الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ٩٤ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 51 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٤ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله: "فكبكبوا فيها هم والغاوون" قال مجاهد: يعني فدهوروا فيها وقال غيره كبوا فيها والكاف مكررة كما يقال صرصر والمراد أنه ألقي بعضهم على بعض من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك.
وقوله: ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ) يقول: فرمي ببعضهم في الجحيم على بعض, وطرح بعضهم على بعض منكبين على وجوههم.
وأصل كبكبوا: كببوا, ولكن الكاف كرّرت كما قيل: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ يعني به صرّ, ونهنهني يُنهنهَني, يعني به: نههني.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال.
ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( فكبكبوا ) قال: فدهوروا.
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا ) يقول: فجمعوا فيها.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فى قوله: ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا ) قال: طرحوا فيها.
فتأويل الكلام: فكبكب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوون.
وذُكر عن قَتادة أنه كان يقول: الغاوون في هذا الموضع.
الشياطين.
* ذكر الرواية عمن قال ذلك: حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ) قال: الغاوون: الشياطين.
فتأويل الكلام على هذا القول الذي ذكرنا عن قتادة.
فكبكب فيها الكفار الذين كانوا يعبدون من دون الله الأصنام والشياطين.
فكبكبوا فيها أي قلبوا على رءوسهم .
وقيل : دهوروا وألقي بعضهم على بعض .
وقيل : جمعوا .
مأخوذ من الكبكبة وهي الجماعة ; قاله الهروي .
وقال النحاس : هو مشتق من كوكب الشيء أي معظمه .
والجماعة من الخيل كوكب وكبكبة .
وقال ابن عباس : جمعوا فطرحوا في النار .
وقال مجاهد : دهوروا .
وقال مقاتل : قذفوا .
والمعنى واحد .
تقول : دهورت الشيء إذا جمعته ثم قذفته في مهواة .
يقال : هو يدهور اللقم إذا كبرها .
ويقال في الدعاء : كب الله عدو المسلمين ولا يقال أكبه .
وكبكبه ، أي كبه وقلبه .
ومنه قوله تعالى : فكبكبوا فيها والأصل كببوا فأبدل من الباء الوسطى كاف استثقالا لاجتماع الباءات .
قال السدي : الضمير في " كبكبوا " لمشركي العرب هم والغاوون الآلهة .
فَكُبْكِبُوا فِيهَا أي ألقوا في النار هُمْ أي ما كانوا يعبدون وَالْغَاوُونَ العابدون لها
( فكبكبوا فيها ) قال ابن عباس : جمعوا .
وقال مجاهد : دهوروا .
وقال مقاتل : قذفوا .
وقال الزجاج : طرح بعضهم على بعض .
وقال القتيبي : ألقوا على رءوسهم .
) ( هم والغاوون ) يعني : الشياطين ، قال قتادة ، ومقاتل .
وقال الكلبي : كفرة الجن .
«فكُبْكِبوا» ألقوا «فيها هم والغاوون».
فجُمِعوا وألقُوا في جهنم، هم والذين أضلوهم وأعوان إبليس الذين زيَّنوا لهم الشر، لم يُفْلِت منهم أحد.
ثم ذكر - سبحانه - ما حل بهؤلاء الأشقياء من عذاب فى أعقاب هذا التأنيب فقال : ( فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ والغاوون وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ) .والكبكبة : تكرير الكب ، وهو الإلقاء على الوجه مرة بعد أخرى ، وضمير الجمع للآلهة التى عبدها الكافرون من دون الله - تعالى - : وجىء بضمير العقلاء على سبيل التهكم بهم ، أى : فألقى المعبودون والعابدون فى جهنم ، ومعهم جنود إبليس كلهم سواء أكانوا من الشياطين أم من أتباعه من الجن والإنس .وفى التعبير بكبكبوا تصوير صادق مؤثر لحالة هؤلاء الضالين ، وهم يتساقطون - والعياذ بالله - فى جهنم ، بلا رحمة ، ولا عناية ، ولا نظام ، بل بعضهم فوق بعض وقد تناثرت أشلاؤهم .
اعلم أن إبراهيم عليه السلام ذكر في وصف هذا اليوم أموراً: أحدها: قوله: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرّزَتِ الجحيم لِلْغَاوِينَ ﴾ والمعنى أن الجنة قد تكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويفرحون بأنهم المحشورون إليها والنار تكون بارزة مكشوفة للأشقياء بمرأى منهم يتحسرون على أنهم المسوقون إليها قال الله تعالى في صفة أهل الثواب ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ وقال في صفة أهل العقاب: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ ﴾ وإنما يفعل الله تعالى ذلك ليكون سروراً معجلاً للمؤمنين وغماً عظيماً للكافرين ثانيها: قوله: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴾ والمعنى أين آلهتكم هل ينفعونكم بنصرتهم لكم أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار وهو قوله: ﴿ فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ والغاوون ﴾ أي الآلهة وعبدتهم الذين برزت لهم الجحيم، والكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقي في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ ﴾ متبعوه من عصاة الإنس والجن.
وثالثها: قوله: ﴿ قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تالله إِن كُنَّا لَفِى ضلال مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ العالمين ﴾ .
واعلم أن ظاهر ذلك أن من عبد خاصم المعبود وخاطبه بهذا الكلام، فليس يخلو حال الأصنام من وجهين إما أن يخلقها الله تعالى في الآخرة جماداً يعذب بها أهل النار فحينئذ لا يصح أن تخاطب ويجب حمل قولهم: ﴿ إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ العالمين ﴾ على أنه ليس بخطاب لهم أو يقال إنه تعالى يحييها في النار، وذلك أيضاً غير جائز لأنه لا ذنب لها بأن عبدها غيرها.
فالأقرب أنهم ذكروا ذلك لما رأوا صورها على وجه الاعتراف بالخطأ العظيم وعلى وجه الندامة لا على سبيل المخاطبة، والذي يحمل على أنه خطاب في الحقيقة قولهم: ﴿ وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ المجرمون ﴾ وأرادوا بذلك من دعاهم إلى عبادة الأصنام من الجن والإنس وهو كقولهم: ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا ﴾ فأما قولهم: ﴿ فَمَا لَنَا مِن شافعين ﴾ كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين ﴿ وَلاَ صَدِيقٍ ﴾ كما نرى لهم أصدقاء لأنه لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما أهل النار فبينهم التعادي والتباغض قال تعالى: ﴿ الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين ﴾ أو ﴿ فَمَا لَنَا مِن شافعين * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى، وكان لهم أصدقاء من شياطين الإنس، أو أرادوا أنهم إن وقعوا في مهلكة علموا أن الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم، فقصدوا بنفيهم نفي ما تعلق بهم من النفع، لأن مالا ينفع فحكمه حكم المعدوم، والحميم من الاحتمام وهو الاهتمام وهو الذي يهمه ما يهمك، أو من الحامة بمعنى الخاصة وهو الصديق الخالص، وإنما جمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق، فإن الرجل الممتحن بإرهاق الظالم قد ينهض جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته رحمة له، وأما الصديق وهو الصادق في ودادك، فأعز من بيض الأنوق، ويجوز أن يريد بالصديق الجمع ثم حكى تعالى عنهم قولهم: ﴿ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ وأنهم تمنوا الرجعة إلى الدنيا، ولو في مثل هذا الوضع في معنى التمني كأنه قيل فليت لنا كرة، وذلك لما بين معنى لو وليت من التلاقي في التقدير، ويجوز أن تكون على أصلها ويحذف الجواب وهو لفعلنا كيت وكيت.
قال الجبائي: إن قولهم: ﴿ فَنَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ ليس بخبر عن إيمانهم لكنه خبر عن عزمهم لأنه لو كان خبراً عن إيمانهم لوجب أن يكون صدقاً، لأن الكذب لا يقع من أهل الآخرة، وقد أخبر الله تعالى بخلاف ذلك في قوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ وقد تقدم في سورة الأنعام بيان فساد هذا الكلام.
ثم بين سبحانه أن فيما ذكره من قصة إبراهيم عليه السلام لآية لمن يريد أن يستدل بذلك ثم قال: ﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ والأكثرون من المفسرين حملوه على قوم إبراهيم ثم بين تعالى أن مع كل هذه الدلائل فأكثر قومه لم يؤمنوا به فيكون هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم، فيما يجده من تكذيب قومه.
فأما قوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم ﴾ فمعناه أنه قادر على تعجيل الانتقام لكنه رحيم بالإمهال لكي يؤمنوا.
<div class="verse-tafsir"
الجنة تكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويغتبطون بأنهم المحشورون إليها، والنار تكون بارزة مكشوفة للأشقياء بمرأى منهم، يتحسرون على أنهم المسوقون إليها: قال الله تعالى: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ [ق: 31] وقال: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ ﴾ [الملك: 27] : يجمع عليهم الغموم كلها والحسرات، فتجعل النار بمرأى منهم، فيهلكون غما في كل لحظة، ويوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم؟
هل ينفعونكم بنصرتهم لكم.
أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم: لأنهم وآلهتهم وقود النار، وهو قوله: ﴿ فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ ﴾ أي الآلهة ﴿ والغاوون ﴾ وعبدتهم الذين برزت لهم الجحيم.
والكبكبة: تكرير الكب، جعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقى في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقرّ في قعرها، اللهم أجرنا منها يا خير مستجار ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ ﴾ شياطينه، أو متبعوه من عصاة الجن والإنس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ ﴾ أيِ الآلِهَةُ وعَبَدَتُهم، والكَبْكَبَةُ تَكْرِيرُ الكَبِّ لِتَكْرِيرِ مَعْناهُ كَأنَّ مَن أُلْقِيَ في النّارِ يَنْكَبُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى حَتّى يَسْتَقِرَّ في قَعْرِها.
﴿ وَجُنُودُ إبْلِيسَ ﴾ مُتَّبِعُوهُ مِن عُصاةِ الثَّقَلَيْنِ، أوْ شَياطِينُهُ.
﴿ أجْمَعُونَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْـ ( جُنُودُ ) إنْ جُعِلَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ أوْ لِلضَّمِيرِ و ( ما ) عُطِفَ عَلَيْهِ وكَذا الضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ وما يَعُودُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"
فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤)
{فكبكبوا} انكسوا وطرح بعضهم بعض {فِيهَا} في الجحيم {هُمْ} أي الآلهة {والغاوون} وعبدتهم الذين برزت لهم والكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقي في جهنم ينكب مرة إثر مرة حتى يستقر في قعرها نعوذ بالله منها
﴿ وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ تَعْبُدُونَ ﴾ تَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِهِ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ: أيْنَ آلِهَتُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاؤُكم في هَذا المَوْقِفِ ﴿ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ ﴾ بِدَفْعِ ما تُشاهِدُونَ مِنَ الجَحِيمِ وما فِيها مِنَ العَذابِ ﴿ أوْ يَنْتَصِرُونَ ﴾ بِدَفْعِ ذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وهَذا سُؤالُ تَقْرِيعٍ لا يُتَوَقَّعُ لَهُ جَوابٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿ فَكُبْكِبُوا فِيها ﴾ أيْ أُلْقُوا في الجَحِيمِ عَلى وُجُوهِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى أنْ يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها، فالكَبْكَبَةُ تَكْرِيرُ الكَبِّ وهو مِمّا ضُوعِفَ فِيهِ الفاءُ، كَما قالَ الزَّجّاجُ وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ الثّالِثَ بَدَلٌ مِن مِثْلِ الثّانِي، فَأصْلُ (كَبْكَبَ) عِنْدَهم (كَبَّبَ) فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الثّانِيَةِ كافٌ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهُمُ الأصْنامُ، وأُكِّدَ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ أعْنِي ( هم ) وكِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلْعُقَلاءِ، واسْتُعْمِلا فِي الأصْنامِ؛ تَهَكُّمًا، أوْ بِناءً عَلى إعْطائِها الفَهْمَ والنُّطْقَ، أيْ كُبْكِبَ فِيها الأصْنامُ والغاوُونَ الَّذِينَ عَبَدُوها.
والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ دُونَ العابِدُونَ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِوَصْفِ الغَوايَةِ، وفي تَأْخِيرِ ذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ رَمْزٌ إلى أنَّهم يُؤَخَّرُونَ في الكَبْكَبَةِ عَنْها؛ لِيُشاهِدُوا سُوءَ حالِها فَيَنْقَطِعُ رَجاؤُهم قَبْلَ دُخُولِ الجَحِيمِ.
وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ ضَمِيرَ (كُبْكِبُوا) ومُؤَكَّدَهُ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، والغاوُونَ سائِرُ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا ويُرادُ بِهِمُ التَّبِعَةُ والغاوُونَ هُمُ القادَةُ المُتَّبَعُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي الإنْسِ مُطْلَقًا ﴿ والغاوُونَ ﴾ الشَّياطِينُ، والكُلُّ كَما تَرى، ويَبْعُدُ الأخِيرُ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ يعني: قربت الجنة للمتقين الذين يتقون الشرك والفواحش، يعني: أن المتقين قربوا من الجنة.
ثم قال: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ يعني: والجحيم أظهرت، وكشفت غطاءها لِلْغاوِينَ يعني: للكافرين.
ويقال: يؤتى بها في سبعين ألف زمام وَقِيلَ لَهُمْ يعني: للكفار أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ يعني: أين معبودكم الذين كنتم تعبدون من دون الله هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ يعني: هل يمنعونكم من العذاب؟
أَوْ يَنْتَصِرُونَ يعني: هل يمتنعون من العذاب؟
فاعترفوا أنهم لا ينصرونهم، ولا ينتصرون، فأمر بهم في النار.
ويقال: أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني الشياطين، لأنهم أطاعوها في المعصية، فكأنهم عبدوها.
قوله عز وجل: فَكُبْكِبُوا فِيها يعني: جمعوا فيها هُمْ وَالْغاوُونَ.
ويقال: فَكُبْكِبُوا فِيها فقذفوا من النار، هُمْ وَالْغاوُونَ يعني: الكفار والآلهة، والشياطين الذين أغووا بني آدم، وهذا قول مقاتل.
ويقال: فَكُبْكِبُوا فِيها يعني: ألقي بعضهم على بعض.
وقال القتبي: الأصل كببوا، أي ألقوا على رؤوسهم فيها، فأبدلت مكان إحدى الباءين كاف.
وقال الزجاج: هو تكرير الانكباب، لأنه إذا ألقي ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر فيها.
ويقال: جمعوا فيها، ومنه حديث جبريل «أنه ينزل في كبكبة من الملائكة» .
يعني: جماعة من الملائكة عليهم السلام.
ثم قال عز وجل: وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ يعني: جمعوا فيها جميعاً قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ- يعني: الكفار والأصنام.
ويقال: الكفار والشياطين ويقال: الرؤساء والأتباع.
ومعناه: قالوا وهم يختصمون فيها (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله: خَطِيئَتِي ذهب أكثرُ المفسرين إلى: أَنَّهُ أراد كَذَباتِهِ الثلاثَ، قوله: هي أختي في شأن سارة، وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] .
وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [الأنبياء: ٦٣] ، وقالت فرقة: أراد بالخطيئة اسم الجنس، فدعا في كل أمره من غير تعيين.
قال ع «١» : وهذا أظهر عندي.
مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧)
وقوله: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً: أي حكمةً ونبوَّةً، ودعاؤه في مثل هذا هو في معنى التثبيت والدوام، ولسان الصِّدْق: هو الثَّنَاءُ الحَسَنُ، واستغفاره لأبيه في هذه الآية هو قبل أنْ يَتَبَيَّنَ له أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ.
وقوله: بِقَلْبٍ سَلِيمٍ معناه: خالص من الشرك والمعاصي وعلق الدنيا المتروكة، وإن ٤٨ ب كانت مباحة كالمال والبنين قال سفيان هو الذي يَلْقَى رَبَّهُ/ وليس في قلبه شيء غيره.
قال ع «٢» : وهذا يقتضي عموم اللفظة، ولكنَّ السليم من الشرك هو الأَهَمُّ، وقال الجُنَيْدُ: بقلب [لدِيغٍ من خشية الله، والسُّلِيمُ: اللديغ.
ص: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ الظاهر أَنَّهُ استثناءٌ منقطع، أي: لكن مَنْ أتَى الله بقلب] «٣» سليم، نفعته سلامةُ قلبه، انتهى.
وَأُزْلِفَتِ معناه: قَرُبَتْ، والغاوون الذين بُرِّزَتْ لهم الجحيم هم: المشركون، ثم أخبر سبحانه عن حال يوم القيامة من أَنَّ الأصنامُ تُكَبْكَبُ في النار، أي: تلقى كبّة واحدة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أيْ: قَرُبَتْ إلَيْهِمْ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها، ﴿ وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ ﴾ أيْ: أُظْهِرَتْ ﴿ لِلْغاوِينَ ﴾ وهُمُ الضّالُّونَ، ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ ﴾ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ ﴿ أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَكم مِنَ العَذابِ، أوْ يَمْتَنِعُونَ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُبْكِبُوا ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: هُمُ المُشْرِكُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أُلْقُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ، وأصْلُ الحَرْفِ " كُبِّبُوا " مِن قَوْلِكَ: كَبَّبْتُ الإناءَ، فَأبْدَلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى كافًا، اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ ثَلاثِ باءاتٍ، كَما قالُوا: " كُمْكِمُوا " مِن " الكُمَّةِ "، والأصْلُ: " كُمِّمُوا " .
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: طُرِحَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ؛ وحَقِيقَةُ ذَلِكَ في اللُّغَةِ تَكْرِيرُ الِانْكِبابِ، كَأنَّهُ إذا أُلْقِيَ يَنْكَبُّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتّى يَسْتَقِرَّ فِيها.
وَفِي الغاوِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الشَّياطِينُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: الآَلِهَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ وَجُنُودُ إبْلِيسَ ﴾ أتْباعُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ.
﴿ قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ ﴾ يَعْنِي: هم وآَلِهَتُهم، ﴿ تاللَّهِ إنْ كُنّا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَقَدْ كُنّا.
وقالَ الزَّجّاجُ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ نُسَوِّيكُمْ ﴾ أيْ: نَعْدِلُكم بِاللَّهِ في العِبادَةِ، ﴿ وَما أضَلَّنا إلا المُجْرِمُونَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الشَّياطِينُ.
والثّانِي: أوْلُّوهم الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ، قالَ عِكْرِمَةُ: إبْلِيسُ وابْنُ آدَمَ القاتِلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَنا مِن شافِعِينَ ﴾ هَذا قَوْلُهم إذا شَفَعَ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ.
ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قالَ: " «إنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ في الجَنَّةِ: ما فَعَلَ صَدِيقِي فُلانٌ؟
وصَدِيقُهُ في الجَحِيمِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أخْرِجُوا لَهُ صَدِيقَهُ إلى الجَنَّةِ، فَيَقُولُ مَن بَقِيَ [فِي النّارِ]: فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ " ؟» .
والحَمِيمُ: القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ والمَعْنى: ما لَنا مِن ذِي قَرابَةٍ يُهِمُّهُ أمْرُنا، ﴿ فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً ﴾ أيْ: رَجْعَةٌ إلى الدُّنْيا ﴿ فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ لِتَحَلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِلْمُوَحِّدِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ﴾ ﴿ إلا مَن أتى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ ﴾ ﴿ وَقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أو يَنْتَصِرُونَ ﴾ ﴿ فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ ﴾ ﴿ وَجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ ﴾ "يَوْمَ" بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾ ، والمَعْنى: يَوْمَ لا تَنْفَعُ أعَلاقُ الدُنْيا ومَحاسِنُها، فَقَصَدَ مِن ذَلِكَ الذِكْرَ العَظِيمُ والأكْثَرَ؛ لِأنَّ المالَ والبَنِينَ هُما زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا، والظاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَنْفَعُهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ مَعْناهُ: خالِصٌ مِنَ الشِرْكِ والمَعاصِي وعَلَّقَ الدُنْيا المَتْرُوكَةَ وإنْ كانَتْ مُباحَةً كالمالِ والبَنِينَ، قالَ سُفْيانُ: هو الَّذِي يَلْقى رَبَّهُ ولَيْسَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ غَيْرُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَقْتَضِي عُمُومَ اللَفْظَةِ، ولَكِنَّ السَلِيمَ مِنَ الشِرْكِ هو الأهَمُّ، وقالَ الجُنَيْدُ: بِقَلْبٍ لَدِيغٍ مِن خَشْيَةِ اللهِ، و"السَلِيمُ": اللَدِيغُ.
"وَأُزْلِفَتِ" مَعْناهُ: قُرِّبَتْ، و"الغاوُونَ الَّذِينَ بَرَزَتْ لَهُمُ الجَحِيمُ" هُمُ المُشْرِكُونَ، بِدَلالَةِ أنَّهم خُوطِبُوا في أمْرِ الأصْنامِ، والقَوْلُ لَهُمْ: ﴿ أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللهِ ﴾ هُوَ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ والتَوْقِيفِ عَلى عَدَمِ نَظْرَتِهِمْ نَحْوَهُ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَبَرَزَتْ" بِالفاءِ، والجُمْهُورُ بِالواوِ.
وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "وَبَرَزَتْ" بِفَتْحِ الباءِ والتَخْفِيفِ ورَفْعِ "الجَحِيمِ".
ثُمَّ أخْبَرَ عن حالِ يَوْمِ القِيامَةِ مِن أنَّ الأصْنامَ تُكَبْكَبُ في النارِ، أيْ تُلْقى كُبَّةً واحِدَةً، ووَصَلَ بِها ضَمِيرُ مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ ذُكِرَتْ بِالعِبادَةِ، وكانَتْ يُسْنَدُ إلَيْها أفْعالُ مَن يَعْقِلُ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "هُمْ" يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، و"الغاوُونَ": الشَياطِينُ.
و"كُبْكِبَ" مُضاعَفٌ مَن "كَبَّ"، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، والتَضْعِيفُ بَيِّنٌ، مِثْلُ: صَرَّ وصَرْصَرَ، وغَيْرُ ذَلِكَ.
و"الغاوُونَ": الكَفَرَةُ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمُ الغَوايَةُ.
و" جُنُودُ إبْلِيسَ ": نَسْلُهُ وكُلُّ مَن تَبِعَهُ لِأنَّهم جُنْدٌ لَهُ وأعْوانٌ.
<div class="verse-tafsir"
الظاهر أن الواو في قوله: ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾ واوُ الحال، والعامل فيها ﴿ لا ينفع مال ﴾ [الشعراء: 88]، أي يوم عدم نفع من عدا من أتى الله بقلب سليم وقد أزلفت الجنة للمتقين.
والخروج إلى تصوير هذه الأحوال شيء اقتضاه مقام الدعوة إلى الإيمان بالرغبة والرهبة لأنه ابتدأ الدعوة بإلقاء السؤال على قومه فيما يعبدون إيقاظاً لبصائرهم، ثم أعقب ذلك بإبطال إلهية أصنامهم.
والاستدلال على عدم استئهالها الإلهية بدليل التأمل، وهو أنها فاقدة السمع والبصر وعاجزة عن النفع والضر، ثم طال دليل التقليد الذي نحا إليه قومه لما عجزوا عن تأييد دينهم بالنظر.
فلما نهضت الحجة على بطلان إلهية أصنامهم انتصب لبيان الإله الحق رب العالمين، الذي له صفات التصرف في الأجسام والأرواح، تصرف المنعم المتوحّد بشتّى التصرف إلى أن يأتي تصرفه بالإحياء المؤبد وأنه الذي نطمع في تجاوزه عنه يوم البعث فليعلموا أنهم إن استغفروا الله عما سلف منهم مِن كُفْر فإن الله يغفر لهم، وأنهم إن لم يقلعوا عن الشرك لا ينفعهم شيء يوم البعث، ثم صور لهم عاقبة حَالَي التقوى والغواية بذكر دار إجزاء الخير ودار إجزاء الشر.
ولما كان قومه مستمرين على الشرك ولم يكن يومئذ أحد مؤمناً غيره وغير زوجه وغير لوط ابن أخيه كان المقام بذكر الترهيب أجدر، فلذلك أطنب في وصف حال الضالّين يوم البعث وسوءِ مصيرهم حيث يندمون على ما فرطوا في الدنيا من الإيمان والطاعة ويتمنون أن يعودوا إلى الدنيا ليتداركوا الإيمان ولات ساعة مَندم.
والإزلاف: التقريب.
وقد تقدم في قوله: ﴿ وأزلفنا ثَمّ الآخرين ﴾ في هذه السورة (64).
والمعنى: أن المتقين يجدون الجنة حاضرة فلا يتجشمون مشقة السوْق إليها.
واللام في ﴿ للمتقين ﴾ لام التعدية.
و ﴿ برزت ﴾ مبالغة في أُبرزت لأن التضعيف فيه مبالغة ليست في التعدية بالهمزة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وبُرّزت الجحيم لمن يرى ﴾ في سورة النازعات (36).
والمراد ب ﴿ الغاوين ﴾ الموصوفون بالغواية، أي ضلال الرأي.
وذكْر ما يقال للغاوين للإنحاء عليهم وإظهار حقارة أصنامهم، فقيل لهم ﴿ أين ما كنتم تعبدون ﴾ وفي الاقتصار على ذكر هذا دون غيره مما يخاطبون به يومئذ مناسبة لمقام طلب الإقلاع عن عبادة تلك الأصنام.
وأسند فعل القول إلى غير معلوم لأن الغرض تعلق بمعرفة القول لا بمعرفة القائل، فالقائل الملائكة بإذن من الله تعالى لأن المشركين أحقر من أن يوجه الله إليهم خطابه مباشرة.
والاستفهام في قوله: ﴿ أين ما كنتم تعبدون ﴾ استفهام عن تعيين مكان الأصنام إن لم تكن حاضرة، أو عن عملها إن كانت حاضرة في ذلك الموقف، تنزيلاً لعدم جدواها فيما كانوا يأملونه منها منزلةَ العدم تهكّماً وتوبيخاً وتوقيفاً على الخطأ.
والاستفهام في ﴿ هل ينصرونكم ﴾ كذلك مع الإنكار أن تكون الأصنام نصراء.
والانتصار طلب النصير.
وكتب ﴿ أينما ﴾ في المصاحف موصولة نون (أين) بميم (ما) والمتعارف في الرسم القياسي أن مثله يكتب مفصولاً لأن (ما) هنا اسم موصول وليست المزيدة بعد (أين) التي تصير (أين) بزيادتها اسم شرط لعموم الأمكنة، ورسم المصحف سنة متبعة.
و ﴿ أو ﴾ للتخيير في التوبيخ والتخطئة، أي هل أخطأتم في رجاء نصرها إياكم، أو في الأقل هل تستطيع نَصر أنفسها وذلك حين يلقى بالأصنام في النار بمرأى من عبدتها ولذلك قال: ﴿ فكبكبوا فيها ﴾ ، أي كبكبت الأصنام في جهنم.
ومعنى ﴿ كُبكِبوا ﴾ كُبُّوا فيها كَباً بعد كَبَ فإنَّ ﴿ كبكبوا ﴾ مضاعف كُبُّوا بالتكرير وتكرير اللفظ مفيد تكرير المعنى مثل: كفكَف الدمعَ، ونظيره في الأسماء: جيش لَمْلَم، أي كثير، مبالغة في اللَّم، وذلك لأن له فعلاً مرادفاً له مشتملاً على حروفه ولا تضعيف فيه فكان التضعيف في مرادفه لأجل الدلالة على الزيادة في معنى الفعل.
وضمائر ﴿ ينصرونكم وينتصرون وكُبكبوا ﴾ عائدة إلى ﴿ ما كنتم تعبدون ﴾ بتنزيلها منزلة العقلاء.
وجنود إبليس: هم أولياؤه وأصناف أهل الضلالات التي هي من وسوسة إبليس.
وتقدم الكلام على إبليس في سورة البقرة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ جُمِعُوا فِيها أيِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: طُرِحُوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقُطْرُبٌ.
الثّالِثُ: نُكِسُوا فِيها عَلى رُؤُوسِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
الرّابِعُ: قُلِبَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ، قالَ الشّاعِرُ: يَقُولُ لَهم رَسُولُ اللَّهِ لَمّا قَذَفْناهم كَباكِبَ في القَلِيبِ ﴿ هم والغاوُونَ ﴾ يَعْنِي الآلِهَةَ الَّتِي يَعْبُدُونَ.
وَفِي الغاوِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الشَّياطِينُ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أعْوانُهُ مِنَ الجِنِّ.
الثّانِي: أتْباعُهُ مِنَ الإنْسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَنا مِن شافِعِينَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ.
الثّانِي: مِنَ النّاسِ.
﴿ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّقِيقُ: قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: القَرِيبُ النَّسِيبُ، يُقالُ حُمَّ الشَّيْءُ إذا قَرُبَ ومِنهُ الحُمّى لِأنَّها تُقَرِّبُ الأجَلَ، قالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ لَعَلَّ لُبْنى اليَوْمَ حُمَّ لِقاؤُها ∗∗∗ وبِبَعْضِ بَلاءٍ إنَّ ما حُمَّ واقِعُ وَقالَ ابْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى بِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: يُذْهِبُ اللَّهُ يَوْمَئِذٍ مَوَدَّةَ الصَّدِيقِ، ورِقَّةَ الحَمِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فكبكبوا فيها ﴾ قال: جمعوا فيها ﴿ هم والغاوون ﴾ قال: مشركو العرب والآلهة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فكبكبوا ﴾ قال: رموا.
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ فكبكبوا فيها ﴾ قال: في النار ﴿ هم ﴾ قال: الآلهة ﴿ والغاوون ﴾ قال: مشركو قريش ﴿ وجنود إبليس ﴾ قال: ذرية إبليس ومن ولد.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ والغاوون ﴾ قال: الشياطين.
وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الناس يمرون يوم القيامة على الصراط: والصراط دحض مزلة يتكفأ بأهله.
والنار تأخذ منهم، وإن جهنم لتنطف عليهم مثل الثلج إذا وقع لها زفير وشهيق.
فبينما هم كذلك إذ جاءهم نداء من الرحمن: عبادي من كنتم تعبدون في دار الدنيا؟
فيقولون: رب أنت تعلم انا إياك كنا نعبد.
فيجيبهم بصوت لم يسمع الخلائق مثله قط: عبادي حق عليّ أن لا أَكِلَكُمُ اليوم إلى أحد غيري فقد عفوت عنكم، ورضيت عنكم.
فتقوم الملائكة عند ذلك بالشفاعة، فينحون من ذلك المكان فيقول الذين تحتهم في النار ﴿ فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين ﴾ [ إبراهيم: 43] قال الله: ﴿ فكبكبوا فيها هم والغاوون ﴾ قال ابن عباس: ادخروا فيها إلى آخر الدهر» .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أمتي ستحشر يوم القيامة، فبينما هم وقوف إذ جاءهم مناد من الله: ليعتزل سفاكو الدماء بغير حقها.
فيميزون على حدة، فيسيل عندهم سيل من دم، ثم يقول لهم الداعي: اعيدوا هذه الدماء في أجسادها.
فيقولون: كيف نعيدها في أجسادها؟
فيقول: احشروهم إلى النار.
فبينما هم يجرون إلى النار إذ نادى مناد فقال: إن القوم قد كانوا يهللون.
فيوقفون منها مكاناً يجدون وهجها حتى يفرغ من حساب أمة محمد صلى الله عليه وسلم ثم يكبكبون في النار ﴿ هم والغاوون ﴾ ، ﴿ وجنود إبليس أجمعون ﴾ » .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أمامة أن عائشة قالت: يا رسول الله يكون يوم لا يغنى عنا فيه من الله شيء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم.
في ثلاث مواطن: عند الميزان، وعند النور والظلمة، وعند الصراط.
من شاء الله سلمه وأجازه، ومن شاء كبكبه في النار قالت: يا رسول الله وما الصراط؟
قال: طريق بين الجنة والنار يجوز الناس عليه مثل حد الموسى، والملائكة صافون يميناً وشمالاً يخطفونهم بالكلاليب مثل شوك السعدان وهم يقولون: سلم سلم ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ فمن شاء الله سلمه ومن شاء كبكبه في النار» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكُبْكِبُوا فِيهَا ﴾ قال ابن عباس، والسدي، والكلبي: جمعوا (١) وقال مجاهد: دهوروا (٢) (٣) قال أبو إسحاق: معنى: (كبكبوا) طُرح بعضهم على بعض (٤) وحقيقة ذلك في اللغة: تكرير الانكباب كأنه إذا أُلقي يَنْكَبُّ مرة بعد مرة حتى يستقرَّ فيها (٥) وقال أبو عبيدة: نكسوا فيها، وهو من قولهم: كبَّه الله لوجهه (٦) قال ابن قتيبة: (كبكبوا) أُلقوا على رؤوسهم، وأصل الحرف: كُبِّبُوا، فأبدل من الباء الوسطى كافًا استثقالًا لاجتماع ثلاث باءات، [كما قالوا: كمكموا، من الكُمَّة، وهي: القَلَنْسوة، والأصل: كُمِّموا] (٧) (٨) (٩) ومن قال في تفسير: (كبكبوا) جمعوا (١٠) ﴿ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد: هم وما يعبدون من دون الله (١١) وقال الكلبي: العابد والمعبود (١٢) وقال السدي: جمعوا فيها الآلهة والمشركون (١٣) ﴿ الْغَاوُونَ ﴾ هم عبدة الأصنام.
وقال قوم: ﴿ فَكُبْكِبُوا فِيهَا ﴾ يعني الكفار ﴿ وَالْغَاوُونَ ﴾ كفرة الجن.
وهو قول الكلبي (١٤) وقال قتادة، ومقاتل: يعني الشياطين (١٥) (١) أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2785، عن ابن عباس، والسدي.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2785، عن مجاهد، بلفظ: قد هووا فيها، وما في المطبوع مخالف لما في المخطوط 227 أ، ولفظه: فدمروا فدهوروا.
وبلفظ: دهوروا، ذكره "الثعلبي" 8/ 113 أ، و"البغوي" 6/ 119.
(٣) "تفسير مقاتل" 52 أ.
و"تفسير هود الهواري" 3/ 231.
و"تفسير الثعلبي" 8/ 113 ب.
(٤) وقد اقتصر في الوجيز 2/ 792، على قول أبي إسحاق، ولم يشبه.
وذكر هذه الأقوال بهذا الترتيب البغوي 6/ 119.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 94.
وذكره الأزهري 9/ 461 (كبب) ولم ينسبه.
(٦) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 87، بلفظ: أي: طرح بعضهم على بعض جماعة جماعة.
(٧) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 318، وما بين المعقوفين، زيادة نقلتها من الغريب ليستقيم بها الكلام، وهي غير موجودة في النسخ الثلاث.
(٨) قال تعالى ﴿ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾ .
(٩) لم يظهر لي الارتباط بين هذا ومعنى: كبكبوا، فلعلها زيادة تتابع عليها النساخ؛ إذ لم أجدها في غريب ابن قتيبة، ولا غيره، والله أعلم.
(١٠) "تنوير المقباس" 310.
(١١) أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2785، بلفظ: ﴿ الْغَاوُونَ ﴾ المشركون.
(١٢) في "تنوير المقباس" 310: كفار الجن وآلهتهم.
(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2785.
(١٤) "تنوير المقباس" 310.
و"تفسير الثعلبى" 8/ 113 ب.
(١٥) "تفسير مقاتل" 52 أ.
وأخرجه بسنده عبد الرزاق 2/ 74، وابن أبي حاتم 8/ 2786، عن قتادة.
وذكره عنهما الثعلبي 8/ 113 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَبُرِّزَتِ الجحيم لِلْغَاوِينَ ﴾ يعني المشركين بدلالة ما بعده ﴿ فَكُبْكِبُواْ فِيهَا ﴾ كبكبوا: مضاعف من كب كررت حروفه دلالة على تكرير معناه: أي كبهم الله في النار مرة بعد مرة، والضمير للأصنام، والغاوون هم المشركون، وقيل: الضمير للمشركين، والغاوون هم الشياطين ﴿ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العالمين ﴾ أي نجعلكم سواء معه ﴿ وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ المجرمون ﴾ يعني كبراءهم، وأهل الجرم والجراءة منهم ﴿ حَمِيمٍ ﴾ أي خالص الودّ، قال الزمخشري: جمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة، وقلة الأصدقاء ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين ﴾ أسند الفعل إلى القوم، وفيه علامة التأنيث، لأن القوم في معنى الجماعة والأمة، فإن قيل: كيف قال المرسلين بالجمع وإنما كذبوا نوحاً وحده؟
فالجواب من وجهين: أحدهما أنه أراد الجنس كقولك: فلان يركب الخيل وإنما لم يركب إلى فرساً واحداً والآخر أن من كذب نبياً واحداً فقد كذب جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأن قولهم واحد ودعوتهم سواء، وكذلك الجواب في: كذبت عاد المرسلين وغيره ﴿ واتبعك الأرذلون ﴾ جمع أرذل، وقد تقدّم الكلام عليه في قوله: ﴿ أَرَاذِلُنَا ﴾ في [هود: 27] ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ المؤمنين ﴾ يعني الذين سموهم أرذلين، فإنّ الكفار أرادوا من نوح أن يطردهم، كما أرادت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد عمار بن ياسر وصهيباً وبلالاً وأشباههم من الضعفاء ﴿ المرجومين ﴾ يحتمل أن يريدوا الرجم بالحجارة، أو بالقول وهو الشتم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لي إلا ﴾ ﴿ واغفر لأبي إنه ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع ﴿ وأجري إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص: ﴿ وأتباعك ﴾ على أنه جمع تابع أو تبع: يعقوب ﴿ أنا إلا ﴾ بالمد: أبو نشيط عن قالون ﴿ معي من المؤمنين ﴾ بفتح ياء المتكلم: حفص وورش.
الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" طرف ﴿ اتل ﴾ وإنما هو منصوب باذكر ﴿ ما تعبدون ﴾ ه ﴿ عاكفين ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ه ﴿ يضرون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا لأن الضمير بعده توكيد ﴿ الأقدمون ﴾ ه والوصل أولى للفاء ﴿ العالمين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ صفة الرب ﴿ يهدين ﴾ ه لا ﴿ يشفين ﴾ ه ﴿ ويسقين ﴾ ه ﴿ يحيين ﴾ ه لا ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ بالصالحين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ النعيم ﴾ ه لا ﴿ الضالين ﴾ ه لا ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ ولا بنون ﴾ ه لا ﴿ سليم ﴾ ه ط بناء على أن ما بعده إلى آخر أحوال الجنة والنار هو من كلام الله وهو الظاهر.
وقيل: هو من تتمة كلام إبراهيم ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ شافعين ﴾ ه ﴿ حميم ﴾ ه ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الاية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ج لأن "إذ" تصلح ظرفاً للتكذيب مفعولاً لا ذكر ﴿ تتقون ﴾ ج ه لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ أمين ﴾ ه لا للفاء ﴿ وأطيعون ﴾ ج ه ﴿ من أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ج ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه لا ﴿ الأرذلون ﴾ ه ط ﴿ يعملون ﴾ ج ه لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ تشعرون ﴾ ه لذلك ﴿ المؤمنين ﴾ ج ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ المرجومين ﴾ ه ط ﴿ كذبون ﴾ ه ج ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المشحون ﴾ ج ه ﴿ الباقين ﴾ ه ﴿ الآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ط ﴿ الرحيم ﴾ ه.
التفسير: القصة الثانية قصة إبراهيم وكان يعلم عبدة أصنام ولكنه سألهم للإلزام والتبكيت.
ومثله أهل المعاني بأن يقول أحد للتاجر: ما مالك؟
وهو يعلم أن ماله الرقيق ثم يقول له الرقيق: جمال وليس بمال.
وإنما قال في سورة الصافات ﴿ ماذا تعبدون ﴾ بزيادة "ذا" لأنه أراد هناك مزيد التوبيخ ولذلك بنى الكلام على الزيادة ثم اردفه بقوله ﴿ أئفكا آلهة دون الله تريدون ﴾ وحين صرح هنالك بالتوبيخ لم يجيبوه وههنا ظنوا أنه يريد الاستفهام حقيقة فأجابوه ولكنهم بسطوا الكلام بسطاً ولم يقتصروا على ﴿ أصناماً ﴾ بل زادوا ناصبه وعقبوه بقولهم ﴿ فنظل لها عاكفين ﴾ إظهاراً للابتهاج والافتخار.
قال في الكشاف: وإنما قالوا ﴿ فنظل ﴾ لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل.
قلت: وهذا مبني على النقل الصحيح والظن به حسن.
قال: لا بد في ﴿ يسمعونكم ﴾ من تقدير حذف المضاف معناه هل يسمعون دعاءكم؟
قلت: ويحتمل أن يكون المحذوف مفعولاً ثانياً أي هل يسمعونكم تدعون إذ تدعون وهو حكاية حال ماضية لأن "إذ" للمضي ومعناه استحضار الأحوال الماضية التي كانوا يدعونها فيها.
وحين تمسكوا في الجواب بطريقة التقليد قائلين على سبيل الإضراب ﴿ بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ﴾ نبههم إبراهيم بقوله ﴿ أفرأيتم ﴾ على أن الباطل لا يتغير بأن يكون قديماً أو حديثاً ولا بأن يكون في مرتكبيه كثرة أو قلة، وصرح بأن معبوديه أعداء لقوله ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً ﴾ أو لأن الذي يغري على عبادتها هو الشيطان وهو أعدى عدو للإنسان، وإنما لم يقل عدوّ لكم لأنه أراد تصوير المسألة في نفسه ليكون أدل على النصح وأقرب إلى القبول كأنه قال: إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدوّ.
ويحكى عن الشافعي أن رجلاً واجهه بشيء فقال: لو كنت بحيث أنت لاحتجت إلى أدب.
وقوله ﴿ إلا رب العالمين ﴾ استثناء منقطع أي لكن رب العالمين حبيب لي.
ثم وصف لهم الرب بأنه ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ أي خلق بدني على كماله الممكن له ثم يهدين في الاستقبال إلى ضروب مصالح الدين والدنيا كامتصاص الدم في البطن والثدي بعد الولادة نظيره ما مر في "طه" ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ .
ثم نبه بقوله ﴿ والذي هو يطعمني ويسقين ﴾ أن الذي يتعلق به قوام البدن من الاغتذاء بالطعام والإساغة بالشراب هو من جملة إنعام الله لأنه خلق هناك قوى جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة وغيرها، ولولاها لما تم أمر الانتفاع بالغذاء بل نفس الغذاء من جملة نعمه الشاملة، ثم قال ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ وذلك أن البدن ليس دائماً على النهج الطبيعي بحيث تصدر عنه الأفعال الموضوع هو لها سليمة فاسترداد الصحة بعد زوالها ليس إلا بإذن الله وبما خلق لكل داء دواء وإنما لم يقل أمرضني لأن كثيراً من اسباب المرض يحدث بإسراف الإنسان في المطعم والمشرب.
وأيضاً الصحة تحتاج إلى سبب قاهر يقسر الأخلاط والقوى على النسبة المطلوبة، أما المرض فإنه بسبب تنافر الأخلاط وطلب كل منها مركزه الأصلي.
وأيضاً فيه رعاية الأدب في مقام المدح وتعداد النعم وإنما لم يراع هذه النكتة في قوله ﴿ والذي يميتني ﴾ لأن الإماتة ليست بضر كالمرض.
إما بعدم الإحساس وقتئذ، وإما لأنها مقدمة الوصول إلى عالم الخير والراحة.
وإنما زاد لفظة "هو" في الإطعام والشفاء لأنهما قد ينسبان إلى الإنسان فيقال: زيد يطعم وعمرو يداوي.
فأكد إعلاماً بأن ذلك في الحقيقة من الله، واما الإماتة والإحياء فلا يدعيهما مدع فأطلق: ثم اشار إلى ما بعد الإحياء من المجازاة بقوله ﴿ والذي أطمع ﴾ فحمل الأشاعرة الطمع على مجرد الظن والرجاء بناء على أنه لا يجب لأحد على الله شيء.
وحمله المعتزلة على اليقين تارة وعلى هضم النفس والتواضع وتعليم الأمة أخرى، كما أنه أضاف الخطيئة إلى نفسه لمثل ذلك.
وقد تحمل الخطيئة على المعاريض المنسوبة إليه من قوله ﴿ إني سقيم ﴾ وقوله ﴿ بل فعله كبيرهم ﴾ وقوله لسارة "هي أختي" وإنما علق المغفرة بيوم الدين لأن أثرها يتبين يومئذ وهو في الدنيا خفي.
قال بعضهم: فائدة زيادة "لي" هي أن يعلم أن المغفرة فائدتها تعود إليه والله لا يستفيد بذلك كمالاً لم يكن له.
والمراد: أطمع أن يغفر لي لمجرد عبوديتي له واحتياجي إليه لا بواسطة شفيع كما قال لجبرائيل: أما إليك فلا.
وحين قدم الثناء شرع في الدعاء تعليماً لأمته إذا أرادوا مسألة فقال ﴿ رب هب لي حكماً ﴾ وهو إشارة إلى كمال القوة النظرية ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ وهو إشارة إلى كمال القوة العملية.
ولقد اجابه حيث قال ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ وقيل: الحكم النبوة إذ النبي ذو حكمة وذو حكم.
بين عباد الله وزيف بأنه كان حاصلاً فكيف يطلبه؟
والظاهر أنه اراد بالحكم النسب الذهنية المطابقة للخارجية أعني العلوم النظرية كما بينا.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال، إنه طلب العلم من الله فلولا أن العلم بخلقه وإلا كان السؤال عبثاً.
وحمله المعتزلة على منح الألطاف.
قيل: الحكم المطلوب بالدعاء إن كان هو العلم بغير الله لزم أن يكون سائلاً لما يشغله عن الله وهو باطل، وإن كان العلم بالله بقدر ما هو شرط صحة الإيمان لزم طلب ما هو حاصل لأدنى المؤمنين فضلاً عن إبراهيم، فإذن هو العلم الزائد على ما هو ضروري في الإيمان وهو الوقوف على حقيقة الذات والصفات، ثم لا يكشف المقال عنها غير الخيال وبه يصير المؤمن من الواصلين إلى العين دون السامعين إلى الأثر.
ثم طلب الذكر الجميل بقوله ﴿ واجعل لي لسان صدق ﴾ والإضافة فيه كقوله ﴿ قدم صدق ﴾ وقال ابن عباس: وقد أعطاه الله ذلك لقوله ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ ولهذا اتفق أهل الأديان قاطبة على حبه وادعاء متابعته.
ومدح الكافر ليس مقصوداً لذاته من حيث هو كافر وإنما المقصود أن يكون ممدوح كل إنسان ومحموداً بكل لسان.
وفائدة الثناء على الشخص بعد وفاته هو انصراف الهمم إلى ما به يحصل له عند الله زلفى وقد يصبر ذلك المدح داعياً للمادح أو لمن يسمعه إلى اكتساب مثل تلك الفضائل.
وقيل: سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون داعياً إلى ملته وهو محمد .
ثم سأل ما هو غاية كل سعادة فقال ﴿ واجعلني من ورثة جنة النعيم ﴾ وقد مر معنى هذه الوراثة في قوله ﴿ وتلك الجنة التي أورثتموها ﴾ وكذلك في سورة مريم ﴿ تلك الجنة التي نورث من عبادنا ﴾ ثم طلب السعادة الحقيقية لأشد الناس التصاقاً به وهو ابوه قائلاً ﴿ واغفر لأبي ﴾ وقد سبق في آخر التوبة وفي مريم" ما يتعلق به من المباحث.
وههنا سؤال: وهو أنه متى حصلت الجنة بدعائه امتنع حصول الخزي فكيف قال بعده ﴿ ولا تخزني ﴾ وايضاً قال ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ وما كان نصيب الكافر كيف يستجير منه المعصوم؟
أجاب عنه في التفسير الكبير كما أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فكذلك درجات الأبرار دركات المقربين، وخزي كل واحد ما يليق بحاله فكأنه سأل الشركة أوّلاً ثم الخصوصية ثانياً.
وأقول: يحتمل أن يكون هذا الدعاء من تتمة دعائه لأبيه أي لا تخزني ولا تفضحني بسبب تعذيب ابي يوم يبعث الضالون أو العباد كلهم، ومثل هذا الضمير مما يعلم عوده بالقرينة.
ويجوز أن يكون سأل الجنة بشرط التعظيم والإجلال، ويجوز أن يكون أخر هذا الدعاء لما يعقبه من حديث يوم القيامة وأهوالها وأحوالها فاراد أن لا ينقطع نظم الكلام.
وفي قوله ﴿ إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ إشارة إلى ما وصفه الله به في قوله ﴿ وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم ﴾ وفي هذا الاستثناء وجوه منها: أنه منقطع والمضاف محذوف أي إلا حال من أتى الله بقلب سليم والمراد بالحال سلامة القلب والمعنى: أن المال والبنين لا ينفعان وإنما ينفع سلامة القلب عن الأمراض الروحانية كالجهل وسائر الأخلاق الذميمة، ويندرج في سلامة القلب سلامة سائر الجوارح لأنه رئيسها.
ولا شك أن المال والبنين ليسا من جنس سلامة القلب فيكون الاستثناء منقطعاً.
ومنها أنه متصل وذلك على وجهين: أحدهما لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه.
وثانيهما أن يجعل من باب قولهم: تحية بينهم ضرب وجيع *** والمضاف المحذوف الحال أو السلامة نظيره أن يقال لك: هل لزيد مال وبنون؟
فتقول: ماله وبنوه سلامة قلبه تريد نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب له بدلاً عن ذلك.
ومنها أن يكون الموصول مفعولاً لينفع والاستثناء مفرغ أي لا ينفع مال ولا بنون أحداً إلا رجلاً سلم قلبه مع ماله وبنيه حيث أنفقه في طاعة الله وما قصر في باب تأديبهم وإرشادهم، أو سلم قلبه من فتنة المال والبنين فلم يكفر ولم يعص.
وقد يفسر السليم بالذائب من خشية الله .
وحين أنجرّ الكلام إلى ذكر يوم القيامة وصف الله أو إبراهيم أحواله وأهواله فقال ﴿ وأزلقت الجنة للمتقين ﴾ قال المفسرون: الجنة تقرب من موقف السعداء ليكون لهم فرجاً معجلاً، وتجعل النار بارزة مكشوفة للأشقياء ليزدادوا غماً وحسرة، ولمثل هذا اليوم وبخهم بقوله ﴿ إينما كنتم تعبدون ﴾ يعني الآلهة التي كنتم تعبدونها ﴿ من دون الله هل ينصرونكم ﴾ بنصرتهم لكم أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار وذلك قوله ﴿ فكبكبوا فيها هم ﴾ أي الآلهة ﴿ والغاوون ﴾ الذين عبدوهم قال جار الله: الكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقى في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها أعاذنا الله منها.
والمراد بجنود إبليس شياطينهم أو متبعوه من عصاة الجن والإنس.
﴿ قالوا ﴾ يعني الغاوين وجنود إبليس ﴿ وهم ﴾ يعني والحال أن الأصنام وعبدتهم ﴿ فيها يختصمون ﴾ قال أكثر المفسرين: يجوز أن ينطق الله الأصنام بحيث يصح منها التخاصم.
وقيل: إن هذا التخاطب بين العصاة والشياطين إذ سووهم برب العالمين.
والمراد بالمجرمين على التفسيرين الرؤساء والكبراء.
وعن السدي: الأولون الذين سنوا الشرك.
وعن ابن جريج: إبليس وقابيل لأنه سن القتل وأنواع المعاصي: ﴿ فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ﴾ خالص يهمه ما يهمنا وفيه نفي الشفعاء والصديق راساً أو نفي للذين كانوا عدّوهم شفعاء واصدقاء من الأصنام والرؤساء، أو نفي للانتفاع بهم قصدوا بنفيهم ما يتعلق بهم من الفائدة، فكل عديم النفع حكمه حكم المعدوم.
قال جار الله: إنما جمع الشافع ووحد الصديق لكثرة الشفعاء لأجل الخشية عادة، ولكن الصديق الصادق أعز من الكبريت الأحمر حتى زعم بعض الحكماء أنه اسم لا معنى له.
وجوز أن يكون الصديق في معنى الجمع والكرة الرجعة إلى الدنيا "ولو" في معنى التمني.
وقوله ﴿ فنكون ﴾ جواب التمني أو عطف في المعنى على ﴿ كرة ﴾ أي ليت لنا كرة فإن نكون، وعلى هذا جاز أن تكون "لو" على أصل الشرط والجواب محذوف وهو لفعلنا كيت وكيت.
ثم بين أن فيما كره من قصة إبراهيم لآية لمن يريد أن يستدل بذلك وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين.
القصة الثالثة قصة نوح: ولا ريب أن نبأه عظيم فقد كان يدعوهم الف سنة غلا خمسين عاماً، ومع ذلك لم يزد قومه إلا التكذيب.
والقوم مؤنث بدليل قوله ﴿ كذبت ﴾ وكان أميناً فيهم مشهوراً كمحمد في قريش.
وكرر قوله ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ تأكيداً وتقريراً في النفوس مع أنه علق كل واحد بسبب وهو الأمانة في الأول وقطع الطمع في الثاني نظيره قول الرجل لغيره: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيراً؟
ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيراً؟
وقدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته لأن تقوى الله علة طاعته.
قوله ﴿ وما علمي ﴾ يريد ايّ شيء علمي ومعناه انتفاء علمه بإخلاص أعمالهم لله عز وجل واطلاعه على باطنهم ومكنون ضميرهم كأنهم طعنوا في إيمانهم ايضاً فذكر أن حسابهم على الله وأنه لم يبعث إلا للنذارة.
ويجوز أن يكون فسر لهم الرذالة بما هو الرذالة عنده من سوء الأعمال وفساد العقائد فبنى جوابه على ذلك وقال: ما علمي إلا اعتبار الظاهر والله يتولى السرائر.
وفي قوله ﴿ لو تشعرون ﴾ إشارة إلى أنهم لا يصدقون بالحساب والجزاء، وفيه إنكار أن يسمى المؤمن رذلاً وإن كان أفقر الناس وأوضعهم فالغني غني الدين والنسب نسب التقوى.
﴿ رب أن قومي كذبون ﴾ ليس إخباراً لأنه علام الغيوب وإنما هو تمهيد مقدمة لطلب الفتح والحكومة.
والفلك المشحون المملوء من كل زوجين اثنين مع نوح وأهله.
التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ﴾ وهو الروح وما يتولد منه ﴿ نعبد أصناماً ﴾ وهو ما سوى الله ﴿ فنظل لها عاكفين ﴾ إلا أن أدركتنا العناية فنعرض عنها: ﴿ بل وجدنا آباءنا ﴾ وهم الأرواح والآباء العلوية كذلك يتعلق بعضهم ببعض ﴿ فإنهم عدوّ لي ﴾ إن تعلقت فصرت محجوباً بهم عن الله ﴿ خلقني فهو يهدين ﴾ إلى حضرته و ﴿ يطعمني ﴾ من طعام العبودية الذي يعيش القلوب، ويسقيني من شراب طهور التجلي ﴿ وإذا مرضت ﴾ بتعلقات الكونين ﴿ فهو يشفين ﴾ بالجذبة الإلهية ﴿ والذي يميتني ﴾ عن أوصاف البشرية ﴿ ثم يحيين ﴾ بأوصاف الروحانية ويميتني عن أوصاف الروحانية ثم يحيين بالأوصاف الربانية ثم يميتني عن أنانيتي ثم يحيين بهويته ﴿ والذي أطمع أن ﴾ يستر ظلمة خطيئة وجودي بطلوع شمس نهار الدين ﴿ رب هب لي ﴾ من ربوبيتك ﴿ حكماً ﴾ على بذل وجودي فيهويتك ﴿ وألحقني ﴾ بالذين صلحوا لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة.
﴿ واجعل لي لسان صدق في الآخرين ﴾ من النفس وصفاتها ليعرضوا عما سوى الله ﴿ واغفر لأبي ﴾ الروح ﴿ إنه كان من الضالين ﴾ حين رد من العالم العلوي إلى السفلي من قولهم "ضل الماء في اللبن" ﴿ ولا تخزني ﴾ بتعلقات الكونين ﴿ قال نوح ﴾ القلب ﴿ وما علمي بما كانوا يعملون ﴾ يعني أراذل الجسد والأعضاء لأنهم عملة عالم الشهادة وأنا من عملة عالم الغيب ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ فيما يعملون من الأعمال الحيوانية لحاجة ضرورية يعفو عنها والشهوة حيوانية يؤاخذهم بها ﴿ لو تشعرون ﴾ الفرق بينهما ﴿ قالوا ﴾ أي النفس وصفاتها ﴿ لئن لم تنته يا نوح ﴾ القلب عما تدعونا إليه على خلاف إرادتنا ﴿ لنكونن من المرجومين ﴾ بأحجار الوساوس والهواجس ﴿ في الفلك المشحون ﴾ أي في فلك الشريعة المملوء بالأوامر والنواهي والحكم والمواعظ والأسرار والحقائق ﴿ ثم أغرقنا الباقين ﴾ بطوفان استيلاء الأخلاق الذميمة وآفات الدنيا الدنية، وباقي القصص إشارات إلى رسول القلب المسلم من الله وقومه النفس وصفاتها وإليه المرجع والمآب لما قررناه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ﴾ ، وذكر في حرف ابن مسعود وأبي: ﴿ وقربت الجحيم الضالين ﴾ وفي هذه [القراءة] الظاهرة: بُرِّزَتْ: أُظْهِرَتْ.
وقوله: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ في الدنيا، أي: ثم يقال لهم: أين ما كنتم تعبدون من دون الله في الدنيا، هل ينصرونكم ويمنعونكم من عذاب الله، أو ينتصرون هم من العذاب؟!
لأنهم يطرحون جميعاً العابد والمعبود في النار؛ كقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ ، وإنما قالوا ذلك لهم؛ لأنهم كانوا يقولون في الدنيا ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، فيقال لهم مقابل ذلك في الآخرة: ﴿ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ ﴾ الآية.
وقوله: ﴿ فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ ﴾ : قال الزجاج: هو من كب، أي: كبوا، لكن ذكر كبكبوا على التكرار والإعادة مرة بعد مرة، أي: يكبون لم يزل عملهم ذلك، أو كلام نحو هذا.
وقال القتبي: ﴿ فَكُبْكِبُواْ فِيهَا ﴾ : ألقوا على رءوسهم، وقذفوا.
وأصل الحرف كبوا، من ذلك كببت الإناء، فأبدلت مكان الباء الكاف، وهو الطرح والإلقاء على الوجوه؛ يقال: كبكبتهم أي: طرحتهم في النار أو في البئر، هو من قوله: ﴿ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ ﴾ .
﴿ وَٱلْغَاوُونَ ﴾ : قيل: الضالون، يقال: غوى يغوى غيا وغواية فهو غاوٍ، أي: ضل؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.
وقال أبو معاذ: ﴿ فَكُبْكِبُواْ ﴾ : أصله: كبوا.
وقال بعضهم: جمعوا فيها: ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ وَٱلْغَاوُونَ ﴾ هم الشياطين، ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ ﴾ : ذريته، أي: الشياطين الذين أضلوا بني آدم؛ وهو قول قتادة.
وقال بعضهم: ﴿ وَٱلْغَاوُونَ ﴾ : هم كفار الجن، ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ ﴾ هم الشياطين.
وقال بعضهم: ﴿ وَٱلْغَاوُونَ ﴾ : هم الأئمة من الكفار، ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ ﴾ : سائر الكفار أتباعهم وذريتهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ﴾ : ذكر أنهم يختصمون في النار، ولم يذكر فيم يكون خصومتهم؟
فجائز أن يكون في آية أخرى: ﴿ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، وقوله: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ ﴾ الآية [ص: 61]، وقوله: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً ﴾ الآية [الأعراف: 38]، وأمثاله من المجادلات التي تجري فيما بين الأتباع والمتبوعين.
وقال بعضهم: اختصامهم ما ذكر على أثره، قال: ﴿ تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ الآية؛ هذه مخاصمتهم.
وقوله: ﴿ تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : فإن كان قولهم هذا للأصنام التي عبدوها، وذلك في تسميتهم آلهة، وجعلهم العبادة لها يسوونها برب العالمين في التسمية والعبادة.
وإن كان قولهم هذا للشياطين، فهو في اتباعهم أمرهم ودعاهم الذي دعوهم، وإلا لا أحد من الكفرة يقصد قصد عبادة الشيطان أو يسميه: إلها، ولكن على ما ذكرنا من متابعتهم أمرهم.
وفي حرف ابن مسعود: ﴿ إذ نسويكم برب العالمين إذ كنا نشرككم برب العالمين ﴾ .
وقال بعضهم: إذ كنا نطيعكم كما نطيع رب العالمين.
وقال بعضهم: إذ نعدلكم برب العالمين؛ وبعضه قريب من بعض.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ أي: ما أضلنا إلا أوائلنا؛ وكذلك في حرف ابن مسعود: ﴿ وما أضلنا إلا الأولون ﴾ .
وتأويل هذا: أنهم لما رأوا الأولين تركوا على ما كانوا عليه من الكفر والشرك، ولم يعذبوا في الدنيا ولا أصابتهم نقمة - ظنوا أنهم أمروا بذلك، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
وقوله: ﴿ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ ﴾ : لأنهم قالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ فلم يشفعوا لهم، أي: ليست لنا شفعاء يشفعون، ولو كانت لهم شفعاء لا تنفعهم شفاعتهم، على ما قال: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ ، وهو ما قال: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ ﴾ ، ليس أنه كان ينفعهم فعلى ذلك هذا.
وقوله: ﴿ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ : الحميم: القريب، أي: ليس لهم حميم يهتم بأمرهم.
وقوله: ﴿ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً ﴾ أي: لو أن لنا رجعة إلى المحنة فنكون من المؤمنين، فأخبر الله أنهم لو ردوا لعادوا بقوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ ﴾ إلى ما كانوا فيه لما نهوا عنه، وقد ذكرناه.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ ما ذكرنا من الأخبار والأنباء لآية وعبرة لمن اعتبروا.
﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ : قال بعضهم: لو كان أكثرهم مؤمنين ما عذبوا في الدنيا.
وجائز أن يكون لو ردوا إلى المحنة التي سألوا الرجعة إليها، ما كان أكثرهم مؤمنين.
وجائز أن يكون نفر منهم، والله أعلم.
﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : قد ذكرناه.
<div class="verse-tafsir"
فَرُمِي بعضهم في الجحيم فوق بعض هم ومن أضلوهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.Oo3Ov"