الآية ٧٠ من سورة ص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 38 ص > الآية ٧٠ من سورة ص

إِن يُوحَىٰٓ إِلَىَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ ٧٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٠ من سورة ص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٠ من سورة ص عند المفسرين

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل يا محمد لمشركي قريش: ما يوحي الله إليّ علم ما لا علم لي به, من نحو العلم بالملأ الأعلى واختصامهم في أمر آدم إذا أراد خلقه, إلا لأني إنما أنا نذير مبين;" فإنما " على هذا التأويل في موضع خفض على قول من كان يرى أن مثل هذا الحرف الذي ذكرنا لا بد له من حرف خافض, فسواء إسقاط خافضه منه وإثباته.

وإما على قول من رأى أن مثل هذا ينصب إذا أسقط منه الخافض, فإنه على مذهبه نصب, وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقد يتجه لهذا الكلام وجه آخر, وهو أن يكون معناه: ما يوحي الله إلى إنذاركم.

وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى, كانت " أنما " في موضع رفع, لأن الكلام يصير حينئذ بمعنى: ما يوحى إلي إلا الإنذار.

قوله ( إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) يقول: إلا أني نذير لكم مبين لكم إلا إنذاركم.

وقيل: إلا أنما أنا, ولم يقل: إلا أنما أنك, والخبر من محمد عن الله, لأن الوحْي قول, فصار في معنى الحكاية, كما يقال في الكلام: أخبروني أني مسيء, وأخبروني أنك مسيء بمعنى واحد, كما قال الشاعر: رَجُــلانِ مِــنْ ضَبَّــةَ أخْبَرَانـا أنَّـــا رأيْنــا رَجُــلا عُرْيانــا (1) بمعنى: أخبرانا أنهما رأيا, وجاز ذلك لأن الخبر أصله حكاية.

------------------------ الهوامش: (1) هذا البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 282 ) قال : وقوله" إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير مبين" : إن شئت جعلت" أنما" في موضع رفع ( نائب فاعل بيوحى ) كأنك قلت : ما يوحى إلي إلا الإنذار ، وإن شئت جعلت المعنى : ما يوحى إلي لأني نبي ونذير .

فإذا ألقيت اللام كان موضع" إنما" نصبا ،ويكون في هذا الموضع ما يوحى إلي إلا أنك نذير مبين ، لأن المعنى حكاية ، كما تقول في الكلام : أخبروني أني مسيء ، وأخبروني أنك مسيء .

وهو كقوله :" رجلان من ضبة ....

البيت" .

والمعنى : أخبرانا أنهما رأيا ، فجاز ذلك لأن أصله الحكاية أ هـ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين أي إن يوحى إلي إلا الإنذار .

وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " إلا إنما " بكسر الهمزة ; لأن الوحي قول ، كأنه قال : يقال لي إنما أنت نذير مبين ، ومن فتحها جعلها في موضع رفع ; لأنها اسم ما لم يسم فاعله .

قال الفراء : كأنك قلت : ما يوحى إلي إلا الإنذار ، النحاس : ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى إلا لأنما .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ } أي: ظاهر النذارة، جليها، فلا نذير أبلغ من نذارته صلى اللّه عليه وسلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين ) قال الفراء : إن شئت جعلت " أنما " في موضع رفع ، أي : ما يوحى إلي إلا الإنذار ، وإن شئت جعلت المعنى : ما يوحى إلي إلا أني نذير مبين .

وقرأ أبو جعفر : " إنما " بكسر الألف ؛ لأن الوحي قول .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني ، حدثنا أبو جعفر الرياني ، حدثنا حميد بن زنجويه ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر ، قال مر بنا خالد بن اللجلاج ، فدعاه مكحول فقال : يا إبراهيم حدثنا حديث عبد الرحمن بن عائش ، قال : سمعت عبد الرحمن بن عائش الحضرمي يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " رأيت ربي - عز وجل - في أحسن صورة ، فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد ؟

قلت : أنت أعلم أي رب ، مرتين ، قال : فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي ، فعلمت ما في السماء والأرض " .

قال : ثم تلا هذه الآية " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين " ( الأنعام : 75 ) ثم قال : فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد ؟

قلت : في الكفارات ، قال : وما هن ؟

قلت : المشي على الأقدام إلى الجماعات ، والجلوس في المساجد خلف الصلوات ، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكاره ، قال : ومن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ، ويكن من خطيئته كيوم ولدته أمه ، ومن الدرجات إطعام الطعام ، وبذل السلام ، وأن يقوم بالليل والناس نيام .

قال : قل اللهم إني أسألك الطيبات ، وترك المنكرات ، وحب المساكين ، وأن تغفر لي ، وترحمني ، وتتوب علي ، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تعلموهن ، فوالذي نفس محمد بيده إنهن لحق " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن» ما «يوحى إليَّ إلا أنما أنا» أي أني «نذير مبين» بيَّن الإنذار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما يوحي الله إليَّ مِن عِلْم ما لا علم لي به إلا لأني نذير لكم من عذابه، مبيِّن لكم شرعه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وجملة ( إِن يوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال ، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل .و " إن " نافية ونائب فاعل " يوحى " ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق .

وهو شأن الملأ الأعلى ، و " أنما " بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل .أى : ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى ، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى في أول السورة أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما دعا الناس إلى أنه لا إله إلا الله واحد، وإلى أنه رسول مبين من عند الله، وإلى أن القول بالقيامة حق، فأولئك الكفار أظهروا السفاهة وقالوا إنه ساحر كذاب واستهزؤا بقوله، ثم إنه تعالى ذكر قصص الأنبياء لوجهين: الأول: ليصير ذلك حاملاً لمحمد صلى الله عليه وسلم على التأسي بالأنبياء عليهم السلام في الصبر على سفاهة القوم والثاني: ليصير ذلك رادعاً للكفار على الإصرار على الكفر والسفاهة وداعياً إلى قبول الإيمان، ولما تمم الله تعالى هذه البيانات عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أول السورة وهي تقدير التوحيد والنبوة والبعث، فقال قل يا محمد إنما أنا منذر ولا بد من الإقرار بأنه ما من إله إلا الله الواحد القهار، فإن الترتيب الصحيح أن تذكر شبهات الخصوم أولاً ويجاب عنها ثم نذكر عقيبها الدلائل الدالة على صحة المطلوب، فكذا هاهنا أجاب الله تعالى عن شبهتهم ونبه على فساد كلماتهم، ثم ذكر عقيبه ما يدل على صحة هذه المطالب، لأن إزالة ما لا ينبغي مقدمة على إثبات ما ينبغي، وغسل اللوح من النقوش الفاسدة مقدم على كتب النقوش الصحيحة فيه، ومن نظر في هذا الترتيب اعترف بأن الكلام من أول السورة إلى آخرها قد جاء على أحسن وجوه الترتيب والنظم.

أما قوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ ﴾ يعني أبلغ أحوال عقاب من أنكر التوحيد والنبوة والمعاد، وأحوال ثواب من أقربها، وكما بدأ في أول السورة بأدلة التوحيد حيث حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا  ﴾ فكذلك بدأ هاهنا بتقرير التوحيد فقال: ﴿ وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله الواحد القهار ﴾ وفي هذه الكلمة إشارة إلى الدليل الدال على كونه منزهاً عن الشريك والنظير، وبيانه أن الذي يجعل شريكاً له في الإلهية، إما أن يكون موجوداً قادراً على الإطلاق على التصرف في العالم أو لا يكون كذلك، بل يكون جماداً عاجزاً والأول: باطل لأنه لو كان شريكه قادراً على الإطلاق لم يكن هو قادراً قاهراً، لأن بتقدير أن يريد هو شيئاً ويريد شريكه ضد ذلك الشيء لم يكن حصول أحد الأمرين أولى من الآخر، فيفضي إلى اندفاع كل واحد منهما بالآخر، وحينئذ لا يكون قادراً قاهراً بل كان عاجزاً ضعيفاً، والعاجز لا يصلح للإلهية، فقوله: ﴿ إلا الله الواحد القهار ﴾ إشارة إلى أن كونه قهاراً يدل على كونه واحداً وأما الثاني: وهو أن يقال إن الذي جعل شريكاً له لا يقدر على شيء ألبتة مثل هذه الأوثان، فهذا أيضاً فاسد لأن صريح العقل يحكم بأن عبادة الإله القادر القاهر أولى من عبادة الجماد الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً فقوله: ﴿ وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله الواحد القهار ﴾ يدل على هذه الدلائل، واعلم أن كونه سبحانه قهاراً مشعر بالترهيب والتخويف، فلما ذكر ذلك أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب فقال: ﴿ رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا العزيز الغفار ﴾ فكونه رباً مشعر بالتربية والإحسان والكرم والجود، وكونه غفاراً مشعر بالترغيب، وهذا الموجود هو الذي تجب عبادته، لأنه هو الذي يخشى عقابه ويرجى فضله وثوابه.

ونذكر طريقة أخرى في تفسير هذه الآيات، فنقول إنه تعالى ذكر من صفاته في هذا الموضع خمسة الواحد والقهار والرب والعزيز والغفار، أما كونه واحداً فهو الذي وقع الخلاف فيه بين أهل الحق وبين المشركين واستدل تعالى على كونه واحداً بكونه قهاراً وقد بينا وجه هذه الدلالة إلا أن كونه قهاراً وإن دل على إثبات الوحدانية إلا أنه يوجب الخوف الشديد فأردفه تعالى بذكر صفات ثلاثة دالة على الرحمة والفضل والكرم أولها: كونه رباً للسموات والأرض وما بينهما وهذا إنما تتم معرفته بالنظر في آثار حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض والعناصر الأربعة والمواليد الثلاثة، وذلك بحر لا ساحل له فإذا تأملت في آثار حكمته ورحمته في خلق هذه الأشياء عرفت حينئذ تربيته للكل وذلك يفيد الرجاء العظيم.

وثانيها: كونه عزيزاً والفائدة في ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومربي وكريم إلا أنه غير قادر على كل المقدورات، فأجاب عنه بأنه عزيز أي قادر على كل الممكنات فهو يغلب الكل ولا يغلبه شيء.

وثالثها: كونه غفاراً والفائدة في ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومحسن ولكنه يكون كذلك في حق المطيعين المخلصين في العبادة، فأجاب عنه بأن من بقي على الكفر سبعين سنة ثم تاب فإني أزيل اسمه عن ديوان المذنبين وأستر عليه بفضلي ورحمتي جميع ذنوبه وأوصله إلى درجات الأبرار، واعلم أنه تعالى لما بين ذلك قال: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ وهذا النبأ العظيم يحتمل وجوهاً فيمكن أن يكون المراد أن القول بأن الإله واحد نبأ عظيم، ويمكن أن يقال المراد أن القول بالنبوة نبأ عظيم، ويمكن أن يقال المراد أن القول بإثبات الحشر والنشر والقيامة نبأ عظيم، وذلك لأن هذه المطالب الثلاثة كانت مذكورة في أول السورة ولأجلها أنجز الكلام إلى كل ما سبق ذكره، ويمكن أيضاً أن يكون المراد كون القرآن معجزاً لأن هذا أيضاً قد تقدم ذكره في قوله: ﴿ كتاب أنزلناه إِلَيْكَ مبارك لّيَدَّبَّرُواْ ءاياته  ﴾ وهؤلاء الأقوام أعرضوا عنه على ما قال: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ واعلم أن قوله: ﴿ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ ترغيب في النظر والاستدلال ومنع من التقليد، لأن هذه المطالب مطالب شريفة عالية، فإن بتقدير أن يكون الإنسان فيها على الحق يفوز بأعظم أبواب السعادة، وبتقدير أن يكون الإنسان فيها على الباطل وقع في أعظم أبواب الشقاوة فكانت هذه المباحث أنباء عظيمة ومطالب عالية بهية، وصريح العقل يوجب على الإنسان أن يأتي فيها بالاحتياط التام وأن لا يكتفي بالمساهلة والمسامحة.

أما قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الأعلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ فاعلم أنه تعالى رغب المكلفين في الاحتياط في هذه المسائل الأربعة، وبالغ في ذلك الترغيب من وجوه: الأول: أن كل واحد منها نبأ عظيم، والنبأ العظيم يجب الاحتياط فيه الثاني: أن الملأ الأعلى اختصموا وأحسن ما قيل فيه أنه تعالى لما قال: ﴿ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ والمعنى أنهم قالوا أي فائدة في خلق البشر مع أنهم يشتغلون بقضاء الشهوة وهو المراد من قوله: ﴿ مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ وبإمضاء الغضب وهو المراد من قوله: ﴿ وَيَسْفِكُ الدماء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وتقرير هذا الجواب، والله أعلم، أن يقال إن المخلوقات بحسب القسمة العقلية على أقسام أربعة: أحدها: الذين حصل لهم العقل والحكمة، ولم تحصل لهم النفس والشهوة وهم الملائكة فقط ثانيها: الذين حصل لهم النفس والشهوة، ولم يحصل لهم العلم والحكمة وهي البهائم.

وثالثها: الأشياء الخالية عن القسمين، وهي الجمادات وبقي في التقسيم قسم رابع: وهو الذي حصل فيه الأمران وهو الإنسان والمقصود من تخليق الإنسان ليس هو الجهل والتقليد والتكبر والتمرد فإن كل ذلك صفات البهائم والسباع بل المقصود من تخليقه ظهور العلم والحكمة والطاعة، فقوله: ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ يعني أن هذا النوع من المخلوقات، وإن حصلت فيه الشهوة الداعية إلى الفساد والغضب الحامل له على سفك الدماء، لكن حصل فيه العقل الذي يدعوه إلى المعرفة والمحبة والطاعة والخدمة، وإذا ثبت أنه تعالى إنما أجاب الملائكة بهذا الجواب وجب على الإنسان أن يسعى في تحصيل هذه الصفات، وأن يجتهد في اكتسابها، وأن يحترز عن طريقة الجهل والتقليد والإصرار والتكبر، وإذا كان كذلك فكل من وقف على كيفية هذه الواقعة صار وقوفه عليها داعياً له إلى الجد والاجتهاد في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة زاجراً له عن أضدادها ومقابلاتها، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذا الكلام في هذا المقام.

فإن قيل الملائكة لا يجوز أن يقال إنهم اختصموا بسبب قولهم: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء  ﴾ فإن المخاصمة مع الله كفر، قلنا لا شك أنه جرى هناك سؤال وجواب، وذلك يشابه المخاصمة والمناظرة والمشابهة علة لجواز المجاز، فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه، ولما أمر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم لم يذكر هذا الكلام على سبيل الرمز أمره أن يقول: ﴿ إِن يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ يعني أنا ما عرفت هذه المخاصمة إلا بالوحي، وإنما أوحى الله إليّ هذه القصة لأنذركم بها ولتصير هذه القصة حاملة لكم على الإخلاص في الطاعة والاحتراز عن الجهل والتقليد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ أي: هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولاً منذراً وأن الله واحد لا شريك له: نبأ عظيم لا يعرض عن مثله إلاّ غافل شديد الغفلة.

ثم احتج لصحة نبوّته بأنّ ما ينبئ به على الملأ الأعلى واختصامهم أمر ما كان له به من علم قط، ثم علمه ولم يسلك الطريق الذي يسلكه الناس في علم ما لم يعلموا، وهو الأخذ من أهل العلم وقراءة الكتب، فعلم أنّ ذلك لم يحصل إلا بالوحي من الله ﴿ إِن يوحى إِلَىَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ ﴾ أي: لأنما أنا نذير.

ومعناه: ما يوحى إليّ إلا للإنذار، فحذف اللام وانتصب بإفضاء الفعل إليه.

ويجوز أن يرتفع على معنى: ما يوحى إليّ إلاّ هذا، وهو أن أنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك، أي ما أومر إلاّ بهذا الأمر وحده، وليس إليّ غير ذلك.

وقرئ: ﴿ إنما ﴾ بالكسر على الحكاية، أي: إلاّ هذا القول، وهو أن أقول لكم: إنما أنا نذير مبين ولا أدعى شيئاً آخر.

وقيل: النبأ العظيم: قصص آدم عليه السلام والإنباء به من غير سماع من أحد، وعن ابن عباس: القرآن.

وعن الحسن: يوم القيامة.

فإن قلت: بم يتعلق ﴿ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ ؟

قلت: بمحذوف؛ لأن المعنى: ما كان لي من علم بكلام الملأ الأعلى وقت اختصامهم، و ﴿ إِذْ قَالَ ﴾ بدل من ﴿ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ .

فإن قلت: ما المراد بالملأ الأعلى؟

قلت: أصحاب القصة الملائكة وآدم وإبليس، لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم: فإن قلت: ما كان التقاول بينهم إنما كان بين الله تعالى وبينهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي قال لهم وقالوا له، فأنت بين أمرين: إما أن تقول الملأ الأعلى هؤلاء، وكان التقاول بينهم ولم يكن التقاول بينهم وإما أن تقول: التقاول كان بين الله وبينهم، فقد جعلته من الملأ الأعلى.

قلت: كانت مقاولة الله سبحانه بواسطة ملك، فكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط، فصحّ أن التقاول كان بين الملائكة وآدم وإبليس، وهم الملأ الأعلى.

والمراد بالاختصام: التقاول على ما سبق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ هُوَ ﴾ أيْ ما أنْبَأْتُكم بِهِ مِن أنِّي نَذِيرٌ مِن عُقُوبَةِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ وأنَّهُ واحِدٌ في أُلُوهِيَّتِهِ، وقِيلَ ما بَعْدَهُ مِن نَبَأِ آدَمَ.

﴿ نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ لِتَمادِي غَفْلَتِكم فَإنَّ العاقِلَ لا يُعْرِضُ عَنْ مَثَلِهِ كَيْفَ وقَدْ قامَتْ عَلَيْهِ الحُجَجُ الواضِحَةُ، أمّا عَلى التَّوْحِيدِ فَما مَرَّ، وأمّا عَلى النُّبُوَّةِ فَقَوْلُهُ: ﴿ ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ فَإنَّ إخْبارَهُ عَنْ تَقاوُلِ المَلائِكَةِ وما جَرى بَيْنَهم عَلى ما ورَدَ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ مِن غَيْرِ سَماعٍ ومُطالَعَةِ كِتابٍ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بِالوَحْيِ، وإذْ مُتَعَلِّقٌ بِـ عِلْمٍ أوْ بِمَحْذُوفٍ إذِ التَّقْدِيرُ مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى.

﴿ إنْ يُوحى إلَيَّ إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ لِأنَّما كَأنَّهُ لَمّا جَوَّزَ أنَّ الوَحْيَ يَأْتِيهِ بَيَّنَ بِذَلِكَ ما هو المَقْصُودُ بِهِ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما أنا مُنْذِرٌ ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِإسْنادٍ يُوحى إلَيْهِ، وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِن يوحى إِلَىَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي لأنما أنا نذير مبين ومعناه

مايوحى إلي إلا للإنذار فحذف اللام وانتصب بإفضاء الفعل إليه ويجوز أن يرتفع على معنى ما يوحى إلي إلا هذا وهو أن أنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك أي ما أمر إلا بهذا الأمر وحده وليس لي غير ذلك وبكسر إِنَّمَا يزيد على الحكاية أي إلا هذا القول وهو أن أقول لكم إنما أنا نذير مبين ولا أدعي شيئاً آخر وقيل النبأ العظيم قصص آدم والأنبياء به من غير سماع من أحد وعن ابن عباس رضى الله عنهما القرآن وعن الحسن يوم القيامة والمراد بالملإ الأعلى أصحاب القصة الملائكة وآدم وإبليس لأنهم كانوا فى السماء وكان التقاول بينهم وإذ يَخْتَصِمُونَ متعلق بمحذوف إذ المعنى ما كان لي من علم بكلام الملإ الأعلى وقت اختصامهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يُوحى إلَيَّ إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَ إجْمالِ اخْتِصامِهِمْ وتَفْصِيلِهِ تَقْرِيرًا لِثُبُوتِ عِلْمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَعْيِينًا لِسَبَبِهِ، إلّا أنَّ بَيانَ انْتِفائِهِ فِيما سَبَقَ لِما كانَ مُنْبِئًا عَنْ ثُبُوتِهِ الآنَ، ومِنَ البَيِّنِ عَدَمُ مُلابَسَتِهِ  بِشَيْءٍ مِن مَبادِئِهِ المَعْهُودَةِ تُعَيِّنُ أنَّهُ لَيْسَ إلّا بِطَرِيقِ الوَحْيِ حَتْمًا، فَجُعِلَ ذَلِكَ أمْرًا مُسَلَّمَ الثُّبُوتِ غَنِيًّا عَنِ الإخْبارِ بِهِ قَصْدًا، وجُعِلَ مَصَبُّ الفائِدَةِ إخْبارُهُ بِما هو داعٍ إلى الوَحْيِ ومُصَحِّحٌ لَهُ، فالقائِمُ مَقامَ الفاعِلِ (لِيُوحى) إمّا ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى الحالِ المُقَدَّرِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا، أوْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ، فالمَعْنى ما يُوحى إلَيَّ حالُ المَلَإ الأعْلى، أوْ ما يُوحى إلَيَّ الَّذِي يُوحى مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُهم لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا لِأنِّي نَذِيرٌ مُبِينٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، فَإنَّ كَوْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَذَلِكَ مِن دَواعِي الوَحْيِ إلَيْهِ ومُصَحِّحاتِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ عائِدًا إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿ يُوحى ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ الإيحاءُ إلَيَّ بِحالِ المَلَإ الأعْلى، أوْ بِشَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُهم لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا لِأنِّي إلَخْ.

وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُ الجارِّ والمَجْرُورِ نائِبَ الفاعِلِ، ”وأنما“ عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ، قالَ في الكَشْفِ: ومَعْنى الحَصْرِ أنَّهُ  لَمْ يُوحَ إلَيْهِ لِأمْرٍ إلّا لِأنَّهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، وأيُّ مُبِينٍ، كَقَوْلِكَ: لَمْ تَسْتَقْضِ يا فُلانُ إلّا لِأنَّكَ عالِمٌ عامِلٌ مُرْشِدٌ.

وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ بَعْدَ حَذْفِ اللّامِ مَقامًا مَقامُ الفاعِلِ، ومَعْنى الحَصْرِ أنِّي لَمْ أُومَرْ إلّا بِهَذا الأمْرِ وحْدَهُ، ولَيْسَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ الأمْرُ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ الأوامِرِ، إمّا تَضَمُّنًا، وإمّا التِزامًا، أوْ لَمْ أُومَرْ إلّا بِإنْذارِكم لا بِهِدايَتِكم وصَدِّكم عَنِ العِنادِ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيَّ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْفَقُ بِحالِ الِاعْتِراضِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَيْسَ أجْنَبِيًّا عَنْ إدْراكِ اللَّطائِفِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (إنَّما) بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ أيْ ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، وإيحاؤُها إلَيْهِ أمْرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَقُولَها، وحاصِلُ مَعْنى الحَصْرِ قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ آنِفًا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ: لَمْ أُومَرْ إلّا بِأنْ أقُولَ لَكم هَذا القَوْلَ دُونَ أنْ أقُولَ: أعْلَمُ الغَيْبَ بِدُونِ وحْيٍ مَثَلًا، فَتَدَبَّرْ، ولا تَغْفُلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنْ يُوحى إِلَيَّ يعني: ما يوحي إليَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ إِلاَّ أَنا رسول بيّن.

ثم قال عز وجل: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ يعني: آدم فَإِذا سَوَّيْتُهُ يعني: جمعت خلقه وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي يعني: وجعلت الروح فيه فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ يعني: اسجدوا له فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ يعني: سجدوا كلهم دفعة واحدة إِلَّا إِبْلِيسَ أبى عن السجود اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ يعني: وصار من الكافرين قالَ يَا إِبْلِيسُ ما منعك يعني: يا خبيث مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ يعني: الذي خلقته بيدي قال بعضهم نؤمن بهذه الآية ونقرؤها، ولا نعرف تفسيرها.

يعني: قوله: بِيَدَيَّ يعني: الذي خلقت بيدي.

وقال بعضهم: تفسيرها كما قال الله تعالى: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.

ولا نفسر اليد.

ونقول: يد لا كالأيدي.

وهذا قول أهل السنة والجماعة.

وقال بعضهم: نفسرها بما يليق من صفات الله تعالى.

يعني: خلقه بقدرته، وقوته، وإرادته.

فإن قيل: قد خلق الله عز وجل سائر الأشياء بقوته، وقدرته، وإرادته.

فما الفائدة في التخصيص هنا؟

قيل له: قد ذكر اليد في خلق سائر الأشياء أيضاً، وهو قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً [يس: 71] ويقال: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أي: بقوتي.

قوة العلم، وقوة القدرة.

ويقال: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أي: بماء السماء، وتراب الأرض، كقوله: آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [آل عمران: 59] وكما قال-  -: «خَلَقَ الله تَعَالَى الخَلْقَ مِنْ مَاءٍ» وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل حرف منها ظهر وبطن.

وكذلك الأخبار قد جاء فيها أيضاً ما له ظهر وبطن.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «لاَ تَقُولُوا فَلاَنٌ قَبِيح فَإِن الله عز وجل خلق آدم على صورته» .

ومن قال: إن لله تعالى صورة كصورة آدم فهو كافر، ولكن المعنى في الخبر، كما روي عن بعض المتقدمين أنه قال: إن الله تبارك وتعالى اختار من الصور صورة، وخلق آدم-  - بتلك الصورة، فمن ذلك قال: «إنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُوَرتِهِ» ، أي: على تلك الصورة التي اختارها الله.

روى شبل عن ابن كثير أنه قرأ: بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ موصولة الألف، وقراءة العامة بقطع الألف على الاستفهام، بدليل قوله عز وجل: أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ومن قرأ موصولة، فهو على معنى الوجوب.

وتكون أَمْ بمعنى بل، أَسْتَكْبَرْتَ يعني: تعظمت عن السجود أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ يعني: بل كنت من العالين، من المخالفين لأمري.

قالَ إبليس: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.

قوله عز وجل: قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وقد ذكرناه من قبل قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ يقال: معناه قولي الحق.

وأقول: الحق.

قرأ حمزة وعاصم فَالْحَقُّ بالضم القاف.

وقرأ الباقون، واتفقوا في الثاني أنه بالنصب.

فمن قرأ بالضم فمعناه: أنا الحق، والحق أقول.

ويقال: فمعناه: فالحق مني، والحق أقول.

ويقال: معناه فقولنا الحق، وأقول الحق لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ومن قرأ بالنصب فهو على معنى الإغراء.

يعني: الزموا الحق، واتبعوا الحق.

ثم قال: وَالْحَقَّ أَقُولُ يعني: وأقول الحق كقوله عز وجل: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: 122] .

ثم قال عز وجل: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ يعني: من ذريتك، وممن تبعك في دينك.

قُلْ يا محمد ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يعني: على الذي أتيتكم به من القرآن من أجر، ولكن أعلمكم بغير أجر وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ يعني: ما أتيتكم به من قبل نفسي، وما تكلفته مِن تِلْقَآءِ نفسي، إِنْ هُوَ يعني: ما هذا القرآن إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ يعني: إلا عظة للجن، والإنس، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ يعني: خبر هذا القرآن أنه حق بعد حين.

يعني: بعد الموت.

ويقال: بعد الإسلام.

ويقال: بعد ظهور الإسلام، والله أعلم بالصواب.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بقوله تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ إلى التوحيد والمَعَادِ، فهي إلى القرآن وجميعِ ما تَضَمَّنَ، وعِظَمُهُ أنَّ التصديقَ بهِ نجاةٌ والتكذيبُ به هَلَكَةٌ، ووبَّخَهُمْ بقوله: أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ، ثم أمر ع أن يقولَ محتجًّا على صِحَّةِ رسالتِه: «مَا كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى لولا أنْ اللَّه أخْبَرَنِي بذلك» والملأ الأعلى أَرَادَ بِهِ: الملائكةَ، واخْتُلِفَ في الشَّيْءِ الذي هُوَ اخْتِصَامُهُمْ فِيه فقالت فرقةٌ: اختصامهم في شأن آدَمَ: كقولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [البقرة: ٣٠] وَيَدُلُّ على ذلك ما يأتي من الآياتِ، وقالت فرقة: بل اختصَامُهم في الكفَّارَاتِ وَغَفْرِ الذُّنُوبِ، ونحوه فإن العَبْدَ إذا فعل حسنَةً، اختلفت الملائكةُ في قَدْرِ ثوابِهِ في ذلك، حتى يَقْضِيَ اللَّهُ بما شاء، وروي في هذا حديثٌ فَسَّرَهُ ابنُ فُورَكَ يتضمَّنُ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالَ له ربُّهُ- عزَّ وجلَّ- في نومه: «أتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأعلى؟

قُلْتُ: لاَ، قَالَ: اختصموا في الْكَفَّارَاتِ والدَّرَجَاتِ، فَأَمَّا الكَفَّارَاتُ: فَإسْبَاغُ الوُضُوءِ في الغَدَوَاتِ البارِدَةِ، ونَقْلُ الأَقْدَامِ إلَى الجَمَاعَاتِ، وانتظار الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، وأَمَّا الدَّرَجَاتُ: فَإفْشَاءُ السَّلامِ، وَإطْعَامُ الطَّعَامِ، وَالصَّلاَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» الحديثِ «١» قال ابنُ العَرَبي في «أحكامِه» : وقَدْ رَوَاهُ الترمذيُّ صحيحاً، وفيه «قال: سَلْ قَالَ: اللَّهُمَّ، إنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِينِ، وأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً في قَوْمٍ، فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وأَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَعَمَلاً يُقَرِّبُ إلَيَّ حُبِّكَ» قال رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم: «إنّها حقّ فارسموها، ثم تعلّموها» ، انتهى.

وقوله: إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ قال الفراء: إن شئْتَ جَعَلْتَ «أَنَّما» في موضِعِ رفعِ، كأنَّهُ قَالَ: مَا يوحى إليَّ إلا الإنْذَارُ، أو: ما يوحى إلَيَّ إلا أَنِّي نَذِيرٌ مُبينٌ، انتهى، وهكذا قال أَبو حَيَّان «٢» : «إن» بمعنى: «ما» وباقي الآيةِ بَيِّنٌ مِمَّا تَقَدَّمَ في «البَقَرَةِ» وغيرِها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ النَّبَأُ: الخَبَرُ.

وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ أيْ: لا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَتَعْلَمُونَ صِدْقِي في نُبُوَّتِي، وأنَّ ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الأخْبارِ عَنِ قِصَصِ الماضِينَ لَمْ أعْلَمْهُ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ.

ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ في شَأْنِ آَدَمَ حِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً  ﴾ ؛ والمَعْنى: إنِّي ما عَلِمْتُ هَذا إلّا بِوَحْيٍ، ﴿ إنْ يُوحى إلَيَّ ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ ﴿ إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ ﴾ \[أيْ\]: إلّا أنِّي نَبِيٌّ أُنْذِرُكم وأُبَيِّنُ لَكم ما تَأْتُونَهُ وتَجْتَنِبُونَهُ.

﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "يَخْتَصِمُونَ"، وإنَّما اعْتَرَضَتْ تِلْكَ الآَيَةُ بَيْنَهُما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتَصَمُوا حِينَ شُووِرُوا في خَلْقِ آَدَمَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ، وهَذِهِ الخُصُومَةُ مِنهم إنَّما كانَتْ مُناظَرَةً بَيْنِهِمْ.

وفي مُناظَرَتِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها  ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوا: لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا إلّا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ، قالَهُ الحَسَنُ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ لِي: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟

قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ يا رَبِّ، قالَ: في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، فَأمّا الكَفّاراتُ، فَإسْباغُ الوُضُوءِ في السَّبَراتِ، ونَقْلِ الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ.

وأمّا الدَّرَجاتُ، فَإفْشاءُ السَّلامِ، وإطْعامُ الطَّعامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أسْتَكْبَرْتَ ﴾ أيْ: أسْتَكْبَرَتْ بِنَفْسِكَ حِينَ أبَيْتَ السُّجُودَ ﴿ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ ﴾ أيْ: مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ فَتَكَبَّرْتَ عَنِ السُّجُودِ لِكَوْنِكَ مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ أيْ: مَرْجُومٌ بِالذَّمِّ واللَّعْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ ﴾ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى، وهو حِينَ مَوْتِ الخَلائِقِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ يَمِينٌ بِمَعْنى: فَوَعِزَّتُكَ.

وما أخْلَلْنا بِهِ في هَذِهِ القِصَّةِ فَهو مَذْكُورٌ في [الأعْرافِ: ١٢] و [الحِجْرِ: ٣٤] وغَيْرِهِما مِمّا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ إلّا حَسْنُونُ عَنِ هُبَيْرَةَ، وحَمْزَةُ، وخَلْفٌ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "فالحَقُّ" بِالرَّفْعِ في الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْناهُ: فَأنا الحَقُّ وأقُولُ الحَقَّ؛ وقالَ غَيْرُهُ: خَبَرُ الحَقِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: الحَقُّ مِنِّي.

وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ أبِي عَمْرٍو بِالرَّفْعِ فِيهِما؛ قالَ الزَّجّاجُ: مِن رَفَعَهُما جَمِيعًا، كانَ المَعْنى فَأنا الحَقُّ والحَقُّ أقُولُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: بِالنَّصْبِ فِيهِما.

قالَ الفَرّاءُ: وهو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لَآَتِيَنَّكَ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: حَمْدًا لِلَّهِ.

وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: انْتَصَبَ الحَقُّ الأوَّلُّ عَلى الإغْراءِ، أيِ: اتَّبِعُوا الحَقَّ، واسْمَعُوا والزَمُوا الحَقَّ.

وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى القَسَمِ، كَما تَقُولُ: اللَّهَ لَأفْعَلَنَّ، فَتَنْصِبُ حِينَ حَذَفْتَ الجارَّ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَبِالحَقِّ؛ فَأمّا الحَقُّ الثّانِي، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلَ، وكَرَّرَهُ تَوْكِيدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "أقُولُ"، كَأنَّهُ قالَ: وأقُولُ الحَقَّ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، [والأعْمَشُ]: "فالحَقِّ" بِكَسْرِ القافِ "والحَقَّ" بِنَصْبِها.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ [الجَوْنِيُّ] بِكَسْرِ القافَيْنِ جَمِيعًا.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو نَهِيكٍ: "فالحَقَّ" بِالنَّصْبِ "والحَقُّ" بِالرَّفْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ وذَرِّيَّتِكَ.

﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ ﴾ أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿ وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ ﴾ أيْ: لَمْ أتَكَلَّفْ إتْيانَكم مِن قِبَلِ نَفْسِي، إنَّما أُمِرْتُ أنْ آَتِيَكُمْ، ولَمْ أقُلِ القُرْآَنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، إنَّما أُوحِيَ إلَيَّ.

﴿ إنْ هُوَ ﴾ أيْ: ما هُوَ، يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿ إلا ذِكْرٌ ﴾ أيْ: مَوْعِظَةً ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ .

﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ ﴾ يا مُعاشِرَ الكُفّارِ ﴿ نَبَأهُ ﴾ أيْ: خَبَرَ صِدْقِ القُرْآَنِ ﴿ بَعْدَ حِينٍ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: بَعْدَ المَوْتِ.

والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ يَقُولُ قَتادَةُ، وبِالثّانِي يَقُولُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: مَن بَقِيَ إلى أنْ ظَهَرَ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ  عَلِمَ ذَلِكَ، ومَن ماتَ عِلْمُهُ بَعْدَ المَوْتِ.

وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ ﴿ إنْ يُوحى إلَيَّ إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ ﴾ ﴿ فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ﴾ ﴿ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴾ ﴿ إلا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ إلى التَوْحِيدِ والمَعادِ، فَهي إلى القُرْآنِ وجَمِيعِ ما تَضَمَّنَهُ وعْدُهُ أنَّ التَصْدِيقَ بِهِ نَجاةٌ والتَكْذِيبَ بِهِ هَلَكَةٌ.

وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ شُرَيْحًا اخْتَصَمَ إلَيْهِ أعْرابِيٌّ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ، فَأرادَ شُرَيْحٌ أنْ يُنَفِّذَ الحُكْمَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: أتَحْكُمُ عَلَيَّ بِالنَبَأِ؟

فَقالَ شُرَيْحٌ: نَعَمْ، إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ ، وقَرَأ الآيَةَ، وحَكَمَ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الجَوابُ مِن شُرَيْحٍ إنَّما هو بِحَسَبِ لَفْظِ الأعْرابِيِّ، ولَمْ يُحَرِّرْ مَعَهُ الكَلامَ، وإنَّما قَصَدَ إلى ما يَقْطَعُهُ بِهِ؛ لِأنَّ الأعْرابِيَّ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الشَهادَةِ والنَبَأِ، و"النَبَأُ" في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى: الخَبَرِ.

ووَبَّخَهم تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ.

﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ ، وهَذا احْتِجاجٌ لِصِحَّةِ أمْرِ مُحَمَّدٍ  كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذا أمْرٌ خَطِيرٌ، وأنْتُمْ تُعْرِضُونَ عنهُ مَعَ صِحَّتِهِ، ودَلِيلُ صِحَّتِهِ أنِّي أُخْبِرُكم فِيهِ بِغُيُوبٍ لَمْ تَأْتِ إلّا مِن عِنْدِ اللهِ، فَإنِّي لَمْ يَكُنْ لِي عِلْمٌ بِالمَلَأِ الأعْلى وقْتَ خُصُومَتِهِمْ لَوْلا أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَنِي بِذَلِكَ.

وأرادَ بِهِ المَلائِكَةَ، والضَمِيرُ في ﴿ "يَخْتَصِمُونَ" ﴾ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ هو لِلْمَلائِكَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الشَيْءِ الَّذِي هو اخْتِصامُهم فِيهِ، فَقالَتْ: فِرْقَةٌ اخْتِصامُهم في أمْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما يَأْتِي مِنَ الآياتِ، فَقَوْلُ المَلائِكَةِ: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِماءَ  ﴾ هو الِاخْتِصامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ اخْتِصامُهم في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُنُوبِ ونَحْوِهِ؛ فَإنَّ العَبْدَ إذا فَعَلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ بِما شاءَ، ووَرَدَ في هَذا حَدِيثٌ فَسَرَّهُ ابْنُ فُورَكَ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لَهُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ في نَوْمِهِ: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ؟

فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وهِيَ: إسْباغُ الوُضُوءِ في السَبَراتِ، ونَقْلُ الخُطى إلى الجَماعاتِ، الحَدِيثَ بِطُولِهِ، قالَ: "فَوَضَعَ اللهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتّى وجَدْتُ بَرْدَها بَيْنَ ثَدْيَيَّ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَتَفْسِيرُ هَذا الحَدِيثِ أنَّ اليَدَ هي نِعْمَةُ العِلْمِ، وقَوْلُهُ  : بَرْدَها، أيِ: السُرُورَ بِها والثَلَجَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ في الأمْرِ السارِّ: يا بَرْدَهُ عَلى الكَبِدِ، ونَحْوِ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "الصَلاةُ بِاللَيْلِ هي الغَنِيمَةُ البارِدَةُ"،» أيِ: السَهْلَةُ الَّتِي يُسَرُّ بِها الإنْسانُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِـ ﴿ بِالمَلإ الأعْلى ﴾ المَلائِكَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ مَقْطُوعٌ مِنهُ، مَعْناهُ: إذْ تَخْتَصِمُ العَرَبُ الكافِرَةُ في المَلَإ الأعْلى، فَيَقُولُ بَعْضُها: هي بَناتُ اللهِ، ويَقُولُ بَعْضُها: هي آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِـ " المَلَأ الأعْلى " قُرَيْشًا، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا يَتَقَوّى مِن جِهَةٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "إلا أنَّما" ﴾ بِفَتْحِ الألِفِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إلّا الإنْذارَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "إلّا إنَّما" عَلى الحِكايَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: "أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ"، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ أنا عالِمٌ؟

فَيُقالُ لَهُ: أنْتَ عالِمٌ، فَيَحْكِي المَعْنى.

و"إذْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ ﴾ بَدَلٌ مِن "إذْ" الأُولى، عَلى تَأْوِيلِ مَن رَأى الخُصُومَةَ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى الأقْوالِ الأُخْرى يَكُونُ العامِلُ في "إذْ" الثانِيَةِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ، و"البَشَرُ المَخْلُوقُ" هو آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ.

و"سَوَّيْتُهُ" يُرِيدُ بِهِ شَخْصَهُ.

و"نَفَخْتُ فِيهِ" عِبارَةٌ عن إجْراءِ الرُوحِ فِيهِ، وهي عِبارَةٌ عَلى نَحْوِ ما يُفْهَمُ مِن إجْراءِ الأشْياءِ بِالنَفْخِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن رُوحِي ﴾ هي إضافَةُ مِلْكٍ إلى مالِكٍ ؛ لِأنَّ الأرْواحَ كُلَّها هي مِلْكٌ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأضافَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ساجِدِينَ" ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى السُجُودِ المُتَعارَفِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: خاضِعِينَ، عَلى أصْلِ السُجُودِ في اللُغَةِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ المَلائِكَةَ بِأمْرِهِ سَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ فَإنَّهُ اسْتَكْبَرَ عَنِ السُجُودِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: وكانَ مِن أوَّلِ أمْرِهِ مِنَ الكافِرِينَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: ووُجِدَ عِنْدَ هَذِهِ الغَفْلَةِ مِنَ الكافِرِينَ، وعَلى القَوْلَيْنِ فَقَدْ حَكَمَ اللهُ عَلى إبْلِيسَ بِالكُفْرِ، وأخْبَرَ أنَّهُ كانَ قَدْ عَقَدَ قَلْبَهُ في وقْتِ الِامْتِناعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إعادة الأمر بالقَول هنا مستأنَفاً.

والعدولُ عن الإِتيان بحرف يعطف المقول أعني ﴿ هُوَ نَبؤٌا عَظِيمٌ ﴾ على المقول السابق أعني ﴿ أنا مُنذِرٌ ﴾ [ص: 65]، عدول يشعر بالاهتمام بالمقول هنا كي لا يؤتى به تابعاً لمقوللٍ آخر فيضعف تصدي السامعين لوعيه.

وجملة ﴿ قُلْ هو نبؤا عظيمٌ أنتُم عنه مُعرضونَ ﴾ يجوز أن تكون في موقع الاستئناف الابتدائي انتقالاً من غرض وصف أحوال أهل المحشر إلى غرض قصة خلق آدم وشقاء الشيطان، فيكون ضمير ﴿ هُوَ ﴾ ضميرَ شأن يفسره ما بعده وما يُبيّن به ما بعده من قوله: ﴿ إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين ﴾ [ص: 71] جعل هذا كالمقدمة للقصة تشويقاً لتلقّيها فيكون المراد بالنبأ نبأَ خَلق آدم وما جرى بعده، ويكون ضمير ﴿ يَخْتصِمُونَ ﴾ عائداً إلى الملأ الأعلى لأن الملأ جماعة.

ويراد بالاختصام الاختلاف الذي جرى بين الشيطان وبين من بلَّغ إليه من الملائكة أمرَ الله بالسجود لآدم، فالملائكة هم الملأ الأعلى وكان الشيطان بينهم فعُدّ منهم قبل أن يطرد من السماء.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ قُلْ هو نبؤا عظيمٌ ﴾ الخ تذييلاً للذي سبق من قوله: ﴿ وإنَّ للمتَّقينَ لحُسنَ مئابٍ ﴾ [ص: 49] إلى هنا، تذييلاً يشعر بالتنويه به وبطلب الإِقبال على التدبر فيه والاعتبار به.

وعليه يكون ضمير ﴿ هُوَ ﴾ ضميراً عائداً إلى الكلام السابق على تأويله بالمذكور فلذلك أُتِي لتعريفه بضمير المفرد.

والمراد بالنبأ: خبر الحشر وما أُعد فيه للمتقين من حسن مآب، وللطاغين من شر مآب، ومن سوء صحبة بعضهم لبعض، وتراشقهم بالتأنيب والخصام بينهم وهم في العذاب، وترددهم في سبب أن لم يجدوا معهم المؤمنين الذين كانوا يَعدّونهم من الأشرار.

ووصف النبأ ب ﴿ عَظِيمٌ ﴾ تهويل على نحو قوله تعالى: ﴿ عمَّ يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ﴾ [النبأ: 13].

وعظمة هذا النبأ بين الأنباء من نوعه من أنباء الشر مثل قوله: ﴿ فساد كبير ﴾ [الأنفال: 73]، فتم الكلام عند قوله تعالى: ﴿ أنتم عنه معرضون ﴾ .

فتكون جملة ﴿ ما كانَ لي مِن علم بالملأ الأعلى ﴾ إلى قوله: ﴿ نَذِيرٌ مبينٌ ﴾ استئنافاً للاستدلال على صدق النبأ بأنه وحي من الله ولولا أنه وحي لما كان للرسول صلى الله عليه وسلم قِبَل بمعرفة هذه الأحوال على حد قوله تعالى: ﴿ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ [آل عمران: 44]، ونظائر هذا الاستدلال كثيرة في القرآن.

وتكون جملة ﴿ إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً ﴾ [ص: 71] إلى آخره استئنافاً ابتدائياً.

وعلى هذا فضمير ﴿ يختصمون ﴾ عائد إلى أهل النار من قوله: ﴿ تخاصُمُ أهللِ النارِ ﴾ [ص: 64] إذ لا تخاصم بين أهل الملأ الأعلى.

والمعنى: ما كان لي من علم بعالَم الغيب وما يجري فيه من الإِخبار بما سيكون إذ يَختصم أهل النار في النار يوم القيامة.

وعلى كلا التفسيرين فمعنى ﴿ أنتُم عنهُ مُعْرِضُونَ ﴾ ، أنهم غافلون عن العلم به فقد أُعلموا بالنبأ بمعناه الأول وسيَعلَمون قريباً بالنبأ بمعناه الثاني.

وجيء بالجملة الاسمية في قوله: ﴿ أنتُم عنه معرِضُونَ ﴾ لإِفادة إثبات إعراضهم وتمكنه منهم، فأما إعراضهم عن النبأ بمعناه الأول فظاهر تمكنُه من نفوسهم لأنه طالما أنذرهم بعذاب الآخِرة ووصفه فلم يكترثوا بذلك ولا ارْعَوَوْا عن كفرهم.

وأما إعراضهم عن النبأ بمعناه الثاني، فتأويلُ تمكنه من نفوسهم عدم استعدادهم للاعتبار بمغزاهُ من تحقق أن ما هم فيه هو وسوسة من الشيطان قصداً للشَّرّ بهم.

ولعل هذه الآية من هذه السورة هي أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر قِصة خلق آدم وسجود الملائكة وإباء إبليس من السجود، فإن هذه السورة في ترتيب نزول سور القرآن لا يُوجد ذكر قصة آدم في سورة نزلت قبلَها.

فذلك وجهُ التوطئة للقصة بأساليب العناية والاهتمام مما خلا غيرُها عن مثله وبأنها نبأ كانوا معرضين عنه.

وأيًّا مَّا كان فقوله: ﴿ أنتُم عنْهُ مُعرِضُونَ ﴾ توبيخ لهم وتحميق.

وجملة ﴿ ما كَانَ لي من علممٍ بالملأ الأعلى إذ يختصمونَ ﴾ اعتراض إبلاغ في التوبيخ على الإِعراض عن النبأ العظيم، وحجة على تحقق النبأ بسبب أنه موحىً به من الله وليس للرسول صلى الله عليه وسلم سبيل إلى عمله لولا وحي الله إليه به.

وذكر فعل ﴿ كان ﴾ دال على أن المنفي علمه بذلك فيما مضى من الزمن قبل أن يوحى إليه بذلك كما قال تعالى: ﴿ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ [آل عمران: 44] وقوله: ﴿ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ﴾ [القصص: 44].

والباء في قوله: ﴿ بالمَلأ الأعلى ﴾ على كلا المعنيين للنبأ، لتعدية ﴿ عِلم ﴾ لتضمينه معنى الإِحاطة، وهو استعمال شائع في تعدية العلم.

ومنه ما في حديث سؤال الملكين في «الصحيح» فيقال له: ما علمك بهذا الرجل.

ويجوز على المعنى الثاني في النبأ أن تكون الباء ظرفية، أي ما كان لي علم كائن في الملأ الأعلى، أي ما كنت حاضراً في الملأ الأعلى فهي كالباء في قوله: ﴿ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأم ﴾ [القصص: 44].

والملأُ: الجماعة ذات الشأن، ووصفه ب ﴿ الأعلى ﴾ لأن المراد ملأُ السماوات وهم الملائكة ولهم علوّ حقيقي وعلوّ مجازيّ بمعنى الشرف.

و ﴿ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ ظرف متعلق بفعل ﴿ ما كانَ لي من عِلم ﴾ أي حين يختصم أهل الملأ الأعلى على أحد التأويلين، أي في حين تنازع الملائكة وإبليس في السماء.

والتعبير بالمضارع في موضع المضيّ لقصد استحضار الحالة، أو حين يختصم الطاغون وأتباعهم في النار بين يدي الملأ الأعلى، أي ملائكة النار أو ملائكة المحشر، والمضارع على أصله من الاستقبال.

والاختصام: افتعال من خَصمَه، إذا نازعه وخالفه فهو مبالغة في خَصَم.

وجملة ﴿ إن يوحى إليَّ إلاَّ أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ ﴾ مبيّنة لجملة ﴿ ما كانَ لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون ﴾ ، أي ما علمتُ بذلك النبأ إلا بوحي من الله وإنما أوحَى الله إليّ ذلك لأكون نذيراً مبيناً.

وقد رُكّبت هذه الجملة من طريقين للقصر: أحدهما طريق النفي والاستثناء، والآخر طريق ﴿ أَنما ﴾ المفتوحة الهمزة وهي أخت (إنما) المكسورة الهمزة في معانيها التي منها إفادة الحصر، ولا التفات إلى قول من نفوا إفادتها الحصر فإنها مركبة من (أنّ) المفتوحة الهمزة و(ما) الكافّة وليست (أنّ) المفتوحة الهمزة إلا (إِن) المكسورة تُغَيَّر كسرة همزتها إلى فتحة لتفيد معنىً مصدرياً مشرباً ب (أَنْ) المصدرية إشراباً بديعاً جعل شعاره فتح همزتها لتشابه (أَنْ) المصدرية في فتح الهمزة وتشابه (أَنَّ) في تشديد النون، وهذا من دقيق الوضع في اللغة العربية.

وتكون ﴿ أَنما ﴾ مفتوحةَ الهمزة إذا جعلت معمولة لعامل في الكلام.

والذي يقتضيه مقام الكلام هنا أن فتح همزة ﴿ أَنما ﴾ لأجل لام تعليل مقدرة مجرور بها ﴿ أنما ﴾ .

والتقدير: إلاّ لأَنما أنا نذير، أي إلا لعلّة الإِنذار، أي ما أوحي إلي نبأ الملأ الأعلى إلا لأنذركم به، أي ليس لمجرد القصص.

فالاستثناء من علل، وقد نُزِّل فعل ﴿ يوحى ﴾ منزلة اللازم، أي ما يوحى إلي وحيٌ فلا يقدّر له مفعول لقلة جدواه وإيثار جدوى تعليل الوحي.

وبهذا التقدير تكمل المناسبة بين موقع هذه الجملة وموقع جملة ﴿ ما كانَ لي مِن علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون ﴾ المبيّنة بها جملةُ ﴿ قُل هُوَ نبؤا عظيم أنتم عنه مُعرضون ﴾ ، إذ لا مناسبة لو جعل ﴿ أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ ﴾ مستثنى من نائب فاعل الوحي بأن يقدر: إن يوحى إليّ شيء إلا أنما أنا نذير مبين، أي ما يوحى إليّ شيء إلا كوني نذيراً، وإن كان ذلك التقدير قد يسبق إلى الوهم لكنه بالتأمل يتّضح رجحان تقدير العلة عليه.

فأفادت جملة ﴿ إن يوحى إليَّ أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ ﴾ حصر حكمة ما يأتيه من الوحي في حصول الإِنذار وحصر صفة الرسول صلى الله عليه وسلم في صفة النذارة، ويستلزم هذان الحصران حصراً ثالثاً، وهو أن إخبار القرآن وحي من الله وليست أساطير الأولين كما زعموا.

فحصل في هذه الجملة ثلاثة حصور: اثنان منها بصريح اللفظ، والثالث بكناية الكلام، وإلى هذا المعنى أشار قوله تعالى: ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ [القصص: 46].

وهذه الحصور: اثنان منها إضافيان، وهما قصر ما يوحى إليه على علة النذارة وقصر الرسول صلى الله عليه وسلم على صفة النذارة، وكلاهما قلب لاعتقادهم أنهم يسمعون القرآن ليتخذوه لعباً واعتقادهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ساحر أو مجنون.

وعلم من هذا أن ذكر نبأ خلق آدم قصد به الإِنذار من كيد الشيطان.

وقرأ أبو جعفر ﴿ إلاَّ إنَّما ﴾ بكسر همزة ﴿ إنما ﴾ على تقدير القول، أي ما يوحى إلا هذا الكلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القِيامَةُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْبَأنا بِها في كُتُبِهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: هو القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ.

﴿ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ أنْتُمْ بِهِ مُكَذِّبُونَ.

قالَ السُّدِّيُّ: يُرِيدُ بِهِ المُشْرِكِينَ.

وَفي تَسْمِيَتِهِ نَبَأً وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ اللَّهَ أنْبَأ بِهِ فَعَرَفْناهُ.

الثّانِي: لِأنَّ فِيهِ أنْباءَ الأوَّلِينَ.

وَفي وصْفِهِ بِأنَّهُ عَظِيمٌ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِعِظَمِ قَدْرِهِ وكَثْرَةِ مَنفَعَتِهِ.

الثّانِي: لِعَظِيمِ ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الزَّواجِرِ والأوامِرِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي المَلائِكَةَ.

﴿ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في قَوْلِهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها ﴾ الآيَةَ.

فَهَذِهِ الخُصُومَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ما رَواهُ أبُو الأشْهَبِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (سَألَنِي رَبِّي فَقالَ يا مُحَمَّدُ فِيمَ اخْتَصَمَ المَلَأُ الأعْلى؟

قُلْتُ في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، قالَ وما الكَفّاراتُ؟

قُلْتُ المَشْيُ عَلى الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وإسْباغُ الوُضُوءِ في السَّبَراتِ، والتَّعْقِيبُ في المَساجِدِ انْتِظارَ الصَّلَواتِ بَعْدَ الصَّلَواتِ.

قالَ وما الدَّرَجاتُ؟

قُلْتُ إفْشاءُ السَّلامِ وإطْعامُ الطَّعامِ والصَّلاةُ بِلَيْلٍ والنّاسُ نِيامٌ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو نصر السجزي في الابانة عن مجاهد في قوله: ﴿ قل هو نبأ عظيم ﴾ قال: القرآن.

وأخرج عبد بن حميد في الابانة ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن جرير عن قتادة ﴿ قل هو نبأ عظيم ﴾ قال: إنكم تراجعون نبأ عظيماً فأعقلوه عن الله ﴿ ما كان لي من علم بالملإِ الأعلى إذ يختصمون ﴾ قال: هم الملائكة عليهم السلام كانت خصومتهم في شأن آدم عليه السلام ﴿ إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ [ البقرة: 30] إلى قوله: ﴿ إني خالق بشراً من طين فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ﴾ [ البقرة: 30] ففي هذا اختصم الملأ الأعلى.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما كان لي من علم بالملإِ الأعلى ﴾ قال: الملائكة حين شووروا في خلق آدم عليه السلام فاختصموا فيه: قالوا أتجعل في الأرض خليفة.

وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما كان لي من علم بالملإِ الأعلى إذ يختصمون ﴾ قال: هي الخصومة في شأن آدم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قالوا: الله ورسوله أعلم قال: يختصمون في الكفارات الثلاث: اسباغ الوضوء في المكروهات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة» .

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه ومحمد بن نصر رضي الله عنه في كتاب الصلاة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني ربي الليلة في أحسن صورة أحسبه قال في المنام قال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قلت لا.

فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي أو في نحري، فعلمت ما في السموات وما في الأرض ثم قال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قلت: نعم.

في الكفارات، والمكث في المسجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، واسباغ الوضوء في المكاره، ومن فعل ذلك عاش بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقل يا محمد إذا صليت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون.

قال: والدرجات.

افشاء السلام، واطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام» .

وأخرج الترمذي وصححه ومحمد بن نصر والطبراني والحاكم وابن مردويه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعاً فثوّب بالصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سلم دعا بسوطه فقال: «على مصافكم كما أنتم.

ثم انفتل إلينا ثم قال: أما أني أحدثكم ما حبسني عنكم الغداة.

إني قمت الليلة، فقمت وصليت ما قدر لي، ونعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة فقال: يا محمد قلت لبيك ربي قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قلت: لا أدري..

!

فوضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلى لي كل شيء وعرفته فقال: يا محمد قلت لبيك رب قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قلت: في الدرجات، والكفارات، فقال: ما الدرجات؟

فقلت: اطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام.

قال: صدقت فما الكفارات؟

قلت: اسباغ الوضوء في المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ونقل الاقدام إلى الجماعات.

قال: صدقت قل يا محمد: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون.

اللهم إني أسألك حبك، وحب من أحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: تعلموهن وادرسوهن فانهن حق» .

وأخرج الطبراني في السنة وابن مردويه عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجلى لي في أحسن صورة فسألني فيم يختصم الملائكة؟

قلت: يا رب ما لي به علم.

فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي.

فما سألني عن شيء إلا علمته قلت: في الدرجات، والكفارات، واطعام الطعام، وافشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام» .

وأخرج الطبراني في السنة وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت ربي في أحسن صورة قال: يا محمد فقلت لبيك ربي وسعيدك ثلاث مرات.

قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قلت: لا.

فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، ففهمت الذي سألني عنه فقلت: نعم يا رب.

يختصمون في الدرجات، والكفارات.

قلت: الدرجات: اسباغ الوضوء بالسبرات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، والكفارات: اطعام الطعام، وافشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام» .

وأخرج الطبراني في السنة والشيرازي في الألقاب وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: أصبحنا يوماً فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرنا فقال: «أتاني ربي البارحة في منامي في أحسن صورة، فوضع يده بين ثدي وبين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعلمني كل شيء قال: يا محمد قلت: لبيك رب وسعديك قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قلت: نعم يا رب في الكفارات، والدرجات، قال: فما الكفارات؟

قلت: افشاء السلام، واطعام الطعام، والصلاة والناس نيام.

قال: فما الدرجات؟

قلت: اسباغ الوضوء في المكروهات، والمشي على الاقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة» .

وأخرج ابن نصر والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد فقلت: لبيك وسعديك.

قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قلت لا أدري!

فوضع يده بين ثديي، فعلمت في منامي ذلك ما سألني عنه من أمر الدنيا والآخرة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟

فقلت في الدرجات، والكفارات، فأما الدرجات: فاسباغ الوضوء في السبرات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة.

قال: صدقت من فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه.

وأما الكفارات: فاطعام الطعام، وافشاء السلام وطيب الكلام، والصلاة والناس نيام.

ثم قال: اللهم إني أسألك فعل الحسنات، وترك السيئات، وحب المساكين، ومغفرة وأن تتوب عليّ، وإذا أردت في قوم فتنة فنجني غير مفتون» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن طارق بن شهاب رضي الله عنه قال: «سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قال: في الدرجات، والكفارات.

فأما الدرجات: فاطعام الطعام، وافشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام.

وأما الكفارات: فاسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الاقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة» .

وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما سري بي إلى السماء السابعة قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟

فذكر الحديث» .

وأخرج الطبراني في السنة والخطيب عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما كان ليلة أسري بي رأيت ربي عز وجل في أحسن صورة فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قلت: في الكفارات، والدرجات.

قال: وما الكفارات؟

قلت: اسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الاقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، قال: فما الدرجات؟

قلت: اطعام الطعام، وافشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام.

ثم قال: قل...

قلت: فما أقول؟!

قال: قل اللهم إني أسألك عملاً بالحسنات، وترك المنكرات، وإذا أردت بقوم فتنة وأنا فيهم فاقبضني إليك غير مفتون» .

وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة والطبراني في السنة عن عبد الرحمن بن عابس الحضرمي رضي الله عنه قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة، فقال له قائل: ما رأيناك أسفر وجهاً منك الغداة؟

قال: وما لي لا أكون كذلك وقد رأيت ربي عز وجل في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟

فقلت: في الكفارات.

قال: وما هن؟

قلت: المشي على الاقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد لانتظار الصلوات، ووضع الوضوء أماكنه في المكان، قال: وفيم؟

قلت: في الدرجات.

قال: وما هن؟

قال: اطعام الطعام، وافشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام.

ثم قال: يا محمد قل اللهم إني أسألك الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين فوالذي نفسي بيده إنهن حق» .

وأخرج ابن نصر والطبراني في السنة عن ثوبان رضي الله عنه قال خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصبح فقال: «إن ربي عز وجل أتاني الليلة في أحسن صورة فقال لي: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟

فقلت: لا أعلم يا رب.

قال فوضع كفيه بين كتفي حتى وجدت أنامله في صدري، فتجلى لي بين السماء والأرض قلت: نعم يا رب يختصمون في الكفارات، والدرجات، قال: فما الدرجات؟

قلت: اطعام الطعام، وافشاء السلام، وقيام الليل والناس نيام.

وأما الكفارات: فمشي على الأقدام إلى الجماعات، واسباغ الوضوء في الكراهيات، وجلوس في المساجد خلف الصلوات.

ثم قال: يا محمد قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت في قوم فتنة فتوفني إليك وأنا غير مفتون.

اللهم إني أسألك حبك، وحب من أحبك، وحب عمل يبلغني إلى حبك» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الأعلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ الملأ الأعلى هم الملائكة ومقصد الآية الاحتجاج على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه أخبر بأمور لم يكن يعلمها قبل ذلك، والضمير في يختصمون للملأ الأعلى، واختصامهم هو في قصة آدم حين قال لهم: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً ﴾ [البقرة: 30] حسبما تضمنته قصته في مواضع من القرآن، وفي الحديث: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى فقال: لا أدري قال في الكفارات وهي إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد» الحديث بطوله، وقيل: الضمير في يختصمون للكفار: أي يختصمون في الملأ الأعلى فيقول بعضهم هم بنات الله، ويقول آخرون: هم آلهة تعبد، وهذا بعيد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مسني الشيطان ﴾ بسكون الياء: حمزة.

بنصب بضمتين: يزيد،وقرأ يعقوب بفتحتين، وقرأ هبيرة بالفتح والسكون.

والباقون: باضم والسكون ﴿ بخالصة ذكري ﴾ على الإضافة: أبو جعفر ونافع وهشام ﴿ عبدنا إبراهيم ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعلى هذا يكون إبراهيم وحده عطف بيان ﴿ ما يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ وغساق ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعليّ وخلف وحفص ﴿ أخر ﴾ بضم الهمزة على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل.

والباقون: بالمد على التوحيد.

﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة والتفخيم مثل ﴿ الأبرار ﴾ غير ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة ﴿ اتخذناهم ﴾ موصولة والابتداء بكسر الألف: ابو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

والآخرون: بفتح الهمزة على الاستفهام ﴿ ما كان لي ﴾ بفتح الياء: حفص ﴿ إلا إنما ﴾ بكسر الهمزة على الحكاية: يزيد ﴿ لعنتي إلى ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع ﴿ فالحق ﴾ بالرفع: حمزة وخلف وعاصم غير المفضل وهبيرة ويعقوب غير رويس.

الوقوف: ﴿ أيوب ﴾ م لا إذا جعل "إذ" بدلاً ﴿ وعذاب ﴾ ه ط لتقدير القول أي فأرسلنا إليه جبريل فقال له اركض ﴿ برجلك ﴾ ج لأن هذا مبتدأ مع أه من تمام القول ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ولا تحنث ﴾ ط ﴿ صابراً ﴾ ط ﴿ العبد ﴾ ط ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ والأبصار ﴾ ه ﴿ الدار ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ الأخيار ﴾ ه ﴿ وذا الكفل ﴾ ط ﴿ من الأخيار ﴾ ه ﴿ ذكر ﴾ ه ط ﴿ مآب ﴾ ه لا لأن ﴿ جنات ﴾ بدل أو عطف بيان.

﴿ الأبواب ﴾ ه ج لاحتمال أن عامل ﴿ متكئين ﴾ محذوف أي يتنعمون متكئين وإن جعل حالاً من ﴿ مفتحة ﴾ فهي مقدّرة لأن الاتكاء لا يكون في حال فتح الأبواب ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ أتراب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ من نفاد ﴾ ه ج ﴿ هذا ﴾ ط أي هذا بيان جزاء المتقين أو الأمر هذا ﴿ مآب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ لا لأن خبره ﴿ حميم ﴾ فقوله ﴿ فليذوقوه ﴾ اعتراض ﴿ وغساق ﴾ ه لا للعطف ﴿ أزواج ﴾ ه ط ﴿ معكم ﴾ ج لاتصال المعنى مع الابتداء بما في معنى الدعاء ﴿ بهم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ج ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ الأشرار ﴾ ه ط لمن قرأ بكسر الهمزة لاحتمال إضمار همزة الاستفهام واحتمال كونها خبرية صفة أو حالاً ومن صرح بالاستفهام فوقفه مطلق ﴿ الأبصار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح بدلاً وخبراً لمحذوف أي هو الغفار ﴿ عظيم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إبليس ﴾ ط ﴿ الكافروين ﴾ ه ﴿ بيديّ ﴾ ط للاستفهام ﴿ العالين ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط لأن ما بعده جواب سؤال كأنه علل الخيرية ﴿ طين ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ج والوصل أولى لاتصال لعنتي به ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه لا لتعلق إلى ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه للاستثناء ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ فالحق ﴾ ز على قراءة الرفع أي فهذا الحق مع اتحاد المقول ﴿ أقول ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده قسم مستأنف أو بدل من قوله ﴿ والحق ﴾ .

﴿ أجمعين ﴾ ه ج ﴿ المتكلفين ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: وجه النظم كأنه  يقول: يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر مالاً أو جاهاً من داود وسليمان، ولم يكن أكثر بلاء ومحنة من أيوب، ومع ذلك لم يبق حالهما وحاله على نسق واحد، فالصبر مفتاح الفرج.

﴿ وأيوب ﴾ عطف بيان و "إذ" معمول فعل آخر أو بدل اشتمال من أيوب أي زمان بلائه وكان معاصراً ليعقوب، وامرأته ليا بنت يعقوب، ونداؤه دعاؤه والجار محذوف أي دعاه بأني مسني على الحكاية وإلا لقال بأنه مسه والنصب والنصيب كالرشد والرشد، والنصب بالفتح والسكون على أصل المصدر، وضمة الصاد لا تباع النون كقفل وقفل.

ومعنى الكل التعب والمشقة.

قيل: الضر في البدن والعذاب في ذهاب المال والأهل وللناس في بلائه قولان: الأول أن الذي نزل به كان من الشيطان وقد مرّ تقريره في "الأنبياء" ومجمله ما روي أن إبليس سأل ربه فقال: هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني؟

فقال: نعم، عبدي أيوب.

قال: فسلطني على ماله فكان يجيئه ويقول: هلك من مالك كذا فيقول: الله أعطى والله أخذ ثم يحمد الله.

فقال: يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده.

فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية فجاء وأخبره به فلم يلتفت إليه فقال: يا رب إنه لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده فأذن فيه، فنفخ في جلد ايوب وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فمكث في ذلك البلاء سبع سنين أو ثمان عشرة، وصار بحيث استقذره أهل بلده فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد فجاء الشيطان إلى امرأته وقال: إن استعاذ بي زوجك خلصته من هذا البلاء فاشارت غلى أيوب بذلك فغضب لذلك - أو لوجوه أخر سبق ذكرها في سورة الأنبياء - وحلف إن عافه الله ليجلدنها مائة جلدة وعند ذلك دعا ربه شاكياً إليه لا منه كقول يعقوب ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله  ﴾ فأجاب دعاءه وأوحى إليه ﴿ اركض ﴾ أي اضرب ﴿ برجلك ﴾ الأرض.

عن قتادة: هي أرض الجابية من قرى الشام.

فأظهر الله  من تحت رجله عيناً باردة طيبة فاغتسل منها فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه وردّ عليه أهله وماله.

القول الثاني: إن الشيطان لا قدرة له على إيقاع الناس في الأمراض والآفات وإلا لوقع في العالم مفاسد ولم يدع صالحاً إلا نكبه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة.

فالمراد بمس الشيطان هو الأحزان الحاصلة في قلبه بسبب وساوسه من تعظيم ما نزل به من البلاء وإغرائه على الجزع والقنوط من روح الله إلى غير ذلك مما مر ذكره في سورة الأنبياء.

ولناصر القول الأول أن يقول: سلمنا أن الشيطان باستقلاله لا يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر بعد الالتماس والتسليط؟.

ولنعد إلى تفسير ما يختص بالمقام.

قوله ﴿ مغتسل بارد ﴾ أي هذا مكان يغتسل فيه أي بمائة ويشرب منه، والظاهر أنها كانت عيناً واحدة عذبة باردة، وروى بعضهم أنه نبعت عينان ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها فبرأ ظاهره، وضرب رجله اليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها فزال ما في بطنه من القروح.

وزعم أن تقدير الكلام هذا مغتسل وشراب بارد.

وقوله ﴿ ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ﴾ قيل: أحياهم الله بأعيانهم وزاد مثلهم من أولاده.

وقيل: من أولاد أولاده.

وقيل: كانوا قد غابوا عنه وتفرقوا فجمع الله شملهم.

وقيل: كانوا مرضى فشفاهم الله والأول أصح.

وقوله ﴿ رحمة منا وذكرى ﴾ مفعول لهما فكانت الهبة رحمة له وتذكيراً لذوي العقول حتى لو ابتلوا بما ابتلي به صبروا كما صبر فيفوزوا كما فاز.

وإنما لم يقل ههنا ﴿ رحمة من عندنا  ﴾ مع أنه أبلغ اكتفاء بما مر في سورة الأنبياء وفي قوله ﴿ وذكرى لأولي الألباب ﴾ مع قوله في "الأنبياء" ﴿ وذكرى للعابدين  ﴾ إشارة إلى أن ذا اللب هو الذي يعبد الله.

وتخصص كل من السورتين بما خص لرعاية الفاصلة قوله ﴿ وخذ ﴾ معطوف على ﴿ اركض ﴾ والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو سنبلة.

قال مجاهد: هو لأيوب خاصة.

وعن قتادة: هو عام في هذه الأمة.

والصحيح أنه باق في المريض والمعذور لما روي أن النبي  أتى بمخدج وقد زنى بأمة فقال: خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة حلل الله يمين أيوب بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها.

ومعنى ﴿ وجدناه صابراً ﴾ علمنا منه الصبر.

وههنا نكتة ذكرها بعض أرباب القلوب وهي أنه لما نزل في حق سليمان ﴿ نعم العبد ﴾ تارة وفي حق أيوب أخرى، اغتم أمة محمد  وقالوا: هذا تشريف عظيم فإن كان سببه اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان فنحن لا نقدر عليه، وإن كان سببه تحمل بلاء مثل بلاء أيوب فنحن لا نطيقه، فكيف السبيل إلى تحصيله؟

فأنزل الله  قوله ﴿ فنعم المولى ونعم النصير  ﴾ والمراد أنك إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى، فإن كان منك الفضول فمني الفضل، وإن كان منك التقصير فمني النصرة والتوفيق.

قلت: وصف أنبياء سائر الأمم بقوله ﴿ نعم العبد ﴾ ووصف هذه الأمة بقوله ﴿ كنتم خير أمة  ﴾ فلا تشريف فوق هذا ثم أجمل ذكر طائفة من مشاهير الأنبياء.

ومعنى ﴿ أولي الأيدي والأبصار ﴾ أولي العمل والعلم لأن اليد آلة لأكثر الأعمال، والبصر آلة لأقوى الإِدراكات، فحسن التعبير عن العمل باليد، وعن الإدراك بالبصر، وفيه تعريض بأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يتفكرون أفكار ذوي العقول والرعفان فهم في حكم الزمنى والعميان، ولولا قرينة الأبصار لكان يحتمل أن الأيدي جمع اليد النعمة.

قوله ﴿ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ﴾ الخالصة صفة أو مصدر كالعاقبة، والدار ظرف فهي الدنيا، أو مفعول به فهي الآخرة.

والمعنى جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي ذكراهم الجنة بحيث لا يشوبون ذكرها بشيء من هموم الدنيا، أو هي تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها، أو بسبب خلوص ذكرى الجنة، أو بما خلص من ذكراها، أو جعلناهم مختصين بخلة صافية عن المنقصات وهي الثناء الحسن في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم.

و ﴿ المصطفين ﴾ جمع مصطفى وأصله مصطفين لأنه في حالة الجر بالياء قلبت الياء المتحركة ألفاً ثم حذفت، أراد اخترناهم من بين أبناء جنسهم والأخيار جمع خير بالتشديد أو خير بالتخفيف كأموات في ميت أو موت ﴿ إسماعيل واليسع وذا الكفل ﴾ وقد مر ذكرهم في سورة الأنبياء.

وحين تمم ذكر الصالحين وما لقي كل منهم من أنواع الابتلاء تثبيتاً لنبيه  وهو باب من أبواب التنزيل ونوع من أنواع القرآن، أراد أن يذكر على عقيبه باباً آخر وهو ذكر جزاء المتقين والطاغين قال ﴿ هذا ذكر ﴾ ثم قال ﴿ وإن للمتقين ﴾ كما يقول المصنف: إذا فرغ من فصل من كتابه هذا باب ثم يشرع في باب آخر.

ويحتمل أن يكون من تتمة صفات الأنبياء أي هذا الذي قصصنا عليك من أحوال هؤلاء الأنبياء شرف وذكر جميل يذكرون به أبداً.

قوله ﴿ مفتحة ﴾ حال والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل.

قال الزجاج ﴿ الأبواب ﴾ فاعل ﴿ مفتحة ﴾ والعائد محذوف أي الأبواب منها.

وقال غيره.

في ﴿ مفتحة ﴾ ضمير الجنات ﴿ والأبواب ﴾ بدل الاشتمال من الضمير تقديره مفتحة هي الأبواب نظيره في بدل البعض "ضرب زيد اليد والرجل" فكان اللام عوضاً من الضمير الراجع.

والمعنى أن الملائكة الموكلين بالجنات إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام فلا يحتاجون إلى تحصيل مفاتيح ومعاناة الفتح.

وقيل: أراد به وصف تلك المساكين بالسعة وجولان الطرف فيها من غير حائل.

وقوله ﴿ متكئين ﴾ حال مقدرة متداخلة كما مر أو حال بعد حال أو عامله مؤخر وهو ﴿ يدعون ﴾ أي يتحكمون في ثمارها وشرابها فإذا قالوا لشيء منها أقبل حصل عندهم.

وقيل: يتمنون وقيل: يسألون.

قال المفسرون: أراد وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول.

وحين بين أمر المسكن والمأكول والمشروب ذكر أمر المنكوح.

وقاصرات الطرف قد مر في "الصافات" أنهن اللواتي قصرن الطرف عن الإلتفات إلى غير أزواجهن.

والأتراب جمع ترب وهي اللدة.

واشتقاقها قيل من اللعب بالتراب، وقيل لأن التراب مسهن في وقت واحد.

والسبب في اعتبار هذا الوصف أن التحاب بين الأقران أثبت.

وقيل: هن وأزواجهن واحدة في الأسنان.

وقيل: أراد أنهن شواب لا عجوز ولا صبية.

ويروى أنهن بنات ثلاث وثلاثين.

ومعنى ﴿ ليوم الحساب ﴾ قيل: لأجل الحساب لأن الحساب على الوصول إلى جزاء العمل.

والظاهر أن اللام للوقت أي ما وعدتم تعطونه في يوم الحساب.

﴿ إن هذا لرزقنا ماله من نفاد ﴾ انقطاع ونهاية ولا مزيد فوق ذلك فتمام النعم بدوامها.

ثم بين أن حال الطاغين مضادّة لحال المتقين وأكثر المفسرين حملوا الطغيان ههنا على الكفر لأنه  يحكي عنهم أنهم قالوا اتخذناهم سخرياً، والفاسق لا يتخذ المؤمن هزواً لأن الطاغي اسم ذم، والاسم المطلق محمول على الكامل والكامل في الطغيان هو الكافر، ويؤيده قول ابن عباس: المعنى إن الذين طغوا عليّ وكذبوا رسلي لهم شر مصير.

وحمله الجبائي على أصحاب الكبائر من أهل الإيمان وغيرهم لأن كل من تجاوز عن تكاليف الله فقد طغا، ومنه قوله  ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى  ﴾ والمهاد الفراش وقد مر مراراً.

وقوله ﴿ هذا ﴾ قد مر بعض إعرابه في الوقوف، ويحتمل أن يراد العذاب هذا ثم ابتدأ فقال هو حميم أو منه ﴿ حميم ﴾ ومنه ﴿ غساق ﴾ أو ﴿ هذا فليذوقوه ﴾ معناه ليذوقوا هذا فليذوقوه كقوله ﴿ فإِياي فارهبون  ﴾ وقيل: ﴿ حميم ﴾ مبتدأ و ﴿ هذا ﴾ خبره.

والغساق بالتخفيف والتشديد ما يغسق من صديد أهل النار.

يقال: غسقت العين إذا سال دمعها.

وذكر الأزهري أن الغاسق البارد ولهذا قيل الليل الغاسق لأنه أبرد من النهار.

فالحميم يحرق بحرّه، والغساق يحرق ببرده.

وقال الزجاج: إنه المنتن لو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق يؤيده قول ابن عمر: هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه.

وقال كعب: هو عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذي سم من عقرب وحية.

وعن الحسن: هو عذاب لا يعلمه إلا الله.

إن الناس أخفوا الله طاعة فأخفى لهم ثواباً في قوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ وأخفوا معصية فأخفى لهم عقوبة: ﴿ وآخر من شكله ﴾ أي ومذوقات أخر أو عذاب أو مذوق آخر من جنس هذا المذوق.

و ﴿ أزواج ﴾ أي أجناس أو مقترنات صفة الآخر لأنه جاز أن يكن مختلفات أو صفة للثلاثة المذكورة وهي حميم وغساق وشيء آخر من شكله، والمجموع خبر هذا أو خبر هو.

وحين وصف مسكن الطاغين ومأكولهم ومشروبهم حكى أحوالهم مع الذين كانوا يعدونهم أحباءهم في الدنيا ثم مع الذين كانوا يعدونهم أعداءهم.

أما الأوّل فقوله ﴿ هذا ﴾ اي يقول الطاغون بعضهم مع بعض وذلك إذا دخلت أمة ثم دخل آخرون.

والفوج الأوّل الرؤساء والثاني الأتباع.

وقيل: الأول إبليس وبنوه والثاني أبناء آدم هذا ﴿ فوج ﴾ اي جمع كثيف دخل النار في صحبتكم.

والاقتحام الدخول في الشدة أرادوا أن أتباعهم اقتحموا معهم العذاب كما اقتحموا معهم الضلال.

وقوله ﴿ لا مرحباً بهم ﴾ دعاء منهم على أتباعهم و ﴿ مرحباً ﴾ نصب على أنه مفعول به أو مصدر أي أتيت رحباً لا ضيقاً، أو رحبت بلادك رحباً فإذا دخل عليه لا صار دعاء السوء وبهم بيان للمدعو عيلهم.

وقوله ﴿ إنهم صالوا النار ﴾ تعليل لاستيجابهم اللعن.

قيل: إنما قالوا ذلك ولم يصدر من الأتباع ذنب في حق من قبلهم لأن النار تكون مملوءة منهم، أو لأن عذابهم يضاعف بسببهم.

وقيل: هو إخبار لا دعاء أي وقد وردوا مورداً لا رحب فيه ولا سعة.

وقيل ﴿ هذا فوج مقتحم معكم ﴾ كلام الخزنة لرؤساء الكفرة فما بين أتباعهم.

وقيل: هذا كله كلام الخزنة ﴿ قالوا ﴾ أي الأتباع.

﴿ بل أنتم لا مرحباً بكم ﴾ أي الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به وعللوا ذلك بقولهم ﴿ أنتم قدمتموه لنا ﴾ والضمير لما هم فيه من العذاب أو الصلي أي كنتم السبب في العمل الذي هو جزاؤه فجمعوا بين مجازين، لأن الأتباع هم الذين عملوا عمل السوء لا رَؤساؤهم والعمل هو المقدّم لا جزاؤه.

ومن جعل قوله ﴿ لا مرحباً ﴾ بهم من كلام الخزنة، زعم أن تقدير الكلام هذا الذي دعا به علينا الخزنة أنتم يا رؤساء أحق به منا لإغوائكم إيانا وتسببكم لما نحن فيه.

﴿ فبئس القرار ﴾ أي المستقر النار ﴿ قالوا ﴾ أي الفوج وهو كالبدل من ﴿ قالوا ﴾ الأوّل والضعف المضاعف كما مر في "الأعراف" وأما الثاني فقوله ﴿ ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدّهم من الأشرار ﴾ أي في اعتقادنا لأن دينهم على خلاف ديننا، أو أرادوا أنهم أراذل لا خير فيهم يعنون فقراء المسلمين.

وعن بعضهم أن القائلين صناديد قريش كأبي جهل والوليد وأضرابهما والرجال عمار وبلال وصهيب وأمثالهم.

من قرأ ﴿ أتخذناهم ﴾ بفتح الهمزة فعلى أنه إنكار منهم على أنفسهم وتأنيب لها بالاستسخار منهم، وكذا فيمن قرأ ﴿ اتخذناهم ﴾ بكسر الهمزة ويقدر همزة الاستفهام محذوفة، ومن جعلها صفة أو حالاً فلا إشكال وحينئذ يتصل ﴿ أم زاغت ﴾ بقوله ﴿ ما لنا لا نرى ﴾ أي الرجال الموصوفين في النار كأنهم ليسوا فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا وخفي علينا مكانهم فلا نراهم وهم فيها.

فأم منقطعة وكذا إن اتصل بقوله ﴿ اتخذناهم ﴾ على الاستفهام لأن الأول للإِنكار، والثاني للاستخبار.

ويجوز أن يكون "أم" متصلة وكلاهما للإِنكار.

ومعنى زيغ الأبصار ازدراؤهم وتحقيرهم يؤيده قول الحسن، كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخرياً وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم واللام في الأبصار عوض من الضمير أي أبصارنا ﴿ إن ذلك ﴾ الذي حكينا عنهم ﴿ لحق ﴾ لا بد لهم من وقوعه لأنهم مالوا إلى عالم التضاد فيحشرون كذلك.

ثم بين ما هو فقال هو ﴿ تخاصم أهل النار ﴾ لأن التلاعن والتشاتم نوع من أنواع الخصومة.

واعلم أنه  لما بدأ في أول السورة بأن محمداً يدعو إلى التوحيد وأن الكفار يستهزؤن منه وينسبونه إلى السخرية تارة وإلى الكذب أخرى.

ثم ذكر طرفاً من قصص الأنبياء عليهم السلام ليعلم أن الدنيا دار تكليف وبلاء لا دار إقامة وبقاء.

ثم عقبه بشرح نعيم الأبرار وعقاب الأشرار، عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أوّل السورة وهي صحة نبوّة محمد  وصدق ما يدعو إليه من التوحيد والإخلاص فقال ﴿ قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد ﴾ من جميع الوجوه ﴿ القهار ﴾ لما دونه ثم أردف القهر باللطف والتربية قائلاً ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ﴾ ثم أكد صفتي القهر واللطف بقوله ﴿ العزيز الغفار ﴾ فمن عزته أدخل أهل الاستكبار النار ولمغفرته أعدّ الجنة لأهل الاستغفار.

قوله ﴿ قل هو نبأ عظيم ﴾ أي القول بأن الله واحد نبأ عظيم أو القول بالنبوّة أو بإثبات الحشر والقيامة، وذلك لأن هذه المطالب كانت مذكورة في أوّل السورة ولأجلها سيق الكلام منجراً إلى ههنا.

ويحتمل أن يراد ﴿ كتاب أنزلناه ﴾ فيه نبأ عظيم وهؤلاء الأقوام أعرضوا عن كل من هذه الأمور.

ثم بين أنه حاصل من قبل الوحي بقوله ﴿ ما كان لي من علم بالملأ الأعلى ﴾ وهم الملائكة ﴿ إذ يختصمون ﴾ أي يتقاولون فيما بينهم بالوحي.

والظرف متعلق بمحذوف أي بكلامهم وقت اختصامهم، شبه التقاول بالتخاصم من حيث إن في كل منهما سؤالاً وجواباً والمشابهة علة لجواز المجاز.

ثم صرح بما عليه مدار الوحي قائلاً ﴿ إن يوحى إليّ إلا أنما أنا نذير مبين ﴾ أي ما يوحى إليّ إلا هذا وهو إني نذير كامل في باب التبليغ، ويؤيده قراءة كسر ﴿ إنما ﴾ .

وقيل: إن الجار محذوف أي لم يوح إليّ إلا لأن أنذر ولا أقصر.

روى ابن عباس عن النبي  "أتاني الليل آت من ربي وفي رواية ربي في أحسن صورة فقال لي: يا محمد.

قلت: لبيك ربي وسعديك.

قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قلت: لا أعلم.

قال: فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات وما في الأرض.

قال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قلت: نعم، في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات المكروهات أي في البرد الشديد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ومن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه" الحديث.

قال: والدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام.

واعلم أن أشراف قريش إنما نازعوا محمداً  بسبب الحسد والكبر فختم الله  السورة بذكر قصة آدم وما وقع فيه إبليس من الرجم واللعن حين حسد آدم واستكبر ليصير سماع القصة زاجراً للمكلفين عن هاتين الخصلتين، فعلى هذا يكون ﴿ إذ قال ﴾ معمولاً لمحذوف اي اذكر وقت قول ربك للملائكة.

وقيل: النبأ العظيم قصص آدم والإنباء به من غير سماع من أحد.

وعلى هذا فالضمير عائد إلى ما ذكره عما قريب.

والمعنى ما أحكيه خبر له شأن لأنه مستفاد من الوحي.

وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إذ يختصمون ﴾ والملأ الأعلى اصحاب القصة الملائكة وآدم وإبليس لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم حين قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  ﴾ كأنهم قالوا: هؤلاء فيما بينهم.

ثم خاطبوا بها الله  فلا يلزم أن يكون الله  من الملأ الأعلى ويثبت له مكان.

أو نقول: المراد علو الرتبة والشرف فيشمل تقاول الله وملائكته.

وقال جار الله: كانت مقاولة الله  بواسطة ملك فكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط.

وقصة آدم مذكورة في "البقرة" وفي غيرها مشروحة.

والتي في هذه السورة يوافق أكثرها ما في الحجر فلا فائدة في إعادتها فلنذكر ما يختص بالمقام قوله ﴿ خلقت بيديّ ﴾ كلام المجسمة فيه ظاهر وغيرهم حملوه على وجوه منها: أن اليد عبارة عن القدرة يقال ما لي بهذا الأمر يد أي قوّة وطاقة.

ومنها أنها النعمة.

ومنها أنها للتأكيد وليدل على عدم الواسطة كما مر في قوله ﴿ مما عملت أيدينا  ﴾ وقد يقال في حق من جنى بلسانه وإن لم يكن له هذا مما كسبت يداك.

والحق فيه أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيء بيديه إلا إذا كانت عنايته مصروفة إلى ذلك العمل، فحيث كانت العناية الشديدة من لوازم العمل باليد أمكن جعله مجازاً عنها.

ومنها قول أرباب التأويل إنه إشارة إلى صفتي اللطف والقهر وهما يشملان جميع الصفات فلا مخلوق إلا وهو مظهر لإِحدى الصفتين، كالملك فإنه مظهر اللطف، وكالشيطان فإِنه مظهر القهر إلا الإنسان فإِنه مظهر لكلتيهما وبذلك استحق الخلافة ومسجودية الملائكة ولهذا جاء في الأحاديث القدسية "لا أجعل ذرّية من خلقت بيديّ كمن قلت له كن فكان" قوله ﴿ استكبرت أم كنت من العالين ﴾ أي أطلبت الكبر من غير استحقاق أم كنت ممن علوت وقفت؟

فأجاب بأنه من العالين حيث ﴿ قال أنا خير منه ﴾ وقيل: استكبرت الآن أو لم تزل منذ كنت من المتكبرين.

ومعنى الهمزة التقرير.

قوله ﴿ فالحق ﴾ من قرأ بالرفع فعلى أنه خبر لما مر أو مبتدأ محذوف الخبر مثل ﴿ لعمرك  ﴾ أي فالحق قسمي لأملأن والحق أقوله وهو اعتراض.

ومن نصبهما فعلى أن الثاني تأكيد للأوّل، أو على أن الأوّل للإغراء أي اتبعوا الحق وهو الله  ، أو الحق الذي هو نقيض الباطل.

وقوله ﴿ منك ﴾ أي من جنسك وهم الشياطين ﴿ وممن تبعك منهم ﴾ أي من ذرّية آدم.

و ﴿ أجمعين ﴾ تأكيد للتابعين والمتبوعين.

ثم ختم السورة بما يدل على الاحتياط والاجتهاد في طلب هذا الدين لأن النظر إما إلى الداعي أو إلى المدعو إليه.

أما الداعي فلا يسأل أجراً على ما يدعو إليه وهو القرآن أو الوحي أو النبأ، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طمعه عن طلب المال ألبتة.

وأما المدعو إليه فقوله ﴿ وما أنا من المتكلفين ﴾ الذين ينتحلون ما ليس عندهم ولا دليل لهم على وجوده، بل العقل الصريح يشهد بصحته فإني أدعوكم إلى الإقرار بالله أوّلاً ثم إلى تنزيهه عما لا يليق به ثانياً، ثم إلى وصفه بنعوت الجمال والجلال ثالثاً ومن جملة ذلك التوحيد ونفي الأنداد والأضداد، ثم أدعو إلى تعظيم الأرواح الطاهرة وهم الملائكة والأنبياء رابعاً، ثم إلى الشفقة على خلق الله خامساً، ثم أدعو إلى الإقرار بالبعث والقيامة سادساً ﴿ ليجزي الذين أَسَاءُواْ بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى  ﴾ فهذه أصول معتبرة في دين الإسلام يشهد بحسنها بداية العقول ويحكم ببعدها عن الباطل كل من يرجع إلى محصول وهو المراد بقوله ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين ﴾ عن النبي  "للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول مالا يعلم" ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ أي خبر حقيقة القرآن وما أدعو إليه بعد حين هو الموت لأن الناس نيام فإِذا ماتوا انتبهوا.

وقيل: هو القيامة.

وقيل: هو حين ظهور الإسلام ولا يخفى ما فيه من التهديد.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ ﴾ .

ليس عليَّ مما حملتم شيء، إنما ذلك عليكم إنما عليَّ الإنذار لكم فقط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: ما من إله عندي دونه بإله، إنما الإله هو الواحد القهار الذي تفرد وتوحد بربوبيته وألوهيته، قهر الخلائق كلهم بقدرته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ ﴾ .

يخبر عن غنائه وسلطانه يقول - والله أعلم -: تعلمون أنه رب السماوات والأرض ومنشئهما ومنشئ ما بينهما، فلا يحتمل أن ما يأمركم به وينهاكم عنه، إنما يأمركم لحاجة نفسه أو لمنفعة له، ولكن إنما يأمر وينهى لمنفعة أنفسكم ولحاجتكم.

أو يقول: تعلمون أنه هو ربكم ورب ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما، فكيف تعبدون من تعلمون أنه ليس بربكم ولا إله، وإنما الإله ما ذكر فتتركون عبادته وطاعته؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ ﴾ .

أي: لا يلحقه الذل بذل أوليائه وخدمه؛ لأنه عزيز بذاته لا بأحد ليس كملوك الأرض يذلون إذا ذل أولياؤهم وأتباعهم؛ لأن عزهم بأوليائهم وأتباعهم فإذا ذلوا ذل من كان عزه بهم، فأما الله -  وتعالى - فعزيز بذاته لا يلحقه الذل بذل أوليائه ولا هلاكهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: أن هذا القرآن الذي أنزل على رسول الله  نبأ عظيم أنتم عن التفكر فيه والنظر معرضون؛ لأن فيه ذكر ما نزل بالمكذبين بالتكذيب والعناد، وفيه ذكر من نجا منهم بم نجا؟

وفيه ذكر ما يؤتى وما يتقى، وفيه ذكر البعث وذكر الجنة والنار ونحوه، وذكر ما لهم وما عليهم، فهم عن التفكر فيه والنظر معرضون ما لو تفكروا فيه وتأملوا، لأدركوا كله ووصلوا إلى معرفة كل ما فيه مما ذكرنا، والله أعلم.

والثاني: قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ أي: البعث والحشر هو نبأ عظيم أنتم عن السعي والعمل لذلك معرضون تاركون.

فمن جعل تأويله على البعث والحشر يجعل الإعراض عن السعي له والعمل لذلك اليوم، ومن حمل تأويله على القرآن يجعل الإعراض عن التفكر فيه والنظر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ...

﴾ الآية.

اختلف في الملأ الأعلى: قال عامة أهل التأويل: الملأ الأعلى هم الملائكة الذين تكلموا في آدم -  - حين قال لهم الرب - عز وجل -: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً  ﴾ ، فقالوا عند ذلك: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ...

﴾ الآية [البقرة: 30].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ ليس على حقيقة الخصومة، ولكن على التكلم في ذلك؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا  ﴾ كأنها ليس على التنازع المعروف عند الناس والخصومة، ولكن على اختلاف الأيدي فعلى ذلك ما ذكر من اختصامهم، والله أعلم.

ومعناه: ما كان [لي] من علم من اختصام الملأ الأعلى وما كان منهم من التكلم إلا أن أوحي إليَّ فعلمت وإنما أنا نذير مبين.

وقال بعضهم: ﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ وما كان اختصامهم في الكفارات وفي الدرجات وفي المنجيات والموثقات حتى علمني الله ذلك بالوحي إليّ وأعلمني ذلك، ويذكرون أن الكفارات هو إسباغ الوضوء في المكروهات وبذل الطعام عند الضيق والشدائد ونحوها مما يطول ذكره، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ أي: بالجمع الأعلى وهو جمع يوم القيامة، سماه: الجمع الأعلى؛ لأنه جمع الأولين والآخرين من الفرق جميعاً، أي: ما كان لي من علم بذلك الجمع حتى علمت بالوحي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ .

في ذلك اليوم تقع الخصومات؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  ﴾ وهو على حقيقة الخصومة.

وجائز أن يكون الملأ الأعلى هم الأشراف من أولئك الكفرة والقادة، منهم الذين أهلكوا بالتكذيب ومن نجا منهم بالتصديق؛ يقول: ما كان لي من علم بهم وما نزل بهم أوحي إليّ فعلمت بالوحي، كأنهم سألوه عن ذلك فأخبر؛ أي: كنت كواحد منكم في ذلك حتى علمت ذلك بالوحي، ألا إنما أنا نذير مبين أمرني ربي وأوحى إليّ أن أنذركم بذلك حين أعلم بالوحي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ ﴾ .

ظاهر هذا أن يكون لا على القول منه لهم، ولكن على الخبر أنه كان ما ذكر، والله أعلم.

ثم ذكر الذي خلق منه آدم على أوصاف مختلفة: مرة ذكر أنه خلق من طين، ومرة من تراب، ومرة من حمأ مسنون، ومرة كالصلصال، ومرة كالفخار، ومرة لازب وغيره على اختلاف ما ذكر؛ فجائز أن يكون كل وصف من ذلك قد كان وصف عن حال، كان تراباً، ثم صار طيناً ثم ما ذكر [و]وصف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ .

إضافة الروح إلى نفسه كإضافة خلق من خلائقه إليه؛ إذ الروح خلق من خلائقه كسائر الخلائق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ .

لولا صرف أهل التأويل سجود الملائكة لآدم إلى حقيقة السجود وإلا كنا نصرفه لآخر: إلى الخضوع له والاستسلام، كما أحوج الملائكة إلى معرفة هذه الأسماء إلى آدم وبه عرفوها حيث قال - عز وجل -: ﴿ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ  ﴾ ، لكن صرف أهل التأويل سجود الملائكة إلى حقيقة السجود له جائز؛ لأنهم ممتحنون بالأمر والنهي وقد بينا ذلك فيما تقدم.

ثم استثنى إبليس من الملائكة وأخبر أنه استكبر وأبي أن يسجد له حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

على قول من يقول: إن إبليس كان من الملائكة، فلما أبي السجود، خذله ووكله إلى نفسه صار كافراً؛ ليعلم أن كل أحد وإن عظم قدره وجلت منزلته يحتمل خلاف ما هو [عليه] وضده، وأنه متى امتحنه بأمر فترك أمره؛ تكبراً أو استخفافاً - خذله ووكله إلى أمره ونفسه فصار كافراً مخذولاً حقيراً، ليكونوا أبداً على حذر وفزع إلى الله - عز وجل - على ما أخبر من عظم قدر الملائكة عند الله وجليل منزلتهم عنده إذا خذلهم ووكلهم إلى أنفسهم صاروا كما صار إبليس، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي: كان في علم الله أنه يكفر.

أو كان بمعنى صار من الكافرين إذ أبي السجود واستكبر؛ كقوله - عز وجل - لآدم: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ  ﴾ أي: تصيرا من الظالمين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع أن تخصيص إضافة الشيء الواحد إلى الله - عز وجل - يخرج مخرج تعظيم ذلك الواحد وذلك الفرد؛ كقوله: بيت الله ومساجد الله ورسول الله وولي الله وأشباه ذلك، وخص هذه الأشياء بالإضافة إليه وإن كانت البقاع كلها والخلق كله له على التعظيم لذلك؛ فعلى ذلك يخرج إضافة خلق آدم إلى نفسه مخرج تعظيم آدم حيث قال: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ وإن كان جميع الخلائق هو خلقهم، ويخرج إضافة كلية الأشياء إلى الله وكلية الخلائق إليه مخرج تعظيم الربّ والمدح له؛ نحو قوله - عز وجل -: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ورزاق، يخلق منشأ العالم ومبدأه، وهو على كل شيء قدير، مالك الملك، وغير ذلك على ما ذكرنا فيما تقدم، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ بِيَدَيَّ ﴾ .

قد تكلف أهل الكلام والتأويل في تأويل إضافة اليد إلى الله - عز وجل -: منهم من قال: القوة، ومنهم من قال: كذا، لكن التكلف في ذلك فضل مع ما قد يضاف اليد إلى من لا يد له ولا جارحة ولا عضو، نحو [ما] قال - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ لم يفهم أحد بذكر اليد له ولا الخلف ما يفهم من الخلق ولا ذهابهم، وكذلك ما ذكر من مجيء البرهان حيث قال - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ و ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ وأمثال ذلك مما يكثر عده وإحصاؤه، لم يفهم أحد من الخلائق من مجيء هذه الأشياء التي ذكرنا مجيء الخلق ولا فهم من ذكر اليد - لما ذكرنا من الأشياء - جارحة ولا عضو، فكيف يفهم من ذكر اليد ما فهم من الخلق إلا لفساد اعتقادهم لربهم والجهل بتعاليه عن معنى الغير، وإلا لم يخطر بباله بذكر ذلك لله أو إضافته إليه ما يخطر بباله من الخلق ومعنى الخلق.

أو أن يكون ذكر ذلك لنفسه وإضافته إليه من اليد وما ذكر؛ لِمَا باليد يكون في الشاهد لو احتمل كون ذلك من الخلق، نحو ما قال: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ وما كسبت يداك، ونحو ذلك مما يعلم في الحقيقة أن ذلك لم يكن يكسب به حقيقة ولا عمله من نحو الكفر وغير ذلك من الأشياء، لكنه ذكر لما باليد يكتسب في الشاهد وبها يعمل أكثر الأعمال والأفعال.

أو أضاف ذلك إليها لما ذكرنا وإن لم يكن منها عمل حقيقة؛ فعلى ذلك إضافة اليد إلى الله فيما أضاف على ما كان ذلك من الخلق إنما كان باليد؛ على ذلك يخرج ما ذكر من استوائه على العرش بعد أن ذكرنا فيه ما يليق به ونفينا عنه ما لا يليق، وأصل ذلك أنا عرفنا الله - عز وجل - متعاليا عن جميع معاني الغير [و] عن كل صفات يوصف بها الغير، على ما ذكر في كتابه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ فإذا كان كذلك فلا حاجة لنا إلى تأويل اليد وما ذكروا أنه ما أراد بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ ﴾ .

معناه - والله أعلم -: أستكبرت للحال عندما أبيت السجود له، أم كنت في اعتقادك من العالين أي المستكبرين؟

ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ كُنتَ ﴾ : أم صرت من العالين، أي: استكبرت وصرت من العالين على ما في قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ، أي: صار من الكافرين.

ثم حرف الشك والاستفهام من الله قد ذكرنا أنه على الإيجاب والقطع كأنه قال: بلى كنت في [علم] الله أنك تكفر.

أو يقول: صرت من العالين، أي: ممن يطلب العلو؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ .

ظن إبليس - عليه لعنة الله - أن النار لما كان من طبعها الارتفاع والعلو ومن طبع الطين التسفل والانحدار أن الذي طبعه الارتفاع والعلو خير من الذي طبعه التسفل والانحدار؛ لذلك قال - والله أعلم -: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ .

أو لما رأى أن إصلاح الأشياء كلها ونضجها بالنار فقال [هذا] عند ذلك.

لكن لو نظر الملعون وحقق النظر، لعلم أن الطين خير من النار؛ لأنه من الأرض، والأرض كالأصل والأم لغيرها؛ لأن الأشياء يكون صلاحها ونضجها بالنار [و] أول بدئها من الأرض، كالابن من الأم الوالدة على ما ذكرنا، والله الموفق.

ثم كفره بإبائه السجود له لما لم ير أمر الله له بسجود من هو خير وأعلى لمن دونه حكمة وحقّاً، فكفر لما رأى أنه وضع الأمر في غير موضع الأمر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا ﴾ .

قال بعضهم: أي: اخرج من الجنة.

وقال بعضهم: اخرج من السماء إلى الأرض.

وقال بعضهم: أي: اخرج من الأرض إلى جزيرة البحر، والله أعلم بذلك، وليس لنا أن نتكلف القطع على القول فيه: أن أمره بالخروج من كذا، وقد عرف اللعين أنه بماذا أمره بالخروج منها.

ثم ذكر مرة ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا ﴾ ، ومرة قال: ﴿ فَٱهْبِطْ مِنْهَا  ﴾ ونحو ذلك من الألفاظ المختلفة؛ وكذلك ما ذكر مرة قال: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ  ﴾ ، وقال في موضع: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ و ﴿ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ  ﴾ ونحو ذلك على الألفاظ المختلفة، فذلك كله يدل على أن ليس على الناس حفظ الألفاظ والحروف، وكذلك ما ذكر في القصص على اختلاف الألفاظ مكررة معادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ .

أي: لعين، كأنه قال: فإنّك لعين على ألسن الناس، ليس يذكره أحد من أعدائه وأتباعه وأوليائه إلا وقد لعنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .

كانت اللعنة عليه إلى يوم الدين هي خذلانه وطرده عن رحمته ودينه؛ لما علم أنه لا يعود إلى اختيار توحيده وطاعته أبداً، وإلا كان عليه لعنته في الدنيا والآخرة: فأما في الدنيا ما ذكرنا من خذلانه وتركه في العمر، وأما في الآخرة مطرود عن جنته، والله أعلم.

ثم سأل ربه أن ينظره إلى يوم يبعثون فأجاب حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ﴾ وإنما أنظره - والله أعلم - لأنه يختار الكفر والخلاف له أبداً.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ .

هو يوم اختلف فيه: [قال بعضهم:] ﴿ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ : هو يوم البعث، إلى ذلك أنظره على ما سبق منه السؤال على النظرة إلى يوم البعث حيث قال: ﴿ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ : هو النفخة الأولى.

وقال بعضهم: لم يبين له ذلك الوقت؛ ولذلك ذكر منه الخوف، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ ، ولو كان بين له الوقت المعلوم لكان لا يخاف دون ذلك الوقت، ولكنه يأمن فدل خوفه أنه لم يبين له ذلك وهو معلوم عند الله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

وقال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ  ﴾ كأنه يقول - والله أعلم -: إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان أن تغويهم إلا من كان في علمه أنه يختار الغواية ويؤثر اتباعه؛ فيكون له عليهم سلطان الإغواء، فأما من كان في علم الله أنه يختار الإيمان والتوحيد، فلا سبيل لك عليهم، والله أعلم.

ثم قال بعضهم: ﴿ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ للتوحيد، فإن كان ذلك فيكون قوله  : ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ يكون كفرا.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ من الهلاك، فإن كان ذلك فيكون قوله: ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ ، أي: لأهلكنهم.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ من كل ذنب وكل معصية، لكن الوجهين الأولين أشبه وأقرب، والله [أعلم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ﴾ .

قرئ بنصبهما جميعاً: ﴿ فالحقَّ والحق أقول ﴾ ، وقد قرئ أيضاً برفع الأول ونصب الثاني: ﴿ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ ﴾ .

فمن قرأه بالرفع فيكون معناه - والله أعلم - ﴿ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ﴾ أي: مني يكون الحق على هذا.

ومن قرأه على النصب فهو على التأكيد؛ تأكيداً على ما ذكر على أثره كأنه يقول: أقول الحق الحق، وهو يقول: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

ثم جائز أن يحتج بهذه الآية على المعتزلة فيقال لهم: أراد الله  أن ينجز ما وعد وأن يصدق خبره الذي أخبر أنه كان يكون، أو لم يرد أن ينجز ما وعد وألا يخرج خبره على الصدق.

فإن قالوا: لم يرد، أعظموا القول؛ لأنهم زعموا أنه أراد أن يخلف ما وعد، وأن يكذب في خبره، فذلك عظيم القول حيث وصفوا ربهم بالسفه؛ لأن من أراد أن يخلف وعده وأن يكذب في خبره، فهو سفيه على زعم من قال ذلك.

وإن قالوا: أراد أن ينجز ما وعد وأن يصدق خبره، فيقال لهم: أراد أن يتبعوا إبليس، أو أراد أن يؤمنوا ولا يتبعوه؟

فإن قالوا: أراد أن يؤمنوا ولا يتبعوا إبليس، فيقال: أراد أن يجور ويظلم على زعمكم، لأنه أراد أن يملأ جهنم ولم يرد ما يستوجبون ذلك؛ فدل على أن الله  علم أنه يكون منهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنما يوحي الله إليَّ ما يوحيه لأني نذير لكم من عذابه بين النذارة.

<div class="verse-tafsir" id="91.AbLAa"

مزيد من التفاسير لسورة ص

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله