهَلَةِ أهْلِ مِصْرَ يَزْعُمُونَ أنَّ هَذِهِ الكُنُوزَ في المُقَطَّمِ مِن أرْضِ مِصْرَ، وأنَّها مَوْجُودَةٌ إلى الآنِ، وقَدْ بَذَلُوا عَلى إخْراجِها أمْوالًا كَثِيرَةً لِشَياطِينِ المَغارِبَةِ وغَيْرِهِمْ فَلَمْ يَظْفَرُوا إلّا بِالتُّرابِ أوْ حَجَرِ الكَذّانِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الذَّهَبِ وهو خِلافُ المُتَبادَرِ، ومِثْلُهُ ما قالَهُ الضَّحّاكُ مِن أنَّ المُرادَ بِالكُنُوزِ الأنْهارُ ﴿ ومَقامٍ كَرِيمٍ ﴾ هي المَساكِنُ الحِسانُ كَما قالَ النَّقّاشُ، وعَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ أنَّها كانَتْ بِالفَيُّومِ مِن أرْضِ مِصْرَ، وقِيلَ: مَجالِسُ الأُمَراءِ والأشْرافِ والحُكّامِ الَّتِي تُحِفُّها الأتْباعُ، وقِيلَ: الأسِرَّةُ في الكِلَلِ، وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّها مَرابِطُ الخَيْلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ أنَّها المَنابِرُ لِلْخُطَباءِ، وقَرَأ قَتادَةُ والأعْرَجُ «ومُقامٍ» بِضَمِّ المِيمِ مِن أقامَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي يعني: ببني إسرائيل إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ يعني: يتبعكم فرعون وقومه.

ويقال: أسرى يسري إسراء، إذا سار ليلاً، يعني: اذهبْ بهم بالليل فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يحشرون الناس لقتال موسى  ليخرج في طلبه.

وقال: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ يعني: طائفة وعصبة وجماعة قليلون.

وقال الزجاج: الشرذمة في كلام العرب القليل.

ويروى أنهم كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ يعني: لمبغضين ويقال: إنا لغائظون يعني: لمبغضين بخلافهم لنا، وذهابهم بحليّنا.

ثم قال عز وجل: وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ أي: مودون شاكون في السلاح.

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو حذرون بغير ألف، والباقون بالألف، والحاذر: المستعد، والحذر: المستيقظ.

ويقال: الحاذر الذي يحذر في الفور، والحذر الذي لا تلقاه إلا حذراً.

وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: حاذِرُونَ بالألف، وكان يقول: «يعني ذا أداة من السلاح» .

ومعناه: إنا قد أخذنا حذرنا من عدونا بسلاحنا.

قال الله تعالى: فَأَخْرَجْناهُمْ يعني: فرعون وقومه مِنْ جَنَّاتٍ يعني: البساتين وَعُيُونٍ يعني: الأنهار الجارية وَكُنُوزٍ يعني: من الأموال الكثيرة وَمَقامٍ كَرِيمٍ يعني: المنازل الحسنة.

ويقال: المنابر التي يعظم عليها فرعون.

قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وَعُيُونٍ بضم العين في جميع القرآن، وقرأ الباقون بالكسر، وهما لغتان، وكلاهما جائز.

وقال بعضهم: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ كلام فرعون إنا أخرجنا بني إسرائيل من أرض مصر، والطريق الأول أشبه كما قال في موضع آخر: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الدخان: 25] الآية.

ثم قال: كَذلِكَ يعني: هكذا أفعل بمن عصاني.

ثم استأنف فقال عز وجل: وَأَوْرَثْناها ويقال: كذلك أورثناها يعني: هكذا أنزلنا فيها، يعني: في مساكن فرعون بَنِي إِسْرائِيلَ بعد ما غرق فرعون، ثم قال: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ يعني: عند طلوع الشمس.

قوله عز وجل: فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ يعني: تقاربا ورأى بعضهم بعضاً، وذلك أن فرعون أرسل في المدائن حاشرين ليحشروا الناس، فركب وركب معه ألف ألف ومائتا ألف فارس سوى الرجّالة، أي المشاة، فلما دنوا من عسكر موسى قالَ أَصْحابُ مُوسى لموسى  إِنَّا لَمُدْرَكُونَ يعني: يدركنا فرعون قالَ موسى كَلَّا لا يدرككم إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ يعني: سينجيني ويهديني إلى طريق النجاة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ تقدم بيانُ هذه الجملة، والحمد للَّه فانظره في مَحَلِّهِ قال ابنُ العربيِّ «١» في «أحكامه» : قال مالكٌ: دعا موسى فرعونَ أربعين سنةً إلى الإسلام، وأنَّ السحرة آمنوا في يوم واحد، انتهى، وقولهم: لاَ ضَيْرَ أي: لاَ يَضُرُّنا ذلك مع انقلابنا إلى مغفرة الله ورضوانه، وقولهم: أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ يريدون: من القِبْطِ وصنيفتهم، وإلاَّ فقد كانت بنو إسرائيل آمنت، والشِّرْذَمَةُ: الجمع القليل المُحْتَقَرُ، وشرذمة كل شيء: بَقِيَّتُهُ الخسيسة.

وقوله: لَغائِظُونَ يريد بخلافهم الأمر وبأخذهم الأموال عارية وحاذِرُونَ جمع حَذِرٌ، والضمير في قوله: فَأَخْرَجْناهُمْ عائد على القِبْطِ، والجنات والعيون بحافتي النيل من أسوان إلى رشيد قاله ابن عمر «٢» وغيره، والمقام الكريم: قال ابن لَهِيعَةَ: هو الفَيُّوم، ٤٨ أوقيل: هو المنابر، وقيل: مجالس الأمراء والحُكَّامِ، وقيل: / المساكن الحسان، ومُشْرِقِينَ معناه: عند شروق الشمس، وقيل: معناه: نحو المشرق، والطود: هو الجبل، وأَزْلَفْنا معناه: قَرَّبنا، وقرأ ابن عباس «٣» : «وأزْلَقْنَا» بالقاف.

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ ...

الآية: هذه الآية تضمنت الإعلام بغيب، والعكوف:

اللزوم.

وقوله: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ قالت فرقة: هو استثناءٌ مُتَّصِلٌ.

لأنَّ في الآباء الأقدمين مَنْ قد عبد الله تعالى، وقالت فرقة: هو استثناءٌ مُنْقَطِعٌ لأَنَّهْ إنَّما أراد عُبَّادَ الأوثان من كل قرن منهم، وأسند إبراهيم عليه السلام المَرَضَ إلى نفسِهِ والشفاء إلى ربه عز وجل، وهذا حُسْنُ أدب في العبارة، والكل من عند الله، وأوقف عليه السلام نفسه على الطمع في المغفرة، وهذا دليل على شِدَّةِ خوفه مع عُلُوِّ منزلته عند الله، وروى الترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً أَوْ زَارَ أَخَا [لَهُ] «١» في اللهِ- نَادَاهُ مُنَادٍ: أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلاً» «٢» ، قال أبو عيسى:

هذا حديثٌ حَسَنَ، انتهى.

وفي «صحيح مسلم» عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الجنة حَتَّى يَرْجِعَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا خُرْفَةُ الجَنَّةِ؟

قال: جَنَاهَا» «٣» انتهى، وعنه صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ العَظِيمِ «٤» أَنْ يَشْفَيَكَ- إلاَّ عَافَاهُ اللهُ سُبْحَانَهُ» «٥» خرجه أبو داود، والترمذيُّ، والحاكم في «المُسْتَدْرَكِ على الصحيحين» بالإسناد الصحيح، انتهى من «حلية النوويِّ» ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَ رَأْسِهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ:

أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ العَظِيمِ- أَنْ يَشْفَيَكَ- إلاَّ عَافَاهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ» «٦» .

رواه أبو داودَ واللفظ له، والترمذيُّ والنسائِيُّ والحاكم وابن حِبَّان في «صحيحيهما» بمعناه، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشيخَيْنِ، يعني: البخاريَّ ومُسْلِماً، وفي رواية النسائيّ وابن حبّان: «كان النّبيّ صلى الله عليه وسلّم إذَا عَادَ الْمَرِيضَ، جَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ» ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ بمعناه انتهى من «السلاح» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم مُتَّبَعُونَ ﴾ أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ ﴾ المَعْنى: وقالَ فِرْعَوْنُ إنَّ هَؤُلاءِ، يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ لَشِرْذِمَةٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: طائِفَةٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: والشِّرْذِمَةُ في كَلامِ العَرَبِ: القَلِيلُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، وإنَّما اسْتَقَلَّهم بِالإضافَةِ إلى جُنْدِهِ وكانَ جُنْدُهُ لا يُحْصى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ ﴾ تَقُولُ: غاظَنِي الشَّيْءُ، إذا أغْضَبَكَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذُكِرَ أنَّ غَيْظَهم كانَ لِقَتْلِ المَلائِكَةِ مَن قَتَلَتْ مِن أبْكارِهِمْ.

قالَ: ويُحْتَمَلُ أنَّ غَيْظَهم لِذَهابِهِمْ بِالعَوارِي الَّتِي اسْتَعارُوها مِن حُلِيِّهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِفِراقِهِمْ إيّاهم وخُرُوجِهِمْ مِن أرْضِهِمْ عَلى كُرْهٍ مِنهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: " حَذِرُونَ " بِغَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ الباقُونَ: " حاذِرُونَ " بِألِفٍ.

وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الحاذِرَ: المُسْتَعِدُّ، والحَذِرُ: المُتَيَقِّظُ.

وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَعْنى حاذِرِينَ: مُؤْدُونَ، أيْ: ذَوُو أداةٍ، وهي السِّلاحُ، لِأنَّها أداةُ الحَرْبِ.

والثّانِي: أنَّهُما لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: رَجُلٌ حَذِرٌ وحَذُرٌ وحاذِرٌ.

والمَقامُ الكَرِيمُ: المَنزِلُ الحَسَنُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: الأمْرُ كَذَلِكَ أيْ: كَما وصَفْنا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّهم إلى مِصْرَ بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ، وأعْطاهم ما كانَ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ المَساكِنِ والأمْوالِ.

وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: إنَّما جَعَلَ دِيارَ آلِ فِرْعَوْنَ مِلْكًا لِبَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَرْدُدْهم إلَيْها لَكِنَّهُ جَعَلَ مَساكِنَهُمُ الشّامَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأوحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ ﴾ ﴿ فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ ﴾ ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ ﴾ ﴿ وَإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ﴾ ﴿ فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ وَكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ وأورَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ ﴿ قالَ كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ثُمُ إنَّ اللهَ عَزَّ وُجَلَّ لَمّا أرادَ إظْهارَ أمْرِهِ في نَجاةِ بَنِي إسْرائِيلَ وغَرَقِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا مِن مِصْرَ، وأخْبَرَهُ أنَّهُمُ سَيُتَّبَعُونَ، وأمَرَهُ بِالسَيْرِ تِجاهَ البَحْرِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَسْتَعِيرَ بَنُو إسْرائِيلَ حُلِيَّ القِبْطِ وأمْوالَهُمْ، وأنْ يُكْثِرُوا مِن أخْذِ أمْوالِهِمُ كَيْفَما اسْتَطاعُوا، هَذا ما رَواهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وأمَرَهُ بِاتِّخاذِ جِراءِ الزادِ، فَأمَرَهُ أنِ اتَّخِذْ فَطِيرًا لِأنَّهُ أبْقى وأثْبَتُ، ورُوِيَ أنَّ الحَرَكَةَ أعْجَلَتْهُمُ عَنِ اتِّخاذِ جِراءِ الزادِ، وخَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ سَحَرًا، فَتَرَكَ الطَرِيقَ إلى الشامِ عَلى يَسارِهِ وتَوَجَّهَ نَحْوَ البَحْرِ، فَكانَ الرَجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَقُولُ لَهُ في تَرْكِ الطَرِيقِ فَيَقُولُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: كَذا أُمِرْتُ، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ وعَلِمَ بِسَرْيِّ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ خَرَجَ في أثْرِهِمْ، وبَعَثَ إلى مَدائِنِ مِصْرَ لِتُلْحِقَهُ العَساكِرَ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَحِقَهُ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفِ أدْهَمَ مِنَ الخَيْلِ حاشى سائِرَ الألْوانِ، ورُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعِينَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، واللهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، وإنَّما اللازِمُ مِنَ الآيَةِ الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ في بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ تَبِعَهُ بِأضْعافِ ذَلِكَ العَدَدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ ألْفُ جَبّارٍ، كُلُّهُمُ عَلَيْهِ تاجٌ، وكُلُّهُمُ أمِيرُ خَيْلٍ.

وَ "الشِرْذِمَةُ": الجَمْعُ القَلِيلُ المُحْتَقَرُ، وشِرْذِمَةُ كُلِّ شَيْءٍ بَقِيَّتُهُ الخَسِيسَةُ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُجِدِّينَ في شَراذِمِ النِعالِ وقالَ الآخَرُ: جاءَ الشِتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ ∗∗∗ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها التَوّاقْ وقَوْلُهُ: "لَغائِظُونَ" يُرِيدُ: بِخِلافِهِمُ الأمْرَ وبِأخْذِهِمُ الأمْوالَ عارِيَةً وهُرُوبِهِمُ مِنهُمُ تِلْكَ اللَيْلَةَ عَلى ما رُوِيَ، قالَ أبُو حاتِمْ: وقَرَأ مَن لا يُؤْخَذُ عنهُ: [لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ]، ولَيْسَتْ هَذِهِ مَوْقُوفَةً.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "حَذِرُونَ"، وهو جَمْعُ "حَذِرٍ"، وهو المَطْبُوعُ عَلى الحَذَرِ وهو هُنا غَيْرُ عامِلٍ، وكَذَلِكَ هو في قَوْلِ أبِي أحْمَرَ: هَلْ أُنْسَأنْ يَوْمًا إلى غَيْرِهِ ∗∗∗ إنِّي حَوالِيُّ وإنِّي حَذِرُ واخْتُلِفَ في عَمَلِ (فَعِلَ)، فَقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ عامِلٌ، وأنْشَدَ: حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ مُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ وادَّعى اللاحِقِيُّ تَدْلِيسَ هَذا البَيْتِ عَلى سِيبَوَيْهِ.

وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "حاذِرُونَ" وهو الَّذِي أخَذَ يَحْذَرُ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: وإنِّي حاذِرٌ أنْمِي سِلاحِي ∗∗∗ إلى أوصالِ ذَيّالٍ صَنِيعِ وقَرَأ ابْنُ أبِي عِمارَةَ، وسُمَيْطُ بْنُ عَجْلانَ: "حادِرُونَ" بِالدالِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، مِن قَوْلِهِمْ: "عَيْنٌ حَدْرَةٌ" أيْ: مُمْتَلِئَةٌ، فالمَعْنى: مُمْتَلِئُونَ غَيْظًا وأنَفَةً.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأخْرَجْناهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى القِبْطِ.

و"الجَنّاتُ والعُيُونُ" بِحافَتَيِ النِيلِ مِن أسْوانَ إلى رَشِيدٍ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ.

و"الكُنُوزُ" قِيلَ: هي إشارَةٌ إلى الأمْوالِ الَّتِي خَرَّبُوها، قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُمُ لَمْ يُنْفِقُوها قَطُّ في طاعَةٍ، وقِيلَ: هي إشارَةٌ إلى كُنُوزِ المُقَطَّمِ ومَطالِبِهِ، وهي باقِيَةٌ إلى اليَوْمِ.

"والمَقامُ الكَرِيمُ" قالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: هو الفَيُّومُ، وقِيلَ: يَعْنِي بِهِ المَنابِرَ، وقِيلَ: مَجالِسُ الأُمَراءِ والحُكّامِ، وقالَ الحَسَنُ: المَجالِسُ الحِسانُ، وقَرَأ الأعْرَجُ وقَتادَةُ بِضَمِّ المِيمِ، مِن: "أقامَ".

وتَوْرِيثُ بَنِي إسْرائِيلَ يَحْتَمِلُ مَقْصَدَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ اللهَ قَدْ ورَثَهُمُ هَذِهِ الضِفْةَ مِن أرْضِ الشامِ، والآخَرُ أنَّهُ ورَّثَهُمُ مِصْرَ ولَكَنْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الدَهْرِ، قالَهُ الحَسَنُ، عَلى أنَّ التَوارِيخَ لَمْ تَتَضَمَّنْ مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ في مِصْرَ، و"مُشْرِقِينَ" مَعْناهُ: عِنْدَ شُرُوقِ الشَمْسِ، أيْ: حِينَ دَخَلُوا فِيهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: نَحْوَ الشُرُقِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فاتَّبَعُوهُمْ" بِصِلَةِ الألِفِ وشَدِّ التاءِ.

فَلَمّا لَحِقَ فِرْعَوْنُ بِجَمْعِهِ جَمْعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَرُبَ مِنهُمْ، ورَأتْ بَنُو إسْرائِيلَ العَدُوَّ القَوِيَّ وراءَهُمُ والبَحْرَ أمامَهُمُ ساءَتْ ظُنُونُهُمْ، وقالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والجَفاءِ-: ﴿ إنّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ ، أيْ: هَذا دَأْبُكَ، فَرَدَ عَلَيْهِمُ قَوْلَهُمُ وزَجَرَهُمْ، وذَكَرَ وعْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ بِالهِدايَةِ والظَفَرِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنّا لَمُدْرَكُونَ"، وقَرَأ الأعْرَجُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "إنّا لَمُدَّرَكُونَ" بِتَشْدِيدِ الدالِ وفَتْحِ الراءِ، ومَعْناهُ: يَتَتابَعُ عَلَيْنا حَتّى نَفْنى.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تَرِيءُ الجَمْعانِ" بِكَسْرِ الراءِ بِمَدٍّ ثُمَّ بِهَمْزٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عن عاصِمْ، ورُوِيَ أيْضًا عنهُ مَفْتُوحًا مَمْدُودًا.

والجُمْهُورُ يَقْرَؤُونَهُ مِثْلَ "تَراعى"، وهَذا هو الصَوابُ؛ لِأنَّهُ تَفاعَلٌ، قالَ أبُو حاتِمْ: وقِراءَةُ حَمْزَةُ في هَذا الحَرْفِ مُحالٌ، وحَمَلَ عَلَيْهِ وقالَ: وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ وثّابٍ والأعْمَشِ خَطَأٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إن جريت على ما فسّر به المفسرون قولَه: ﴿ فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ﴾ [الشعراء: 53] لزمك أن تجعل الفاء في قوله: ﴿ فأخرجناهم ﴾ لتفريع الخروج على إرسال الحاشرين، أي ابتدأ بإرسال الحاشرين وأعقب ذلك بخروجه، فالتعقيب الذي دلت عليه الفاء بحسب ما يناسب المدة التي بين إرسال الحاشرين وبين وصول الأنباء من أطراف المملكة بتعيين طريق بني إسرائيل إذ لا يخرج فرعون بجنده على وجهه، غير عالم بطريقهم.

وضمير النصب عائد إلى فرعون ومن معه مفهوماً من قوله: ﴿ إنكم متَّبَعون ﴾ [الشعراء: 52].

وإنْ جريت على ما فسرنا به قوله تعالى: ﴿ فأرسل فرعون ﴾ [الشعراء: 53] ولا إخالك إلا منشرح الصدر لاختيار ذلك، فلْتَجعَلْ الفاءَ في ﴿ فأخرجناهم ﴾ تفريعاً على جملة: ﴿ إنكم متَّبَعون ﴾ [الشعراء: 52].

والتقدير: فأسرى موسى ببني إسرائيل فأخرجنا فرعون وجنده من بلادهم في طلب بني إسرائيل فاتَّبعوا بني إسرائيل.

وضمير: ﴿ أخرجناهم ﴾ على كل تقدير عائد إلى ما يفهم من المقام، أي أخرجنا فرعون وجنده.

والجنات: جنات النخيل التي كانت على ضفاف النيل.

والعيون: منابع تحفر على خِلجان النيل.

والكنوز: الأموال المدخرة.

والمقام: أصله محل القيام أو مصدر قَام.

والمعنى على الأول: مساكن كريمة، وعلى الثاني: قيامهم في مجتمعهم، والكريم: النفيس في نوعه.

وذلك ما كانوا عليه من الأمن والثروة والرفاهية، كل ذلك تركه فرعون وجنوده الذين خرجوا منه لمطاردة بني إسرائيل لأنهم هلكوا فلم يرجعوا إلى شيء مما تركوا.

﴿ كذلك ﴾ تقدم الكلام على نظيره عند قوله تعالى: ﴿ كذلك وقد أحطنا بما لديه خُبْراً ﴾ في سورة الكهف (91).

فهو بمنزلة الاعتراض.

وجملة: ﴿ وأورثناها بني إسرائيل ﴾ معترضة أيضاً والواو اعتراضية وليست عطفاً لأجزاء القصة لما ستعلمه.

والإيراث: جعل أحد وارثاً.

وأصله إعطاء مال الميت ويطلق على إعطاء ما كان ملكاً لغير المعطَى (بفتح الطاء) كما قال تعالى: ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارقَ الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ﴾ [الأعراف: 137]، أي أورثنا بني إسرائيل أرض الشام، وقال: ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ [فاطر: 32].

والمعنى: أن الله أرزأ أعداء موسى ما كان لهم من نعيم إذ أهلكهم وأعطى بني إسرائيل خيرات مثلها لم تكن لهم، وليس المراد أنه أعطى بني إسرائيل ما كان بيد فرعون وقومه من الجنات والعيون والكنوز، لأن بني إسرائيل فارقوا أرض مصر حينئذ وما رجعوا إليها كما يدل عليه قوله في سورة الدخان (28) ﴿ كذلك وأورثناها قوماً آخرين ﴾ ولا صحة لما يقوله بعض أهل قصص القرآن من أن بني إسرائيل رجعوا فملكوا مصر بعد ذلك، فإن بني إسرائيل لم يملكوا مصر بعد خروجهم منها سائر الدَّهر فلا محيص من صرف الآية عن ظاهرها إلى تأويل يدل عليه التاريخ ويدل عليه ما في سورة الدخان.

فضمير أورثناها } هنا عائد للأشياء المعدودة باعتبار أنها أسماء أجناس، أي أورثنا بني إسرائيل جناتتٍ وعيوناً وكنوزاً، فعَود الضمير هنا إلى لفظ مستعمل في الجنس وهو قريب من الاستخدام وأقوى منه، أي أعطيناهم أشياء ما كانت لهم من قبل وكانت للكنعانيين فسلط الله عليهم بني إسرائيل فغلبوهم على أرض فلسطين والشام.

وقد يعود الضمير على اللفظ دون المعنى كما في قولهم: عندي درهم ونصفُه، وقوله تعالى: ﴿ إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثُها إن لم يكن لها ولد ﴾ [النساء: 176]، إذ ليس المراد أن المرء الذي هلك يرث أخته التي لها نصف ما ترك بل المراد: والمرء يرث أختاً له إن لم يكن لها ولد، ويجوز أن يكون نصب الضمير لفعل «أورثنا» على معنى التشبيه البليغ، أي أورثنا أمثَالها.

وقيل ضمير: ﴿ أورثناها ﴾ عائد إلى خصوص الكنوز لأن بني إسرائيل استعاروا ليلة خروجهم من جيرانهم المصريين مصوغهم من ذهب وفضة وخرجوا به كما تقدم في سورة طه.

ويجوز عندي وجه آخر وهو أن تكون جملة ﴿ فأخرجناهم من جنات ﴾ إلى قوله: ﴿ وأورثناها ﴾ حكاية لكلام من الله معترض بين كلام فرعون.

وضمير ﴿ فأخرجناهم ﴾ عائد إلى قوم فرعون المفهوم من قوله: ﴿ في المدائن ﴾ [الشعراء: 53]، أي فأخرجنا أهل المدائن.

وحذف المفعول الثاني لفعل ﴿ أورثناها ﴾ .

والتقدير: وأورثناها غيرهم، ويكون قوله: ﴿ بني إسرائيل ﴾ بياناً لاسم الإشارة في قوله: ﴿ إن هؤلاء ﴾ [الشعراء: 54] سلك به طريق الإجمال ثم البيان ليقع في أنفس السامعين أمكن وقْع.

وجملة: ﴿ فأتبعوهم مشرقين ﴾ مفرعة على جملة: ﴿ فأخرجناهم ﴾ وما بينهما اعتراض.

والتقدير: فأخرجناهم فأتبعوهم.

والضمير المرفوع عائد إلى ما عاد عليه ضمير النصب من قوله: ﴿ فأخرجناهم ﴾ ، وضمير النصب عائد إلى ﴿ عبادي ﴾ [الشعراء: 52] من قوله: ﴿ أن اسْرِ بعبادي ﴾ [الشعراء: 52].

و ﴿ أتْبعوهم ﴾ بهمزة قطع وسكون التاء بمعنى تَبع، أي فلحقوهم.

و ﴿ مشرقين ﴾ حال من الضمير المرفوع يجوز أن يكون معناه قاصدين جهة الشرق يقال: أشرق، إذا دخل في أرض الشرق، كما يقال: أنجد وأتهم وأعرق وأشأم، ويعلم من هذا أن بني إسرائيل توجهوا صوب الشرق وهو صوب بحر (القلزم) وهو البحر الأحمر وسمي يومئذ بحر سُوف وهو شرقي مصر.

ويجوز أن يكون المعنى داخلين في وقت الشروق، أي أدركوهم عند شروق بعد أن قضوا ليلة أو ليالي مشياً فما بصر بعضهم ببعض إلا عند شروق الشمس بعد ليالي السفر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴾ في الشِّرْذِمَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم سَفَلَةُ النّاسِ وأدْنِياؤُهم، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وهُمُ الأعْبُدُ في أحْيائِهِمْ لِعَبِيدٍ وتَراهم شِرْذِمَةً.

الثّانِي: أنَّهُمُ العُصْبَةُ الباقِيَةُ مِن عُصْبَةٍ كَبِيرَةٍ وشِرْذِمَةُ كُلِّ شَيْءٍ بَقِيَّتُهُ القَلِيلَةُ.

وَيُقالُ لِما قُطِعَ مِن فُضُولِ النِّعالِ مِنَ الجِلْدِ شَراذِمُ، ولِلْقَمِيصِ إذا خَلَقَ شَراذِمُ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقُ ∗∗∗ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها التَّوّاقُ واخْتُلِفَ في عَدَدِ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ قالَ فِرْعَوْنُ فِيهِمْ: إنَّهم لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: سِتُّمِائَةٍ وتِسْعِينَ ألْفًا، قالَ مُقاتِلٌ: لا يُعَدُّ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً لِصِغَرِهِ ولا ابْنُ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

الثّالِثُ: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: كانُوا خَمْسَمِائَةِ ألْفٍ وثَلاثَةَ آلافٍ وخَمْسَمِائَةٍ، وإنَّما اسْتَقَلَّ هَذا العَدَدَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِكَثْرَةِ مَن قُتِلَ مِنهم.

الثّانِي: لِكَثْرَةِ مَن كانَ مَعَهُ، حَكى السُّدِّيُّ أنَّهُ كانَ عَلى مُقَدِّمَتِهِ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ وسَبْعِمِائَةِ ألْفِ حِصانٍ لَيْسَ فِيها مادِيانَهْ، وقالَ الضَّحّاكُ كانُوا سَبْعَةَ آلافِ ألْفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ﴾ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وقَرَأ الباقُونَ ﴿ حاذِرُونَ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُما لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ وقالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: وكُنْتُ عَلَيْهِ أحْذَرُ المَوْتَ وحْدَهُ ∗∗∗ فَلَمْ يَبْقَ لِي شَيْءٌ عَلَيْهِ أحاذِرُهْ الثّانِي: أنَّ الحَذِرَ المَطْبُوعَ عَلى الحَذَرِ، والحاذِرَ الفاعِلُ الحَذَرَ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّ الحَذِرَ الخائِفُ والحاذِرَ المُسْتَعِدُّ.

الرّابِعُ: أنَّ الحَذِرَ المُتَيَقِّظُ، والحاذِرَ آخِذُ السِّلاحِ، لِأنَّ السِّلاحَ يُسَمّى حَذِرًا قالَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ  ﴾ أيْ سِلاحَكم، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ.

( حادِرُونَ ) بِدالٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ وفي تَأْوِيلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أقْوِياءُ مِن قَوْلِهِمْ جَمَلٌ حادِرٌ إذا كانَ غَلِيظًا.

الثّانِي: مُسْرِعُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنُوزٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الخَزائِنُ.

الثّانِي: الدَّفائِنُ.

الثّالِثُ: الأنْهارُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها المَنابِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: مَجالِسُ الأُمَراءِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: المَنازِلُ الحِسانُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها مَرابِطُ الخَيْلِ لِتَفَرُّدِ الزُّعَماءِ بِارْتِباطِها عُدَّةً وزِينَةً فَصارَ مَقامُها أكْرَمَ مَنزُولٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: ثم إن الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل فقال: ﴿ أسر بعبادي ليلاً ﴾ فأمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط، وأمر أن لا ينادي أحد منهم صاحبه، وأن يسرجوا في بيوتهم حتى الصبح، وأن من خرج منهم أمام بابه يكب من دم حتى يعلم أنه قد خرج، وأن الله قد أخرج كل ولد زنا في القبط من بني إسرائيل إلى بني إسرائيل، وأخرج كل ولد زنا في بني إسرائيل من القبط حتى أتوا آباءهم.

ثم خرج موسى ببني إسرائيل ليلاً والقبط لا يعلمون، وألقى على القبط الموت فمات كل بكر رجل منهم، فأصبحوا يدفنونهم فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس، وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألفاً.

لا يعدون ابن عشرين لصغره، ولا ابن ستين لكبره، وإنما عدوا ما بين ذلك سوى الذرية.

وتبعهم فرعون على مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان ليس فيها ماذيانة وذلك حين يقول الله: ﴿ فأرسل فرعون في المدائن حاشرين، إن هؤلاء لشرذمة قليلون ﴾ فكان موسى على ساقة بني إسرائيل، وكان هارون أمامهم يقدمهم فقال المؤمن لموسى: أين أمرت؟

قال: البحر.

فأراد أن يقتحم فمنعه موسى.

فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون قد ردفهم قالوا: يا موسى ﴿ إنا لمدركون ﴾ قال موسى ﴿ كلا إن معي ربي سيهدين ﴾ يقول: سيكفين.

فتقدم هارون فضرب البحر فأبى البحر أن ينفتح وقال: من هذا الجبار الذي يضربني؟

حتى أتاه موسى، فكناه أبا خالد وضربه ﴿ فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ﴾ يقول: كالجبل العظيم، فدخلت بنو إسرائيل وكان في البحر اثنا عشر طريقاً في كل طريق سبط، وكانت الطرق إذا انفلقت بجدران فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا.

فلما رأى ذلك موسى صلى الله عليه وسلم دعا الله، فجعلها لهم قناطر كهيئة الطبقات ينظر آخرهم إلى أولها حتى خرجوا جميعاً، ثم دنا فرعون وأصحابه فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون إلى البحر منفلقاً قد فرق مني، فانفتح لي حتى أدرك أعدائي فاقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيله أن تقتحم، فنزل على ماذيانة، فشامت الحصن ريح الماذيانة فاقتحمت في أثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم.

أمر الله البحر أن يأخذهم، فالتطم عليهم وتفرد جبريل بفرعون يمقله من مقل البحر، فجعل يدسها في فيه.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ إن هؤلاء لشرذمة قليلون ﴾ قال: ذكر لنا أن بني إسرائيل الذين قطع بهم موسى البحر كانوا ستمائة ألف مقاتل وعشرين ألفاً فصاعداً.

واتبعهم فرعون على ألف ألف حصان ومائتي ألف حصان.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ إن هؤلاء لشرذمة قليلون ﴾ قال ستمائة ألف وسبعون ألفاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي عبيدة.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن هؤلاء لشرذمة قليلون ﴾ قال: كانوا ستمائة ألف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ لشرذمة ﴾ قال: قطعة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لشرذمة ﴾ قال: الفريد من الناس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان أصحاب موسى الذين جاوزوا البحر اثني عشر سبط، فكان في كل طريق اثنا عشر ألفاً كلهم ولد يعقوب عليه السلام» .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ إن هؤلاء لشرذمة قليلون ﴾ قال: هم يومئذ ستمائة ألف.

ولا يحصى عدد أصحاب فرعون.

وأخرج ابن مردويه بسندٍ واهٍ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان فرعون عدو الله حيث غرقه الله هو وأصحابه في سبعين قائد، مع كل قائد سبعون ألفاً.

وكان موسى مع سبعين ألفاً حين عبروا البحر» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: أوحى الله إلى موسى: أن أجمع بني إسرائيل كل أربعة أبيات من بني إسرائيل في بيت، ثم اذبح أولاد الضان فاضرب بدمائها على كل باب، فإني سآمر الملائكة أن لا تدخل بيتاً على بابه دم، وسآمر الملائكة فتقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم وأهليهم، ثم اخبزوا خبز فطيرا فإنه أسرع لكم، ثم سر حتى تأتي البحر، ثم قف حتى يأتيك أمري.

فلما أن أصبح فرعون قال: هذا عمل موسى وقومه، قتلوا أبكارنا من أنفسنا وأهلينا.

وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن يحيى بن عروة بن الزبير قال: إن الله أمر موسى أن يسير ببني إسرائيل، وقد كان موسى وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع القمر، فدعا الله أن يؤخر طلوعه حتى يفرغ، فلما سار موسى ببني إسرائيل، أذن فرعون في الناس ﴿ إن هؤلاء لشرذمة قليلون ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب قال: خرج موسى من مصر ومعه ستمائة ألف من بني إسرائيل لا يعدون فيهم أقل من ابن عشرين ولا ابن أكثر من أربعين سنة فقال فرعون: ﴿ إن هؤلاء لشرذمة قليلون ﴾ وخرج فرعون على فرس حصان أدهم ومعه ثمانمائة ألف على خيل أدهم سوى ألوان الخيل، وكان جبريل عليه السلام على فرس شائع يسير بين يدي القوم ويقول: ليس القوم بأحق بالطريق منكم.

وفرعون على فرس أدهم حصان.

وجبريل على فرس أنثى.

فاتبعها فرس فرعون، وكان ميكائيل في أخرى القوم يقول: الحقوا أصحابكم حتى دخل آخرهم، وأراد أولهم أن يخرجوا فأطبق عليهم البحر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن ميمون قال: لما أراد موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر بلغ ذلك فرعون فقال: أمهلوهم حتى إذا صاح الديك فأتوهم.

فلم يُصِحْ في تلك الليلة الديك، فخرج موسى ببني إسرائيل وغدا فرعون، فلما أصبح فرعون أمر بشاة فأتي بها فأمر بها أن تذبح ثم قال: لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندي خمسمائة ألف فارس.

فاجتمعوا إليه فاتبعهم، فلما انتهى موسى إلى البحر قال له: وصيه يا نبي الله أين أمرت؟

قال: هاهنا في البحر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان طلائع فرعون الذين بعثهم في أثرهم ستمائة ألف ليس فيهم أحد إلا على بهيم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت سيما خيل فرعون الخرق البيض في أصداغها، وكانت جريدته مائة ألف حصان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار قال: اجتمع آل يعقوب إلى يوسف وهم ستة وثمانون انساناً ذكرهم وأنثاهم.

فخرج بهم موسى يوم خرج وهم ستمائة ألف ونيف.

وخرج فرعون على أثرهم يطلبهم على فرس أدهم على لونه من الدهم ثمانمائة ألف أدهم سوى ألوان الخيل، وحالت الريح الشمال.

وتحت جبريل فرس وريق وميكائيل يسوقهم لا يشذ منهم شاذة إلا ضمه فقال القوم: يا رسول الله قد كنا نلقى من فرعون من التعس والعذاب ما نلقى فكيف إن صنعا ما صنعنا فأين الملجأ؟

قال: البحر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس.

أنه قرأ ﴿ وإنا لجميع حاذرون ﴾ قال: مؤدون مُقِرّون.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الأسود بن يزيد انه كان يقرأها ﴿ وإنا لجميع حاذرون ﴾ يقول: مؤدون مقرون.

وأخرج عبد بن حميد عن الأسود.

أنه كان يقرأها ﴿ وإنا لجميع حاذرون ﴾ يقول: رادون مستعدون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.

أنه كان يقرأ ﴿ وإنا لجميع حاذرون ﴾ يقول: مادّون في السلاح.

وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن دينار قال: قرأ عبيد ﴿ وإنا لجميع حاذرون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ وإنا لجميع حاذرون ﴾ قال: مؤدون مقوّون في السلاح والكراع.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود ﴿ وإنا لجميع حاذرون ﴾ قال: مؤدون مقوّون في السلاح والكرام.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم.

إنه كان يقرأها ﴿ وإنا لجميع حاذرون ﴾ .

وأخرج ابن الأنباري في الوقف عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وإنا لجميع حاذرون ﴾ ما الحاذرون؟

قال: التامون السلاح قال فيه النجاشي: لعمر أبي أتاني حيث أمسى ** لقد تأذت به أبناء بكر خفيفة في كتاب حاذرات ** يقودهم أبو شبل هزبر وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ﴾ قال: كانوا في ذلك في الدنيا، فأخرجهم الله من ذلك، وأورثها بني إسرائيل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومقام كريم ﴾ قال: المنابر.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فأتبعوهم مشرقين ﴾ قال: اتبعهم فرعون وجنوده حين أشرقت الشمس ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون ﴾ قال موسى وكان أعلمهم بالله ﴿ كلا إن معي ربي سيهدين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ فأتبعوهم مشرقين ﴾ مهموزة مقطوعة الألف.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فأتبعوهم مشرقين ﴾ قال: خرج أصحاب موسى ليلاً، فكسف القمر ليلاً وأظلمت الأرض فقال أصحابه: أن يوسف كان أخبرنا: أنا سننجى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا، فخرج موسى من ليلته يسأل عن قبره، فوجد عجوزاً سألها على قبره، فأخرجته له بحكمها فكان حكمها أن قالت له: احملني فاخرجني معك، فجعل عظام يوسف في كساء.

ثم حمل العجوز على كساء فجعله على رقبته وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم ولا يبرح حسه عن موسى وأصحابه حتى برزوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن عبد الله القسري: إن مؤمن آل فرعون كان امام القوم قال: يا نبي الله أين أمرت؟

قال: أمامك...

قال: وهل أمامي إلا البحر؟

قال: والله ما كذبت ولا كذبت.

ثم سار ساعة فقال مثل ذلك، فرد عليه موسى مثل ذلك قال موسى وكان أعلم القوم بالله ﴿ كلا إن معي ربي سيهدين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَأَخْرَجْنَاهُمْ ﴾ يعني: فرعون وقومه (١) ﴿ مِنْ جَنَّاتٍ ﴾ قال مقاتل: يعني البساتين ﴿ وَعُيُونٍ ﴾ يعني: أنهارًا جارية (٢) (١) تفسير الطوسي 8/ 25، بنصه.

(٢) "تفسير مقاتل" 49 أ.

و"تنوير المقباس" 307.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ ﴾ هو يوم الزينة ﴿ نَتَّبِعُ السحرة ﴾ أي نتبعهم في نصرة ديننا لا في عمل السحر، لأن عمل السحر كان حراماً ﴿ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ ﴾ قسم أقسموا به، وقد تقدم في [الأعراف: 117] تفسير ما يأفكون، وما بعد ذلك ﴿ لاَ ضَيْرَ ﴾ أي لا يضرنا ذلك لأننا ننقلب إلى الله ﴿ أَسْرِ بعبادي ﴾ يعني بين إسرائيل ﴿ إِنَّكُم مّتَّبَعُونَ ﴾ إخبار باتباع فرعون ﴿ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴾ الشرذمة الطائفة من الناس، وفي هذا احتقار لهم على أنه روي أنهم كانوا ستمائة ألف، ولكن جنود فرعون أكثر منهم بكثير ﴿ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ يعني التي بمصر، والعيون الخلجان الخارجة من النيل، وكانت ثم عيون في ذلك الزمان، وقيل يعني الذهب والفضة وهو بعيد ﴿ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴾ مجالس الأمراء والحكام، وقيل: المنابر، وقيل: المساكن الحسان ﴿ كَذَلِكَ ﴾ في موضع خفض صفة لمقام أو في موضع نصب على تقدير: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج، أو في موضع رفع أنه خبر ابتداء تقديره: الأمر كذلك ﴿ وَأَوْرَثْنَاهَا بني إِسْرَائِيلَ ﴾ أي أورثهم الله مواضع فرعون بمصر، على أن التواريخ لم يذكر فيها ملك بني إسرائيل لمصر، وإنما المعروف أنهم ملكوا الشام، فتأويله على هذا أورثهم مثل ذلك بالشام ﴿ فَأَتْبَعُوهُم ﴾ أي لحقوهم، وضمير الفاعل لفرعون وقومه، وضمير المفعول لبني إسرائيل ﴿ مُّشْرِقِينَ ﴾ معناه داخلين في وقت الشروق وهو طلوع الشمس، وقيل: معناه نحو المشرق وانتصابه على الحال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ طسم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد.

وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وقرأ حمزة ويزيد مظهرة النون عند الميم ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ ويضيق ولا ينطلق ﴾ بالنصب فيهما: يعقوب.

﴿ أرجه ﴾ مثل ما في "الأعراف" ﴿ أين لنا ﴾ بالمد وبالياء.

يزيد وأبو عمرو وزيد وقالون.

وقرأ ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد بهمزة ثم ياء، وعن قنبل ﴿ إن لنا ﴾ على الخبر.

الباقون بهمزتين.

هشام يدخل بينهما مدة.

﴿ آمنتم ﴾ بالمد: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ آمنتم ﴾ على الخير: حفص غير الخزاز.

الأخرون ﴿ أأمنتم ﴾ بهمزتين.

﴿ بعبادي إنكم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر ﴿ حاذرون ﴾ بالألف: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

الباقون بغير الألف ﴿ فاتبعوهم ﴾ بالتشديد: زيد عن يعقوب.

الباقون بقطع الهمزة وسكون التاء ﴿ تراءى الجمعان ﴾ بكسر الراء والهمزة في الوصل: حمزة ونصير وهبيرة في طريق الخزاز.

واختلفوا في الوقف؛ فعن الكسائي بكسر الراء والهمزة على وزن "تريعى" وفي رواية أخرى عنه "ترائى" اي ترائى، والمشهور عنه "ترأ" بكسر الراء وفتح الهمزة، وأما حمزة فإنه يقف "ترى" بترك الهمزة وكسر الراء ويمد ويشير إلى موضع الهمزة وهو المصدر.

وأما هبيرة فإنه يقف "تريا" بكسر الراء ويشير إلى فتح الهمزة.

الباقون يقفون "تراءى" على وزن "تراعى" ﴿ معي ربي ﴾ بفتح الياء: حفص.

الوقوف: ﴿ طسم ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خاضعين ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للابدال أو البيان تسجيلاً عليهم بالظلم ﴿ فرعون ﴾ ط للعدول عن الأمر إلى الاستفهام ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ ويضيق ﴾ بالرفع على الاستئناف ﴿ هرون ﴾ ط ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ قال كلا ﴾ لا للعطف معنى لا لفظاً ﴿ مستمعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط لأن جواب الشرط محذوف اي إن كنتم موقنين فلا تكذبوني ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ تستمعون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المسجونين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ بسحره ﴾ ق قد قيل: بناء على أن ما بعده قول الملأ لفرعون والجمع للتعظيم، والأصح أنه من تتمة قول فرعون.

﴿ تأمرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما يتلوه جواب.

﴿ عليم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجتمعون ﴾ لا لاتصال المعنى ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ لمن المقربين ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ ما يأفكون ﴾ ه للآية وللدلالة على إسراعهم في السجود ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وهرون ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ه للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ السحر ﴾ ط للفاء ولام الابتداء ﴿ فلسوف تعلمون ﴾ ه لتقدير القسم ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ لا ضير ﴾ ط توقية لحق "إن" وإلا فالأصل هو الوصل لأن ما بعده هو القول في الحقيقة كما في "الأعراف" ﴿ منقلبون ﴾ ه ج للآية مع اتحاد المقول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه للآية مع أن التقدير بأن هؤلاء ﴿ قليلون ﴾ ه ﴿ لغائظون ﴾ ه ﴿ حاذرون ﴾ ه ط لابتداء الخبر من الله ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ كذلك ﴾ ط أي كما وعدنا بني إسرائيل إيراثها ثم أخبر عن وقوع الموعود لبني إسرائيل ﴿ مشرقين ﴾ ه ﴿ لمدركون ﴾ ه ووجه الوصل الإسراع في تداركهم عن خوف الإدراك ﴿ كلا ﴾ ج لاحتمال أن يكون للردع وأن يكون بمعنى حقاً ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ ط لأجل الفاء الفصيحة أي فضرب فانفلق ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه الآية ط ﴿ مأمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه.

التفسير: قال جار الله: معنى طسم إن آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين وقد مر مثله في أول "يوسف".

والبخع الإهلاك وقد مر في اول "الكهف".

عزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا ينفع كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا ينفع.

ثم بين أنه قادر على تنزيل آية ملجئة إلى الإيمان ولكن المشيئة والحكمة تقتضيان بناء الأمر على صورة الاختبار.

قال صاحب الكشاف: وجه عطف ﴿ فظلت ﴾ على ﴿ ننزل ﴾ كما قيل في قوله ﴿ فَأَصَّدَّقَ وأكن  ﴾ كأنه قيل: أنزلنا فظلت.

وأقول: الظاهر أن الفاء في ﴿ فظلت ﴾ لسببية بدليل عدم المستتر فيه كما في ﴿ ننزل ﴾ .

ووجه العدول إلى الماضي كما قيل في ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ وجه مجيء ﴿ خاضعين ﴾ خبراً عن الأعناق إذ الأعناق تكون مقحماً لبيان موضع الخضوع.

وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين أي حين وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل ﴿ خاضعين ﴾ كقوله ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين  ﴾ وقيل: أعناقهم رؤساؤهم كما يقال لهم الرؤوس والصدور.

وقيل: اراد جماعاتهم.

يقال: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم.

عن ابن عباس: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية.

قال: ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة.

ومعنى ﴿ ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ﴾ قد مر في سورة الأنبياء.

نبه  بذلك على أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين على الإيمان حكيم يأتيهم بالقرآن حالاً بعد حال رعاية لقاعدة التكليف.

ثم ذكر أنه  لا يحدد لهم توجيه موعظة وتذكير إلا جددوا ما هو نقيض المقصود، وذلك النقيض هو الإعراض والتكذيب والاستهزاء وهذا ترتيب في غاية الحسن كأنه قيل حين أعرضوا عن الذكر: فقد كذبوا به وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره حتى صار عرضة للاستهزاء.

وهذه درجات من أخذ في الشقاء فإنه يعرض أوّلاً، ثم يصرح بالتكذيب ثانياً، ثم يبلغ في التكذيب والإنكار إلى حيث يستهزئ.

وفي قوله ﴿ فسيأتيهم ﴾ وعيد لهم بعذاب بدر أو يوم القيامة وقد مر مثله في أول "الأنعام".

ثم بين أنه مع حكمته في إنزال القرآن حالاً بعد حال رحيم يظهر من الدلائل الحسية ما يكفي للمتأمل في باب النظر والاستدلال.

والزوج الصنف والكريم نعت لكل ما يرضى ويحمد في بابه منه "وجه كريم" إذا رضي في حسنه وجماله، و"كتاب كريم" مرضي في مبانيه، و"نبات كريم" مرضي فيما يتعلق به من المنافع، فما من نبت إلا وفيه نفع وفائدة من جهة وإن كانت فيه مضرة من جهة أخرى.

ويحتمل أن يراد بالكريم النافع منه وتكون المضارّ مسلوبة عنه.

قال جار الله: معنى الجمع بين "كم" و"كل" دون أن يقول "كم أنبتنا فيها من زوج كريم" هو أن "كلا" قد دل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و"كم" دل على أن هذا محيط مفرط الكثرة.

قلت: فالحاصل أن خلق النوع يصدق بخلق فرد واحد منه كما يصدق بخلق أفراد كثيرة.

فقوله ﴿ كل زوج ﴾ إشارة إلى خلق كل نوع من أنواع النبات، وقوله ﴿ كم أنبتنا ﴾ إشارة إلى كثرة افراد كل نوع منه وفيه تنبيه على كمال القدرة ونهاية الجود والرحمة ولهذا ختم الكلام بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإنبات أو في كل واحد من تلك الأزواج ﴿ الآية ﴾ على الإبداء والإعادة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن الله  طبع على قلوبهم ﴿ وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ فمن عزته قدر على عقوبتهم ومن رحمته بين لهم الدلائل ليتفكروا ويعتبروا، والرحمة إذا صدرت عن القدرة كانت أعظم موقعاً، واعلم أنه  كرر بعض الآيات في هذه السورة لأجل التأكيد و"التقرير"؛ فمن ذلك أنه كرر قوله ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ إلى قوله ﴿ الرحيم ﴾ في ثمانية مواضع: أولها في ذكر النبي  ، والثانية في قصة موسى، ثم إبراهيم، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب.

ومن ذلك قوله ﴿ ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ وهو مذكور في خمسة مواضع: في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.

ومن ذلك أنه كرر ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ في قصة نوح وهود وصالح وليس في ذكر النبي  : ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاَّ على رب العالمين  ﴾ لذكرها في مواضع من غير هذه السورة.

وليس في قصة موسى لأنه رباه فرعون حيث قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ ولا في قصة إبراهيم لأن اباه في المخاطبين حيث يقول: ﴿ إذ قال لأبيه وقومه  ﴾ وهو قد ربَّاه فاستحيا موسى وإبراهيم أن يقولا ﴿ وما أسألكم عليه من أجر ﴾ وإن كانا منزهين من طلب الأجر.

ثم إنه  أعاد في هذه السورة قصص الأنبياء المشهورين مع أممهم اعتباراً لهذه الأمة، وبدأ بقصة موسى لما فيها من غرائب الأحوال وعجائب الأمور.

والنداء المسموع عند الأشعري هو الكلام القديم الذي لا يشبه الحروف والأصوات، وعند المعتزلة وإليه ميل أبي منصور الماتريدي أنه من جنس الحروف والأصوات وأنه وقع على وجه علم به موسى أنه من قبل الله  وقد عرفه أنه سيظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك.

قال جار الله: قوله ﴿ ألا يتقون ﴾ كلام مستأنف فيه تعجيب لموسى من حالهم الشنعاء في قلة خوفهم وكثرة ظلمهم، أو حال أدخلت عليه همزة الإنكار.

ثم إن موسى خاف أن يذكب عند أداء الرسالة فاستظهر بهارون.

وفي قراءة النصب خاف التكذيب المستتبع لضيق الصدر المستلزم لاحتباس اللسان عن الجريان في الكلام، ولعله اراد بهذه الحبسة عقدة في لسانه قبل إجابة دعوته أو بقية يروى أنها بقيت بعد الإجابة كما مر في "طه".

ومعنى ﴿ فأرسل إلى هارون ﴾ أرسل إليه جبريل واجعله نبياً يصدقني في أمري فاختصر الكلام اختصاراً.

ثم ذكر أن لهم عليه ذنباً فسمى جزاء الذنب ذنباً، أو المضاف محذوف اي تبعه ذنب وهو قود قتل القبطي كما سيجيء تفصيله في سورة القصص.

فيمكن أن يقتل قبل أداء الرسالة فلا يتمكن من المقصود، وهذا قد جوزه الكعبي وغيره من البغداديين.

وقال الأكثرون: الأقرب من حال الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله  الرسالة أنه يمكنهم من أدائها فلا معنى للخوف من القتل قبل الأداء.

نعم لو خاف بعد الأداء جاز وذلك لما جبل عليه طبع الإنسان من التنفر عن القتل فيسأل الله الأمان من ذلك وقد جمع الله له بقوله ﴿ كلا ﴾ الكلاءة وبقوله ﴿ فاذهبا ﴾ استنباء أخيه كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون ﴿ ومعكم ومستمعون ﴾ خبران لأن أو الخبر ﴿ مستمعون ﴾ و ﴿ معكم ﴾ متعلق به.

ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد معية النصرة والمعونة، وأما الاستماع فمجاز أيضاً وإن كان إطلاق السمع على الله حقيقة لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء ولا بد فيه من الجارحة.

فحاصل الآية إنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه.

وإنما وحد الرسول في قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ لأنه أراد كل واحد أو أراد الرسول بمعنى المصدر أي ذو رسالة رب العالمين.

يقال: أرسلتهم برسول اي برسالة أو جعلا لاتفاقهما واتحاد مطلبهما كرسول واحد.

وههنا إضمار دل عليه سياق الكلام أي فأتيا فرعون فقالا له ذلك.

يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين.

فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه.

فأديا إليه الرسالة فعرف أنه موسى فعند ذلك قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ أي صبياً وذلك لقرب عهده من الولادة.

قيل: مكث فيهم ثلاثين سنة من أول عمره.

وقيل: وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة ففر منهم.

والفعلة الوكزة عدد عليه نعمه، ثم وبخه بقتل نفس منهم وسماه كافراً لنعمه بسبب ذلك.

وجوز جار الله أن يراد وأنت إذ ذاك ممن يكفر بالساعة فيكون قد افترى على موسى أو جهل أمره لأنه كان يعايشهم بالتقية.

وإنما قلنا إنه افتراء أو جهل لأن الكفر غير جائز على الأنبياء ولو قبل النبوة، ويجوز أن يراد أنه من الكافرين بفرعون وإلهيته أو بآلهة كانوا يعبدونها.

قال  : ﴿ ويذرك وآلهتك  ﴾ ثم إن موسى ما أنكر تربيته ولكن أنكر الكفر فلم ينسب نفسه إلا إلى الضلال وأراد به الذهاب عن الصواب، أو أراد النسيان أو الخطأ وعدم التدبر في أدبار الأمور.

ثم ذكر موهبة ربه في حقه حين فر من فرعون وملئه المؤتمرين بقتله.

والحكم العلم بالتوحيد وكمال العقل والرأي، ولا تدخل فيه النبوة ظاهراً لئلا يلزم شبه التكرار بقوله: ﴿ وجعلني من المرسلين ﴾ قال جار الله ﴿ وتلك ﴾ إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بعد أن فسرت بقوله ﴿ أن عبدت ﴾ نظيره قوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ كأنه أبى أن يسمي نعمته إلا نقمة لأن تعبيدهم أي تذليلهم واتخاذهم عبيداً وقصدهم.

بذبح أبنائهم صار هو السبب في حصوله عنده وفي تربيته فلهذا قال الزجاج: "أن" مع ما بعده في موضع نصب أي إنما صارت نعمة عليّ لأن عبدت بني إسرائيل إذ لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم ومن هنا قال جار الله: إن قول موسى ﴿ فعلتها إذن ﴾ جواب لقول فرعون ﴿ وفعلت فعلتك ﴾ وجزاء له كأن فرعون قال: جازيت نعمتي بما فعلت.

فقال موسى: فعلتها مجازياً لك وإن نعمتك جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء.

وقال الحسن: أراد أنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت عليّ فلا نعمة لك بالتربية على أن التربية كانت من قبل أمي وعشيرتي ولم يكن منك إلا أنك لم تقتلني.

وقيل: اراد أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في الإطعام والكسوة.

واعلم أن للعلماء خلافاً في نعمة الكافر فقيل: إنها لا تستحق الشكر لأن الكافر يستحق الإهانة بكفره فلو استحق الشكر لإنعامه لزم الجمع بين الإهانة والتعظيم في حق شخص واحد في وقت واحد.

وقيل: لا يبطل بالكفر إلا الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان، وفي الآية نوع دلالة على كل من القولين.

ثم إن موسى حين أدى رسالته من قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ﴿ قال فرعون وما رب العالمين ﴾ وقد سبق مراراً أن كفره احتمل أن يكون كفر عناد وأ، يكون كفر جهالة، والذي يختص بالمقام هو أن ما يطلب به حقيقة الشيء وماهيته، وهذا هو الذي قصده فرعون بسؤاله ولم يعرف أن الماهية لا تطلق على ذاته تعالى إذ لا أجزاء لها حدية ولا تقديريه ولا بأي وجه فرض ضرورة انتهاء الكل إليه واستغنائه عن الكل من كل الوجوه، فلا يصح أن يسأل عنه بما هو ولا بكيف هو ولا بأي شيء هو ولا بهل هو، غاية ذلك أن ينبه على وجوده الذي هو أظهر الأشياء بلوازمه وآثاره على وجه يعم الكل كما يقال: إنه رب السموات والأرض وما بينهما، أو بأخص من ذلك بأن يقال مثلاً: ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين ﴾ وهو الاستدلال بالأنفس أو يقال ﴿ رب المشرق والمغرب وما بينهما ﴾ من الجهات المفروضة على السماء من لدن طلوع الكواكب إلى غروبها وبالعكس وهو الاستدلال بالآفاق.

وقد راعى في الجواب الأول طريقة اللطف فختم بقوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ أي إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وجلائه.

وخاشنهم في الأخير بقوله ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله ﴿ إن رسولكم ﴾ ويمكن أن يراد بقوله ﴿ وما بينهما ﴾ ثانياً ما بين المشرق والمغرب من المخلوقات فيكون الفرق بين هذا الاستدلال وبين الأول أن الأول هو الاستدلال بالإمكان على طريقة الحكيم، والثاني هو الاستدلال بالحدوث على طريقة المتكلمين، والأول أقرب إلى اليقين فلهذا قال ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ والثاني أقرب إلى الحس فلهذا قال ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ ولما انجر الكلام إلى حد العناد والمخاشنة هدده فرعون بقوله: ﴿ لئن اتخذت إلهاً غيري لاجعلنك من المسجونين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال: "لأسجننك" والمعنى لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه يطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع، وحينئذ عدل موسى إلى الحجة الأصلية في الباب وهو ادعاء المعجز المنبئ عن صدقه فقال ﴿ أولو جئتك ﴾ أي أتفعل فيَّ ذلك ولو جئتك بشيء أي جائياً بالمعجزة.

وفي قوله ﴿ إن كنت من الصادقين ﴾ إن سلم أنه قاله جداً لا هزلاً وجدالاً دلالة على ما ركز في العقول من أن دعوى الرسالة إن اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق صدقها.

وقد شنع في الكشاف ههنا أن في أهل القبلة من خفي عليهم ما لم يخف على فرعون حتى جوزوا القبيح عليه  ولزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات.

وفي التخطئة سهو من وجهين: أحدهما: أنه لا قبيح عند الأشاعرة عقلاً.

والثاني أنه على تقدير التسليم لا يلزم تجويز كل قبيح وهذا من ذلك للزوم الاشتباه.

وباقي القصة سبق نظيرها في "الأعراف" فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالسورة.

قوله ﴿ قال للملأ حوله ﴾ قال في الكشاف: الظرف في محل النصب على الحال.

وأقول: الأصوب أن يجعل نعتاً للملأ أي الأشراف حوله على طريقة قوله: ولقد أمرّ على اللئيم يسبني *** قوله ﴿ لمقيات يوم معلوم ﴾ اليوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى كما مر في "طه".

قوله ﴿ هل أنتم مجتمعون ﴾ استبطاء لهم في الاجتماع وحث عليه كقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق إذا أراد أن يحثه على الانطلاق.

قوله ﴿ لعلنا نتبع السحرة ﴾ لم يكن غرضهم اتباع السحرة في دينهم وإنما غرضهم الأصلي أن لا تتبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق المجاز لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى.

قوله ﴿ بعزة فرعون ﴾ هي من أيمان الجاهلية ولا يصح الحلف في الإسلام إلا بالله  وبصفاته كما مر في "البقرة" و"المائدة".

وقوله ﴿ فألقى السحرة ﴾ لم يسم فاعله وهو الله  في الحقيقة حين ألقى داعية الإيمان في قلوبهم ويجوز أن ينسب إلى ما عاينوا من المعجزات الباهرة ولك أن لا تقدر فاعلاً أي خروا.

قوله ﴿ لا ضير ﴾ أي لا ضير علينا فيما يتوعدنا به من القتل.

قوله ﴿ إنا نطمع ﴾ الطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين كقوله إبراهيم ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي ﴾ ويحتمل الظن بناء على أن المرء لا يعلم ما يختاره أو يؤل إليه عند الوفاة.

ومعنى ﴿ أن كنا ﴾ لأن كنا وكانوا أوّل طائفة مؤمنين من أهل زمانهم أو من قوم فرعون أو من أهل المشهد.

قوله: ﴿ إِنكم متبعون ﴾ تعليل للإسراء أي بنيت تدبير أمركم على أن تتقدموا لو يتبعكم فرعون وجنوده إلى أن يغشاهم من اليم ما يغشاهم.

قوله: ﴿ لشرذمة ﴾ هي الطائفة القليلة.

ثم وصفهم بالقلة واختار جمع السلامة ليدل على أن كل حزب منهم في غاية القلة، وذلك بالنسبة إلى عسكره وإلا فهم كثير في أنفسهم.

يروى أن فرعون أرسل في اثرهم الف ألف وخمسمائة الف ملك مسور مع كل ملك الف وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت على مقدّمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وكان قوم موسى إذ ذاك ستمائة ألف وسبعين ألفاً.

ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والحقارة لا قلة العدد.

قوله: ﴿ وإنهم لنا لغائطون ﴾ معناه أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم ولكنهم يفعلون أفعالاً لغيظنا كأخذ الحلي وادّعاء الاستقلال والاستخلاص عن ذل الاستخدام ونحن قوم مجموعون كلمة وائتلافاً، ومن عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور.

فالحذر المتيقظ وهو يفيد الثبات والحاذر الذي يجدد حذره.

وقيل: هو تام السلاح لأنه فعل ذلك حذراً واحتياطاً لنفسه، وكل هذه المعاذير لأجل أن لا يظن به العجز وخلاف ما ادّعاه من القهر والتسلط.

وقرئ ﴿ حادرون ﴾ بالدال غير المعجمة، والحادر السمين القوي أراد أنهم أقوياء أشدّاء.

﴿ فأخرجناهم من جنات ﴾ أي بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة.

قال مجاهد: سماها كنوزاً لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله  .

والمقام الكريم المنازل الحسنة والمجالس البهية.

وقال الضحاك: المنابر.

وقيل: السرر في الحجال.

﴿ كذلك ﴾ يحتمل النصب أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا، والجر على الوصف أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، ولارفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، وعلى هذا فيوقف على ﴿ كريم ﴾ .

﴿ فأتبعوهم ﴾ اي فلحقوهم.

ومن قرأ بالتشديد فظاهر.

والإشراق الدخول في وقت الشروق ﴿ فلما تراءى الجمعان ﴾ أي رأى قوم موسى قوم فرعون وحصل كل من الفريقين بمرأى للآخر ﴿ قال أصحاب موسى ﴾ خوفاً وفزعاً ﴿ إنا لمدركون ﴾ لملحقون.

قال موسى تثبيتاً لهم وردعاً عماهم عليه من الجزع والفزع ﴿ كلا إن معي ربي ﴾ بالنصرة والمعونة ﴿ سيهدين ﴾ سبيل النجاة والخلاص كما وعدني.

ثم بين أنه كيف هداه بقوله ﴿ فأوحينا ﴾ الآية.

ومعنى ﴿ فانفلق ﴾ فضرب فانفلق ﴿ فكان كل فرق ﴾ اي كل جزء متفرق منفلق منه ﴿ كالطود ﴾ وهو الجبل العظيم ومع ذلك وصفه بالعظيم ﴿ وأزلفنا ثم ﴾ أي قربنا حيث انفلق البحر ﴿ الآخرين ﴾ وهم قوم فرعون والمقرب منه بنو إسرائيل أو قوم فرعون أيضاً أي أدنينا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد، ويجوز أن يراد قدمانهم إلى البحر.

وقرئ ﴿ وأزلقنا ﴾ بالقاف أي أزللنا أقدامهم حساً بأن لم يكن لهم البحر يبساً كما كان لبني إسرائيل، أو عقلاً أي أذهبنا عزهم.

والبحر بحر القلزم أو بحر من وراء مصر يقال له أساف.

قالت الأشاعرة: إنه  أضاف الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم في طلب موسى كفر.

أجاب الجبائي بأن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله  ، فلما كان مسيرهم بتدبير الله وهؤلاء تبعوهم اضافه إلى نفسه توسعاً، وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول: أتعبني الغلام لما حدث ذلك عند فعله.

أو المراد أزلفناهم إلى الموت والأجل.

وقال الكعبي: أراد أنه جمع تفرقهم كيلا يصلوا إلى موسى وقومه، أو اراد أنه حلم عنهم وترك لهم لابحر يابساً حتى طمعوا في دخوله.

واعترض بأن كل ذلك لا بد أن يكون له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم فيعود المحذور.

﴿ إن في ذلك ﴾ الذي حدث في البحر من إنجاء البعض وإغراق البعض أو في ذلك أي ذكر من القصة بطولها ﴿ لآية ﴾ عجيبة للمتدبر المتفكر في الأمور الإلهية ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ حين سألوا بعد النجاة أن يجعل لهم موسى إلهاً غير الله، واتخذوا العجل، واقترحوا اقتراحات خارجة عن قانون الأدب.

ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الأمة بدليل ﴿ واتل عليهم  ﴾ وفيه تسلية لرسول الله  فقد كان يغتم بتكذيب قومه بعد ظهور المعجزات ونزول الآيات.

التأويل: الطاء طوله في كمال عظمته، والسين سلامته عن كل عيب ونقص، والميم مجده الذي لا نهاية له.

أو الطاء طهارة قلب نبيه عن تعلقات الكونين، والسين سيادته على الأنبياء والمرسلين، واليمم مشاهدته جمال رب العالمين.

أو الطاء طيران الطائرين بالله، والسين سير السائرين إلى الله، والميم مشي الماشين لله الذين يمشون على الأرض هوناً.

﴿ إن نشأ ننزل ﴾ من سماء قلوبهم ﴿ آية ﴾ من واردات الحق ﴿ فظلت ﴾ أعناق نفوسهم ﴿ لها خاضعين ﴾ ﴿ فسيأتيهم ﴾ بعد مفارقة الأرواح الأجساد ﴿ أنباء ما كانوا به يستهزؤن ﴾ لظهور نتائج معاملاتهم الخبيثة على أرواحهم ﴿ أو لم يروا إلى ﴾ أرض قلوب العارفين ﴿ كما أنبتنا فيها ﴾ من اشجار أصناف الإيمان والتوكل واليقين والإخلاص وسائر الأخلاق الكريمة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن جناب الحق لعزته يجل عن أن يكون شرعة لكل وارد ﴿ وإن ربك لهو العزيز ﴾ الذي لا يوجد بالسعي ﴿ الرحيم ﴾ حين أدرك أولياءه بجذبات العناية كما أدرك موسى حين ناداه من الشجرة، وذلك لأنه جعله مظهر لطفه كما أ نه جعل فرعون مظهر قهره فصار من العتوّ والاستكبار في غاية الكمال.

ويعلم منه أن الإنسان له استعداد في مظهرية صفة القهر ليس لإبليس فلذلك عاند إبليس آدم وقال أنا خير منه وعاند فرعون الرب وقال أنا ربكم الأعلى.

وأن له استعداداً في مظهرية صفة اللطف ليس للملك ولهذا صار الإنسان مسجوداً للملائكة.

﴿ أن أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيه أن موسى القلب مرسل إلى فرعون النفس لئلا تستعيد الصفات الروحانية فإن لفرعون النفس في البداية استيلاء على موسى القلب والصفات الروحانية فاستعملهم في قضاء حوائجه وتحصيل مقاصده فعرفه فرعون النفس وقال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ فإن موسى القلب كان في حجر فرعون النفس إلى أن بلغ أوان الحلم وهي خمس عشرة سنة، فقتل قبطي الشهوة حين كفر بإله الهوى وكان قبل القتل ضالاً عن حضرة الربوبية ﴿ ففرت منكم ﴾ غلى الله لما خفت أن تقطعوا عليّ الطريق إلى الله.

رب سموات القلوب وأرض البشرية وما بينهما من المنازل ﴿ قال لمن حوله ﴾ من صفات النفس ﴿ الا تستمعون ﴾ ﴿ قال موسى ﴾ القلب لتعارفه بربه ﴿ ربكم ورب آبائكم الأوّلين ﴾ يعني الآباء العلوية الرحانية.

وفي قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ إشارة إلى كمال ضدية القلب والنفس فما يصدر عن القلب تعده النفس من الجنون وبالعكس.

﴿ رب ﴾ مشرق الروح من أفق البدن ﴿ ورب ﴾ مغربه فيه ﴿ وما بينهما ﴾ من مدة التعلق وقد مر نظيره في محاجة إبراهيم في "البقرة" ﴿ لأجعلنك من المسجونين ﴾ في سجن حب الدنيا فإن القلب إذا توجه إلى الله فلا استيلاء للنفس عليه إلا بشبكة حب النجاة والرياسة فإنها آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين.

فقال موسى القلب: لا تقدر على أن تسجنني فإن معي عصا الذكر واليد المنزعة عما سوى الله.

وباقي التأويل قد سبق قوله: ﴿ فأخرجناهم ﴾ أي ﴿ من جنات ﴾ صفات الأوصاف الروحانية ﴿ وعيون ﴾ الحكمة ﴿ وكنوز ﴾ المعارف ﴿ ومقام كريم ﴾ في حضرة أكرم الأكرمين ﴿ وأورثاها بني إسرائيل ﴾ فيه أن النفس إذا فنيت ورث القلب منها صفاتها وبقوتها تصير إلى مقامات لم يمكنه الوصول إليها بقوة صفاته، ولو مات القلب ورثت النفس منه صفاته وبقوتها تتنزل إلى دركات لم يمكنها الوصول إليها بمجرد صفاتها ﴿ فأتبعوهم ﴾ أي لحق أوصاف النفس أوصاف القلب عند إشراق شمس الروح ﴿ فكان كل فرق ﴾ فيه أن كل صفة من أوصاف الروح كجبل عظيم في العبور عنه.

﴿ وأزلفنا ثم الآخرين ﴾ أي قربنا صفات النفس بتبعية صفات القلب إلى بحر الروح.

﴿ وأنجينا موسى ومن معه ﴾ من الأوصاف في بحر الروح بالوصول إلى الحضرة ﴿ ثم أغرقنا ﴾ أوصاف النفس في بحر الروحانية فإن الوصول إلى الحضرة من خواص القلب وغاية سير النفس هو الاستغراق في بحر الروحانية ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ لأرباب العرفان ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ بهذه المنازل فإنه لا يصير إليها إلا الشاذ من المجذوبين بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ جعلنا الله من المستعدين لها والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ إِنَّكُم مّتَّبَعُونَ ﴾ : السرى: سير الليل، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ  ﴾ ، أي: يتبعكم فرعون وقومه.

وقوله: ﴿ فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ ﴾ أي: أرسل في المدائن من يحشر الجنود والعساكر.

وقالوا: ﴿ إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ يعنون: أصحاب موسى ﴿ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴾ قال بعضهم: الشرذمة: الجماعة العصابة، أي: عصابة قليلة.

وقال بعضهم: ﴿ إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴾ أي: طائفة قليلة.

﴿ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ ﴾ : في الحلي الذي استعاروه منا، أي: ذهبوا به، مغايظة لنا.

وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ ﴾ بما فعلنا بهم من قتل أولادهم، واستحيائهم نساءهم، ورجالهم يفعلون بنا ما فعلنا بهم إن ظفروا.

وقوله: ﴿ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ﴾ : وحذرون: قال بعضهم: من الحذر.

وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ﴾ أي: مؤدون، أي: مقوون، أي: معنا أداة أصحاب الحرب، والمقوي: الذي دابته قوية.

وقال بعضهم: حاذرون، أي: مستعدون للحرب.

وقال بعضهم: ﴿ حَاذِرُونَ ﴾ لما حدث لهم من الخوف، والحذر للحال حذر المعاودة، أي: حذروا أن يعودوا إليهم، وحذرون أي: كنا لم نزل منهم على حذر.

وقال أبو معاذ: حاذرون: مؤدون من الأداة، أي: تام السلاح.

وفي خروج موسى ببني إسرائيل مع كثرتهم على ما ذكر أنهم كانوا ستمائة ألف فصاعداً من غير أن علم القبط بذلك - آية عظيمة؛ إذ لا يقدر نفر الخروج من محلة أو ناحية إلا ويعلم أهلها بخروجهم، ففي ذلك كان آية عظيمة؛ حيث خرجوا من بينهم من غير أن علم أحد منهم بذلك.

وقوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَاهُمْ ﴾ يعني: فرعون وقومه، ﴿ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴾ أي: حسن، ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ ﴾ أي: تبع فرعون وقومه حين شرقت الشمس أي: طلعت - ومشرقين أي: كانوا في الشمس، أي: قوم موسى صاروا في الشمس، يقال: أشرقنا إذا صاروا فيها.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ ﴾ : جمع موسى وجمع فرعون، أي: إذا تراءى بعضهم بعضاً، ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ قال موسى ﴿ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ : كان قوم موسى لم يعلموا بالبشارة التي بشرها الله موسى أنهم لا يدركون، وهو ما قال: ﴿ لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ  ﴾ أي: لا تخاف دركهم ولا تخشى فرعون وقومه؛ لذلك قالوا: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ وكانت البشارة لهم لا لموسى خاصة، يدل لذلك قول موسى: ﴿ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ على أثر قولهم: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ أي: كلا إنهم لا يدركونكم.

وقوله: ﴿ فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ ﴾ أي: انشق؛ وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: ﴿ فانشق ﴾ .

﴿ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ أي: كالجبل العظيم، [والطَّوْد] والطور واحد، وأطواد جماعة.

وقوله: ﴿ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ ﴾ : قال الحسن: أزلفنا، أي: أهلكنا ثم الآخرين.

وقال بعضهم: جمعنا، ومنه قيل: ليلة المزدلفة، أي: ليلة الازدلاف وهو الاجتماع؛ وكذلك قيل للموضع: جمع.

فإن كان التأويل هذا ففيه دلالة أن لله في فعل العباد صنعاً وتدبيراً؛ لأنه أضاف الجمع إليه، وهم إنما كانوا خرجوا للمعصية؛ فدل ذلك أنه على ما ذكرنا.

وقال بعضهم: ﴿ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ ﴾ أي: أدنيناهم وقربناهم، ومنه زلفك الله، أي: قربك الله، ويقال: أزلفني كذا عند فلان، أي: قربني منه، والزلف: المنازل، والمراقي؛ لأنها تدنو بالمسافر، ومنه: ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ أي: أدنيت وقربت؛ وكذلك قال أبو عوسجة والقتبي.

وقوله: ﴿ وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ ﴾ الآية ظاهرة.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ أي: في هلاك فرعون وقومه، وإنجاء موسى ومن معه متعظ ومزجر لمن بعدهم؛ حيث رأوا أنه أهلك الأعداء، وأبقى الأولياء.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ : هذا يحتمل وجوهاً: قال بعضهم: لم يكن أكثر أهل مصر بمصدقين بتوحيد الله؛ إذ لو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا، ولكن غير هذا كأنه أشبه، أي: لو لم يهلكهم الله  ، ولكن أبقاهم لم يؤمن أكثرهم.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم ﴾ من بني إسرائيل ﴿ مُّؤْمِنِينَ ﴾ أي: لم يدم أكثرهم على الإيمان، بل ارتد أكثرهم من بعد ما أنجاهم حيث قالوا لموسى: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : المنتقم من فرعون.

وقوله: ﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : بموسى ومن معه من المؤمنين، هذا في هذا الموضع يستقيم أن يصرف تأويل العزيز إلى الأعداء، والرحيم إلى الأولياء، كل حرف من ذلك إلى الفريق الذي يستوجب ذلك: الرحمة إلى المؤمنين، والنقمة إلى الأعداء.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأخرجنا فرعون وقومه من أرض مصر ذات الحدائق الغناء، والعيون الجارية بالماء.

<div class="verse-tafsir" id="91.Gjw37"

مزيد من التفاسير لسورة الشعراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده