الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ١٦ من سورة غافر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 102 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( يوم هم بارزون ) أي : ظاهرون بادون كلهم ، لا شيء يكنهم ولا يظلهم ولا يسترهم .
ولهذا قال : ( يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء ) أي : الجميع في علمه على السواء .
وقوله : ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) قد تقدم في حديث ابن عمر : أنه تعالى يطوي السماوات والأرض بيده ، ثم يقول : أنا الملك ، أنا الجبار ، أنا المتكبر ، أين ملوك الأرض ؟
أين الجبارون ؟
أين المتكبرون ؟
.
وفي حديث الصور : أنه تعالى إذا قبض أرواح جميع خلقه ، فلم يبق سواه وحده لا شريك له ، حينئذ يقول : لمن الملك اليوم ؟
ثلاث مرات ، ثم يجيب نفسه قائلا ( لله الواحد القهار ) أي : الذي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه .
وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن غالب الدقاق ، حدثنا عبيد بن عبيدة ، حدثنا معتمر ، عن أبيه ، حدثنا أبو نضرة ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] قال : ينادي مناد بين يدي الساعة : يا أيها الناس ، أتتكم الساعة .
فيسمعها الأحياء والأموات ، قال : وينزل الله [ عز وجل ] إلى سماء الدنيا ويقول : ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) .
وقوله: ( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ) يعني بقوله ( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ ) يعني المنذرين الذين أرسل الله إليهم رسله لينذروهم وهم ظاهرون يعني للناظرين لا يحول بينهم وبينهم جبل ولا شجر, ولا يستر بعضهم عن بعض ساتر, ولكنهم بقاع صفصف لا أمت فيه ولا عوج .
و " هم " من قوله: ( يَوْمَ هُمْ ) في موضع رفع بما بعده, كقول القائل: فعلت ذلك يوم الحجاج أمير.
واختلف أهل العربية في العلة التي من أجلها لم تخفض هم بيوم وقد أضيف إليه؟
فقال بعض نحويي البصرة: أضاف يوم إلى هم في المعنى, فلذلك لا ينوّن اليوم, كما قال: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ وقال: هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ومعناه: هذا يوم فتنتهم, ولكن لما ابتدأ بالاسم, وبنى عليه لم يقدر على جرّه, وكانت الإضافة في المعنى إلى الفتنة, وهذا إنما يكون إذا كان اليوم في معنى إذ, وإلا فهو قبيح; ألا ترى أنك تقول: ليتك زمن زيد أمير: أي إذ زيد أمير, ولو قلت: ألقاك زمن زيدٌ أمير, لم يحسن.
وقال غيره: معنى ذلك: أن الأوقات جعلت بمعنى إذ وإذا, فلذلك بقيت عل نصبها في الرفع والخفض والنصب, فقال: وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ فنصبوا, والموضع خفض, وذلك دليل على أنه جعل موضعَ الأداة, ويجوز أن يعرب بوجوه الإعراب, لأنه ظهر ظهور الأسماء; ألا ترى أنه لا يعود عليه العائد كما يعود على الأسماء, فإن عاد العائد نوّن وأعرب ولم يضف, فقيل: أعجبني يوم فيه تقول, لما أن خرج من معنى الأداة, وعاد عليه الذكر صار اسما صحيحا.
وقال: وجائز فى إذ أن تقول: أتيتك إذ تقوم, كما تقول: أتيتك يوم يجلس القاضي, فيكون زمنا معلوما, فأما أتيتك يوم تقوم فلا مؤنة فيه وهو جائز عند جميعهم, وقال: وهذه التي تسمى إضافة غير محضة.
والصواب من القول عندي في ذلك, أن نصب يوم وسائر الأزمنة في مثل هذا الموضع نظير نصب الأدوات لوقوعها مواقعها, وإذا أعربت بوجوه الإعراب, فلأنها ظهرت ظهور الأسماء, فعوملت معاملتها.
وقوله: (لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ) أي ولا من أعمالهم التي عملوها في الدنيا( شَيْءٌ ) .
وكان قتادة يقول في ذلك ما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ) ولكنهم برزوا له يوم القيامة, فلا يستترون بجبل ولا مدر.
وقوله: ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) يعني بذلك: يقول الربّ: لمن الملك اليوم; وترك ذكر " يقول " استغناء بدلالة الكلام عليه.
وقوله: ( لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) وقد ذكرنا الرواية الواردة بذلك فيما مضى قبل.
ومعنى الكلام: يقول الربّ: لمن السلطان اليوم؟
وذلك يوم القيامة, فيحيب نفسه فيقول: ( لِلَّهِ الْوَاحِدِ ) الذي لا مثل له ولا شبيه ( القَهَّارِ ) لكلّ شيء سواه بقدرته, الغالب بعزّته.
يوم هم بارزون يكون بدلا من " يوم " الأول .
وقيل : هم في موضع رفع بالابتداء و " بارزون " خبره ، والجملة في موضع خفض بالإضافة ، فلذلك حذف التنوين من " يوم " وإنما يكون هذا عند سيبويه إذا كان الظرف بمعنى إذ ، تقول لقيتك يوم زيد أمير .
فإن كان بمعنى إذا لم يجز نحو أنا ألقاك يوم زيد أمير .
ومعنى : بارزون خارجون من قبورهم لا يسترهم شيء ; لأن الأرض يومئذ قاع صفصف لا عوج فيها ولا أمتا على ما تقدم في [ طه ] بيانه .لا يخفى على الله منهم شيء قيل : إن هذا هو العامل في " يوم هم بارزون " أي : لا يخفى عليه شيء منهم ومن أعمالهم يوم هم بارزون .لمن الملك اليوم وذلك عند فناء الخلق .
وقال الحسن : هو السائل تعالى وهو المجيب ; لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه فيجيب نفسه سبحانه فيقول : لله الواحد القهار .
النحاس : وأصح ما قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود قال : ( يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله - جل وعز - عليها ، فيؤمر مناد ينادي : لمن الملك اليوم ؟
فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم : لله الواحد القهار ، فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا ، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا .
فأما أن يكون هذا والخلق غير موجودين فبعيد ; لأنه لا فائدة فيه ، والقول صحيح عن ابن مسعود وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل .قلت : والقول الأول ظاهر جدا ; لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين وانتساب المنتسبين ، إذ قد ذهب كل ملك وملكه ومتكبر وملكه ، وانقطعت نسبهم ودعاويهم ، ودل على هذا قوله الحق عند قبض الأرض والأرواح وطي السماء : أنا الملك أين ملوك الأرض كما تقدم في حديث أبي هريرة وفي حديث ابن عمر ، ثم يطوي الأرض بشماله والسموات بيمينه ، ثم يقول : أنا الملك ، أين الجبارون ، أين المتكبرون .
وعنه [ ص: 269 ] قوله سبحانه : لمن الملك اليوم هو انقطاع زمن الدنيا وبعده يكون البعث والنشر .
قال محمد بن كعب قوله سبحانه : لمن الملك اليوم يكون بين النفختين حين فني الخلائق وبقي الخالق فلا يرى غير نفسه مالكا ولا مملوكا فيقول : لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد ; لأن الخلق أموات ، فيجيب نفسه فيقول : لله الواحد القهار لأنه بقي وحده وقهر خلقه .
وقيل : إنه ينادي مناد فيقول : لمن الملك اليوم فيجيبه أهل الجنة : لله الواحد القهار فالله أعلم .
ذكره الزمخشري .
{ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ } أي: ظاهرون على الأرض، قد اجتمعوا في صعيد واحد لا عوج ولا أمت فيه، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر.{ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } لا من ذواتهم ولا من أعمالهم، ولا من جزاء تلك الأعمال.{ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ } أي: من هو المالك لذلك اليوم العظيم الجامع للأولين والآخرين، أهل السماوات وأهل الأرض، الذي انقطعت فيه الشركة في الملك، وتقطعت الأسباب، ولم يبق إلا الأعمال الصالحة أو السيئة؟
الملك { لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } أي: المنفرد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فلا شريك له في شيء منها بوجه من الوجوه.
{ الْقَهَّارِ } لجميع المخلوقات، الذي دانت له المخلوقات وذلت وخضعت، خصوصًا في ذلك اليوم الذي عنت فيه الوجوه للحي القيوم، يومئذ لا تَكَلَّمُ نفس إلا بإذنه.
( يوم هم بارزون ) خارجون من قبورهم ظاهرون لا يسترهم شيء ، ( لا يخفى على الله منهم ) من أعمالهم وأحوالهم ، ) ( شيء ) يقول الله تعالى في ذلك اليوم بعد فناء الخلق : ( لمن الملك اليوم ) فلا أحد يجيبه ، فيجيب نفسه فيقول : ( لله الواحد القهار ) الذي قهر الخلق بالموت .
«يوم هم بارزون» خارجون من قبورهم «لا يخفى على الله منهم شيءٌ لمن الملك اليوم» بقوله تعالى، ويجيب نفسه «لله الواحد القهار» أي لخلقه.
يوم القيامة تظهر الخلائق أمام ربهم، لا يخفى على الله منهم ولا مِن أعمالهم التي عملوها في الدنيا شيء، يقول الله سبحانه: لمن الملك والتصرف في هذا اليوم؟
فيجيب نفسه: لله المتفرد بأسمائه وصفاته وأفعاله، القهَّار الذي قهر جميع الخلائق بقدرته وعزته.
ثم صور - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم العصيب ، فقال : ( يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيْءٌ .
.
.
)وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله ( يَوْمَ التلاق ) أى : يلقى - سبحانه - على من يشاء من عباده ، لكى ينذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذى يتلقى فيه الخلائق ، والذى يظهرون فيه ظهورا تاما ، دون أن يخفى منهم شئ على الله - تعالى - .والله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أمرهم لا فى هذا اليوم ولا فى غيره ، ولكنه - سبحانه - ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه فى هذا اليوم ، لأنهم - لجهلهم - كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم يستطيعون التستر عنه ، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله - تعالى -( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ) ورحم الله صاحب الشكاف : فقد قال : قوله : ( يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ) أى : ظاهرون لا يسترهم شئ من جبل أو أكمة أو بناء ، لأن الأرض بارزة قاع صفصف ، ولا عليهم ثياب ، إنما هم عراة مكشوفون ، كما جاء فى الحديث : " يحشرون عراة حفاة غرلا " ( لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيْءٌ ) بيان وتقرير لبروزهم ، والله - تعالى - لا يخفى عليه منهم شئ برزوا أم لم يبرزوا ، فما معناه؟قلت : معناه أنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب ، أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم ، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه قال - تعالى - : ( ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ .
.
) وقوله - تعالى - : ( لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار ) السائل والمجيب هو الله - تعالى - .أى : ينادى الله - تعالى - فى المخلوقات فى ذلك اليوم ، لمن الملك فى هذا اليوم الهائل الشديد؟
ثم يجيب - سبحانه - على هذا السؤال بقوله : ( لِلَّهِ الواحد القهار ) .قال القرطبى ما ملخصه : قال الحسن : هو السائل - تعالى - وهو المجيب ، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه ، فيجيب نفسه سبحانه فيقول : ( لِلَّهِ الواحد القهار ) .فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا ، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا .ثم قال : والقول الأول ظاهر جدا ، لأن المقصود إظهار انفراده - تعالى - بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين ، وانتساب المنتسبين ، إذ قد ذهب كل ملك وملكه .
اعلم أنه تعالى لما ذكر من صفات كبريائه وإكرامه كونه مظهراً للآيات منزلاً للأرزاق، ذكر في هذه الآية ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهو قوله: ﴿ رَفِيعُ الدرجات ذُو العرش يُلْقِى الروح ﴾ قال صاحب الكشاف ثلاثة أخبار لقوله: ﴿ هُوَ ﴾ مرتبة على قوله: ﴿ الذى يُرِيكُمُ ﴾ أو أخبار مبتدأ محذوف، وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً، قرئ ﴿ رَفِيعُ الدرجات ﴾ بالنصب على المدح، وأقول لابد من تفسير هذه الصفات الثلاثة: الصفة الأولى: قوله: ﴿ رَفِيعُ الدرجات ﴾ واعلم أن الرفيع يحتمل أن يكون المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع، أما إذا حملناه على الأول ففيه وجوه الوجه الأول:: أنه تعالى يرفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة والثاني: رافع درجات الخلق في العلوم والأخلاق الفاضلة، فهو سبحانه عين لكل أحد من الملائكة درجة معينة، كما قال: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ وعين لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال: ﴿ يَرْفَعِ الله الذين ءامَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم درجات ﴾ وعين لكل جسم درجة معينة، فجعل بعضها سفلية عنصرية، وبعضها فلكية كوكبية، وبعضها من جواهر العرش والكرسي، فجعل لبعضها درجة أعلى من درجة الثاني، وأيضاً جعل لكل واحد مرتبة معينة في الخلق والرزق والأجل، فقال: ﴿ وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خلائف الأرض وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات ﴾ وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة، وفي الآخرة آثار لظهور تلك السعادة والشقاء، فإذا حملنا الرفيع على الرفع كان معناه ما ذكرناه، وأما إذا حملناه على المرتفع فهو سبحانه أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال، أما في الأصل الوجود فهو أرفع الموجودات، لأنه واجب الوجود لذاته وما سواه ممكن ومحتاج إليه، وأما في دوام الوجود فهو أرفع الموجودات، لأنه واجب الوجود لذاته وهو الأزلي والأبدي والسرمدي، الذي هو أول لكل ما سواه، وليس له أول وآخر لكل ما سواه، وليس له آخر، أما في العلم: فلأنه هو العالم بجميع الذوات والصفات والكليات والجزئيات، كما قال: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ وأما في القدرة: فهو أعلى القادرين وأرفعهم، لأنه في وجوده وجميع كمالات وجوده غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فإنه محتاج في وجوده وفي جميع كمالات وجوده إليه، وأما في الوحدانية: فهو الواحد الذي يمتنع أن يحصل له ضد وند وشريك ونظير، وأقول: الحق سبحانه له صفتان أحدهما: استغناؤه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه الثاني: افتقار كل ما سواه إليه في وجوده وفي صفات وجوده، فالرفيع إن فسرناه بالمرتفع، كان معناه أنه أرفع الموجودات وأعلاها في جميع صفات الجلال والإكرام، وإن فسرناه بالرافع، كان معناه أن كل درجة وفضيلة ورحمة ومنقبة حصلت لشيء سواه، فإنما حصلت بإيجاده وتكوينه وفضله ورحمته.
الصفة الثانية: قوله: ﴿ ذُو العرش ﴾ ومعناه أنه مالك العرش ومدبره وخالقه، واحتج بعض الأغمار من المشابهة بقوله: ﴿ رَفِيعُ الدرجات ذُو العرش ﴾ وحملوه على أن المراد بالدرجات، السموات، وبقوله: ﴿ ذُو العرش ﴾ أنه موجود في العرش فوق سبع سموات، وقد أعظموا الفرية على الله تعالى، فإنا بينا بالدلائل القاهرة العقلية أن كونه تعالى جسماً وفي جهة محال، وأيضاً فظاهر اللفظ لا يدل على ما قالوه، لأن قوله: ﴿ ذُو العرش ﴾ لا يفيد إلا إضافته إلى العرش ويكفي في إضافته إليه بكونه مالكاً له ومخرجاً له من العدم إلى الوجود، فأي ضرورة تدعونا إلى الذهاب إلى القول الباطل والمذهب الفاسد، والفائدة في تخصيص العرش بالذكر هو أنه أعظم الأجسام، والمقصود بيان كمال إلهيته ونفاذ قدرته، فكل ما كان محل التصرف والتدبير أعظم، كانت دلالته على كمال القدرة أقوى.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿ يُلْقِي الروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: اختلفوا في المراد بهذا الروح، والصحيح أن المراد هو الوحي، وقد أطنبنا في بيان أنه لم سمي الوحي بالروح في أول سورة النحل في تفسير قوله: ﴿ يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ ﴾ وقال أيضاً: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه ﴾ وحاصل الكلام فيه: أن حياة الأرواح بالمعارف الإلهية والجلايا القدسية، فإذا كان الوحي سبباً لحصول هذه الأرواح سمي بالروح، فإن الروح سبب لحصول الحياة، والوحي سبب لحصول هذه الحياة الروحانية.
واعلم أن هذه الآية مشتملة على أسرار عجيبة من علوم المكاشفات، وذلك لأن كمال كبرياء الله تعالى لا تصل إليه العقول والأفهام، فالطريق الكامل في تعريفه بقدر الطاقة البشرية أن يذكر ذلك الكلام على الوجه الكلي العقلي، ثم يذكر عقيبه شيء من المحسوسات المؤكدة لذلك المعنى العقلي ليصير الحصر بهذا الطريق معاضداً للعقل، فهاهنا أيضاً كذلك، فقوله: ﴿ رَفِيعُ الدرجات ﴾ إما أن يكون بمعنى كونه رافعاً للدرجات، وهو إشارة إلى تأثير قدرة الله تعالى في إيجاد الممكنات على احتلاف درجاتها وتباين منازلها وصفاتها، أو إلى كونه تعالى مرتفعاً في صفات الجلال ونعوت العزة عن كل الموجودات، فهذا الكلام عقلي برهاني، ثم إنه سبحانه بين هذا الكلام الكلي بمزيد تقرير، وذلك لأن ما سوى الله تعالى إما جسمانيات وإما روحانيات، فبين في هذه الآية أن كلا القسمين مسخر تحت تسخير الحق سبحانه وتعالى، أما الجسمانيات فأعظمها العرش، فقوله: ﴿ ذُو العرش ﴾ يدل على استيلائه على كلية عالم الأجسام، ولما كان العرش من جنس المحسوسات كان هذا المحسوس مؤكداً لذلك المعقول، أعني قوله: ﴿ رَفِيعُ الدرجات ﴾ وأما الروحانيات فكلها مسخرة للحق سبحانه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ يُلْقِي الروح مِنْ أَمْرِهِ ﴾ .
واعلم أن أشرف الأحوال الظاهرة في روحانيات هذا العالم ظهور آثار الوحي، والوحي إنما يتم بأركان أربعة فأولها: المرسل وهو الله سبحانه وتعالى، فلهذا أضاف إلقاء الوحي إلى نفسه فقال: ﴿ يُلْقِى الروح ﴾ والركن الثاني: الإرسال والوحي وهو الذي سماه بالروح والركن الثالث: أن وصول الوحي من الله تعالى إلى الأنبياء لا يمكن أن يكون إلا بواسطة الملائكة، وهو المشار إليه في هذه الآية بقوله: ﴿ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ فالركن الروحاني يسمى أمراً، قال تعالى: ﴿ وأوحى فِي كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا ﴾ وقال: ﴿ أَلاَ لَهُ الخلق والأمر ﴾ والركن الرابع: الأنبياء الذين يلقي الله الوحي إليهم وهو المشار إليه بقوله: ﴿ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ﴾ والركن الخامس: تعيين الغرض والمقصود الأصلي من إلقاء هذا الوحي إليهم، وذلك هو أن الأنبياء عليهم السلام يصرفون الخلق من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، ويحملونهم على الإعراض عن هذه الجسمانيات والإقبال على الروحانيات، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق يَوْمَ هُم بارزون ﴾ فهذا ترتيب عجيب يدل على هذه الإشارات العالية من علوم المكاشفات الإلهية.
وبقي هاهنا أن نبين أنه ما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق؟
وكم الصفات التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة ليوم التلاق؟
أما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق ففيه وجوه: الأول: أن الأرواح كانت متباينة عن الأجساد فإذا جاء يوم القيامة صارت الأرواح ملاقية للأجساد فكان ذلك اليوم يوم التلاق الثاني: أن الخلائق يتلاقون فيه فيقف بعضهم على حال البعض الثالث: أن أهل السماء ينزلون على أهل الأرض فيلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء بالغمام وَنُزّلَ الملائكة تَنزِيلاً ﴾ الرابع: أن كل أحد يصل إلى جزاء عمله في ذلك اليوم فكان ذلك من باب التلاق وهو مأخوذ من قولهم فلان لقي عمله الخامس: يمكن أن يكون ذلك مأخوذاً من قوله: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ ﴾ ومن قوله: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام ﴾ السادس: يوم يلتقي فيه العابدون والمعبودون السابع: يوم يلتقي فيه آدم عليه السلام وآخر ولده الثامن: قال ميمون بن مهران يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم فربما ظلم الرجل رجلاً وانفصل عنه ولو أراد أن يجده لم يقدر عليه ولم يعرفه ففي يوم القيامة يحضران ويلقى بعضهم بعضاً، قرأ ابن كثير عنه التلاقي والتنادي بإثبات الياء في الوصل والوقف، وهادي وواقي بالياء في الوقف وبالتنوين في الوصل.
وأما بين أن الله تعالى كم عدد من الصفات ووصف بها يوم القيامة في هذه الآية، فنقول: الصفة الأولى: كونه يوم التلاق وقد ذكرنا تفسيره.
الصفة الثانية: قوله: ﴿ يَوْمَ هُم بارزون ﴾ وفي تفسير هذا البروز وجوه: الأول: أنهم برزوا عن بواطن القبور الثاني: بارزون أي ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، وليس عليهم أيضاً ثياب إنما هم عراة مكشوفون كما جاء في الحديث: يحشرون عراة حفاة غرلا الثالث: أن يجعل كونهم بارزين كناية عن ظهور أعمالهم وانكشاف أسرارهم كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تبلى السرائر ﴾ الرابع: أن هذه النفوس الناطقة البشرية كأنها في الدنيا انغمست في ظلمات أعمال الأبدان فإذا جاء يوم القيامة أعرضت عن الاشتغال بتدبير الجسمانيات وتوجهت بالكلية إلى عالم القيامة ومجمع الروحانيات، فكأنها برزت بعد أن كانت كامنة في الجسمانيات مستترة بها.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿ لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيء ﴾ والمراد يوم لا يخفى على الله منهم شيء، والمقصود منه الوعيد فإنه تعالى بيّن أنهم إذا برزوا من قبورهم واجتمعوا وتلاقوا فإن الله تعالى يعلم ما فعله كل واحد منهم فيجازي كلاً بحسبه إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فهم وإن لم يعلموا تفصيل ما فعلوه، فالله تعالى عالم بذلك ونظيره قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ وقال: ﴿ يَوْمَ تبلى السرائر ﴾ وقال: ﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ ﴾ وقال: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ فإن قيل الله تعالى لا يخفى عليه منهم شيء في جميع الأيام، فما معنى تقييد هذا المعنى بذلك اليوم؟
قلنا إنهم كانوا يتوهمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان والحجب أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم في ذلك اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما يتوهمونه في الدينا، قال تعالى: ﴿ ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ وقال: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله ﴾ وهو معنى قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ ﴾ .
الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار ﴾ والتقدير يوم ينادي فيه لمن الملك اليوم؟
وهذا النداء في أي الأوقات يحصل فيه قولان: الأول: قال المفسرون إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض فيقول الرب تعالى: ﴿ لّمَنِ الملك اليوم ﴾ ؟
يعني يوم القيامة فلا يجيبه أحد فهو تعالى يجيب نفسه فيقول: ﴿ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ ﴾ قال أهل الأصول هذا القول ضعيف وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى بيّن أن هذا النداء إنما يحصل يوم التلاق ويوم البروز ويوم تجزى كل نفس بما كسبت، والناس في ذلك الوقت أحياء، فبطل قولهم إن الله تعالى إنما ينادي بهذا النداء حين هلك كل من في السموات والأرض والثاني: أن الكلام لابد فيه من فائدة لأن الكلام إما أن يذكر حال حضور الغير، أو حال ما لا يحضر الغير، والأول: باطل هاهنا لأن القوم قالوا إنه تعالى إنما يذكر هذا الكلام عند فناء الكل، والثاني: أيضاً باطل لأن الرجل إنما يحسن تكلمه حال كونه وحده إما لأنه يحفظ به شيئاً كالذي يكرر على الدرس وذلك على الله محال، أو لأجل أنه يحصل سرور بما يقوله وذلك أيضاً على الله محال، أو لأجل أن يعبد الله بذلك الذكر وذلك أيضاً على الله محال، فثبت أن قول من يقول إن الله تعالى يذكر هذا النداء حال هلاك جميع المخلوقات باطل لا أصل له.
والقول الثاني: أن في يوم التلاق إذا حضر الأولون والآخرون وبرزوا لله نادى منادٍ ﴿ لّمَنِ الملك اليوم ﴾ فيقول كل الحاضرين في محفل القيامة ﴿ لِلَّهِ الواحد القهار ﴾ فالمؤمنون يقولون تلذذاً بهذا الكلام، حيث نالوا بهذا الذكر المنزلة الرفيعة، والكفار يقولونه على الصغار والذلة على وجه التحسر والندامة على أن فاتهم هذا الذكر في الدنيا، وقال القائلون بهذا القول إن صح القول الأول عن ابن عباس وغيره لم يمتنع أن يكون المراد أن هذا النداء يذكر بعد فناء البشر إلا أنه حضر هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء، وأقول أيضاً على هذا القول لا يبعد أن يكون السائل والمجيب هو الله تعالى، ولا يبعد أيضاً أن يكون السائل جمعاً من الملائكة والمجيب جمعاً آخرين، الكل ممكن وليس على التعيين دليل، فإن قيل وما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذا النداء؟
فنقول الناس كانوا مغرورين في الدنيا بالأسباب الظاهرة، وكان الشيخ الإمام الوالد عمر رضي الله عنه يقول: لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب، وفي يوم القيامة زالت الأسباب، وانعزلت الأرباب، ولم يبق ألبتة غير حكم مسبب الأسباب، فلهذا اختص النداء بيوم القيامة، واعلم أنه وإن كان ظاهر اللفظ يدل على اختصاص ذلك النداء بذلك اليوم إلا أن قوله: ﴿ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ ﴾ يفيد أن هذا النداء حاصل من جهة المعنى أبداً، وذلك لأن قولنا: الله اسم لواجب الوجود لذاته، وواجب الوجود لذاته واحد وكل ما سواه ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ومعنى الإيجاد هو ترجيح جانب الوجود على جانب العدم، وذلك الترجيح هو قهر للجانب المرجوح فثبت أن الإله القهار واحد أبداً، ونداء لمن الملك اليوم إنما ظهر من كونه واحداً قهاراً، فإذا كان كونه قهاراً باقياً من الأزل إلى الأبد لا جرم كان نداء ﴿ لّمَنِ الملك اليوم ﴾ باقياً في جانب المعنى من الأزل إلى الأبد.
الصفة الخامسة: من صفات ذلك اليوم قوله: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ .
واعلم أنه سبحانه لما شرح صفات القهر في ذلك اليوم أردفه ببيان صفات العدل والفضل في ذلك اليوم فقال: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا الكلام اشتمل على أمور ثلاثة: أولها: إثبات الكسب للإنسان والثاني: أن كسبه يوجب الجزاء والثالث: أن ذلك الجزاء إنما يستوفى في ذلك اليوم فهذه الكلمة على اختصارها مشتملة على هذه الأصول الثلاثة في هذا الكتاب، وهي أصول عظيمة الموقع في الدين، وقد سبق تقرير هذه الأصول مراراً، ولا بأس بذكر بعض النكت في تقرير هذه الأصول أما الأول: فهو إثبات الكسب للإنسان وهو عبارة عن كون أعضائه سليمة صالحة للفعل والترك فما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع صدور الفعل والترك عنه، فإذا انضاف إليه الداعي إلى الفعل أو الداعي إلى الترك وجب صدور ذلك الفعل أو الترك عنه.
وأما الثاني: وهو بيان ترتب الجزاء عليه، فاعلم أن الأفعال على قسمين منها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الجسمانية الحاصلة في عالم الدنيا، ومنها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الروحانية التي لا يظهر كمالها إلا في عالم الآخرة وقد ثبت بالتجربة أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات الراسخة، فمن غلب عليه القسم الأول استحكمت رحمته رغبته في الدنيا وفي الجسمانيات، فعند الموت يحصل الفراق بينه وبين مطلوبه على أعظم الوجوه ويعظم عليه البلاء، ومن غلب عليه القسم الثاني فعند الموت يفارق المبغوض ويتصل بالمحبوب فتعظم الآلاء والنعماء، فهذا هو معنى الكسب، ومعنى كون ذلك الكسب موجباً للجزاء، فظهر بهذا أن كمال الجزاء لا يحصل إلا في يوم القيامة، فهذا قانون كلي عقلي، والشريعة الحقة أتت بما يقوي هذا القانون الكلي في تفاصيل الأعمال والأقوال، والله أعلم.
المسألة الثانية: هذه الآية أصل عظيم في أصول الفقه، وذلك لأنا نقول لو كان شيء من أنواع الضرر مشروعاً لكان إما أن يكون مشروعاً لكونه جزاء على شيء من الجنايات أو لا لكونه جزاء والقسمان باطلان، فبطل القول بكونه مشروعاً، أما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروعاً ليكون جزاء على شيء من الأعمال فلأن هذا النص يقتضي تأخير الأجزية إلى يوم القيامة، فإثباته في الدنيا يكون على خلاف هذا النص، وأما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروعاً للجزاء لقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ﴾ ولقوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» عدلنا عن هذه العمومات فيما إذا كانت المضار أجزية، وفيما ورد نص في الإذن فيه كذبح الحيوانات، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة فيما عداه، فثبت بما ذكرنا أن الأصل في المضار والآلام التحريم، فإن وجدنا نصاً خاصاً يدل على الشرعية قضينا به تقديماً للخاص على العام، وإلا فهو باق على أصل التحريم، وهذا أصل كلي منتفع به في الشريعة، والله علم.
الصفة السادسة: من صفات ذلك اليوم قوله: ﴿ لاَ ظُلْمَ اليوم ﴾ والمقصود أنه لما قال: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ أردفه بما يدل على أنه لا يقع في ذلك اليوم نوع من أنواع الظلم، قال المحققون وقوع الظلم في الجزاء يقع على أربعة أقسام أحدها: أن يستحق الرجل ثواباً فيمنع منه.
وثانيها: أن يعطي بعض بعض حقه ولكنه لا يوصل إليه حقه بالتمام.
وثالثها: أن يعذب من لا يستحق العذاب.
ورابعها: أن يكون الرجل مستحقاً للعذاب فيعذب ويزداد على قدر حقه فقوله تعالى: ﴿ لاَ ظُلْمَ اليوم ﴾ يفيد نفي هذه الأقسام الأربعة، قال القاضي هذه الآية قوية في إبطال قول المجبرة لأن على قولهم لا ظلم غالباً وشاهداً إلا من الله، ولأنه تعالى إذا خلق فيه الكفر ثم عذبه عليه فهذا هو عين الظلم والجواب عنه معلوم.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب ﴾ وذكر هذا الكلام في هذا الموضع لائق جداً، لأنه تعالى لما بيّن أنه لا ظلم بين أنه سريع الحساب.
وذلك يدل على أنه يصل إليهم ما يستحقونه في الحال، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُرِيكُمْ ءاياته ﴾ من الريح والسحاب والرعد والبرق والصواعق ونحوها.
والرزق: المطر، لأنه سببه ﴿ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ ﴾ وما يتعظ وما يعتبر بآيات الله إلاّ من يتوب من الشرك ويرجع إلى الله، فإن المعاند لا سبيل إلى تذكره واتعاظه، ثم قال للمنيبين ﴿ فادعوا الله ﴾ أي: اعبدوه ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ من الشرك، وإن غاظ ذلك أعداءكم ممن ليس على دينكم.
﴿ رَفِيعُ الدرجات ذُو العرش يُلْقِى الروح ﴾ ثلاثة أخبار، لقوله: (هو) مترتبة على قوله: ﴿ الذى يُرِيكُمُ ﴾ أو أخبار مبتدأ محذوف، وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً.
وقرئ: ﴿ رفيع الدرجات ﴾ بالنصب على المدح.
ورفيع الدرجات، كقوله تعالى: ﴿ ذِي المعارج ﴾ [المعارج: 3] وهي مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش، وهي دليل على عزّته وملكوته.
وعن ابن جبير: سماء فوق سماء.
والعرش فوقهن.
ويجوز أن يكون عبارة عن رفعة شأنه وعلوّ سلطانه، كما أنّ ذا العرش عبارة عن ملكه.
وقيل: هي درجات ثوابه التي ينزلها أولياءه في الجنة ﴿ الروح مِنْ أَمْرِهِ ﴾ الذي هو سبب الحياة من أمره، يريد: الوحي الذي هو أمر بالخير وبعث عليه، فاستعار له الروح، كما قال تعالى: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه ﴾ [الأنعام: 122] ﴿ لّيُنذِرَ ﴾ الله.
أو الملقى عليه: وهو الرسول أو الروح.
وقرئ: ﴿ لتنذر ﴾ أي: لتنذر الروح لأنها تؤنث، أو على خطاب الرسول.
وقرئ: ﴿ لينذر يوم التلاق ﴾ على البناء للمفعول ﴿ يَوْمَ التلاق ﴾ يوم القيامة، لأن الخلائق تلتقي فيه.
وقيل: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض.
وقيل: المعبود والعابد ﴿ يَوْمَ هُم بارزون ﴾ ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء، لأنّ الأرض بارزة قاع صفصف، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء في الحديث: «تحشرون عراة حفاة غرلاً» ﴿ لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيْء ﴾ .
أي: من أعمالهم وأحوالهم.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: لا يخفى عليه منهم شيء.
فإن قلت: قوله: ﴿ لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيْء ﴾ بيان وتقرير لبروزهم، والله تعالى لا يخفى عليه منهم شيء برزوا أو لم يبرزوا، فما معناه؟
قلت: معناه أنهم كانوا يتوهمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان والحجب: أنّ الله لا يراهم ويخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه.
قال الله تعالى: ﴿ ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون ﴾ [فصلت: 22] .
وقال تعالى: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله ﴾ [النساء: 108] وذلك لعلمهم أنّ الناس يبصرونهم؛ وظنهم أنّ الله لا يبصرهم، وهو معنى قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ ﴾ [إبراهيم: 48] ، ﴿ لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار ﴾ حكاية لما يسئل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به.
ومعناه: أنه ينادي مناد فيقول: لمن الملك اليوم؟
فيجيبه أهل المحشر: لله الواحد القهار.
وقيل: يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يُعْصَ اللهُ فيها قط، فأوّل ما يتكلم به أن ينادي منادٍ: ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار اليوم تجزى كل نفس...
﴾ الآية.
فهذا يقتضي أن يكون المنادي هو المجيب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ هم بارِزُونَ ﴾ خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ أوْ ظاهِرُونَ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ أوْ ظاهِرَةٌ نُفُوسُهم لا تَحْجُبُهم غَواشِي الأبْدانِ، أوْ أعْمالُهم وسَرائِرُهم.
﴿ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ ﴾ مِن أعْيانِهِمْ وأعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمْ، وهو تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ هم بارِزُونَ وإزاحَةٌ لِنَحْوِ ما يُتَوَهَّمُ في الدُّنْيا.
﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ حِكايَةٌ لِما يُسْألُ عَنْهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولِما يُجابُ بِهِ، أوْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الحالِ فِيهِ مِن زَوالِ الأسْبابِ وارْتِفاعِ الوَسائِطِ، وأمّا حَقِيقَةُ الحالِ فَناطِقَةٌ بِذَلِكَ دائِمًا.
﴿ اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ كَأنَّهُ نَتِيجَةٌ لِما سَبَقَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ النُّفُوسَ تَكْتَسِبُ بِالعَقائِدِ والأعْمالِ هَيْئاتٍ تُوجِبُ لَذَّتَها وألَمَها لَكِنَّها لا تَشْعُرُ بِها في الدُّنْيا لِعَوائِقَ تَشْغَلُها، فَإذا قامَتْ قِيامَتُها زالَتِ العَوائِقُ وأدْرَكَتْ لَذَّتَها وألَمَها.
﴿ لا ظُلْمَ اليَوْمَ ﴾ بِنَقْصِ الثَّوابِ وزِيادَةِ العِقابِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ إذْ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيَصِلُ إلَيْهِمْ ما يَسْتَحِقُّونَهُ سَرِيعًا.
<div class="verse-tafsir"
{يَوْمَ هُم بارزون} ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء {لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَىْءٌ} أي من اعمالهم واحوالهم {لمن الملك اليوم}
غافر (٢١ - ١٧)
أي يقول الله تعالى ذلك حين لا أحد يجيبه ثم يجيب نفسه بقوله {للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ} أي الذي قهر الخلق بالموت وينتصب اليوم بمدلول لمن اى لمن يثبت الملك في هذا اليوم وقيل ينادي منادٍ فيقول لمن الملك اليوم فيجيبه أهل المحشر لله الواحد القهار
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ هم بارِزُونَ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ يَوْمَ التَّلاقِ ﴾ و( هم ) مُبْتَدَأٌ و ﴿ بارِزُونَ ﴾ خَبَرٌ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ بِإضافَةِ ( يَوْمَ ) إلَيْها، قِيلَ: وهَذا تَخْرِيجٌ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ مِن جَوازِ إضافَةِ الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ كَإذا إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ نَحْوَ أجِيئُكَ إذا زِيدٌ ذاهِبٌ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ ويُوجِبُ تَقْدِيرَ فِعْلٍ بَعْدَ الظَّرْفِ يَكُونُ الِاسْمُ مُرْتَفِعًا بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( يَوْمَ ) ظَرْفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ ﴾ والظّاهِرُ البَدَلِيَّةُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ بُرُوزِهِمْ وتَقْرِيرٌ لَهُ وإزاحَةٌ لِما كانَ يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ المُتَوَهِّمِينَ في الدُّنْيا مِنَ الِاسْتِتارِ تَوَهُّمًا باطِلًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا - لَهم.
.
وقِيلَ: هي حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ بارِزُونَ ﴾ و ﴿ يَوْمَ التَّلاقِ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِالتِقاءِ الخَلائِقِ فِيهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: لِالتِقاءِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ فِيهِ.
وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ السُّدِّيُّ: لِالتِقاءِ أهْلِ السَّماءِ وأهْلِ الأرْضِ وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ: لِالتِقاءِ الظّالِمِ والمَظْلُومِ، وحَكى الثَّعْلَبِيُّ أنَّ ذَلِكَ لِالتِقاءِ كُلِّ امْرِئٍ وعَمَلَهُ، واخْتارَ بَعْضُ الأجِلَّةِ ما قالَ مُقاتِلٌ وقالَ: هو أوْلى الوُجُوهِ لِما فِيهِ مِن حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى ما ورَدَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ نَحْوَ ﴿ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ ﴾ .
﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ ﴿ وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ .
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: القَوْلُ الأوَّلُ وهو ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوَّلًا أشْبَهُ لِجَرَيانِ الكَلامِ فِيهِ عَلى الحَقِيقَةِ ونَفْيِ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ المُساواةِ بَيْنَ الخالِقِ والمَخْلُوقِ واسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ البَدَلَيْنِ بِفائِدَةٍ في التَّهْوِيلِ لِما في الأوَّلِ مِن تَصْوِيرِ تَلاقِي الخَلائِقِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها، وفي الثّانِي مِنَ البُرُوزِ لِمالِكِ أمْرِها بُرُوزًا لا يَبْقى لِأحَدٍ فِيهِ شُبْهَةٌ.
وأمّا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِقاءَ رَبِّهِ ﴾ فَمَسُوقٌ بِمَعْنًى آخَرَ، ( وبارِزُونَ ) مِن بَرَزَ وأصْلُهُ حَصَلَ في بِرازٍ أيْ فَضاءٍ، والمُرادُ ظاهِرُونَ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ لِأنَّ الأرْضَ يَوْمَئِذٍ قاعٌ صَفْصَفٌ ولَيْسَ عَلَيْهِمْ ثِيابٌ إنَّما هم عُراةٌ مَكْشُوفُونَ كَما جاءَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «إنَّكم مُلاقُو اللَّهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا»» وقِيلَ: المُرادُ خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ أوْ ظاهِرَةٌ أعْمالُهم وسَرائِرُهم، وقِيلَ: ظاهِرَةٌ نُفُوسُهم لا تُحْجَبُ بِغَواشِي الأبْدانِ مَعَ تَعَلُّقِها بِها، ولا يُقْبَلُ هَذا بِدُونِ ثَبْتٍ مِنَ المَعْصُومِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( مِنهم ) عَلى ما قِيلَ: مِن أحْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ.
وقِيلَ: مِن أعْيانِهِمْ، واخْتِيرَ التَّعْمِيمُ أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ شَيْءٌ ما مِن أعْيانِهِمْ وأعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمُ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ.
وقَرَأ أُبَيٌّ «لِيُنْذِرَ يَوْمُ» بِبِناءِ يُنْذِرَ لِلْفاعِلِ ورَفْعِ يَوْمٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا.
وقَرَأ اليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ «لِيُنْذَرَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «يَوْمُ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ واليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ «لِتُنْذِرَ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ فَقِيلَ: الفاعِلُ فِيهِ ضَمِيرُ الخِطابِ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ الرُّوحِ لِأنَّها تُؤَنَّثُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ حِكايَةً لِما يُسْألُ عَنْهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولِما يُجابُ بِهِ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ المُسْتَأْنَفَةِ أوْ مُسْتَأْنَفٌ يَقَعُ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ بُرُوزِهِمْ وظُهُورِ أحْوالِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما يَكُونُ حِينَئِذٍ ؟
فَقِيلَ: يُقالُ: ﴿ لِمَنِ المُلْكُ ﴾ ..
إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ ﴾ أيْ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ والفاجِرَةِ ﴿ بِما كَسَبَتْ ﴾ أيْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا ﴿ ظُلْمَ اليَوْمَ ﴾ بِنَقْصِ الثَّوابِ وزِيادَةِ العِقابِ ﴿ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ أيْ سَرِيعٌ حِسابُهُ إذْ لا يَشْغَلُهُ سُبْحانَهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيَصِلُ إلى المُحاسَبِ مِنَ النُّفُوسِ ما يَسْتَحِقُّهُ سَرِيعًا.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ تَعالى إذا أخَذَ في حِسابِهِمْ لَمْ يُقِلْ أهْلُ الجَنَّةِ إلّا فِيها ولا أهْلُ النّارِ إلّا فِيها مِن تَتِمَّةِ الجَوابِ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ إجْمالِ فِيهِ، والتَّذْيِيلُ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ.
والمُنادِي بِذَلِكَ سُؤالًا وجَوابًا واحِدٌ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ««يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَعِيدٍ واحِدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعالى فِيها قَطُّ ولَمْ يُخْطَأْ فِيها فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ ﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ ﴿ اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ فَأوَّلُ ما يُبْدَؤُونَ بِهِ مِنَ الخُصُوماتِ الدِّماءُ»» الحَدِيثَ، وهو عِنْدَ الحَسَنِ اللَّهُ نَفْسُهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: مَلَكٌ، وقِيلَ: السّائِلُ هو اللَّهُ تَعالى أوْ مَلَكٌ والمُجِيبُ النّاسُ.
وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ تَقْرِيرًا لِعِبارَةِ الكَشّافِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ تُجْزى ﴾ ..
إلَخْ.
تَعْلِيلٌ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ السّائِلُ والمُجِيبُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا سَألَ ﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ﴾ وأجابَ هو سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ ﴿ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ كانَ المَقامُ مَوْقِعَ السُّؤالِ وطَلَبَ التَّعْلِيلِ <div class="verse-tafsir"
ثم قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ يعني: عجائبه، ودلائله، من خلق السموات والأرض، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، وذلك أنه لما ذكر ما يصيبهم يوم القيامة، عظم نفسه تعالى.
ثم ذكر لأهل مكة من الدلائل ليؤمنوا به، فقال: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً يعني: المطر.
ويقال: الملائكة لتدبير الرزق.
وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ يعني: ما يتعظ بالقرآن، إلا من يقبل إليه بالطاعة.
ويقال: وَما يَتَذَكَّرُ في هذا الصنيع، فيوحد الرب إلا من يرجع إليه، فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني: اعبدوه بالإخلاص، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ يعني: وإن شق ذلك على المشركين، الكافرين.
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ يعني: رافع، وخالق السموات.
أي: مطبقاً بعضها فوق بعض.
ويقال: هو رافع الدرجات في الدنيا بالمنازل، وفي الآخرة الجنة ذو الدرجات، ذُو الْعَرْشِ يعني: رافع العرش.
ويقال: خالق العرش، هو رب العرش يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ يعني: ينزل جبريل بالوحي عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وهو النبي ، لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يعني: ليخوف بالقرآن.
وقرأ الحسن: لتنذر بالتاء على معنى المخاطبة.
يعني: لتنذر يا محمد.
وقراءة العامة بالياء يعني: لينذر الله.
ويقال: لِيُنْذِرَ من أنزل عليه الوحي يَوْمَ التَّلاقِ قرأ ابن كثير: يَوْمَ التَّلاَقِي بالياء.
وهي إحدى الروايتين عن نافع، والباقون بغير ياء.
فمن قرأ بالياء فهو الأصل.
ومن قرأ بغير ياء، فلأن الكسر يدل عليه.
وقال في رواية الكلبي: يَوْمَ التَّلاقِ يوم يلتقي أهل السموات، وأهل الأرض.
ويقال: يوم يلتقي الخصم، والمخصوم، يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ أي: ظاهرين، خارجين من قبورهم، لاَ يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ يعني: من أعمال أهل السموات، وأهل الأرض.
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ قال بعضهم: هذا بين النفختين.
يقول الرب تبارك وتعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟
فلا يجيبه أحد، فيقول لنفسه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ.
قال بعضهم: إن ذلك لأهل الجمع يوم القيامة.
يقول: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فأقر الخلائق كلهم، وقالوا: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ.
يقول الله تعالى: الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يعني: مَّا عَمِلَتْ في الدنيا من خير أو شر، لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ وقد ذكرناه، وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ يعني: خوفهم بيوم القيامة.
فسمي الأزفة لقربه.
ويقال: أزف شخوص فلان يعني: قرب كما قال أَزِفَتِ الآزفة.
ثم قال: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ من الخوف، لا تخرج، ولا تعود إلى مكانها، كاظِمِينَ أي: مغمومين يتردد خوفهم في أجوافهم مَا لِلظَّالِمِينَ يعني: المشركين مِنْ حَمِيمٍ أي قريب، وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ أي: له الشفاعة فيهم.
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ هذا موصول بقوله: لاَ يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ وهو يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ.
وقال أهل اللغة: الخائنة والخيانة واحدة، كقوله: وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ [المائدة: 13] .
وقال مجاهد: خائِنَةَ الْأَعْيُنِ يعني: نظر العين إلى ما نهى الله عنه.
وقال مقاتل: الغمزة فيما لا يحل له، والنظرة إلى المعصية.
ويقال: النظرة بعد النظرة.
وقال قتادة: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ يعني: يعلم غمزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى، وَما تُخْفِي الصُّدُورُ.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : ولا تُنْفَى اللفظةُ عن البشر في معنى الصنع وإنما هي منفيَّةٌ بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم.
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩)
وقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ [لَمَيِّتُونَ] «٢» أي: بعد هذه الأحوال المذكورة، ويريد بالسبع الطرائق: السموات، والطرائق: كُلِّ [ما كان] «٣» طبقاتٍ بعضه فوق بعض ومنه طارقت نعلي.
ويجوزُ أَنْ تكونَ الطرائق بمعنى المَبْسُوطاتِ من طرقت الشيء.
قلت: وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء بِقَدَرٍ ...
الآية: ظاهر الآية أَنَّهُ ماءُ المطر، وأسند أبو بكر ابن الخطيب في أول «تاريخ «٤» بغداد» عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الجَنَّةِ إلَى الأَرْضِ خَمْسَةَ أَنْهَارٍ: سَيْحُونَ: وَهُو نَهْرُ الهِنْدِ، وجَيْحُونَ: وَهُوَ نَهْرُ بَلْخَ، ودِجْلَةَ والفُرَاتَ: وَهمَا نَهَرَا العِرَاقِ، والنِّيلَ: وَهُوَ نَهْرُ مِصْرَ، أَنْزَلَهَا اللهُ تعالى مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُيُونِ الجَنَّةِ مِنْ أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِهَا عَلَى جَنَاحَيْ جِبْرِيلَ، فَاسْتَوْدَعَهَا الجِبَال، وَأَجْرَاهَا فِي الأَرْضِ، وَجَعَلَ فِيهَا مَنَافِعَ لِلنَّاسِ فِي أَصْنَافِ مَعَايِشِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ فَإذَا كَانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، أَرْسَلَ اللهُ تعالى جِبْرِيلَ فَرَفَعَ مِنَ الأَرْضِ القُرْآنَ، وَالْعِلْمَ كُلَّهُ، وَالْحَجَرَ مِنْ رُكْنِ البَيْتِ، وَمَقَامَ إبْرَاهِيمَ، وَتَابُوتَ موسى عليه السلام بما فِيهِ، وَهَذِهِ الأَنْهَارَ الخَمْسَةَ، فَيَرْفَعُ ذَلِكَ/ كُلَّهُ إلَى السَّمَاءِ فذلك قوله تعالى: وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ ٣٠ ألَقادِرُونَ، فَإذَا رُفِعَتْ هَذِهِ الأَشْيَاءُ مِنَ الأَرْضِ، فَقَدَ أَهْلُهَا خَيْرَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا» .
وفي رواية:
«خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» «٥» .
انتهى، فإِن صحَّ هذا الحديثُ، فلا نظرَ لأحد معه، ونقل ابن العربي في «أحكامه» هذا الحديثَ أيضاً عن ابن عباس وغيره، ثم قال في آخره: وهذا جائز في القدرة إنْ صَحَّتْ به الرواية، انتهى.
﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ﴾ أيْ: مَصْنُوعاتُهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ.
والرِّزْقُ هاهُنا: المَطَرُ، سُمِّيَ رِزْقًا، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ.
و "يَتَذَكَّرُ" بِمَعْنى يَتَّعِظُ، و "يُنِيبُ" بِمَعْنى يَرْجِعُ إلى الطّاعَةِ.
ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَوْحِيدِهِ فَقالَ: ﴿ فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ أيْ: مُوَحِّدِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي رافِعَ السَّمَواتِ.
وحَكى الماوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ قالَ: مَعْناهُ: عَظِيمُ الصِّفاتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُو العَرْشِ ﴾ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُلْقِي الرُّوحَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ القُرْآَنُ.
والثّانِي: النُّبُوَّةُ.
والقَوْلانِ مَرْوِيّانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وبِالأوَّلِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وبِالثّانِي قالَ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: الوَحْيُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وإنَّما سُمِّيَ القُرْآَنُ والوَحْيُ رُوحًا، لِأنَّ قِوامَ الدِّينِ بِهِ، كَما أنَّ قِوامَ البَدَنِ بِالرُّوحِ.
والرّابِعُ: جِبْرِيلُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والخامِسُ: الرَّحْمَةُ، حَكاهُ إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أمْرِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: مِن قَضائِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: بِأمْرِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: مِن قَوْلِهِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ﴾ يَعْنِي الأنْبِياءَ.
﴿ لِيُنْذِرَ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
والثّانِي: النَّبِيُّ الَّذِي يُوحى إلَيْهِ.
والمُرادُ بِـ ﴿ يَوْمَ التَّلاقِ ﴾ : يَوْمَ القِيامَةِ.
وأثْبَتَ ياءُ ( التَّلاقِي ) في الحالَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ، وأبُو جَعْفَرٍ وافَقَهُما في الوَصْلِ؛ والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ.
وفي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَلْتَقِي فِيهِ الأوَّلُونَ والآَخِرُونَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: [يَلْتَقِي] فِيهِ الخَلْقُ والخالِقُ، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: يَلْتَقِي المَظْلُومُ والظّالِمُ، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ.
والخامِسُ: يَلْتَقِي المَرْءُ بِعَمَلِهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ هم بارِزُونَ ﴾ أيْ: ظاهِرُونَ مِن قُبُورِهِمْ ﴿ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُمُ اليَوْمَ شَيْءٌ؟
فالجَوابُ: أنْ لا، غَيْرَ أنَّ مَعْنى الكَلامِ التَّهْدِيدُ بِالجَزاءِ؛ ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: لا يَخْفى عَلَيْهِ مِمّا عَمِلُوا شَيْءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لا يَسْتَتِرُونَ مِنهُ بِجَبَلٍ ولا مَدَرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: أبْرَزَهم جَمِيعًا، لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا يَقُولُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ فَناءِ الخَلائِقِ.
واخْتَلَفُوا في وقْتِ قَوْلِهِ لَهُ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] يَقُولُهُ عِنْدَ فِناءِ الخَلائِقِ إذا لَمْ يَبْقَ مُجِيبٌ، فَيَرُدُّ هو عَلى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: ﴿ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ يَقُولُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
وَفِيمَن يُجِيبُهُ حِينَئِذٍ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يُجِيبُ نَفْسَهُ وقَدْ سَكَتَ الخَلائِقُ لِقَوْلِهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّانِي: أنَّ الخَلائِقَ كُلَّهم يُجِيبُونَهُ فَيَقُولُونَ: ﴿ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلا مِنَ يُنِيبُ ﴾ ﴿ فادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ ﴿ رَفِيعُ الدَرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَلاقِ ﴾ ﴿ يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ ﴿ اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ هَذا ابْتِداءُ مُخاطَبَةٍ في مَعْنى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى وتَبْيِينِ عَلاماتِ ذَلِكَ.
وآياتُ اللهِ: تَعُمُّ آياتِ قُدْرَتِهِ وآياتِ قُرْآنِهِ والمُعْجِزاتِ الظاهِرَةِ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ، وتَنْزِيلُ الرِزْقِ: هو في تَنْزِيلِ المَطَرُ وفي تَنْزِيلِ القَضاءِ والحُكْمِ، بِنَيْلِ ما يَنالُهُ المَرْءُ في تِجارَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "[وَيُنْزِلُ]" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وعِيسى وجَماعَةٌ بِالتَشْدِيدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَتَذَكَّرُ إلا مَن يُنِيبُ ﴾ مَعْناهُ: وما يَتَذَكَّرُ تَذَكُّرًا يُعْتَدُّ بِهِ ويَنْفَعُ صاحِبَهُ؛ لِأنّا نَجِدُ مَن لا يُنِيبُ يَتَذَكَّرُ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ عُدَّ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ، و"ادْعُوا": مَعْناهُ: اعْبُدُوا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَفِيعُ الدَرَجاتِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدَرَجاتِ صِفاتَهُ العُلى، وعَبَّرَ تَعالى بِما يَقْرُبُ لِأفْهامِ السامِعِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: رَفِيعُ الدَرَجاتِ الَّتِي يُعْطِيها لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَتَفَضَّلُ بِها عَلى عِبادِهِ المُخْلِصِينَ في جَنَّتِهِ.
و"العَرْشُ" هو الجِسْمُ المَخْلُوقُ الأعْظَمُ، الَّذِي السَماواتُ السَبْعُ والأرَضُونَ فِيهِ كالدَنانِيرِ في الفَلاةِ مِنَ الأرْضِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُلْقِي الرُوحَ ﴾ .
قالَ الضَحّاكُ: الرُوحُ هُنا هو الوَحْيُ والقُرْآنُ وغَيْرُهُ مِمّا لَمْ يُتْلَ، وقالَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ: الرُوحُ النُبُوَّةُ ومَكانَتُها، كَما قالَ: ﴿ رُوحًا مِن أمْرِنا ﴾ ، وسَمّى هَذا رُوحًا لِأنَّهُ يُحْيِي بِهِ الأُمَمَ والأزْمانَ كَما يُحْيِي الجَسَدَ بِرُوحِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرَوْحِ عامًّا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِهِ الإيمانَ والمَعْقُولاتِ الشَرْعِيَّةِ.
والمُقَدَّرُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - هو اللهُ تَعالى.
قالَ الزَجّاجُ: الرُوحُ: كُلُّ ما بِهِ حَياةُ الناسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكُلُّ ضالٍّ كالمَيِّتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أمْرِهِ ﴾ إنْ جَعَلْتَهُ جِنْسًا لِلْأُمُورِ فَـ"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، وإنْ جَعْلَنا الأمْرَ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَـ"مِن" إمّا لِابْتِداءِ الغايَةِ، وإمّا بِمَعْنى الباءِ، ولا تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ بَتَّةً.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وجَماعَةٌ: "لِيُنْذِرَ" بِالياءِ وكَسْرِ الذالِ، وفي الفِعْلِ ضَمِيرٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، أو عَلى الرُوحِ، أو عَلى "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ﴾ ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "لِيُنْذَرَ" بِالياءِ وفَتْحِ الذالِ، وضَمِّ المِيمِ مِن "يَوْمُ"، وجَعَلَ اليَوْمَ مُنْذِرًا عَلى الِاتِّساعِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِمُحَمَّدٍ ، و"يَوْمَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وجَماعَةٌ: "التَلاقِ" بِدُونِ ياءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أيْضًا، وعِيسى، ويَعْقُوبُ: "التَلاقِي" بِالياءِ، والخِلافُ فِيها كالخِلافِ الَّذِي مَرَّ في "يَوْمِ التَنادِ"، ومَعْناهُ: تَلاقِي جَمِيعِ العالِمِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وذَلِكَ أمْرٌ لَمْ يَتَّفِقْ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ.
وقالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ: تَلاقِي أهْلِ السَماءِ وأهْلِ الأرْضِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَلاقِي الناسِ مَعَ بارِئِهِمْ، وهَذا المَعْنى الأخِيرُ هو أشَدُّها تَخْوِيفًا، وقِيلَ: يَلْتَقِي المَرْءُ وعَمَلَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ هم بارِزُونَ ﴾ مَعْناهُ: في بِرازٍ مِنَ الأرْضِ يَنْفُذُهُمُ البَصَرُ ويَسْمَعُهُمُ الداعِي، ونُصِبَ "يَوْمَ" عَلى البَدَلِ مِنَ الأوَّلِ، فَهو نَصْبُ المَفْعُولِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الظَرْفِ ويَكُونُ العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَخْفى ﴾ ، وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا حَرَكَةَ بَنِاءٍ؛ لِأنَّ الظَرْفَ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ كَيَوْمِئِذٍ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ: عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ؟
وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالجُمْلَةُ أمْرٌ مُتَمَكِّنٌ، كَما تَقُولُ: "جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ" فَلا يَجُوزُ البِناءُ،فَتَأمَّلْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَخْفى عَلى اللهِ مِنهم شَيْءٌ ﴾ أيْ: مِن بَواطِنِهِمْ وسَرائِرِهِمْ ودَعَواتَ صُدُورِهِمْ، وفي مُصْحَفِ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: [لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ] بِضَمِيرِ بَدَلِ المَكْتُوبَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ﴾ .
رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يُقَرِّرُ هَذا التَقْرِيرَ ويَسْكُتُ العالَمُ هَيْبَةً وجَزَعًا، فَيُجِيبُ هو نَفْسَهُ: ﴿ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ: هو تَعالى السائِلُ وهو المُجِيبُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ فَيُجِيبُ العالَمُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: يُنادِي بِالتَقْرِيرِ مَلَكٌ فَيُجِيبُ الناسُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا تَأمَّلَ المُؤْمِنُ أنَّهُ لا حَوْلَ لِمَخْلُوقٍ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، فالزَمانُ كُلُّهُ وأيّامُ الدَهْرِ أجْمَعُ إنَّما المُلْكُ فِيها لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، لَكِنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ يَتَّضِحُ يَوْمَ القِيامَةِ.
وإذا تَأمَّلَ تَسْخِيرَ أهْلِ السَمَواتِ وعِبادَتِهِمْ ونُفُوذِ القَضاءِ في الأرْضِ فَأيُّ مُلْكٍ لِغَيْرِ اللهِ؟
ثُمَّ يُعْلِمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أهْلَ المَوْقِفِ بِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ بِالأعْمالِ صالِحِها وسَيِّئِها، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الثَوابَ والعِقابَ مُعَلَّقٌ بِاكْتِسابِ العَبْدِ، وأنَّهُ يَوْمٌ لا يُوضَعُ فِيهِ أمْرٌ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا ظُلْمَ اليَوْمَ ﴾ .
ثُمَّ أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ بِسُرْعَةِ الحِسابِ، وتِلْكَ عِبارَةٌ عن إحاطَتِهِ بِالأشْياءِ عِلْمًا، فَهو يُحاسَبُ الخَلائِقَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ كَما يَرْزُقُهُمْ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى عَدٍّ وفِكْرٍ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
ورُوِيَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْتَصِفُ حَتّى يُقْبَلَ المُؤْمِنُونَ في الجَنَّةِ والكافِرُونَ في النارِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَفِيعُ الدرجات ذُو العرش يُلْقِى الروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق * يَوْمَ هُم بارزون لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ ﴾ .
﴿ رفيعُ الدرجات ﴾ خبر عن مبتدأ محذوف هو ضمير اسم الجلالة في قوله: ﴿ فادعوا الله ﴾ [غافر: 14] وليس خبراً ثانياً بعد قوله: ﴿ هُو الَّذي يُريكم آياته ﴾ [غافر: 13] لأن الكلام هنا في غرض مستجدّ، وحذف المسند إليه في مثله حذف اتِّبَاع للاستعمال في حذف مثله، كذا سماه السكاكي بعد أن يَجري من قبل الجملة حديثٌ عن المحذوف كقول عبد الله بن الزَّبِير أو إبراهيم بن العباس الصولي أو محمد بن سعيد الكاتب: سأَشكُر عَمْراً إِنْ تَراختْ منيتي *** أَيَادِيَ لَم تُمْنَنْ وإنْ هِيَ جَلَّتِ فَتًى غير محجوب الغِنى عن صديقه *** ولا مُظْهِرا للشكوى إذا النعل زَلّت و ﴿ رفيع ﴾ يجوز أن يكون صفة مشبهة.
والتعريف في ﴿ الدرجات ﴾ عوض عن المضاف إليه.
والتقدير: رفيعةٌ درجاتُه، فلما حُول وصف ما هو من شؤونه إلى أن يكون وصفاً لذاته سلك طريق الإضافة وجُعلت الصفة المشبهة خبراً عن ضمير الجلالة وجعل فاعل الصفة مضافاً إليه، وذلك من حالات الصفة المشبهة يقال: فلان حسنٌ فعلُه، ويقال: فلان حسَنُ الفعل، فيؤُول قوله: ﴿ رَفِيعُ الدَّرَجات ﴾ إلى صفة ذاته.
و ﴿ الدرجات ﴾ مستعارة للمجد والعظمة، وجمعها إيذان بكثرة العظمات باعتبار صفات مجد الله التي لا تحصر، والمعنى: أنه حقيق بإخلاص الدعاء إليه.
ويجوز أن يكون ﴿ الكافرون ﴾ من أمثلة المبالغة، أي كثير رفععِ الدرجات لمن يشاء وهو معنى قوله تعالى: ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ [يوسف: 76].
وإضافته إلى ﴿ الدرجات ﴾ من الإِضافة إلى المفعول فيكون راجعاً إلى صفات أفعال الله تعالى.
والمقصود: تثبيتهم على عبادة الله مخلصين له الدين بالترغيب بالتعرض إلى رفع الله درجاتهم كقوله: ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ﴾ في سورة [المجادلة: 11].
(و ﴿ ذُو العَرْش ﴾ خبر ثان وفيه إشارة إلى أن رفع الدرجات منه متفاوت.
كما أن مخلوقاته العليا متفاوتة في العظم والشرف إلى أن تنتهي إلى العرش وهو أعلى المخلوقات كأنه قيل: إن الذي رفع السماوات ورفع العرش مَاذَا تُقَدِّرون رَفعه درجات عابديه على مراتب عبادتهم وإخلاصهم.
وجملة ﴿ يُلْقِي الرُّوح مِن أمْرِه ﴾ خبر ثالث، أو بدلُ بعض من جملة ﴿ رَفِيعُ الدرجات ﴾ فإن مِنْ رفع الدرجات أَنْ يرفع بعض عِباده إلى درجة النبوءة وذلك أعظم رفع الدرجات بالنسبة إلى عِباده، فبدل البعض هو هنا أهم أفراد المبدل منه.
والإِلقاء: حقيقته رميُ الشيء من اليد إلى الأرض، ويستعار للاعطاء إذا كان غير مترقب، وكثر هذا في القرآن، قال: ﴿ فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون وألقوا إلى الله يومئذٍ السلم ﴾ [النحل: 86، 87].
واستعير هنا للوحي لأنه يجيء فجأة على غير ترقب كإلقاء الشيء إلى الأرض.
والروح: الشريعة، وحقيقة الروح: ما به حياة الحيّ من المخلوقات، ويستعار للنفيس من الأمور وللوحْي لأنه به حياة الناس المعنوية وهي كمالهم وانتظام أمورهم، فكما تستعار الحياة للإِيمان والعِلممِ، كذلك يستعار الروح الذي هو سبب الحياة لكمال النفوس وسلامتها من الطوايا السيئة، ويطلق الروح على المَلَك قال: ﴿ فأرسلنا إليها روحَنا فتمثل لها بشراً سويا ﴾ [مريم: 17].
و ﴿ مِنْ ﴾ ابتدائية في ﴿ مِن أمْرِهِ ﴾ ، أي بأمره، فالأمر على ظاهره.
ويجوز أن تكون ﴿ من ﴾ تبعيضية ظرفاً مستقراً صفة ﴿ الروح ﴾ أي بَعْضَ شؤونه التي لا يطلع عليها غيره إلا من ارتضى فيكون الأمر بمعنى الشأن، أي الشؤون العجيبة، وقيل: ﴿ من ﴾ بيانية وأن الأمر هو الروح وهذا بعيد.
وهذه الآية تشير إلى أن النبوءة غير مكتسبة لأنها ابتدئت بقوله: ﴿ فادعوا الله مخلصين له الدين ﴾ [غافر: 14] ثم أُعقب بقوله: ﴿ رفيع الدرجات ﴾ فأشار إلى عبادة الله بإخلاص سبب لرفع الدرجات، ثم أعقب بقوله: ﴿ يُلقِي الرُّوح من أمرِه ﴾ فجيء بفعل الإِلقاء وبكون الروح من أمره وبصلة ﴿ مَن يَشاء مِن عِباده ﴾ ، فآذن بأن ذلك بمحض اختياره وعلمه كما قال تعالى: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته ﴾ [الأنعام: 124].
وهذا يرتبط بقوله في أول السورة [2] ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ فأمَر رسولَه صلى الله عليه وسلم بالإخلاص في العبادة مفرعاً على إنزال الكتاب إليه، وجاء في شأن الناس بقوله: ﴿ فادعوا الله مُخْلِصين ﴾ [غافر: 14] ثم أعقبه بقوله: ﴿ رَفِيع الدرجات ﴾ .
وقد ضَرب لهم العرشَ والأنبياء مثلين لرفع الدرجات في العوالم والعقلاء، وفيه تعريض بتسفيه المشركين ﴿ فقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه ﴾ [القمر: 24]، ﴿ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31] و ﴿ قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ﴾ [الأنعام: 124].
وتخلص من ذكر النبوءة إلى النذارة بيوم الجزاء ليعود وصف يوم الجزاء الذي انقطع الكلام عليه من قوله تعالى: ﴿ ذلكم بأنه إذا دُعي الله وحده كفرتم ﴾ [غافر: 12] الخ.
والإِنذار: إِخبار فيه تحذير مما يسوء، وهو ضد التبشير إذ هو إخبار بما فيه مسرة.
وفعله المجرد: نَذِر كعلم، يقال: نَذِر بالعدوّ فحَذِره.
والهمزة في أنذر للتعدية فحقه أن لا يتعدى بالهمزة إلا إلى مفعول واحد، وهو الذي كان فاعل الفعل المجرد، وأن يتعدى إلى الأمر المخبَر به بالباء، يقال: أنذرتُهم بالعَدوّ، غير أنه غلب في الاستعمال تضمينه معنى التحذير فعدوه إلى مفعول ثان وهو استعمال القرآن، وأما قوله في أول [الأعراف: 2] ﴿ لتنذر به ﴾ فالباء فيه للسببية أو الآلة المجازية وليست للتعدية.
وضمير به عائداً إلى الكتاب.
والضمير المستتر في لينذر } عائد إلى اسم الجلالة من قوله: ﴿ فادعوا الله ﴾ [غافر: 14]، والأحسن أن يعود على ﴿ مَن ﴾ الموصولة لينذر من ألقَى عليه الروحَ قومَه، ولأن فيه تخلصاً إلى ذكر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم الذي هو بصدد الإِنذار دون الرسل الذين سبقوا إذ لا تلائمهم صيغة المضارع ولأنه مرجِّح لإِظهار اسم الجلالة في قوله: ﴿ لا يخفى على الله منهم شيء ﴾ كما سيأتي.
و ﴿ يوم التَلاَقي ﴾ هو يوم الحشر، وسمي يوم التلاقي لأن الناس كلهم يلتقون فيه، أو لأنهم يلقون ربهم لقاء مجازياً، أي يقفون في حضرته وأمام أمره مباشرة كما قال تعالى: ﴿ الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ [يونس: 7] أي لا يرجُون يوم الحشر.
وانتصبَ ﴿ يوم التلاقي ﴾ على أنه مفعول ثان ل ﴿ ينذر ﴾ ، وحذف المفعول الأول لظهوره، أي لينذر الناسَ.
وبَين ﴿ التَّلاَقي ﴾ و ﴿ يُلْقي ﴾ جناس.
وكتب ﴿ التَّلاَقي ﴾ في المصحف بدون ياء.
وقرأه نافع وأبو عمرو في رواية عنه بكسرة بدون ياء.
وقرأه الباقون بالياء لأنه وقع في الوصل لا في الوقف فلا موجب لطرح الياء إلا معاملة الوصل معاملة الوقف وهو قليل في النثر فيقتصر فيه على السماع.
وكفى برواية نافع وأبي عمرو سماعاً.
و ﴿ يَوْمَ هُم بارزون ﴾ بدل من ﴿ يَوْمَ التَّلاَقي ﴾ .
و ﴿ هم بارزون ﴾ جملة اسمية، والمضاف ظرف مستقبل وذلك جائز على الأرجح بدون تقدير.
وضمير الغيبة عائد إلى ﴿ الكافِرُونَ من قوله: وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ [غافر: 14].
وجملة ﴿ لا يَخْفَى على الله منهم شيءٌ ﴾ بيان لجملة ﴿ هُم بارزون ﴾ والمعنى: أنهم واضحة ظواهرهم وبواطنهم فإن ذلك مقتضى قولهم: ﴿ مِنْهم شَيءٌ ﴾ .
وإظهار اسم الجلالة لأن إظهاره أصْرح لبعد معاده بما عقبه من قوله: ﴿ على مَن يَشَاءُ من عِبادهِ ﴾ ، ولأن الأظهر أن ضمير ﴿ ليُنذِر ﴾ عائد إلى ﴿ مَن يَشَاء ﴾ .
ومعنى ﴿ مِنهُم ﴾ من مجموعهم، أي من مجموع أحوالهم وشؤونهم، ولهذا أوثر ضمير الجمع لما فيه من الإِجمال الصالح لتقدير مضاف مناسب للمقام، وأوثر أيضاً لفظ ﴿ شَيْءٌ ﴾ لتوغله في العموم، ولم يقل لا يخفى على الله منهم أحد، أو لا يخفى على الله من أحدٍ شيءٌ، أي من أجزاء جسمه، فالمعنى: لا يخفى على الله شيء من أحوالهم ظاهرها وباطنها.
﴿ شَئ لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد ﴾ مقول لقول محذوف، وحذف القول من حديث البحر.
والتقدير: يقول الله لمن الملك اليوم، ففعل القول المحذوف جملة في موضع الحال، أو استئناف بياني جواباً عن سؤال سائل عما ذا يقع بعد بروزهم بين يدي الله.
والاستفهام إما تقريري ليشهد الطغاة من أهل المحشر على أنفسهم أنهم كانوا في الدنيا مخطئين فيما يزعمونه لأنفسهم من مُلك لأصنامهم حين يضيفون إليها التصرف في ممالك من الأرض والسماء، مثل قول اليونان بإله البحر وإله الحرب وإله الحكمة، وقول أقباط مصر بإله الشمس وإله الموت وإله الحكمة، وقول العرب باختصاص بعض الأصنام ببعض القبائل مثل اللاتتِ لثقيف، وذي الخَلَصة لدوْس، ومناةَ للأوس والخزرج.
وكذلك ما يزعمونه لأنفسهم من سلطان على الناس لا يشاركهم فيه غيرهم كقول فرعون: ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ [القصص: 38] وقولِه: ﴿ أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ﴾ [الزخرف: 51]، وتلقيب أكاسرة الفرس أنفسهم بلقب: ملك الملوك (شاهنشاه)، وتلقيب ملوك الهند أنفسهم بلقب ملك الدنيا (شاه جهان).
ويفسر هذا المعنى ما في الحديث في صفة يوم الحشر «ثم يقول الله أنا المَلِك أين ملوك الأرض» استفهاماً مراداً منه تخويفهم من الظهور يومئذٍ، أي أين هم اليوم لماذا لم يظهروا بعظمتهم وخيلائهم.
ويجوز أيضاً أن يكون الاستفهام كناية عن التشويق إلى ما يرد بعده من الجواب لأن الشأن أن الذي يسمع استفهاماً يترقب جوابه فيتمكن من نفسه الجوابُ عند سماعه فَضْلَ تمكُّن، على أن حصول التشويق لا يفوت على اعتبار الاستفهام للتقرير، وقريب منه: ﴿ وإذَا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دَعان ﴾ [البقرة: 186].
و ﴿ اليوم ﴾ المعرف باللام هو اليوم الحاضر، وحضوره بالنسبة إلى القول المحكي أنه يقال فيه، أي اليوم الذي وقع فيه هذا القول كما هو شأن أسماء الزمان الظروف إذا عُرِّفت باللام.
وجملة ﴿ لله الواحد القَهَّار ﴾ يجوز أن تكون من بقية القول المقدر الصادر من جانب الله تعالى بأن يصدر من ذلك الجانب استفهام ويصدر منه جوابه لأنه لما كان الاستفهام مستعملاً في التقرير أو التشويق كان من الشأن أن يتولى الناطق به الجواب عنه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ عَمَّ يتساءَلُون عَننِ النبإ العَظِيم ﴾ [النبأ: 1، 2].
ويجوز أن تكون مقول قول آخر محذوف، أي فيقول المسؤولون: ﴿ لله الواحد القهَّار ﴾ إقراراً منهم بذلك، والتقدير: فيقول البارزون لله الواحد القهار، فتكون معترضة.
وذكر الصفتين ﴿ الواحد القَهَّار ﴾ دون غيرهما من الصفات العُلَى لأن لمعنييهما مزيد مناسبة بقوله: ﴿ لِمَننِ المُلْكُ اليَوْمَ ﴾ حيث شوهدت دلائل الوحدانية لله وقهره جميعَ الطغاة والجبارين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: رَفَعَ السَّماواتِ السَّبْعَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والكَلْبِيُّ.
الثّانِي: عَظِيمُ الصِّفاتِ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الثّالِثُ: هو رَفْعُهُ دَرَجاتِ أوْلِيائِهِ، قالَهُ يَحْيى.
﴿ ذُو العَرْشِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ عَرْشَهُ فَوْقَ سَماواتِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ رَبُّ العَرْشِ، قالَهُ يَحْيى.
﴿ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الرُّوحَ الوَحْيُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: الرَّحْمَةُ، حَكاهُ إبْراهِيمُ الجَوْنِيُّ.
الخامِسُ: أرْواحُ عِبادِهِ، لا يَنْزِلُ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ مِنها رُوحٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
السّادِسُ: جِبْرِيلُ يُرْسِلُهُ اللَّهُ بِأمْرِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيُنْذِرَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: لِيُنْذِرَ أنْبِياؤُهُ يَوْمَ التَّلاقِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهُ يَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَلْتَقِي فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: يَلْتَقِي فِيهِ الخَلْقُ والخالِقُ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَوْمَ هم بارِزُونَ ﴾ يَعْنِي مِن قُبُورِهِمْ.
﴿ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أبْرَزَهم جَمِيعًا لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ.
الثّانِي: مَعْناهُ يُجازِيهِمْ مَن لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِمْ شَيْءٌ.
﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ﴾ هَذا قَوْلُ اللَّهِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ حِينَ فَنِيَ الخَلائِقُ وبَقِيَ الخالِقُ فَلا يَرى - غَيْرَ نَفْسِهِ - مالِكًا ولا مَمْلُوكًا: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ فَلا يُجِيبُهُ لِأنَّ الخَلْقَ أمْواتٌ، فَيُجِيبُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ: ﴿ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ لِأنَّهُ بَقِيَ وحْدَهُ وقَهَرَ خَلْقَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّانِي: أنَّ هَذا مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى في القِيامَةِ حِينَ لَمْ يُبْقِ مَن يَدَّعِي مُلْكًا، أوْ يُجْعَلُ لَهُ شَرِيكًا.
وَفِي المُجِيبِ عَنْ هَذا السُّؤالِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ هو المُجِيبُ لِنَفْسِهِ وقَدْ سَكَتَ الخَلائِقُ لِقَوْلِهِ، فَيَقُولُ: لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّ الخَلائِقَ كُلَّهم يُجِيبُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
والكافِرِينَ، فَيَقُولُونَ: لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يلقي الروح من أمره ﴾ قال: الوحي والرحمة ﴿ لينذر يوم التلاق ﴾ قال: يوم يتلاقى أهل السماء وأهل الأرض، والخالق وخلقه ﴿ يوم هم بارزون ﴾ ولا يسترهم جبل ولا شيء.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يوم التلاق، ويوم الآزفة ونحو هذا من أسماء يوم القيامة عظمة الله، وحذره عباده.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء ﴾ قال: واليوم لا يخفى على الله منهم شيء، ولكنهم برزوا لله يوم القيامة لا يستترون بجبل ولا مدر.
وأخرج عبد بن حميد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ينادي مناد بين يدي الساعة: يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات، وينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ .
وأخرج ابن أبي الدنيا في البعث والديلمي عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينادي مناد بين الصيحة: يا أيها الناس أتتكم الساعة- ومد بها صوته يسمعه الأحياء والأموات- وينزل الله إلى السماء الدنيا، ثم ينادي مناد: لمن الملك اليوم لله...؟
الواحد القهار» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِّمَنِ الملك اليوم ﴾ هذا من كلام الله تعالى تقريراً للخلق يوم القيامة؛ فيجيبونه ويقولون: ﴿ لِلَّهِ الواحد القهار ﴾ وقيل: بل هو الذي يجيب نفسه؛ لأنه الخلق يسكتون هيبة له، وقيل: إن القائل ﴿ لِّمَنِ الملك اليوم ﴾ ملك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب وذلك طبعاً لا اختلافاً لمعان مذكورة في "ص".
﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لتنذر ﴾ بالتاء الفوقانية على أن الضمير للروح، وقد تؤنث، أو على خطاب الرسول: يعقوب غير رويس ﴿ التلاقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل.
﴿ والذين تدعون ﴾ على الخطاب: نافع وهشام غير الرازي وابن مجاهد والنقاش وابن ذكوان ﴿ أشد منكم ﴾ ابن عامر.
الباقون ﴿ منهم ﴾ .
الوقوف: ﴿ حم ﴾ ط كوفي ﴿ العليم ﴾ ه لا ﴿ الطول ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ﴿ من بعدهم ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ فأخذتهم ﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ م لئلا يتوهم أن ما بعده صفة أصحاب النار ﴿ آمنوا ﴾ ج لحق القول المحذوف ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ وذرياتهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه وقد يوصل للعطف ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ فتكفرون ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ﴿ كفرتم ﴾ ج للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ تؤمنوا ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ رزقاً ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ ذو العرش ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ التلاق ﴾ ه لا ﴿ بارزون ﴾ ج لاحتمال الاستئناف وتعلقه بالظرف ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ كسبت ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ كاظمين ﴾ ط ﴿ يطاع ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ بشيء ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ واق ﴾ ه ﴿ فأخذهم الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه.
التفسير: ﴿ حم ﴾ اسم الله الأعظم.
وقيل: ﴿ حم ﴾ ما هو كائن أي قدّر.
وروي أن أعرابياً قال للنبي : ما حم؟
فقال: أسماء وفواتح سور.
وقد تقدم القول في حواميم في مقدمات الكتاب وفي أول "البقرة".
ومن جملة تلك التقادير أن يقال: السورة المسماة بحم.
﴿ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ﴾ وقد مر نظيره في أول "الزمر".
ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد فقال ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ﴾ قالت المعتزلة: معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بالتوبة إن كان كبيراً، أو طاعة أعظم منه ثواباً إن كان صغيراً.
وقال الأشعري: إنه قد يعفو عن الكبائر بدون التوبة لئلا يلزم التكرار بقوله ﴿ قابل التوب ﴾ وليفيد المدح المطلق ويؤيده إدخال الواو بين هذين الوصفين فقط كأنه قيل: الجامع بين المغفرة إن كانت بدون توبة وبين القبول إن كانت بتوبة فقد جمع للمذنب بين رحمتين بحسب الحالتين.
وقيل: غافر الذنب الصغير وقابل التوب عن الكبير، أو غافر الذنب بإسقاط العقاب وقابل التوب بإيجاب الثواب.
ثم إن قبول التوبة واجب على الله أم لا؟
فيه بحث أيضاً للفريقين.
فالمعتزلة أوجبوه، والأشعري يقول: إنه على سبيل التفضيل وإلا لم بتمدّح به.
والظاهر أن التوب مصدر.
وقيل: جمع توبة أي ما ذنب تاب منه العبد إلا قبل توبته.
وقد ذكر أهل الإعراب ههنا سؤالاً وهو أن غافر الذنب وقابل التوب يمكن بوجيههما بأنهما معرفتان كما سبق في ﴿ مالك يوم الدين ﴾ وهو أنهما بمعنى الماضي أو الاستمرار فيصح وقوعهما صفتين لله إلا أن قوله ﴿ شديد العقاب ﴾ لا يمكن فيه هذا الوجه لأنه في معنى شديد عقابه.
فإن قلنا إنه صفة لزم وقوع النكرة صفة للمعرفة، وإن قلنا إنه بدل لزم نبوّ ظاهر للزوم بدل واحد فيما بين صفات كثيرة.
وأجيب على تقدير أن لا يكون الكل أبدالاً بأن الألف واللام من شديد محذوف لمناسبة ما قبله مع الأمن من اللبس ومن جهالة الموصوف، أو تعمد تنكيره من بين الصفات للإبهام والدلالة على فرط الشدة.
وجوزوا أن تكون هذه النكتة سبباً لجعله بدلاً من بين سائر أخواته.
وهذا ما قاله صاحب الكشاف.
وعندي أنه لا مانع من جعل ﴿ شديد العقاب ﴾ أيضاً للاستمرار والدوام حتى يصير إضافة حقيقية.
قوله ﴿ ذي الطول ﴾ أي ذي الفضل بسبب ترك العقاب وقد مر في قوله ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ وإنما أورد هذا الوصف بعد وصفه نفسه بشدة العقاب ليعلم أن خاتمة أمره مبنية على التفضل كما أن فاتحته مبنية على الغفران وقبول التوبة وقد تقع عقوبة في الوسط أعاذنا الله منها، إلا أنه لا يبقى مؤمن في النار خالداً ببركة قوله لا إله إلا الله وهو المبدأ وسبب علمه أنه إليه المصير وهو المعاد.
وفيه أن من آمن بالمبدأ والمعاد فإن أخل في الوسط ببعض التكاليف كان مرجواً أن يغفر الله له ويقبل توبته.
ثم بين أحوال من لا يقبل هذه التقريرات ولا يخضع لها فقال ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ والجدال في آياته نسبتها إلى الشعر تارة وإلى السحر أخرى إلى غير ذلك من المطاعن وفضول الكلام.
فأما البحث عنها لاستنباط حقائقها والوقوف على دقائقها وحل مشكلاتها فنوع من الجهاد في سبيل الله، ولمكان الفرق بين هذين الجدالين قال "إن جدالاً في القرآن كفر" فنكر الجدال ليشمل أحد نوعيه فقط وهو الجدال بالباطل كما يجيء في قوله ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ﴾ ثم عقب الكلام بقوله ﴿ فلا يغررك ﴾ ليعلم أن جدالهم الصادر عن البطر والأشر والجاه والخدم لا اعتبار به وكذا ﴿ تقلبهم في البلاد ﴾ للتجارات والمكاسب فإن قريشاً كانت أصحاب أموال متجرين إلى الشام واليمن مترفين بأموالهم مستكبرين عن قبول الحق لذلك.
ثم مثل حالهم بحال الأمم السالفة الذين تحزبوا على الرسل وكادوا يقتلونهم فأهلكهم الله ودمرهم ونجى الرسل.
ثم بين بقوله ﴿ وكذلك حقت ﴾ أنهم في الآخرة أيضاً معذبون.
وقوله ﴿ أنهم أصحاب النار ﴾ بدل من ﴿ كلمة ربك ﴾ أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم في الآخرة من أصحاب النار.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ أنهم ﴾ في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل.
وقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ قريش أي كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء لأن العلة الجامعة وهي أنهم أصحاب النار واحدة في الفريقين.
ومن قرأ ﴿ كلمات ﴾ على الجمع أراد بها علم الله السابق أو معلوماته التي لا نهاية لها، أو الآيات الواردة في وعيد الكفار.
وحين بين أن الكفار بالغوا في إظهار عداوة المؤمنين حكى أن أشرف طبقات أكثر المخلوقات وهم حملة العرش، والحافون حوله يبالغون في محبتهم ونصرتهم كأنه قيل: إن كان هؤلاء الأراذل يعادونهم فلا تبال بهم ولا تقم لهم وزناً فإن الأشراف يحابونهم.
روى صاحب الكشاف أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يعرفون طرفهم.
وروي عن النبي "لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق من الملائكة فإن خلقاً من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من سبع سموات وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع وهو طائر صغير شبه العصفور" وروي أن الله أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة.
وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام، وعدد حملة العرش يوم القيامة ثمانية لقوله عز وجل { ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ أما في غير ذلك الوقت فلا يعلم به إلا الله.
أما الذين حول العرش فقيل: سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر.
وهذه الآثار كلها منقولة من كتاب الكشاف.
سؤال: ما فائدة قوله ﴿ ويؤمنون به ﴾ ولا يخفى أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون؟
أجاب في الكشاف بأن فائدته التنبيه على شرف الإيمان والترغيب فيه.
وأيضاً فيه تكذيب المجسمة فإن الأمر لو كان على زعمهم لكانت الملائكة يشاهدونه فلا يوصفون بالإيمان به لأنه لا يوصف بالإيمان إلا الغائب، فعلم أن إيمانهم كإيمان أهل الأرض والكل سواء في أن إيمانهم بطريق النظر والاستدلال.
واستحسن هذا الكلام الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير حتى ترحم عليه وقال: لو لم يكن في كتابه إلا هذه النكتة لكفى به فخراً وشرفاً.
وأنا أقول: لا نسلم أن الإيمان لا يكون إلا بالغائب وإلا لم يكن الإيمان بالنبي وقت تحديه بالقرآن.
وإن شئت فتأمل قوله ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ فلو لم يكن إيمان بالشهادة لم يكن لقوله ﴿ بالغيب ﴾ فائدة.
على أنه يحتمل أن يشاهد الرب وينكر كونه إلهاً، ويمكن أن يكون محمول الشيء محجوباً عن ذلك الشيء فمن أين يلزم تكذيب المجسمة؟
وقال بعضهم في الجواب: أراد أنهم يسبحون تسبيح تلفظ لا تسبيح دلالة.
وزعم فخر الدين أن في الآية دلالة أخرى على إبطال قول أهل التجسيم إن الإله على العرش فإنه لو كان كما زعموا وحامل الشيء حامل لكل ما على ذلك الشيء لزم أن تكون الملائكة حاملين لإله العالم حافظين له، والحافظ أولى بالإلهية من المحفوظ.
قلت: لا شك أن هذه مغالطة فإن جاز الحمل لأجل العظمة وإظهار الكبرياء على ما يزعم الخصم في المسألة كيف يلزم منه ذلك؟
وهل يزعم عاقل أن الحمار أشرف من الإنسان الراكب عليه من جهة الركوب عليه؟
وإنما ذكرت ما ذكرت لكونه وارداً على كلام الإمامين مع وفور فضلهما وبعد غورهما، لا لأني مائل في المسألة على ما يزعم الخصم إلى غير معتقدهما.
قال جار الله: وقد روعي التناسب في قوله ﴿ ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ﴾ كأنه قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم، وفيه أنهم بعد التعظيم لأمر الله يقبلون على الشفقة على خلق الله ولا سيما المؤمنين لأن الإيمان جامع لا أجمع منه يجذب السماوي إلى الأرضي، والروحاني إلى العنصري.
احتج كثير من العلماء بالآية على أفضلية الملك قالوا: لأنها تدل على أنه لا معصية للملائكة وإلا لزم بحكم "ابدأ بنفسك" أن يستغفروا أوّلاً لأنفسهم قال الله ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ ﴿ وقال نوح رب اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمناً ﴾ قلت: لا نزاع بالنسبة إليهم وإلى غير المعصومين من البشر وإنما النزاع بينهم وبين المعصومين فلا دليل في الآية، ولا يلزم من طلب الاستغفار لأحد.
لو سلم أن قوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ عام أن يكون المستغفر له عاصياً على أنه قد خص الاستغفار في قوله ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ وهذا فيه بحث يجيء.
وفي قولهم ﴿ ربنا وسعت كل شيء رحمة ﴾ ولو بإعطاء الوجود ﴿ وعلماً ﴾ وقد مر في "الأنعام" إشارة إلى أن الحمد والثناء ينبغي أن يكون مقدماً على الدعاء.
وفي لفظ ﴿ ربنا ﴾ خاصية قوية في تقديم الدعاء كما ذكرنا في آخر "آل عمران" كأن الداعي يقول: كنت نفياً صرفاً وعدماً محض فأخرجتني إلى الوجود وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعاً إليك، ولا ريب أن ذكر الله أول كل شيء بمنزلة الإكسير الأعظم للنحاس من حيث إنه يقوّي جوهر الروح ويكسبه إشراقاً وصفاء.
وفي تقديم الرحمة على العلم فائدة هي أن مطلوب الملائكة في هذا المقام هو أن يرحم المؤمنين فكأنهم قالوا: ارحم من علمت منه التوبة واتباع الدين.
قالت علماء المعتزلة: الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون، طلب مزيد الكرامة والثواب فهو بمنزلة الشفاعة، وإذا ثبت شفاعة الملائكة لأهل الطاعة فكذلك شفاعة الأنبياء ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
وقال علماء السنة: إن مراد الملائكة ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ عن الكفر ﴿ واتبعوا سبيلك ﴾ الإيمان وهذا لا ينافي كون المستغفر لهم مذنبين ومما يؤيد ما قلنا أن الاستغفار طلب المغفرة والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العذاب، أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفاراً.
قال أهل التحقيق: هذا الاستغفار من الملائكة يجري مجرى الاعتذار من قولهم { ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ أما قوله ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ فتصريح بالمطلوب بعد الرمز لأن دلالة المغفرة على الوقاية من العذاب كالضمنية.
وحين طلبوا لأجلهم إسقاط العذاب ضمناً وصريحاً طلبوا إيصال الثواب إليهم بقولهم ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ قال علماء السنة: كل أهل الإيمان موعودون بالجنة وإن كانوا من أهل الكبائر غاية ذلك أنهم يعذبون بالنار مدّة إن لم يكن عفواً وشفاعة ثم يخرجون إلى الجنة.
قال الفراء والزجاج: قوله ﴿ ومن صلح ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على الضمير في ﴿ وأدخلهم ﴾ فيكون دعاء من الملائكة بإدخال هؤلاء الأصناف الجنة تكميلاً لأنس الأولين وتتميماً لابتهاجهم وإشفاقاً على هؤلاء أيضاً.
ويجوز أن يكون عطفاً على الضمير في ﴿ وعدتهم ﴾ لأنه قال في سورة الرعد ﴿ أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ﴾ وعلى هذا لا يشمل دعاء الملائكة هؤلاء الأصناف اللهم إلا ضمناً.
قال أهل السنة: المراد بمن صلح أهل الإيمان منهم وإن كانوا ذوي كبائر.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنك أنت العزيز الحكيم ﴾ لأنه إن لم يكن غالباً على الكل لم يصح منه وقوع المطلوب كما يراد، وإن لم يكن حكيماً أمكن منه وضع الشيء في غير موضعه.
ثم قالوا ﴿ وقهم السيئات ﴾ فقيل: يعني العقوبات أو عذاب السيئات على حذف المضاف.
واعترض بأنهم قالوا مرة وقهم عذاب الجحيم فيلزم التكرار.
وأجيب بأن الأوّل دعاء للأصول وهذه لفروعهم وهم الأصناف الثلاثة، أو الأول مخصوص بعذاب النار وهذا شامل لعذاب الموقف وعذاب الحساب وعذاب السؤال، أو المراد بالسيئات العقائد الفاسدة والأعمال الضارة، وعلى هذا يكون ﴿ يومئذ ﴾ في قوله ﴿ ومن تق السيئات يومئذ ﴾ إشارة إلى الدنيا.
وقوله ﴿ فقد رحمته ﴾ يجوز أن يكون في الدنيا وفي الآخرة.
قال في الكشاف: السيئات هي الصغائر والكبائر المتوب عنها، والوقاية منها التكفير أو قبول التوبة.
ثم إنه عاد إلى شرح أحوال الكفرة المجالدين في آياته وأنهم سيعترفون يوم القيامة بما كانوا ينكرونه في الدنيا من البعث، وذلك إذا عاينوا النشأة وتذكروا النشأة الأولى فقال ﴿ إن الذين كفروا ينادون ﴾ أي يوم القيامة.
وفي الآية حذف وفيها تقديم وتأخير.
أما الحذف فالتقدير لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغنى بذكرها مرة.
وأما التقديم والتأخير فهو أن قوله ﴿ إذ تدعون ﴾ منصوب بالمقت الأول.
وفي المقت وجوه: الأول كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون، وذلك أشد من مقتكم أنفسكم اليوم في النار إذ أوقعتكم فيها باتباعكم هواهن وفيه توبيخ.
ولا ريب أن سخط الله وبغضه الشديد لا نسبة له إلى سخط غيره ولهذا أوردهم النار.
الثاني عن الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا بلسان خزنة جهنم لمقت الله وهو قريب من الأول.
الثالث قال محمد بن كعب: إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ إلى قوله ﴿ ولوموا أنفسكم ﴾ وفي هذه الحالة مقتوا أنفسهم.
فلعل المعنى.
لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض ومن لعنه إياه.
وأما قول الكفرة في الجواب ﴿ ربنا أمتنا اثنتين ﴾ أي إماتتين اثنتين ﴿ وأحييتنا ﴾ إحياءتين ﴿ اثنتين ﴾ فللعلماء في تعيين كل من الاثنتين خلاف.
أما في الكشاف فذهب إلى أن الإماتتين إحداهما خلقهم أوّلاً أمواتاً ثم نطفة ثم علقة الخ كما في الآية الأخرى ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً ﴾ ونسب هذا القول إلى ابن عباس ووجهه بأنه كقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها وليس ثم نقل من كبر إلى صغر أو بالعكس، وإنما أردت الإنشاء على هذه الصفة.
والسبب في صحته أن كلا النعتين جائز على المصنوع الواحد وللصانع أن يختار أحدهما.
قلت: ومما يؤيد قوله أنه بدأ بالإماتة وإلا كان الأظهر أن يبدأ بالإحياء.
قال: والإماتة الثانية هي التي في الدنيا والإحياءة الأولى هي التي في الدنيا، والثانية هي التي بعد البعث.
وأورد على هذا القول أنه يلزم أن لا تكون الإحياءة في القبر والإماتة فيه مذكورتين في القرآن بل تكونان منفيتين مع ورودهما في الحديث.
أجاب بعضهم بأن حياة القبر والإماتة ممنوعة لأنه لم يذكرها، والأحاديث الواردة فيها آحاد، ولأن الذي افترسه السبع لو أعيد حياً لزم نقصان شيء من السبع وليس بمحسوس، ولأن الذي مات لو تركناه ظاهراً بحيث يراه كل أحد لم يحس منه حياة وتجويز ذلك مع عدم الرؤية سفسطة وفتح لباب الجهالات.
وزيف هذا الجواب أهل الاعتبار بأن عدم ذكر الشيء لا يدل على عدمه، والأحاديث في ذلك الباب صحيحة مقبولة.
وإذا كان الإنسان جوهراً نورانياً مشرقاً مدبراً للبدن في كل طور على حد معلوم كما ورد في الشريعة الحقة زالت سائر الإشكالات، ولا يلزم قياس ما بعد الموت على ما قبله وللشرع في إخفاء هذه الأمور عن نظر المكلفين حكم ظاهرة حققناها لك مرات.
وقال بعضهم: في الجواب هذا كلام الكفار فلا يكون حجة.
وضعف بأنه لو لم يكن صادقاً لأنكر الله عليهم.
وقيل: إن مقصودهم تعديد أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة: الموتة الأولى، والحياة في القبر، والموتة الثانية، والحياة في القيامة.
فأما الحياة في الدنيا فإنها وقت ترفههم وتنعمهم فلهذا السبب لم يذكروها.
وقيل: أهملوا ذكر حياة القبر لقصر مدتها أو لأنهم لم يموتوا بعد ذلك بل يبقون أحياء في الشقاوة حتى اتصل بها حياة القيامة وكانوا من جملة المستثنين في قوله ﴿ فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ ولا يخفى أن أكثر هذه الأقوال متكلفة ولا سيما الأخير فإن قوله ﴿ الذين كفروا ﴾ عام.
ولو فرض أنه مخصوص بكفار معهودين فتخصيصهم بالحياة في القبر حتى يكونوا من المستثنين بعيد جداً.
وقد يدور في الخلد أن هذا النداء يحتمل أن يكون في القبر، وعلى هذا لا يبقى إشكال لأن الإماتة والإحياء التي بعد ذلك تخرج من غير تكلف وثبت سؤال القبر كما جاء في الحديث والله أعلم بمراده.
وقوله ﴿ فهل إلى خروج من سبيل ﴾ أي إلى نوع من الخروج والرد من القبر إلى الدنيا خروج سريع أو بطيء من سبيل قط أم اليأس الكلي واقع، وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط.
وكان الجواب الصريح أن يقال: لا أو نعم إلا أنه رمز إلى عدم الخروج بقوله ﴿ ذلكم ﴾ أي ذلكم اليأس وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم في وقت التمكن من التوحيد أو ان التكليف ﴿ فالحكم لله العلي الكبير ﴾ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي وكما يناسب عظمته وكبرياءه.
قيل: إن تحكيم الحرورية وهو قولهم "لا حكم إلا لله" مأخوذ من هذه الآية.
ثم أراد أن يذكر طرفاً من دلائل وحدانيته وكماله فقال ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ من الريح والسحاب والرعد والبرق ﴿ وينزل لكم من السماء ﴾ ماء هو سبب الرزق ﴿ وما يتذكر إلا من ينيب ﴾ أي ما يعتبر إلا الذي أناب إلى الله وأعرض عن الشرك لينفتح عليه أبواب الأنوار والمكاشفات.
ثم قال للمنيبين ﴿ فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ﴾ قال جار الله: قوله ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح ﴾ ثلاثة أخبار لقوله هو مترتبة على الأول وهو قوله ﴿ الذي يريكم ﴾ أو أخبار مبتدأ محذوف وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً أوسطها معرفة.
ثم إن الرفيع إما أن يكون بمعنى الرافع أو بمعنى المرتفع، وعلى الأول فإما أن يراد رافع درجات الخلق في العلم والأخلاق الفاضلة كما قال ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ﴾ وكذا في الرزق والأجل بل جعل للملائكة مقامات معينة وللأجسام البسيطة العلوية والسفلية درجات معينة كما يشهد به علم الهيئة، وقد أشرنا إلى ذلك في أثناء هذا الكتاب.
أو يراد رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة.
وأما على الثاني فلا ريب أنه أشرف الموجودات وأجلها رتبة من جهة استغنائه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه في الوجود وفي توابع الوجود.
واعلم أن كمال كبرياء الله لا يصل إليه عقول البشر فالطريق في تعريفه أن يؤيد المعقول بنحو من المحسوس، فلهذا عقب الله هذه الصفة بصفتين أخريين، وذلك أن ما سوى الله إما جسمانيات وإما روحانيات.
أما الجسمانيات فأعظمها العرش فأشار بقوله ﴿ ذو العرش ﴾ إلى استيلائه على كلية عالم الأجسام، وأما الروحانيات فأشار إلى كونها تحت تسخيره بقوله ﴿ يلقي الروح ﴾ أي الوحي ﴿ من أمره ﴾ أي من عالم أمره ﴿ على من يشاء من عباده ﴾ وقد مر نظيره في الآية في أول سورة النحل.
وقيل من أمره حال ثم بين الغرض من الإلقاء بقوله ﴿ لينذر يوم التلاق ﴾ ووجه التسمية ظاهر لتلاقي الأجساد والأرواح فيه، أو لتلاقي أهل السماء والأرض كما قال عز من قائل ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً ﴾ ولأن كل واحد يلاقي جزاء عمله.
وقال ميمون بن مهران: يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم، فربما ظلم رجل رجلاً وانفصل عنه ولم يمكن التلاقي أو استضعف المظلوم ففي يوم القيامة لا بد أن يتلاقيا.
وقوله ﴿ يوم هم بارزون ﴾ بدل من الأول.
ومعنى البروز ما مر في آخر سورة إبراهيم في قوله ﴿ وبرزوا لله الواحد القهار ﴾ وقوله ﴿ لا يخفى على الله منهم شيء ﴾ تأكيد لذلك وهذا، وإن كان عاماً في جميع الأحوال وشاملاً للدنيا والآخرة إلا أنه خصص بالآخرة لأنهم في الدنيا كانوا يظنون أن بعض الأعمال تخفى على الله عند الاستتار بالحجب كما قال ﴿ ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون ﴾ فهو نظير قوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ ثم أكد تفرّده في ذلك اليوم بالحكم والقضاء بقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ ولا ريب أن الكلام مشتمل على جواب وسؤال وليس في لفظ الآية ما يدل على تعيين السائل ولا المجيب.
فقال جم من المفسرين ومن أرباب القلوب: إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض يقول الرب : لمن الملك اليوم؟
فلا يجيبه أحد.
فهو يجيب عن نفسه فيقول: لله الواحد القهار.
وأما الذين ألغوا صرف المعقول من أهل الأصول فقد أنكروا هذا القول إنكاراً شديداً لأنه بين أن هذا النداء في يوم التلاقي والبروز يوم تجزى كل نفس بما كسبت، وكل هذا ينافي في كون الخلق هالكين وقتئذ، ولأن التكلم من غير سامع ولا مجيب عبث إلا أن يكون هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء لكن المفروض فناء كل المخلوقين، فأما أن يكون حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به وذلك أن ينادي مناد فيقول: لمن الملك اليوم؟
فيجيبه أهل المحشر لله الواحد القهار، يقوله المؤمن تلذذاً والكافر هواناً وتحسراً على أن فاتتهم هذه المعرفة في الدنيا فإن الملك كان له من الأزل إلى الأبد.
وفائدة تخصيص هذا النداء يوم القيامة كما عرفت في ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يحكى أن نصر بن أحمد لما دخل نيسابور وضع التاج على رأسه ودخل عليه الناس فخطر بباله شيء فقال: هل فيكم من يقرأ آية؟
فقرأ رجل روّاس ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش ﴾ فلما بلغ قوله ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ نزل الأمير عن سريره ورفع التاج عن رأسه وسجد لله وقال: لك الملك لا لي.
فلما توفي الروّاس رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟
فقال: غفر لي وقال لي إنك عظمت ملكي في عين عبدي فلان يوم قرأت تلك الآية فغفرت لك وله.
ومما يدل على تفرده قوله ﴿ لله الواحد القهار ﴾ فإن كل واحد من الأسماء الثلاثة ينبىء عن غاية الجلال والعظمة كما مر مراراً، وباقي الآية أيضاً مما سلف تفسيره مرات.
ثم وصف يوم القيامة بأنواع أخر من الصفات الهائلة فقال ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ وهي فاعلة من أزف الأمر أزوفاً إذا دنا، ولا ريب أن القيامة قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن كل ما هو كائن فهو قريب.
قال جار الله: يجوز أن يريد بيوم الآزفة وقت لحظة الآزفة وهي مشارفتهم دخول النار فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارّها فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا.
وقال أبو مسلم: يوم الآزفة يوم المنية وحضور الأجل لأنه ذكر يوم القيامة في قوله ﴿ يوم التلاق يوم هم بارزون ﴾ فناسب أن يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم، ولأنه وصف يوم الموت بنحو هذه الصفة في مواضع أخر قال ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم ﴾ ﴿ كلا إذا بلغت التراقي ﴾ ولا ريب أن الرجل عند معاينة أمارات الموت يعظم خوفه، فلو جعلنا كون القلوب لدى الحناجر كناية عن شدّة الخوف جاز، ولو حملناه على ظاهره فلا بأس.
وقوله ﴿ كاظمين ﴾ أي مكروبين.
والكاظم الساكت حال امتلائه غماً وغيظاً قال عز من قائل ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ وانتصابه على أنه حال عن أصحاب القلوب كأنه قيل: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها، أو عن القلوب.
وجمع جمع السلامة بناء على أن الكظم من أفعال العقلاء كقوله ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ أو عن ضمير المفعول في ﴿ وأنذرهم ﴾ أي وأنذرهم مقدّرين أو مشارفين الكظم فيكون حالاً مقدّرة.
وفي قوله ﴿ ما للظالمين من حميم ولا شفيع ﴾ بحث بين الأشاعرة والمعتزلة حيث حمله الأوّلون على أهل الشرك، والآخرون على معنى أعم حتى يشمل أصحاب الكبائر.
وقد مرّ مراراً ولا سيما في قوله ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ ومعنى قوله ﴿ يطاع ﴾ يجاب أي لا شفاعة ولا إجابة كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** وذلك أنه لا يشفع أحد في ذلك اليوم إلا بإذن الله، فإن أذن له أجيب وإلا فلا يوجد شيء من الأمرين.
والفائدة في ذكر هذه الصفة أن يعلم أن الغرض من الشفيع منتفٍ في حقهم وإن فرض شفيع على ما يزعم أهل الشرك من أن الأصنام يشفعون لهم.
وقوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ خبر آخر لقوله ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ إلا أنه فصل بالتعليل وهو قوله ﴿ لينذر ﴾ وذكر وصف القيامة استطراداً، قال جار الله: هي صفة للنظرة أو مصدر بمعنى الخيانة كالعافية، والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب.
قال: ولا يحسن أن تكون الخائنة صفة للأعين مضافة إليها نحو "جرد قطيفة" أي يعلم العين الخائنة لأن قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ لا يساعد عليه.
قلت: يعني أن عطف العرض على الجوهر والمعنى على العين غير مناسب.
وقيل: هي قول الإنسان رأيت ولم ير وما رأيت ورأى.
ومضمرات الصدور أي القلوب فيها لأنها فيها.
قيل: هي ما يستره الإنسان من أمانة وخيانة.
وقيل: الوسوسة.
وقال ابن عباس: ما تخفي الصدور بعد النظر إليها أيزني بها أم لا.
أقول: والحاصل أنه أراد أن يصف نفسه بكمال العلم فإن المجازاة تتوقف على ذلك.
ففي قوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ إشارة إلى أنه عالم بجميع أفعال الجوارح، وفي قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ دلالة على أنه عالم بجميع أفعال القلوب.
وإذا علمت هذه الصفة وقد عرفت من الأصناف السابقة كمال قدرته واستغنائه لم يبق شك في حقيّة قضائه فلذلك قال ﴿ والله يقضى بالحق ﴾ ثم وبخهم على عبادة من لا قضاء له ولا سمع ولا بصر بقوله ﴿ والذين يدعون ﴾ الخ.
ثم وعظهم بالنظر في أحوال الأمم السالفة وقد مر نظير الآية في مواضع.
وإنما قال في هذه السورة ﴿ ذلك بأنهم كانت ﴾ وفي "التغابن" ﴿ ذلك بأنه كانت ﴾ موافقة لضمير الفصل في قوله ﴿ كانوا هم أشد ﴾ .
التأويل: الحاء والميم حرفان من وسط اسم الرحمن ومن وسط اسم محمد ففي ذلك إشارة إلى سر بينه وبين حبيبه لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿ غافر الذنب ﴾ للظالم ﴿ وقابل التوب ﴾ للمقتصد ﴿ شديد العقاب ﴾ للكافر ﴿ ذي الطول ﴾ للسابق ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ أي عن موجباتها كالرياء واتباع الهوى ﴿ لمقت الله ﴾ إياكم حين حكم عليكم بالبعد والحرمان ﴿ أكبر من مقتكم أنفسكم ﴾ لو كنتم تمقتونها في الدنيا فإنها أعدى عدوّكم.
ومقتها منعها من هواها، ولا ريب أن عذاب البعد الأبديّ أشدّ من رياضة أيام معدودة قلائل.
﴿ ذو العرش ﴾ عرش القلوب استوى عليها بجميع الصفات وهم العلماء بالله المستغرقون في بحر معرفته.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ .
اختلف في قوله: ﴿ يُرِيكُمْ ﴾ هو ما أراهم بمكذبي رسله ومصدقهم من أوائلهم حيث استأصل هؤلاء بتكذيبهم رسله، وأنجى مصدقيهم بتصديقهم إياه؛ ليحذر هؤلاء عن تكذيب رسوله.
وقال بعضهم: أراهم آيات وحدانيته وربوبيته وقدرته وسلطانه في السماوات والأرض ما لو تأملوا لعرفوا ذلك؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ آيات وحدانيته وربوبيته، وذكر أنهم يمرون عليها، أي: يرونها - لكنهم يعرضون عنها، والله أعلم.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ : يا أهل مكة إذا سافرتم رأيتم آيات المتقدمين ومنازلهم وهلاكهم؛ وهو الأول بعينه.
وقوله: ﴿ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً ﴾ .
يخبر عن آيات وحدانيته أيضاً: أنه ينزل رزقهم من السماء، وحيل الخلق تنقطع عن استنزال الرزق من السماء؛ ليعلموا أن منشئ الأرض والسماء واحد حيث اتصل منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما.
ويحتمل أنه يذكر نعمه عليهم حيث يعلمون أنه هو الذي أنزل أرزاقهم من السماء دون من يعبدون من الأصنام، فكيف تصرفون عبادتكم وشكركم إلى غيره؟!
وقوله: ﴿ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ ﴾ .
وما يتذكر بما ذكر من الآيات ولا يتأملها إلا من ينيب إليه بطاعته.
أو يقول: لا يتذكر ولا يتعظ بآياته ومواعيده إلا من ينيب إليه بالقبول لأمره وطاعته.
وقوله: ﴿ فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ .
كأن هذا صلة ما تقدم من قوله : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ...
﴾ الآية [الزمر: 45]، وصلة قوله: ﴿ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ ﴾ يقول: فادعوا الله يا أصحاب محمد، وأيها المؤمنون مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون ذلك، ووحدوه، ولا تشركوا به شيئاً على ما يشرك به أهل مكة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: رفيع السماوات درجة على درجة، وطبقاً على طبق؛ على ما رفعها واحدة على أخرى.
والثاني: قوله: ﴿ رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ﴾ أي: درجات أهلها ومنازلهم التي جعلها لهم في الآخرة على تفضيل بعض على بعض في الدرجات؛ كقوله - -: ﴿ ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾ : أخبر أنه فضل بعضاً على بعض في الدرجات في الآخرة، فجائز أن يكون ما ذكر من رفع الدرجات هو رفع السماوات درجة فدرجة، فهو إخبار عن قدرته وسلطانه أنه من قدر على رفع السماوات في الهواء وإقرارها فيه بلا سبب من أسباب إمساكها من التعليق بشيء، مع ثقلها وغلظها ولا شيء يقر في الهواء بحيث لا ينحط ولا يتسفل ولا يرتفع عن أماكنه بلا سبب من الأسفل والأعلى لا يحتمل أن يعجزه شيء أو يخفى عليه شيء أو يمنعه [شيء] عما يريد، والله أعلم.
وإن كان المراد بالدرجات التي يجعل لأهلها في الآخرة إنما يستوجبونها بالله بأعمال تكون لهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: هو جبريل - - ﴿ يُلْقِي ﴾ أي: ينزل بالوحي بالنبوة ﴿ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ أخبر أنه أمين؛ ليعلم أنه ليس في إنزاله غلط ولا شيء مما قاله بعض الروافض: إنه بعث إلى فلان وأداه إلى غيره.
وقال بعضهم: الروح هاهنا هو الوحي والرسالة؛ يقول: ﴿ يُلْقِي ﴾ هو الوحي على من يختار ويصطفي من عباده، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: يوم يلقى أهل الأرض أهل السماء.
وقال بعضهم: يوم يلقى الآخرون الأولين.
وجائز أن يكون هو يوم يلقى الإنسان عمله وأفعاله التي عملها، والله أعلم.
وقالت الباطنية: أي: يوم يلقى الصور المتولدة من الأجساد بأعمال الخير والشر التي كانت لهم في الدنيا الصور التي كانت لهم روحانية؛ لأن من مذهبهم أن من مات منهم يحدث ويتولد بالأعمال التي كانت لهم من الخير صوراً روحانية تلقى هذه الصورة الحادثة المتولدة من الأجساد بعد الموت، ويكون البعث عندهم للأرواح فتتصل هذه الأرواح النورانية بالنور الصرف، ويستدلون بقوله: ﴿ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ﴾ ، أي: تبرز تلك الصور الروحانية من الأجساد؛ إذ الخلائق كلهم في جميع الأحوال والأوقات بارزون ظاهرون لله لم يكونوا في وقت مستورين عنه.
ولكن هذا فاسد؛ لأنه لو كان الأمر على ما يقوله الباطنية لكانت الأنفس إذا نامت وخرجت منها الصور الروحانية، فرأت رؤيا كانت تراها مختلطة غير متحققة، وفي حالة اليقظة تراها متحققة غير مختلطة؛ دل أن الإدراك للأجساد بواسطة الصور الروحانية، فيجب أن يكون البعث للكل، والله أعلم.
ولكن الوجه في ذلك ما ذكرنا، وأصله أنه سمي ذلك اليوم على ما سمي: يوم الجمع، ويوم التغابن، ويوم الحشر، وغير ذلك، سمي ذلك اليوم على أسماء مختلفة، كل اسم من ذلك لمعنى غير المعنى الآخر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ﴾ .
قال بعضهم: أي: ظاهرون، لا شيء هنالك يسترهم، أي: يرتفع يومئذ جميع السواتر؛ وهو كقوله : ﴿ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ ، أي: لا شيء فيها، يذكر هذا لأن من الناس من يقول: يستر الأشياء عن الله بالسواتر ردّاً لقولهم.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ﴾ سمي ذلك اليوم: يوم البروز؛ لما يتفقون جميعاً ويقرون بالكلمة التي اختلفوا في الدنيا فيها، فيبرزون جميعاً متفقين مقرين على تلك الكلمة يومئذ وهي كلمة التوحيد، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون سماه: يوم البروز، والمصير، والرجوع، وما ذكر؛ لأن المقصود من إنشاء الدنيا وما فيها من الخلائق ذلك اليوم وتلك الدار، وكذلك صار إنشاء الدنيا وإنشاء ما فيها حكمة؛ لما عرف أن الإنشاء للإفناء خاصة ليس بحكمة، فخص ذلك اليوم بما ذكرنا وإن كانوا في جميع الأحوال بارزين إليه ظاهرين له، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ﴾ .
ظاهر، وهو رد لقول من يقول: إن شيئاً يستر على الله [تعالى الله] عن ذلك علوّاً كبيراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: إذا أهلك الله أهل الأرض وأهل السماء فلم يبق أحد إلا الله ، فعند ذلك يقول: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ﴾ ؟
فلا يجيبه أحد، فيقول هو في نفسه ويجيب نفسه: ﴿ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ ، لكن هذا بعيد لا يحتمل أن يقول: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ﴾ ولا أحد سواه، ويجيب نفسه: ﴿ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ ؛ لما لا حكمة في ذلك: أن يسأل نفسه ثم يجيبها، لكن الوجه فيه - والله أعلم - أنه إنما يقول لهم ذلك إذا بعثهم وأحياهم: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ﴾ ؟
فيقول الخلائق له بأجمعهم ﴿ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ ، يقرون له جميعاً يومئذ بالملك والربوبية وإن كان بعض الخلائق في الدنيا قد نازعوه في الملك فيها وادعوا لأنفسهم، فيقرون يومئذ أن الملك في الدنيا والآخرة لله ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ ﴾ .
أي: من خير أو شر.
﴿ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ ﴾ .
أي: لا تجزى غير ما كسبت.
ويحتمل ﴿ لاَ ظُلْمَ ﴾ أي: لا نقصان في الحسنات التي عملوها، ولا زيادة على السيئات التي اكتسبوها، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
قد ذكرنا هذا أيضاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ ﴾ .
سمى ذلك اليوم [الآزفة] لقربه ودنوه منه؛ وعلى ذلك سماه: غدا، وقريباً؛ كقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ...
﴾ الآية [الأنبياء: 1]؛ فعلى ذلك سماه "آزفة" لدنوه وقربه منهم، يقال: أزف فلان إلى فلان، أي: قرب ودنا منه، ومعناه: أي: أنذرهم بما إليه مرجع عاقبتهم ومصيرهم؛ لأن أهل العقل والتمييز إنما يعملون ويسعون للعاقبة وما إليه يرجع أمورهم وهو ذلك اليوم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ ﴾ .
يخبر عن شدة حالهم وفزعهم في ذلك اليوم، ليس أن يزول قلوبهم عن أمكنتها وترتفع إلى الحناجر حقيقة، ولكنه وصف لشدة حالهم في ذلك اليوم وكثرة خوفهم وفزعهم وضيق صدورهم؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ أي: ضاقت صدورهم وقلوبهم بما حل بهم من الشدائد والأهوال، ليس أن صارت الأرض في الحقيقة مضيقة لا يسعون فيها، ولكن وصف لضيق صدورهم لعظم ما نزل بهم، فكنى بضيق الأرض عن ضيق صدورهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من كون القلوب لدى الحناجر كناية عن ضيق صدورهم لشدة حالهم وعظيم ما حل بهم، والله أعلم.
والحناجر: هي مواضع الذبح من الشاة وغيرها من الدواب، واحدها: حنجرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَاظِمِينَ ﴾ .
قال بعضهم: الكاظم: المغموم الذي يتردد خوفه في جوفه غيظاً؛ لما كان منه في الدنيا.
وقيل: الكاظم لا يتكلم، قد كظم من الخوف.
وقيل: الذي لا يفتح فمه؛ وهو قريب بعضهم من بعض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ﴾ .
أي: قريب، وقيل: الحميم: هو الذي يهتم بأمر صاحبه، ويسعى في دفع ما نزل به من البلاء.
وقوله: ﴿ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ .
أي: يجاب: يذكر: ألا يكون لهم في الآخرة قريب يهتم لأمرهم، ولا شفيع يشفع لهم؛ فيجاب كما يكون في الدنيا؛ وكذلك قوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ أي: لا يكون لهم شفعاء ينفعهم شفاعتهم، وهو ما قال - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ...
﴾ الآية [البقرة: 254].
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ ﴾ ، والخيانة واحد، وهو ما قال عز وجل: ﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ أي: خيانة منهم.
وقال بعضهم: هي النظرة بعد النظرة: أما الأولى فليس فيها شيء، وأما الثانية فعليه مأثمها.
وقوله: ﴿ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ ﴾ .
أي: ما لم يتكلم به المرء ولم يعمل، كل ذلك يعلمه الله .
وقال بعضهم: خائنة الأعين: هي النظرة فيما لا يحل والغمزة بعينه؛ وهو مثل الأول.
وقال بعضهم: خائنة الأعين: هي التي ينتظرها: غفلة الناس إذا غفلوا عنه، نظر إلى ما يهواه ويحبه، و ﴿ تُخْفِي ٱلصُّدُورُ ﴾ هو ما ذكر - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ يذكر هذا ليكونوا أبداً مراقبين أنفسهم، حافظين لها عما لا يحل من السمع والبصر والفؤاد، وعلى ما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ ، ليكونوا أبداً على حذر من ذلك وخوف، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
يوم هم ظاهرون قد اجتمعوا في صعيد واحد، لا يخفى على الله منهم شيء، لا من ذواتهم ولا أعمالهم ولا جزائهم، يسأل: لمن الملك اليوم؟!
ليس الآن إلَّا جواب واحد؛ الملك لله الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، القهار الذي قهر كل شيء، وخضع له كل شيء.
من فوائد الآيات مَحَلُّ قبول التوبة الحياة الدنيا.
نفع الموعظة خاص بالمنيبين إلى ربهم.
استقامة المؤمن لا تؤثر فيها مواقف الكفار الرافضة لدينه.
خضوع الجبابرة والظلمة من الملوك لله يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir" id="91.xplxV"