الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ٦٦ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 72 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٦ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين ) أي : أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن معهم على دينهم فلم يهلك منهم أحد ، وأغرق فرعون وجنوده ، فلم يبق منهم رجل إلا هلك .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا شبابة ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - أن موسى ، عليه السلام ، حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون ذلك ، فأمر بشاة فذبحت ، ثم قال : لا والله لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط .
فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر ، فقال له : انفرق .
فقال البحر : لقد استكبرت يا موسى ، وهل انفرقت لأحد من ولد آدم فأنفرق لك؟
قال : ومع موسى رجل على حصان له ، فقال له ذلك الرجل : أين أمرت يا نبي الله؟
قال : ما أمرت إلا بهذا الوجه [ يعني : البحر ، فأقحم فرسه ، فسبح به فخرج ، فقال : أين أمرت يا نبي الله؟
قال : ما أمرت إلا بهذا الوجه ] .
قال : والله ما كذبت ولا كذبت .
ثم اقتحم الثانية فسبح ، ثم خرج فقال : أين أمرت يا نبي الله؟
قال : ما أمرت إلا بهذا الوجه؟
قال : والله ما كذبت ولا كذبت .
قال : فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ، فضربه موسى بعصاه ، فانفلق ، فكان فيه اثنا عشر طريقا ، لكل سبط طريق يتراءون ، فلما خرج أصحاب موسى وتتام أصحاب فرعون ، التقى البحر عليهم فأغرقهم .
وفي رواية إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله قال : فلما خرج آخر أصحاب موسى ، وتكامل أصحاب فرعون ، اضطم عليهم البحر ، فما رئي سواد أكثر من يومئذ ، وغرق فرعون لعنه الله .
وقوله: ( ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ ) يقول: ثم أغرقنا فرعون وقومه من القبط في البحر بعد أن أنجينا موسى منه ومن معه.
يعني فرعون وقومه .
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ لم يتخلف منهم عن الغرق أحد.
( ثم أغرقنا الآخرين ) فرعون وقومه .
وقال سعيد بن جبير : كان البحر ساكنا قبل ذلك ، فلما ضربه موسى بالعصا اضطرب فجعل يمد ويجزر .
«ثم أغرقنا الآخرين» فرعون وقومه بإطباق البحر عليهم لما تم دخولهم في البحر وخروج بني إسرائيل منه.
وقرَّبْنا هناك فرعون وقومه حتى دخلوا البحر، وأنجينا موسى ومَن معه أجمعين.
فاستمر البحر على انفلاقه حتى عبروا إلى البر، ثم أغرقنا فرعون ومن معه بإطباق البحر عليهم بعد أن دخلوا فيه متبعين موسى وقومه.
( ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخرين ) وهم فرعون وجنوده .
اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام قوله: ﴿ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ ﴾ بين تعالى بعده كيف هداه ونجاه، وأهلك أعداءه بذلك التدبير الجامع لنعم الدين والدنيا، فقال: ﴿ فَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق ﴾ ولا شبهة في أن المراد فضرب فانفلق لأنه كالمعلوم من الكلام إذ لا يجوز أن ينفلق من غير ضرب ومع ذلك يأمره بالضرب لأنه كالعبث ولأنه تعالى جعله من معجزاته التي ظهرت بالعصا ولأن انفلاقه بضربه أعظم في النعمة عليه، وأقوى لعلمهم أن ذلك إنما حصل لمكان موسى عليه السلام، واختلفوا في البحر، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر مع بني إسرائيل أمرهم أن يخوضوا البحر فامتنعوا إلا يوشع بن نون فإنه ضرب دابته وخاض في البحر حتى عبر ثم رجع إليهم فأبوا أن يخوضوا فقال موسى للبحر انفرق لي فقال ما أمرت بذلك ولا يعبر عن العصاة، فقال موسى يا رب قد أبى البحر أن ينفرق، فقيل له اضرب بعصاك البحر فضربه فانفرق فكان كل فرق كالطود العظيم أي كالجبل العظيم وصار فيه اثنا عشر طريقاً لكل سبط منهم طريق فقال كل سبط قتل أصحابنا فعند ذلك دعا موسى عليه السلام ربه فجعلها مناظر كهيئة الطبقات حتى نظر بعضهم إلى بعض على أرض يابسة، وعن عطاء بن السائب أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون وكان يقول لبني إسرائيل ليلحق آخركم بأولكم، ويستقبل القبط فيقول رويدكم ليلحق آخركم، وروي أن موسى عليه السلام قال عند ذلك: «يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن بعد كل شيء».
فأما قوله: ﴿ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم ﴾ فالفرق الجزء المنفرق منه، وقرئ (كل فلق) والمعنى واحد والطود الجبل المتطاول أي المرتفع في السماء وهو معجز من وجوه: أحدها: أن تفرق ذلك الماء معجز.
وثانيها: أن اجتماع ذلك الماء فوق كل طرف منه حتى صار كالجبل من المعجزات أيضاً لأنه كان لا يمتنع في الماء الذي أزيل بذلك التفريق أن يبدده الله تعالى حتى يصير كأنه لم يكن فلما جمع على الطرفين صار مؤكداً لهذا الإعجاز.
وثالثها: أنه إن ثبت ما روي في الخبر أنه تعالى أرسل على فرعون وقومه من الرياح والظلمة ما حيرهم فاحتبسوا القدر الذي يتكامل معه عبور بني إسرائيل فهو معجز ثالث.
ورابعها: أن جعل الله في تلك الجدران المائية كوى ينظر منها بعضهم إلى بعض فهو معجز رابع.
وخامسها: أن أبقى الله تعالى تلك المسالك حتى قرب منها آل فرعون وطمعوا أن يتخلصوا من البحر كما تخلص قوم موسى عليه السلام فهو معجز خامس.
أما قوله تعالى: ﴿ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الأخرين ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: قال ابن عباس وابن جريج وقتادة والسدي ﴿ وَأَزْلَفْنَا ﴾ أي وقربنا ثم أي حيث انفلق البحر للآخرين قوم فرعون ثم فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قربناهم من بني إسرائيل.
وثانيها: قربنا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد.
وثالثها: قدمناهم إلى البحر ومن الناس من قال: ﴿ وَأَزْلَفْنَا ﴾ أي حبسنا فرعون وقومه عند طلبهم موسى عليه السلام بأن أظلمنا عليهم الدنيا بسحابة وقفت عليهم فوقفوا حيارى، وقرئ ﴿ وأزلقنا ﴾ بالقاف أي أزللنا أقدامهم والمعنى أذهبنا عزهم ويحتمل أن يجعل الله طريقهم في البحر على خلاف ما جعله لبني إسرائيل يبساً وأزلقهم.
البحث الثاني: أنه تعالى أضاف ذلك الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم هنالك في طلب موسى كفر أجاب الجبائي عنه من وجهين: الأول: أن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله تعالى فلما كان مسيرهم بتدبيره وهؤلاء تبعوا ذلك أضافه إلى نفسه توسعاً وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول أتعبني الغلام لما حدث ذلك فعله الثاني: قيل: ﴿ العظيم وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الأخرين ﴾ أي أزلفناهم إلى الموت لأجل أنهم في ذلك الوقت قربوا من أجلهم وأنشد: وكل يوم مضى أو ليلة سلفت *** فيها النفوس إلى الآجال تزدلف وأجاب الكعبي عنه من وجهين: الأول: أنه تعالى لما حلم عنهم، وترك البحر لهم يبساً وطمعوا في عبوره جازت الإضافة كالرجل يسفه عليه صاحبه مراراً فيحلم عنه، فإذا تمادى في غيه وأراه قدرته عليه قال له أنا أحوجتك إلى هذا وصيرتك إليه بحلمي، لا يريد بذلك أنه أراد ما فعل الثاني: يحتمل أنه أزلفهم أي جمعهم ليغرقهم عند ذلك ولكي لا يصلوا إلى موسى وقومه والجواب: عن الأول أن الذي فعله بنو إسرائيل هل له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم أوليس له أثر فيه فإن كان الأول فقد حصل المقصود لأن لفعل الله تعالى أثراً في حصول الداعية المستلزمة لذلك الإزلاف، وإن لم يكن له فيه أثر ألبتة فقد زال التعلق فوجب أن لا تحسن الإضافة، وأما إذا تعب أحدنا في طلب غلام له، فإنما يجوز أن يقول أتعبني ذلك الغلام لما أن فعل ذلك الغلام صار كالمؤثر في حصول ذلك التعب لأنه متى فعل ذلك الفعل فالظاهر أنه يصير معلوماً للسيد، ومتى علمه صار علمه داعياً له إلى ذلك التعب ومؤثراً فيه فصحت الإضافة.
وبالجملة فعندنا القادر لا يمكنه الفعل إلا بالداعي فالداعي مؤثر في صيرورة القادر مؤثراً في ذلك الفعل فلا جرم حسنت الإضافة والجواب: عن الثاني وهو أنه أزلفهم ليغرقهم فهو أنه تعالى ما أزلفهم بل هم بأنفسهم ازدلفوا ثم حصل الغرق بعده، فكيف يجوز إضافة هذا الإزلاف إلى الله تعالى؟
أما على قولنا فإنه جائز لأنه تعالى هو الذي خلق الداعية المستعقبة لذلك الازدلاف والجواب: عن الثالث وهو أن حلمه تعالى عنهم وحملهم على ذلك، فنقول ذلك الحلم هل له أثر في استجلاب هذه الداعية أم لا؟
وباقي التقرير كما تقدم والجواب: عن الرابع هو بعينه الجواب عن الثاني، والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ وَأَنجَيْنَا موسى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الأخرين ﴾ فالمعنى أنه تعالى جعل البحر يبساً في حق موسى وقومه حتى خرجوا منه وأغرق فرعون وقومه لأنه لما تكامل دخولهم البحر انطبق الماء عليهم فغرقوا في ذلك الماء.
أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ فالمعنى أن الذي حدث في البحر آية عجيبة من الآيات العظام الدالة على قدرته لأن أحداً من البشر لا يقدر عليه وعلى حكمته من حيث وقع ما كان مصلحة في الدين والدنيا، وعلى صدق موسى عليه السلام من حيث كان معجزة له، وعلى اعتبار المعتبرين به أبداً فيصير تحذيراً من الإقدام على مخالفة أمر الله تعالى وأمر رسوله، ويكون فيه اعتبار لمحمد صلى الله عليه وسلم، فإنه قال عقيب ذلك: ﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ وفي ذلك تسلية له فقد كان يغتم بتكذيب قومه مع ظهور المعجزات عليه فنبهه الله تعالى بهذا الذكر على أن له أسوة بموسى وغيره، فإن الذي ظهر على موسى من هذه المعجزات العظام التي تبهر العقول لم يمنع من أن أكثرهم كذبوه وكفروا به مع مشاهدتهم لما شاهدوه في البحر وغيره.
فكذلك أنت يا محمد لا تعجب من تكذيب أكثرهم لك واصبر على إيذائهم فلعلهم أن يصلحوا ويكون في هذا الصبر تأكيد الحجة عليهم.
وأما قوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم ﴾ فتعلقه بما قبله أن القوم مع مشاهدة هذه الآية الباهرة كفروا، ثم إنه تعالى كان عزيزاً قادراً على أن يهلكهم، ثم إنه تعالى ما أهلكهم بل أفاض عليهم أنواع رحمته فدل ذلك على كمال رحمته وسعة جوده وفضله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ طريق النجاة من إدراكهم وإضرارهم.
وقرئ: ﴿ فلما تراءت الفئتان ﴾ .
﴿ إنا لمدركون ﴾ بتشديد الدال وكسر الراء، من أدرك الشيء إذا تتابع ففني.
ومنه قوله تعالى: ﴿ بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الأخرة ﴾ [النمل: 66] قال الحسن: جهلوا علم الآخرة.
وفي معناه بيت الحماسة: أَبَعْدَ بَنِي أُمِّي الَّذِينَ تَتَابَعُوا ** أُرَجّى الْحَيَاةَ أَمْ مِنَ الْمَوْتِ أَجْزَعُ والمعنى: إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم، حتى لا يبقى منا أحد.
الفرق: الجزء المتفرّق منه.
وقرئ: ﴿ كل فلق ﴾ والمعنى واحد.
الطود: الجبل العظيم المنطاد في السماء ﴿ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ﴾ حيث انفلق البحر ﴿ الاخرين ﴾ قوم فرعون، أي: قربناهم من بني إسرائيل: أو أدنينا بعضهم من بعض، وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد، أو قدمناهم إلى البحر.
وقرئ: ﴿ وأزلقنا ﴾ ، بالقاف، أي: أزللنا أقدامهم.
والمعنى: أذهبنا عزهم، كقوله: تَدَارَكْتُمَا عَبْساً وَقَدْ ثُلَّ عَرْشُهَا ** وَذُبْيَانَ إذْ زَلَّتْ بِأَقْدَامِهَا النَّعْلُ ويحتمل أن يجعل الله طريقهم في البحر على خلاف ما جعله لبني إسرائيل يبساً فيزلقهم فيه.
عن عطاء بن السائب أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون، فكان يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم.
ويستقبل القبط فيقول: رويدكم يلحق آخركم.
فلما انتهى موسى عليه السلام إلى البحر قال له مؤمن آل فرعون وكان بين يدي موسى: أين أمرت فهذا البحر أمامك وقد غشيك آل فرعون؟
قال: أمرت بالبحر ولا يدري موسى ما يصنع، فأوحى الله تعالى إليه: أن أضرب بعصاك البحر، فضربه فصار فيه اثنا عشر طريقاً: لكل سبط طريق.
وروي أنّ يوشع قال: يا كليم الله، أين أمرت فقد غشينا فرعون والبحر أمامنا؟
قال موسى: ههنا.
فخاض يوشع الماء وضرب موسى بعصاه البحر فدخلوا.
وروي أنّ موسى قال عند ذلك: يا من كان قبل كل شيء، والمكوّن لكل شيء، والكائن بعد كل شيء.
ويقال: هذا البحر هو بحر القلزم.
وقيل: هو بحر من وراء مصر، يقال له: أساف ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ أية آية، وآية لا توصف، وقد عاينها الناس وشاع أمرها فيهم، وما تنبه عليها أكثرهم، ولا آمن بالله.
وبنو إسرائيل: الذين كانوا أصحاب موسى المخصوصين بالإنجاء قد سألوه بقرة يعبدونها، واتخذوا العجل، وطلبوا رؤية الله جهرة ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز ﴾ المنتقم من أعدائه ﴿ الرحيم ﴾ بأوليائه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ ﴾ بِحِفْظِ البَحْرِ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ إلى أنْ عَبَرُوا.
﴿ ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ ﴾ بِإطْباقِهِ عَلَيْهِمْ.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً ﴾ وأيَّةُ آيَةٍ.
﴿ وَما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ وما تُنَبَّهَ عَلَيْها أكْثَرُهم إذْ لَمْ يُؤْمِن بِها أحَدٌ مِمَّنْ بَقِيَ في مِصْرَ مِنَ القِبْطِ، وبَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ ما نَجَوْا سَألُوا بَقَرَةً يَعْبُدُونَها واتَّخَذُوا العَجَلَ وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً.
﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ ﴾ المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ.
﴿ الرَّحِيمُ ﴾ بِأوْلِيائِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخرين} فرعون وقومه وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث فإنهم اجتمعوا في الهلاك مع اختلاف طوالعهم روي أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون فكان يقول لبني إسرائيل ليلحق آخركم بأولكم ويستقبل القبط فيقول رويدكم يلحق آخركم بأولكم فلما انتهى موسى إلى البحر قال يوشع لموسى أين أمرت فهذا البحر أمامك وغشيك آل فرعون قال موسى ههنا فخاض يوشع الماء وضرب موسى بعصاه البحر فدخلوا وروي أن موسى عليه الصلاة والسلام قال عند ذلك يا من كان قبل كل شئ والمكون لكل شئ والكائن بعد كل شئ
﴿ ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ ﴾ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ بِإطْباقِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ خُرُوجِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ وكانَ لَهُ وجْبَةً.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا خَرَجُوا سَمِعُوا وجْبَةَ البَحْرِ فَقالُوا: ما هَذا؟
فَقالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: غَرِقَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ، فَرَجَعُوا يَنْظُرُونَ فَألْقاهُمُ البَحْرُ عَلى السّاحِلِ.
والتَّعْبِيرُ عَنْ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ بِالآخَرِينَ لِلتَّحْقِيرِ، والظّاهِرُ أنَّ ( ثُمَّ ) لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، ولَعَلَّ الأوْلى حَمْلُها عَلى التَّراخِي المَعْنَوِيِّ لِما بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ مِنَ المُباعَدَةِ المَعْنَوِيَّةِ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ وفي الآية مضمر، ومعناه: فضربه بالعصا فانفلق البحر فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ يعني: كالجبل العظيم وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ يعني: قربنا قوم فرعون إلى البحر، وأدنيناهم إلى الغرق، ومنه قوله تعالى: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [الشعراء: 90] أي أدنيت وقربت.
وروي عن الحسن قال: وَأَزْلَفْنا.
يعني: أهلكنا.
وقال غيره: وَأَزْلَفْنا أي جمعناهم في البحر حتى غرقوا، وفيه قيل لجمع: المزدلفة.
وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ يعني: من البحر ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ يعني: فرعون وقومه، وقد ذكرنا القصة في موضع آخر.
ثم قال: إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: فيما صنع لَآيَةً، يعني: لعبرة لمن بعدهم وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: مصدقين، يعني: لو كان أكثرهم مؤمنين لم يهلكهم الله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ بالنعمة الرَّحِيمُ لمن تاب <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ تقدم بيانُ هذه الجملة، والحمد للَّه فانظره في مَحَلِّهِ قال ابنُ العربيِّ «١» في «أحكامه» : قال مالكٌ: دعا موسى فرعونَ أربعين سنةً إلى الإسلام، وأنَّ السحرة آمنوا في يوم واحد، انتهى، وقولهم: لاَ ضَيْرَ أي: لاَ يَضُرُّنا ذلك مع انقلابنا إلى مغفرة الله ورضوانه، وقولهم: أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ يريدون: من القِبْطِ وصنيفتهم، وإلاَّ فقد كانت بنو إسرائيل آمنت، والشِّرْذَمَةُ: الجمع القليل المُحْتَقَرُ، وشرذمة كل شيء: بَقِيَّتُهُ الخسيسة.
وقوله: لَغائِظُونَ يريد بخلافهم الأمر وبأخذهم الأموال عارية وحاذِرُونَ جمع حَذِرٌ، والضمير في قوله: فَأَخْرَجْناهُمْ عائد على القِبْطِ، والجنات والعيون بحافتي النيل من أسوان إلى رشيد قاله ابن عمر «٢» وغيره، والمقام الكريم: قال ابن لَهِيعَةَ: هو الفَيُّوم، ٤٨ أوقيل: هو المنابر، وقيل: مجالس الأمراء والحُكَّامِ، وقيل: / المساكن الحسان، ومُشْرِقِينَ معناه: عند شروق الشمس، وقيل: معناه: نحو المشرق، والطود: هو الجبل، وأَزْلَفْنا معناه: قَرَّبنا، وقرأ ابن عباس «٣» : «وأزْلَقْنَا» بالقاف.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ ...
الآية: هذه الآية تضمنت الإعلام بغيب، والعكوف:
اللزوم.
وقوله: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ قالت فرقة: هو استثناءٌ مُتَّصِلٌ.
لأنَّ في الآباء الأقدمين مَنْ قد عبد الله تعالى، وقالت فرقة: هو استثناءٌ مُنْقَطِعٌ لأَنَّهْ إنَّما أراد عُبَّادَ الأوثان من كل قرن منهم، وأسند إبراهيم عليه السلام المَرَضَ إلى نفسِهِ والشفاء إلى ربه عز وجل، وهذا حُسْنُ أدب في العبارة، والكل من عند الله، وأوقف عليه السلام نفسه على الطمع في المغفرة، وهذا دليل على شِدَّةِ خوفه مع عُلُوِّ منزلته عند الله، وروى الترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً أَوْ زَارَ أَخَا [لَهُ] «١» في اللهِ- نَادَاهُ مُنَادٍ: أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلاً» «٢» ، قال أبو عيسى:
هذا حديثٌ حَسَنَ، انتهى.
وفي «صحيح مسلم» عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الجنة حَتَّى يَرْجِعَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا خُرْفَةُ الجَنَّةِ؟
قال: جَنَاهَا» «٣» انتهى، وعنه صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ العَظِيمِ «٤» أَنْ يَشْفَيَكَ- إلاَّ عَافَاهُ اللهُ سُبْحَانَهُ» «٥» خرجه أبو داود، والترمذيُّ، والحاكم في «المُسْتَدْرَكِ على الصحيحين» بالإسناد الصحيح، انتهى من «حلية النوويِّ» ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَ رَأْسِهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ:
أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ العَظِيمِ- أَنْ يَشْفَيَكَ- إلاَّ عَافَاهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ» «٦» .
رواه أبو داودَ واللفظ له، والترمذيُّ والنسائِيُّ والحاكم وابن حِبَّان في «صحيحيهما» بمعناه، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشيخَيْنِ، يعني: البخاريَّ ومُسْلِماً، وفي رواية النسائيّ وابن حبّان: «كان النّبيّ صلى الله عليه وسلّم إذَا عَادَ الْمَرِيضَ، جَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ» ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ بمعناه انتهى من «السلاح» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعُوهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَحِقُوهم ﴿ مُشْرِقِينَ ﴾ أيْ: حِينَ شَرَقَتِ الشَّمْسُ، أيْ طَلَعَتْ، يُقالُ: أشْرَقْنا: دَخَلْنا في الشُّرُوقِ، كَما يُقالُ: أمْسَيْنا وأصْبَحْنا.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: " فاتَّبَعُوهم " بِالتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ ﴾ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ: " تَرِاأى " ؟؟
بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: تَقابَلا بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لَنْ يُدْرِكُونا ﴿ إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ أيْ: سَيَدُلُّنِي عَلى طَرِيقِ النَّجاةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْفَلَقَ ﴾ فِيهِ إضْمارٌ " فَضَرَبَ فانْفَلَقَ "، أيِ: انْشَقَّ الماءُ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا ﴿ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ ﴾ أيْ: كُلُّ جُزْءٍ انْفَرَقَ مِنهُ.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " كُلُّ فِلْقٍ " بِاللّامِ، ﴿ كالطَّوْدِ ﴾ وهو الجَبَلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ ﴾ أيْ: قَرَّبْنا الآخَرِينَ مِنَ الغَرَقِ، وهم أصْحابُ فِرْعَوْنَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " أزْلَفْنا " أيْ: جَمَعْنا.
قالَ الزَّجّاجُ: وكِلا القَوْلَيْنِ حَسَنٌ، لِأنَّ جَمْعَهم تَقْرِيبُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، وأصْلُ الزُّلْفى في كَلامِ العَرَبِ: القُرْبى.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: " أزْلَقْنا " بِقافٍ، وكَذَلِكَ قَرَأُوا: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ ﴾ بِقافٍ [أيْضًا] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً ﴾ يَعْنِي: في إهْلاكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ عِبْرَةٌ لِمَن بَعْدَهم ﴿ وَما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ أكْثَرُ أهْلِ مِصْرَ مُؤْمِنِينَ، إنَّما آمَنَتْ آسِيَةُ، وخِرْبِيلُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وفِنَّةُ الماشِطَةُ، ومَرْيَمُ- امْرَأةٌ دَلَّتْ مُوسى عَلى عِظامِ يُوسُفَ-، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.
وما أخْلَلْنا بِهِ مِن تَفْسِيرِ كَلِماتٍ في قِصَّةِ مُوسى، فَقَدْ سَبَقَ بَيانُها، وكَذَلِكَ ما يُفْقَدُ ذِكْرُهُ في مَكانٍ، فَهو إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ، وإمّا أنْ يَكُونَ ظاهِرًا، فَتَنَبَّهْ لِهَذا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأوحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَوْدِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ وَأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ ﴾ ﴿ وَأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ لَمّا عَظُمَ البَلاءُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحْرَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أرادَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مُتَّصِلَةً بِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ومُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ فَعَلَهُ، وإلّا فَضَرْبُ العَصا لَيْسَ بِفالِقٍ البَحْرَ ولا مُعِينٌ عَلى ذَلِكَ بِذاتِهِ، إلّا بِما اقْتَرَنَ بِهِ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ، ولَمّا انْفَلَقَ صارَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا عَلى عَدَدِ أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، ووَقَفَ الماءُ ساكِنًا كالجَبَلِ العَظِيمِ.
و"الطَوْدُ": الجَبَلُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ وغَيْرِهِما أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ ظَنَّ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم أنَّ الثانِي قَدْ غَرِقَ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى الماءَ فَصارَ كالطِيقانِ، فَرَأى بَعْضُهم بَعْضًا فَتَأسَّوْا.
"وَأزْلَفْنا" مَعْناهُ: قَرَّبْنا، وقُرِئَ بِالقافِ، ونَسَبَها أبُو الفَتْحِ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ الحارِثِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ: "وَزُلِفْنا" بِغَيْرِ ألِفٍ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ تَعالى- لَمّا وصَلَ إلى البَحْرِ وقَدْ دَخَلَهُ بَنُو إسْرائِيلَ، قِيلَ: صَمَّمَ وقالَ لِقَوْمِهِ: إنَّما انْفَلَقَ بِأمْرِي، فَدَخَلَ عَلى ذَلِكَ.
وقِيلَ: بَلْ كَعَّ وهَمَّ بِالِانْصِرافِ، فَعَرَضَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى فَرَسٍ ودِيقٍ، فَمَضى وراءَها حِصانُ فِرْعَوْنَ، فَدَخَلَ عَلى نَحْوِ هَذا واتَّبَعَهُ الناسُ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ مَلائِكَةُ تَسُوقُ قَوْمَهُ حَتّى حَصَّلُوهم في البَحْرِ.
ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْمَهُ خَرَجُوا إلى البَرِّ مِن تِلْكَ الطُرُقِ، ولَمّا أحَسُّوا بِاتِّباعِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَزِعُوا مِن أنْ يَخْرُجَ وراءَهُمْ، فَهَمَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِخَلْطِ البَحْرِ، فَحِينَئِذٍ قِيلَ لَهُ: ﴿ واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا ﴾ ، ولَمّا تَكامَلَ جُنْدُ فِرْعَوْنَ، وهو مُقَدِّمَتُهم بِالخُرُوجِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ وغَرِقُوا.
ودَخْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ البَحْرَ بِالعَرْضِ وخَرَجَ في الضَفَّةِ الَّتِي دَخَلَ مِنها بَعْدَ مَسافَةٍ، وكانَ ذَلِكَ في يَوْمِ عاشُوراءَ.
وقالَ النَقّاشُ: البَحْرُ الَّذِي انْفَلَقَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نَهْرُ النِيلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَرْدُودٌ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ أيْ: عَزَّ في نِقْمَتِهِ مِنَ الكُفّارِ، ورَحِمَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الأُمَّةِ، وقَدْ مَضى كَثِيرٌ مِمّا يَلْزَمُ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
<div class="verse-tafsir"
أي لما بلغ فرعون وجنوده قريباً من مكان جموع بني إسرائيل بحيث يرى كل فريق منهما الفريق الآخر.
فالترائي تَفاعل لأنه حصول الفعل من الجانبين.
وقولهم: ﴿ إنا لمُدْرَكون ﴾ بالتأكيد لشدة الاهتمام بهذا الخبر وهو مستعمل في معنى الجزع.
و ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع.
وتقدم في سورة مريم (79) ﴿ كلا سنكتب ما يقول ﴾ ردع به موسى ظنهم أنهم يدركهم فرعون، وعلَّل رَدْعهم عن ذلك بجملة: ﴿ إن معي ربي سيهدين ﴾ .
وإسناد المعية إلى الرب في ﴿ إن معي ربي ﴾ على معنى مصاحبة لطف الله به وعنايته بتقدير أسباب نجاته من عدوه.
وذلك أن موسى واثق بأن الله منجيه لقوله تعالى: ﴿ إنّا معكم مستَمعون ﴾ [الشعراء: 15]، وقوله: ﴿ اسْرِ بعبادي إنكم مُتَّبعون ﴾ [الشعراء: 52] كما تقدم آنفاً أنه وعد بضمان النجاة.
وجملة: ﴿ سيهدين ﴾ مستأنفة أو حال من ﴿ ربّي ﴾ .
ولا يضر وجود حرف الاستقبال لأن الحال مقدرة كما في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﴿ قال إني ذاهب إلى ربّي سَيَهْدِين ﴾ [الصافات: 99].
والمعنى: أنه سيبيّن لي سبيل سلامتنا من فرعون وجنده.
واقتصر موسى على نفسه في قوله: ﴿ إن معي ربي سيهدين ﴾ لأنهم لم يكونوا عالمين بما ضَمن الله له من معيّة العناية فإذا علموا ذلك علموا أن هدايته تنفعهم لأنه قائدهم والمرسل لفائدتهم.
ووجه اقتصاره على نفسه أيضاً أن طريق نجاتهم بعد أن أدركهم فرعون وجنده لا يحصل إلا بفعل يقطع دابر العدوّ، وهذا الفعل خارق للعادة فلا يقع إلا على يد الرسول.
وهذا وجه اختلاف المعية بين ما في هذه الآية وبين ما في قوله تعالى في قصة الغار ﴿ إذ يقول لصاحبه لا تحزَنْ إن الله معنا ﴾ [التوبة: 40] لأن تلك معية حفظهما كليهما بصرف أعين الأعداء عنهما، وقد أمره الله أن يضرب بعصاه البحر وانفلق البحر طُرقاً مرّت منها أسباط بني إسرائيل، واقتحم فرعون البحر فمدّ البحرُ عليهم حين توسطوه فغرق جميعهم.
والفِرْق بكسر الفاء وسكون الراء: الجزء المفروق منه، وهو بمعنى مفعول مثل الفِلق.
والطود: الجبل.
و ﴿ أزلفنا ﴾ قربنا وأدنينا، مشتق من الزلف بالتحريك وهو القرب.
والظاهر أن فعله كفرح.
ويقال: ازدلف: اقترب، وتزلف: تقرب، فهمزة ﴿ أزلفنا ﴾ للتعدية.
والمعنى أن الله جرأهم حتى أرادوا اقتحام طرق البحر كما رأوا فعل بني إسرائيل يظنون أنه ماء غير عميق.
والآخرون: هم قوم فرعون لوقوعه في مقابلة فريق بني إسرائيل.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ بِالشُّعاعِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: حِينَ أشْرَقَتِ الأرْضُ بِالضِّياءِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أيْ بِناحِيَةِ المَشْرِقِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ شَرَقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ.
واخْتُلِفَ في تَأخُّرِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ عَنْ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ حَتّى أشْرَقُوا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لِاشْتِغالِهِمْ بِدَفْنِ أبْكارِهِمْ لِأنَّ الوَباءَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ وقَعَ فِيهِمْ.
الثّانِي: لِأنَّ سَحابَةً أظَلَّتْهم فَخافُوا وأصْبَحُوا، فانْقَشَعَتْ عَنْهم.
وَقُرِئَ ( مُشَرِّقِينَ ) بِالتَّشْدِيدِ أيْ نَحْوَ المَشْرِقِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ شَرَّقَ وغَرَّبَ، إذا سارَ نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
﴿ قالَ كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ سَيُرْشِدُنِي إلى الطَّرِيقِ.
الثّانِي: مَعْناهُ سَيَكْفِينِي، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَكُلًّا كَلِمَةٌ تُوضَعُ لِلرَّدْعِ والزَّجْرِ، وحُكِيَ أنَّ مُوسى لَمّا خَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ أظْلَمَ عَلَيْهِمُ القَمَرُ فَقالَ لِقَوْمِهِ: ما هَذا؟
فَقالَ عُلَماؤُهم: إنَّ يُوسُفَ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ألّا نَخْرُجَ مِن مِصْرَ حَتّى نَنْقُلَ عِظامَهُ مَعَنا، قالَ مُوسى فَأيُّكم يَدْرِي أيْنَ قَبْرُهُ؟
قالُوا: ما يَعْلَمُهُ إلّا عَجُوزٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأرْسَلَ إلَيْها فَقالَ: دُلِّينِي عَلى قَبْرِ يُوسُفَ، قالَتْ: لا واللَّهِ لا أفْعَلُ حَتّى تُعْطِينِي حُكْمِي، قالَ: وما حُكْمُكِ؟
قالَتْ: حُكْمِي أنْ أكُونَ مَعَكَ في الجَنَّةِ، فَثَقُلَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أعْطِها حُكْمَها، فَدَلَّتْهم عَلَيْهِ فاحْتَفَرُوهُ، واسْتَخْرَجُوا عِظامَهُ، فَلَمّا أقَلُّوها فَإذا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ.
فَرَوى أبُو بُرْدَةَ عَنْ أبِي مُوسى: «أنَّ النَّبِيَّ نَزَلَ بِأعْرابِيٍّ فَأكْرَمَهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : (حاجَتُكَ؟
قالَ لَهُ: ناقَةً أُرَحِّلُها وأعْنُزًا أحْلُبُها فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : أعَجَزْتَ أنْ تَكُونَ مِثْلَ عَجُوزِ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ الصَّحابَةُ: وما عَجُوزُ بَنِي إسْرائِيلَ؟
فَذَكَرَ لَهم حالَ هَذِهِ العَجُوزِ الَّتِي حَكَمَتْ عَلى مُوسى أنْ تَكُونَ مَعَهُ في الجَنَّةِ» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ ﴾ رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مُوسى لَمّا بَلَغَ البَحْرَ واتَّبَعَهُ فِرْعَوْنُ قالَهُ لَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: أيْنَ أمَرَكَ رَبُّكَ؟
قالَ: أمامَكَ، يُشِيرُ إلى البَحْرِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ أمَرَ أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحْرَ فَضَرَبَهُ، فانْفَلَقَ لَهُ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ، عَرْضُ كُلِّ طَرِيقٍ فَرْسَخانِ.
وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ البَحْرُ ساكِنًا لا يَتَحَرَّكُ، فَلَمّا كانَ لَيْلَةَ ضَرَبَهُ مُوسى بِالعَصا صارَ يَمُدُّ ويَجْزُرُ.
وَحَكى النَّقّاشُ: أنَّ مُوسى ضَرَبَ بِعَصاهُ البَحْرَ وقَدْ مَضى مِنَ النَّهارِ أرْبَعُ ساعاتٍ، وكانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ عاشِرَ المُحَرَّمِ وهو يَوْمُ عاشُوراءَ، قالَ: والبَحْرُ هو نَهْرُ النِّيلِ ما بَيْنَ إيلَةَ ومِصْرَ وقَطَعُوهُ في ساعَتَيْنِ، فَصارَتْ سِتَّ ساعاتٍ.
﴿ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ ﴾ أيْ كالجَبَلِ العَظِيمِ، قالَهُ امْرُؤُ القَيْسِ: فَبَيْنا المَرْءُ في الأحْياءِ طَوْدٌ رَماهُ النّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمالا وَكانَ الأسْباطُ لا يَرى بَعْضُهم بَعْضًا فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ هَلَكَ أصْحابُنا فَدَعا مُوسى رَبَّهُ فَجَعَلَ في كُلِّ حاجِزٍ مِثْلَ الكُوى حَتّى رَأى بَعْضُهم بَعْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَرَّبْنا إلى البَحْرِ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ ∗∗∗ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ الثّانِي: جَمَعْنا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ في البَحْرِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وحُكِيَ عَنْ أُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما قَرَآ: ( وأزْلَقْنا) بِالقافِ مِن زَلَقِ الأقْدامِ، كَأقْدامِ فِرْعَوْنَ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى في البَحْرِ حَتّى أزْلَقَهم في طِينِهِ الَّذِي في قَعْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كالطود ﴾ قال: كالجبل.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: ﴿ كالطود ﴾ قال: كالجبل.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ﴿ الطود ﴾ الجبل.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأزلفنا ثم الآخرين ﴾ قال: هم قوم فرعون قربهم الله حتى أغرقهم في البحر.
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أعلمك الكلمات التي قالهن موسى حين انفلق البحر؟
قلت: بلى.
قال: اللهم لك الحمد وإليك المتكل وبك المستغاث وأنت المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله» قال ابن مسعود: فما تركتهن منذ سمعتهن من النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام: أن موسى لما انتهى إلى البحر قال: يا من كان قبل كل شيء، والمكوّن لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا مخرجاً.
فأوحى الله إليه ﴿ أن اضرب بعصاك البحر ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان البحر ساكناً لا يتحرك فلما كان ليلة ضربه موسى بالعصا صار يمد ويجزر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قيس بن عباد قال: لما انتهى موسى ببني إسرائيل إلى البحر قالت بنو إسرائيل لموسى: أين ما وعدتنا؟
هذا البحر بين أيدينا، وهذا فرعون وجنوده قد دهمنا من خلفنا.
فقال موسى للبحر: انفرق أبا خالد فقال: لن أفرق لك يا موسى انا أقدم منك وأشد خلقاً فنودي ﴿ أن اضرب بعصاك البحر ﴾ .
وأخرج أبو العباس محمد بن إسحاق السراج في تاريخه وابن عبد البر في التمهيد من طريق يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: كتب صاحب الروم إلى معاوية يسأله عن أفضل الكلام ما هو؟
والثاني.
والثالث.
والرابع.
وعن أكرم الخلق على الله، وأكرم الأنبياء على الله، وعن أربعة من الخلق لم يركضوا في رحم، وعن قبر سار بصاحبه، وعن المجرة، وعن القوس، وعن مكان طلعت فيه الشمس لم تطلع قبله ولا بعده، فلما قرأ معاوية الكتاب قال: أخزاه الله وما علمي ما ههنا!
فقيل له: اكتب إلى ابن عباس فسله.
فكتب إليه يسأله.
فكتب إليه ابن عباس: إن أفضل الكلام لا إله إلا الله كلمة الاخلاص لا يقبل عمل إلا بها، والتي تليها سبحان الله وبحمده أحب الكلام إلى الله، والتي تليها الحمد لله كلمة الشكر، والتي تليها الله أكبر فاتحة الصلوات والركوع والسجود، وأكرم الخلق على الله آدم عليه السلام، وأكرم اماء الله مريم.
وأما الأربعة التي لم يركضوا في رحم فآدم، وحوّاء، والكبش الذي فدى به إسماعيل، وعصا موسى حيث ألقاها فصار ثعباناً مبيناً.
وأما القبر الذي سار بصاحبه فالحوت حين التقم يونس، وأما المجرة فباب السماء، وأما القوس فإنها أمان لأهل الأرض من الغرق بعد قوم نوح، وأما المكان الذي طلعت فيه الشمس لم تطلع قبله ولا بعده، فالمكان الذي انفرج من البحر لبني إسرائيل.
فلما قرأ عليه الكتاب أرسل به إلى صاحب الروم فقال: لقد علمت أن معاوية لم يكن له بهذا علم، وما أصاب هذا إلا رجل من أهل بيت النبوة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: جاء موسى إلى فرعون وعليه جبة من صوف، ومعه عصا فضحك فرعون.
فألقى عصاه، فانطلقت نحوه كأنها عنق بختي فيها أمثال الرماح تهتز.
فجعل فرعون يتأخر وهو على سريره فقال فرعون: خذها واسلم.
فعادت كما كانت وعاد فرعون كافراً.
فأمر موسى أن يسير إلى البحر، فسار بهم في ستمائة ألف، فلما أتى البحر أمر البحر إذا ضربه موسى بعصاه أن ينفرج له، فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق منه اثنا عشر طريقاً، لكل سبط منهم طريق، وجعل لهم فيها أمثال الكوى ينظر بعضهم إلى بعض.
واقبل فرعون في ثمانمائة ألف حتى أشرف على البحر.
فلما رآه هابه وهو على حصان له، وعرض له ملك وهو على فرس له أنثى، فلم يملك فرعون فرسه حتى أقحمه وخرج آخر بني إسرائيل، وولج أصحاب فرعون حتى إذا صاروا في البحر فاطبق عليهم، فغرق فرعون بأصحابه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أوحى الله إلى موسى: أن اسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون.
فأسرى موسى ببني إسرائيل ليلاً، فاتبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الاناث، وكان موسى في ستمائة ألف، فلما عاينهم فرعون قال: ﴿ إن هؤلاء لشرذمة قليلون، وإنهم لنا لغائظون، وإنا لجميع حاذرون ﴾ [ الشعراء: 54-56] فاسرى موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر فالتفتوا فإذا هم برهج دواب فرعون فقالوا: يا موسى ﴿ أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا ﴾ [ الأعراف: 129] هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه قال: ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ﴾ [ الأعراف: 129] فأوحى الله إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، وأوحى إلى البحر: أن اسمع لموسى وأطع إذا ضربك.
فثاب البحر له أفكل يعني رعدة لا يدري من أي جوانبه يضرب.
فقال يوشع لموسى: بماذا أمرت؟
قال: أمرت أن أضرب البحر.
قال: فاضربه: فضرب موسى البحر بعصاه فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريق كل طريق كالطود العظيم، فكان لكل سبط فيهم طريق يأخذون فيه، فلما أخذوا في الطريق قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى أصحابنا؟
فقالوا لموسى: إن أصحابنا لا نراهم؟
قال: سيروا فانهم على طريق مثل طريقكم قالوا: لن نؤمن حتى نراهم قال موسى: اللهم أعني على أخلاقكم السيئة.
فأوحى الله إليه: أن قل بعصاك هكذا وأومأ بيده يديرها على البحر.
قال موسى بعصاه على الحيطان هكذا فصار فيها كوات ينظر بعضهم إلى بعض، فساروا حتى خرجوا من البحر.
فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فرس أدهم حصان، فلما هجم على البحر هاب الحصان أن يقتحم في البحر، فتمثل له جبريل على فرس أنثى، فلما رآها الحصان اقتحم خلفها، وقيل لموسى ﴿ اترك البحر رهوا ﴾ [ الدخان: 24] قال: طرقاً على حاله.
ودخل فرعون وقومه في البحر، فلما دخل آخر قوم فرعون وجاز آخر قوم موسى أطبق البحر على فرعون وقومه فأغرقوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن موسى حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون فأمر بشاة فذبحت، ثم قال: لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط.
فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر فقال له: انفرق.
فقال له البحر: لقد استكثرت يا موسى وهل انفرقت لأحد من ولد آدم؟
ومع موسى رجل على حصان له فقال أين أمرت يا نبي الله بهؤلاء؟
قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه.
فاقتحم فرسه فسبح به ثم خرج فقال: أين أمرت يا نبي الله؟
قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه.
قال: ما كذبت ولا كذبت.
فأوحى الله إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه موسى بعصاه فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريقاً، لكل سبط طريق يتراءون، فلما خرج أصحاب موسى وتتام أصحاب فرعون التقى البحر عليهم فأغرقهم.
وأخرج عبد بن حميد والفريابي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟
فقال له علماء بني إسرائيل: أن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقاً أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا فقال لهم موسى: أيكم يدري أين قبره؟
فقالوا: ما يعلم أحد مكان قبره إلا عجوز لبني إسرائيل.
فأرسل إليها موسى فقال: دلينا على قبر يوسف، فقالت: لا والله حتى تعطيني حكمي قال: وما حكمك؟
قالت: أن أكون معك في الجنة.
فكأنه ثقل عليه ذلك فقيل له: اعطها حكمها.
فانطلقت بهم إلى بحيرة مشقشقة ماء فقالت لهم: انضبوا عنها الماء ففعلوا قالت: احفروا.
فحفروا فاستخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار» .
وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن سماك بن حرب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما أسرى موسى ببني إسرائيل غشيتهم غمامة حالت بينهم وبين الطريق أن يبصروه.
وقيل لموسى: لن تعبر إلا ومعك عظام يوسف قال: وأين موضعها؟
قالوا: ابنته عجوز كبيرة ذاهبة البصر تركناها في الديار.
فرجع موسى فلما سمعت حسه قالت: موسى؟
قال: موسى.
قالت: ما وراءك؟
قال: أمرت أن أحمل عظام يوسف.
قالت: ما كنتم لتعبروا إلا وأنا معكم قال: دليني على عظام يوسف قالت: لا أفعل إلا أن تعطيني ما سألتك قال: فلك ما سألت قالت: خذ بيدي.
فأخذ بيدها فانتهت به إلى عمود على شاطئ النيل في أصله سكة من حديد موتدة فيها سلسلة فقالت: انا دفناه من ذلك الجانب.
فأخصب ذلك الجانب وأجدب ذا الجانب، فحولناه إلى هذا الجانب فاخصب هذا الجانب وأجدب ذاك، فلما رأينا ذلك جمعنا عظامه فجعلناها في صندوق من حديد، وألقيناه في وسط النيل فأخصب الجانبان جميعاً.
فحمل الصندوق على رقبته وأخذ بيدها فألحقها بالعسكر وقال لها: سلي ما شئت قالت: فإني أسألك أن أكون أنا وأنت في درجة واحدة في الجنة، ويرد علي بصري وشبابي حتى أكون شابة كما كنت.
قال: فلك ذلك» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: أوصى يوسف عليه السلام إن جاء نبي من بعدي فقولوا له: يخرج عظامي من هذه القرية.
فلما كان من أمر موسى ما كان يوم فرعون فمر بالقرية التي فيها قبر يوسف، فسأل عن قبره فلم يجد أحد يخبره فقيل له: هاهنا عجوز بقيت من قوم يوسف.
فجاءها موسى عليه السلام فقال لها: تدليني على قبر يوسف؟
فقالت: لا أفعل حتى تعطيني ما اشترط عليك.
فأوحى الله إلى موسى: أن أعطها شرطها قال لها: وما تريدين؟
قالت: أكون زوجتك في الجنة.
فاعطاها فدلته على قبره.
فحفر موسى القبر ثم بسط رداءه وأخرج عظام يوسف فجعله في وسط ثوبه، ثم لف الثوب بالعظام فحمله على يمينه فقال له الملك الذي على يمينه: الحمل يحمل على اليمين!
قال: صدقت هو على الشمال وإنما فعلت ذلك كرامة ليوسف.
وأخرج ابن عبد الحكم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان يوسف عليه السلام قد عهد عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر.
قال: فتجهز القوم وخرجوا فتحيروا فقال لهم موسى: إنما تحيركم هذا من أجل عظام يوسف فمن يدلني عليها؟
فقالت عجوز يقال لها شارح ابنة آي بن يعقوب: أنا رأيت عمي يوسف حين دفن فما تجعل لي إن دللتك عليه؟
قال: حكمك.
فدلته عليه فأخذ عظام يوسف، ثم قال: احتكمي قالت: أكون معك حيث كنت في الجنة.
وأخرج ابن عبد الحكم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
أن الله أوحى إلى موسى: أن أسر بعبادي.
وكان بنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون حلياً وثياباً.
إن لنا عيداً نخرج إليه فخرج بهم موسى ليلاً وهم ستمائة ألف وثلاثة آلاف ونيف.
فذلك قول فرعون ﴿ إن هؤلاء لشرذمة قليلون ﴾ وخرج فرعون ومقدمته خمسمائة ألف سوى الجنبين والقلب، فلما انتهى موسى إلى البحر أقبل يوشع بن نون على فرسه، فمشى على الماء، واقتحم غيره بخيولهم فوثبوا في الماء، وخرج فرعون في طلبهم حين أصبح وبعدما طلعت الشمس، فذلك قوله: ﴿ فأتبعوهم مشرقين، فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ﴾ فدعا موسى ربه فغشيتهم ضبابة حالت بينهم وبينه وقيل له: اضرب بعصاك البحر.
ففعل ﴿ فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ﴾ يعني الجبل.
فانفلق منه اثنا عشر طريقاً فقالوا: انا نخاف أن توحل فيه الخيل.
فدعا موسى ربه فهبت عليهم الصبا فجف، فقالوا: انا نخاف أن يغرق منا ولا نشعر، فقال بعصاه فنقب الماء فجعل بينهم كوى حتى يرى بعضهم بعضاً، ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر.
وأقبل فرعون حتى انتهى إلى الموضع الذي عبر منه موسى وطرقه على حالها فقال له أدلاؤه: إن موسى قد سحر البحر حتى صار كما ترى، وهو قوله: ﴿ واترك البحر رهواً ﴾ [ الدخان: 24] يعني كما هو.
فحذ هاهنا حتى نلحقهم وهو مسيرة ثلاثة أيام في البحر.
وكان فرعون يومئذ على حصان، فأقبل جبريل على فرس أنثى في ثلاثة وثلاثين من الملائكة، ففرقوا الناس وتقدم جبريل فسار بين يدي فرعون وتبعه فرعون، وصاحت الملائكة في الناس: الحقوا الملك.
حتى إذا دخل آخرهم ولم يخرج أولهم؛ التقى البحر عليهم فغرقوا.
فسمع بنو إسرائيل وجبة البحر حين التقى فقالوا: ما هذا؟
قال موسى: غرق فرعون وأصحابه.
فرجعوا ينظرون فألقاهم البحر على الساحل.
وأخرج ابن عبد الحكم وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان جبريل بين الناس.
بين بني إسرائيل وبين آل فرعون فيقول: رويدكم ليلحقكم آخركم.
فقالت بنو إسرائيل: ما رأينا سائقاً أحسن سياقاً من هذا.
وقال آل فرعون: ما رأينا وازعاً أحسن زعة من هذا.
فلما انتهى موسى وبنو إسرائيل إلى البحر قال مؤمن آل فرعون.
يا نبي الله أين أمرت؟
هذا البحر أمامك وقد غشينا آل فرعون فقال: أمرت بالبحر.
فاقتحم مؤمن آل فرعون فرسه فرده التيار، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع، وكان الله قد أوحى إلى البحر: أن أطع موسى وآية ذلك إذا ضربك بعصا، فأوحى الله إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه ﴿ فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ﴾ فدخل بنو إسرائيل واتبعهم آل فرعون، فلما خرج آخر بني إسرائيل ودخل آخر آل فرعون أطبق الله عليهم البحر.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: نزل جبريل يوم غرق فرعون وعليه عمامة سوداء.
وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن أبي الدرداء قال: «جعل النبي صلى الله عليه وسلم يصفق بيديه، ويعجب من بني إسرائيل وتعنتهم لما حضروا البحر، وحضرهم عدوهم.
جاؤوا موسى فقالوا: قد حضرنا العدوّ فماذا أمرت؟
قال: أن أنزل ههنا، فاما أن يفتح لي ربي ويهزمهم، وأما أن يفرق لي هذا البحر.
فضربه فتأطط كما تتأطط الفرش، ثم ضربه الثانية فانصدع فقال: هذا من سلطان ربي.
فاجازوا البحر فلم يسمع بقوم أعظم ذنباً، ولا أسرع توبة منهم» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَرَاءَى الجمعان ﴾ وزن تراء تفاعل، وهو منصوب من الرؤية، والجمعان جمع موسى وجمع فرعون، أي رأى بعضهم بعضاً ﴿ فانفلق ﴾ تقدير الكلام فضرب موسى البحر فانفلق ﴿ كُلُّ فِرْقٍ ﴾ أي كل جزء منه والطود الجبل، ورُوي أنه صار في البحر اثنا عشر طريقاً، لكل سبط من بني إسرائيل طريق ﴿ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخرين ﴾ يعني بالآخرين فرعون وقومه، ومعنى ﴿ أَزْلَفْنَا ﴾ : قربناهم من البحر ليغرقوا، وثم هنا ظرف يراد به حيث انفلق البحر وهو بحر القلزم [الأحمر] ﴿ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ إنما سألهم مع علمه بأنهم يعبدن الأصنام ليبين لهم أن ما يعبدونه ليس بشيء، ويقيم عليهم الحجة ﴿ قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً ﴾ إن قيل: لم صرحوا بقولهم نعبد، مع أن السؤال وهو قوله: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ يغني عن التصريح بذلك، وقياس مثل هذا الاستغناء بدلالة السؤال كقوله: ﴿ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ [النحل: 30]؟
قالوا: ﴿ خَيْراً ﴾ [النحل: 30]، فالجواب أنهم صرحوا بذلك على وجه الافتخار والابتهاج بعبادة الأصنام، ثم زادوا قولهم: ﴿ فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ﴾ مبالغة في ذلك ﴿ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا ﴾ اعتراف بالتقليد المحض ﴿ إِلاَّ رَبَّ العالمين ﴾ استثناء منقطع وقيل: متصل لأن في آبائهم من عبد الله تعالى: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ أسند المرض إلى نفسه وأسند الشفاء إلى الله تأدباً مع الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ طسم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد.
وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وقرأ حمزة ويزيد مظهرة النون عند الميم ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ ويضيق ولا ينطلق ﴾ بالنصب فيهما: يعقوب.
﴿ أرجه ﴾ مثل ما في "الأعراف" ﴿ أين لنا ﴾ بالمد وبالياء.
يزيد وأبو عمرو وزيد وقالون.
وقرأ ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد بهمزة ثم ياء، وعن قنبل ﴿ إن لنا ﴾ على الخبر.
الباقون بهمزتين.
هشام يدخل بينهما مدة.
﴿ آمنتم ﴾ بالمد: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ آمنتم ﴾ على الخير: حفص غير الخزاز.
الأخرون ﴿ أأمنتم ﴾ بهمزتين.
﴿ بعبادي إنكم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر ﴿ حاذرون ﴾ بالألف: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
الباقون بغير الألف ﴿ فاتبعوهم ﴾ بالتشديد: زيد عن يعقوب.
الباقون بقطع الهمزة وسكون التاء ﴿ تراءى الجمعان ﴾ بكسر الراء والهمزة في الوصل: حمزة ونصير وهبيرة في طريق الخزاز.
واختلفوا في الوقف؛ فعن الكسائي بكسر الراء والهمزة على وزن "تريعى" وفي رواية أخرى عنه "ترائى" اي ترائى، والمشهور عنه "ترأ" بكسر الراء وفتح الهمزة، وأما حمزة فإنه يقف "ترى" بترك الهمزة وكسر الراء ويمد ويشير إلى موضع الهمزة وهو المصدر.
وأما هبيرة فإنه يقف "تريا" بكسر الراء ويشير إلى فتح الهمزة.
الباقون يقفون "تراءى" على وزن "تراعى" ﴿ معي ربي ﴾ بفتح الياء: حفص.
الوقوف: ﴿ طسم ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خاضعين ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للابدال أو البيان تسجيلاً عليهم بالظلم ﴿ فرعون ﴾ ط للعدول عن الأمر إلى الاستفهام ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ ويضيق ﴾ بالرفع على الاستئناف ﴿ هرون ﴾ ط ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ قال كلا ﴾ لا للعطف معنى لا لفظاً ﴿ مستمعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط لأن جواب الشرط محذوف اي إن كنتم موقنين فلا تكذبوني ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ تستمعون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المسجونين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ بسحره ﴾ ق قد قيل: بناء على أن ما بعده قول الملأ لفرعون والجمع للتعظيم، والأصح أنه من تتمة قول فرعون.
﴿ تأمرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما يتلوه جواب.
﴿ عليم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجتمعون ﴾ لا لاتصال المعنى ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ لمن المقربين ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ ما يأفكون ﴾ ه للآية وللدلالة على إسراعهم في السجود ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وهرون ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ه للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ السحر ﴾ ط للفاء ولام الابتداء ﴿ فلسوف تعلمون ﴾ ه لتقدير القسم ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ لا ضير ﴾ ط توقية لحق "إن" وإلا فالأصل هو الوصل لأن ما بعده هو القول في الحقيقة كما في "الأعراف" ﴿ منقلبون ﴾ ه ج للآية مع اتحاد المقول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه للآية مع أن التقدير بأن هؤلاء ﴿ قليلون ﴾ ه ﴿ لغائظون ﴾ ه ﴿ حاذرون ﴾ ه ط لابتداء الخبر من الله ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ كذلك ﴾ ط أي كما وعدنا بني إسرائيل إيراثها ثم أخبر عن وقوع الموعود لبني إسرائيل ﴿ مشرقين ﴾ ه ﴿ لمدركون ﴾ ه ووجه الوصل الإسراع في تداركهم عن خوف الإدراك ﴿ كلا ﴾ ج لاحتمال أن يكون للردع وأن يكون بمعنى حقاً ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ ط لأجل الفاء الفصيحة أي فضرب فانفلق ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه الآية ط ﴿ مأمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه.
التفسير: قال جار الله: معنى طسم إن آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين وقد مر مثله في أول "يوسف".
والبخع الإهلاك وقد مر في اول "الكهف".
عزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا ينفع كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا ينفع.
ثم بين أنه قادر على تنزيل آية ملجئة إلى الإيمان ولكن المشيئة والحكمة تقتضيان بناء الأمر على صورة الاختبار.
قال صاحب الكشاف: وجه عطف ﴿ فظلت ﴾ على ﴿ ننزل ﴾ كما قيل في قوله ﴿ فَأَصَّدَّقَ وأكن ﴾ كأنه قيل: أنزلنا فظلت.
وأقول: الظاهر أن الفاء في ﴿ فظلت ﴾ لسببية بدليل عدم المستتر فيه كما في ﴿ ننزل ﴾ .
ووجه العدول إلى الماضي كما قيل في ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ وجه مجيء ﴿ خاضعين ﴾ خبراً عن الأعناق إذ الأعناق تكون مقحماً لبيان موضع الخضوع.
وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين أي حين وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل ﴿ خاضعين ﴾ كقوله ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ﴾ وقيل: أعناقهم رؤساؤهم كما يقال لهم الرؤوس والصدور.
وقيل: اراد جماعاتهم.
يقال: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم.
عن ابن عباس: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية.
قال: ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة.
ومعنى ﴿ ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ﴾ قد مر في سورة الأنبياء.
نبه بذلك على أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين على الإيمان حكيم يأتيهم بالقرآن حالاً بعد حال رعاية لقاعدة التكليف.
ثم ذكر أنه لا يحدد لهم توجيه موعظة وتذكير إلا جددوا ما هو نقيض المقصود، وذلك النقيض هو الإعراض والتكذيب والاستهزاء وهذا ترتيب في غاية الحسن كأنه قيل حين أعرضوا عن الذكر: فقد كذبوا به وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره حتى صار عرضة للاستهزاء.
وهذه درجات من أخذ في الشقاء فإنه يعرض أوّلاً، ثم يصرح بالتكذيب ثانياً، ثم يبلغ في التكذيب والإنكار إلى حيث يستهزئ.
وفي قوله ﴿ فسيأتيهم ﴾ وعيد لهم بعذاب بدر أو يوم القيامة وقد مر مثله في أول "الأنعام".
ثم بين أنه مع حكمته في إنزال القرآن حالاً بعد حال رحيم يظهر من الدلائل الحسية ما يكفي للمتأمل في باب النظر والاستدلال.
والزوج الصنف والكريم نعت لكل ما يرضى ويحمد في بابه منه "وجه كريم" إذا رضي في حسنه وجماله، و"كتاب كريم" مرضي في مبانيه، و"نبات كريم" مرضي فيما يتعلق به من المنافع، فما من نبت إلا وفيه نفع وفائدة من جهة وإن كانت فيه مضرة من جهة أخرى.
ويحتمل أن يراد بالكريم النافع منه وتكون المضارّ مسلوبة عنه.
قال جار الله: معنى الجمع بين "كم" و"كل" دون أن يقول "كم أنبتنا فيها من زوج كريم" هو أن "كلا" قد دل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و"كم" دل على أن هذا محيط مفرط الكثرة.
قلت: فالحاصل أن خلق النوع يصدق بخلق فرد واحد منه كما يصدق بخلق أفراد كثيرة.
فقوله ﴿ كل زوج ﴾ إشارة إلى خلق كل نوع من أنواع النبات، وقوله ﴿ كم أنبتنا ﴾ إشارة إلى كثرة افراد كل نوع منه وفيه تنبيه على كمال القدرة ونهاية الجود والرحمة ولهذا ختم الكلام بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإنبات أو في كل واحد من تلك الأزواج ﴿ الآية ﴾ على الإبداء والإعادة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن الله طبع على قلوبهم ﴿ وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ فمن عزته قدر على عقوبتهم ومن رحمته بين لهم الدلائل ليتفكروا ويعتبروا، والرحمة إذا صدرت عن القدرة كانت أعظم موقعاً، واعلم أنه كرر بعض الآيات في هذه السورة لأجل التأكيد و"التقرير"؛ فمن ذلك أنه كرر قوله ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ إلى قوله ﴿ الرحيم ﴾ في ثمانية مواضع: أولها في ذكر النبي ، والثانية في قصة موسى، ثم إبراهيم، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب.
ومن ذلك قوله ﴿ ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ وهو مذكور في خمسة مواضع: في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.
ومن ذلك أنه كرر ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ في قصة نوح وهود وصالح وليس في ذكر النبي : ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاَّ على رب العالمين ﴾ لذكرها في مواضع من غير هذه السورة.
وليس في قصة موسى لأنه رباه فرعون حيث قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ ولا في قصة إبراهيم لأن اباه في المخاطبين حيث يقول: ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ﴾ وهو قد ربَّاه فاستحيا موسى وإبراهيم أن يقولا ﴿ وما أسألكم عليه من أجر ﴾ وإن كانا منزهين من طلب الأجر.
ثم إنه أعاد في هذه السورة قصص الأنبياء المشهورين مع أممهم اعتباراً لهذه الأمة، وبدأ بقصة موسى لما فيها من غرائب الأحوال وعجائب الأمور.
والنداء المسموع عند الأشعري هو الكلام القديم الذي لا يشبه الحروف والأصوات، وعند المعتزلة وإليه ميل أبي منصور الماتريدي أنه من جنس الحروف والأصوات وأنه وقع على وجه علم به موسى أنه من قبل الله وقد عرفه أنه سيظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك.
قال جار الله: قوله ﴿ ألا يتقون ﴾ كلام مستأنف فيه تعجيب لموسى من حالهم الشنعاء في قلة خوفهم وكثرة ظلمهم، أو حال أدخلت عليه همزة الإنكار.
ثم إن موسى خاف أن يذكب عند أداء الرسالة فاستظهر بهارون.
وفي قراءة النصب خاف التكذيب المستتبع لضيق الصدر المستلزم لاحتباس اللسان عن الجريان في الكلام، ولعله اراد بهذه الحبسة عقدة في لسانه قبل إجابة دعوته أو بقية يروى أنها بقيت بعد الإجابة كما مر في "طه".
ومعنى ﴿ فأرسل إلى هارون ﴾ أرسل إليه جبريل واجعله نبياً يصدقني في أمري فاختصر الكلام اختصاراً.
ثم ذكر أن لهم عليه ذنباً فسمى جزاء الذنب ذنباً، أو المضاف محذوف اي تبعه ذنب وهو قود قتل القبطي كما سيجيء تفصيله في سورة القصص.
فيمكن أن يقتل قبل أداء الرسالة فلا يتمكن من المقصود، وهذا قد جوزه الكعبي وغيره من البغداديين.
وقال الأكثرون: الأقرب من حال الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله الرسالة أنه يمكنهم من أدائها فلا معنى للخوف من القتل قبل الأداء.
نعم لو خاف بعد الأداء جاز وذلك لما جبل عليه طبع الإنسان من التنفر عن القتل فيسأل الله الأمان من ذلك وقد جمع الله له بقوله ﴿ كلا ﴾ الكلاءة وبقوله ﴿ فاذهبا ﴾ استنباء أخيه كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون ﴿ ومعكم ومستمعون ﴾ خبران لأن أو الخبر ﴿ مستمعون ﴾ و ﴿ معكم ﴾ متعلق به.
ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد معية النصرة والمعونة، وأما الاستماع فمجاز أيضاً وإن كان إطلاق السمع على الله حقيقة لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء ولا بد فيه من الجارحة.
فحاصل الآية إنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه.
وإنما وحد الرسول في قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ لأنه أراد كل واحد أو أراد الرسول بمعنى المصدر أي ذو رسالة رب العالمين.
يقال: أرسلتهم برسول اي برسالة أو جعلا لاتفاقهما واتحاد مطلبهما كرسول واحد.
وههنا إضمار دل عليه سياق الكلام أي فأتيا فرعون فقالا له ذلك.
يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين.
فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه.
فأديا إليه الرسالة فعرف أنه موسى فعند ذلك قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ أي صبياً وذلك لقرب عهده من الولادة.
قيل: مكث فيهم ثلاثين سنة من أول عمره.
وقيل: وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة ففر منهم.
والفعلة الوكزة عدد عليه نعمه، ثم وبخه بقتل نفس منهم وسماه كافراً لنعمه بسبب ذلك.
وجوز جار الله أن يراد وأنت إذ ذاك ممن يكفر بالساعة فيكون قد افترى على موسى أو جهل أمره لأنه كان يعايشهم بالتقية.
وإنما قلنا إنه افتراء أو جهل لأن الكفر غير جائز على الأنبياء ولو قبل النبوة، ويجوز أن يراد أنه من الكافرين بفرعون وإلهيته أو بآلهة كانوا يعبدونها.
قال : ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ ثم إن موسى ما أنكر تربيته ولكن أنكر الكفر فلم ينسب نفسه إلا إلى الضلال وأراد به الذهاب عن الصواب، أو أراد النسيان أو الخطأ وعدم التدبر في أدبار الأمور.
ثم ذكر موهبة ربه في حقه حين فر من فرعون وملئه المؤتمرين بقتله.
والحكم العلم بالتوحيد وكمال العقل والرأي، ولا تدخل فيه النبوة ظاهراً لئلا يلزم شبه التكرار بقوله: ﴿ وجعلني من المرسلين ﴾ قال جار الله ﴿ وتلك ﴾ إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بعد أن فسرت بقوله ﴿ أن عبدت ﴾ نظيره قوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ﴾ والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ كأنه أبى أن يسمي نعمته إلا نقمة لأن تعبيدهم أي تذليلهم واتخاذهم عبيداً وقصدهم.
بذبح أبنائهم صار هو السبب في حصوله عنده وفي تربيته فلهذا قال الزجاج: "أن" مع ما بعده في موضع نصب أي إنما صارت نعمة عليّ لأن عبدت بني إسرائيل إذ لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم ومن هنا قال جار الله: إن قول موسى ﴿ فعلتها إذن ﴾ جواب لقول فرعون ﴿ وفعلت فعلتك ﴾ وجزاء له كأن فرعون قال: جازيت نعمتي بما فعلت.
فقال موسى: فعلتها مجازياً لك وإن نعمتك جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء.
وقال الحسن: أراد أنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت عليّ فلا نعمة لك بالتربية على أن التربية كانت من قبل أمي وعشيرتي ولم يكن منك إلا أنك لم تقتلني.
وقيل: اراد أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في الإطعام والكسوة.
واعلم أن للعلماء خلافاً في نعمة الكافر فقيل: إنها لا تستحق الشكر لأن الكافر يستحق الإهانة بكفره فلو استحق الشكر لإنعامه لزم الجمع بين الإهانة والتعظيم في حق شخص واحد في وقت واحد.
وقيل: لا يبطل بالكفر إلا الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان، وفي الآية نوع دلالة على كل من القولين.
ثم إن موسى حين أدى رسالته من قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ﴿ قال فرعون وما رب العالمين ﴾ وقد سبق مراراً أن كفره احتمل أن يكون كفر عناد وأ، يكون كفر جهالة، والذي يختص بالمقام هو أن ما يطلب به حقيقة الشيء وماهيته، وهذا هو الذي قصده فرعون بسؤاله ولم يعرف أن الماهية لا تطلق على ذاته تعالى إذ لا أجزاء لها حدية ولا تقديريه ولا بأي وجه فرض ضرورة انتهاء الكل إليه واستغنائه عن الكل من كل الوجوه، فلا يصح أن يسأل عنه بما هو ولا بكيف هو ولا بأي شيء هو ولا بهل هو، غاية ذلك أن ينبه على وجوده الذي هو أظهر الأشياء بلوازمه وآثاره على وجه يعم الكل كما يقال: إنه رب السموات والأرض وما بينهما، أو بأخص من ذلك بأن يقال مثلاً: ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين ﴾ وهو الاستدلال بالأنفس أو يقال ﴿ رب المشرق والمغرب وما بينهما ﴾ من الجهات المفروضة على السماء من لدن طلوع الكواكب إلى غروبها وبالعكس وهو الاستدلال بالآفاق.
وقد راعى في الجواب الأول طريقة اللطف فختم بقوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ أي إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وجلائه.
وخاشنهم في الأخير بقوله ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله ﴿ إن رسولكم ﴾ ويمكن أن يراد بقوله ﴿ وما بينهما ﴾ ثانياً ما بين المشرق والمغرب من المخلوقات فيكون الفرق بين هذا الاستدلال وبين الأول أن الأول هو الاستدلال بالإمكان على طريقة الحكيم، والثاني هو الاستدلال بالحدوث على طريقة المتكلمين، والأول أقرب إلى اليقين فلهذا قال ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ والثاني أقرب إلى الحس فلهذا قال ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ ولما انجر الكلام إلى حد العناد والمخاشنة هدده فرعون بقوله: ﴿ لئن اتخذت إلهاً غيري لاجعلنك من المسجونين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال: "لأسجننك" والمعنى لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه يطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع، وحينئذ عدل موسى إلى الحجة الأصلية في الباب وهو ادعاء المعجز المنبئ عن صدقه فقال ﴿ أولو جئتك ﴾ أي أتفعل فيَّ ذلك ولو جئتك بشيء أي جائياً بالمعجزة.
وفي قوله ﴿ إن كنت من الصادقين ﴾ إن سلم أنه قاله جداً لا هزلاً وجدالاً دلالة على ما ركز في العقول من أن دعوى الرسالة إن اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق صدقها.
وقد شنع في الكشاف ههنا أن في أهل القبلة من خفي عليهم ما لم يخف على فرعون حتى جوزوا القبيح عليه ولزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات.
وفي التخطئة سهو من وجهين: أحدهما: أنه لا قبيح عند الأشاعرة عقلاً.
والثاني أنه على تقدير التسليم لا يلزم تجويز كل قبيح وهذا من ذلك للزوم الاشتباه.
وباقي القصة سبق نظيرها في "الأعراف" فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالسورة.
قوله ﴿ قال للملأ حوله ﴾ قال في الكشاف: الظرف في محل النصب على الحال.
وأقول: الأصوب أن يجعل نعتاً للملأ أي الأشراف حوله على طريقة قوله: ولقد أمرّ على اللئيم يسبني *** قوله ﴿ لمقيات يوم معلوم ﴾ اليوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى كما مر في "طه".
قوله ﴿ هل أنتم مجتمعون ﴾ استبطاء لهم في الاجتماع وحث عليه كقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق إذا أراد أن يحثه على الانطلاق.
قوله ﴿ لعلنا نتبع السحرة ﴾ لم يكن غرضهم اتباع السحرة في دينهم وإنما غرضهم الأصلي أن لا تتبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق المجاز لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى.
قوله ﴿ بعزة فرعون ﴾ هي من أيمان الجاهلية ولا يصح الحلف في الإسلام إلا بالله وبصفاته كما مر في "البقرة" و"المائدة".
وقوله ﴿ فألقى السحرة ﴾ لم يسم فاعله وهو الله في الحقيقة حين ألقى داعية الإيمان في قلوبهم ويجوز أن ينسب إلى ما عاينوا من المعجزات الباهرة ولك أن لا تقدر فاعلاً أي خروا.
قوله ﴿ لا ضير ﴾ أي لا ضير علينا فيما يتوعدنا به من القتل.
قوله ﴿ إنا نطمع ﴾ الطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين كقوله إبراهيم ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي ﴾ ويحتمل الظن بناء على أن المرء لا يعلم ما يختاره أو يؤل إليه عند الوفاة.
ومعنى ﴿ أن كنا ﴾ لأن كنا وكانوا أوّل طائفة مؤمنين من أهل زمانهم أو من قوم فرعون أو من أهل المشهد.
قوله: ﴿ إِنكم متبعون ﴾ تعليل للإسراء أي بنيت تدبير أمركم على أن تتقدموا لو يتبعكم فرعون وجنوده إلى أن يغشاهم من اليم ما يغشاهم.
قوله: ﴿ لشرذمة ﴾ هي الطائفة القليلة.
ثم وصفهم بالقلة واختار جمع السلامة ليدل على أن كل حزب منهم في غاية القلة، وذلك بالنسبة إلى عسكره وإلا فهم كثير في أنفسهم.
يروى أن فرعون أرسل في اثرهم الف ألف وخمسمائة الف ملك مسور مع كل ملك الف وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت على مقدّمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وكان قوم موسى إذ ذاك ستمائة ألف وسبعين ألفاً.
ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والحقارة لا قلة العدد.
قوله: ﴿ وإنهم لنا لغائطون ﴾ معناه أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم ولكنهم يفعلون أفعالاً لغيظنا كأخذ الحلي وادّعاء الاستقلال والاستخلاص عن ذل الاستخدام ونحن قوم مجموعون كلمة وائتلافاً، ومن عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور.
فالحذر المتيقظ وهو يفيد الثبات والحاذر الذي يجدد حذره.
وقيل: هو تام السلاح لأنه فعل ذلك حذراً واحتياطاً لنفسه، وكل هذه المعاذير لأجل أن لا يظن به العجز وخلاف ما ادّعاه من القهر والتسلط.
وقرئ ﴿ حادرون ﴾ بالدال غير المعجمة، والحادر السمين القوي أراد أنهم أقوياء أشدّاء.
﴿ فأخرجناهم من جنات ﴾ أي بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة.
قال مجاهد: سماها كنوزاً لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله .
والمقام الكريم المنازل الحسنة والمجالس البهية.
وقال الضحاك: المنابر.
وقيل: السرر في الحجال.
﴿ كذلك ﴾ يحتمل النصب أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا، والجر على الوصف أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، ولارفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، وعلى هذا فيوقف على ﴿ كريم ﴾ .
﴿ فأتبعوهم ﴾ اي فلحقوهم.
ومن قرأ بالتشديد فظاهر.
والإشراق الدخول في وقت الشروق ﴿ فلما تراءى الجمعان ﴾ أي رأى قوم موسى قوم فرعون وحصل كل من الفريقين بمرأى للآخر ﴿ قال أصحاب موسى ﴾ خوفاً وفزعاً ﴿ إنا لمدركون ﴾ لملحقون.
قال موسى تثبيتاً لهم وردعاً عماهم عليه من الجزع والفزع ﴿ كلا إن معي ربي ﴾ بالنصرة والمعونة ﴿ سيهدين ﴾ سبيل النجاة والخلاص كما وعدني.
ثم بين أنه كيف هداه بقوله ﴿ فأوحينا ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ فانفلق ﴾ فضرب فانفلق ﴿ فكان كل فرق ﴾ اي كل جزء متفرق منفلق منه ﴿ كالطود ﴾ وهو الجبل العظيم ومع ذلك وصفه بالعظيم ﴿ وأزلفنا ثم ﴾ أي قربنا حيث انفلق البحر ﴿ الآخرين ﴾ وهم قوم فرعون والمقرب منه بنو إسرائيل أو قوم فرعون أيضاً أي أدنينا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد، ويجوز أن يراد قدمانهم إلى البحر.
وقرئ ﴿ وأزلقنا ﴾ بالقاف أي أزللنا أقدامهم حساً بأن لم يكن لهم البحر يبساً كما كان لبني إسرائيل، أو عقلاً أي أذهبنا عزهم.
والبحر بحر القلزم أو بحر من وراء مصر يقال له أساف.
قالت الأشاعرة: إنه أضاف الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم في طلب موسى كفر.
أجاب الجبائي بأن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله ، فلما كان مسيرهم بتدبير الله وهؤلاء تبعوهم اضافه إلى نفسه توسعاً، وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول: أتعبني الغلام لما حدث ذلك عند فعله.
أو المراد أزلفناهم إلى الموت والأجل.
وقال الكعبي: أراد أنه جمع تفرقهم كيلا يصلوا إلى موسى وقومه، أو اراد أنه حلم عنهم وترك لهم لابحر يابساً حتى طمعوا في دخوله.
واعترض بأن كل ذلك لا بد أن يكون له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم فيعود المحذور.
﴿ إن في ذلك ﴾ الذي حدث في البحر من إنجاء البعض وإغراق البعض أو في ذلك أي ذكر من القصة بطولها ﴿ لآية ﴾ عجيبة للمتدبر المتفكر في الأمور الإلهية ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ حين سألوا بعد النجاة أن يجعل لهم موسى إلهاً غير الله، واتخذوا العجل، واقترحوا اقتراحات خارجة عن قانون الأدب.
ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الأمة بدليل ﴿ واتل عليهم ﴾ وفيه تسلية لرسول الله فقد كان يغتم بتكذيب قومه بعد ظهور المعجزات ونزول الآيات.
التأويل: الطاء طوله في كمال عظمته، والسين سلامته عن كل عيب ونقص، والميم مجده الذي لا نهاية له.
أو الطاء طهارة قلب نبيه عن تعلقات الكونين، والسين سيادته على الأنبياء والمرسلين، واليمم مشاهدته جمال رب العالمين.
أو الطاء طيران الطائرين بالله، والسين سير السائرين إلى الله، والميم مشي الماشين لله الذين يمشون على الأرض هوناً.
﴿ إن نشأ ننزل ﴾ من سماء قلوبهم ﴿ آية ﴾ من واردات الحق ﴿ فظلت ﴾ أعناق نفوسهم ﴿ لها خاضعين ﴾ ﴿ فسيأتيهم ﴾ بعد مفارقة الأرواح الأجساد ﴿ أنباء ما كانوا به يستهزؤن ﴾ لظهور نتائج معاملاتهم الخبيثة على أرواحهم ﴿ أو لم يروا إلى ﴾ أرض قلوب العارفين ﴿ كما أنبتنا فيها ﴾ من اشجار أصناف الإيمان والتوكل واليقين والإخلاص وسائر الأخلاق الكريمة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن جناب الحق لعزته يجل عن أن يكون شرعة لكل وارد ﴿ وإن ربك لهو العزيز ﴾ الذي لا يوجد بالسعي ﴿ الرحيم ﴾ حين أدرك أولياءه بجذبات العناية كما أدرك موسى حين ناداه من الشجرة، وذلك لأنه جعله مظهر لطفه كما أ نه جعل فرعون مظهر قهره فصار من العتوّ والاستكبار في غاية الكمال.
ويعلم منه أن الإنسان له استعداد في مظهرية صفة القهر ليس لإبليس فلذلك عاند إبليس آدم وقال أنا خير منه وعاند فرعون الرب وقال أنا ربكم الأعلى.
وأن له استعداداً في مظهرية صفة اللطف ليس للملك ولهذا صار الإنسان مسجوداً للملائكة.
﴿ أن أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيه أن موسى القلب مرسل إلى فرعون النفس لئلا تستعيد الصفات الروحانية فإن لفرعون النفس في البداية استيلاء على موسى القلب والصفات الروحانية فاستعملهم في قضاء حوائجه وتحصيل مقاصده فعرفه فرعون النفس وقال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ فإن موسى القلب كان في حجر فرعون النفس إلى أن بلغ أوان الحلم وهي خمس عشرة سنة، فقتل قبطي الشهوة حين كفر بإله الهوى وكان قبل القتل ضالاً عن حضرة الربوبية ﴿ ففرت منكم ﴾ غلى الله لما خفت أن تقطعوا عليّ الطريق إلى الله.
رب سموات القلوب وأرض البشرية وما بينهما من المنازل ﴿ قال لمن حوله ﴾ من صفات النفس ﴿ الا تستمعون ﴾ ﴿ قال موسى ﴾ القلب لتعارفه بربه ﴿ ربكم ورب آبائكم الأوّلين ﴾ يعني الآباء العلوية الرحانية.
وفي قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ إشارة إلى كمال ضدية القلب والنفس فما يصدر عن القلب تعده النفس من الجنون وبالعكس.
﴿ رب ﴾ مشرق الروح من أفق البدن ﴿ ورب ﴾ مغربه فيه ﴿ وما بينهما ﴾ من مدة التعلق وقد مر نظيره في محاجة إبراهيم في "البقرة" ﴿ لأجعلنك من المسجونين ﴾ في سجن حب الدنيا فإن القلب إذا توجه إلى الله فلا استيلاء للنفس عليه إلا بشبكة حب النجاة والرياسة فإنها آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين.
فقال موسى القلب: لا تقدر على أن تسجنني فإن معي عصا الذكر واليد المنزعة عما سوى الله.
وباقي التأويل قد سبق قوله: ﴿ فأخرجناهم ﴾ أي ﴿ من جنات ﴾ صفات الأوصاف الروحانية ﴿ وعيون ﴾ الحكمة ﴿ وكنوز ﴾ المعارف ﴿ ومقام كريم ﴾ في حضرة أكرم الأكرمين ﴿ وأورثاها بني إسرائيل ﴾ فيه أن النفس إذا فنيت ورث القلب منها صفاتها وبقوتها تصير إلى مقامات لم يمكنه الوصول إليها بقوة صفاته، ولو مات القلب ورثت النفس منه صفاته وبقوتها تتنزل إلى دركات لم يمكنها الوصول إليها بمجرد صفاتها ﴿ فأتبعوهم ﴾ أي لحق أوصاف النفس أوصاف القلب عند إشراق شمس الروح ﴿ فكان كل فرق ﴾ فيه أن كل صفة من أوصاف الروح كجبل عظيم في العبور عنه.
﴿ وأزلفنا ثم الآخرين ﴾ أي قربنا صفات النفس بتبعية صفات القلب إلى بحر الروح.
﴿ وأنجينا موسى ومن معه ﴾ من الأوصاف في بحر الروح بالوصول إلى الحضرة ﴿ ثم أغرقنا ﴾ أوصاف النفس في بحر الروحانية فإن الوصول إلى الحضرة من خواص القلب وغاية سير النفس هو الاستغراق في بحر الروحانية ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ لأرباب العرفان ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ بهذه المنازل فإنه لا يصير إليها إلا الشاذ من المجذوبين بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ جعلنا الله من المستعدين لها والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ إِنَّكُم مّتَّبَعُونَ ﴾ : السرى: سير الليل، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ﴾ ، أي: يتبعكم فرعون وقومه.
وقوله: ﴿ فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ ﴾ أي: أرسل في المدائن من يحشر الجنود والعساكر.
وقالوا: ﴿ إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ يعنون: أصحاب موسى ﴿ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴾ قال بعضهم: الشرذمة: الجماعة العصابة، أي: عصابة قليلة.
وقال بعضهم: ﴿ إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴾ أي: طائفة قليلة.
﴿ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ ﴾ : في الحلي الذي استعاروه منا، أي: ذهبوا به، مغايظة لنا.
وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ ﴾ بما فعلنا بهم من قتل أولادهم، واستحيائهم نساءهم، ورجالهم يفعلون بنا ما فعلنا بهم إن ظفروا.
وقوله: ﴿ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ﴾ : وحذرون: قال بعضهم: من الحذر.
وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ﴾ أي: مؤدون، أي: مقوون، أي: معنا أداة أصحاب الحرب، والمقوي: الذي دابته قوية.
وقال بعضهم: حاذرون، أي: مستعدون للحرب.
وقال بعضهم: ﴿ حَاذِرُونَ ﴾ لما حدث لهم من الخوف، والحذر للحال حذر المعاودة، أي: حذروا أن يعودوا إليهم، وحذرون أي: كنا لم نزل منهم على حذر.
وقال أبو معاذ: حاذرون: مؤدون من الأداة، أي: تام السلاح.
وفي خروج موسى ببني إسرائيل مع كثرتهم على ما ذكر أنهم كانوا ستمائة ألف فصاعداً من غير أن علم القبط بذلك - آية عظيمة؛ إذ لا يقدر نفر الخروج من محلة أو ناحية إلا ويعلم أهلها بخروجهم، ففي ذلك كان آية عظيمة؛ حيث خرجوا من بينهم من غير أن علم أحد منهم بذلك.
وقوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَاهُمْ ﴾ يعني: فرعون وقومه، ﴿ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴾ أي: حسن، ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ ﴾ أي: تبع فرعون وقومه حين شرقت الشمس أي: طلعت - ومشرقين أي: كانوا في الشمس، أي: قوم موسى صاروا في الشمس، يقال: أشرقنا إذا صاروا فيها.
وقوله: ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ ﴾ : جمع موسى وجمع فرعون، أي: إذا تراءى بعضهم بعضاً، ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ قال موسى ﴿ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ : كان قوم موسى لم يعلموا بالبشارة التي بشرها الله موسى أنهم لا يدركون، وهو ما قال: ﴿ لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ ﴾ أي: لا تخاف دركهم ولا تخشى فرعون وقومه؛ لذلك قالوا: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ وكانت البشارة لهم لا لموسى خاصة، يدل لذلك قول موسى: ﴿ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ على أثر قولهم: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ أي: كلا إنهم لا يدركونكم.
وقوله: ﴿ فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ ﴾ أي: انشق؛ وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: ﴿ فانشق ﴾ .
﴿ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ أي: كالجبل العظيم، [والطَّوْد] والطور واحد، وأطواد جماعة.
وقوله: ﴿ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ ﴾ : قال الحسن: أزلفنا، أي: أهلكنا ثم الآخرين.
وقال بعضهم: جمعنا، ومنه قيل: ليلة المزدلفة، أي: ليلة الازدلاف وهو الاجتماع؛ وكذلك قيل للموضع: جمع.
فإن كان التأويل هذا ففيه دلالة أن لله في فعل العباد صنعاً وتدبيراً؛ لأنه أضاف الجمع إليه، وهم إنما كانوا خرجوا للمعصية؛ فدل ذلك أنه على ما ذكرنا.
وقال بعضهم: ﴿ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ ﴾ أي: أدنيناهم وقربناهم، ومنه زلفك الله، أي: قربك الله، ويقال: أزلفني كذا عند فلان، أي: قربني منه، والزلف: المنازل، والمراقي؛ لأنها تدنو بالمسافر، ومنه: ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: أدنيت وقربت؛ وكذلك قال أبو عوسجة والقتبي.
وقوله: ﴿ وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ ﴾ الآية ظاهرة.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ أي: في هلاك فرعون وقومه، وإنجاء موسى ومن معه متعظ ومزجر لمن بعدهم؛ حيث رأوا أنه أهلك الأعداء، وأبقى الأولياء.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ : هذا يحتمل وجوهاً: قال بعضهم: لم يكن أكثر أهل مصر بمصدقين بتوحيد الله؛ إذ لو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا، ولكن غير هذا كأنه أشبه، أي: لو لم يهلكهم الله ، ولكن أبقاهم لم يؤمن أكثرهم.
وقال بعضهم: ﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم ﴾ من بني إسرائيل ﴿ مُّؤْمِنِينَ ﴾ أي: لم يدم أكثرهم على الإيمان، بل ارتد أكثرهم من بعد ما أنجاهم حيث قالوا لموسى: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : المنتقم من فرعون.
وقوله: ﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : بموسى ومن معه من المؤمنين، هذا في هذا الموضع يستقيم أن يصرف تأويل العزيز إلى الأعداء، والرحيم إلى الأولياء، كل حرف من ذلك إلى الفريق الذي يستوجب ذلك: الرحمة إلى المؤمنين، والنقمة إلى الأعداء.
<div class="verse-tafsir"
ثم أهلكنا فرعون وقومه بالغرق في البحر.
<div class="verse-tafsir" id="91.Jzxem"