الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٣٥ من سورة غافر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 84 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٥ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ) أي : الذين يدفعون الحق بالباطل ، ويجادلون الحجج بغير دليل وحجة معهم من الله ، فإن الله يمقت على ذلك أشد المقت ; ولهذا قال تعالى : ( كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا ) أي : والمؤمنون أيضا يبغضون من تكون هذه صفته ، فإن من كانت هذه صفته ، يطبع الله على قلبه ، فلا يعرف بعد ذلك معروفا ، ولا ينكر منكرا ; ولهذا قال : ( كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر ) أي : على اتباع الحق ) جبار ) .
وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة - وحكي عن الشعبي - أنهما قالا : لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين .
وقال أبو عمران الجوني وقتادة : آية الجبابرة القتل بغير حق .
القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون: ( الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ) فقوله " الذين " مردود على " من " في قوله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ .
وتأويل الكلام: كذلك يضلّ الله أهل الإسراف والغلوّ في ضلالهم بكفرهم بالله, واجترائهم على معاصيه, المرتابين في أخبار رسله, الذين يخاصمون في حججه التي أتتهم بها رسله ليدحضوها بالباطل من الحُجَج ( بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ) يقول: بغير حجة أتتهم من عند ربهم يدفعون بها حقيقة الحُجَج التي أتتهم بها الرسل; و " الذين " إذا كان معنى الكلام ما ذكرنا في موضع نصب ردًّا على " مَن ".
وقوله: ( كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ ) يقول: كبر ذلك الجدال الذي يجادلونه في آيات الله مقتا عند الله,( وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالله; وإنما نصب قوله: ( مَقْتا ) لما في قوله ( كَبُرَ ) من ضمير الجدال, وهو نظير قوله: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فنصب كلمة من نصبها, لأنه جعل في قوله: ( كَبُرَتْ ) ضمير قولهم: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وأما من لم يضمر ذلك فإنه رفع الكلمة.
وقوله: ( كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ) يقول: كما طبع الله على قلوب المسرفين الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم, كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر على الله أن يوحده, ويصدّق رسله.
جبار: يعني متعظم عن اتباع الحقّ.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الأمصار, خلا أبي عمرو بن العلاء, على: ( كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ ) بإضافة القلب إلى المتكبر, بمعنى الخبر عن أن الله طبع على قلوب المتكبرين كلها; ومن كان ذلك قراءته, كان قوله " جبار ".
من نعت " متكبر ".
وقد روي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك " كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ على قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ".
حدثني بذلك ابن يوسف, قال: ثنا القاسم, قال: ثني حجاج, عن هارون أنه كذلك في حرف ابن مسعود, وهذا الذي ذُكر عن ابن مسعود من قراءته يحقق قراءة من قرأ ذلك بإضافة قلب إلى المتكبر, لأن تقديم " كل " قبل القلب وتأخيرها بعده لا يغير المعنى, بل معنى ذلك في الحالتين واحد.
وقد حُكي عن بعض العرب سماعا: هو يرجِّل شعره يوم كلّ جمعة, يعني: كلّ يوم جمعة.
وأما أبو عمرو فقرأ ذلك بتنوين القلب وترك إضافته إلى متكبر, وجعل المتكبر والجبار من صفة القلب.
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بإضافة القلب إلى المتكبر, لأن التكبر فعل الفاعل بقلبه, كما أن القاتل إذا قتل قتيلا وإن كان قتله بيده, فإن الفعل مضاف إليه, وإنما القلب جارحة من جوارح المتكبر.
وإن كان بها التكبر, فإن الفعل إلى فاعله مضاف, نظير الذي قلنا في القتل, وذلك وإن كان كما قلنا, فإن الأخرى غير مدفوعة, لأن العرب لا تمنع أن تقول: بطشت يد فلان, ورأت عيناه كذا, وفهم قلبه, فتضيف الأفعال إلى الجوارح, وإن كانت في الحقيقة لأصحابها.
قوله تعالى : الذين يجادلون في آيات الله أي في حججه الظاهرة بغير سلطان أتاهم أي بغير حجة وبرهان و " الذين " في موضع نصب على البدل من " من " وقال الزجاج : أي : كذلك يضل الله الذين يجادلون في آيات الله ف " الذين " نصب .
قال : ويجوز أن يكون رفعا على معنى هم الذين ، أو على الابتداء والخبر كبر مقتا .
ثم قيل : هذا من كلام مؤمن آل فرعون .
وقيل : ابتداء خطاب من الله تعالى .مقتا على البيان أي : كبر جدالهم مقتا ، كقوله : كبرت كلمة ومقت الله تعالى ذمه لهم ولعنه إياهم وإحلال العذاب بهم .
كذلك أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين فكذلك يطبع الله أي يختم على كل قلب متكبر جبار حتى لا يعقل الرشاد ولا يقبل الحق .
وقراءة العامة على كل قلب متكبر بإضافة " قلب " إلى المتكبر ، واختاره أبو حاتم وأبو عبيد .
وفي الكلام حذف ، والمعنى : كذلك يطبع الله على كل قلب على كل متكبر جبار فحذف " كل " الثانية لتقدم ما يدل عليها .
وإذا لم يقدر حذف " كل " لم يستقم المعنى ; لأنه يصير معناه أنه يطبع على جميع قلبه وليس المعنى عليه .
وإنما المعنى أنه يطبع على قلوب المتكبرين الجبارين قلبا قلبا .
ومما يدل على حذف " كل " قول أبي دواد :أكل امرئ تحسبين امرأ ونار توقد بالليل نارايريد : وكل نار .
وفي قراءة ابن مسعود " على قلب كل متكبر " فهذه قراءة على التفسير والإضافة .
وقرأ أبو عمرو وابن محيصن وابن ذكوان عن أهل الشام " قلب " منون على أن " متكبر " نعت للقلب فكنى بالقلب عن الجملة ; لأن القلب هو الذي يتكبر وسائر الأعضاء تبع له ، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ويجوز أن يكون على حذف المضاف ، أي : على كل ذي قلب متكبر ، تجعل الصفة لصاحب القلب .
ثم ذكر وصف المسرف الكذاب فقال: { الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ } التي بينت الحق من الباطل، وصارت -من ظهورها- بمنزلة الشمس للبصر، فهم يجادلون فيها على وضوحها، ليدفعوها ويبطلوها { بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ } أي: بغير حجة وبرهان، وهذا وصف لازم لكل من جادل في آيات الله، فإنه من المحال أن يجادل بسلطان، لأن الحق لا يعارضه معارض، فلا يمكن أن يعارض بدليل شرعي أو عقلي أصلا، { كَبُرَ } ذلك القول المتضمن لرد الحق بالباطل { مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا } فالله أشد بغضًا لصاحبه، لأنه تضمن التكذيب بالحق والتصديق بالباطل ونسبته إليه، وهذه أمور يشتد بغض الله لها ولمن اتصف بها، وكذلك عباده المؤمنون يمقتون على ذلك أشد المقت موافقة لربهم، وهؤلاء خواص خلق الله تعالى، فمقتهم دليل على شناعة من مقتوه، { كَذَلِكَ } أي: كما طبع على قلوب آل فرعون{ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ } متكبر في نفسه على الحق برده وعلى الخلق باحتقارهم، جبار بكثرة ظلمه وعدوانه.
( الذين يجادلون في آيات الله ) قال الزجاج : هذا تفسير للمسرف المرتاب يعني هم الذين يجادلون في آيات الله أي : في إبطالها بالتكذيب ( بغير سلطان ) حجة ) ( أتاهم ) من الله ( كبر مقتا ) أي : كبر ذلك الجدال مقتا ، ( عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ) قرأ أبو عمرو وابن عامر " قلب " بالتنوين ، وقرأ الآخرون بالإضافة ، دليله قراءة عبد الله بن مسعود " على قلب كل متكبر جبار " .
«الذين يجادلون في آيات الله» معجزاته مبتدأ «بغير سلطان» برهان «أتاهم كَبُر» جدالهم خبر المبتدأ «مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك» مثل إضلالهم «يطبع» يختم «الله» بالضلال «على كل قلب متكبَّرِ جبار» بتنوين قلب ودونه، ومتى تكبَّر القلب، تكبَّر صاحبه وبالعكس، وكل على القراءتين لعموم الضلال جميع القلب لا لعموم القلب.
الذين يخاصمون في آيات الله وحججه لدفعها من غير أن يكون لديهم حجة مقبولة، كَبُر ذلك الجدال مقتًا عند الله وعند الذين آمنوا، كما خَتَم بالضلال وحَجَبَ عن الهدى قلوب هؤلاء المخاصمين، يختم الله على قلب كل مستكبر عن توحيد الله وطاعته، جبار بكثرة ظلمه وعدوانه.
ثم بين لهم أن غضب الله - تعالى - شديد ، على الذين يجادلون فى آياته الدالة على وحدانيته وعلى كمال قدرته ، وعلى صدق أنبيائه ، بغير حجة أو دليل فقال ( الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله وَعِندَ الذين آمَنُواْ .
.
.
) .وقوله : ( الذين يُجَادِلُونَ .
.
.
) مبتدأ ، وخبره قوله - تعالى - : ( كَبُرَ مَقْتاً .
.
) والفاعل ضمير يعود إلى الجدال المفهوم من قوله ( يُجَادِلُونَ ) أى : كبر جدالهم ( مَقْتاً ) تمييز محول عن الفاعل ، أى : عظم بغضا جدالهم عند الله وعند المؤمنين .أى : الذين يجادلون فى آيات الله الدالة على وحدانيته ، وعلى صدق أنبيائه بغير دليل أو برهان أتاهم من الله - تعالى - عن طريق رسله ، هؤلاء الذين يفعلون ذلك ، كبر وعظم بغضا جدالهم عند الله - تعالى - وعند الذين آمنوا .قال الجمل : وهذه الصفة - وهى الجدال بالباطل بدون برهان - موجودة فى فرعون وقومه ، ويكون الرجل المؤمن قد عدل عن مخاطبتهم إلى الاسم الغائب ، لحسن محاورته لهم ، واستجلاب قلوبهم .
وأبرز ذلك فى صورة تذكرهم فلم يخصهم بالخطابوفى قوله : ( كَبُرَ ) ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم .وقوله : ( كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ) أى : مثل ذلك الطبع العجيب ، يطبع الله - تعالى - ويختم بالكفر والعمى على قلب كل إنسان متكبر عن الاستماع للحق ، متطاول ومتجبر على خلق الله - تعالى - بالعدوان والإيذاء .
واعلم أن مؤمن آل فرعون لما قال: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ ذكر لهذا مثلاً، وهو أن يوسف لما جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على الشك والشبهة، ولم ينتفعوا بتلك الدلائل، وهذا يدل على أن من أضله الله فما له من هاد وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قيل إن يوسف هذا هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام، ونقل صاحب الكشاف أنه يوسف بن أفراييم بن يوسف ابن يعقوب أقام فيهم نيفاً وعشرين سنة، وقيل إن فرعون موسى هو فرعون يوسف بقي حياً إلى زمانه وقيل فرعون آخر، والمقصود من الكل شيء واحد وهو أن يوسف جاء قومه بالبينات، وفي المراد بها قولان الأول: أن المراد بالبينات قوله: ﴿ أأرباب مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار ﴾ ، والثاني: المراد بها المعجزات، وهذا أولى، ثم إنهم بقوا في نبوته شاكين مرتابين، ولم ينتفعوا ألبتة بتلك البينات، فلما مات قالوا إنه ﴿ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ وإنما حكموا بهذا الحكم على سبيل التشهي والتمني من غير حجة ولا برهان، بل إنما ذكروا ذلك ليكون ذلك أساساً لهم في تكذيب الأنبياء الذين يأتون بعد ذلك وليس في قولهم: ﴿ لن يبعث الله من بعد رسولاً ﴾ لأجل تصديق رسالة يوسف وكيف وقد شكوا فيها وكفروا بها وإنما هو تكذيب لرسالة من هو بعده مضموماً إلى تكذيب رسالته، ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ﴾ أي مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب في دينه، قال الكعبي هذه الآية حجة لأهل القدر لأنه تعالى بين كفرهم، ثم بين أنه تعالى إنما أضلهم لكونهم مسرفين مرتابين، فثبت أن العبد ما لم يضل عن الدين، فإن الله تعالى لا يضله.
ثم بيّن تعالى ما لأجله بقوا في ذلك الشك والإسراف فقال: ﴿ الذين يجادلون فِي ءايات الله بِغَيْرِ سلطان ﴾ أي بغير حجة، بل إما بناء على التقليد المجرد، وإما بناء على شبهات خسيسة ﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله ﴾ والمقت هو أن يبلغ المرء في القوم مبلغاً عظيماً فيمقته الله ويبغضه ويظهر خزيه وتعسه.
وفيه مسائل: المسألة الأولى: في ذمة لهم بأنهم يجادلون بغير سلطان دلالة على أن الجدال بالحجة حسن وحق وفيه إبطال للتقليد.
المسألة الثانية: قال القاضي مقت الله إياهم يدل على أن فعلهم ليس بخلق الله لأن كونه فاعلاً للفعل وماقتاً له محال.
المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه قد يمقت بعض عباده إلا أن ذلك صفة واجبة التأويل في حق الله كالغضب والحياء والتعجب، والله أعلم.
ثم بيّن أن هذا المقت كما حصل عند الله فكذلك قد حصل عند الذين آمنوا.
ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وأبو عمرون وقتيبة عن الكسائي ﴿ قَلْبٌ ﴾ منوناً ﴿ مُتَكَبّرٍ ﴾ صفة للقلب والباقون بغير تنوين على إضافة القلب إلى المتكبر قال أبو عبيد الاختيار الإضافة لوجوه: الأول: أن عبد الله قرأ ﴿ على كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ ﴾ وهو شاهد لهذه القراءة الثاني: أن وصف الإنسان بالتكبر والجبروت أولى من وصف القلب بهما، وأما الذين قرأوا بالتنوين فقالوا إن الكبر قد أضيف إلى القلب في قوله: ﴿ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ﴾ وقال تعالى: ﴿ فإنه آثم قلبه ﴾ وأيضاً فيمكن أن يكون ذلك على حذف المضاف أي على كل ذي قلب متكبر، وأيضاً قال قوم الإنسان الحقيقي هو القلب وهذا البحث طويل وقد ذكرناه في تفسير قوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ ﴾ قالوا ومن أضاف، فلابد له من تقدير حذف، والتقدير يطبع الله على قلب كل متكبر.
المسألة الثانية: الكلام في الطبع والرين والقسوة والغشاوة قد سبق في هذا الكتاب بالاستقصاء، وأصحابنا يقولون قوله: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله ﴾ يدل على أن الكل من الله والمعتزلة يقولون إن قوله: ﴿ وكذلك يَطْبَعُ الله على كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ ﴾ يدل على أن هذا الطبع إنما حصل من الله لأنه كان في نفسه متكبراً جباراً وعند هذا تصير الآية حجة لكل واحد من هذين الفريقين من وجه، وعليه من وجه آخر، والقول الذي يخرج عليه الوجهان ما ذهبنا إليه وهو أنه تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب، فتصير تلك الدواعي مانعة من حصول ما يدعون إلى الطاعة والانقياد لأمر الله، فيكون القول بالقضاء والقدر حياً ويكون تعليل الصد عن الدين بكونه متجبراً متكبراً باقياً، فثبت أن هذا المذهب الذي اخترناه في القضاء والقدر هو الذي ينطبق لفظ القرآن من أوله إلى آخره عليه.
المسألة الثالثة: لابد من بيان الفرق بين المتكبر والجبار، قال مقاتل ﴿ مُتَكَبّرٍ ﴾ عن قبول التوحيد ﴿ جَبَّارٍ ﴾ في غير حق، وأقول كمال السعادة في أمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فعلى قول مقاتل التكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله والجبروت كالمضاد للشفقة على خلق الله، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام.
وقيل: هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب: أقام فيهم نبياً عشرين سنة.
وقيل: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف، عمر إلى زمنه، وقيل: هو فرعون آخر.
وبخهم بأن يوسف أتاكم بالمعجزات فشككتم فيها ولم تزالوا شاكين كافرين ﴿ حتى إِذَا ﴾ قبض ﴿ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ حكماً من عند أنفسكم من غير برهان وتقدمة عزم منكم على تكذيب الرسل، فإذا جاءكم رسول جحدتم وكذبتم بناء على حكمكم الباطل الذي أستسموه، وليس قولهم: ﴿ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ بتصديق لرسالة يوسف، وكيف وقد شكوا فيها وكفروا بها، وإنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضموم إلى تكذيب رسالته.
وقرئ: ﴿ ألن يبعث الله ﴾ على إدخال همزة الاستفهام على حرف النفي، كأن بعضهم يقرّر بعضاً بنفي البعث.
ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ الله ﴾ أي مثل هذا الخذلان المبين يخذل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب في دينه ﴿ الذين يجادلون ﴾ بدل من ﴿ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ ﴾ فإن قلت: كيف جاز إبداله منه وهو جمع وذاك موحد؟
قلت: لأنه لا يريد مسرفاً واحداً، فكأنه قال: كل مسرف.
فإن قلت: فما فاعل ﴿ كَبُرَ ﴾ ؟
قلت: ضمير من هو مسرف.
فإن قلت: أما قلت هو جمع، ولهذا أبدلت منه الذين يجادلون؟
قلت: بلى هو جمع في المعنى.
وأما اللفظ فموحد، فحمل البدل على معناه، والضمير الراجع إليه على لفظه، وليس ببدع أن يحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى، وله نظائر، ويجوز أن يرفع الذين يجادلون على الابتداء، ولا بدّ في هذا الوجه من حذف مضاف يرجع إليه الضمير في كبر، تقديره: جدال الذين يجادلون كبر مقتاً، ويحتمل أن يكون ﴿ الذين يجادلون ﴾ مبتدأ؛ و ﴿ بِغَيْرِ سلطان أتاهم ﴾ خبراً، وفاعل كبر قوله: ﴿ وكذلك ﴾ أي كبر مقتاً مثل ذلك الجدال، و ﴿ يَطْبَعُ الله ﴾ كلام مستأنف، ومن قال: كبر مقتاً عند الله جدالهم، فقد حذف الفاعل والفاعل لا يصحّ حذفه.
وفي ﴿ كَبُرَ مَقْتاً ﴾ : ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم، والشهادة على خروجه من حدِّ إشكاله من الكبائر.
وقرئ: ﴿ سلطان ﴾ بضم اللام.
وقرئ: ﴿ قلب ﴾ بالتنوين، ووصف القلب بالتكبر والتجبر، لأنه مركزهما ومنبعهما، كما تقول: رأت العين، وسمعت الأذن.
ونحوه قوله عزّ وجل ﴿ فإنه آثم قلبه ﴾ [البقرة: 283] وإن كان الآثم هو الجملة.
ويجوز أن يكون على حذف المضاف، أي: على كل ذي قلب متكبر، تجعل الصفة لصاحب القلب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ لِأنَّهُ بِمَعْنى الجَمْعِ.
﴿ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ ﴾ بِغَيْرِ حُجَّةٍ بَلْ إمّا بِتَقْلِيدٍ أوْ بِشُبْهَةٍ داحِضَةٍ.
﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيهِ ضَمِيرُ مَن وإفْرادُهُ لِلَّفْظِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ كَبُرَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: وجِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ كَبُرَ مَقْتًا أوْ بِغَيْرِ سُلْطانٍ وفاعِلُ كَبُرَ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ كَبُرَ مَقْتًا مِثْلَ ذَلِكَ الجِدالِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ ﴾ اسْتِئْنافًا لِلدَّلالَةِ عَلى المُوجِبِ لِجِدالِهِمْ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ ذَكْوانَ قَلْبٍ بِالتَّنْوِينِ عَلى وصْفِهِ بِالتَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ لِأنَّهُ مَنبَعُهُما كَقَوْلِهِمْ: رَأتْ عَيْنِي وسَمِعَتْ أُذُنِي، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ عَلى كُلِّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ.
<div class="verse-tafsir"
الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)
{الذين يجادلون} بدل من هو مسرف وجاز بداله منه وهو جمع لأنه لا يريد مسرفاً واحدا بل كل مسرف {في آيات الله} في دفعها وإبطالها {بِغَيْرِ سلطان} حجة {أتاهم كَبُرَ مَقْتاً} أي عظم بغضاً وفاعل كبر ضمير هُوَ مُسْرِفٌ وهو جمع معنى وموحد لفظاً فحمل البدل على معناه والضمير الراجع إليه على لفظه ويجوز أن يرفع الذين على الابتداء ولا بد في هذا الوجه من حذف مضاف يرجع إليه الضمير في كَبُرَ تقديره جدال الذين يجادلون كبر مقتاً {عِندَ الله وعند الذين آمنوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} قَلْبٍ بالتنوين أبو عمرو وإنما وصف القلب التكبر والتجبر لأنه منبعهما كما تقول سمعت الأذن وهو كقوله فانه اثم قلبه وإن كان الآثم هو الجملة
﴿ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ - أعْنِي مَن - أوْ بَيانٌ أوْ صِفَةٌ لَهُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّ مُسْرِفٍ مُرْتابٍ أوِ المُسْرِفِينَ المُرْتابِينَ، وجُوِّزَ نَصْبُهُ بِأعْنِي مُقَدَّرًا، وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ﴾ عَلى الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ مُتَعَلِّقٌ - بِيُجادِلُونَ - وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أتاهُمْ ﴾ صِفَةُ ( سُلْطانٍ ) والمُرادُ بِإتْيانِهِ إتْيانُهُ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إمّا عَلى أيْدِي الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَكُونُ ذاكَ إشارَةً إلى الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ، وإمّا بِطَرِيقِ الإفاضَةِ عَلى عُقُولِهِمْ فَيَكُونُ ذاكَ إشارَةً إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، وقَدْ يُعَمَّمُ فَيَكُونُ المَعْنى يُجادِلُونَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ صالِحَةٍ لِلتَّمَسُّكِ بِها أصْلًا لا عَقْلِيَّةً ولا نَقْلِيَّةً.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ تَقْرِيرٌ لِما أشْعَرَ بِهِ الكَلامُ مِن ذَمِّهِمْ وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ، وفاعِلُ ( كَبُرَ ) ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى الجِدالِ الدّالِّ عَلَيْهِ ( يُجادِلُونَ ) عَلى نَحْوِ مَن كَذَّبَ كانَ شَرًّا لَهُ أيْ كَبُرَ الجِدالُ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ..
إلَخْ، أوْ إلى المَوْصُولِ الأوَّلِ وأُفْرِدَ رِعايَةً لِلَفْظِهِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ مِن بَعْدِ الحَمْلِ عَلى المَعْنى، وأهْلُ العَرَبِيَّةِ يَجْتَنِبُونَهُ.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: هَذا شَيْءٌ نَقَلَهُ ابْنُ الحاجِبِ ولَمْ يُساعِدْهُ غَيْرُهُ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ أيْ كَبُرَ المُسْرِفُ المُرْتابُ المُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَقْتًا أيْ كَبُرَ مَقْتُهُ وعَظُمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ الفَظِيعِ ﴿ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ ﴾ فَيَصْدُرُ عَنْهُ أمْثالُ ما ذُكِرَ مِنَ الإسْرافِ والِارْتِيابِ والمُجادَلَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( اَلَّذِينَ ) مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ كَبُرَ ) خَبَرُهُ لَكِنْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو المُخْبَرُ عَنْهُ حَقِيقَةً أيْ جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ كَبُرَ مَقْتًا، وأنْ يَكُونَ ( اَلَّذِينَ ) مُبْتَدَأً عَلى حَذْفِ المُضافِ ( وبِغَيْرِ سُلْطانٍ ) خَبَرُ المُضافِ المُقَدَّرِ أيْ جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ تَعالى كائِنٌ بِغَيْرِ سُلْطانٍ، وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ ( اَلَّذِينَ ) مُبْتَدَأٌ مِن غَيْرِ حَذْفِ مُضافٍ ( وبِغَيْرِ سُلْطانٍ ) خَبَرُهُ، وفِيهِ الإخْبارُ عَنِ الذّاتِ والجُثَّةِ بِالظَّرْفِ وفاعِلُ ( كَبُرَ ) كَذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى اسْمِيَّةَ الكافِ كالأخْفَشِ أيْ كَبُرَ مَقْتًا مِثْلُ ذَلِكَ الجِدالِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ( يَطْبَعُ ) ..
إلَخْ.
اسْتِئْنافًا لِلدَّلالَةِ عَلى المُوجِبِ لِجِدالِهِمْ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، وفي البَحْرِ الأوْلى في إعْرابِ هَذا الكَلامِ أنْ يَكُونَ ( اَلَّذِينَ ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ( كَبُرَ ) والفاعِلُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ( يُجادِلُونَ ) أيِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ كَبُرَ جِدالُهم مَقْتًا فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ ذَكْوانَ والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ «قَلْبٍ» بِالتَّنْوِينِ فَما بَعْدَهُ صِفَتُهُ، ووَصْفُهُ بِالكِبْرِ والتَّجَبُّرِ لِأنَّهُ مَنبَعُهُما كَقَوْلِهِمْ: رَأتْ عَيْنِي وسَمِعَتْ أُذُنِي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذاكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ كُلَّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ، وجَعْلُ الصِّفَتَيْنِ لِصاحِبِ القَلْبِ لِتَتَوافَقَ القِراءَتانِ هَذِهِ وقِراءَةُ باقِي السَّبْعَةِ بِلا تَنْوِينٍ، وعَنْ مُقاتِلٍ المُتَكَبِّرُ المُعانِدُ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، والجَبّارُ المُتَسَلِّطُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، والظّاهِرُ أنَّ عُمُومَ كُلٍّ مُنْسَحِبٌ عَلى المُتَكَبِّرِ والجَبّارِ أيْضًا فَكَأنَّهُ اعْتُبِرَ أوَّلًا إضافَةُ «قَلْبٍ» إلى ما بَعْدَهُ ثُمَّ اعْتُبِرَتْ إضافَتُهُ إلى المَجْمُوعِ.
<div class="verse-tafsir"
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وهو حزبيل بن ميخائيل، هو ابن عم قارون، وكان أبوه من آل فرعون، وأمه من بني إسرائيل.
ويقال: كان ابن فرعون يَكْتُمُ إِيمانَهُ، وكان قد أسلم سراً من فرعون.
قوله: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: اليد، والعصا.
وروى الأوزاعي عن يحيى بن كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو: حدثني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله فقال: «أقبل عقبة بن أبي معيط، ورسول الله يصلي عند الكعبة، فلوى ثوبه على عنقه، وخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر، فأخذ بمنكبيه، ودفعه عن رسول الله ، ثم قال أبو بكر: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ: رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ يعني: فعليه وبال كذبه، فلا ينبغي أن تقتلوه بغير حجة، ولا برهان.
وَإِنْ يَكُ صادِقاً في قوله، وكذبتموه، يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ من العذاب.
يعني: بعض ذلك العذاب يصبكم في الدنيا.
ويقال: بعض الذي يعدكم فيه.
أي: جميع الذي يعدكم، كقوله: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف: 63] أي: جميع الذي تختلفون فيه، إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي يعني: لا يرشد، ولا يوفق إلى دينه، مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ في قوله: كَذَّابٌ يعني: الذي عادته الكذب.
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ أي: ملك مصر، ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ أي: غالبين على أرض مصر، فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ يعني: من يعصمنا من عذاب الله، إِنْ جاءَنا يعني: أرأيتم إن قتلتم موسى، وهو الصادق، فمن يمنعنا من عذاب الله.
فلما سمع فرعون قول المؤمن، قالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرى يعني: ما أريكم من الهدى، إلا ما أرى لنفسي.
ويقال: ما آمركم إلا ما رأيت لنفسي أنه حق وصواب، وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ يعني: ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى وقرئ في الشاذ الرَّشادِ بتشديد الشين.
يعني: سبيل الرشاد الذي يرشد الناس.
ويقال: رشاد اسم من أسماء أصنامه.
قوله: وَقالَ الَّذِي آمَنَ وهو حزبيل يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ يعني: أخاف عليكم من تكذيبكم مثل عذاب الأمم الخالية، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ أي مثل عذاب قوم نوح، وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ يعني: لا يعذبهم بغير ذنب، وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ وهو من نَدَّ يَند، وهو من تنادى، يتنادى، تنادياً.
وروى أبو صالح، عن ابن عباس أنه قرأ: يَوْمَ التَّنادِ بتشديد الدال.
وقال: تندون كما تند الإبل، وهذا موافق لما بعده، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ وكقوله: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) [عبس: 34، 35] .
وقرأ الحسن يَوْمَ التَّنَادِي بالياء، وهو من النداء.
يوم ينادى كل قوم بأعمالهم.
وينادي المنادي من مكان بعيد.
وينادي أهل النار أهل الجنة.
وينادي أهل الجنة أهل النار أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا [الأعراف: 44] وقراءة العامة.
التناد بالتخفيف بغير ياء، وأصله الياء، فحذف الياء، لأن الكسرة تدل عليه، وقوله: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي: هاربين.
قال الكلبي: هاربين، إذا انطلق بهم إلى النار، فعاينوها، هربوا.
فيقال لهم: مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ أي: ليس لكم من عذاب الله من مانع.
وقال مقاتل: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي: ذاهبين بعد الحساب إلى النار، كقوله: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ أي: ذاهبين مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ يعني: من مانع من عذابه.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى، فَما لَهُ مِنْ هادٍ يعني: من مرشد، وموفق.
وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ هذا قول حزبيل أيضاً لقوم فرعون قال: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ ويقال: يعني: به أهل مصر، وهم الذين قبل فرعون، لأن القرون الذين كانوا في زمن فرعون، لم يروا يوسف، وهذا كما قال تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [البقرة: 91] وإنما أراد به آباءهم بِالْبَيِّناتِ أي: بتعبير الرؤيا.
وروي عن وهب بن منبه: قال فرعون: موسى هو الذي كان في زمن يوسف، وعاش إلى وقت موسى.
وهذا خلاف قول جميع المفسرين.
فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ من تصديق الرؤيا، وبما أخبركم، حَتَّى إِذا هَلَكَ يعني: مات، قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا.
يقول الله تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ يعني: من هو مشرك، شاك في توحيد الله.
ثم وصفهم فقال: الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أي: بغير حجة أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أي: عظم بغضاً لهم من الله، وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: عند المؤمنين كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ أي: يختم الله بالكفر، عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ يعني: متكبر عن عبادة الله تعالى.
قرأ أبو عمرو: قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ بالتنوين.
جعل قوله متكبر نعتاً للقلب.
ومعناه: أن صاحبه متكبر.
والباقون: قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ بغير تنوين على معنى الإضافة، لأن المتكبر هو الرجل، وأضاف القلب إليه.
<div class="verse-tafsir"
يكونَ واحد الأوامر، ويحتمل أن يريد واحد الأمور، والصحيح من الأقوال في التَّنُّورُ أنه تَنُّورُ الخبز، وأَنَّها أمارة كانت بين الله تعالى وبين نوح- عليه السلام-.
٣٠ ب وقوله: فَاسْلُكْ: معناه: فأدخل يقال سلك وأسلك بمعنىً، وقرأ حفص/ عن عاصم «١» : «مِنْ كُلٍّ» بالتنوين، والباقون بغير تنوين، والزوجان: كُلَّ ما شأنه الاصطحابُ من كل شيءٍ نحو: الذكر والأنثى من الحيوان، ونحو: النعال وغيرها، هذا موقع اللفظة في اللغة.
وقوله: وَأَهْلَكَ يريد: قرابته، ثم استثنى من سبق عليه القولُ بأَنَّهُ كافر، وهو ابنه وإمرأته، ثم أُمِرَ نوحٌ ألاَّ يراجعَ رَبَّه، ولا يخاطبَه شافعاً في أحد من الظالمين، ثم أُمِرَ بالدعاء في بركة المنزل.
وقوله سبحانه: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ خطاب لنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم ثم أخبر سبحانه أنه يبتلي عباده الزمنَ بعد الزمنِ على جهة الوعيد لِكُفَّارِ قريشٍ بهذا الإخبار، واللام في لَمُبْتَلِينَ لامُ تأكيدٍ، و «مبتلين» : معناهُ: مُصِيبِينَ ببلاء، ومختبرين اختباراً يؤدي إلى ذلك.
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)
هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩)
وقوله سبحانه: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ.
قال الطبريُّ «٢» - رحمه الله-: إنَّ هذا القرنَ هم ثمودُ، قومُ صالح.
قال ع «٣» : وفي جُلِّ الروايات ما يقتضي أن قوم عاد أقدمٌ، إلاَّ أنَّهم لم يُهْلَكُوا بصيحة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُجادِلُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا تَفْسِيرُ المُسْرِفِ المُرْتابِ، والمَعْنى: هُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آَياتِ اللَّهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: يُجادِلُونَ في إبْطالِها والتَّكْذِيبِ بِها بِغَيْرِ سُلْطانٍ، أيْ: بِغَيْرِ حُجَّةٍ أتَتْهم مِنَ اللَّهِ.
﴿ كَبُرَ مَقْتًا ﴾ أيْ: كَبُرَ جِدالُهم مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا، والمَعْنى: يَمْقُتُهُمُ اللَّهُ ويَمْقُتُهُمُ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ الجِدالِ.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى كَذَّبُوا وجادَلُوا بِالباطِلِ يَطْبَعُ ﴿ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ ﴾ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى الجَبّارِ فِي [هُودَ: ٥٩] .
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "عَلى كُلِّ قَلْبٍ" بِالتَّنْوِينِ، وغَيْرُهُ مِنَ القُرّاءِ السَّبْعَةِ يُضِيفُهُ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: يَطْبَعُ عَلى جُمْلَةِ القَلْبِ مِنَ المُتَكَبِّرِ.
واخْتارَ قِراءَةَ الإضافَةِ الزَّجّاجُ، قالَ: لِأنَّ المُتَكَبِّرَ هو الإنْسانُ، لا القَلْبُ.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَتْ هَذِهِ القِراءَةُ أصْوَبَ لَتَقَدَّمَ القَلْبُ عَلى الكُلِّ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا جائِزٌ عِنْدَ العَرَبِ، قالَ الفَرّاءُ: تَقَدُّمُ هَذا وتَأخُّرُهُ واحِدٌ، سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: هو يَرْجِلُ شِعْرَهُ يَوْمَ كُلِّ جُمْعَةٍ، يُرِيدُ: كُلَّ يَوْمِ جُمْعَةٍ والمَعْنى واحِدٌ.
وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: "عَلى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ" بِتَقْدِيمِ القَلْبِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا وعَظَ المُؤْمِنُ فِرْعَوْنَ وزَجَرَهُ عَنْ قَتْلِ مُوسى، قالَ فِرْعَوْنُ لِوَزِيرِهِ: ﴿ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا ﴾ وقَدْ ذَكَرْناهُ في [القَصَصِ: ٣٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ ﴾ ﴿ أسْبابَ السَّماواتِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: يَعْنِي أبْوابَها.
وقالَ أبُو صالِحٍ: طَرَقَها.
وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: لَعَلِّي أبْلُغُ الطُّرُقَ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لَعَلِّي ما يُؤَدِّينِي إلى السَّمَواتِ.
وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [القَصَصِ: ٣٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ أيْ: ومِثْلُ ما وصَفْنا ﴿ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ ﴾ عَنْ سَبِيلِ الهُدى.
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَصُدَّ" بِضَمِّ الصّادِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، ﴿ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ ﴾ في إبْطالِ آَياتِ مُوسى ﴿ إلا في تَبابٍ ﴾ أيْ: في بُطْلانٍ وخُسْرانٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مِن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهِ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ ﴾ قَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ الخِلافِ في هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها، هَلْ هي مِن قَوْلِ مُؤْمِنِي آلِ فِرْعَوْنَ أو مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ؟
وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ مِنهُمُ الطَبَرِيُّ: يُوسُفُ المَذْكُورُ هو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو حَفِيدُهُ يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنُ يُوسُفَ بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ.
و"البَيِّناتُ" الَّتِي جاءَ بِها يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ تُعَيَّنْ لَنا حَتّى نَقِفَ عَلى مُعْجِزاتِهِ، ورُوِيَ عن وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ فِرْعَوْنَ مُوسى لَحِقَ يُوسُفَ، وأنَّ هَذا التَقْرِيعَ لَهُ.
ورَوى أشْهَبُ عن مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو فِرْعَوْنُ آخَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا ﴾ حِكايَةٌ لِرُتْبَةِ قَوْلِهِمْ لِأنَّهم إنَّما أرادُوا: أنْ يَجِيءَ بَعْدَ هَذا مِن يَدَّعِي مِثْلَ ما ادَّعى، ولَمْ يُقِرَّ أُولَئِكَ قَطُّ بِرِسالَةِ الأوَّلِ ولا الآخَرِ ولا بِأنَّ اللهَ يَبْعَثُ الرُسُلَ، فَحَكى رُتْبَةَ قَوْلِهِمْ، وجاءَتْ عِبارَتُهم مُشَنِّعَةً عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ بِإثْرٍ هَذا: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ﴾ ، أيْ: كَما صَيَّرَكم مِنَ الكُفْرِ والضَلالَةِ في هَذا الحَدِّ فَنَحْوُ ذَلِكَ هو إضْلالُهُ لِصِنْفِكم أهِلِ السَرَفِ في الأُمُورِ وتَعِدِي الطَوْرِ والِارْتِيابِ بِالحَقائِقِ.
وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ: "قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ".
ثُمَّ أنْحى لَهم عَلى قَوْمٍ صِفَتُهم مَوْجُودَةٌ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ، فَكَأنَّهُ أرادَهم فَزالَ عن مُخاطَبَتِهِمْ حُسْنَ أدَبٍ واسْتِخْلابًا، فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللهِ ﴾ ، أيْ بِالإبْطالِ لَها والرَدِّ بِغَيْرِ بُرْهانٍ ولا حُجَّةٍ أتَتْهم مِن عِنْدِ اللهِ.
﴿ كَبُرَ مَقْتًا ﴾ جِدالُهم ﴿ عِنْدَ اللهِ ﴾ ، فاخْتَصَرَ ذِكْرَ الجِدالِ لِدَلالَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ عَلَيْهِ، ورَدَّ الفاعِلَ بِـ"كَبُرَ" نَصْبًا عَلى التَمْيِيزِ، كَقَوْلِكَ: تَفَقَّأتُ شَحْمًا وتَصَبَّبَتُ عَرَقًا، و"يَطْبَعُ" مَعْناهُ: يَخْتِمُ بِالضَلالِ ويَحْجُبُ عَنِ الهُدى.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ - بِخِلافٍ عنهُ -: "عَلى كُلِّ قَلْبٍ" بِالتَنْوِينِ "مُتَكَبِّرٍ" عَلى الصِفَةِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِالإضافَةِ إلى "مُتَكَبِّرٍ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: يَطْبَعُ اللهُ عَلى القُلُوبِ إذْ كانَتْ قَلْبًا قَلْبًا مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "عَلى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عُمُومَ قَلْبِ المُتَكَبِّرِ الجَبّارِ بِالطَبْعِ، أيْ لا ذَرَّةَ فِيهِ مِن إيمانٍ ولا مُقارَبَةٍ، فَهي عِبارَةٌ عن شِدَّةِ إطْلاقِهِ.
<div class="verse-tafsir"
وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُمْ بِهِ حتى إِذَا هَلَكَ قُلْتُم لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعدِهِ رَسُولاً}.
توسم فيهم قلة جدوى النصح لهم وأنهم مصممون على تكذيب موسى فارتقى في موعظتهم إلى اللوم على ما مضى، ولتذكيرهم بأنهم من ذرية قوم كذّبوا يوسف لما جاءهم بالبينات فتكذيب المرشدين إلى الحق شنشنة معروفة في أسلافهم فتكون سجية فيهم.
وتأكيد الخبر ب (قد) ولام القسم لتحقيقه لأنهم مظنة أن ينكروه لبعد عهدهم به.
فالمجيء في قوله: ﴿ جاءكم ﴾ مستعار للحصول والظهور والباء للملابسة، أي ولقد ظهر لكم يوسف ببيّنات.
ولا يلزم أن يكون إظهار البينات مقارناً دعوةً إلى شرع لأنه لما أظهر البينات وتحققوا مكَانتهُ كان عليهم بحكم العقل السليم أن يتبينوا آياته ويستهدوا طريقَ الهدى والنجاة، فإن الله لم يأمر يوسف بأن يدعو فرعون وقومه، لحكمة لعلَّها هي انتظار الوقت والحاللِ المناسب الذي ادخره الله لموسى عليه السلام.
والبيّنات: الدلائل البينة المظهرة أنه مصطَفى من الله للإِرشاد إلى الخير، فكان على كل عاقل أن يتبع خطاه ويترسم آثاره ويسأله عما وراء هذا العالم الماديِّ، بناء على أن معرفة الوحدانية واجبة في أزمان الفترات: إما بالعقل، أو بما تواتر بين البشر من تعاليم الرسل السابقين على الخلاف بين المتكلمين.
والبينات: إخباره بما هو مغيب عنهم من أحوالهم بطريق الوحي في تعبير الرُّؤَى، وكذلك آية العصمة التي انفرد بها من بينهم وشهدت له بها امرأة العزيز وشاهِدُ أهلها حتى قال المَلِك: ﴿ ائتوني به استخلصه لنفسي ﴾ [يوسف: 54]، فكانت دلائل نبوءة يوسف واضحة ولكنهم لم يستخلصوا منها استدلالاً يقتفون به أثره في صلاح آخرتهم، وحرصوا على الانتفاع به في تدبير أمور دنياهم فأودعوه خزائن أموالهم وتدبير مملكتهم، فقال له الملِك: ﴿ إنك اليوم لدينا مكين أمين ﴾ [يوسف: 54].
ولم يخطر ببالهم أن يسْترشدوا به في سلوكهم الديني.
فإن قلت: إذا لم يهتدوا إلى الاسترشاد بيوسف في أمور دينهم وألهاهم الاعتناء بتدبير الدنيا عن تدبير الدين فلماذا لم يدْعُهم يوسف إلى الاعتقاد بالحق واقتصر على أن سَأَل من الملك: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ﴾ [يوسف: 55].
قلت: لأن الله لم يأمره بالدعوة للإِرشاد إلا إذا سُئل منه ذلك لحكمة كما علمت آنفاً، فأقامه الله مقام المفتي والمرشد لمن استرشد لا مقام المحتسب المغيِّر للمنكر، و ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته ﴾ [الأنعام: 124]، فلما أقامه الله كذلك وعَلِم يوسف من قول الملك: ﴿ إنك اليوم لدينا مكين أمين ﴾ [يوسف: 54] أن الملك لا يريد إلا تدبير مملكته وأمواله، لم يسأله أكثر مما يفي له بذلك.
وأما وجوب طلبهم المعرفة والاسترشاد منه فذلك حق عليهم، فمعنى: ﴿ فَمَا زِلْتُم في شَكّ مِمَّا جَاءَكُم به ﴾ الإِنحاء على أسلافهم في قلة الاهتمام بالبحث عن الكمال الأعلى وهو الكمال النفساني باتباع الدين القويم، أي فما زال أسلافكم يشعرون بأن يوسف على أمر عظيم من الهُدى غير مألوف لهم ويهرعون إليه في مهماتهم ثم لا تعزم نفوسهم على أن يطلبوا منه الإرشاد في أمور الدين.
فهم من أمره في حالة شك، أي كان حاصل ما بلغوا إليه في شأنه أنهم في شك مما يكشف لهم عن واجبهم نحوه فانقضت مدة حياة يوسف بينهم وهم في شك من الأمر.
فالملام متوجه عليهم لتقصيرهم في طلب ما ينجيهم بعد الموت قال تعالى: ﴿ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ﴾ [الإسراء: 18] الآيتين.
وحتى } للغاية وغايتها هو مضمون الجملة التي بعدها وهي جملة: ﴿ إذَا هَلَكَ ﴾ ، و ﴿ إذَا ﴾ هنا اسم لزمان المضي مجرورة ب (حتى) وليست بظرف، أي حتى زمننِ هلاك يوسف قُلتم: لن يَبعث الله من بعده رسولاً، أي قال أسلافكم في وقت وفاة يوسف: لا يبعث الله في المستقبل أبداً رسولاً بعد يوسف، يعنون: أنا كنا مترددين في الإِيمان بيوسف فقد استرحنا من التردد فإنه لا يجيء من يدَّعِي الرسالة عن الله من بعده، وهذا قول جَرى منهم على عادة المعاندين والمقاومين لأهل الإِصلاح والفضل أن يعترفوا بفضلهم بعد الموت تندماً على ما فاتهم من خير كانوا يَدعونهم إليه.
وفيه ضرب من المبالغة في الكمال في عصره كما يقال: خاتمة المحققين، وبقية الصالحين، ومن لا يأتي الزمان بمثله، وحاصله أنهم كانوا في شك من بعثة رسول واحد، وأنهم أيقنوا أن من يَدّعي الرسالة بعده كاذب فلذلك كذبوا موسى.
ومقالتهم هذه لا تقتضي أنهم كانوا يؤمنون بأنه رسول ضرورةَ أنهم كانوا في شك من ذلك وإنما أرادوا بها قطع هذا الاحتمال في المستقبل وكشفَ الشك عن نفوسهم وظاهر هذه الآية أن يوسف كان رسولاً لظاهر قوله: ﴿ قلتم لَن يَبْعثَ الله من بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ أن رسولاً محال من ضمير ﴿ من بعده ﴾ .
والوجه أن يكون قوله: ﴿ رسولا ﴾ مفعولَ ﴿ يبعث ﴾ وأنه لا يقتضي وصف يوسف به فإنه لم يَرِد في الأخبار عدّة في الرسل ولا أنه دعا إلى دين في مصر وكيف والله يقول: ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله ﴾ [يوسف: 76] ولا شك في أنه نبيء إذا وجد مساغاً للإرشاد أظهره كقوله: ﴿ يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ [يوسف: 39، 40] وقوله: ﴿ إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون وأتعبتُ ملة آباءي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ﴾ [يوسف: 37، 38].
وعدي فعل ﴿ جاءكم ﴾ إلى ضمير المخاطبين.
وأسند ﴿ فما زِلْتُمْ ﴾ و ﴿ قلتم ﴾ إلى ضميرهم أيضاً، وهم ما كانوا موجودين حينئذٍ قصداً لحمل تبعة أسلافهم عليهم وتسجيلاً عليهم بأن التكذيب للناصحين واضطراب عقولهم في الانتفاع بدلائل الصدق قد ورثوه عن أسلافهم في جبلّتهم وتقرر في نفوسهم فانتقاله إليهم جيلاً بعد جيل كما تقدم في خطاب بني إسرائيل في سورة [البقرة: 49]: ﴿ وإذا نجيناكم من آل فرعون ﴾ ونحوه.
جرى أكثر المفسرين على أن هذه الجمل حكاية لبقية كلام المؤمن وبعضهم جعل بعضها من حكاية كلام المؤمن وبعضَها كلاماً من الله تعالى، وذلك من تجويز أن يكون قوله: ﴿ الَّذِينَ يجادلونرسولا كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ * الذين يجادلون فى ءايات الله بِغَيْرِ سلطان أتاهم كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله وَعِندَ الذين ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ الخ بدلاً أو مبتدأ، وسكت بعضهم عن ذلك مقتصراً على بيان المعنى دون تصدّ لبيان اتصالَها بما قبلها.
والذي يظهر أن قوله: ﴿ كذلك يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ جَبَّارٍ ﴾ .
كله من كلام الله تعالى معترَض بين كلام المؤمن وكلام فرعون فإن هذا من المعاني الإِسلامية قصد منه العبرة بحال المكذبين بموسى تعريضاً بمشركي قريش، أي كضلال قوم فرعون يضل الله من هو مسرف مرتاب أمثالكم، فكذلك يكون جزاؤكم، ويؤيد هذا الوجه قوله في آخرها: ﴿ وَعِندَ الَّذِينَ ءامَنُوا ﴾ فإن مؤمن آل فرعون لم يكن معه مؤمن بموسى وهارون غيره، وهذا من باب تذكر الشيء بضده، ومما يزيد يقيناً بهذا أن وصف ﴿ الذين يجادلون في آيات الله ﴾ تكرر أربع مرات من أول هذه السورة، ثم كان هنا وسطاً في قوله: ﴿ إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ﴾ [غافر: 56]، ثم كان خاتمة في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون ﴾ [غافر: 69].
والإِشارة في قوله كذلك: إلى الضلال المأخوذ من قوله: ﴿ يُضِلُّ الله ﴾ أي مثل ذلك الضلال يضل الله المسرفين المرتابين، أي أن ضلال المشركين في تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم مثل ضلال قوم فرعون في تكذيبهم موسى عليه السلام.
والخطاب بالكاف المقترنة باسم الإِشارة خطاب للمسلمين.
والمسرف: المُفْرِط في فعل لا خير فيه.
والمرتاب: الشديد الريب، أي الشك.
وإسناد الإِضلال إلى الله كإسناد نفي الهداية إليه في قوله: ﴿ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ [غافر: 28]، وتقدم آنفاً.
وقوله: ﴿ الذين يجادلون في آيات الله ﴾ يجوز أن يكون مبتدأ خبره ﴿ كَبُرَ مُقْتاً ﴾ ويجوز أن يكون بدلاً من (مَن) في قوله: ﴿ من هو مسرف مرتاب ﴾ فبيّن أن مَاصْدَقَ (مَن) جماعة لا واحد، فروعي في ﴿ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرتاب ﴾ لفظ (مَن) فأخبر عنه بالإِفراد، وروعي في البدل معنى (مَن) فأبدل منه موصول الجمع.
وصلة ﴿ الذين ﴾ عُرف بها المشركون من قريش قال تعالى: ﴿ إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا ﴾ [فصلت: 40] وقال في هذه السورة [4]: ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد ﴾ واختيار المضارع في ﴿ يجادلون ﴾ لإِفادة تجدد مجادلتهم وتكررها وأنهم لا ينفكون عنها.
وهذا صريح في ذمهم وكنايةٌ عن ذم جدالهم الذي أوجب ضلالهم.
وفي الموصولية إيماء إلى علة إضلالهم، أي سببُ خلق الضلال في قلوبهم الإِسراف بالباطل تكررُ مجادلتهم قصداً للباطل.
والمجادلة: تكرير الاحتجاج لإِثبات مطلوب المجادل وإبطال مطلوب مَن يخالفهُ قال تعالى: ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ [النحل: 125]، فمن المجادلة في آيات الله المحاجّة لإِبطال دلالتها، ومنها المكابرة فيها كما قالوا: ﴿ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ [فصلت: 5]، ومنها قطع الاستماع لها، كما قال عبد الله بن أُبَيّ بنُ سلول في وقت صراحة كفره للنبيء صلى الله عليه وسلم وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم مجلساً فيه ابن سلول فقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن سلول لاَ أحسنَ مما تقول أيُّها المرءُ ولاَ تَغْشَنَا به في مجالسنا واجلِسْ في رحلك فمن جاءك فاقْرَأ عليه.
و ﴿ بِغَيْرِ سلطان ﴾ مُتعلق ب ﴿ يجادلون، ﴾ والباء للاستعانة، والسلطان: الحجة.
والمعنى: أنهم يجادلون بما ليس بحجة ولكن باللَّجاج والاستهزاء.
و ﴿ أتاهم ﴾ صفة ل ﴿ سلطان.
﴾ والإِتيان مستعار للظهور والحصول.
وحصول الحجة هو اعتقادها ولَوْحُها في العقل، أي يجادلون جدلاً ليس مما تثيره العقول والنظر الفكري ولكنه تمويه وإسكات.
وجملة ﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله ﴾ خبر ﴿ إنَّ من باب الإِخبار بالإِنشاء، وهي إنشاء ذمِّ جدالِهم المقصود منه كَمُّ فم الحق، أي كبر جدالهم مَقْتاً عند الله، ففاعل كبر ﴾ ضمير الجدال المأخوذ من ﴿ يجادلون ﴾ على طريقة قوله: ﴿ إعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ [المائدة: 8].
و {مقتاً تمييز للكُبْر وهو تمييز نسبة محول عن الفاعل، والتقدير: كبر مَقْتُ جدالهم.
وفعل كبر} هنا ملحق بأفعال الذم مثل: ساء، لأن وزن فَعْل بضم العين يجيء بمعنى: نِعْم وبِئس، ولو كانت ضمة عينه أصلية وبهذا تفظيع بالصراحة بعد أن استفيد من صلة الموصول أن جدالهم هو سبب إضلالهم ذلك الإِضلال المكين، فحصل بهذا الاستئناف تقرير فظاعة جدالهم بطريقي الكناية والتصريح.
والكِبَر: مستعار للشدة، أي مُقِت جدالُهم مَقْتاً شديداً.
والمقت: شدة البغض، وهو كناية عن شدة العقاب على ذلك من الله.
وكونه مَقتاً عند الله تشنيع لهم وتفظيع.
أما عطف ﴿ وَعِندَ الذِينَ ءامَنُوا ﴾ فلم أر في التفاسير الكثيرة التي بين يدي من عَرج على فائدة عطف ﴿ وعند الذين آمنوا ﴾ ما عدا المَهائمي في «تبصرة الرحمان» إذ قال: ﴿ كَبُرَ مقْتَاً عِندَ الله ﴾ وهو موجب للإِضلال، ويدل على أنه كبر مقتاً أنه عند الذين آمنوا، وهم المظاهر التي يظهر فيها ظهورُ الحق ا ه.
وكلمة المهائمي كلمة حسنة يعني أن كونه مقتاً عند الله لا يحصل في علم الناس إلا بالخبَر فزيد الخبر تأييداً بالمشاهدة فإن الذين آمنوا على قِلتهم يومئذٍ يظهر بينهم بغض مجادلة المشركين.
وعندي: أن أظهرَ من هذا أنّ الله أراد التنويه بالمؤمنين ولم يُرد إقناع المشركين فإنهم لا يعبأون ببغض المؤمنين ولا يصدقون ببغض الله إيّاهم، فالمقصود الثناء على المؤمنين بأنهم يكرهون الباطل، كما قال: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ [التوبة: 71] مع الإِشارة إلى تبجيل مكانتهم بأن ضمت عنديتهم إلى عندية الله تعالى على نحو قوله تعالى: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ﴾ [آل عمران: 18] وقوله: ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾ [الأنفال: 64] وقوله: ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ [الأنفال: 62] ونحو قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر حديث كلام الذئب فتعجب بعض من حضر فقال: «آمنت بذلك وأبُو بكر» ولم يكن أبو بكر في المجلس.
وفي إسناد كراهية الجدال في آيات الله بغير سلطان للمؤمنين تلقين للمؤمنين بالإِعراض عن مجادلة المشركين على نحو ما في قوله تعالى: ﴿ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ﴾ [القصص: 55]، وقوله: ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ [الفرقان: 63] وقوله: ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراماً ﴾ [الفرقان: 72].
والقول في ﴿ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ﴾ كالقول في ﴿ كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ﴾ .
والطبع: الختم، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ في سورة [البقرة: 7].
والختم والطبع والأَكِنَّة: خَلْق الضلالة في القلب، أي النفس.
والمتكبر: ذو الكبْر المبالغ فيه ولذلك استعيرت صيغة التكلف.
والجبّار: مثال مبالغة من الجبر، وهو الإكراه، فالجبار: الذي يُكره الناس على ما لا يحبون عمله لظلمه.
وقرأ الجمهور: ﴿ على كل قلب متكبر ﴾ بإضافة ﴿ قلب ﴾ إلى ﴿ متكبر.
﴾ وقرأ أبو عمرو وحْده وابنُ ذكوان عن ابن عامر بتنوين ﴿ قلبٍ على أن يكون متكبر ﴾ و ﴿ جبار ﴾ صفتين ل ﴿ قلب، ﴾ ووصفُ القلب بالتكبر والجبر مجاز عقلي.
والمقصود وصف صاحبه كقوله تعالى: ﴿ فإنه آثم قلبه ﴾ [البقرة: 283] لأنه سبب الإِثم كما يقال: رأتْ عيني وسمعتْ أُذْني.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها فَهم سُكّانُها حَتّى التَّنادِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُناداةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِيما يُنادِي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: يا حَسْرَتا، يا ويْلَتا، يا ثُبُوراهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: يُنادِي أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ أنْ ﴿ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا ﴾ الآيَةَ.
وَيُنادِي أهْلُ النّارِ أهْلَ الجَنَّةِ ﴿ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.
وَكانَ الكَلْبِيُّ يَقْرَؤُها: يَوْمَ التَّنادِّ، مَشْدُودَةٌ، أيْ يَوْمَ الفِرارِ، قالَ يَنِدُّونَ كَما يَنِدُّ البَعِيرُ.
وَقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ «أنَّ لِلنّاسِ جَوْلَةً يَوْمَ القِيامَةِ يَنِدُّونَ يَطْلُبُونَ أنَّهم يَجِدُونَ مَفَرًّا ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
» ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُدْبِرِينَ في انْطِلاقِهِمْ إلى النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مُدْبِرِينَ في فِرارِهِمْ مِنَ النّارِ حَتّى يُقْذَفُوا فِيها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ناصِرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِن مانِعٍ، وأصْلُ العِصْمَةِ المَنعُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ وفي قائِلِ هَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى هو القائِلُ لَهُ.
الثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ، بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا إلى القِبْطِ بَعْدَ مَوْتِ المَلِكِ مِن قَبْلِ مُوسى بِالبَيِّناتِ.
قالَ ابْنُ جُرَيْجِ: هي الرُّؤْيا.
الثّانِي: ما حَكاهُ النَّقّاشُ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا مِنَ الجِنِّ يُقالُ لَهُ يُوسُفُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ﴾ قال: رؤيا يوسف عليه السلام.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ﴾ قال: بغير برهان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما رآه المؤمنون حسناً فهو حسن عند الله، وما رآه المؤمنون سيئاً فهو سيء عند الله.
وكان الأعمش رضي الله عنه يتأول بعده ﴿ كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه ﴿ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر ﴾ مضاف لا ينون في قلب.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً ﴾ قال: كان أوّل من بنى بهذا الآجر وطبخه ﴿ لعلي أبلغ الأسباب ﴾ قال: الأبواب ﴿ أسباب ﴾ أي أبواب ﴿ السماوات، وكذلك زيّن لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل ﴾ قال: فعل ذلك به ﴿ وزين له سوء عمله وما كيد فرعون إلا في تباب ﴾ أي في ضلال وخسار.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا هامان ابنِ لي صرحاً ﴾ قال: اَوْقِدْ على الطين حتى يكون الآجُرُّ.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح رضي الله عنهم في قوله: ﴿ أسباب السماوات ﴾ قال: طرق السموات.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا في تباب ﴾ قال: خسران.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ في تباب ﴾ قال: في خسارة.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وصدوا عن السبيل ﴾ برفع الصاد.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذين يُجَادِلُونَ ﴾ بدل من مسرف مرتاب وإنما جاز إبدال الجمع من المفرد، لأنه من معنى الجمع، كأنه قال: كل مسرف ﴿ كَبُرَ مَقْتاً ﴾ فاعل كبر مصدر يجادلون، وقال الزمخشري: الفاعل ضمير من هو مسرف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ذروني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.
أو بصيغة الترديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.
الباقون: بواو العطف.
﴿ يظهر ﴾ بضم الياء وكسر الهاء من الإظهار الفساد بالنصب: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل وحفص.
الآخرون: بفتحهما ورفع الفساد ﴿ عذت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وإسماعيل وهشام ﴿ التنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قلب متكبر ﴾ بالتنوين فيهما على الوصف: أبو عمرو وقتيبة وابن ذكوان.
الباقون: على الإضافة.
﴿ لعلي أبلغ الأسباب ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ فأطلع ﴾ بالنصب: حفص.
﴿ اتبعوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل وابن كثير ويعقوب وافق أبو عمرو ويزيد والأصفهاني عن ورش وإسماعيل وأبو نشيط عن قالون في الوصل.
﴿ مالي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع ﴿ أمري إلى الله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ تقوم ﴾ بتاء التأنيث: الرازي عن هشام ﴿ أدخلوا ﴾ من الإدخال: أبو جعفر ونافع ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.
وعلى هذه القراءة الخطاب للزبانية.
وانتصب ﴿ آل ﴾ و ﴿ أشدّ ﴾ على أنهما مفعول بهما.
وعلى القراءة الأخرى هو لآل فرعون، وانتصب ﴿ آل ﴾ على النداء لا على أنه مفعول به.
الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ رّبه ﴾ ج لاحتمال اللام ﴿ مؤمن ﴾ قف قد قيل: بناء على أن الجار يتعلق بالفعل بعده والوصل أصح أنه كان من القبط، ولو فرض أنه لم يكن منهم فالجملة وصف له ﴿ من ربكم ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى الابتداء بالشرط ﴿ كذبه ﴾ ج للعطف والشرط ﴿ بعدكم ﴾ ط ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ز لابتداء الاستفهام والوجه الوصل لأن المقصود الوعظ به ﴿ جاءنا ﴾ ط ﴿ الرشاد ﴾ ه ﴿ الأحزاب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بعدهم ﴾ ط ﴿ للعباد ﴾ ه ﴿ التناد ﴾ ه ط لأجل البدل ﴿ مدبرين ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ من عاصم ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده ابتداء إخبار من الله وكونه من كلام المؤمن ﴿ من هاد ﴾ ه ﴿ جاءكم به ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ط ﴿ مرتاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل فإن "من" في معنى الجمع أو الاستئناف أي هم الذين أو أعني أنهم ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ جبار ﴾ ه ﴿ الأسباب ﴾ ه لا ﴿ كاذباً ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ تباب ﴾ ه ﴿ الرشاد ﴾ ج لأن النداء يبدأ به مع أنه تكرار للأول ﴿ متاع ﴾ ز للفصل بين تنافي الدارين مع اتفاق الجملتين ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ج لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ولاحتمال ابتداء استفهام آخر ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل والابتداء ﴿ وعشياً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف ﴿ الساعة ﴾ قف لحق القول المحذوف أي يقال لهم أو للزبانية ﴿ لعذاب ﴾ ه ﴿ من النار ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ه ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ بلى ﴾ ط ﴿ فادعوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده من قول الخزنة أو ابتداء إخبار من الله تعال ﴿ ضلال ﴾ ه.
التفسير: لما وبخ الكفار بعدم السير في الأرض للنظر والاعتبار أو بعدم النظر في أحوال الماضين مع السير في الأقطار وقد وصف الماضين بكثرة العدد والآثار الباقية، أراد أن يصرح بقصة واحدة من قصصهم تسلية للنبي وزيادة توبيخ وتذكير لهم.
وكان في قصة موسى وفرعون من العجائب ما فيها، فلا جرم أوردها ههنا مع فوائد زائدة على ما في المواضع الأخر منها: ذكر مؤمن من آل فرعون وما وعظ ونصح به قومه.
ولأن القصة قد تكررت مراراً فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالمقام.
قوله ﴿ بالحق ﴾ أي بالمعجزات الظاهرة.
وقوله ﴿ اقتلوا ﴾ يريد به إعادة القتل كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ قوله ﴿ إلا في ضلال ﴾ أي في ضياع واضمحلال.
فإن كان اللام في ﴿ الكافرين ﴾ للجنس فظاهر لأن وبال كيدهم يعود بالآخرة عليهم حين يهلكون ويدخلون النار، وإن كان للعهد وهم فرعون وقومه فأظهر كما قص عليك من حديث إغراقهم وإستيلاء موسى وقومه على ديارهم.
قوله ﴿ ذروني أقتل موسى ﴾ ظاهره مشعر بأن قومه كانوا يمنعونه من قتله وفيه احتمالات: الأول لعله كان فيهم من يعتقد نبوّة موسى فيأتي بوجوه الحيل في منع فرعون.
الثاني قال الحسن: إن أصحابه قالوا لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكنه أن يغلب سحرتك، وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس وقالوا: إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتله.
الثالث: لعل مراد أمرائه أن يكون فرعون مشغول القلب بأمر موسى حتى إنهم يكونون في أمن وسعة.
قال جار الله: إن فرعون كان فيه خب وجريرة وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء فكيف لا يقصد قتل من أحسن بأن في وجوده هدم ملكه وتغيير ما هو عليه من عبادة أصنامه كما قال ﴿ إني أخاف أن يبدّل ﴾ الآية.
ولكنه كان قد استيقن أنه نبي وكان يخاف إن همّ بقتله أن يعاجل بالهلاك.
قال: وقوله ﴿ وليدع ربّه ﴾ شاهد صدق على فرط خوفه من دعوة ربه.
وقال غيره: هو على سبيل الاستهزاء يعني إن أقتله فليقل لربه الذي يدّعي وجوده حتى يخلصه.
ومعنى تبديل الدين تغيير عبادة الأصنام كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ والفساد التهارج والتنازع واختلاف الآراء والأهواء، أراد أن يحدث لا محالة من إبقائه فساد الدين والدنيا جميعاً، أو أحد الأمرين على القراءتين.
ثم حكى ما ذكره موسى في دفع شر فرعون وهو العوذ بالله.
وفي تصدير الجملة بأن دلالة على أن الطريق المعتبر في دفع الآفات الاستغاثة والاستعاذة برب الأرض والسموات.
وفي قوله ﴿ بربي ﴾ إشارة إلى أن الذي رباني وإلى درجات الخير رقاني سيعصمني من شر هذا المارد الجاني.
وفي قوله ﴿ وربكم ﴾ احتراز عن أن يظن ظانّ أنه يريد به فرعون لأنه رباه في صغره ﴿ ألم نربك فينا وليدا ﴾ وفيه بعث لقوم موسى على أن يقتدوا به في الاستعاذة فإن اجتماع النفوس له تأثير قوي.
وفي قوله ﴿ من كل متكبر ﴾ أي متكبر عن قبول الحق على سبيل العموم فائدتان: إحداهما شمول الدعاء فيدخل فيه فرعون بالتبعية.
والثانية أن فرعون رباه في الصغر فلعله راعى حسن الأدب في عدم تعيينه.
وأما وصف المتكبر بقوله ﴿ لا يؤمن بيوم الحساب ﴾ فلأن الموجب لإيذاء الناس أمران: أحدهما قسوة القلب.
والثاني عدم اعتقاد بالجزاء والحساب.
ولا ريب أنه إذا اجتمع الأمران كان الخطب أفظع لاجتماع المقتضى وارتفاع المانع.
ثم شرع في قصة مؤمن آل فرعون.
والأصح أنه كان قبطياً ابن عم لفرعون آمن بموسى سراً واسمه سمعان أبو حبيب أو خربيل.
وقيل: كان إسرائيلياً.
وزيف بأن المؤمنين من بني إسرائيل لو يعتلوا ولم يعزوا لقوله ﴿ اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ﴾ فما الوجه في تخصيصه؟
ولقائل أن يقول: الوجه تخصيصه بالوعظ والنصيحة إلا أن قوله: ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ وقوله ﴿ يا قوم ﴾ على رأس كل نصيحة يغلب على الظن أن يتنصح لقومه.
ومعنى ﴿ أن يقول ﴾ لأجل قوله أو وقت أن يقول كأنه قال منكراً عليهم أترتكبون الفعلة الشنعاء وهي قتل نفس محرمة أي نفس كانت لأجل كلمة حقة وهي قوله ﴿ ربى الله ﴾ والدليل على حقيتها إظهار الخوارق والمعجزات.
وفي قوله ﴿ من ربكم ﴾ استدراج لهم إلى الاعتراف بالله.
ثم احتج عليهم بالتقسيم العقلي أنه لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً.
على الأول يعود وبال كذبه عليه، وعلى الثاني أصابكم ما يتوعدكم به من العقاب.
واعترض على الشق الأوّل بأن الكاذب يجب دفع شره بإمالته إلى الحق أو بقتله، ولهذا أجمع العلماء على أن الزنديق الذي يدعو الناس إلى دينه يجب قتله.
وعلى الشق الثاني بأنه أوعدهم بأشياء والنبي صادق في مقالته لا محالة فلم قال ﴿ يصبكم بعض الذي يعدكم ﴾ ولم يقل "كل الذي"؟
والجواب عن الأوّل أنه إنما ردّد بين الأمرين بناء على أن أمره مشكوك فيما بينهم، والزمان زمان الفترة والحيرة، فأين هذا من زماننا الذي وضح الحق فيه وضوح الفجر الصادق بل ظهور الشمس في ضحوة النهار؟
وعن الثاني أنه من كلام المنصف كأنه قال: إن لم يصبكم كل ما أوعد فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، أو أراد عذاب الدنيا وكان موسى أوعدهم عذاب الدنيا والآخرة جميعاً.
وعن أبي عبيدة: أن البعض ههنا بمعنى الكل وأنشد قول لبيد: ترّاك أمكنه إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها وخطأه جار الله وكثير من أهل العربية وقالوا: إنه أراد ببعض النفوس فقط.
ثم أكد حقية أمر موسى بقوله ﴿ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ وقد هداه الله إلى المعجزات الباهرة فهو إذن ليس بمتجاوز عن حدّ الاعتدال ولا بكذاب.
وقيل: إنه كلام مستأنف من الله عز وجل، وفيه تعريض بأن فرعون مسرف في عزمه على قاتل موسى كذاب في ادّعاء الإلهية فلا يهديه الله إلى شيء من خيرات الدارين ويزيل ملكه ويدفع شره، وقد يلوح من هذه النصيحة وما يتلوها من المواعظ أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه إلى أن قصدوا قتل موسى وعند ذلك أظهر الإيمان وترك التقية مجاهداً في سبيل الله بلسانه.
ثم ذكرهم نعمة الله عليهم وخوّفهم زوالها بقوله ﴿ يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ﴾ أي غالبين على أرض مصر ومن فيها من بني إسرائيل والقبط ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ من يخلصنا من عذابه ﴿ إن جاءنا ﴾ وذلك لشؤم تكذيب نبيه ﴿ قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ﴾ أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قبله ﴿ وما أهديكم ﴾ بهذا الرأي ﴿ إلا سبيل الرشاد ﴾ وصلاح الدين والدنيا، أو ما أعلمكم من الصواب ولا أسر خلاف ما أظهر.
قال جار الله: وقد كذب فقد كان مستشعراً للخوف الشديد من جهة موسى ولكنه كان يتجلد.
وحكى أبو الليث أن الرشاد اسم من أسماء أصنامه.
قوله ﴿ مثل دأب ﴾ قال جار الله صاحب الكشاف: لا بد من حذف مضاف أي مثل جزاء دأبهم وهو عادتهم المستمرة في الكفر والتكذيب.
ثم قال: إنه عطف بيان للأوّل لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح.
ولو قلت أهلك الله الأحزاب قوم نوح وعاد وثمود لم يكن إلا عطف بين لإضافة قوم إلى أعلام فسرى ذلك الحكم إلى أوّل المضافات.
قلت: لا بأس من جعله بدلاً كما مرّ.
وقوله ﴿ وما الله يريد ظلماً للعباد ﴾ أبلغ من قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ لأن نفي الإرادة آكد من نفي الفعل ولتنكير الظلم في سياق النفي.
وفيه أن تدميرهم كان عدلاً وقسطاً.
وقيل: معناه أنه لا يريد لهم أن يظلموا فدمرهم لكونهم ظالمين.
وحين خوّفهم عذاب الدنيا خوّفهم عذاب الآخرة أيضاً فقال ﴿ ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ﴾ أما اليوم فيمكن انتصابه على الظرفية كأنه أخبر عن خوفه في ذلك اليوم لما يلحقهم من العذاب، والأولى أن يكون مفعولاً به أي أحذركم عذاب ذلك اليوم.
وفي تسمية يوم القيامة يوم التناد وجوه منها: أن أهل الجنة ينادون أهل النار وبالعكس كما مر في سورة الأعراف.
ومنها أنه من قوله ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ ومنها أن بعض الظالمين ينادي بعضاً بالويل والثبور قائلين يا ويلنا.
ومنها أنهم ينادون إلى المحشر.
ومنها أنه ينادي المؤمن هاؤم اقرؤا كتابيه والكافر يا ليتني لم أوت كتابيه.
ومنها أنه يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح وينادي في أهل القيامة لا موت فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرح، وأهل النار حزناً على حزن.
وقال أبو علي الفارسي: التناد مخفف من التنادّ مشدداً وأصله من ندّ إذا هرب نظيره ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه ﴾ الخ.
ويؤيده قراءة ابن عباس مشدداً وتفسيره بأنهم يندون كما تند الإبل.
وقوله بعد ذلك ﴿ يوم تولوّون مدبرين ﴾ أنهم إذا سمعوا زفير النار ندّوا هاربين فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفاً فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه.
وقال قتادة: معنى تولون مدبرين انصرافهم عن موقف الحساب إلى النار.
ثم أكد التهديد بقوله ﴿ ما لكم من الله ﴾ الآية.
ثم ذكر مثالاً لمن لا يهديه الله بعد إضلاله وهو قوله ﴿ ولقد جاءكم يوسف ﴾ وفيه أقوال ثلاثة أحدها: أنه يوسف بن يعقوب، وفرعون موسى هو فرعون يوسف، والبينات إشارة إلى ما روي أنه مات لفرعون فرس قيمته ألوف فدعا يوسف فأحياه الله.
وأيضاً كسفت الشمس فدعا يوسف فكشفها الله، ومعجزاته في باب تعبير الرؤيا مشهورة، فآمن فرعون ثم عاد إلى الكفر بعدما مات يوسف.
والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف ابن يعقوب، أقام فيهم عشرين سنة قاله ابن عباس.
والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف إليهم رسولاً من الجن اسمه يوسف وأورده أقضى القضاة أيضاً وفيه بعد.
قال المفسرون في قوله ﴿ لن يبعث الله من بعده رسولاً ﴾ ليس إشارة إلى أنهم صدّقوا يوسف لقوله ﴿ فما زلتم في شك ﴾ وإنما الغرض بيان أن تكذيبهم لموسى مضموم إلى تكذيب يوسف ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ﴾ قلت: هذا إنما يصح إذا لم يكن فرعون يوسف قد آمن به لكنه مرويّ كما قلنا اللهم إلا أن يقال: لولا شكه في أمره لما كفر بعد موته قال جار الله: فاعل كبر ضمير عائد إلى من هو مسرف لأنه موحد اللفظ وإن كان مجموع المعنى.
وجوّز أن يكون ﴿ الذين يجادلون ﴾ مبتدأ على تقدير حذف المضاف أي جدال الذين يجادلون كبر.
وجوّز آخرون أن يكون التقدير الذين يجادلون كبر جدالهم على حذف الفاعل للقرينة.
وفي قوله ﴿ وعند الذين آمنوا ﴾ إشارة إلى أن شهادة المؤمنين عند الله بمكان حتى قرنها إلى شهادة نفسه.
والمقصود التعجب والاستعظام لجدالهم وخروجه عن حدّ أشكاله من الكبائر، ووصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه مركزهما ومنبعهما، أو باعتبار صاحبه.
ومن قرأ بالإضافة فظاهر إلا أنه قيل: فيه قلب والأصل على قلب كل متكبر كما يقال: فلان يصوم كل يوم جمعة أي يوم كل جمعة.
ثم أخبر الله عن بناء فرعون ليطلع على السماء وقد تقدّم ذكره في سورة القصص.
قال أهل اللغة: الصرح مشتق من التصريح الإظهار، وأسباب السموات طرقها كما مر في أوّل "ص" فـ ﴿ فليرتقوا في الأسباب ﴾ فائدة بناء الكلام على الإبدال هي فائدة الإجمال ثم التفصيل والإبهام ثم التوضيح من تشويق السامع وغيره.
من قرأ ﴿ فأطلّع ﴾ بالرفع فعلى العطف أي لعلي أبلغ فأطلع.
ومن قرأ بالنصب فعلى تشبيه الترجي بالتمني.
والتباب الخسران والهلاك كما مر في قوله ﴿ وما زادوهم غير تتبيب ﴾ استدل كثير من المشبهة بالآية على أن الله في السماء قالوا: إن بديهة فرعون قد شهدت بأنه في ذلك الصوب وأنه سمع من موسى أنه يصف الله بذلك وإلا لما رام بناء الصرح.
والجواب أن بديهة فرعون لا حجة فيها، وسماعه ذلك من موسى ممنوع.
وقد يطعن بعض اليهود بل كلهم في الآية بأن تواريخ بني إسرائيل تدل على أن هامان لم يكن موجوداً في زمان موسى وفرعون وإنما ولد بعدهما بزمان طويل، ولو كان مثل هذا الشخص موجوداً في عصرهما لنقل لتوفرت الدواعي عن نقله.
والجواب أن الطعن بتاريخ اليهود المنقطع الوسط لكثرة زمان الفترة أولى من الطعن في القرآن المعجز المتواتر أولاً ووسطاً وآخراً.
ثم عاد إلى حكاية قول المؤمن وأنه أجمل النصيحة أوّلاً بقوله ﴿ اتبعون أهدكم ﴾ ثم استأنف مفصلاً قائلاً ﴿ إنما هذه الحياة الدنيا متاع ﴾ يتمتع به أياماً قلائل ثم يترك عند الموت إن لم يزل نعيمها قبل ذلك ﴿ وإن الآخرة هي دار القرار ﴾ المنزل الذي يستقر فيه.
ثم بين أنه كيف تحصل المجازاة في الآخرة وفيه إشارة إلى أن جانب الرحمة أرجح.
ومعنى الرزق بغير حساب أنه لا نهاية لذلك الثواب، أو أنه يعطى بعد الجزاء شيئاً زائداً على سبيل التفضل غير مندرج تحت الحساب.
ثم صرح بأنهم يدعونه إلى النار وهو يدعوهم إلى الخلاص عنها وفسر هذه الجملة بقوله ﴿ تدعونني لأكفر بالله ﴾ الآية.
ليعلم أن الشرك بالله أعظم موجبات النار والتوحيد ضدّه.
وفي قوله ﴿ ما لي أدعوكم ﴾ من غير أن يقول "ما لكم" مع أن الإنكار يتوجه في الحقيقة إلى دعائهم لا إلى المجموع ولا إلى دعائه سلوك لطريق الإنصاف.
ووجه تخصيص العزيز الغفار بالمقام أنه غالب على من أشرك به غفور لمن تاب عن كفره.
قوله ﴿ لا جرم ﴾ لا ردّ لكلامهم، وجرم بمعنى كسب أو وجب أو لا بد وقد سبق في "هود" و "النحل".
ومعنى ﴿ ليس له دعوة ﴾ أنه لا يقدر في الدنيا على أن يدعو الناس إلى نفسه لأنه جماد، ولا في الآخرة لأنه إذا أنطقه الله فيها تبرأ من عابديه.
ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ليس له استجابة دعوة كقوله ﴿ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ﴾ عن قتادة: المسرفين هم المشركون.
ومجاهد: السفاكون للدماء بغير حلها.
وقيل: الذين غلب شرهم خيرهم.
وقيل: الذين جاوزوا في المعصية حدّ الاعتدال كما بالدوام والإصرار وكيفا بالشناعة وخلع العذار ﴿ فستذكرون ﴾ أي في الدنيا عند حلول العذاب أو في الآخرة عند دخول النار ﴿ وأفوّض أمري إلى الله ﴾ قاله لأنهم توعدوه.
وفيه وفي قوله ﴿ فوقاه الله ﴾ دليل واضح على أنه أظهر الإيمان وقت هذه النصائح.
قال مقاتل: لما تمم هذه الكلماتقصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه.
قوله ﴿ وحاق بآل فرعون ﴾ معناه أنه رجع وبال مكرهم عليهم فأغرقوا ثم أدخلوا ناراً.
ولا يلزم منه أن يكونوا قد هموا بإيصال مثل هذا السوء إليه، ولئن سلّم أن الجزاء يلزم فيه المماثلة لعل فرعون قد همّ بإغراقه أو بإحراقه كما فعل نمرود.
قوله ﴿ يعرضون عليها ﴾ أي يحرقون بها.
يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به.
وقوله ﴿ غدوّاً وعشياً ﴾ إما للدوام كما مر في صفة أهل الجنة ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ وإما لأنه اكتفى في القبر بإيصال العذاب إليهم في هذين الوقتين.
وفي سائر الأوقات إما أن يبقى أثر ذلك وألمه عليهم، وإما أن يكون فترة وإما أن يعذبوا بنوع آخر من العذاب الله أعلم بحالهم.
وفي الآية دلالة ظاهرة على إثبات عذاب القبر لأن تعذيب يوم القيامة يجيء في قوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بعرض النار عرض النصائح عليهم في الدنيا لأن سماع الحق مرّ طعمه؟
قلنا: عدول عن الظاهر من غير دليل.
ولما انجز الكلام إلى شرح أحوال أهل النار عقبة بذكر المناظرات التي تجري فيها بين الرؤساء والأتباع والمعنى: اذكر يا محمد وقت تحاجهم وقد مر نظير ذلك مراراً.
وفي قولهم ﴿ إن الله قد حكم بين العباد ﴾ أي قضى لكل فريق بما يستحقه إشارة إلى الإقناط الكليّ، ولهذا رجعوا عن محاجة المتبوعين إلى الالتماس من خزنة النار أن يدعوا الله بتخفيف العذاب عنهم زماناً.
قال المفسرون: إنما لم يقل لخزنتها لأن جهنم اسم قعر الناس فكأن لخزنتها قرباً من الله وهم أعظم درجة من سائر الخزنة فلذلك خصوهم بالخطاب.
أما قول الخزنة لهم ﴿ فادعوا ﴾ ودعاء الكافر لا يسمع؛ فالمراد به التوبيخ والتنبيه على اليأس كأنهم قالوا: الشفاعة مشروطة بشيئين: كون المشفوع له مؤمناً والشافع مأذوناً له فيها، والأمر إن ههنا مفقودان على أن الحجة قد لزمتهم والبينة ألجأتهم.
ثم أكدوا ذلك بقولهم ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ أي لا أثر له ألبتة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: من آل فرعون في الظاهر، وإلا لم يكن في الحقيقة من آله، وإنما هو من آل موسى وأتباعه؛ حيث آمن به وترك اتباع فرعون، والله أعلم.
والثاني: من آله، أي: من نسبه؛ لأنه ذكر أنه كان ابن عمه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ﴾ .
إشفاقاً على نفسه، ولا يظهر الموافقة لهم على ما هم فيه؛ إذ قدر على الكتمان دون إظهار الموافقة لهم، وعلى ذلك المكره على إظهار الكفر إذا قدر على ألا يظهر ما أريد منه من كلمة الكفر ولا يقتل بالامتناع لا يسع له إظهار ذلك لهم، فإن لم يقدر فحينئذ يسع؛ فعلى ذلك ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ ﴾ .
فيه إخبار أنه كان يكتم إيمانه؛ إشفاقاً على نفسه، فلما خاف إهلاك رسول الله موسى - - فعند ذلك أظهر ما كان يكتمه وإن كان في إظهار ذلك إهلاك نفسه بعد أن يرجو نجاة نبي من الأنبياء - عليهم السلام - وهكذا يجب ألا يسع كتمان ما كان يكتمه وإن كان نفسه تهلك إذا أظهر إذا كان في إظهار ذلك نجاة رسول من رسل الله - عليهم السلام - بحجج يدفع الهلاك بها عن نفس ذلك الرسول؛ وكذلك ذكر عن أبي بكر الصديق - - "أن أهل مكة لما هموا قتل رسول الله وإهلاكه، ألقى أبو بكر - - نفسه عليه، وقال ما قال ذلك الرجل الذي كان يكتم إيمانه حيث قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ ﴾ فعند ذلك نزلت هذه الآية على رسول الله ولم تكن نزلت قبل ذلك" ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ .
أي: جاءكم من البينات ما يبين أنها آيات من عند الله لا اختراعاً من موسى - - ويبين أنه صادق فيما يقول ويدعي.
وقوله: ﴿ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ .
أي: وإن كان كاذباً فيما يدعوكم إليه فعليه كذبه، وإن كان صادقاً فيما يقول ويدعي يصيبكم بعض الذي يعدكم، فهو يعلم أنه صادق فيما يقول حقيقة، ولكن لما كان عند القوم احتمل الأمر، ذكر على ما في زعمهم؛ دفعاً للقتل عن موسى، .
ثم الإشكال أنه قال: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ذكر أنه يصيبهم بعض الذي يعد الرسل، [والرسل] إذا وعدوا شيئاً يصيبهم بكماله، لا يجوز أن يكون خلاف ما أخبروا أو دون ما ذكروا، لكن يخرج على وجوه: أحدها: أنه كان وعده إياهم أن يصيبهم العذاب في الدنيا والآخرة، فيقول: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ، وهو ما وعد لهم أن يصيبهم في الدنيا، وأما ما وعد لهم في الآخرة، فهو يصيبهم في وقت آخر وهو في الآخرة، فما أصابهم في الدنيا فهو بعض ما جرى الوعيد منه لهم؛ لأن الوعيد كان منه في الدنيا والآخرة، والله أعلم.
والثاني: يحتمل أنه كان - - وعدهم بأنواع من العذاب، وقد أصابهم بعض ذلك الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونحو ذلك، وفي بعض ما وعدهم هو هلاكهم؛ فكأنه يقول لهم: إنكم قد أصابكم كثير من ذلك، فيصيبكم بعض ما يعدكم الذي فيه هلاككم مبالغة في الزجر؛ لما قد أصابهم ما وعد لهم من أنواع العذاب، ولم يكن وعده كذباً، فبعض ما يعدكم - وهو الهلاك - كيف يكون كذباً؟!
والله أعلم والموفق.
والثالث: [أراد] بالبعض: الكل؛ لأنه أراد بهذا البعض: الهلاك، وهو البعض الأقصى، فيدخل العالي فيه لأنه إذا أوعده بأنواع من العذاب منها الهلاك يكون الهلاك هو البعض الأقصى؛ إذ لا عذاب في الدنيا بعد الهلاك، فيكون سائر أنواع العذاب في الدنيا يكون قبل الهلاك، فإذا أريد به هذا البعض يدخل فيه ما قبله، ويكون ذكره ذكرا للكل؛ إذ لا وجود له بدون سائرها؛ لذلك قال: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أنه لا يهدي من هو في علمه أنه يؤثر الإسراف والكذب.
والثاني: لا يهدي من هو مختار الإسراف والكذب وقت اختيارهم الإسراف والكذب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: يحتمل أن يقول ذلك بعد ما سألوه أن يتبع دينهم وما هم فيه: إني لو اتبعتكم وأجبتكم ومعكم الملك والحشم والغلبة وليس معي ذلك، فإذا جاء بأس الله وعذابه فصرتم أنتم ممتنعين عنه بما معكم، فمن ينصرنا من عذاب الله وليس معنا ذلك؟!
وإن كان يعلم حقيقة أن ما معهم من الغلبة لا يمنع من عذاب الله، لكن قال ذلك بناء على اعتقادهم؛ إظهاراً للعذر عندهم؛ كي لا يقدموا على قتله لصيانة حياته، ومثل هذا لا بأس به، والله أعلم.
والثاني: يقول على الرفق بهم وإظهار الموافقة لهم في الظاهر؛ يقول: إنه قد جاءنا من الله البينات ما أوضح الحق وبين السبيل، فإذا رددنا ذلك وكذبناهم جاءنا بأس الله جملة وعذابه، فمن يمنعنا عنه وينصرنا من عذابه إذا خالفنا أمره وتركنا اتباع دينه؟!
على هذين القولين يخرج القول منه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ ﴾ .
قال بعضهم: أي: ما آمركم إلا بما رأيته لنفسي.
وقال بعضهم: ما أختار لكم إلا ما أختار لنفسي ذلك، لكن [ليس] للعين أن يختار لهم ما اختار لنفسه؛ لأن ما اختار لنفسه باطل فاسد، وكذب اللعين أيضاً حيث قال: ما أختار لكم إلا ما أختار لنفسي؛ لأنه اختار لهم أن يعبدوه ولم يختر لنفسه عبادة أولئك أن يعبدهم، فهو كذب من القول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ﴾ .
كذب أيضاً في قوله: إنه لا يهديهم إلا سبيل الرشاد، بل كان يهديهم سبيل الغي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ .
كأن فيه إضمار القول: إني أخاف عليكم يوما مثل يوم الأحزاب، ويوم مثل يوم قوم نوح وعاد، فهو - والله أعلم - صلة قوله فيما تقدم: ﴿ يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ﴾ وعظهم مرة واحتج عليهم بما جاءهم موسى بالبينات؛ حيث قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ ، وتتركون اتباعه وتتبعون رجلا لم يأتكم بالبينات، هذا منه احتجاج عليهم: أن كيف تقتلون رجلا وتتركون اتباعه بعد ما جاءكم بالبينات من ربكم، وتتبعون من لا بينة معه ولا برهان؟!
يسفههم في صنيعهم الذي أرادوا أن يصنعوا به، والله أعلم، ووعظهم أيضاً وعظاً لطيفاً فيه رفق حيث قال: ﴿ يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ﴾ يقول - والله أعلم -: إنكم إن قتلتم ذلك الرجل بعدما جاءكم بالبينات وتركتم اتباعه، فجاءكم عذاب الله وبأسه، فمن ينصركم عن ذلك العذاب ويمنعكم عنه إذا قتلتم نبيه بغير حق؟!
ثم وعظهم وعظاً بما نزل بمكذبي من كان قبلهم من الرسل حيث قال: ﴿ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ﴾ يقول: إني أخاف عليكم أن ينزل بكم ويقع عليكم من عذاب الله بتكذيبكم الرسول موسى - - وترككم اتباعه بعدما جاءكم بالبينات أنه رسول وأنه صادق فيما يقول ويدعي، كما نزل ووقع من العذاب بالأحزاب الذين كانوا من قبلكم ممن ذكر بتكذيبهم الرسل واستقبالهم إياهم بما استقبلوا بعد ظهور صدقهم عندهم بما تستقبلون أنتم رسولكم موسى، بعدما ظهر صدقه عندكم بالبينات التي جاءكم، والله أعلم.
ثم ما ذكر من الأحزاب فيحتمل أن يكون تفسيره ما ذكر على أثره من قوم نوح وعاد وثمود، ويحتمل سواهم من الأمم، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ﴾ قال بعضهم: أي: مثل صنيع قوم نوح ومن ذكر وفعلهم.
وقال بعضهم: أي: مثل عذاب قوم نوح ومن ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ ﴾ .
في هذه الآية للمعتزلة نوعُ تعلقٍ؛ يقولون: إن الله قد أراد من العباد ما يفعلون من أفعال الظلم والجور، وقد أخبر الله أنه لا يريد ظلماً للعباد.
ولكن الآية في التحقيق عليهم؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ أخبر أنه أراد ألا يجعل لهم حظّاً في الآخرة، ولو لم يرد منهم ما يستوجبون به العذاب كان في تعذيبه إياهم ظالما على زعمهم؛ دل أنه أراد منهم ما يستوجبون به العذاب وهو فعل الظلم، والله أعلم.
ثم تأويل الآية يخرج على وجهين: أحدهما: أن الإرادة هي صفة كل فاعل يفعل عن اختيار، فكأنه قال: والله لا يظلم عباده؛ كقوله : ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ .
والثاني: فيه إخبار أنه لا يعاقَبُ أحد بذنب غيره، ولا يؤاخذ بجريمة غيره، ولا يزيد على قدر ما يستحقون به العذاب، أو لا ينقصهم من ثواب حسناتهم شيئاً؛ كقوله : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ وغير ذلك من الآيات ما فيها إخبار أنه لا يجزيهم بأكثر مما يستوجبون ليس على ظن أولئك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ...
﴾ الآية.
وعظهم أيضاً بعذاب الآخرة وما يكون منهم من الندامة بتركهم اتباع الرسول، بعدما وعظهم بعذاب الدنيا وما نزل بأوائلهم بصنيعهم مثل صنيعهم، وهو ما قال: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ...
﴾ الآية.
ثم قوله: ﴿ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ ﴾ فيه لغات ثلاث: إحداها: ﴿ يوم التنادي ﴾ بالياء.
والثانية: بالتخفيف على حذف الياء.
والثالثة: بالتشديد.
فمن قرأها بالتشديد، يقول: هو من ند يند ندّاً إذا مضى لوجهه هارباً فارّاً من عذاب الله، إذا عاينوا العذاب، وهو من ند الإبل وغيره - والله أعلم -.
ومن قرأه بالياء فهو التفاعل من النداء، فهو على نداء بعضهم بعضاً يوم القيامة؛ كقوله - -: ﴿ وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ ونحوه.
ومن قرأه بغير الياء، فقد حذف الياء؛ كقوله: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ﴾ ، وأصله: التنادي، والله أعلم.
ثم قوله : ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ قال بعضهم: يوم تولون هاربين من النار مدبرين عنها؛ كقوله : ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ﴾ .
أي: ما لكم من عذاب الله إذا نزل بكم من مانع يمنعكم من عذابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ قد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .
أي: جاءكم يوسف من قبل موسى - - بالبينات، أي: بالآيات والأدلة على رسالته وصدقه، جائز أن يكون هذا قول ذلك الرجل لقومه يخبرهم عن سفه أوائلهم من تكذيبهم يوسف بأرض مصر قبل موسى، وما كان من القول منهم بعدما ذهب من بينهم وردهم آياته وحججه التي أتاهم بها، وما أخبر أنهم وأوائلهم لم يزالوا في شك وريب مما جاءتهم الرسل من الآيات والأدلة، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ ﴾ يقول: لم تزل عادتكم وعادة أوائلكم هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ .
جائز أن يكون وإن خاطبهم بقوله: ﴿ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ إنما أراد آباءهم وأوائلهم؛ لأن يوسف - - لم يكن في زمن هؤلاء مبعوثاً إليهم على ما عاتب الأبناء بصنع آبائهم في غير آي من القرآن؛ كقوله: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ ﴾ ، وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ ﴾ ، وهؤلاء لم يقتلوا الأنبياء ولا اتخذوا العجل، وإنما فعل ذلك آباؤهم وأوائلهم، ثم جاء العتاب لهم بسوء صنيع آبائهم وأوائلهم؛ فعلى ذلك هذا.
وجائز أن يكون وإن خاطبهم بما ذكر من سوء الصنيع والتكذيب، إنما يخبر عن صنيع آبائهم وأوائلهم فيحذرهم عن مثل صنيع أولئك من التكذيب لهم والرد لأدلتهم، والقول بعد ذهابه من بينهم، والكذب على الله: إنه لم يبعث رسولا؛ يقول: إياكم أن تكذبوه وتردوا آياته وحججه، ثم تقولوا إذا مات موسى: لن يبعث الله من بعده رسولا، كما قال أوائلكم: إذا مات يوسف: لم يكن من بعده رسول بقولهم: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ يشبه أن يخرج الآية على هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ﴾ .
فقد ذكرنا تأويله من وجهين فيما تقدم.
ثم قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ يخرج من وجهين: أحدهما: آمنوا به، وأنكروا رسالة غيره بعده بقولهم: لن يبعث الله من بعده رسولا.
والثاني: أي: أنكروا رسالته في حال حياته ولم يؤمنوا به، فإذا هلك أنكروا أن يكون هو مبعوثاً إليهم رسولا، فيحذر هؤلاء صنيع أولئك ألا يكونوا كأولئك آمنوا به وأنكروا رسالة غيره من الرسل بعده.
أو يقول: لا تكونوا كأولئك يكذبونه ما دام حيّاً، فإذا هلك يكذبون رسالته، يحذرهم سفه أوائلهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ﴾ .
أي: يجادلون في دفع آيات الله وردها بغير حجة وسلطان أتاهم من الله، أو بغير حجة مكن لهم الاحتجاج بها، وإلا كان أهل الإيمان قد يجادلون فيها حتى إذا ظنوا أنها آيات الله آمنوا بها وأقروا بها، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، أي: جادلوا في دفع آيات الله وردها بغير حجة أتتهم؛ كقوله: ﴿ وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
هكذا الواجب على أهل الإيمان أن يمقتوا من الأعمال ما مقتها الله ، أو يمقتوا من مقته الله من أعدائه؛ وعلى ذلك ذكر: إن خير أعمالكم حُبُّ ما أحبه الله وبُغْضُ ما أبغضه الله أو كلام نحوه، وشر أعمالكم حب ما أبغضه وبغض ما أحبه الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ .
أي: هكذا يطبع الله على كل قلب من جادل في دفع آيات الله وردها بغير حجة، أي: يطبع على كل من تعود التكبر والتجبر على الآيات والرسل، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ...
﴾ من هو كذا، وكذلك يضلل، ونحوه كله حروف الاعتلال، بين الله العلل التي لها لا يهديهم ويضلهم؛ وكذلك في قوله: ﴿ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ ومسرف مرتاب ونحوه، أي: لا يهدي من كان طبعه وعادته الإسراف والكذب وكفران النعم ودفع الآيات والحجج بلا حجة وبرهان، فأمّا من كان طبعه وعادته غير هذا لكنْ لجِهْلٍ جَهِلَ ذلك، أو لما يتحقق عنده لظنه وقلة التأمل، أو لاشتغاله بأمور الدنيا، أو لمعنى من المعاني يجوز أن يهديه الله ويرشده، على هذا يخرج هذه الآيات، والله أعلم.
وعلى ذلك ما كان [يصنعه] فرعون اللعين من التمويهات والتلبيسات على أتباعه في أمر موسى - - بعد معرفته أن ذلك ليس بقدح في الآيات والحجج التي أتاهم موسى - - أراد أن يموه ويلبس على قومه، فكل من كانت عادته وطبيعته ما ذكرنا من التمويه والتلبيس والمجادلة في دفع الآيات بلا حجة والتكبر عليها - فلا يهديه الله ويطبع على قلبه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الذين يخاصمون في آيات الله ليبطلوها بغير حجة ولا برهان أتاهم، كَبُر جدالُهم مَقْتًا عند الله وعند الذين آمنوا به وبرسله.
كما ختم الله على قلوب هؤلاء المخاصمين في آياتنا لإبطالها يختم الله على كل قلب مستكبر عن الحق مُتَجَبِّر، فلا يهتدي إلى صواب، ولا يرشد إلى خير.
<div class="verse-tafsir" id="91.EpwmA"