الآية ٣١ من سورة غافر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٣١ من سورة غافر

مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعِبَادِ ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة غافر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

كقوم نوح وعاد وثمود ، والذين من بعدهم من الأمم المكذبة ، كيف حل بهم بأس الله ، وما رده عنهم راد ، ولا صده عنهم صاد .

( وما الله يريد ظلما للعباد ) أي : إنما أهلكهم الله بذنوبهم ، وتكذيبهم رسله ، ومخالفتهم أمره .

فأنفذ فيهم قدره ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ ) يقول: يفعل ذلك بكم فيهلككم مثل سنته في قوم نوح وعاد وثمود وفعله بهم.

وقد بيَّنا معنى الدأب فيما مضى بشواهده, المغنية عن إعادته, مع ذكر أقوال أهل التأويل فيه.

وقد حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس ( مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ ) يقول: مثل حال.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ ) قال: مثل ما أصابهم.

وقوله: ( وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) يعني قوم إبراهيم, وقوم لوط, وهم أيضا من الأحزاب.

كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) قال: هم الأحزاب.

وقوله: ( وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه: وما أهلك الله هذه الأحزاب من هذه الأمم ظلما منه لهم بغير جرم اجترموه بينهم وبينه, لأنه لا يريد ظلم عباده, ولا يشاؤه, ولكنه أهلكهم بإجرامهم وكفرهم به, وخلافهم أمره.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لا يوجد تفسير لهذه الأية

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ } أي: مثل عادتهم في الكفر والتكذيب وعادة الله فيهم بالعقوبة العاجلة في الدنيا قبل الآخرة، { وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ } فيعذبهم بغير ذنب أذنبوه، ولا جرم أسلفوه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ) أي : مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب حتى أتاهم العذاب ، ( وما الله يريد ظلما للعباد ) أي : لا يهلكهم قبل اتخاذ الحجة عليهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم» مثل بدل من مثل قبله، أي مثل جزاء عادة من كفر قبلكم من تعذيبهم في الدنيا «وما الله يريد ظلما لعباد».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

مثلَ عادة قوم نوح وعاد وثمود ومَن جاء بعدهم في الكفر والتكذيب، أهلكهم الله بسبب ذلك.

وما الله سبحانه يريد ظلمًا للعباد، فيعذبهم بغير ذنب أذنبوه.

تعالى الله عن الظلم والنقص علوًا كبيرًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ والذين مِن بَعْدِهِمْ .

.

) بدل أو عطف بيان من قوله ( مِّثْلَ يَوْمِ الأحزاب ) .والدأب : العادة الدائمة المستمرة يقال : دأب فلان على كذا .

إذا داوم عليه وجد فيه ، ثم غلب استعماله فى الحال والشأن والعادة .أى : أخاف عليكم أن يكون حالكم وشأنكم كحال قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم كقوم لوط ، فهؤلاء الأقوام كذبوا أنبياءهم فدمرهم الله - تعالى - تدميرا ، فاحذروا أن تسيروا على نهجهم بأن تقصدوا موسى - عليه السلام - بالقتل أو الإِيذاء ، فينزل بكم العذاب مثل ما نزل بهم .( وَمَا الله ) - تعالى - ( يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ ) أى : فما أنزله - سبحانه - بهم من عذاب ، إنما هو بسبب إصرارهم على شركهم .

وعلى الإِعراض عن دعوة أنبيائهم ، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن مؤمن آل فرعون لما أقام أنواع الدلائل على أنه لا يجوز الإقدام على قتل موسى، خوفهم في ذلك بعذاب الله فقال: ﴿ ياقوم لَكُمُ الملك اليوم ظاهرين فِي الأرض ﴾ يعني قد علوتم الناس وقهرتموهم، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لبأس الله وعذابه، فإنه لا قبل لكم به، وإنما قال: ﴿ يَنصُرُنَا ﴾ و ﴿ جَاءنَا ﴾ لأنه كان يظهر من نفسه أنه منهم وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه، ولما قال ذلك المؤمن هذا الكلام ﴿ قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ﴾ أي لا أشير إليكم برأي سوى ما ذكرته أنه يجب قتله حسماً لمادة الفتنة ﴿ وَمَا أَهْدِيكُمْ ﴾ بهذا الرأي ﴿ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد ﴾ والصلاح، ثم حكى تعالى أن ذلك المؤمن رد هذا الكلام على فرعون فقال: ﴿ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ الأحزاب ﴾ .

واعلم أنه تعالى حكى عن ذلك المؤمن أنه كان يكتم إيمانه، والذي يكتم كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون، ولهذا السبب حصل هاهنا قولان الأول: أن فرعون لما قال: ﴿ ذَرُونِى أَقْتُلْ موسى  ﴾ لم يصرح ذلك المؤمن بأنه على دين موسى، بل أوهم أنه مع فرعون وعلى دينه، إلا أنه زعم أن المصلحة تقتضي ترك قتل موسى، لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى الله والإتيان بالمعجزات القاهرة وهذا لا يوجب القتل، والإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة الناس بأقبح الكلمات، بل الأولى أن يؤخر قتله وأن يمنع من إظهار دينه، لأن على هذا التقدير إن كان كاذباً كان وبال كذبه عائداً إليه، وإن كان صادقاً حصل الانتفاع به من بعض الوجوه، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ  ﴾ يعني أنه إن صدق فيما يدعيه من إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدي المسرف الكذاب، فأوهم فرعون أنه أراد بقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ أنه يريد موسى وهو إنما كان يقصد به فرعون، لأن المسرف الكذاب هو فرعون والقول الثاني: أن مؤمن آل فرعون كان يكنم إيمانه أولاً، فلما قال فرعون ﴿ ذَرُونِى أَقْتُلْ موسى ﴾ أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى، وشافه فرعون بالحق.

واعلم أنه تعالى حكى عن هذا المؤمن أنواعاً من الكلمات ذكرها لفرعون الأول: قوله: ﴿ ياقوم إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ الأحزاب ﴾ والتقدير مثل أيام الأحزاب، إلا أنه لما أضاف اليوم إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد ثمود، فحينئذٍ ظهر أن كل حزب كان له يوم معين في البلاء، فاقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم الالتباس، ثم فسّر قوله: ﴿ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ الأحزاب ﴾ بقوله: ﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ﴾ ودأب هؤلاء دونهم في عملهم من الكفار والتكذيب وسائر المعاصي، فيكون ذلك دائباً ودائماً لا يفترون عنه، ولا بد من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم، والحاصل أنه خوفهم بهلاك معجل في الدنيا، ثم خوفهم أيضاً بهلاك الآخرة، وهو قوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ والمقصود منه التنبيه على عذاب الآخرة.

والنوع الثاني: من كلمات ذلك المؤمن قوله تعالى: ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ ﴾ يعني أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلاً، لأنهم استوجبوه بسبب تكذيبهم للأنبياء، فتلك الجملة قائمة هاهنا، فوجب حصول الحكم هاهنا، قالت المعتزلة: ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ ﴾ يدل على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضاً، ويدل على أنه لا يريد ظلم أحد من العباد، فلو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالماً، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم ألبتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد، لأنه لو خلقها لأرادها، وثبت أيضاً أنه قادر على الظلم، إذ لو لم يقدر عليه لما حصل المدح بترك الظلم، وهذا الاستدلال قد ذكرناه مراراً في هذا الكتاب مع الجواب، فلا فائدة في الإعادة.

النوع الثالث: من كلمات هذا المؤمن قوله: ﴿ وياقوم إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: التنادي تفاعل من النداء، يقال تنادى القوم، أي نادى بعضهم بعضاً، والأصل الياء وحذف الياء حسن في الفواصل، وذكرنا ذلك في ﴿ يَوْمَ التلاق  ﴾ وأجمع المفسرون على أن ﴿ يَوْمَ التناد ﴾ يوم القيامة، وفي سبب تسمية ذلك اليوم بذلك الاسم وجوه: الأول: أن أهل النار ينادون أهل الجنة، وأهل الجنة ينادون أهل النار، كما ذكر الله عنهم في سورة الأعراف ﴿ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة  ﴾ ، ﴿ وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار  ﴾ .

الثاني: قال الزجاج: لا يبعد أن يكون السبب فيه قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم  ﴾ .

الثالث: أنه ينادي بعض الظالمين بعضاً بالويل والبثور فيقولون ﴿ يا ويلنا  ﴾ .

الرابع: ينادون إلى المحشر، أي يدعون الخامس: ينادي المؤمن ﴿ هَاؤُمُ اقرؤا كتابيه  ﴾ والكافر ﴿ ياليتنى لَمْ أُوتَ كتابيه  ﴾ .

السادس: ينادى باللعنة على الظالمين السابع: يجاء بالموت على صورة كبش أملح، ثم يذبح وينادى يا أهل القيامة لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرحهم، وأهل النار حزناً على حزنهم الثامن: قال أبو علي الفارسي: التنادي مشتق من التناد، من قولهم ند فلان إذا هرب، وهو قراءة ابن عباس وفسرها، فقال يندون كما تند الإبل، ويدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ  ﴾ الآية.

وقوله تعالى بعد هذه الآية ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ لأنهم إذا سمعوا زفير النار يندون هاربين، فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفاً، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه.

المسألة الثانية: انتصب قوله: ﴿ يَوْمَ التناد ﴾ لوجهين: أحدهما: الظرف للخوف، كأنه خاف عليهم في ذلك اليوم، لما يلحقهم من العذاب، إن لم يؤمنوا والآخر أن يكون التقدير إني أخاف عليكم عذاب يوم التناد وإذا كان كذلك كان انتصاب يوم انتصاب المفعول به، لا انتصاب الظرف، لأن إعرابه إعراب المضاف المحذوف، ثم قال: ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ وهو بدل من قوله: ﴿ يَوْمَ التناد ﴾ عن قتادة: منصرفين عن موقف يوم الحساب إلى النار، وعن مجاهد: فارين عن النار غير معجزين، ثم أكد التهديد فقال: ﴿ مَا لَكُمْ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ ﴾ ثم نبه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم فقال: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مِّثْلَ يَوْمِ الاحزاب ﴾ مثل أيامهم، لأنه لما أضافه إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد وثمود، ولم يلبس أنّ كلّ حزب منهم كان له يوم دمار، اقتصر على الواحد من الجمع؛ لأنّ المضاف إليه أغنى عن ذلك كقوله: كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُو تَعِفُّوا وقال الزجاج: مثل يوم حزب حزب، ودأب هؤلاء: دؤبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي، وكون ذلك دائباً دائماً منهم لا يفترون عنه، ولا بدَّ من حذف مضاف، يريد: مثل جزاء دأبهم.

فإن قلت: بم انتصب مثل الثاني؟

قلت: بأنه عطف بيان لمثل الأوّل؛ لأنّ آخر ما تناوله الإضافة قوم نوح، ولو قلت أهلك الله الأحزاب: قوم نوح وعاد وثمود، لم يكن إلاّ عطف بيان لإضافة قوم إلى أعلام، فسرى ذلك الحكم إلى أوّل ما تناولته الإضافة ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ ﴾ يعني: أن تدميرهم كان عدلاً وقسطاً، لأنهم استوجبوه بأعمالهم، وهو أبلغ من قوله تعالى: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46] حيث جعل المنفى إرادة الظلم؛ لأنّ من كان عن أرادة الظلم بعيداً، كان عن الظلم أبعد.

وحيث نكر الظلم، كأنه نفى أن يريد ظلماً ما لعباده.

ويجوز أن يكون معناه كمعنى قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ [الزمر: 7] أي: لا يريد لهم أن يظلموا؛ يعني أنه دمّرهم لأنهم كانوا ظالمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ ﴾ في تَكْذِيبِهِ والتَّعَرُّضِ لَهُ.

﴿ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ ﴾ مِثْلَ أيّامِ الأُمَمِ الماضِيَةِ يَعْنِي وقائِعَهُمْ، وجَمْعُ الأحْزابِ مَعَ التَّفْسِيرِ أغْنى عَنْ جَمْعِ اليَوْمِ.

﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴾ مِثْلَ جَزاءِ ما كانُوا عَلَيْهِ دائِبًا مِنَ الكُفْرِ وإيذاءِ الرُّسُلِ.

﴿ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ كَقَوْمِ لُوطٍ.

﴿ وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ ﴾ فَلا يُعاقِبُهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ ولا يُخَلِّي الظّالِمَ مِنهم بِغَيْرِ انْتِقامٍ، وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ مِن حَيْثُ إنَّ المَنفِيَّ فِيهِ حُدُوثُ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِالظُّلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ والذين مِن بَعْدِهِمْ} ولم يلتبس أن كل حزب منهم كان له يوم دمار اقتصر على الواحد من الجمع ودأب هؤلاء دؤبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي وكون ذلك دائباً دائماً منهم لا يفترون عنه ولا بد من حذف مضاف أي مثل جزاء دأبهم وانتصاب

مثل الثاني بأنه عطف بيان لمثل الأول {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ} أي وما يريد الله أن يظلم عباده فيعذبهم بغير ذنب أو يزيد على قدر ما يستحقون من العذاب يعني أن تدميرهم كان عدلاً لأنهم استحقوه بأعمالهم وهو أبلغ من قوله وما ربك بظلام للعبيد حيث جعل المنفي إرادة ظلم منكّر ومن بعد عن إرادة ظلم ما لعباده كان عن الظلم أبعد وأبعد وتفسير المعتزلة بأنه لا يريد لهم أن يظلموا بعيد لأن أهل اللغة قالوا إذا قال الرجل لآخر لا أريد ظلماً لك معناه لا أريد أن أظلمك وهذا تخويف بعذاب الدنيا ثم خوفهم من عذاب الاخرة بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴾ أيْ مِثْلُ جَزاءِ دَأْبِهِمْ أيْ عادَتُهُمُ الدّائِمَةُ مِنَ الكُفْرِ وإيذاءِ الرُّسُلِ، وقُدِّرَ المُضافُ لِأنَّ المُخَوَّفَ في الحَقِيقَةِ جَزاءُ العَمَلِ لا هو، وجاءَ هَذا مِن نَصْبِ ( مِثْلَ ) الثّانِي عَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِمِثْلِ الأوَّلِ لِأنَّ آخِرَ ما تَناوَلَتْهُ الإضافَةُ قَوْمُ نُوحٍ، ولَوْ قُلْتَ: أهْلَكَ اللَّهُ الأحْزابَ قَوْمَ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ لَمْ يَكُنْ إلّا عَطْفَ بَيانٍ لِإضافَةِ قَوْمٍ إلى أعْلامٍ فَسَرى ذَلِكَ الحُكْمُ إلى أوَّلِ ما تَناوَلَتْهُ الإضافَةُ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَدَلٌ مِن ( مِثْلَ ) الأوَّلِ، والِاحْتِياجُ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ عَلى حالِهِ ﴿ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ كَقَوْمِ لُوطٍ ﴿ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ ﴾ أيْ فَما فَعَلَ سُبْحانَهُ بِهَؤُلاءِ الأحْزابِ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا بَلْ كانَ عَدْلًا وقِسْطًا لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهم بِالبَيِّناتِ فَكَذَّبُوهم وتَحَزَّبُوا عَلَيْهِمْ فاقْتَضى ذَلِكَ إهْلاكَهم، وهَذا أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ  ﴾ مِن حَيْثُ جَعْلِ المَنفِيِّ فِيهِ إرادَةَ الظُّلْمِ لِأنَّ مَن كانَ عَنْ إرادَةِ الظُّلْمِ بَعِيدًا كانَ عَنِ الظُّلْمِ نَفْسِهِ أبْعَدَ، وحَيْثُ نُكِّرَ الظُّلْمُ كَأنَّهُ نَفى أنْ يُرِيدَ ظُلْمًا ما لِعِبادِهِ، ويُجَوِّزُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ  ﴾ أيْ لا يُرِيدُ سُبْحانَهُ لَهم أنْ يَظْلِمُوا يَعْنِي أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ دَمَّرَهم لِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا المَعْنى مَرْجُوحٌ لَفْظًا ومَعْنى، ثُمَّ لا حُجَّةَ فِيهِ لِلْمُعْتَزِلَةِ لِثُبُوتِ الفَرْقِ بَيْنَ أرادَهُ مِنهُ وأرادَهُ لَهُ فَلَوْ سُلِّمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُرِيدُ لَهم أنْ يَظْلِمُوا لَمْ يَلْزَمْ أنْ لا يُرِيدَهُ مِنهم والمُمْتَنِعُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ هو هَذا فَلا احْتِياجَ إلى صَرْفِ الآيَةِ عَنِ الظّاهِرِ عِنْدَهم أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وهو حزبيل بن ميخائيل، هو ابن عم قارون، وكان أبوه من آل فرعون، وأمه من بني إسرائيل.

ويقال: كان ابن فرعون يَكْتُمُ إِيمانَهُ، وكان قد أسلم سراً من فرعون.

قوله: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: اليد، والعصا.

وروى الأوزاعي عن يحيى بن كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو: حدثني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله  فقال: «أقبل عقبة بن أبي معيط، ورسول الله  يصلي عند الكعبة، فلوى ثوبه على عنقه، وخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر، فأخذ بمنكبيه، ودفعه عن رسول الله  ، ثم قال أبو بكر: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ: رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ يعني: فعليه وبال كذبه، فلا ينبغي أن تقتلوه بغير حجة، ولا برهان.

وَإِنْ يَكُ صادِقاً في قوله، وكذبتموه، يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ من العذاب.

يعني: بعض ذلك العذاب يصبكم في الدنيا.

ويقال: بعض الذي يعدكم فيه.

أي: جميع الذي يعدكم، كقوله: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف: 63] أي: جميع الذي تختلفون فيه، إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي يعني: لا يرشد، ولا يوفق إلى دينه، مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ في قوله: كَذَّابٌ يعني: الذي عادته الكذب.

يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ أي: ملك مصر، ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ أي: غالبين على أرض مصر، فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ يعني: من يعصمنا من عذاب الله، إِنْ جاءَنا يعني: أرأيتم إن قتلتم موسى، وهو الصادق، فمن يمنعنا من عذاب الله.

فلما سمع فرعون قول المؤمن، قالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرى يعني: ما أريكم من الهدى، إلا ما أرى لنفسي.

ويقال: ما آمركم إلا ما رأيت لنفسي أنه حق وصواب، وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ يعني: ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى وقرئ في الشاذ الرَّشادِ بتشديد الشين.

يعني: سبيل الرشاد الذي يرشد الناس.

ويقال: رشاد اسم من أسماء أصنامه.

قوله: وَقالَ الَّذِي آمَنَ وهو حزبيل يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ يعني: أخاف عليكم من تكذيبكم مثل عذاب الأمم الخالية، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ أي مثل عذاب قوم نوح، وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ يعني: لا يعذبهم بغير ذنب، وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ وهو من نَدَّ يَند، وهو من تنادى، يتنادى، تنادياً.

وروى أبو صالح، عن ابن عباس أنه قرأ: يَوْمَ التَّنادِ بتشديد الدال.

وقال: تندون كما تند الإبل، وهذا موافق لما بعده، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ وكقوله: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) [عبس: 34، 35] .

وقرأ الحسن يَوْمَ التَّنَادِي بالياء، وهو من النداء.

يوم ينادى كل قوم بأعمالهم.

وينادي المنادي من مكان بعيد.

وينادي أهل النار أهل الجنة.

وينادي أهل الجنة أهل النار أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا [الأعراف: 44] وقراءة العامة.

التناد بالتخفيف بغير ياء، وأصله الياء، فحذف الياء، لأن الكسرة تدل عليه، وقوله: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي: هاربين.

قال الكلبي: هاربين، إذا انطلق بهم إلى النار، فعاينوها، هربوا.

فيقال لهم: مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ أي: ليس لكم من عذاب الله من مانع.

وقال مقاتل: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي: ذاهبين بعد الحساب إلى النار، كقوله: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ أي: ذاهبين مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ يعني: من مانع من عذابه.

وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى، فَما لَهُ مِنْ هادٍ يعني: من مرشد، وموفق.

وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ هذا قول حزبيل أيضاً لقوم فرعون قال: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ ويقال: يعني: به أهل مصر، وهم الذين قبل فرعون، لأن القرون الذين كانوا في زمن فرعون، لم يروا يوسف، وهذا كما قال تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [البقرة: 91] وإنما أراد به آباءهم بِالْبَيِّناتِ أي: بتعبير الرؤيا.

وروي عن وهب بن منبه: قال فرعون: موسى هو الذي كان في زمن يوسف، وعاش إلى وقت موسى.

وهذا خلاف قول جميع المفسرين.

فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ من تصديق الرؤيا، وبما أخبركم، حَتَّى إِذا هَلَكَ يعني: مات، قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا.

يقول الله تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ يعني: من هو مشرك، شاك في توحيد الله.

ثم وصفهم فقال: الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أي: بغير حجة أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أي: عظم بغضاً لهم من الله، وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: عند المؤمنين كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ أي: يختم الله بالكفر، عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ يعني: متكبر عن عبادة الله تعالى.

قرأ أبو عمرو: قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ بالتنوين.

جعل قوله متكبر نعتاً للقلب.

ومعناه: أن صاحبه متكبر.

والباقون: قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ بغير تنوين على معنى الإضافة، لأن المتكبر هو الرجل، وأضاف القلب إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يكونَ واحد الأوامر، ويحتمل أن يريد واحد الأمور، والصحيح من الأقوال في التَّنُّورُ أنه تَنُّورُ الخبز، وأَنَّها أمارة كانت بين الله تعالى وبين نوح- عليه السلام-.

٣٠ ب وقوله: فَاسْلُكْ: معناه: فأدخل يقال سلك وأسلك بمعنىً، وقرأ حفص/ عن عاصم «١» : «مِنْ كُلٍّ» بالتنوين، والباقون بغير تنوين، والزوجان: كُلَّ ما شأنه الاصطحابُ من كل شيءٍ نحو: الذكر والأنثى من الحيوان، ونحو: النعال وغيرها، هذا موقع اللفظة في اللغة.

وقوله: وَأَهْلَكَ يريد: قرابته، ثم استثنى من سبق عليه القولُ بأَنَّهُ كافر، وهو ابنه وإمرأته، ثم أُمِرَ نوحٌ ألاَّ يراجعَ رَبَّه، ولا يخاطبَه شافعاً في أحد من الظالمين، ثم أُمِرَ بالدعاء في بركة المنزل.

وقوله سبحانه: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ خطاب لنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم ثم أخبر سبحانه أنه يبتلي عباده الزمنَ بعد الزمنِ على جهة الوعيد لِكُفَّارِ قريشٍ بهذا الإخبار، واللام في لَمُبْتَلِينَ لامُ تأكيدٍ، و «مبتلين» : معناهُ: مُصِيبِينَ ببلاء، ومختبرين اختباراً يؤدي إلى ذلك.

ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)

هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩)

وقوله سبحانه: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ.

قال الطبريُّ «٢» - رحمه الله-: إنَّ هذا القرنَ هم ثمودُ، قومُ صالح.

قال ع «٣» : وفي جُلِّ الروايات ما يقتضي أن قوم عاد أقدمٌ، إلاَّ أنَّهم لم يُهْلَكُوا بصيحة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ﴾ وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ فِرْعَوْنَ مَن يَمْنَعُهُ مَن قَتْلِهُ خَوْفًا مِنَ الهَلاكَ ﴿ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ ﴿ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ﴾ أيْ: عِبادَتِكم إيّايَ ( وأنْ يَظْهَرَ في الأرْضِ الفَسادُ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَأنْ" بِغَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوْ أنْ" بِألِفٍ قَبْلَ الواوِ، عَلى مَعْنى: إنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَكم أوْقَعَ الفَسادَ، إلّا أنْ نافِعًا وأبا عَمْرٍو قَرَأ: "يُظْهِرَ" بِضَمِّ الياءِ "الفَسادَ" بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ الباقُونَ: "يَظْهَرُ" بِفَتْحِ الياءِ "الفَسادَ" بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: يَظْهَرُ الفَسادُ بِتَغْيِيرِ أحْكامِنا، فَجُعِلَ ذَلِكَ فَسادًا بِزَعْمِهِ؛ وقِيلَ: يَقْتُلُ أبْناءَكم كَما تَفْعَلُونَ بِهِمْ.

فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، اسْتَعاذَ مُوسى بِرَبِّهِ فَقالَ: ﴿ إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عُذْتُ" مُبِيَّنَةَ الذّالِ، وأدْغَمَها أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلْفٌ ﴿ مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ ﴾ أيْ: مُتَعَظِّمٌ عَنِ الإيمانِ.

فَقَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَ مُوسى، فَقالَ حِينَئِذٍ ﴿ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ.

.

.

﴾ وَفِي الآَلِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُ] بِمَعْنى الأهْلِ والنَّسَبِ؛ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى القَبِيلَةُ والعَشِيرَةُ؛ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: كانَ قِبْطِيًّا.

وقالَ قَوْمٌ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وإنَّما المَعْنى: قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آَلِ فِرْعَوْنَ؛ وفي اسْمِهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: حِزْبِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: حَبِيبٌ، قالَهُ كَعْبٌ.

والثّالِثُ: سَمْعُونَ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ.

والرّابِعُ: جِبْرِيلُ.

والخامِسُ: شَمْعانُ، بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وكَذَلِكَ حَكى الزَّجّاجُ "شَمْعانُ" بِالشِّينِ، وذَكَرَهُ ابْنُ ماكُولا بِالشِّينَ المُعْجَمَةِ أيْضًا.

والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ آَمَنَ بِمُوسى لَمّا جاءَ.

وقالَ الحَسَنُ: كانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى، وكَذَلِكَ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ.

قالَ مُقاتِلٌ: كَتَمَ إيمانَهُ مِن فِرْعَوْنَ مِائَةَ سَنَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولُ ﴿ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ ﴿ وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ: بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، ﴿ وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ﴾ أيْ: لا يَضُرُّكم ذَلِكَ ﴿ وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ مِنَ العَذابِ.

وفي "بَعْضُ" ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "كُلُّ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْبَيْدِ: تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامُها أرادَ: كُلَّ النُّفُوسِ.

والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ؛ والمَعْنى: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ.

والثّالِثُ: أنَّها عَلى أصْلِها، ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ وعَدَهُمُ النَّجاةَ إنْ آَمَنُوا، والهَلاكَ إنْ كَفَرُوا، فَدَخَلَ ذِكْرُ البَعْضِ لِأنَّهم عَلى أحَدِ الحالَيْنِ.

والثّانِي: أنَّهُ وعَدَهم عَلى كُفْرِهِمُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآَخِرَةِ، فَصارَ هَلاكُهم في الدُّنْيا بَعْضَ الوَعْدِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا بابٌ مِنَ النَّظَرِ يَذْهَبُ فِيهِ المُناظِرُ إلى إلْزامِ الحُجَّةِ بِأيْسَرِ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ في هَذا نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وَإنَّما ذَكْرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ الكُلَّ، لِأنَّ البَعْضَ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّ القائِلَ إذا قالَ: أقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُتَأنِّي إدْراكُ بَعْضَ الحاجَةِ، وأقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ، فَقَدْ أبانَ فَضْلَ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ، فَكَأنَّ المُؤْمِنَ قالَ لَهُمْ: أقَلَّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكُمْ؛ قالَ: وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ، فَإنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ: نَفْسَهُ وحْدَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي ﴾ أيْ: لا يُوَفَّقُ لِلصَّوابِ ﴿ مَن هو مُسْرِفٌ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المُشْرِكُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ السَّفّاكُ لِلدَّمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ظاهِرِينَ في الأرْضِ ﴾ أيْ: عالِينَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿ فَمَن يَنْصُرُنا ﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا ﴿ مِن بَأْسِ اللَّهِ ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ؛ والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِلْعَذابِ بِالتَّكْذِيبِ وقَتْلِ النَّبِيِّ؛ فَقالَ فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ ما أُرِيكُمْ ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والنَّصِيحَةِ ﴿ إلا ما أرى ﴾ لِنَفْسِي ﴿ وَما أهْدِيكُمْ ﴾ أيْ: أدْعُوكُمُ الّا إلى طَرِيقِ الهُدى في تَكْذِيبِ مُوسى والإيمانِ بِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ جَوابِ المُؤْمِنِ.

﴿ وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِثْلَ يَوْمِ حَزْبِ حِزْبٍ؛ والمَعْنى: أخافُ أنْ تُقِيمُوا عَلى كُفْرِكم فَيَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ التَّنادِ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "التَّنادُ" بِغَيْرِ ياءٍ.

وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ، وافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ في الوَصْلِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، والضَّحّاكُ: "التَّنادُّ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: أمّا إثْباتُ الياءِ فَهو الأصْلُ، وحَذْفُها حَسَنٌ جَمِيلٌ، لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلى الياءِ، وهو رَأْسُ آَيَةٍ، وأواخِرُ هَذِهِ الآَياتِ عَلى الدّالِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: نِدُّ فُلانٍ، ونِدُّ البَعِيرِ: إذا هَرَبَ عَلى وجْهِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ  ﴾ ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى الكَلامِ: إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ.

قالَ الضَّحّاكُ: إذا سَمِعَ النّاسُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَها نَدُّوا فِرارًا مِنها في الأرْضِ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ قُطْرًا مِن أقْطارِ الأرْضِ إلّا رَأوْا مَلائِكَةً، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا.

وقالَ غَيْرُهُ: يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ فَيَفِرُّونَ ولا عاصِمَ لَهم.

فَأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ، فَهي مِنَ النِّداءِ، وفِيها للْمُفَسِّرِينَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عِنْدَ نَفْخَةِ الفَزَعِ يُنادِي النّاسَ بَعْضَهم بَعْضًا، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إسْرافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولى فَيَقُولُ: أنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ: فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ، فَتَسِيرُ الجِبالُ، وتُرَجُّ الأرْضُ، وتُذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَوامِلُ، ويُوَلِّي النّاسُ مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا [وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿ "يَوْمَ التَّنادِ"]" .﴾» والثّانِي: أنَّهُ نِداءُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بَعْضُهم بَعْضًا كَما ذَكَرَ في [الأعْرافِ: ٤٤، ٥٠]، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: يا حَسْرَتَنا يا ويْلَتَنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ يُنادى فِيهِ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ بِسَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: هَرَبًا مِنَ النّارِ.

والثّانِي: أنَّهُ انْصِرافُهم إلى النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ ﴾ أيْ: مَن مانِعٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ ﴾ وهو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ويُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مُوسى ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ وهي الدَّلالاتُ عَلى التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ.

.

.

.

﴾ الآَيَةُ [يُوسُفَ: ٣٩]، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: البَيِّناتُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيا وشَقُّ القَمِيصِ، وقِيلَ: بَلْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ مَوْتِ مَلِكَ مِصْرَ إلى القِبْطِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿ حَتّى إذا هَلَكَ ﴾ أيْ: ماتَ ﴿ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا ﴾ أيْ: إنَّكم أقَمْتُمْ عَلى كُفْرِكم وظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يُجَدِّدُ الحُجَّةَ عَلَيْكم ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا الضَّلالِ ﴿ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ ﴾ أيْ: مُشْرِكٌ ﴿ مُرْتابٌ ﴾ أيْ: شاكٌّ في التَّوْحِيدِ وصَدَّقَ الرُّسُلَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلا ما أرى وما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَشادِ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ ﴾ ﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ ﴾ ﴿ وَيا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَنادِ ﴾ ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللهِ مِنَ عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللهِ فَما لَهُ مِنَ هادٍ ﴾ قَوْلُ هَذا المُؤْمِنِ: ﴿ يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ ﴾ اسْتِنْزالٌ لَهم ووَعْظٌ لَهم مِن جِهَةِ شَهَواتِهِمْ، وتَحْذِيرٌ مِن زَوالِ تَرَفِهِمْ، ونَصِيحَةٌ لَهم في أمْرِ دُنْياهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ يُرِيدُ في أرْضِ مِصْرَ وما والاها مِن مَمْلَكَتِهِمْ.

ثُمَّ قَرَّرَهم عَلى مَن هو الناصِرُ لَهم مِن بَأْسِ اللهِ تَعالى، وهَذِهِ الأقْوالُ تَقْتَضِي زَوالَ هَيْبَةِ فِرْعَوْنَ، ولِذَلِكَ اسْتَكانَ هو ورَجَعَ يَقُولُ: ﴿ ما أُرِيكم إلا ما أرى ﴾ كَما يَقُولُ مَن لا تَحَكُّمَ لَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أُرِيكُمْ ﴾ مِن رَأى، قَدْ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ، فَلِلْفِعْلِ مَفْعُولانِ: أحَدُهُما الضَمِيرُ في ﴿ أُرِيكُمْ ﴾ ، والآخَرُ ما في قَوْلِهِ: ﴿ إلا ما أرى ﴾ ، وكَأنَّ الكَلامَ: "أُرِيكم ما أرى"، ثُمَّ أدْخَلَ في صَدْرِ الكَلامِ "ما" النافِيَةَ وقَلَبَ مَعْناها بِـ"إلّا" المُوجِبَةِ تَخْصِيصًا وتَأْكِيدًا لِلْأمْرِ، كَما تَقُولُ: "قامَ زَيْدٌ"، فَإذا قُلْتَ: "ما قامَ إلّا زَيْدٌ" أفَدْتَ تَخْصِيصَهُ وتَأْكِيدَ أمْرِهِ، و"أرى" مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهو الضَمِيرُ الَّذِي فِيهِ، العائِدُ عَلى "ما"، تَقْدِيرُهُ: إلّا ما أراهُ، وحَذْفُ هَذا المَفْعُولِ مِنَ الصِفَةِ حَسَنٌ لِطُولِ الصِلَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الرَشادِ" مَصْدَرَ "رَشَدَ"، وفي قِراءَةِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [سَبِيلَ الرَشّادِ] بِشَدِّ الشِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهو اسْمُ فاعِلٍ في بِنْيَتِهِ مُبالَغَةٌ، وهو مِنَ الفِعْلِ الثُلاثِيِّ "رَشَدَ"، فَهو كَعَبّادٍ مِن عَبَدَ، وقالَ النُحاسُ: هو وهْمٌ، وتَوَهَّمَهُ مِنَ الفِعْلِ الرُباعِيِّ.

وقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ مَرْدُودٌ، قالَ أبُو حاتِمٍ: كانَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ يُفَسِّرُها: سَبِيلَ اللهِ، ويَبْعُدُ عِنْدِي هَذا عَلى مُعاذٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهَلْ كانَ فِرْعَوْنُ يَدَّعِي إلّا أنَّهُ إلَهٌ؟

ويُقْلِقُ بِناءُ اللَفْظَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِي آمَنَ ﴾ ، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو المُؤْمِنُ المَذْكُورُ أوَّلًا، قَصَّ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أقاوِيلَهُ إلى آخَرِ الآياتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كَلامُ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَدِيمٌ، وإنَّما أرادَ تَعالى بِالَّذِي آمَنَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، واحْتَجَّتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ بِقُوَّةِ كَلامِهِ، وأنَّهُ جَلَّحَ مَعَهم بِالإيمانِ، وذِكْرِ عَذابِ الآخِرَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ كَلامُ الأوَّلِ إلّا بِمُلايَنَةٍ لَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ ﴾ أيْ: مِثْلَ يَوْمٍ مِن أيّامِهِمْ؛ لِأنَّ عَذابَهم لَمْ يَكُنْ في يَوْمٍ واحِدٍ ولا عَصْرٍ واحِدٍ، و"الأحْزابِ": المُتَحَزِّبُونَ عَلى أنْبِياءِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ، و"مِثْلَ" الثانِي بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، و"الدَأْبُ": العادَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ ﴾ أيْ: مِن نَفْسِهِ، أيْ: يَظْلِمُهم هُوَ، فالإرادَةُ هُنا عَلى بابِها لِأنَّ الظُلْمَ مِنهُ لا يَقَعُ البَتَّةَ، ولَيْسَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللهَ لا يُرِيدُ ظُلْمَ بَعْضِ العِبادِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والبُرْهانُ وُقُوعُهُ، ومُحالٌ أنْ يَقَعَ ما لا يُرِيدُهُ اللهُ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ التَنادِ ﴾ مَعْناهُ: يُنادِي قَوْمٌ قَوْمًا ويُنادِيهِمُ الآخَرُونَ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في التَنادِي المُشارِ إلَيْهِ، فَقالَ قَتادَةُ: هو نِداءُ أهْلِ الجَنَّةِ أهْلَ النارِ: ﴿ فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا  ﴾ الآيَةُ.

ونِداءُ أهْلِ النارِ لَهُمْ: ﴿ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ  ﴾ الآيَةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو النِداءُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ  ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هو التَنادِي الَّذِي يَكُونُ بِالناسِ عِنْدَ النَفْخِ في الصُوَرِ نَفْخَةَ الفَزَعِ في الدُنْيا، وأنَّهم يَفِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ لِلْفَزَعِ الَّذِي يَنالُهُمْ، ويُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا، ورُوِيَ هَذا التَأْوِيلُ عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَذْكِيرَ بِكُلِّ نِداءٍ في القِيامَةِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلى الكُفّارِ والعُصاةِ، ولَها أجْوِبَةٌ بِنِداءٍ، وهي كَثِيرَةٌ، مِنها ما ذَكَرْناهُ، ومِنها: يا أهْلَ النارِ خُلُودٌ لا مَوْتٌ، يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ لا مَوْتٌ، ومِنها نِداءُ أهْلِ الغَدَراتِ، والنِداءُ ﴿ لَمَقْتُ اللهِ  ﴾ ، والنِداءُ ﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ  ﴾ ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "التَنادْ" بِسُكُونِ الدالِ في الوَصْلِ، وهَذا عَلى إجْرائِهِمُ الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ: "التَنادِي" بِالياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وهَذا عَلى الأصْلِ، وقَرَأ الباقُونَ "التَنادِ" بِغَيْرِ ياءٍ فِيهِما، ورُوِيَ ذَلِكَ عن نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ، وحُذِفَتِ الياءُ مَعَ الألِفِ واللامِ حَمْلًا عَلى حَذْفِها مَعَ مُعاقِبِها وهو التَنْوِينُ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: حُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والضَحّاكُ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ: "التَنادِّ" بِشَدِّ الدالِّ، وهَذا مَعْنى آخَرُ لَيْسَ مِنَ النِداءِ، بَلْ هو مِن نَدَّ البَعِيرُ إذا هَرَبَ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُدِّيُّ هَذِهِ الآيَةَ، ورَوَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في هَذا المَعْنى حَدِيثًا «أنَّ اللهَ تَعالى إذا طَوى السَماواتِ نَزَلَتْ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ فَكانَتْ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ مُسْتَدِيرَةً بِالأرْضِ الَّتِي عَلَيْها الناسُ لِلْحِسابِ، فَإذا رَأى العالَمُ هَوْلَ القِيامَةِ وأخْرَجَتْ جَهَنَّمُ عُنُقَها إلى أصْحابِها فَرَّ الكُفّارُ ونَدُّوا مُدْبِرِينَ إلى كُلِّ جِهَةٍ، فَتَرُدُّهُمُ المَلائِكَةُ إلى المَحْشَرِ خاسِئِينَ لا عاصِمَ لَهُمْ،» قالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: ومِصْداقُ هَذا الحَدِيثِ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ والمَلَكُ عَلى أرْجائِها  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا  ﴾ ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا، لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ مَعْناهُ عَلى بَعْضِ الأقاوِيلِ في التَنادِي: تَفِرُّونَ هُرُوبًا مِنَ المُفْزِعِ، وعَلى بَعْضِها: تَفِرُّونَ مُدَبِّرِينَ إلى النارِ.

والعاصِمُ: المُنَجِّي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كان هذا تكملة لكلام الذي آمن ولم يكن فيه تعريج على محاورة فرعون على قوله: ﴿ مَا أريكم إلاَّ مَا أرى ﴾ [غافر: 29] الخ وكان الذي آمن قد جعل كلام فرعون في البَيْن واسترسل يكمل مقالته عُطف فعل قوله بالواو ليتصل كلامه بالكلام الذي قبله، ولئلا يتوهم أنه قصد به مراجعة فرعون ولكنه قصد إكمال خطابه، وعبر عنه بالذي آمن لأنه قد عرف بمضمون الصلة بعد ما تقدم.

وإعادته نداء قومه تأكيد لما قصده من النداء الأول حسبما تقدم.

وجعل الخوف وما في معناه يتعدى إلى المخوف منه بنفسه وإلى المخوف عليه بحرف (على) قال لبيد يرثي أخاه أربد: أخشَى على أرْبَدَ الحُتوفَ ولا *** أخشَى عليه الرياحَ والمطرا و ﴿ يَوْممِ الأحْزَابِ ﴾ مراد به، الجنس لا (يومٌ) معين بقرينة إضافته إلى جمعٍ أزمانُهم متباعدة.

فالتقدير: مثل أيام الأحزاب، فإفراد يوم للإِيجاز، مثل بطن في قول الشاعر وهو من شواهد سيبويه في باب الصفة المشبهة بالفاعل: كلُوا في بعض بَطْنِكم تَعِفُّوا *** فإن زَمانكم زمنٌ خميص والمراد بأيام الأحزاب أيام إهلاكهم والعرب يطلقون اليوم على يوم الغالب ويوم المغلوب.

والأحزاب الأمم لأن كل أمة حِزبٌ تجمعهم أحوال واحدة وتناصر بينهم فلذلك تسمى الأمة حزباً، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ في سورة [المؤمنين: 53].

والدأْب: العادة والعمل الذي يدأب عليه عامله، أي يلازمه ويكرره، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ في أول [آل عمران: 11].

وانتصب ﴿ مِثْلَ دَأْببِ قَوْممِ نُوحٍ ﴾ على عطف البيان من ﴿ مِثلَ يَوْممِ الأحزابِ ﴾ ولما كان بياناً له كان ما يضافان إليه متحداً لا محالة فصار الأحزاب و(الدأب) في معنى واحد وإنما يتم ذلك بتقدير مضاف متحد فيهما، فالتقدير: مثلَ يوممِ جزاء الأحزاب.

مثلَ يوممِ جزاء دأب قوم نوح وعاد وثمود، أي جزاء عملهم.

ودأبُهم الذي اشتركوا فيه هو الاشراك بالله.

وهذا يقتضي أن القبط كانوا على علم بما حلّ بقوم نوح وعاد وثمود، فأما قوم نوح فكان طوفانهم مشهوراً، وأما عاد وثمود فلقرب بلادهم من البلاد المصرية وكان عظيماً لا يخفى على مجاوريهم.

وجملة ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْمَاً لِلْعِبَادِ ﴾ معترضة، والواو اعتراضية وهي اعتراض بين كلاميه المتعاطفين، أي أخاف عليكم جزاءً عادلاً من الله وهو جزاء الإشراك.

والظلم يطلق على الشرك ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13]، ويطلق على المعاملة بغير الحق، وقد جمع قوله: ﴿ وما الله يريد ظلماً للعباد ﴾ نفي الظلم بمعنييه على طريقة استعمال المُشترك في معنييه.

وكذلك فعل ﴿ يريد ﴾ يطلق بمعنى المشيئة كقوله: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ [المائدة: 6] ويطلق بمعنى المحبة كقوله: ﴿ ما أريد منهم من رزق ﴾ [الذاريات: 57]، فلما وقع فعل الإِرادة في حيّز النفي اقتضى عموم نفي الإِرادة بمعنييها على طريقة استعمال المشترك في معنييه، فالله تعالى لا يحب صدور ظلم من عباده ولا يشاء أن يَظلِم عبادَه.

وأول المعنيين في الإِرادة وفي الظلم أعلق بمقام الإِنذار، والمعنى الثاني تابع للأَول لأنه يدل على أن الله تعالى لا يترك عقاب أهل الشرك لأنه عَدْل، لأن التوعد بالعقاب على الشرك والظلممِ أقوى الأسباب في إقلاع الناس عنه، وصدق الوعيد من متممات ذلك مع كونه مقتضى الحكمة لإِقامة العدل.

وتقديم اسم ﴿ اللَّهُ ﴾ على الخبر الفعلي لإِفادة قصر مدلول المسند على المسند إليه، وإذ كان المسند واقعاً في سياق النفي كان المعنى: قصر نفي إرادة الظلم على الله تعالى قصرَ قلب، أي الله لا يريد ظلماً للعباد بل غيره يريدونه لهم وهم قادة الشرك وأيمتُه إذ يدعونهم إليه ويَزعمون أن الله أمرهم به قال تعالى: ﴿ وإذ فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ [الأعراف: 28].

هذا على المعنى الأول للظلم، وأما على المعنى الثاني فالمعنى: ما الله يريد أن يَظلم عبادَه ولكنهم يظلمون أنفسهم باتباع أيمتهم على غير بصيرة كقوله تعالى: ﴿ إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾ [يونس: 44] وبظلمهم دعاتهم وأيمتهم كما قال تعالى: ﴿ وما زادوهم غير تتبيب ﴾ [هود: 101]، فلم يَخْرُج تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في سياق النفي في هذه الآية عن مهيع استعماله في إفادة قصر المسند على المسند إليه فتأمله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها فَهم سُكّانُها حَتّى التَّنادِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُناداةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِيما يُنادِي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: يا حَسْرَتا، يا ويْلَتا، يا ثُبُوراهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: يُنادِي أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ أنْ ﴿ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا  ﴾ الآيَةَ.

وَيُنادِي أهْلُ النّارِ أهْلَ الجَنَّةِ ﴿ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ  ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.

وَكانَ الكَلْبِيُّ يَقْرَؤُها: يَوْمَ التَّنادِّ، مَشْدُودَةٌ، أيْ يَوْمَ الفِرارِ، قالَ يَنِدُّونَ كَما يَنِدُّ البَعِيرُ.

وَقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ «أنَّ لِلنّاسِ جَوْلَةً يَوْمَ القِيامَةِ يَنِدُّونَ يَطْلُبُونَ أنَّهم يَجِدُونَ مَفَرًّا ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.

» ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُدْبِرِينَ في انْطِلاقِهِمْ إلى النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مُدْبِرِينَ في فِرارِهِمْ مِنَ النّارِ حَتّى يُقْذَفُوا فِيها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ناصِرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مِن مانِعٍ، وأصْلُ العِصْمَةِ المَنعُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ وفي قائِلِ هَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى هو القائِلُ لَهُ.

الثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ، بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا إلى القِبْطِ بَعْدَ مَوْتِ المَلِكِ مِن قَبْلِ مُوسى بِالبَيِّناتِ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجِ: هي الرُّؤْيا.

الثّانِي: ما حَكاهُ النَّقّاشُ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا مِنَ الجِنِّ يُقالُ لَهُ يُوسُفُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ مثل دأب ﴾ مثل حال.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ مثل دأب قوم نوح ﴾ قال: هم الأحزاب ﴿ قوم نوح وعادٍ وثمود ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ الذي آمَنَ ﴾ هو المؤمن المذكور أولاً، وقيل: هو موسى عليه السلام وهذا بعيد، وإنما توهموا ذلك لأنه صرح هنا بالإيمان، وكان كلام المؤمن أولاً غير صريح؛ بل كان فيه تورية وملاطفة لقومه، إذ كان يكتم إيمانه، والجواب: أنه كتم إيمانه أول الأمر، ثم صرح به بعد ذلك، وجاهرهم مجاهرة ظاهرة، لما وثق بالله حسبما حكى الله من كلامه إلى قوله: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله ﴾ [غافر: 44].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ذروني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

أو بصيغة الترديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.

الباقون: بواو العطف.

﴿ يظهر ﴾ بضم الياء وكسر الهاء من الإظهار الفساد بالنصب: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل وحفص.

الآخرون: بفتحهما ورفع الفساد ﴿ عذت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وإسماعيل وهشام ﴿ التنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قلب متكبر ﴾ بالتنوين فيهما على الوصف: أبو عمرو وقتيبة وابن ذكوان.

الباقون: على الإضافة.

﴿ لعلي أبلغ الأسباب ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ فأطلع ﴾ بالنصب: حفص.

﴿ اتبعوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل وابن كثير ويعقوب وافق أبو عمرو ويزيد والأصفهاني عن ورش وإسماعيل وأبو نشيط عن قالون في الوصل.

﴿ مالي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع ﴿ أمري إلى الله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ تقوم ﴾ بتاء التأنيث: الرازي عن هشام ﴿ أدخلوا ﴾ من الإدخال: أبو جعفر ونافع ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.

وعلى هذه القراءة الخطاب للزبانية.

وانتصب ﴿ آل ﴾ و ﴿ أشدّ ﴾ على أنهما مفعول بهما.

وعلى القراءة الأخرى هو لآل فرعون، وانتصب ﴿ آل ﴾ على النداء لا على أنه مفعول به.

الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ رّبه ﴾ ج لاحتمال اللام ﴿ مؤمن ﴾ قف قد قيل: بناء على أن الجار يتعلق بالفعل بعده والوصل أصح أنه كان من القبط، ولو فرض أنه لم يكن منهم فالجملة وصف له ﴿ من ربكم ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى الابتداء بالشرط ﴿ كذبه ﴾ ج للعطف والشرط ﴿ بعدكم ﴾ ط ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ز لابتداء الاستفهام والوجه الوصل لأن المقصود الوعظ به ﴿ جاءنا ﴾ ط ﴿ الرشاد ﴾ ه ﴿ الأحزاب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بعدهم ﴾ ط ﴿ للعباد ﴾ ه ﴿ التناد ﴾ ه ط لأجل البدل ﴿ مدبرين ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ من عاصم ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده ابتداء إخبار من الله  وكونه من كلام المؤمن ﴿ من هاد ﴾ ه ﴿ جاءكم به ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ط ﴿ مرتاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل فإن "من" في معنى الجمع أو الاستئناف أي هم الذين أو أعني أنهم ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ جبار ﴾ ه ﴿ الأسباب ﴾ ه لا ﴿ كاذباً ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ تباب ﴾ ه ﴿ الرشاد ﴾ ج لأن النداء يبدأ به مع أنه تكرار للأول ﴿ متاع ﴾ ز للفصل بين تنافي الدارين مع اتفاق الجملتين ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ج لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ولاحتمال ابتداء استفهام آخر ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل والابتداء ﴿ وعشياً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف ﴿ الساعة ﴾ قف لحق القول المحذوف أي يقال لهم أو للزبانية ﴿ لعذاب ﴾ ه ﴿ من النار ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ه ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ بلى ﴾ ط ﴿ فادعوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده من قول الخزنة أو ابتداء إخبار من الله تعال ﴿ ضلال ﴾ ه.

التفسير: لما وبخ الكفار بعدم السير في الأرض للنظر والاعتبار أو بعدم النظر في أحوال الماضين مع السير في الأقطار وقد وصف الماضين بكثرة العدد والآثار الباقية، أراد أن يصرح بقصة واحدة من قصصهم تسلية للنبي  وزيادة توبيخ وتذكير لهم.

وكان في قصة موسى وفرعون من العجائب ما فيها، فلا جرم أوردها ههنا مع فوائد زائدة على ما في المواضع الأخر منها: ذكر مؤمن من آل فرعون وما وعظ ونصح به قومه.

ولأن القصة قد تكررت مراراً فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالمقام.

قوله ﴿ بالحق ﴾ أي بالمعجزات الظاهرة.

وقوله ﴿ اقتلوا ﴾ يريد به إعادة القتل كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ سنقتل أبناءهم  ﴾ قوله ﴿ إلا في ضلال ﴾ أي في ضياع واضمحلال.

فإن كان اللام في ﴿ الكافرين ﴾ للجنس فظاهر لأن وبال كيدهم يعود بالآخرة عليهم حين يهلكون ويدخلون النار، وإن كان للعهد وهم فرعون وقومه فأظهر كما قص عليك من حديث إغراقهم وإستيلاء موسى وقومه على ديارهم.

قوله ﴿ ذروني أقتل موسى ﴾ ظاهره مشعر بأن قومه كانوا يمنعونه من قتله وفيه احتمالات: الأول لعله كان فيهم من يعتقد نبوّة موسى فيأتي بوجوه الحيل في منع فرعون.

الثاني قال الحسن: إن أصحابه قالوا لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكنه أن يغلب سحرتك، وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس وقالوا: إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتله.

الثالث: لعل مراد أمرائه أن يكون فرعون مشغول القلب بأمر موسى حتى إنهم يكونون في أمن وسعة.

قال جار الله: إن فرعون كان فيه خب وجريرة وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء فكيف لا يقصد قتل من أحسن بأن في وجوده هدم ملكه وتغيير ما هو عليه من عبادة أصنامه كما قال ﴿ إني أخاف أن يبدّل ﴾ الآية.

ولكنه كان قد استيقن أنه نبي وكان يخاف إن همّ بقتله أن يعاجل بالهلاك.

قال: وقوله ﴿ وليدع ربّه ﴾ شاهد صدق على فرط خوفه من دعوة ربه.

وقال غيره: هو على سبيل الاستهزاء يعني إن أقتله فليقل لربه الذي يدّعي وجوده حتى يخلصه.

ومعنى تبديل الدين تغيير عبادة الأصنام كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ ويذرك وآلهتك  ﴾ والفساد التهارج والتنازع واختلاف الآراء والأهواء، أراد أن يحدث لا محالة من إبقائه فساد الدين والدنيا جميعاً، أو أحد الأمرين على القراءتين.

ثم حكى ما ذكره موسى في دفع شر فرعون وهو العوذ بالله.

وفي تصدير الجملة بأن دلالة على أن الطريق المعتبر في دفع الآفات الاستغاثة والاستعاذة برب الأرض والسموات.

وفي قوله ﴿ بربي ﴾ إشارة إلى أن الذي رباني وإلى درجات الخير رقاني سيعصمني من شر هذا المارد الجاني.

وفي قوله ﴿ وربكم ﴾ احتراز عن أن يظن ظانّ أنه يريد به فرعون لأنه رباه في صغره ﴿ ألم نربك فينا وليدا  ﴾ وفيه بعث لقوم موسى على أن يقتدوا به في الاستعاذة فإن اجتماع النفوس له تأثير قوي.

وفي قوله ﴿ من كل متكبر ﴾ أي متكبر عن قبول الحق على سبيل العموم فائدتان: إحداهما شمول الدعاء فيدخل فيه فرعون بالتبعية.

والثانية أن فرعون رباه في الصغر فلعله راعى حسن الأدب في عدم تعيينه.

وأما وصف المتكبر بقوله ﴿ لا يؤمن بيوم الحساب ﴾ فلأن الموجب لإيذاء الناس أمران: أحدهما قسوة القلب.

والثاني عدم اعتقاد بالجزاء والحساب.

ولا ريب أنه إذا اجتمع الأمران كان الخطب أفظع لاجتماع المقتضى وارتفاع المانع.

ثم شرع في قصة مؤمن آل فرعون.

والأصح أنه كان قبطياً ابن عم لفرعون آمن بموسى سراً واسمه سمعان أبو حبيب أو خربيل.

وقيل: كان إسرائيلياً.

وزيف بأن المؤمنين من بني إسرائيل لو يعتلوا ولم يعزوا لقوله ﴿ اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ﴾ فما الوجه في تخصيصه؟

ولقائل أن يقول: الوجه تخصيصه بالوعظ والنصيحة إلا أن قوله: ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ وقوله ﴿ يا قوم ﴾ على رأس كل نصيحة يغلب على الظن أن يتنصح لقومه.

ومعنى ﴿ أن يقول ﴾ لأجل قوله أو وقت أن يقول كأنه قال منكراً عليهم أترتكبون الفعلة الشنعاء وهي قتل نفس محرمة أي نفس كانت لأجل كلمة حقة وهي قوله ﴿ ربى الله ﴾ والدليل على حقيتها إظهار الخوارق والمعجزات.

وفي قوله ﴿ من ربكم ﴾ استدراج لهم إلى الاعتراف بالله.

ثم احتج عليهم بالتقسيم العقلي أنه لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً.

على الأول يعود وبال كذبه عليه، وعلى الثاني أصابكم ما يتوعدكم به من العقاب.

واعترض على الشق الأوّل بأن الكاذب يجب دفع شره بإمالته إلى الحق أو بقتله، ولهذا أجمع العلماء على أن الزنديق الذي يدعو الناس إلى دينه يجب قتله.

وعلى الشق الثاني بأنه أوعدهم بأشياء والنبي صادق في مقالته لا محالة فلم قال ﴿ يصبكم بعض الذي يعدكم ﴾ ولم يقل "كل الذي"؟

والجواب عن الأوّل أنه إنما ردّد بين الأمرين بناء على أن أمره مشكوك فيما بينهم، والزمان زمان الفترة والحيرة، فأين هذا من زماننا الذي وضح الحق فيه وضوح الفجر الصادق بل ظهور الشمس في ضحوة النهار؟

وعن الثاني أنه من كلام المنصف كأنه قال: إن لم يصبكم كل ما أوعد فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، أو أراد عذاب الدنيا وكان موسى أوعدهم عذاب الدنيا والآخرة جميعاً.

وعن أبي عبيدة: أن البعض ههنا بمعنى الكل وأنشد قول لبيد: ترّاك أمكنه إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها وخطأه جار الله وكثير من أهل العربية وقالوا: إنه أراد ببعض النفوس فقط.

ثم أكد حقية أمر موسى بقوله ﴿ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ وقد هداه الله إلى المعجزات الباهرة فهو إذن ليس بمتجاوز عن حدّ الاعتدال ولا بكذاب.

وقيل: إنه كلام مستأنف من الله عز وجل، وفيه تعريض بأن فرعون مسرف في عزمه على قاتل موسى كذاب في ادّعاء الإلهية فلا يهديه الله إلى شيء من خيرات الدارين ويزيل ملكه ويدفع شره، وقد يلوح من هذه النصيحة وما يتلوها من المواعظ أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه إلى أن قصدوا قتل موسى وعند ذلك أظهر الإيمان وترك التقية مجاهداً في سبيل الله بلسانه.

ثم ذكرهم نعمة الله عليهم وخوّفهم زوالها بقوله ﴿ يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ﴾ أي غالبين على أرض مصر ومن فيها من بني إسرائيل والقبط ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ من يخلصنا من عذابه ﴿ إن جاءنا ﴾ وذلك لشؤم تكذيب نبيه ﴿ قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ﴾ أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قبله ﴿ وما أهديكم ﴾ بهذا الرأي ﴿ إلا سبيل الرشاد ﴾ وصلاح الدين والدنيا، أو ما أعلمكم من الصواب ولا أسر خلاف ما أظهر.

قال جار الله: وقد كذب فقد كان مستشعراً للخوف الشديد من جهة موسى ولكنه كان يتجلد.

وحكى أبو الليث أن الرشاد اسم من أسماء أصنامه.

قوله ﴿ مثل دأب ﴾ قال جار الله صاحب الكشاف: لا بد من حذف مضاف أي مثل جزاء دأبهم وهو عادتهم المستمرة في الكفر والتكذيب.

ثم قال: إنه عطف بيان للأوّل لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح.

ولو قلت أهلك الله الأحزاب قوم نوح وعاد وثمود لم يكن إلا عطف بين لإضافة قوم إلى أعلام فسرى ذلك الحكم إلى أوّل المضافات.

قلت: لا بأس من جعله بدلاً كما مرّ.

وقوله ﴿ وما الله يريد ظلماً للعباد ﴾ أبلغ من قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد  ﴾ لأن نفي الإرادة آكد من نفي الفعل ولتنكير الظلم في سياق النفي.

وفيه أن تدميرهم كان عدلاً وقسطاً.

وقيل: معناه أنه لا يريد لهم أن يظلموا فدمرهم لكونهم ظالمين.

وحين خوّفهم عذاب الدنيا خوّفهم عذاب الآخرة أيضاً فقال ﴿ ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ﴾ أما اليوم فيمكن انتصابه على الظرفية كأنه أخبر عن خوفه في ذلك اليوم لما يلحقهم من العذاب، والأولى أن يكون مفعولاً به أي أحذركم عذاب ذلك اليوم.

وفي تسمية يوم القيامة يوم التناد وجوه منها: أن أهل الجنة ينادون أهل النار وبالعكس كما مر في سورة الأعراف.

ومنها أنه من قوله ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم  ﴾ ومنها أن بعض الظالمين ينادي بعضاً بالويل والثبور قائلين يا ويلنا.

ومنها أنهم ينادون إلى المحشر.

ومنها أنه ينادي المؤمن هاؤم اقرؤا كتابيه والكافر يا ليتني لم أوت كتابيه.

ومنها أنه يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح وينادي في أهل القيامة لا موت فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرح، وأهل النار حزناً على حزن.

وقال أبو علي الفارسي: التناد مخفف من التنادّ مشدداً وأصله من ندّ إذا هرب نظيره ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه  ﴾ الخ.

ويؤيده قراءة ابن عباس مشدداً وتفسيره بأنهم يندون كما تند الإبل.

وقوله بعد ذلك ﴿ يوم تولوّون مدبرين ﴾ أنهم إذا سمعوا زفير النار ندّوا هاربين فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفاً فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه.

وقال قتادة: معنى تولون مدبرين انصرافهم عن موقف الحساب إلى النار.

ثم أكد التهديد بقوله ﴿ ما لكم من الله ﴾ الآية.

ثم ذكر مثالاً لمن لا يهديه الله بعد إضلاله وهو قوله ﴿ ولقد جاءكم يوسف ﴾ وفيه أقوال ثلاثة أحدها: أنه يوسف بن يعقوب، وفرعون موسى هو فرعون يوسف، والبينات إشارة إلى ما روي أنه مات لفرعون فرس قيمته ألوف فدعا يوسف فأحياه الله.

وأيضاً كسفت الشمس فدعا يوسف فكشفها الله، ومعجزاته في باب تعبير الرؤيا مشهورة، فآمن فرعون ثم عاد إلى الكفر بعدما مات يوسف.

والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف ابن يعقوب، أقام فيهم عشرين سنة قاله ابن عباس.

والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف إليهم رسولاً من الجن اسمه يوسف وأورده أقضى القضاة أيضاً وفيه بعد.

قال المفسرون في قوله ﴿ لن يبعث الله من بعده رسولاً ﴾ ليس إشارة إلى أنهم صدّقوا يوسف لقوله ﴿ فما زلتم في شك ﴾ وإنما الغرض بيان أن تكذيبهم لموسى مضموم إلى تكذيب يوسف ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ﴾ قلت: هذا إنما يصح إذا لم يكن فرعون يوسف قد آمن به لكنه مرويّ كما قلنا اللهم إلا أن يقال: لولا شكه في أمره لما كفر بعد موته قال جار الله: فاعل كبر ضمير عائد إلى من هو مسرف لأنه موحد اللفظ وإن كان مجموع المعنى.

وجوّز أن يكون ﴿ الذين يجادلون ﴾ مبتدأ على تقدير حذف المضاف أي جدال الذين يجادلون كبر.

وجوّز آخرون أن يكون التقدير الذين يجادلون كبر جدالهم على حذف الفاعل للقرينة.

وفي قوله ﴿ وعند الذين آمنوا ﴾ إشارة إلى أن شهادة المؤمنين عند الله بمكان حتى قرنها إلى شهادة نفسه.

والمقصود التعجب والاستعظام لجدالهم وخروجه عن حدّ أشكاله من الكبائر، ووصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه مركزهما ومنبعهما، أو باعتبار صاحبه.

ومن قرأ بالإضافة فظاهر إلا أنه قيل: فيه قلب والأصل على قلب كل متكبر كما يقال: فلان يصوم كل يوم جمعة أي يوم كل جمعة.

ثم أخبر الله  عن بناء فرعون ليطلع على السماء وقد تقدّم ذكره في سورة القصص.

قال أهل اللغة: الصرح مشتق من التصريح الإظهار، وأسباب السموات طرقها كما مر في أوّل "ص" فـ ﴿ فليرتقوا في الأسباب  ﴾ فائدة بناء الكلام على الإبدال هي فائدة الإجمال ثم التفصيل والإبهام ثم التوضيح من تشويق السامع وغيره.

من قرأ ﴿ فأطلّع ﴾ بالرفع فعلى العطف أي لعلي أبلغ فأطلع.

ومن قرأ بالنصب فعلى تشبيه الترجي بالتمني.

والتباب الخسران والهلاك كما مر في قوله ﴿ وما زادوهم غير تتبيب  ﴾ استدل كثير من المشبهة بالآية على أن الله في السماء قالوا: إن بديهة فرعون قد شهدت بأنه في ذلك الصوب وأنه سمع من موسى أنه يصف الله بذلك وإلا لما رام بناء الصرح.

والجواب أن بديهة فرعون لا حجة فيها، وسماعه ذلك من موسى ممنوع.

وقد يطعن بعض اليهود بل كلهم في الآية بأن تواريخ بني إسرائيل تدل على أن هامان لم يكن موجوداً في زمان موسى وفرعون وإنما ولد بعدهما بزمان طويل، ولو كان مثل هذا الشخص موجوداً في عصرهما لنقل لتوفرت الدواعي عن نقله.

والجواب أن الطعن بتاريخ اليهود المنقطع الوسط لكثرة زمان الفترة أولى من الطعن في القرآن المعجز المتواتر أولاً ووسطاً وآخراً.

ثم عاد  إلى حكاية قول المؤمن وأنه أجمل النصيحة أوّلاً بقوله ﴿ اتبعون أهدكم ﴾ ثم استأنف مفصلاً قائلاً ﴿ إنما هذه الحياة الدنيا متاع ﴾ يتمتع به أياماً قلائل ثم يترك عند الموت إن لم يزل نعيمها قبل ذلك ﴿ وإن الآخرة هي دار القرار ﴾ المنزل الذي يستقر فيه.

ثم بين أنه كيف تحصل المجازاة في الآخرة وفيه إشارة إلى أن جانب الرحمة أرجح.

ومعنى الرزق بغير حساب أنه لا نهاية لذلك الثواب، أو أنه يعطى بعد الجزاء شيئاً زائداً على سبيل التفضل غير مندرج تحت الحساب.

ثم صرح بأنهم يدعونه إلى النار وهو يدعوهم إلى الخلاص عنها وفسر هذه الجملة بقوله ﴿ تدعونني لأكفر بالله ﴾ الآية.

ليعلم أن الشرك بالله أعظم موجبات النار والتوحيد ضدّه.

وفي قوله ﴿ ما لي أدعوكم ﴾ من غير أن يقول "ما لكم" مع أن الإنكار يتوجه في الحقيقة إلى دعائهم لا إلى المجموع ولا إلى دعائه سلوك لطريق الإنصاف.

ووجه تخصيص العزيز الغفار بالمقام أنه غالب على من أشرك به غفور لمن تاب عن كفره.

قوله ﴿ لا جرم ﴾ لا ردّ لكلامهم، وجرم بمعنى كسب أو وجب أو لا بد وقد سبق في "هود" و "النحل".

ومعنى ﴿ ليس له دعوة ﴾ أنه لا يقدر في الدنيا على أن يدعو الناس إلى نفسه لأنه جماد، ولا في الآخرة لأنه إذا أنطقه الله فيها تبرأ من عابديه.

ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ليس له استجابة دعوة كقوله ﴿ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء  ﴾ عن قتادة: المسرفين هم المشركون.

ومجاهد: السفاكون للدماء بغير حلها.

وقيل: الذين غلب شرهم خيرهم.

وقيل: الذين جاوزوا في المعصية حدّ الاعتدال كما بالدوام والإصرار وكيفا بالشناعة وخلع العذار ﴿ فستذكرون ﴾ أي في الدنيا عند حلول العذاب أو في الآخرة عند دخول النار ﴿ وأفوّض أمري إلى الله ﴾ قاله لأنهم توعدوه.

وفيه وفي قوله ﴿ فوقاه الله ﴾ دليل واضح على أنه أظهر الإيمان وقت هذه النصائح.

قال مقاتل: لما تمم هذه الكلماتقصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه.

قوله ﴿ وحاق بآل فرعون ﴾ معناه أنه رجع وبال مكرهم عليهم فأغرقوا ثم أدخلوا ناراً.

ولا يلزم منه أن يكونوا قد هموا بإيصال مثل هذا السوء إليه، ولئن سلّم أن الجزاء يلزم فيه المماثلة لعل فرعون قد همّ بإغراقه أو بإحراقه كما فعل نمرود.

قوله ﴿ يعرضون عليها ﴾ أي يحرقون بها.

يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به.

وقوله ﴿ غدوّاً وعشياً ﴾ إما للدوام كما مر في صفة أهل الجنة ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً  ﴾ وإما لأنه اكتفى في القبر بإيصال العذاب إليهم في هذين الوقتين.

وفي سائر الأوقات إما أن يبقى أثر ذلك وألمه عليهم، وإما أن يكون فترة وإما أن يعذبوا بنوع آخر من العذاب الله أعلم بحالهم.

وفي الآية دلالة ظاهرة على إثبات عذاب القبر لأن تعذيب يوم القيامة يجيء في قوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بعرض النار عرض النصائح عليهم في الدنيا لأن سماع الحق مرّ طعمه؟

قلنا: عدول عن الظاهر من غير دليل.

ولما انجز الكلام إلى شرح أحوال أهل النار عقبة بذكر المناظرات التي تجري فيها بين الرؤساء والأتباع والمعنى: اذكر يا محمد وقت تحاجهم وقد مر نظير ذلك مراراً.

وفي قولهم ﴿ إن الله قد حكم بين العباد ﴾ أي قضى لكل فريق بما يستحقه إشارة إلى الإقناط الكليّ، ولهذا رجعوا عن محاجة المتبوعين إلى الالتماس من خزنة النار أن يدعوا الله بتخفيف العذاب عنهم زماناً.

قال المفسرون: إنما لم يقل لخزنتها لأن جهنم اسم قعر الناس فكأن لخزنتها قرباً من الله وهم أعظم درجة من سائر الخزنة فلذلك خصوهم بالخطاب.

أما قول الخزنة لهم ﴿ فادعوا ﴾ ودعاء الكافر لا يسمع؛ فالمراد به التوبيخ والتنبيه على اليأس كأنهم قالوا: الشفاعة مشروطة بشيئين: كون المشفوع له مؤمناً والشافع مأذوناً له فيها، والأمر إن ههنا مفقودان على أن الحجة قد لزمتهم والبينة ألجأتهم.

ثم أكدوا ذلك بقولهم ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ أي لا أثر له ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: من آل فرعون في الظاهر، وإلا لم يكن في الحقيقة من آله، وإنما هو من آل موسى وأتباعه؛ حيث آمن به وترك اتباع فرعون، والله أعلم.

والثاني: من آله، أي: من نسبه؛ لأنه ذكر أنه كان ابن عمه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ﴾ .

إشفاقاً على نفسه، ولا يظهر الموافقة لهم على ما هم فيه؛ إذ قدر على الكتمان دون إظهار الموافقة لهم، وعلى ذلك المكره على إظهار الكفر إذا قدر على ألا يظهر ما أريد منه من كلمة الكفر ولا يقتل بالامتناع لا يسع له إظهار ذلك لهم، فإن لم يقدر فحينئذ يسع؛ فعلى ذلك ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ ﴾ .

فيه إخبار أنه كان يكتم إيمانه؛ إشفاقاً على نفسه، فلما خاف إهلاك رسول الله موسى -  - فعند ذلك أظهر ما كان يكتمه وإن كان في إظهار ذلك إهلاك نفسه بعد أن يرجو نجاة نبي من الأنبياء - عليهم السلام - وهكذا يجب ألا يسع كتمان ما كان يكتمه وإن كان نفسه تهلك إذا أظهر إذا كان في إظهار ذلك نجاة رسول من رسل الله  - عليهم السلام - بحجج يدفع الهلاك بها عن نفس ذلك الرسول؛ وكذلك ذكر عن أبي بكر الصديق -  - "أن أهل مكة لما هموا قتل رسول الله  وإهلاكه، ألقى أبو بكر -  - نفسه عليه، وقال ما قال ذلك الرجل الذي كان يكتم إيمانه حيث قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ ﴾ فعند ذلك نزلت هذه الآية على رسول الله  ولم تكن نزلت قبل ذلك" ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ .

أي: جاءكم من البينات ما يبين أنها آيات من عند الله لا اختراعاً من موسى -  - ويبين أنه صادق فيما يقول ويدعي.

وقوله: ﴿ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ .

أي: وإن كان كاذباً فيما يدعوكم إليه فعليه كذبه، وإن كان صادقاً فيما يقول ويدعي يصيبكم بعض الذي يعدكم، فهو يعلم أنه صادق فيما يقول حقيقة، ولكن لما كان عند القوم احتمل الأمر، ذكر على ما في زعمهم؛ دفعاً للقتل عن موسى،  .

ثم الإشكال أنه قال: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ذكر أنه يصيبهم بعض الذي يعد الرسل، [والرسل] إذا وعدوا شيئاً يصيبهم بكماله، لا يجوز أن يكون خلاف ما أخبروا أو دون ما ذكروا، لكن يخرج على وجوه: أحدها: أنه كان وعده إياهم أن يصيبهم العذاب في الدنيا والآخرة، فيقول: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ، وهو ما وعد لهم أن يصيبهم في الدنيا، وأما ما وعد لهم في الآخرة، فهو يصيبهم في وقت آخر وهو في الآخرة، فما أصابهم في الدنيا فهو بعض ما جرى الوعيد منه لهم؛ لأن الوعيد كان منه في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أنه كان -  - وعدهم بأنواع من العذاب، وقد أصابهم بعض ذلك الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونحو ذلك، وفي بعض ما وعدهم هو هلاكهم؛ فكأنه يقول لهم: إنكم قد أصابكم كثير من ذلك، فيصيبكم بعض ما يعدكم الذي فيه هلاككم مبالغة في الزجر؛ لما قد أصابهم ما وعد لهم من أنواع العذاب، ولم يكن وعده كذباً، فبعض ما يعدكم - وهو الهلاك - كيف يكون كذباً؟!

والله أعلم والموفق.

والثالث: [أراد] بالبعض: الكل؛ لأنه أراد بهذا البعض: الهلاك، وهو البعض الأقصى، فيدخل العالي فيه لأنه إذا أوعده بأنواع من العذاب منها الهلاك يكون الهلاك هو البعض الأقصى؛ إذ لا عذاب في الدنيا بعد الهلاك، فيكون سائر أنواع العذاب في الدنيا يكون قبل الهلاك، فإذا أريد به هذا البعض يدخل فيه ما قبله، ويكون ذكره ذكرا للكل؛ إذ لا وجود له بدون سائرها؛ لذلك قال: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أنه لا يهدي من هو في علمه أنه يؤثر الإسراف والكذب.

والثاني: لا يهدي من هو مختار الإسراف والكذب وقت اختيارهم الإسراف والكذب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ﴾ .

يخرج على وجهين: أحدهما: يحتمل أن يقول ذلك بعد ما سألوه أن يتبع دينهم وما هم فيه: إني لو اتبعتكم وأجبتكم ومعكم الملك والحشم والغلبة وليس معي ذلك، فإذا جاء بأس الله وعذابه فصرتم أنتم ممتنعين عنه بما معكم، فمن ينصرنا من عذاب الله وليس معنا ذلك؟!

وإن كان يعلم حقيقة أن ما معهم من الغلبة لا يمنع من عذاب الله، لكن قال ذلك بناء على اعتقادهم؛ إظهاراً للعذر عندهم؛ كي لا يقدموا على قتله لصيانة حياته، ومثل هذا لا بأس به، والله أعلم.

والثاني: يقول على الرفق بهم وإظهار الموافقة لهم في الظاهر؛ يقول: إنه قد جاءنا من الله البينات ما أوضح الحق وبين السبيل، فإذا رددنا ذلك وكذبناهم جاءنا بأس الله جملة وعذابه، فمن يمنعنا عنه وينصرنا من عذابه إذا خالفنا أمره وتركنا اتباع دينه؟!

على هذين القولين يخرج القول منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: أي: ما آمركم إلا بما رأيته لنفسي.

وقال بعضهم: ما أختار لكم إلا ما أختار لنفسي ذلك، لكن [ليس] للعين أن يختار لهم ما اختار لنفسه؛ لأن ما اختار لنفسه باطل فاسد، وكذب اللعين أيضاً حيث قال: ما أختار لكم إلا ما أختار لنفسي؛ لأنه اختار لهم أن يعبدوه ولم يختر لنفسه عبادة أولئك أن يعبدهم، فهو كذب من القول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ﴾ .

كذب أيضاً في قوله: إنه لا يهديهم إلا سبيل الرشاد، بل كان يهديهم سبيل الغي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ .

كأن فيه إضمار القول: إني أخاف عليكم يوما مثل يوم الأحزاب، ويوم مثل يوم قوم نوح وعاد، فهو - والله أعلم - صلة قوله فيما تقدم: ﴿ يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ﴾ وعظهم مرة واحتج عليهم بما جاءهم موسى بالبينات؛ حيث قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ ، وتتركون اتباعه وتتبعون رجلا لم يأتكم بالبينات، هذا منه احتجاج عليهم: أن كيف تقتلون رجلا وتتركون اتباعه بعد ما جاءكم بالبينات من ربكم، وتتبعون من لا بينة معه ولا برهان؟!

يسفههم في صنيعهم الذي أرادوا أن يصنعوا به، والله أعلم، ووعظهم أيضاً وعظاً لطيفاً فيه رفق حيث قال: ﴿ يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ﴾ يقول - والله أعلم -: إنكم إن قتلتم ذلك الرجل بعدما جاءكم بالبينات وتركتم اتباعه، فجاءكم عذاب الله وبأسه، فمن ينصركم عن ذلك العذاب ويمنعكم عنه إذا قتلتم نبيه بغير حق؟!

ثم وعظهم وعظاً بما نزل بمكذبي من كان قبلهم من الرسل حيث قال: ﴿ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ﴾ يقول: إني أخاف عليكم أن ينزل بكم ويقع عليكم من عذاب الله بتكذيبكم الرسول موسى -  - وترككم اتباعه بعدما جاءكم بالبينات أنه رسول وأنه صادق فيما يقول ويدعي، كما نزل ووقع من العذاب بالأحزاب الذين كانوا من قبلكم ممن ذكر بتكذيبهم الرسل واستقبالهم إياهم بما استقبلوا بعد ظهور صدقهم عندهم بما تستقبلون أنتم رسولكم موسى، بعدما ظهر صدقه عندكم بالبينات التي جاءكم، والله أعلم.

ثم ما ذكر من الأحزاب فيحتمل أن يكون تفسيره ما ذكر على أثره من قوم نوح وعاد وثمود، ويحتمل سواهم من الأمم، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ﴾ قال بعضهم: أي: مثل صنيع قوم نوح ومن ذكر وفعلهم.

وقال بعضهم: أي: مثل عذاب قوم نوح ومن ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ ﴾ .

في هذه الآية للمعتزلة نوعُ تعلقٍ؛ يقولون: إن الله  قد أراد من العباد ما يفعلون من أفعال الظلم والجور، وقد أخبر الله  أنه لا يريد ظلماً للعباد.

ولكن الآية في التحقيق عليهم؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ  ﴾ أخبر أنه أراد ألا يجعل لهم حظّاً في الآخرة، ولو لم يرد منهم ما يستوجبون به العذاب كان في تعذيبه إياهم ظالما على زعمهم؛ دل أنه أراد منهم ما يستوجبون به العذاب وهو فعل الظلم، والله أعلم.

ثم تأويل الآية يخرج على وجهين: أحدهما: أن الإرادة هي صفة كل فاعل يفعل عن اختيار، فكأنه قال: والله لا يظلم عباده؛ كقوله  : ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ  ﴾ .

والثاني: فيه إخبار أنه لا يعاقَبُ أحد بذنب غيره، ولا يؤاخذ بجريمة غيره، ولا يزيد على قدر ما يستحقون به العذاب، أو لا ينقصهم من ثواب حسناتهم شيئاً؛ كقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ  ﴾ وغير ذلك من الآيات ما فيها إخبار أنه لا يجزيهم بأكثر مما يستوجبون ليس على ظن أولئك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ...

﴾ الآية.

وعظهم أيضاً بعذاب الآخرة وما يكون منهم من الندامة بتركهم اتباع الرسول، بعدما وعظهم بعذاب الدنيا وما نزل بأوائلهم بصنيعهم مثل صنيعهم، وهو ما قال: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ...

﴾ الآية.

ثم قوله: ﴿ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ ﴾ فيه لغات ثلاث: إحداها: ﴿ يوم التنادي ﴾ بالياء.

والثانية: بالتخفيف على حذف الياء.

والثالثة: بالتشديد.

فمن قرأها بالتشديد، يقول: هو من ند يند ندّاً إذا مضى لوجهه هارباً فارّاً من عذاب الله، إذا عاينوا العذاب، وهو من ند الإبل وغيره - والله أعلم -.

ومن قرأه بالياء فهو التفاعل من النداء، فهو على نداء بعضهم بعضاً يوم القيامة؛ كقوله -  -: ﴿ وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ ونحوه.

ومن قرأه بغير الياء، فقد حذف الياء؛ كقوله: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ  ﴾ ، وأصله: التنادي، والله أعلم.

ثم قوله  : ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ قال بعضهم: يوم تولون هاربين من النار مدبرين عنها؛ كقوله  : ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ﴾ .

أي: ما لكم من عذاب الله إذا نزل بكم من مانع يمنعكم من عذابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

أي: جاءكم يوسف من قبل موسى -  - بالبينات، أي: بالآيات والأدلة على رسالته وصدقه، جائز أن يكون هذا قول ذلك الرجل لقومه يخبرهم عن سفه أوائلهم من تكذيبهم يوسف بأرض مصر قبل موسى، وما كان من القول منهم بعدما ذهب من بينهم وردهم آياته وحججه التي أتاهم بها، وما أخبر أنهم وأوائلهم لم يزالوا في شك وريب مما جاءتهم الرسل من الآيات والأدلة، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ ﴾ يقول: لم تزل عادتكم وعادة أوائلكم هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ .

جائز أن يكون وإن خاطبهم بقوله: ﴿ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ إنما أراد آباءهم وأوائلهم؛ لأن يوسف -  - لم يكن في زمن هؤلاء مبعوثاً إليهم على ما عاتب الأبناء بصنع آبائهم في غير آي من القرآن؛ كقوله: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ  ﴾ ، وهؤلاء لم يقتلوا الأنبياء ولا اتخذوا العجل، وإنما فعل ذلك آباؤهم وأوائلهم، ثم جاء العتاب لهم بسوء صنيع آبائهم وأوائلهم؛ فعلى ذلك هذا.

وجائز أن يكون وإن خاطبهم بما ذكر من سوء الصنيع والتكذيب، إنما يخبر عن صنيع آبائهم وأوائلهم فيحذرهم عن مثل صنيع أولئك من التكذيب لهم والرد لأدلتهم، والقول بعد ذهابه من بينهم، والكذب على الله: إنه لم يبعث رسولا؛ يقول: إياكم أن تكذبوه وتردوا آياته وحججه، ثم تقولوا إذا مات موسى: لن يبعث الله من بعده رسولا، كما قال أوائلكم: إذا مات يوسف: لم يكن من بعده رسول بقولهم: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ يشبه أن يخرج الآية على هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ﴾ .

فقد ذكرنا تأويله من وجهين فيما تقدم.

ثم قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ يخرج من وجهين: أحدهما: آمنوا به، وأنكروا رسالة غيره بعده بقولهم: لن يبعث الله من بعده رسولا.

والثاني: أي: أنكروا رسالته في حال حياته ولم يؤمنوا به، فإذا هلك أنكروا أن يكون هو مبعوثاً إليهم رسولا، فيحذر هؤلاء صنيع أولئك ألا يكونوا كأولئك آمنوا به وأنكروا رسالة غيره من الرسل بعده.

أو يقول: لا تكونوا كأولئك يكذبونه ما دام حيّاً، فإذا هلك يكذبون رسالته، يحذرهم سفه أوائلهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ﴾ .

أي: يجادلون في دفع آيات الله وردها بغير حجة وسلطان أتاهم من الله، أو بغير حجة مكن لهم الاحتجاج بها، وإلا كان أهل الإيمان قد يجادلون فيها حتى إذا ظنوا أنها آيات الله آمنوا بها وأقروا بها، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، أي: جادلوا في دفع آيات الله وردها بغير حجة أتتهم؛ كقوله: ﴿ وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

هكذا الواجب على أهل الإيمان أن يمقتوا من الأعمال ما مقتها الله  ، أو يمقتوا من مقته الله من أعدائه؛ وعلى ذلك ذكر: إن خير أعمالكم حُبُّ ما أحبه الله وبُغْضُ ما أبغضه الله أو كلام نحوه، وشر أعمالكم حب ما أبغضه وبغض ما أحبه الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ .

أي: هكذا يطبع الله على كل قلب من جادل في دفع آيات الله وردها بغير حجة، أي: يطبع على كل من تعود التكبر والتجبر على الآيات والرسل، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ...

﴾ من هو كذا، وكذلك يضلل، ونحوه كله حروف الاعتلال، بين الله  العلل التي لها لا يهديهم ويضلهم؛ وكذلك في قوله: ﴿ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ ومسرف مرتاب ونحوه، أي: لا يهدي من كان طبعه وعادته الإسراف والكذب وكفران النعم ودفع الآيات والحجج بلا حجة وبرهان، فأمّا من كان طبعه وعادته غير هذا لكنْ لجِهْلٍ جَهِلَ ذلك، أو لما يتحقق عنده لظنه وقلة التأمل، أو لاشتغاله بأمور الدنيا، أو لمعنى من المعاني يجوز أن يهديه الله  ويرشده، على هذا يخرج هذه الآيات، والله أعلم.

وعلى ذلك ما كان [يصنعه] فرعون اللعين من التمويهات والتلبيسات على أتباعه في أمر موسى -  - بعد معرفته أن ذلك ليس بقدح في الآيات والحجج التي أتاهم موسى -  - أراد أن يموه ويلبس على قومه، فكل من كانت عادته وطبيعته ما ذكرنا من التمويه والتلبيس والمجادلة في دفع الآيات بلا حجة والتكبر عليها - فلا يهديه الله  ويطبع على قلبه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

كعادة من كفر وكذَّب الرسل مثل قوم نوح وعاد وثمود والذين جاؤوا من بعدهم، فقد أهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم لرسله، وما الله يريد ظلمًا للعباد، وإنما يعذبهم بذنوبهم؛ جزاءً وفاقًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.L9O8W"

مزيد من التفاسير لسورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله وبحمده