الآية ٨٨ من سورة الشعراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ٨٨ من سورة الشعراء

يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌۭ وَلَا بَنُونَ ٨٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 66 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٨ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٨ من سورة الشعراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( يوم لا ينفع مال ولا بنون ) أي : لا يقي المرء من عذاب الله ماله ، ولو افتدى بملء الأرض ذهبا : ( ولا بنون ) ولو افتدى بمن في الأرض جميعا ، ولا ينفع يومئذ إلا الإيمان بالله ، وإخلاص الدين له ، والتبري من الشرك; ولهذا قال : ( إلا من أتى الله بقلب سليم ) أي : سالم من الدنس والشرك .

قال محمد بن سيرين : القلب السليم أن يعلم أن الله حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ ) يقول: لا تخزني يوم لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا مال كان له في الدنيا, ولا بنوه الذين كانوا له فيها, فيدفع ذلك عنه عقاب الله إذا عاقبه, ولا ينجيه منه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يوم لا ينفع مال ولا بنون ( يوم ) بدل من ( يوم ) الأول .

أي يوم لا ينفع مال ولا بنون أحدا .

والمراد بقوله : " ولا بنون " الأعوان ; لأن الابن إذا لم ينفع فغيره متى ينفع ؟

وقيل : ذكر البنين لأنه جرى ذكر والد إبراهيم ، أي لم ينفعه إبراهيم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لا يَنْفَعُ فيه مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ فهذا الذي ينفعه عندك وهذا الذي ينجو به من العقاب ويستحق جزيل الثواب

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"يوم لا ينفع مال ولا بنون".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

قال تعالى فيه: «يوم لا ينفع مال ولا بنون» أحدا

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تُلْحق بي الذل، يوم يخرج الناس من القبور للحساب والجزاء، يوم لا ينفع المال والبنون أحدًا من العباد، إلا مَن أتى الله بقلب سليم من الكفر والنفاق والرذيلة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ ) من أحد لديك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام ثناءه على الله تعالى ذكر بعد ذلك دعاءه ومسألته وذلك تنبيه على أن تقديم الثناء على الدعاء من المهمات وتحقيق الكلام فيه أن هذه الأرواح البشرية من جنس الملائكة فكلما كان اشتغالها بمعرفة الله تعالى ومحبته والانجذاب إلى عالم الروحانيات أشد كانت مشاكلتها للملائكة أتم، فكانت أقوى على التصرف في أجسام هذا العالم، وكلما كان اشتغالها بلذات هذا العالم واستغراقها في ظلمات هذه الجسمانيات أشد كانت مشاكلتها للبهائم أشد فكانت أكثر عجزاً وضعفاً وأقل تأثيراً في هذا العالم، فمن أراد أن يشتغل بالدعاء يجب أن يقدم عليه ثناء الله تعالى وذكر عظمته وكبريائه حتى أنه بسبب ذلك الذكر يصير مستغرقاً في معرفة الله ومحبته ويصير قريب المشاكلة من الملائكة فتحصل له بسبب تلك المشاكلة قوة إلهية سماوية فيصير مبدأ لحدوث ذلك الشيء الذي هو المطلوب بالدعاء فهذا هو الكشف عن ماهية الدعاء وظهر أن تقديم الثناء على الدعاء من الواجبات وطهر به تحقيق قوله عليه السلام حكاية عن الله تعالى: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين فإن قال قائل: لم لم يقتصر إبراهيم عليه السلام على الثناء، لا سيما ويروى عنه أيضاً أنه قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي؟

فالجواب: أنه عليه السلام إنما ذكر ذلك حين كان مشتغلاً بدعوة الخلق إلى الحق ألا ترى أنه قال: ﴿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ العالمين  ﴾ ثم ذكر الثناء، ثم ذكر الدعاء لأن الشارع لابد له من تعليم الشرع، فأما حين ما خلا بنفسه، ولم يكن غرضه تعليم الشرع كان يقتصر على قوله: حسبي من سؤالي علمه بحالي.

البحث الثاني: في الأمور التي طلبها في الدعاء وهي مطاليب: المطلوب الأول: قوله: ﴿ رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ ، ولقد أجابه الله تعالى حيث قال: ﴿ وَإِنَّهُ فِي الأخرة لَمِنَ الصالحين  ﴾ وفيه مطالب: أحدها: أنه لا يجوز تفسير الحكم بالنبوة لأن النبوة كانت حاصلة فلو طلب النبوة لكانت النبوة المطلوبة، أما عين النبوة الحاصلة أو غيرها، والأول محال لأن تحصيل الحاصل محال، والثاني محال لأنه يمتنع أن يكون الشخص الواحد نبياً مرتين، بل المراد من الحكم ما هو كمال القوة النظرية، وذلك بإدراك الحق ومن قوله: ﴿ وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ كمال القوة العملية، وذلك بأن يكون عاملاً بالخير فإن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، وإنما قدم قوله: ﴿ رَبّ هَبْ لِى حُكْماً ﴾ على قوله: ﴿ وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ لما أن القوة النظرية مقدمة على القوة العملية بالشرف وبالذات، وأيضاً فإنه يمكنه أن يعلم الحق وإن لم يعلم بالخير وعكسه غير ممكن، ولأن العلم صفة الروح والعمل صفة البدن، ولما كان الروح أشرف من البدن كان العلم أفضل من العمل، وإنما فسرنا معرفة الأشياء بالحكم وذلك لأن الإنسان لا يعرف حقائق الأشياء إلا إذا استحضر في ذهنه صور الماهيات، ثم نسب بعضها إلى بعض بالنفي أو بالإثبات، وتلك النسبة وهي الحكم، ثم إن كانت النسب الذهنية مطابقة للنسب الخارجية كانت النسب الذهنية ممتنعة التغير فكانت مستحكمة قوية، فمثل هذا الإدراك يسمى حكمة حكماً، وهو المراد من قوله عليه السلام: أرنا الأشياء كما هي وأما الصلاح فهو كون القوة العاقلة متوسطة بين رذيلتي الإفراط والتفريط، وذلك لأن الإفراط في أحد الجانبين تفريط في الجانب الآخر وبالعكس فالصلاح لا يحصل إلا بالاعتدال، ولما كان الاعتدال الحقيقي شيئاً واحداً لا يقبل القسمة ألبتة والأفكار البشرية في هذا العالم قاصرة على إدراك أمثال هذه الأشياء، لا جرم لا ينفك البشر عن الخروج عن ذلك الحد وإن قل، إلا أن خروج المقربين عنه يكون في القلة بحيث لا يحس به وخروج العصاة عنه يكون متفاحشاً جداً فقد ظهر من هذا تحقيق ما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وظهر احتياج إبراهيم عليه السلام إلى أن يقول: ﴿ وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ .

المطلب الثاني: لما ثبت أن المراد من الحكم العلم، ثبت أنه عليه السلام طلب من الله أن يعطيه العلم بالله تعالى وبصفاته، وهذا يدل على أن معرفة الله تعالى لا تحصل في قلب العبد إلا بخلق الله تعالى، وقوله: ﴿ وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ يدل على أن كون العبد صالحاً ليس إلا بخلق الله تعالى وحمل هذه الأشياء على الألطاف بعيد، لأن عند الخصم كل ما في قدرة الله تعالى من الألطاف فقد فعله فلو صرفنا الدعاء إليه لكان ذلك طلباً لتحصيل الحاصل وهو فاسد.

المطلب الثالث: أن الحكم المطلوب في الدعاء إما أن يكون هو العلم بالله أو بغيره والثاني باطل، لأن الإنسان حال كونه مستحضراً للعلم بشيء لا يمكنه أن يكون مستحضراً للعلم بشيء آخر فلو كان المطلوب بهذا الدعاء العلم بغير الله تعالى، والعلم بغير الله تعالى شاغل عن الاستغراق في العلم بالله كان هذا السؤال طلباً لما يشغله عن الاستغراق في العلم بالله تعالى، وذلك غير جائز لأنه لا كمال فوق ذلك الاستغراق فإذن المطلوب بهذا الدعاء هو العلم بالله، ثم إن ذلك العلم إما أن يكون هو العلم بالله تعالى الذي هو شرط صحة الإيمان أو غيره، والأول باطل لأنه لما وجب أن يكون حاصلاً لكل المؤمنين فكيف لا يكون حاصلاً عند إبراهيم عليه السلام، وإذا كان حاصلاً عنده امتنع طلب تحصيله، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء درجات في معرفة الله تعالى أزيد من العلم بوجوده وبأنه ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز وبأنه عالم قادر حي، وما ذاك إلا الوقوف على صفات الجلال أو الوقوف على حقيقة الذات أو ظهور نور تلك المعرفة في القلب.

ثم هناك أحوال لا يعبر عنها المقال ولا يشرحها الخيال، ومن أراد أن يصل إليها فليكن من الواصلين إلى العين، دون السامعين للأثر.

المطلوب الثاني: قوله: ﴿ واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِي الأخرين ﴾ وفيه ثلاث تأويلات: التأويل الأول: أنه عليه السلام ابتدأ بطلب ما هو الكمال الذاتي للإنسان في الدنيا والآخرة وهو طلب الحكم الذي هو العلم، ثم طلب بعده كمالات الدنيا وبعد ذلك طلب كمالات الآخرة، فأما كمالات الدنيا فبعضها داخلية وبعضها خارجية، أما الداخلية فهي الخلق الظاهر والخلق الباطن والخلق الظاهر أشد جسمانية والخلق الباطن أشد روحانية، فترك إبراهيم عليه السلام الأمر الجسماني وهو الخلق الظاهر وطلب الأمر الروحاني وهو الخلق الباطن، وهو المراد بقوله: ﴿ وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ وأما الخارجية فهي المال والجاه، والمال أشد جسمانية والجاه أشد روحانية فترك إبراهيم عليه السلام الأمر الجسماني وهو المال وطلب الأمر الروحاني وهو الجاه والذكر الجميل الباقي على وجه الدهر، وهو المراد بقوله: ﴿ واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِي الأخرين ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما وقد أعطاه ذلك بقوله: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأخرين ﴾ فإن قيل وأي غرض له في أن يثني عليه ويمدح؟

جوابه من وجهين: الأول: وهو على لسان الحكمة أن الأرواح البشرية قد بينا أنها مؤثرة في الجملة إلا أن بعضها قد يكون ضعيفاً فيعجز عن التأثير فإذا اجتمعت طائفة منها فربما قوي مجموعها على ما عجزت الآحاد عنه، وهذا المعنى مشاهد في المؤثرات الجسمانية، إذا ثبت هذا فالإنسان الواحد إذا كان بحيث يثني عليه الجمع العظيم ويمدحونه ويعظمونه، فربما صار انصراف هممهم عند الاجتماع إليه سبباً لحصول زيادة كمال له الثاني: وهو على لسان الكمال أن من صار ممدوحاً فيما بين الناس بسبب ما عنده من الفضائل، فإنه يصير ذلك المدح وتلك الشهرة داعياً لغيره إلى اكتساب مثل تلك الفضائل.

التأويل الثاني: أنه سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون داعياً إلى الله تعالى، وذلك هو محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد من قوله: ﴿ واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِي الأخرين ﴾ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم.

التأويل الثالث: قال بعضهم المراد اتفاق أهل الأديان على حبه، ثم إن الله تعالى أعطاه ذلك لأنك لا ترى أهل دين إلا ويتوالون إبراهيم عليه السلام، وقدح بعضهم فيه بأنه لا تقوى الرغبة في مدح الكافر وجوابه: أنه ليس المقصود مدح الكافر من حيث هو كافر، بل المقصود أن يكون ممدوح كل إنسان ومحبوب كل قلب.

المطلوب الثالث: قوله: ﴿ واجعلنى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النعيم ﴾ اعلم أنه لما طلب سعادة الدنيا طلب بعدها سعادة الآخرة وهي جنة النعيم، وشبهها بما يورث لأنه الذي يغتنم في الدنيا، فشبه غنيمة الآخرة بغنيمة الدنيا.

المطلوب الرابع: قوله: ﴿ واغفر لأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين ﴾ واعلم أنه لما فرغ من طلب السعادات الدنيوية والأخروية لنفسه طلبها لأشد الناس التصاقاً به وهو أبوه فقال: ﴿ واغفر لأَبِى ﴾ ثم فيه وجوه: الأول: أن المغفرة مشروطة بالإسلام وطلب المشروط متضمن لطلب الشرط فقوله: ﴿ واغفر لأَبِى ﴾ يرجع حاصله إلى أنه دعاء لأبيه بالإسلام الثاني: أن أباه وعده الإسلام كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ  ﴾ فدعا له لهذا الشرط ولا يمتنع الدعاء للكافر على هذا الشرط ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ  ﴾ وهذا ضعيف لأن الدعاء بهذا الشرط جائز للكافر فلو كان دعاؤه مشروطاً لما منعه الله عنه الثالث: أن أباه قال له إنه على دينه باطناً وعلى دين نمروذ ظاهراً تقية وخوفاً، فدعا له لاعتقاده أن الأمر كذلك فلما تبين له خلاف ذلك تبرأ منه، لذلك قال في دعائه: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين ﴾ فلولا اعتقاده فيه أنه في الحال ليس بضال لما قال ذلك.

المطلوب الخامس: قوله: ﴿ وَلاَ تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾ قال صاحب الكشاف: الإخزاء من الخزي وهو الهوان، أو من الخزاية وهي الحياء وهاهنا أبحاث: أحدها: أن قوله: ﴿ وَلاَ تُخْزِنِى ﴾ يدل على أنه لا يجب على الله تعالى شيء على ما بيناه في قوله: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين  ﴾ .

وثانيها: أن لقائل أن يقول لما قال أولاً: ﴿ واجعلنى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النعيم ﴾ ومتى حصلت الجنة، امتنع حصول الخزي، فكيف قال بعده: ﴿ وَلاَ تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾ وأيضاً فقد قال تعالى: ﴿ إِنَّ الخزى اليوم والسوء عَلَى الكافرين  ﴾ فما كان نصيب الكفار فقط فكيف يخافه المعصوم؟

جوابه: كما أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فكذا درجات الأبرار دركات المقربين وخزي كل واحد بما يليق به.

وثالثها: قال صاحب الكشاف: في (يبعثون) ضمير العباد لأنه معلوم أو ضمير الضالين.

أما قوله: ﴿ إِلاَّ مَنْ أَتى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ فاعلم أنه تعالى أكرمه بهذا الوصف حيث قال: ﴿ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبْرَٰهِيمَ  إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ  ﴾ .

ثم في هذا الاستثناء وجوه: أحدها: أنه إذا قيل لك: هل لزيد مال وبنون؟

فتقول ماله وبنوه سلامة قلبه، تريد نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب له بدلاً عن ذلك، فكذا في هذه الآية.

وثانيها: أن نحمل الكلام على المعنى ونجعل المال والبنين في معنى الغنى كأنه قيل يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه.

وثالثها: أن نجعل (من) مفعولاً لينفع أي لا ينفع مال ولا بنون إلا رجلاً سلم قلبه مع ماله حيث أنفقه في طاعة الله تعالى، ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين، ويجوز على هذا ﴿ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ من فتنة المال والبنين، أما السليم ففي ثلاثة أوجه: الأول: وهو الأصح أن المراد منه سلامة القلب عن الجهل والأخلاق الرذيلة، وذلك لأنه كما أن صحة البدن وسلامته عبارة عن حصول ما ينبغي من المزاج والتركيب والاتصال ومرضه عبارة عن زوال أحد تلك الأمور فكذلك سلامة القلب عبارة عن حصول ما ينبغي له وهو العلم والخلق الفاضل ومرضه عبارة عن زوال أحدهما فقوله: ﴿ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ أن يكون خالياً عن العقائد الفاسدة والميل إلى شهوات الدنيا ولذاتها فإن قيل فظاهر هذه الآية يقتضي أن من سلم قلبه كان ناجياً وأنه لا حاجة فيه إلى سلامة اللسان واليد جوابه: أن القلب مؤثر واللسان والجوارح تبع فلو كان القلب سليماً لكانا سليمين لا محالة، وحيث لم يسلما ثبت عدم سلامة القلب التأويل الثاني: أن السليم هو اللديغ من خشية الله تعالى التأويل الثالث: أن السليم هو الذي سلم وأسلم وسالم واستسلم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الحكم: الحكمة، أو الحكم بين الناس بالحق.

وقيل: النبوّة؛ لأنّ النبي ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله.

والإلحاق بالصالحين: أن يوفقه لعمل ينتظم به في جملتهم، أو يجمع بينه وبينهم في الجنة.

ولقد أجابه حيث قال: ﴿ وَإِنَّهُ فِي الاخرة لَمِنَ الصالحين ﴾ [البقرة: 130] ، [النحل: 122] ، [العنكبوت: 27] .

والإخزاء: من الخزي وهو الهوان.

ومن الخزاية وهي الحياء.

وهذا أيضاً من نحو استغفارهم مما علموا أنه مغفور وفي ﴿ يُبْعَثُونَ ﴾ ضمير العباد، لأنه معلوم.

أو ضمير الضالين.

وأن يجعل من جملة الاستغفار لأبيه، يعني: ولا تخزني يوم يبعث الضالون وأبي فيهم ﴿ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله ﴾ إلا حال من أتى الله ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ وهو من قولهم: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ وما ثوابه إلا السيف.

وبيانه أن يقال لك: هل لزيد مال وبنون؟

فتقول: ماله وبنوه: سلامة قلبه، تريد نفي المال والبنين عنه، وإثبات سلامة القلب له بدلاً عن ذلك.

وإن شئت حملت الكلام على المعنى وجعلت المال والبنين في معنى الغنى، كأنه قيل: يوم لا ينفع غنى إلا غني من أتى الله بقلب سليم؛ لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه، كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه.

ولك أن تجعل الاستثناء منقطعاً.

ولا بدّ لك مع ذلك من تقدير المضاف وهو الحال، والمراد بها سلامة القلب، وليست هي من جنس المال والبنين، حتى يؤول المعنى إلى أن المال والبنين لا ينفعان، وإنما ينفع سلامة القلب.

ولو لم يقدر المضاف، لم يتحصل للاستثناء معنى.

وقد جعل ﴿ مِن ﴾ مفعولاً لينفع، أي: لا ينفع مال ولا بنون، إلا رجلاً سلم قلبه مع ماله حيث أنفقه في طاعة الله، ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين وعلمهم الشرائع.

ويجوز على هذا ﴿ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ من فتنة المال والبنين.

ومعنى سلامة القلب: سلامته من آفات الكفر والمعاصي، ومما أكرم الله تعالى به خليله ونبه على جلالة محله في الإخلاص: أن حكى استثناءه هذا حكاية راض بإصابته فيه.

ثم جعله صفة له في قوله: ﴿ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبراهيم إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الصافات: 84] ومن بدع التفاسير: تفسير بعضهم السليم باللديغ من خشية الله.

وقول آخر: هو الذي سلم وسلم وأسلم وسالم واستسلم.

وما أحسن ما رتب إبراهيم عليه السلام كلامه مع المشركين، حين سألهم أوّلاً عما يعبدون سؤال مقرّر لا مستفهم، ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع على تقليدهم آباءهم الأقدمين، فكسره وأخرجه من أن يكون شبهة فضلاً أن يكون حجة، ثم صوّر المسألة في نفسه دونهم حتى تخلص منها إلى ذكر الله عز وعلا، فعظم شأنه وعدّد نعمته، من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته، مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعاه بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوّابين، ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه وما يدفع إليه المشركون يومئذٍ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا تُخْزِنِي ﴾ بِمُعاتَبَتِي عَلى ما فَرَّطْتُ، أوْ بِنَقْصِ رُتْبَتِي عَنْ رُتْبَةِ بَعْضِ الوارِثِ، أوْ بِتَعْذِيبِي لِخَفاءِ العاقِبَةِ وجَوازِ التَّعْذِيبِ عَقْلًا، أوْ بِتَعْذِيبِ والِدِي، أوْ بِبَعْثِهِ في عِدادِ الضّالِّينَ وهو مِنَ الخِزْيِ بِمَعْنى الهَوانِ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ بِمَعْنى الحَياءِ.

﴿ يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْعِبادِ لِأنَّهم مَعْلُومُونَ أوْ لِـ ( الضّالِّينَ ) .

﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ﴾ ﴿ إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ أيْ لا يَنْفَعانِ أحَدًا إلّا مُخْلِصًا سَلِيمَ القَلْبِ عَنِ الكُفْرِ ومَيْلِ المَعاصِي وسائِرِ آفاتِهِ، أوْ لا يَنْفَعانِ إلّا مالَ مَن هَذا شَأْنُهُ وبَنُوهُ حَيْثُ أنْفَقَ مالَهُ في سَبِيلِ البِرِّ، وأرْشَدَ بَنِيهِ إلى الحَقِّ وحَثَّهم عَلى الخَيْرِ وقَصَدَ بِهِمْ أنْ يَكُونُوا عِبادَ اللَّهِ مُطِيعِينَ شُفَعاءَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ المالُ والبَنُونَ أيْ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِناهُ.

وقِيلَ مُنْقَطِعٌ والمَعْنى لَكِنَّ سَلامَةَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ تَنْفَعُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ} هو بدل من يوم الأول {وَلاَ بَنُونَ} أحداً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾ جِيءَ بِهِ تَأْكِيدًا لِتَهْوِيلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، وهو إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً ﴾ إلَخْ، مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنُ عَطِيَّةَ - بَعْدَ أنْ أعْرَبَ الظَّرْفَ بَدَلًا مِنَ الظَّرْفِ الأوَّلِ - قالَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ عِنْدِي مُنْقَطِعَةٌ عَنْ كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي أخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَتَعَلَّقُ بِصِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي طَلَبَ إبْراهِيمُ أنْ لا يُخْزِيَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ، ولا يَخْفى عَدَمُ صِحَّةِ ذَلِكَ مَعَ البَدَلِيَّةِ.

والمُرادُ بِالبَنُونِ مَعْناهُ المُتَبادَرُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ جَمِيعُ الأعْوانِ، وقِيلَ: المَعْنى يَوْمَ لا يَنْفَعُ شَيْءٌ مِن مَحاسِنِ الدُّنْيا وزِينَتِها، واقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ المالِ والبَنِينَ؛ لِأنَّهُما مُعْظَمُ المَحاسِنِ والزِّينَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ يعني: اهده إلى الحق من الضلالة والشرك.

يعني: إنه كان من المشركين في الحال كقوله عز وجل: مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم: 29] يعني: من هو في الحال صبي.

ويقال: إنه كان من الضالين حين فارقته كقوله: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: 79] وهذا الاستغفار حين كان وعده بالإسلام.

وقال مقاتل: إن إبراهيم  قد كذب ثلاث كذبات، وأخطأ ثلاث خطيئات، وابتلي بثلاث بليات، وسقط سقطة.

فأما الكذبات فقوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: 89] وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: 63] وقوله لسارة حين قال هي أختي.

والخطايا: قوله للنجم القمر والشمس: هذا رَبِّي [الأنعام: 78] وأما البليات: حين قذف في النار، والختان والأمر بذبح الولد.

وسقط سقطة حين دعا لأبيه، وهو مشرك.

وقال غيره: لم يكذب ولم يخطئ، ولم يسقط، لأنه قال: إِنِّي سَقِيمٌ يعني: سأسقم، لأن كل آدمي سيصيبه السقم.

وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا قَد قرنه بالشرط، وهو قوله: إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [الأنبياء: 63] وقوله لسارة: هي أخته، فكانت أخته في الدين.

وقوله: هذا رَبِّي كان على وجه الاسترشاد لا للتحقيق.

ويقال: كان ذلك القول على سبيل الإنكار والزجر.

يعني: أمثل هذا ربي.

وأما دعاؤه لأبيه، فلوعدة وعدها إياه، وقد بيّن الله تعالى بقوله: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ [التوبة: 114]- يعني: أن أباه وعده أنه سيؤمن، فما دام حياً يرجو أو يدعو.

وإذا مات ضالاً ترك الاستغفار.

ويقال: إن إبراهيم كان وعده أن يستغفر له حيث قال: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي فاستغفر له ليكون منجز الوعد (١) ثم إن الله تبارك وتعالى وصف ذلك اليوم فقال: يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ يعني: يوم القيامة لا ينفع الذي خلفوه في الدنيا، وأما المال الذي أنفقوا في الخير، فإنه ينفعهم، وَلا بَنُونَ يعني: للكفار لأنهم كانوا يقولون: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً [سبأ: 35] ، فأخبر الله تعالى أنه لا ينفعهم في ذلك اليوم المال ولا البنون، وأما المسلمون فينفعهم المال والبنون، لأن المسلم إذا مات ابنه قبله يكون له ذخراً وأجراً في الجنة، وإن تخلف بعده، فإنه يذكره بصالح دعائه، فينفعه ذلك.

ثم قال: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يعني: من جاء بقلب سليم يوم القيامة ينفعه المال والبنون.

ويقال: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فذلك الذي ينفعه، والقلب السليم: هو القلب المخلص.

وقال ابن عباس: «يعني: بقلب خالص من الشرك» .

وروى أبو أسامة عن عوف قال: قلت لابن سيرين، «ما القلب السليم؟

قال: أن تعلم أن الله عز وجل حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من فى القبور» ، ويقال: سليم من اعتقاد الباطل.

ويقال: سليم من النفاق والهوى والبدعة.

وسئل أبو القاسم الحكيم عن القلب السليم، فقال: له ثلاث علامات، أولها: أن لا يؤذي أحداً، والثاني: أن لا يتأذى من أحد، والثالث: إذا اصطنع معروفا إلى أحد لم يتوقع منه المكافأة، فإذا هو لم يؤذ أحداً، فقد جاء بالورع، وإذا لم يتأذ من أحد، فقد جاء بالوفاء، وإذا لم يتوقع المكافأة بالاصطناع، فقد جاء بالإخلاص.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: خَطِيئَتِي ذهب أكثرُ المفسرين إلى: أَنَّهُ أراد كَذَباتِهِ الثلاثَ، قوله: هي أختي في شأن سارة، وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] .

وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [الأنبياء: ٦٣] ، وقالت فرقة: أراد بالخطيئة اسم الجنس، فدعا في كل أمره من غير تعيين.

قال ع «١» : وهذا أظهر عندي.

مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧)

وقوله: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً: أي حكمةً ونبوَّةً، ودعاؤه في مثل هذا هو في معنى التثبيت والدوام، ولسان الصِّدْق: هو الثَّنَاءُ الحَسَنُ، واستغفاره لأبيه في هذه الآية هو قبل أنْ يَتَبَيَّنَ له أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ.

وقوله: بِقَلْبٍ سَلِيمٍ معناه: خالص من الشرك والمعاصي وعلق الدنيا المتروكة، وإن ٤٨ ب كانت مباحة كالمال والبنين قال سفيان هو الذي يَلْقَى رَبَّهُ/ وليس في قلبه شيء غيره.

قال ع «٢» : وهذا يقتضي عموم اللفظة، ولكنَّ السليم من الشرك هو الأَهَمُّ، وقال الجُنَيْدُ: بقلب [لدِيغٍ من خشية الله، والسُّلِيمُ: اللديغ.

ص: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ الظاهر أَنَّهُ استثناءٌ منقطع، أي: لكن مَنْ أتَى الله بقلب] «٣» سليم، نفعته سلامةُ قلبه، انتهى.

وَأُزْلِفَتِ معناه: قَرُبَتْ، والغاوون الذين بُرِّزَتْ لهم الجحيم هم: المشركون، ثم أخبر سبحانه عن حال يوم القيامة من أَنَّ الأصنامُ تُكَبْكَبُ في النار، أي: تلقى كبّة واحدة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَبْ لِي حُكْمًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: النُّبُوَّةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: اللُّبُّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: الفَهْمُ والعِلْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقَدْ بَيَّنّا قَوْلَهُ: ﴿ وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ﴾ في سُورَةِ (يُوسُفَ: ١٠١)، وبَيَّنّا مَعْنى ﴿ لِسانَ صِدْقٍ ﴾ في (مَرْيَمَ: ٥٠) والمُرادُ بِالآخِرِينَ: الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واغْفِرْ لأبِي ﴾ قالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي أنَّ أُمَّهُ كانَتْ مُسْلِمَةً عَلى دِينِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْها.

فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قالَ: ﴿ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ  ﴾ .

قِيلَ: أكْثَرُ الذِّكْر إنَّما جَرى لِأبِيهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَسْألَ الغُفْرانَ لِأُمِّهِ وهي مُؤْمِنَةٌ، فَأمّا أبُوهُ فَلا شَكَّ في كُفْرِهِ.

وقَدْ بَيَّنّا سَبَبَ اسْتِغْفارِهِ لِأبِيهِ في (بَراءَةٍ: ١١٣)، وذَكَرْنا مَعْنى الخِزْيِ في (آلِ عِمْرانَ: ١٩٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾ يَعْنِي: الخَلائِقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سَلِيمٌ مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: سَلِيمٌ مِنَ الشَّكِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: سَلِيمٌ، أيْ: صَحِيحٌ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والرّابِعُ: أنَّ السَّلِيمَ في اللُّغَةِ: اللَّدِيغُ، فالمَعْنى: كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الجُنَيْدُ.

والخامِسُ: سَلِيمٌ مِن آفاتِ المالِ والبَنِينَ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

والسّادِسُ: سَلِيمٌ مِنَ البِدْعَةِ، مُطَمْئِنٌّ عَلى السُّنَّةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ﴾ ﴿ إلا مَن أتى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ ﴾ ﴿ وَقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أو يَنْتَصِرُونَ ﴾ ﴿ فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ ﴾ ﴿ وَجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ ﴾ "يَوْمَ" بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُبْعَثُونَ  ﴾ ، والمَعْنى: يَوْمَ لا تَنْفَعُ أعَلاقُ الدُنْيا ومَحاسِنُها، فَقَصَدَ مِن ذَلِكَ الذِكْرَ العَظِيمُ والأكْثَرَ؛ لِأنَّ المالَ والبَنِينَ هُما زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا، والظاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَنْفَعُهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ مَعْناهُ: خالِصٌ مِنَ الشِرْكِ والمَعاصِي وعَلَّقَ الدُنْيا المَتْرُوكَةَ وإنْ كانَتْ مُباحَةً كالمالِ والبَنِينَ، قالَ سُفْيانُ: هو الَّذِي يَلْقى رَبَّهُ ولَيْسَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ غَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَقْتَضِي عُمُومَ اللَفْظَةِ، ولَكِنَّ السَلِيمَ مِنَ الشِرْكِ هو الأهَمُّ، وقالَ الجُنَيْدُ: بِقَلْبٍ لَدِيغٍ مِن خَشْيَةِ اللهِ، و"السَلِيمُ": اللَدِيغُ.

"وَأُزْلِفَتِ" مَعْناهُ: قُرِّبَتْ، و"الغاوُونَ الَّذِينَ بَرَزَتْ لَهُمُ الجَحِيمُ" هُمُ المُشْرِكُونَ، بِدَلالَةِ أنَّهم خُوطِبُوا في أمْرِ الأصْنامِ، والقَوْلُ لَهُمْ: ﴿ أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللهِ ﴾ هُوَ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ والتَوْقِيفِ عَلى عَدَمِ نَظْرَتِهِمْ نَحْوَهُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَبَرَزَتْ" بِالفاءِ، والجُمْهُورُ بِالواوِ.

وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "وَبَرَزَتْ" بِفَتْحِ الباءِ والتَخْفِيفِ ورَفْعِ "الجَحِيمِ".

ثُمَّ أخْبَرَ عن حالِ يَوْمِ القِيامَةِ مِن أنَّ الأصْنامَ تُكَبْكَبُ في النارِ، أيْ تُلْقى كُبَّةً واحِدَةً، ووَصَلَ بِها ضَمِيرُ مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ ذُكِرَتْ بِالعِبادَةِ، وكانَتْ يُسْنَدُ إلَيْها أفْعالُ مَن يَعْقِلُ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "هُمْ" يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، و"الغاوُونَ": الشَياطِينُ.

و"كُبْكِبَ" مُضاعَفٌ مَن "كَبَّ"، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، والتَضْعِيفُ بَيِّنٌ، مِثْلُ: صَرَّ وصَرْصَرَ، وغَيْرُ ذَلِكَ.

و"الغاوُونَ": الكَفَرَةُ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمُ الغَوايَةُ.

و" جُنُودُ إبْلِيسَ ": نَسْلُهُ وكُلُّ مَن تَبِعَهُ لِأنَّهم جُنْدٌ لَهُ وأعْوانٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كان آخر مقاله في الدعوة إلى الدين الحق متضمناً دعَاء بطلب المغفرة تخلص منه إلى الدعاء بما فيه جمع الكمال النفساني بالرسالة وتبليغ دعوة الخلق إلى الله فإن الحجة التي قام بها في قومه بوحي من الله كما قال تعالى: ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ﴾ [الأنعام: 83] فكان حينئذ في حال قرب من الله.

وجهر بذلك في ذلك الجمع لأنه عقب الانتهاء من أقدس واجب وهو الدعوة إلى الدين، فهو ابتهال أرجى للقبول كالدعاء عقب الصلوات وعند إفطار الصائم ودعاء يوم عرفة والدعاء عند الزحف، وكلها فراغ من عبادات.

ونظير ذلك دعاؤه عند الانتهاء من بناء أساس الكعبة المحكي في قوله تعالى: ﴿ ربّنا واجعلنا مسلمين لك إلى إنك أنت العزيز الحكيم ﴾ [البقرة: 127 129] وابتدأ بنفسه في أعمال هذا الدين كما قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: ﴿ وأنا أول المؤمنين ﴾ [الأعراف: 143]، وكما أمر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم إذ قال: ﴿ وأمرتُ لأن أكون أول المسلمين ﴾ [الزمر: 12].

وللأوليات في الفضائل مرتبة مرغوبة، قال سعد بن أبي وقاص «أنا أول من رمَى بسهم في سبيل الله».

وبضد ذلك أوليات المساوئ ففي الحديث: " ما من نفس تُقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفلٌ من دمها ذلك لأنه أول من سَنّ القتل " وقد قابل إبراهيم في دعائه النعم الخمس التي أنعم الله بها عليه المذكورة في قوله: ﴿ يوم الدين ﴾ [الشعراء: 78 82] الراجعة إلى مواهب حسية بسؤال خمس نعم راجعة إلى الكمال النفساني كما أومأ إليه قوله: ﴿ إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ وأقحم بين طِلْباته سؤاله المغفرة لأبيه لأن ذلك داخل في قوله: ﴿ ولا تخزني يوم يبعثون ﴾ .

فابتداء دعائه بأن يعطى حُكْماً.

والحكم: هو الحكمة والنبوءة، قال تعالى عن يوسف: ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ [القصص: 14] أي النبوءة، وقد كان إبراهيم حين دعا نبيئاً فلذلك كان السؤال طلباً للازدياد لأن مراتب الكمال لا حدّ لها بأن يُعطى الرسالة مع النبوءة أو يعطى شريعة مع الرسالة، أو سأل الدوام على ذلك.

ثم ارتقى فطلب إلحاقه بالصالحين.

ولفظ الصالحين يعم جميع الصالحين من الأنبياء والمرسلين، فيكون قد سأل بلوغ درجات الرسل أولي العزم نوح وهود وصالح والشهداء والصالحين فجعل الصالحين آخراً لأنه يعم، فكان تذييلاً.

ثم سأل بقاء ذكر له حسن في الأمم والأجيال الآتية من بعده.

وهذا يتضمن سؤال الدوام والختام على الكمال وطلب نشر الثناء عليه وهذا ما تتغذى به الروح من بعد موته لأن الثناء عليه يستعدي دعاء الناس له والصلاة عليه والتسليم جزاء على ما عرفوه من زكاء نفسه.

وقد جعل الله في ذريته أنبياء ورسلاً يذكرونه وتذكره الأمم التابعة لهم ويُخلد ذكره في الكُتب.

قال ابن العربي: «قال مالك: لا بأس أن يحب الرجل أن يُثنى عليه صالحاً ويُرى في عمل الصالحين إذا قصد به وجه الله وهو الثناء الصالح»، وقد قال الله تعالى: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ [طه: 39]، وهي رواية أشهب عن مالك رحمه الله.

وقد تقدم الكلام على هذا مشبعاً عند قوله تعالى: ﴿ والذين يقولون ربّنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً ﴾ في سورة الفرقان (74).

واللسان مراد به الكلام من إطلاق اسم الآلة على ما يتقوم بها.

واللام في قوله: ﴿ لي ﴾ تقتضي أن الذكر الحسن لأجله فهو ذكره بخير.

وإضافة ﴿ لسان ﴾ إلى ﴿ صدق ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة، ففيه مبالغة الوصف بالمصدر، أي لساناً صادقاً.

والصدق هنا كناية عن المحبوب المرغوب فيه لأنه يرغب في تحققه ووقوعه في نفس الأمر.

وسأل أن يكون من المستحقين الجنة خالداً فاستعير اسم الورثة إلى أهل الاستحقاق لأن الوارث ينتقل إليه ملك الشيء الموروث بمجرد موت المالك السابق.

ولما لم يكن للجنة مالكون تعين أن يكون الوارثون المستحقين من وقت تبَوُّؤ أهل الجنة الجنة، قال تعالى: ﴿ أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ﴾ [المؤمنون: 10، 11].

وسأل المغفرة لأبيه قبل سؤال أن لا يخزيه الله يوم القيامة لأنه أراد أن لا يلحقه يومئذ شيء ينكسر منه خاطره وقد اجتهد في العمل المبلّغ لذلك واستعان الله على ذلك وما بقيت له حزازة إلا حزازة كفر أبيه فسأل المغفرة له لأنه إذا جيء بأبيه مع الضالّين لحقه انكسار ولو كان قد استجيب له بقية دعواته، فكان هذا آخر شيء تخوف منه لحاق مهانة نفسية من جهة أصله لا من جهة ذاته.

وفي الحديث أنه يؤتى بأبي إبراهيم يوم القيامة في صورة ذيح (أي ضبَع ذكر) فيلقَى في النار فلا يشعر به أهل الموقف فذلك إجابة قوله: ﴿ ولا تخزني يوم يبعثون ﴾ أي قطعاً لما فيه شائبة الخزي.

وتقدم الكلام على معنى الخزي عند تفسير قوله تعالى: ﴿ إلاّ خِزي في الحياة الدنيا ﴾ في سورة البقرة (85).

وقوله: ﴿ إنك من تُدخل النار فقد أخزيتَه ﴾ في آل عمران (192).

وضمير يبعثون} راجع إلى العباد المعلوم من المقام.

وجملة: ﴿ إنه كان من الضالين ﴾ تعليل لطلب المغفرة لأبيه فيه إيماء إلى أنه سأل له مغفرة خاصة وهي مغفرة أكبر الذنوب أعني الإشراك بالله، وهو سؤال اقتضاه مقام الخُلّة وقد كان أبوه حياً حينئذ لقوله في الآية الأخرى: ﴿ قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حَفيّاً ﴾ [مريم: 47].

ولعلّ إبراهيم علم من حال أبيه أنه لا يرجى إيمانه بما جاء به ابنه؛ أو أن الله أوحى إليه بذلك ما ترشد إليه آية ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبيّن له أنه عدوّ لله تبرأ منه ﴾ [التوبة: 114].

ويجوز أنه لم يتقرر في شرع إبراهيم حينئذ حرمان المشركين من المغفرة فيكون ذلك من معنى قوله تعالى: ﴿ فلما تبيّن له أنه عدوّ لله تبرأ منه ﴾ [التوبة: 114].

ويجوز أن يكون طلبُ الغفران له كناية عن سبب الغفران وهو هدايته إلى الإيمان.

و ﴿ يوم لا ينفع مال ﴾ الخ يظهر أنه من كلام إبراهيم عليه السلام فيكون ﴿ يوم لا ينفع ﴾ بدلاً من ﴿ يوم يبعثون ﴾ قصد به إظهار أن الالتجاء في ذلك اليوم إلى الله وحده ولا عون فيه بما اعتاده الناس في الدنيا من أسباب الدفع عن أنفسهم.

واستظهر ابن عطية: أن الآيات التي أولها ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون ﴾ يريد إلى قوله: ﴿ فنكون من المؤمنين ﴾ [الشعراء: 102] منقطعة عن كلام إبراهيم عليه السلام وهي إخبار من الله تعالى صفة لليوم الذي وقف إبراهيم عنده في دعائه أن لا يُخْزى فيه اه.

وهو استظهار رشيق فيكون: ﴿ يوم لا ينفع مال ﴾ استئنافاً خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: هو يوم لا ينفع مال ولا بنون.

وفتحة ﴿ يومَ ﴾ فتحة بناء لأن (يوم) ظرف أضيف إلى فعل معرب فيجوز إعرابه ويجوز بناؤه على الفتح، فهو كقوله تعالى: ﴿ هذا يومَ ينفع الصادقين صدقُهم ﴾ [المائدة: 119].

ويظهر على هذا الوجه أن يكون المراد ب ﴿ من أتى الله بقلب سليم ﴾ الإشارةُ إلى إبراهيم عليه السلام لأن الله تعالى وصفه بمثل هذا في آية سورة الصافات (83، 84) في قوله: ﴿ وإن من شِيعَتِه ﴾ (أي شيعة نوح) لإبراهيمَ إذ جاء ربَّه بقلب سليم.

وفيه أيضاً تذكير قومه بأن أصنامهم لا تغني عنهم شيئاً، ونفي نفع المال صادق بنفي وجود المال يومئذ من باب «على لاحب لا يهتدى بمناره»، أي لا منارَ له فيهتَدى به، وهو استعمال عربي إذا قامت عليه القرينة.

ومن عبارات عِلم المنطق «السَّالبةُ تصدُق بنفي الموضوع».

والاقتصار على المال والبنين في نفي النافعين جرى على غالب أحوال القبائل في دفاع أحد عن نفسه بأن يدافع إما بفدية وإما بنجدة (وهي النصر)، فالمال وسيلة الفدية، والبنون أحق من ينصرون أباهم، ويعتبر ذلك النصر عندهم عهداً يجب الوفاء به.

قال قيس ابن الخَطِيم: ثأَرتُ عَدِيًّا والخطيمَ ولم أُضِع *** وَلاية أشياخ جُعلت إزاءَها واقتضى ذلك أن انتفاء نفع ما عدا المال والبنين من وسائل الدفاع حاصل بالأوْلى بحكم دلالة الاقتضاء المستندة إلى العُرف.

فالكلام من قبيل الاكتفاء، كأنه قيل: يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا شيء آخر.

وقوله: ﴿ إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ استثناء من مفعول ﴿ ينفع ﴾ ، أي إلاّ منفوعاً أتى الله بقلب سليم.

هذا معنى الآية وهو مفهوم للسامعين فلذلك لم يؤثَر عن أحد من سلف المفسرين عدّ هذه الآية من متشابه المعنى وإنما أعضل على خلفهم طريق استخلاص هذا المعنى المجمل من تفاصيل أجزاء تركيب الكلام.

وذكر صاحب «الكشاف» احتمالات لا يسلم شيء منها من تقدير حذففٍ، فَبِنَا أن نفصِّل وجه استفادة هذا المعنى من نظم الآية بوجه يكون أليق بتركيبها دون تكلف.

فاعلم أن فعل ﴿ ينفع ﴾ رافع لفاعل ومتعدّ إلى مفعول، فهو بحقِّ تعدِّيه إلى المفعول يقتضي مفعولاً، كما يصلح لأنْ تعلّقَ به متعلقات بحروف تعدية، أي حروف جر، وإن أول متعلقاته خطوراً بالذهن متعلق سبب الفعل، فيعلم أن قوله: ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ يشير إلى فاعِل ﴿ ينفع ﴾ ومفعولِه وسببِه الذي يحصل به، فقوله: ﴿ بقلب سليم ﴾ هو المتعلق بفعل ﴿ أتى الله ﴾ لأن فاعل الإتيان إلى الله هو المنفوع فهو في المعنى مفعول فعل ﴿ ينفع ﴾ والمتعلِّق بأحد فعلَيْه وهو فعل ﴿ أتى ﴾ الذي هو فاعلُه متعلِّق في المعنى بفعله الآخر وهو ﴿ ينفع ﴾ الذي ﴿ من أتى الله ﴾ مفعولُه.

فعلم أن تقدير الكلام: يوم لا ينفع نافعٌ أو شيءٌ، أو نحو ذلك مما يفيد عموم نفي النافع، حسبما دل عليه ﴿ مَال وبنون ﴾ من عموم الأشياء كما قررنا.

وحذف مفعول ﴿ ينفع ﴾ لقصد العموم كحذفه في قوله تعالى: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ [يونس: 25] أي يدعو كل أحد، فتحصل أن التقدير: يوم لا ينفع أحداً شيء يأتي به للدفع عن نفسه.

والمستثنى وهو ﴿ من أتى الله بقلب سليم ﴾ متعيّن لأن يكون استثناء من مفعول ﴿ ينفع ﴾ وليس مستثنى من فاعل ﴿ ينفع ﴾ لأن من أتى الله بقلب سليم يومئذ هو منفوع لا نافع فليس مستثنى من صريح أحدِ الاسمين السابقين قبلَه، ولا مما دلّ عليه الاسمان من المعنى الأعمّ الذي قدرناه بمعنى: «ولا غيرهما»، فتمحض أن يكون هذا المستثنى مخرَجاً من عموم مفعول ﴿ ينفع ﴾ .

وتقديره: إلا أحداً أتى الله بقلب سليم، أي فهو منفوع، واستثناؤه من مفعول فعل ﴿ ينفع ﴾ يضطرنا إلى وجوب تقدير نافعه فاعلَ فعل ﴿ ينفع ﴾ ، أي فإنه نفعه شيء نافع.

ويُبيِّن إجماله متعلق فعل ﴿ ينفع ﴾ وهو ﴿ بقلب سليم ﴾ إذ كان القلب السليم سبب النفع فهو أحد أفراد الفاعل العام المقدر بلفظ «شيء» كما تقدم آنفاً.

فالخلاصة أن الذي يأتي الله يومئذ بقلب سليم هو منفوع بدلالة الاستثناء وهو نافع (أي نافع نفسه) بدلالة المجرور المتعلِّق بفعل ﴿ أتى ﴾ ، فإن القلب السليم قلبُ ذلك الشخص المنفوع فصار ذلك الشخص نافعاً ومنفوعاً باختلاف الاعتبار، وهو ضرب من التجريد.

وقريب من وقوع الفاعل مفعولاً في باب ظن في قولهم: خلتُني ورأيْتُني، فجُعل القلب السليم سبباً يحصل به النفع، ولهذا فالاستثناء متصل مفرَّغ عن المفعول.

وقد حصل من نسج الكلام على هذا المنوال إيجازٌ مغننٍ أضعاف من الجمل المطوية.

وجَعْلُ الاستثناء منقطعاً لا يدفع الإشكال.

والقلب: الإدراك الباطني.

والسليم: الموصوف بقوة السلامة، والمراد بها هنا السلامة المعنوية المجازية، أي الخلوص من عقائد الشرك مما يرجع إلى معنى الزكاء النفسي.

وضدُّه المريض مرضاً مجازياً قال تعالى: ﴿ في قلوبهم مَرض ﴾ [البقرة: 10].

والاقتصار على السليم هنا لأن السلامة باعث الأعمال الصالحة الظاهرية وإنما تثبت للقلوب هذه السلامة في الدنيا باعتبار الخاتمة فيأتون بها سالمة يوم القيامة بين يدي ربّهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ اللُّبُّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: العِلْمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ إصابَةُ الحَقِّ في الحُكْمِ.

﴿ وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ﴾ قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: مَعَ الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالصّالِحِينَ مِن أصْفِيائِكَ في الدُّنْيا.

الثّانِي: بِجَزاءِ الصّالِحِينَ في الآخِرَةِ ومُجاوَرَتِهِمْ في الجَنَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ثَناءً حَسَنًا في الأُمَمِ كُلِّها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وجَعَلَهُ لِسانًا لِأنَّهُ يَكُونُ بِاللِّسانِ.

الثّانِي: أنْ يُؤْمِنَ بِهِ أهْلُ كُلِّ مِلَّةٍ، قالَهُ لَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ.

الثّالِثُ: أنْ يَجْعَلَ مِن ولَدِهِ مَن يَقُولُ بِالحَقِّ بَعْدَهُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا في جَمْعِ المِلَلِ وقَدْ أُجِيبَ إلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واغْفِرْ لأبِي ﴾ الآيَةَ.

في أبِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يُسِرُّ الإيمانَ ويُظْهِرُ الكُفْرَ فَعَلى هَذا يَصِحُّ الِاسْتِغْفارُ لَهُ.

الثّانِي: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ كانَ كافِرًا في الظّاهِرِ والباطِنِ.

فَعَلى هَذا في اسْتِغْفارِهِ لَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَألَ أنْ يَغْفِرَ لَهُ في الدُّنْيا ولا يُعاقِبَهُ فِيها.

والثّانِي: أنَّهُ سَألَ أنْ يَغْفِرَ لَهُ سَيِّئاتِهِ الَّتِي عَلَيْهِ والَّتِي تَسْقُطُ بِعَفْوِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِقَلْبٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: سَلِيمٌ مِنَ الشَّكِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: سَلِيمٌ مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: مِنَ المَعاصِي، لِأنَّهُ إذا سَلِمَ القَلْبُ سَلِمَتِ الجَوارِحُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الخالِصُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الخامِسُ: أنَّهُ النّاصِحُ في خَلْقِهِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: سَلِيمُ القَلْبِ مِنَ الخَوْفِ في القِيامَةِ لِما تَقَدَّمَ مِنَ البُشْرى عِنْدَ المُعايَنَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ واغفر لأبي ﴾ قال: امنن عليه بتوبة يستحق بها مغفرتك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولا تخزني يوم يبعثون ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليجيئن رجل يوم القيامة من المؤمنين آخذاً بيد أب له مشرك حتى يقطعه النار، ويرجو أن يدخله الجنة، فيناديه مناد: أنه لا يدخل الجنة مشرك.

فيقول: رب أبي..

ووعدت أن لا تخزيني.

قال: فما يزال متشبثاً به حتى يحوله الله في صورة سيئة وريح منتنة في سورة ضبعان، فإذا رآه كذلك تبرأ منه وقال: لست بأبي قال: فكنا نرى أنه يعني إبراهيم وما سمى به يومئذ» .

وأخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصيني؟

فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم: رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد.

فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين.

ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟

فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار» .

وأخرج أحمد عن رجل من بني كنانة قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح فسمعته يقول: «اللهم لا تخزني يوم القيامة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴾ \[ومفعول النفع محذوف للعلم به كأنه قيل: لا ينفع مال ولا بنون أحدًا\] (١) (١) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي ﴾ قيل أراد كذباته الثلاثة الواردة في الحديث وهي قوله في سارة زوجته: هي أختي، وقوله: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ [الصافات: 89] وقوله: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 63] أراد الجنس على الإطلاق؛ لأن هذه الثلاثة من المعاريض فلا إثم فيها ﴿ لِسَانَ صِدْقٍ ﴾ ثناء جميلاً ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ﴾ وما بعده منقطع عن كلام إبراهيم، وهو من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون أيضاً من كلام إبراهيم ﴿ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ، قيل: سليم من الشرك والمعاصي وقيل: الذي يلقى ربه وليس في قلبه شيء غيره وقيل: بقلب لديغ من خشية الله، والسليم هو اللديغ: لغة، وقال الزمخشري: هذا من بدع التفاسير، وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون متصلاً فيكون: ﴿ مَنْ أَتَى الله ﴾ مفعولاً، بقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ ﴾ والمعنى على هذا أن المال لا ينفع إلا من أنفقه في طاعة الله وأن النبيين لا ينفعون إلا من علمهم الدين وأوصاهم بالحق ويحتمل أيضا أن يكون متصلاً ويكون قوله: ﴿ مَنْ أَتَى الله ﴾ بدلاً من قوله: ﴿ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ ﴾ على حذف مضاف تقديره: إلا مال من أتى الله وبنوه ويحتمل أن يكون منقطعاً بمعنى لكن ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجنة ﴾ أي قربت.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لي إلا ﴾ ﴿ واغفر لأبي إنه ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع ﴿ وأجري إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص: ﴿ وأتباعك ﴾ على أنه جمع تابع أو تبع: يعقوب ﴿ أنا إلا ﴾ بالمد: أبو نشيط عن قالون ﴿ معي من المؤمنين ﴾ بفتح ياء المتكلم: حفص وورش.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" طرف ﴿ اتل ﴾ وإنما هو منصوب باذكر ﴿ ما تعبدون ﴾ ه ﴿ عاكفين ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ه ﴿ يضرون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا لأن الضمير بعده توكيد ﴿ الأقدمون ﴾ ه والوصل أولى للفاء ﴿ العالمين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ صفة الرب ﴿ يهدين ﴾ ه لا ﴿ يشفين ﴾ ه ﴿ ويسقين ﴾ ه ﴿ يحيين ﴾ ه لا ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ بالصالحين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ النعيم ﴾ ه لا ﴿ الضالين ﴾ ه لا ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ ولا بنون ﴾ ه لا ﴿ سليم ﴾ ه ط بناء على أن ما بعده إلى آخر أحوال الجنة والنار هو من كلام الله  وهو الظاهر.

وقيل: هو من تتمة كلام إبراهيم ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ شافعين ﴾ ه ﴿ حميم ﴾ ه ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الاية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ج لأن "إذ" تصلح ظرفاً للتكذيب مفعولاً لا ذكر ﴿ تتقون ﴾ ج ه لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ أمين ﴾ ه لا للفاء ﴿ وأطيعون ﴾ ج ه ﴿ من أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ج ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه لا ﴿ الأرذلون ﴾ ه ط ﴿ يعملون ﴾ ج ه لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ تشعرون ﴾ ه لذلك ﴿ المؤمنين ﴾ ج ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ المرجومين ﴾ ه ط ﴿ كذبون ﴾ ه ج ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المشحون ﴾ ج ه ﴿ الباقين ﴾ ه ﴿ الآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ط ﴿ الرحيم ﴾ ه.

التفسير: القصة الثانية قصة إبراهيم  وكان يعلم عبدة أصنام ولكنه سألهم للإلزام والتبكيت.

ومثله أهل المعاني بأن يقول أحد للتاجر: ما مالك؟

وهو يعلم أن ماله الرقيق ثم يقول له الرقيق: جمال وليس بمال.

وإنما قال في سورة الصافات ﴿ ماذا تعبدون  ﴾ بزيادة "ذا" لأنه أراد هناك مزيد التوبيخ ولذلك بنى الكلام على الزيادة ثم اردفه بقوله ﴿ أئفكا آلهة دون الله تريدون  ﴾ وحين صرح هنالك بالتوبيخ لم يجيبوه وههنا ظنوا أنه يريد الاستفهام حقيقة فأجابوه ولكنهم بسطوا الكلام بسطاً ولم يقتصروا على ﴿ أصناماً ﴾ بل زادوا ناصبه وعقبوه بقولهم ﴿ فنظل لها عاكفين ﴾ إظهاراً للابتهاج والافتخار.

قال في الكشاف: وإنما قالوا ﴿ فنظل ﴾ لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل.

قلت: وهذا مبني على النقل الصحيح والظن به حسن.

قال: لا بد في ﴿ يسمعونكم ﴾ من تقدير حذف المضاف معناه هل يسمعون دعاءكم؟

قلت: ويحتمل أن يكون المحذوف مفعولاً ثانياً أي هل يسمعونكم تدعون إذ تدعون وهو حكاية حال ماضية لأن "إذ" للمضي ومعناه استحضار الأحوال الماضية التي كانوا يدعونها فيها.

وحين تمسكوا في الجواب بطريقة التقليد قائلين على سبيل الإضراب ﴿ بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ﴾ نبههم إبراهيم بقوله ﴿ أفرأيتم ﴾ على أن الباطل لا يتغير بأن يكون قديماً أو حديثاً ولا بأن يكون في مرتكبيه كثرة أو قلة، وصرح بأن معبوديه أعداء لقوله  ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً  ﴾ أو لأن الذي يغري على عبادتها هو الشيطان وهو أعدى عدو للإنسان، وإنما لم يقل عدوّ لكم لأنه أراد تصوير المسألة في نفسه ليكون أدل على النصح وأقرب إلى القبول كأنه قال: إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدوّ.

ويحكى عن الشافعي أن رجلاً واجهه بشيء فقال: لو كنت بحيث أنت لاحتجت إلى أدب.

وقوله ﴿ إلا رب العالمين ﴾ استثناء منقطع أي لكن رب العالمين حبيب لي.

ثم وصف لهم الرب بأنه ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ أي خلق بدني على كماله الممكن له ثم يهدين في الاستقبال إلى ضروب مصالح الدين والدنيا كامتصاص الدم في البطن والثدي بعد الولادة نظيره ما مر في "طه" ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ .

ثم نبه بقوله ﴿ والذي هو يطعمني ويسقين ﴾ أن الذي يتعلق به قوام البدن من الاغتذاء بالطعام والإساغة بالشراب هو من جملة إنعام الله  لأنه خلق هناك قوى جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة وغيرها، ولولاها لما تم أمر الانتفاع بالغذاء بل نفس الغذاء من جملة نعمه الشاملة، ثم قال ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ وذلك أن البدن ليس دائماً على النهج الطبيعي بحيث تصدر عنه الأفعال الموضوع هو لها سليمة فاسترداد الصحة بعد زوالها ليس إلا بإذن الله وبما خلق لكل داء دواء وإنما لم يقل أمرضني لأن كثيراً من اسباب المرض يحدث بإسراف الإنسان في المطعم والمشرب.

وأيضاً الصحة تحتاج إلى سبب قاهر يقسر الأخلاط والقوى على النسبة المطلوبة، أما المرض فإنه بسبب تنافر الأخلاط وطلب كل منها مركزه الأصلي.

وأيضاً فيه رعاية الأدب في مقام المدح وتعداد النعم وإنما لم يراع هذه النكتة في قوله ﴿ والذي يميتني ﴾ لأن الإماتة ليست بضر كالمرض.

إما بعدم الإحساس وقتئذ، وإما لأنها مقدمة الوصول إلى عالم الخير والراحة.

وإنما زاد لفظة "هو" في الإطعام والشفاء لأنهما قد ينسبان إلى الإنسان فيقال: زيد يطعم وعمرو يداوي.

فأكد إعلاماً بأن ذلك في الحقيقة من الله، واما الإماتة والإحياء فلا يدعيهما مدع فأطلق: ثم اشار إلى ما بعد الإحياء من المجازاة بقوله ﴿ والذي أطمع ﴾ فحمل الأشاعرة الطمع على مجرد الظن والرجاء بناء على أنه لا يجب لأحد على الله شيء.

وحمله المعتزلة على اليقين تارة وعلى هضم النفس والتواضع وتعليم الأمة أخرى، كما أنه أضاف الخطيئة إلى نفسه لمثل ذلك.

وقد تحمل الخطيئة على المعاريض المنسوبة إليه من قوله ﴿ إني سقيم  ﴾ وقوله ﴿ بل فعله كبيرهم  ﴾ وقوله لسارة "هي أختي" وإنما علق المغفرة بيوم الدين لأن أثرها يتبين يومئذ وهو في الدنيا خفي.

قال بعضهم: فائدة زيادة "لي" هي أن يعلم أن المغفرة فائدتها تعود إليه والله  لا يستفيد بذلك كمالاً لم يكن له.

والمراد: أطمع أن يغفر لي لمجرد عبوديتي له واحتياجي إليه لا بواسطة شفيع كما قال لجبرائيل: أما إليك فلا.

وحين قدم الثناء شرع في الدعاء تعليماً لأمته إذا أرادوا مسألة فقال ﴿ رب هب لي حكماً ﴾ وهو إشارة إلى كمال القوة النظرية ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ وهو إشارة إلى كمال القوة العملية.

ولقد اجابه حيث قال ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ وقيل: الحكم النبوة إذ النبي ذو حكمة وذو حكم.

بين عباد الله  وزيف بأنه كان حاصلاً فكيف يطلبه؟

والظاهر أنه اراد بالحكم النسب الذهنية المطابقة للخارجية أعني العلوم النظرية كما بينا.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال، إنه طلب العلم من الله فلولا أن العلم بخلقه وإلا كان السؤال عبثاً.

وحمله المعتزلة على منح الألطاف.

قيل: الحكم المطلوب بالدعاء إن كان هو العلم بغير الله لزم أن يكون سائلاً لما يشغله عن الله وهو باطل، وإن كان العلم بالله بقدر ما هو شرط صحة الإيمان لزم طلب ما هو حاصل لأدنى المؤمنين فضلاً عن إبراهيم، فإذن هو العلم الزائد على ما هو ضروري في الإيمان وهو الوقوف على حقيقة الذات والصفات، ثم لا يكشف المقال عنها غير الخيال وبه يصير المؤمن من الواصلين إلى العين دون السامعين إلى الأثر.

ثم طلب الذكر الجميل بقوله ﴿ واجعل لي لسان صدق ﴾ والإضافة فيه كقوله ﴿ قدم صدق  ﴾ وقال ابن عباس: وقد أعطاه الله ذلك لقوله ﴿ وتركنا عليه في الآخرين  ﴾ ولهذا اتفق أهل الأديان قاطبة على حبه وادعاء متابعته.

ومدح الكافر ليس مقصوداً لذاته من حيث هو كافر وإنما المقصود أن يكون ممدوح كل إنسان ومحموداً بكل لسان.

وفائدة الثناء على الشخص بعد وفاته هو انصراف الهمم إلى ما به يحصل له عند الله زلفى وقد يصبر ذلك المدح داعياً للمادح أو لمن يسمعه إلى اكتساب مثل تلك الفضائل.

وقيل: سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون داعياً إلى ملته وهو محمد  .

ثم سأل ما هو غاية كل سعادة فقال ﴿ واجعلني من ورثة جنة النعيم ﴾ وقد مر معنى هذه الوراثة في قوله ﴿ وتلك الجنة التي أورثتموها  ﴾ وكذلك في سورة مريم ﴿ تلك الجنة التي نورث من عبادنا  ﴾ ثم طلب السعادة الحقيقية لأشد الناس التصاقاً به وهو ابوه قائلاً ﴿ واغفر لأبي ﴾ وقد سبق في آخر التوبة وفي مريم" ما يتعلق به من المباحث.

وههنا سؤال: وهو أنه متى حصلت الجنة بدعائه امتنع حصول الخزي فكيف قال بعده ﴿ ولا تخزني ﴾ وايضاً قال  ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين  ﴾ وما كان نصيب الكافر كيف يستجير منه المعصوم؟

أجاب عنه في التفسير الكبير كما أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فكذلك درجات الأبرار دركات المقربين، وخزي كل واحد ما يليق بحاله فكأنه سأل الشركة أوّلاً ثم الخصوصية ثانياً.

وأقول: يحتمل أن يكون هذا الدعاء من تتمة دعائه لأبيه أي لا تخزني ولا تفضحني بسبب تعذيب ابي يوم يبعث الضالون أو العباد كلهم، ومثل هذا الضمير مما يعلم عوده بالقرينة.

ويجوز أن يكون سأل الجنة بشرط التعظيم والإجلال، ويجوز أن يكون أخر هذا الدعاء لما يعقبه من حديث يوم القيامة وأهوالها وأحوالها فاراد أن لا ينقطع نظم الكلام.

وفي قوله ﴿ إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ إشارة إلى ما وصفه الله به في قوله  ﴿ وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم  ﴾ وفي هذا الاستثناء وجوه منها: أنه منقطع والمضاف محذوف أي إلا حال من أتى الله بقلب سليم والمراد بالحال سلامة القلب والمعنى: أن المال والبنين لا ينفعان وإنما ينفع سلامة القلب عن الأمراض الروحانية كالجهل وسائر الأخلاق الذميمة، ويندرج في سلامة القلب سلامة سائر الجوارح لأنه رئيسها.

ولا شك أن المال والبنين ليسا من جنس سلامة القلب فيكون الاستثناء منقطعاً.

ومنها أنه متصل وذلك على وجهين: أحدهما لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه.

وثانيهما أن يجعل من باب قولهم: تحية بينهم ضرب وجيع *** والمضاف المحذوف الحال أو السلامة نظيره أن يقال لك: هل لزيد مال وبنون؟

فتقول: ماله وبنوه سلامة قلبه تريد نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب له بدلاً عن ذلك.

ومنها أن يكون الموصول مفعولاً لينفع والاستثناء مفرغ أي لا ينفع مال ولا بنون أحداً إلا رجلاً سلم قلبه مع ماله وبنيه حيث أنفقه في طاعة الله وما قصر في باب تأديبهم وإرشادهم، أو سلم قلبه من فتنة المال والبنين فلم يكفر ولم يعص.

وقد يفسر السليم بالذائب من خشية الله  .

وحين أنجرّ الكلام إلى ذكر يوم القيامة وصف الله  أو إبراهيم أحواله وأهواله فقال ﴿ وأزلقت الجنة للمتقين ﴾ قال المفسرون: الجنة تقرب من موقف السعداء ليكون لهم فرجاً معجلاً، وتجعل النار بارزة مكشوفة للأشقياء ليزدادوا غماً وحسرة، ولمثل هذا اليوم وبخهم بقوله ﴿ إينما كنتم تعبدون ﴾ يعني الآلهة التي كنتم تعبدونها ﴿ من دون الله هل ينصرونكم ﴾ بنصرتهم لكم أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار وذلك قوله ﴿ فكبكبوا فيها هم ﴾ أي الآلهة ﴿ والغاوون ﴾ الذين عبدوهم قال جار الله: الكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقى في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها أعاذنا الله منها.

والمراد بجنود إبليس شياطينهم أو متبعوه من عصاة الجن والإنس.

﴿ قالوا ﴾ يعني الغاوين وجنود إبليس ﴿ وهم ﴾ يعني والحال أن الأصنام وعبدتهم ﴿ فيها يختصمون ﴾ قال أكثر المفسرين: يجوز أن ينطق الله الأصنام بحيث يصح منها التخاصم.

وقيل: إن هذا التخاطب بين العصاة والشياطين إذ سووهم برب العالمين.

والمراد بالمجرمين على التفسيرين الرؤساء والكبراء.

وعن السدي: الأولون الذين سنوا الشرك.

وعن ابن جريج: إبليس وقابيل لأنه سن القتل وأنواع المعاصي: ﴿ فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ﴾ خالص يهمه ما يهمنا وفيه نفي الشفعاء والصديق راساً أو نفي للذين كانوا عدّوهم شفعاء واصدقاء من الأصنام والرؤساء، أو نفي للانتفاع بهم قصدوا بنفيهم ما يتعلق بهم من الفائدة، فكل عديم النفع حكمه حكم المعدوم.

قال جار الله: إنما جمع الشافع ووحد الصديق لكثرة الشفعاء لأجل الخشية عادة، ولكن الصديق الصادق أعز من الكبريت الأحمر حتى زعم بعض الحكماء أنه اسم لا معنى له.

وجوز أن يكون الصديق في معنى الجمع والكرة الرجعة إلى الدنيا "ولو" في معنى التمني.

وقوله ﴿ فنكون ﴾ جواب التمني أو عطف في المعنى على ﴿ كرة ﴾ أي ليت لنا كرة فإن نكون، وعلى هذا جاز أن تكون "لو" على أصل الشرط والجواب محذوف وهو لفعلنا كيت وكيت.

ثم بين أن فيما كره من قصة إبراهيم  لآية لمن يريد أن يستدل بذلك وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين.

القصة الثالثة قصة نوح: ولا ريب أن نبأه عظيم فقد كان يدعوهم الف سنة غلا خمسين عاماً، ومع ذلك لم يزد قومه إلا التكذيب.

والقوم مؤنث بدليل قوله ﴿ كذبت ﴾ وكان أميناً فيهم مشهوراً كمحمد  في قريش.

وكرر قوله ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ تأكيداً وتقريراً في النفوس مع أنه علق كل واحد بسبب وهو الأمانة في الأول وقطع الطمع في الثاني نظيره قول الرجل لغيره: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيراً؟

ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيراً؟

وقدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته لأن تقوى الله علة طاعته.

قوله ﴿ وما علمي ﴾ يريد ايّ شيء علمي ومعناه انتفاء علمه بإخلاص أعمالهم لله عز وجل واطلاعه على باطنهم ومكنون ضميرهم كأنهم طعنوا في إيمانهم ايضاً فذكر أن حسابهم على الله وأنه لم يبعث إلا للنذارة.

ويجوز أن يكون فسر لهم الرذالة بما هو الرذالة عنده من سوء الأعمال وفساد العقائد فبنى جوابه على ذلك وقال: ما علمي إلا اعتبار الظاهر والله يتولى السرائر.

وفي قوله ﴿ لو تشعرون ﴾ إشارة إلى أنهم لا يصدقون بالحساب والجزاء، وفيه إنكار أن يسمى المؤمن رذلاً وإن كان أفقر الناس وأوضعهم فالغني غني الدين والنسب نسب التقوى.

﴿ رب أن قومي كذبون ﴾ ليس إخباراً لأنه علام الغيوب وإنما هو تمهيد مقدمة لطلب الفتح والحكومة.

والفلك المشحون المملوء من كل زوجين اثنين مع نوح وأهله.

التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ﴾ وهو الروح وما يتولد منه ﴿ نعبد أصناماً ﴾ وهو ما سوى الله ﴿ فنظل لها عاكفين ﴾ إلا أن أدركتنا العناية فنعرض عنها: ﴿ بل وجدنا آباءنا ﴾ وهم الأرواح والآباء العلوية كذلك يتعلق بعضهم ببعض ﴿ فإنهم عدوّ لي ﴾ إن تعلقت فصرت محجوباً بهم عن الله ﴿ خلقني فهو يهدين ﴾ إلى حضرته و ﴿ يطعمني ﴾ من طعام العبودية الذي يعيش القلوب، ويسقيني من شراب طهور التجلي ﴿ وإذا مرضت ﴾ بتعلقات الكونين ﴿ فهو يشفين ﴾ بالجذبة الإلهية ﴿ والذي يميتني ﴾ عن أوصاف البشرية ﴿ ثم يحيين ﴾ بأوصاف الروحانية ويميتني عن أوصاف الروحانية ثم يحيين بالأوصاف الربانية ثم يميتني عن أنانيتي ثم يحيين بهويته ﴿ والذي أطمع أن ﴾ يستر ظلمة خطيئة وجودي بطلوع شمس نهار الدين ﴿ رب هب لي ﴾ من ربوبيتك ﴿ حكماً ﴾ على بذل وجودي فيهويتك ﴿ وألحقني ﴾ بالذين صلحوا لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة.

﴿ واجعل لي لسان صدق في الآخرين ﴾ من النفس وصفاتها ليعرضوا عما سوى الله ﴿ واغفر لأبي ﴾ الروح ﴿ إنه كان من الضالين ﴾ حين رد من العالم العلوي إلى السفلي من قولهم "ضل الماء في اللبن" ﴿ ولا تخزني ﴾ بتعلقات الكونين ﴿ قال نوح ﴾ القلب ﴿ وما علمي بما كانوا يعملون ﴾ يعني أراذل الجسد والأعضاء لأنهم عملة عالم الشهادة وأنا من عملة عالم الغيب ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ فيما يعملون من الأعمال الحيوانية لحاجة ضرورية يعفو عنها والشهوة حيوانية يؤاخذهم بها ﴿ لو تشعرون ﴾ الفرق بينهما ﴿ قالوا ﴾ أي النفس وصفاتها ﴿ لئن لم تنته يا نوح ﴾ القلب عما تدعونا إليه على خلاف إرادتنا ﴿ لنكونن من المرجومين ﴾ بأحجار الوساوس والهواجس ﴿ في الفلك المشحون ﴾ أي في فلك الشريعة المملوء بالأوامر والنواهي والحكم والمواعظ والأسرار والحقائق ﴿ ثم أغرقنا الباقين ﴾ بطوفان استيلاء الأخلاق الذميمة وآفات الدنيا الدنية، وباقي القصص إشارات إلى رسول القلب المسلم من الله وقومه النفس وصفاتها وإليه المرجع والمآب لما قررناه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ : أي اتل على أهل مكة نبأ إبراهيم وخبره؛ لأنهم كانوا من أولاد إبراهيم ومن نسله، وهم يقلدون آباءهم في عبادتهم الأصنام، وإبراهيم وبعض أولاده: إسماعيل وإسحاق وهؤلاء كانوا مسلمين، عباد رب العالمين لا عباد الأصنام، فهل اتبعوا إبراهيم ومن كان معه على دينه من آبائهم، دون أن اتبعوا من عبد الأصنام يسفه أحلامهم في عبادتهم الأصنام وتقليدهم أولئك الذين عبدوا من آبائهم الأصنام، وتركهم تقليد من لم يعبدها وعبد الله.

ثم قول إبراهيم حيث قال لأبيه وقومه: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مَاذَا تَعْبُدُونَ  أَإِفْكاً  ﴾ .

ويحتمل ﴿ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ أي: من تعبدون؟

فقالوا: ﴿ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ﴾ أي: نقيم لها عابدين، أي: نديم على عبادتها، والعكوف على الشيء: هو الإقامة عليه والدوام.

قال أبو معاذ النحوي: "ظَلَّ" لا يقال إلا بالنهار، ومحال أن يقال: ظل ليله يصنع كذا، حتى يقول: بات ليله، ومنه الحديث: "ظل نهاره صائماً، وبات ليله قائماً" [ثم قال] يبين سفههم: ﴿ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ ﴾ أي: هل يجيبونكم إذ تدعونهم.

ويحتمل: هل يسمعونكم على السماع نفسه، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم؛ كقوله: ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ ﴾ الآية [فاطر: 14].

وقوله: ﴿ إِذْ تَدْعُونَ ﴾ : يحتمل تعبدون، ويحتمل الدعاء نفسه، وإن كان على العادة فلا يحتمل تأويل السماع.

وقوله: ﴿ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴾ : وهل يقدرون على نفعكم وضركم إن أرادوا ذلك بكم وشاءوا.

أو أن يكون ما ذكر أهل التأويل: هل ينفعونكم إن عبدتموها وأطعتموها، أو يضرونكم إن عصيتموها وتركتم عبادتها، فبهتوا ولم يقدروا على الجواب له سوى ما ذكروا من تقليد آبائهم في ذلك فقالوا: ﴿ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ لما عرفوا أن تلك التي عبدوها لا تملك ضرّاً ولا نفعاً، لكنهم عبدوها تقليداً لآبائهم؛ لما وقع عندهم أن آباءهم ما عبدوها إلا بأمر، إذ لو لم يكن ذلك بأمر ما تركوا، لكن قد ذكر أن في آبائهم من لم يعبدها قط، ثم لم يقلدوهم فكيف قلدوا أولئك؟!

دل أن الاعتلال فاسد.

وقوله: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ ﴾ : ثم قال: إنهم وآباءهم الذين عبدوا الأصنام من قبل عدو له إلا رب العالمين، استثنى رب العالمين، يقول: هم عدو لي وأنا بريء منهم، إلا أن يكون فيهم من يعبد ربّ العالمين، فيكون على الإضمار، أي: فإنهم جميعاً عدو لي إلا من عبد رب العالمين.

وقال بعضهم: يقول: إن العابد والمعبود كلهم عدوّ لي إلا رب العالمين، أي: إلا المعبود بالحقيقة الذي يستحق العبادة، فإنه وليي.

وقال بعضهم: ليس على الاستثناء، ولكن على الابتداء؛ كأنه قال: أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدوّ لي، ولكن ربي: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ ﴾ ، ذكر هذا لهم أن الإله المستحق للعبادة هو هذا الذي يصنع هذا، وهو المالك للنفع ودفع الضر، لا الأصنام التي عبدتم أنتم وآباؤكم.

وقوله: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً ﴾ : قال بعضهم: فهما وعلما، وجائز أن يكون إبراهيم سأل ربه الإبقاء على الحكم؛ إذ كان قد أعطاه العلم والحكم؛ كقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ﴾ .

أو سأل الزيادة على ما أعطاه؛ كقوله: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً  ﴾ .

ويحتمل أن يكون سأل ربه قبول حكمه في الخلق، ورفع الحرج له عن قلوبهم على ما ذكر في حكم رسول الله؛ حيث قال: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ...

﴾ الآية [النساء: 65].

وقوله: ﴿ وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: توفني على ما توفيت الصالحين حتى ألحق بهم، هذا - والله أعلم - يعني: آله؛ الإلحاق بالصالحين: أن يتوفاه على الذي توفي أولئك - وهو الإسلام - ليلحق بهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ ﴾ أي: اجعل لي الثناء الحسن في الناس، وكذلك إبراهيم - صلوات الله عليه - جميع أهل الأديان على اختلافهم قد انقادوا له وانتسبوا إليه، وادعوا أنهم على دينه، وأن دينه هو الذي هم عليه ليس من أهل ملة إلا وهم يتولونه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ أي: اجعلني باقياً من بعد موتي في جنة النعيم؛ إذ الوارث هو الباقي عن الموروث؛ وكذلك تأويل قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا  ﴾ أي: نبقى بعد فناء أهلها؛ إذ الوارث هو الباقي؛ فعلى ذلك قول إبراهيم: اجعلني من الباقين في جنة النعيم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ : لا يحتمل أن يكون استغفار إبراهيم لأبيه - والله أعلم - على ما ذكر في ظاهر الآية: واغفر لأبي فإنه من الضالين؛ لأنه لا يجوز له أن يدعو له وهو كذلك، لكن كان من إبراهيم الاستغفار له، فأخبر الله له أنه من الضالين؛ فيكون هذا الثاني إخبارا من الله لإبراهيم أنه من الضالين، والأول قول إبراهيم.

وكذلك قال بعض أهل التأويل في قصة بلقيس حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً  ﴾ ، فصدقها الله  في مقالتها وقال: ﴿ وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ  ﴾ ، يجعلون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ  ﴾ تصديقاً من الله لقول تلك المرأة، ومثال ذلك كثير في القرآن، يكون بعضه مفصولا من بعض [كقوله]: ﴿ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ  لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ  ﴾ ؛ قوله: ﴿ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ  ﴾ مفصول من قوله: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ  ﴾ ، لا وصل بينهما؛ فعلى ذلك دعاء إبراهيم يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ ﴾ مفصولا من قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ ، هذا جائز أن يكون إخباراً من الله لإبراهيم حين دعا له بالمغفرة أنه من الضالين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ ﴾ أي: أعط له ما به تغفر خطاياه وهو التوحيد؛ فيكون سؤاله سؤال التوحيد له والتوفيق على ذلك، وبه يغفر ما يغفر من الخطايا؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

وعلى ذلك يخرج دعاء هود لقومه حيث أمرهم أن يستغفروا ربهم، وهو قوله: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ  ﴾ ، و ﴿ وَأَسْلِمُواْ لَهُ  ﴾ ، طلب منهم ابتداء الإسلام؛ إذ لا يحتمل أن يقول لهم: قولوا: نستغفر الله، ولكن أمرهم أن يأتوا ما به يغفر لهم وهو التوحيد؛ وكذلك قول نوح: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً  ﴾ .

وقول أهل التأويل: "إن إبراهيم كذب ثلاثا" كلام لا معنى له، لا يحتمل أن يكون الله يختاره ويجعل رسالته في الذي يكذب بحال.

وقوله: ﴿ وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾ : قال أهل التأويل: ﴿ لاَ تُخْزِنِي ﴾ أي: لا تعذبني يوم يبعثون، وكأن الإخزاء هو العذاب يهتك الستر على صاحبه، فسأله ألا يهتك الستر عليه؛ لما خاف أن كان منه ما يهتك الستر عليه؛ فسأل ربه ذلك؛ إذ العصمة لا ترفع عن أصحابها الخوف، بل كلما عظمت العصمة كان الخوف أشدّ؛ لأن الأنبياء - صلوات الله عليهم - كان خوفهم أشدّ على دينهم وأنفسهم من غيرهم، ثم الأمثل فالأمثل، هم كذلك أشدّ خوفاً ممن هو دونهم؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم حيث قال: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ  ﴾ ، وقال يوسف: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ  ﴾ ومثله كثير.

وقوله: ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ : لا ينفع ويضر لا يكون في نفي النفع دفع الضر؛ وكقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ  ﴾ ؛ وكذلك قوله: ﴿ لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ  وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\]، وفي ظاهر ما استثنى من الآية دلالة أنه ينفع المال والبنون إذا أتوا بقلب سليم، حيث قال: ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ .

ويشبه أن يكون كذلك ينفعهم مالهم وأولادهم إذا أتوا ربهم بقلوب سليمة؛ لما استعملوا أموالهم في الطاعات وأنواع القرب، وعلموا الأولاد الآداب الصالحة والأخلاق الحسنة، فينفعهم ذلك يومئذ؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ  ﴾ ، أخبر أنهم إذا آمنوا وتابوا تقربهم أموالهم وأولادهم عنده.

وجائز أن يكون على غير ذلك، أي: لا ينفع مال ولا بنون، وإنما ينفع من أتى ربه بقلب سليم.

والقلب السليم: هو السالم عن الشرك، أو السليم عن الآفات والذنوب، والخالص لربه لا يجعل لغيره فيه حقّاً ولا نصيباً.

وشرط فيه إيتاءه ربه ما ذكر؛ ليعلم أنه ما لم يقبض على السلامة والتوحيد لا ينفعه ما كان منه من قبل من الطاعات، إذ لم يقبض على التوحيد؛ وكذلك ذكر في الحسنات الإتيان فقال: من جاء بالحسنة فله كذا، ولم يقل: من عمل بالحسنة، وهو ما ذكرنا أن يخرج من الدنيا على التوحيد، ولا يفسد ما عمل من الحسنات، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يوم لا ينفع فيه مال قد جمعه الإنسان في دنياه، ولا بنون كان ينتصر بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.GNqwm"

مزيد من التفاسير لسورة الشعراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد