الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٥ من سورة غافر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 78 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى مسليا لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - في تكذيب من كذبه من قومه ، بأن له أسوة من سلف من الأنبياء ; فإنه قد كذبهم أممهم وخالفوهم ، وما آمن بهم منهم إلا قليل ، فقال : ( كذبت قبلهم قوم نوح ) وهو أول رسول بعثه الله ينهى عن عبادة الأوثان ، ( والأحزاب من بعدهم ) أي : من كل أمة ، ( وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ) أي : حرصوا على قتله بكل ممكن ، ومنهم من قتل رسوله ، ( وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ) أي : ماحلوا بالشبهة ليردوا الحق الواضح الجلي .
وقد قال أبو القاسم الطبراني : حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا عارم أبو النعمان ، حدثنا معتمر بن سليمان قال : سمعت أبي يحدث عن حنش ، عن عكرمة ، عن ابن عباس [ رضي الله عنه ] ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أعان باطلا ليدحض بباطله حقا ، فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله " .
وقوله : ( فأخذتهم ) أي : أهلكتهم على ما صنعوا من هذه الآثام والذنوب العظام ، ( فكيف كان عقاب ) أي : فكيف بلغك عذابي لهم ، ونكالي بهم ؟
قد كان شديدا موجعا مؤلما .
قال قتادة : كان والله شديدا .
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ ) قال: الكفار.
وقوله: ( وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ) يقول تعالى ذكره: وهمت كل أمة من هذه الأمم المكذّبة رسلها, المتحزّبة على أنبيائها, برسولهم الذي أرسل إليهم ليأخذوه فيقتلوه.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ) : أي ليقتلوه, وقيل برسولهم; وقد قيل: كل أمة, فوجَّهت الهاء والميم إلى الرجل دون لفظ الأمة, وقد ذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله " برسولها ", يعني برسول الأمة.
وقوله: ( وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ) يقول: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم إياه وخصومتهم له الحق الذي جاءهم به من عند الله, من الدخول في طاعته, والإقرار بتوحيده, والبراءة من عبادة ما سواه, كما يخاصمك كفار قومك يا محمد بالباطل.
وقوله: ( فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) يقول تعالى ذكره: فأخذت الذين هموا برسولهم ليأخذوه بالعذاب من عندي, فكيف كان عقابي إياهم, الم أهلكهم فأجعلهم للخلق عبرة, ولمن بعدهم عظة؟
وأجعل ديارهم ومساكنهم منهم خلاء, وللوحوش ثواء.
وقد حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) قال: شديد والله.
قوله تعالى : كذبت قبلهم قوم نوح على تأنيث الجماعة أي : كذبت الرسل .
والأحزاب من بعدهم أي والأمم الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب نحو عاد وثمود فمن بعدهم .
وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه أي ليحبسوه ويعذبوه .
وقال قتادة والسدي : ليقتلوه .
والأخذ يرد بمعنى الإهلاك ، كقوله : ثم أخذتهم فكيف كان نكير والعرب تسمي الأسير الأخيذ ; لأنه مأسور للقتل ، وأنشد قطرب قول الشاعر :فإما تأخذوني تقتلوني فكم من آخذ يهوى خلوديوفي وقت أخذهم لرسولهم قولان : أحدهما عند دعائه لهم .
الثاني عند نزول العذاب بهم .
وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق أي ليزيلوا .
ومنه مكان دحض أي : مزلقة ، والباطل داحض ; لأنه يزلق ويزل فلا يستقر .
قال يحيى بن سلام : جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان .
فأخذتهم أي بالعذاب .
فكيف كان عقاب أي عاقبة الأمم المكذبة .
أي : أليس وجدوه حقا .
ثم هدد من جادل بآيات الله ليبطلها، كما فعل من قبله من الأمم من قوم نوح وعاد والأحزاب من بعدهم، الذين تحزبوا وتجمعوا على الحق ليبطلوه، وعلى الباطل لينصروه، { و } أنه بلغت بهم الحال، وآل بهم التحزب إلى أنه { هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ } من الأمم { بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } أي: يقتلوه.
وهذا أبلغ ما يكون الرسل الذين هم قادة أهل الخير الذين معهم الحق الصرف الذي لا شك فيه ولا اشتباه، هموا بقتلهم، فهل بعد هذا البغي والضلال والشقاء إلا العذاب العظيم الذي لا يخرجون منه؟
ولهذا قال في عقوبتهم الدنيوية والأخروية: { فَأَخَذْتُهُمْ } أي: بسبب تكذيبهم وتحزبهم { فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } كان أشد العقاب وأفظعه، ما هو إلا صيحة أو حاصب ينزل عليهم أو يأمر الأرض أن تأخذهم، أو البحر أن يغرقهم فإذا هم خامدون.
( كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ) وهم الكفار الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب من بعد قوم نوح ، ( وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ) قال ابن عباس : ليقتلوه ويهلكوه .
وقيل : ليأسروه .
والعرب تسمي الأسير أخيذا ، ( وجادلوا بالباطل ليدحضوا ) ليبطلوا ، ( به الحق ) الذي جاء به الرسل ، ومجادلتهم مثل قولهم : إن أنتم إلا بشر مثلنا ( إبراهيم - 10 ) ، ولولا أنزل علينا الملائكة ( الفرقان - 21 ) ونحو ذلك ، ( فأخذتهم فكيف كان عقاب ) .
«كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب» كعاد وثمود وغيرهما «من بعدهم وهمّت كل أمة برسولهم ليأخذوه» يقتلوه «وجادلوا بالباطل ليدحضوا» يزيلوا «به الحق فأخذتهم» بالعقاب «فكيف كان عقاب» لهم، أي هو واقع موقعه.
كذَّبت قبل هؤلاء الكفار قومُ نوح ومَن تلاهم من الأمم التي أعلنت حربها على الرسل كعاد وثمود، حيث عزموا على إيذائهم وتجمَّعوا عليهم بالتعذيب أو القتل، وهمَّت كل أمة من هذه الأمم المكذبة برسولهم ليقتلوه، وخاصموا بالباطل؛ ليبطلوا بجدالهم الحق فعاقَبْتُهم، فكيف كان عقابي إياهم عبرة للخلق، وعظة لمن يأتي بعدهم؟
( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ) أى : قبل هؤلاء الكافرين المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق ( قَوْمُ نُوحٍ ) الذين أغرقناهم بسبب هذا التكذيب لنبيهم .( والأحزاب مِن بَعْدِهِمْ ) أى : وكذلك الأقوام الآخرون الذين جاءوا من بعد قوم نوح ، قد تحزبوا على أنبيائهم ، وأجمعوا على تكذيبهم ، كما فعل قوم عاد مع نبيهم هود ، وكما فعل قوم ثمود مع نبيهم صالح ، وكما فعل أهل مدين مع نبيهم شعيب .
.فالضمير فى قوله - تعالى - : ( مِن بَعْدِهِمْ ) يعود إلى قوم نوح .وأفردهم - سبحانه - بالذكر لأنهم أول قوم كذبوا رسولهم بعد أن مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما .
ولم يزدهم دعاؤه لهم إلا عتوا ونفورا .وقوله - تعالى - : ( وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق ) بيان لما فعله هؤلاء الأقوام المجرمين ، لم يكتفوا بالتكذيب لأنبيائهم ، بل إن كل أمة منهم قد مكرت بنبيها ، وأرادت به السوء ، وحاولت أن تتمكن منه بالأسر أو بالقتل ، وجادلته بالجدال الباطل ، لتزيل به الحق الذى جاء به من عند ربه وتبطله .والتعبير بقوله : ( لِيَأْخُذُوهُ ) يشعر بأن هؤلاء المجرمين كانوا حريصين على التمكن من إيذاء نبيهم ومن الاعتداء عليه ، كما يحرص الشخص على أخذ عدوه وأسره ليفعل به ما يشاء .وقوله - تعالى - : ( فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) بيان لما آل إليه مكرهم وجدالهم بالباطل .أى : هموا بما هموا ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ، وحاولوا أن يجعلوا رسولهم بمنزلة الأسير فيهم .
فكانت نتيجة كل ذلك أن أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ، بأن دمرناهم تدميرا فكيف كان عقابى لهم؟
لقد كان عقابا مدمرا ، جعلهم أثرا بعد عين ، وترك آثار مساكنهم تشهد بهلاكهم واستئصالهم .
اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي حم بكسر الحاء، والباقون بفتح الحاء، ونافع في بعض الروايات، وابن عامر بين الفتح والكسر وهو أن لا يفتحها فتحاً شديداً، قال صاحب الكشاف: قرئ بفتح الميم وتسكينها، ووجه الفتح التحريك لالتقاء الساكنين وإيثار أخف الحركات نحو: أين وكيف، أو النصب بإضمار إقرأ، ومنع الصرف إما للتأنيث والتعريف، من حيث إنها اسم للسورة وللتعريف، وإنها على زنة أعجمي نحو قابيل وهابيل، وأما السكون فلأنا بينا أن الأسماء المجردة تذكر موقوفة الأواخر.
المسألة الثانية: الكلام المستقصى في هذه الفواتح مذكور في أول سورة البقرة، والأقرب هاهنا أن يقال حم اسم للسورة، فقوله: ﴿ حم ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿ تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله ﴾ خبر والتقدير أن هذه السورة المسماة بحم تنزيل الكتاب، فقوله: ﴿ تَنزِيلَ ﴾ مصدر، لكن المراد منه المنزل.
وأما قوله: ﴿ مِنَ الله ﴾ فاعلم أنه لما ذكر أن ﴿ حم * تَنزِيلُ الكتاب ﴾ وجب بيان أن المنزل من هو؟
فقال: ﴿ مِنَ الله ﴾ ثم بيّن أن الله تعالى موصوف بصفات الجلال وسمات العظمة ليصير ذلك حاملاً على التشمير عن ساق الجد عند الاستماع وزجره عن التهاون والتواني فيه، فبين أن المنزل هو ﴿ الله العزيز العليم ﴾ .
واعلم أن الناس اختلفوا في أن العلم بالله ما هو؟
فقال جمع عظيم، أنه العلم بكونه قادراً وبعده العالم بكونه عالماً، إذا عرفت هذا فنقول: ﴿ العزيز ﴾ له تفسيران: أحدهما: الغالب فيكون معناه القادر الذي لا يساويه أحد في القدرة.
والثاني: الذي لا مثل له، ولا يجوز أن يكون المراد بالعزيز هنا القادر، لأن قوله تعالى: ﴿ الله ﴾ يدل على كونه قادراً، فوجب حمل ﴿ العزيز ﴾ على المعنى الثاني وهو الذي لا يوجد له مثل، وما كان كذلك وجب أن لا يكون جسماً، والذي لا يكون جسماً يكون منزّهاً عن الشهوة والنفرة، والذي يكون كذلك يكون منزّهاً عن الحاجة.
وأما ﴿ العليم ﴾ فهو مبالغة في العلم، والمبالغة التامة إنما تتحقق عند كونه تعالى عالماً بكل المعلومات، فقوله: ﴿ مِنَ الله العزيز العليم ﴾ يرجع معناه إلى أن هذا الكتاب تنزيل من القادر المطلق، الغني المطلق، العالم المطلق، ومن كان كذلك كان عالماً بوجوه المصالح والمفاسد، وكان عالماً بكونه غنياً عن جر المصالح ودفع المفاسد، ومن كان كذلك كان رحيماً جواداً، وكانت أفعاله حكمة وصواباً منزّهة عن القبيح والباطل، فكأنه سبحانه إنما ذكر عقيب قوله: ﴿ تَنزِيلَ ﴾ هذه الأسماء الثلاثة لكونها دالة على أن أفعاله سبحانه حكمة وصواب، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يكون هذا التنزيل حقاً وصواباً، وقيل الفائدة في ذكر ﴿ العزيز العليم ﴾ أمران أحدهما: أنه بقدرته وعلمه أنزل القرآن على هذا الحد الذي يتضمن المصالح والإعجاز، ولولا كونه عزيزاً عليماً لما صح ذلك والثاني: أنه تكفل بحفظه وبعموم التكليف فيه وظهوره إلى حين انقطاع التكليف، وذلك لا يتم إلا بكونه عزيزاً لا يغلب وبكونه عليماً لا يخفى عليه شيء، ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد والترهيب والترغيب، فقال: ﴿ غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِى الطول لاَ إله إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المصير ﴾ فهذه ستة أنواع من الصفات: الصفة الأولى: قوله: ﴿ غَافِرِ الذنب ﴾ قال الجبائي: معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بتوبة أو طاعة أعظم منه، ومراده منه أن فاعل المعصية إما أن يقال إنه كان قد أتى قبل ذلك بطاعة كان ثوابها أعظم من عقاب هذه المعصية أو ما كان الأمر كذلك فإن كان الأول كانت هذه المعصية صغيرة فيحبط عقابها، وإن كان الثاني كانت هذه المعصية كبيرة فلا يزول عقابها إلا بالتوبة، ومذهب أصحابنا أن الله تعالى قد يعفو عن الكبيرة بعد التوبة، وهذه الآية تدل على ذكل وبيانه من وجوه: الأول: أن غفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة من الأمور الواجبة على العبد، وجميع الأنبياء والأولياء والصالحين من أوساط الناس مشتركون في فعل الواجبات، فلو حملنا كونه تعالى غافر الذنب على هذا المعنى لم يبق بينه وبين أقل الناس من زمرة المطيعين فرق في المعنى الموجب لهذا المدح وذلك باطل، فثبت أنه يجب أن يكون المراد منه كونه غافر الكبائر قبل التوبة وهو المطلوب الثاني: أن الغفران عبارة عن الستر ومعنى الستر إنما يعقل في الشيء الذي يكون باقياً موجوداً فيستر، والصغيرة تحبط بسبب كثرة ثواب فاعلها، فمعنى الغفر فيها غير معقول، ولا يمكن حمل قوله: ﴿ غَافِرِ الذنب ﴾ على الكبيرة بعد التوبة، لأن معنى كونه قابلاً للتوب ليس إلا ذلك، فلو كان المراد غافر الذنب هذا المعنى لزم التكرار وإنه باطل فثبت أن كونه غافر الذنب يفيد كونه غافراً للذنوب الكبائر قبل التوبة الثالث: أن قوله: ﴿ غَافِرِ الذنب ﴾ مذكور في معرض المدح العظيم، فوجب حمله على ما يفيد أعظم أنواع المدح، وذلك هو كونه غافراً للكبائر قبل التوبة، وهو المطلوب.
الصفة الثانية: ﴿ وَقَابِلِ التوب ﴾ وفيه بحثان: الأول: في لفظ التوب قولان: الأول: أنه مصدر وهو قول أبي عبيدة، والثاني: أنه جماعة التوبة وهو قول الأخفش، قال المبرد يجوز أن يكون مصدراً يقال تاب يتوب توباً وتوبة مثل قال يقول قولاً وقولة، ويجوز أن يكون جمعاً لتوبة فيكون توبة وتوب مثل ثمرة وثمر إلا أن المصدر أقرب لأن على هذا التقدير يكون تأويله أنه يقبل هذا الفعل.
الثاني: مذهب أصحابنا أن قبول التوبة من المذنب يقع على سبيل التفضل، وليس بواجب على الله، وقالت المعتزلة إنه واجب على الله واحتج أصحابنا بأنه تعالى ذكر كونه قابلاً للتوب على سبيل المدح والثناء، ولو كان ذلك من الواجبات لم يبق فيه من معنى المدح إلا القليل، وهو القدر الذي يحصل لجميع الصالحين عند أداء الواجبات والاحتراز عن المحظورات.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: في هذه الآية سؤال وهو أن قوله: ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ يصلح أن يكون نعتاً للنكرة ولا يصلح أن يكون نعتاً للمعرفة تقول مررت برجل شديد البطش، ولا تقول مررت بعبد الله شديد البطش، وقوله الله اسم علم فيكون معرفة فكيف يجوز وصفه بكونه شديد العقاب مع أنه لا يصلح إلا أن يجعل وصفاً للنكرة؟
قالوا وهذا بخلاف قولنا غافر الذنب وقابل التوب لأنه ليس المراد منهما حدوث هذين الفعلين وأنه يغفر الذنب ويقبل التوبة الآن أو غداً، وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش، وأما ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ فمشكل لأنه في تقدير شديد عقابه فيكون نكرة فلا يصح جعله صفة للمعرفة، وهذا تقرير السؤال وأجيب عنه بوجوه: الأول: أن هذه الصفة وإن كانت نكرة إلا أنها لما ذكرت مع سائر الصفات التي هي معارف حسن ذكرها كما في قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾ والثاني: قال الزجاج إن خفض ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ على البدل، لأن جعل النكرة بدلاً من المعرفة وبالعكس أمر جائز، واعترضوا عليه بأن جعله وحده بدلاً من الصفات فيه نبوّة ظاهرة الثالث: أنه لا نزاع في أن قوله: ﴿ غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب ﴾ يحسن جعلهما صفة، وإنما كان كذلك لأنهما مفيدان معنى الدوام والاستمرار، فكذلك قوله: ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ يفيد معنى الدوام والاستمرار، لأن صفات الله تعالى منزّهة عن الحدوث والتجدد، فكونه ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ معناه كونه بحيث يشتد عقابه، وهذا المعنى حاصل أبداً، وغير موصوف بأنه حصل بعد أن لم يكن كذلك، فهذا ما قيل في هذا الباب.
البحث الثاني: هذه الآية مشعرة بترجيح جانب الرحمة والفضل، لأنه تعالى لما أراد أن يصف نفسه بأنه شديد العقاب ذكر قبله أمرين كل واحد منهما يقتضي زوال العقاب، وهو كونه غافر الذنب وقابل التوب وذكر بعده ما يدل على حصول الرحمة العظيمة، وهو قوله: ﴿ ذِى الطول ﴾ ، فكونه شديد العقاب لما كان مسبوقاً بتينك الصفتين وملحوقاً بهذه الصفة، دل ذلك على أن جانب الرحمة والكرم أرجح.
البحث الثالث: لقائل أن يقول ذكر الواو في قوله: ﴿ غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب ﴾ ولم يذكرها في قوله: ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ فما الفرق؟
قلنا إنه لو لم يذكر الواو في قوله: ﴿ غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب ﴾ لاحتمل أن يقع في خاطر إنسان أنه لا معنى لكونه غافر الذنب إلا كونه قابل التوب، أما لما ذكر الواو زال هذا الاحتمال، لأن عطف الشيء على نفسه محال، أما كونه شديد العقاب فمعلوم أنه مغاير لكونه ﴿ غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب ﴾ فاستغنى به عن ذكر الواو.
الصفة الرابعة: ﴿ ذي الطول ﴾ أي ذي التفضل يقال طال علينا طولاً أي تفضل علينا تفضلاً، ومن كلامهم طل علي بفضلك، ومنه قوله تعالى: ﴿ أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ ﴾ ومضى تفسيره عند قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ﴾ واعلم أنه لم يصف نفسه بكونه ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ لابد وأن يكون المراد بكونه تعالى آتياً بالعقاب الشديد الذي لا يقبح منه إتيانه به، بل لا يجوز وصفه تعالى بكونه آتياً لفعل القبيح، وإذا ثبت هذا فنقول: ذكر بعده كونه ذا الطول وهو كونه ذا الفضل، فيجب أن يكون معناه كونه ذا الفضل بسبب أن يترك العقاب الذي له أن يفعله لأنه ذكر كونه ذا الطول ولم يبين أنه ذو الطول فيماذا فوجب صرفه إلى كونه ذا الطول في الأمر الذي سبق ذكره، وهو فعل العقاب الحسن دفعاً للإجمال، وهذا يدل على أنه تعالى قد يترك العقاب الذي حسن منه تعالى فعله، وذلك يدل على أن العفو عن أصحاب الكبائر جائز وهو المطلوب.
الصفة الخامسة: التوحيد المطلق وهو قوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ والمعنى أنه وصف نفسه بصفات الرحمة والفضل، فلو كان معه إله آخر يشاركه ويساويه في صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة، أما إذا كان واحداً وليس له شريك ولا شبيه كانت الحاجة إلى الإقرار بعبوديته شديدة، فكان الترغيب والترهيب الكاملان يحصلان بسبب هذا التوحيد.
الصفة السادسة: قوله: ﴿ إِلَيْهِ المصير ﴾ وهذه الصفة أيضاً مما يقوي الرغبة في الإقرار بعبوديته، لأنه بتقدير أن يكون موصوفاً بصفات الفضل والكرم وكان واحداً لا شريك له، إلا أن القول بالحشر والنشر إن كان باطلاً لم يكن الخوف الشديد حاصلاً من عصيانه، أما لما كان القول بالحشر والقيامة حاصلاً كان الخوف أشد والحذر أكمل، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الصفات، واحتج أهل التشبيه بلفظة إلى، وقالوا إنها تفيد انتهاء الغاية، والجواب عنه مذكور في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.
واعلم أنه تعالى لما قرر أن القرآن كتاب أنزله ليهتدى به في الدين ذكر أحوال من يجادل لغرض إبطاله وإخفاء أمره فقال: ﴿ مَا يجادل فِي ءايات الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن الجدال نوعان جدال في تقرير الحق وجدال في تقرير الباطل، أما الجدال في تقرير الحق فهو حرفة الأنبياء عليهم السلام قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ وقال حكاية عن الكفار أنهم قالوا لنوح عليه السلام ﴿ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ﴾ وأما الجدال في تقرير الباطل فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية حيث قال: ﴿ مَا يجادل فِي ءايات الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ وقال: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ وقال: ﴿ وجادلوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: «إن جدالاً في القرآن كفر» فقوله إن جدالاً على لفظ التنكير يدل على التمييز بين جدال لأجل تقريره والذب عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «إن جدالاً في القرآن كفر» وقال: «لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر».
المسألة الثانية: الجدال في آيات الله هو أن يقال مرة إنه سحر ومرة إنه شعر ومرة إنه قول الكهنة ومرة أساطير الأولين ومرة إنما يعلمه بشر، وأشباه هذا مما كانوا يقولونه من الشبهات الباطلة فذكر تعالى أنه لا يفعل هذا إلا الذين كفروا وأعرضوا عن الحق.
ثم قال تعالى: ﴿ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البلاد ﴾ أي لا ينبغي أن تغتر بأني أمهلهم وأتركهم سالمين في أبدانهم وأموالهم يتقلبون في البلاد أي يتصرفون للتجارات وطلب المعاش، فإني وإن أمهلتهم فإني سآخذهم وأنتقم منهم كما فعلت بأشكالهم من الأمم الماضية، وكانت قريش كذلك يتقلبون في بلاد الشام واليمن ولهم الأموال الكثيرة يتجرون فيها ويربحون، ثم كشف عن هذا المعنى فقال: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأحزاب مِن بَعْدِهِمْ ﴾ فذكر من أولئك المكذبين قوم نوح والأحزاب من بعدهم أي الأمم المستمرة على الكفر كقوم عاد وثمود وغيرهم، كما قال في سورة ص [12، 13] ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتاد * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وأصحاب الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأحزاب ﴾ وقوله: ﴿ وَهَمَّتْ كُلُّ أمَة بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ﴾ أي وعزمت كل أمة من هؤلاء الأحزاب أن يأخذوا رسولهم ليقتلوه ويعذبوه ويحبسوه ﴿ وجادلوا بالباطل ﴾ أي هؤلاء جادلوا رسلهم بالباطل أي بإيراد الشبهات ﴿ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق ﴾ أي أن يزيلوا بسبب إيراد تلك الشبهات الحق والصدق ﴿ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ أي فأنزلت بهم من الهلاك ما هموا بإنزاله بالرسل، وأرادوا أن يأخذوهم فأخذتهم أنا، فكيف كان عقابي إياهم، أليس كان مهلكاً مستأصلاً مهيباً في الذكر والسماع، فأنا أفعل بقومك كما فعلت بهؤلاء إن أصروا على الكفر والجدال في آيات الله، ثم كشف عن هذا المعنى فقال: ﴿ وكذلك حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى الذين كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أصحاب النار ﴾ أي ومثل الذي حق على أولئك الأمم السالفة من العقاب حقت كلمتي أيضاً على هؤلاء الذين كفروا من قومك فهم على شرف نزول العقاب بهم قال صاحب الكشاف ﴿ أَنَّهُمْ أصحاب النار ﴾ في محل الرفع بدل من قوله: ﴿ كلمة ربك ﴾ أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار، ومعناه كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل، كذلك وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة، أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن قضاء الله بالسعادة والشاقوة لازم لا يمكن تغييره، فقالوا إنه تعالى أخبر أنه حقت كلمة العذاب عليهم وذلك يدل على أنهم لا قدرة لهم على الإيمان، لأنهم لو تمكنوا منه لتمكنوا من إبطال هذه الكلمة الحقة، ولتمكنوا من إبطال علم الله وحكمته، ضرورة أن المتمكن من الشيء يجب كونه متمكناً من كل ما هو من لوازمه، ولأنهم لو آمنوا لوجب عليهم أن يؤمنوا بهذه الآية فحينئذ كانوا قد آمنوا بأنهم لا يؤمنون أبداً، وذلك تكليف ما لا يطاق، وقرأ نافع وابن عامر ﴿ حَقَّتْ كلمات رَبَّكَ ﴾ على الجمع والباقون على الواحد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والأحزاب ﴾ الذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم وهم عاد وثمود وفرعون وغيرهم ﴿ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ ﴾ من هذه الأمم التي هي قوم نوح والأحزاب ﴿ بِرَسُولِهِمْ ﴾ وقرئ: ﴿ برسولها ﴾ ﴿ لِيَأْخُذُوهُ ﴾ ليتمكنوا منه، ومن الإيقاع به وإصابته بما أرادوا من تعذيب أو قتل.
ويقال للأسير: أخيذ ﴿ فَأَخَذَتْهُمْ ﴾ يعني أنهم قصدوا أخذه، فجعلت جزاءهم على إرادة أخذه أن أخذتهم ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ فإنكم تمرون على بلادهم ومساكنهم فتعاينو أثر ذلك.
وهذا تقرير فيه معنى التعجيب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ والَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ وناصَبُوهم بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ كَعادٍ وثَمُودَ.
﴿ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ ﴾ مِن هَؤُلاءِ.
﴿ بِرَسُولِهِمْ ﴾ وقُرِئَ «بِرَسُولِها» .
﴿ لِيَأْخُذُوهُ ﴾ لِيَتَمَكَّنُوا مِن إصابَتِهِ بِما أرادُوا مِن تَعْذِيبٍ وقَتْلٍ مِنَ الأخْذِ بِمَعْنى الأسْرِ.
﴿ وَجادَلُوا بِالباطِلِ ﴾ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ.
﴿ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ ﴾ لِيُزِيلُوهُ بِهِ.
﴿ فَأخَذْتُهُمْ ﴾ بِالإهْلاكِ جَزاءً لَهم.
﴿ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ فَإنَّكم تَمُرُّونَ عَلى دِيارِهِمْ وتَرَوْنَ أثَرَهُ.
وهو تَقْرِيرٌ فِيهِ تَعْجِيبٌ.
﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ وعِيدُهُ أوْ قَضاؤُهُ بِالعَذابِ.
﴿ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِكُفْرِهِمْ.
﴿ أنَّهم أصْحابُ النّارِ ﴾ بَدَلٌ مِن كَلِمَةِ رَبِّكَ بَدَلَ الكُلِّ أوِ الِاشْتِمالِ عَلى إرادَةِ اللَّفْظِ أوِ المَعْنى.
<div class="verse-tafsir"
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} نوحاً {والأحزاب} أي الذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم وهم عادو ثمود وقوم لوط وغيرهم {مِّن بَعْدِهِمْ} من بعد قوم نوح {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ} من هذه الأمم التي هي قوم نوح والأحزاب {بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} ليتمكنوا منه فيقتلوه والأخيذ الأسير {وجادلوا بالباطل} بالكفر {لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق} ليبطلوا به الإيمان {فَأَخَذَتْهُمْ} مظهر مكي وحفص يعني أنهم قصدوا أخذه فجعلت جزاءهم على إرادة أخذ الرسل أن أخذتهم فعاقبتهم {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} وبالياء يعقوب أي فإنكم تمرون على بلادهم
غافر (٧ - ٦)
فتعاينون أثر ذلك وهذا تقرير فيه معنى التعجيب
مِمّا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ ﴾ ..
إلَخْ، والتَّقَلُّبُ الخُرُوجُ مِن أرْضٍ إلى أُخْرى.
والمُرادُ بِالبِلادِ بِلادُ الشّامِ واليَمَنِ فَإنَّ الآيَةَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ وهم كانُوا يَتَقَلَّبُونَ بِالتِّجارَةِ في هاتِيكَ البِلادِ ولَهم رِحْلَةُ الشِّتاءِ لِلْيَمَنِ ورِحْلَةُ الصَّيْفِ لِلشّامِ، ولا بَأْسَ في إرادَةِ ما يَعُمُّ ذَلِكَ وغَيْرَهُ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ «فَلا يَغُرَّكَ» بِالإدْغامِ مَفْتُوحَ الرّاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ والفَكُّ لُغَةُ الحِجازِيِّينَ، وبَدَأ بِقَوْمِ نُوحٍ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما في البَحْرِ أوَّلُ رَسُولٍ في الأرْضِ أوْ لِأنَّهم أوَّلُ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَهم وعَتَوْا عُتُوًّا شَدِيدًا ﴿ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيْ والَّذِينَ تَحَزَّبُوا واجْتَمَعُوا عَلى مُعاداةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن قَوْمِ نُوحٍ كَعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ ﴿ بِرَسُولِهِمْ ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «بِرَسُولِها» رِعايَةَ اللَّفْظِ الأُمَّةِ ﴿ لِيَأْخُذُوهُ ﴾ لِيَتَمَكَّنُوا مِن إيقاعِ ما يُرِيدُونَ بِهِ مِن حَبْسٍ وتَعْذِيبٍ وقَتْلٍ وغَيْرِهِ، فالأخْذُ كِنايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ المَذْكُورِ، وبَعْضُهم فَسَّرَهُ بِالأسْرِ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ، وقالَ قَتادَةُ: أيْ لِيَقْتُلُوهُ ﴿ وجادَلُوا بِالباطِلِ ﴾ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ قِيلَ هو قَوْلُهم: ﴿ ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾ والأوْلى أنْ يُقالَ هو كُلُّ ما يَذْكُرُونَهُ لِنَفْيِ الرِّسالَةِ وتَحْسِينِ ما هم عَلَيْهِ، وتَفْسِيرُهُ بِالشَّيْطانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ لِيُدْحِضُوا ﴾ لِيُزِيلُوا ﴿ بِهِ ﴾ أيْ بِالباطِلِ، وقِيلَ: أيْ بِجِدالِهِمْ بِالباطِلِ ﴿ الحَقَّ ﴾ الأمْرُ الثّابِتُ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿ فَأخَذْتُهُمْ ﴾ بِالإهْلاكِ المُسْتَأْصِلِ لَهم ﴿ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ فَإنَّكم تَمُرُّونَ عَلى دِيارِهِمْ وتَرَوْنَ أثَرَهُ، وهَذا تَقْرِيرٌ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِلسّامِعِينَ مِمّا وقَعَ بِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن عَدَمِ اعْتِبارِ هَؤُلاءِ، واكْتَفى بِالكَسْرَةِ عَنْ ياءِ الإضافَةِ في عِقابٍ لِأنَّهُ فاصِلَةٌ، واخْتُلِفَ في المُسَبَّبِ عَنْهُ الأخْذُ المَذْكُورُ فَقِيلَ: مَجْمُوعُ التَّكْذِيبِ والهَمِّ بِالأخْذِ والجِدالِ بِالباطِلِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ الهَمَّ بِالأخْذِ، قالَ في الكَشْفِ: وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا ﴾ هو التَّكْذِيبُ بِعَيْنِهِ والأخْذُ يُشاكِلُ الأخْذَ وإنَّما التَّكْذِيبُ مُوجِبٌ اسْتِحْقاقَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ المُشارِ إلَيْهِ بَعْدُ، ولا يُنْكَرُ أنَّ كِلَيْهِما يَقْتَضِي كِلَيْهِما لَكِنْ لَمّا كانَ مُلاءَمَةُ الأخْذِ لِلْأخْذِ أتَمَّ والتَّكْذِيبُ لِلْعَذابِ الأُخْرَوِيِّ أظْهَرَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالأخْذِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ المُلاءَمَةِ، ثُمَّ المُجادَلَةُ العِنادِيَّةُ لَيْسَ الغَرَضُ مِنها إلّا الإيذاءَ فَهي تُؤَكِّدُ الهَمَّ مِن هَذا الوَجْهِ بَلِ التَّكْذِيبُ أيْضًا يُؤَكِّدُهُ، والغَرَضُ مِن تَمْهِيدِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يُجادِلُ ﴾ وذِكْرُ الأحْزابِ الإلْمامُ بِهَذا المَعْنى، ثُمَّ التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ -: ﴿ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ ﴾ يَدُلُّ عَلى ما اخْتارَهُ دَلالَةً بَيِّنَةً فَلا حاجَةَ إلى أنْ يَعْتَذِرَ بِأنَّهُ إنَّما اعْتَبَرَ هَذا لا ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ مِنَ المُجادَلَةِ الباطِلَةِ لِلتَّسَلِّي.
انْتَهى.
والإنْصافُ أنَّ فِيما صَنَعَهُ جارُ اللَّهِ رِعايَةَ جانِبِ المَعْنى ومُناسَبَةً لَفْظِيَّةً إلّا أنَّ الظّاهِرَ هو التَّفْرِيعُ عَلى المَجْمُوعِ كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
قوله: مَا يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ يعني: ما يخاصم في آيات الله بالتكذيب، إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ يعني: ذهابهم، ومجيئهم في أسفارهم، وتجاراتهم، فإنهم ليسوا على شَىْء من الدين.
وقال مقاتل: تَقَلُّبُهُمْ يعني: ما هم فيه من السعة في الرزق.
ثم خوّفهم ليحذروا فقال: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني: الأمم مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ، وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ يعني: أرادوا أن يقتلوه، وَجادَلُوا بِالْباطِلِ أي: بالشرك، لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ يعني: ليبطلوا به دين الحق، وهو الإسلام، والذي جاء به الرسل.
فَأَخَذْتُهُمْ أي: عاقبتهم، فَكَيْفَ كانَ عِقابِ يعني: كيف رأيت عذابي لهم.
أليس قد وجدوه حقاً.
وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ يعني: سبقت، ووجبت كَلِمَةُ رَبِّكَ، عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا بالعذاب، أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ يعني: يصيرون إليها.
قرأ نافع، وابن عامر: كلمات رَبَّكَ بلفظ الجماعة.
والباقون: كلمة ربك بلفظ الواحد.
وهي عبارة عن الجنس.
والجنس يقع على الواحد، وعلى الجماعة، وقرئ في الشاذ: إِنَّهم بالكسر على معنى الابتداء، وقراءة العامة بالنصب على معنى البناء.
<div class="verse-tafsir"
- رحمه الله-: ومِنْ مكائد الشيطان أن يَشْغَلَكَ [في الصلاة بفكر الآخرة وتدبيرِ فِعْلِ الخيرات لتمتنعَ عن فَهْمِ ما تقرأه، واعلم أَنَّ كلَّ ما أشغلك] «١» عن معاني قراءتك فهو وسواس فإنَّ حركة اللسان غيرُ مقصودة بل المقصود معانيها، انتهى من «الإحياء» .
وروي عن مجاهد «٢» : أَنَّ الله تعالى لما خلق الجَنَّةَ، وأتقن حُسْنَها قال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ثم وصف تعالى هؤلاء المفلحين: فقال: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ والخشوع التطامُنُ، وسكونُ الأعضاءِ، والوقارُ، وهذا إنَّما يظهر في الأعضاء مِمَّنْ في قلبه خوف واستكانة لأَنَّه إذا خشع قلبُه خشعت جوارِحُه، ورُوِيَ أَنَّ سبب الآية أَنَّ المسلمين كانوا يلتفتون في صلاتهم يُمْنَةً ويُسْرَةً فنزلت هذه الآيةُ، وأُمِرُوا أن يكون [بصرٍ] «٣» المُصَلِّي حِذَاءَ قِبْلَتِه أو بين يديه، وفي الحرم إلى الكعبة، واللَّغْوِ: سقط القول، وهذا يَعُمُّ جميع ما لا خيرَ فيه، ويجمع آداب الشرع، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلّم وأصحابه، أي:
يُعْرِضُونَ عن اللغو، وكأنَّ الآية فيها موادعة.
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ذهب الطبريُّ «٤» وغيره إلى: أَنَّها الزكاة المفروضة في الأموال، وهذا بَيِّنٌ، ويحتمل اللفظُ أَن يريد بالزكاة: الفضائلَ، كأنه أراد الأزكى من كل فعل كما قال تعالى: خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً [الكهف: ٨١] .
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إلى قوله: هُمُ العادُونَ يقتضي تحريمَ الزِّنا والاستمناءِ ومواقعةِ البهائم، وكُلُّ ذلك داخل في قوله: وَراءَ ذلِكَ ويريد:
وراءَ هذا الحَدِّ الذي حُدَّ، والعادي: الظالم، والأمانة والعهد يَجْمَعُ كُلَّ ما تحمَّله الإنسان من أمر دينه ودُنياه قولاً وفعلاً.
وهذا يعمُّ معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك، ورعاية ذلك حِفْظُهُ والقيام به، والأمانة أعمُّ من العهد إذ كل عهد فهو أمانة، وقرأ الجمهور:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ ﴾ أيْ: ما يُخاصِمُ فِيها بِالتَّكْذِيبِ لَها ودَفْعِها بِالباطِلِ ﴿ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وباقِي الآَيَةِ في [آَلِ عِمْرانَ: ١٩٦]؛ والمَعْنى: إنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ إلى العَذابِ كَعاقِبَةِ مَن قَبْلَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِيَقْتُلُوهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: لِيَحْبِسُوهُ ويُعَذِّبُوهُ، ويُقالُ لِلْأسِيرِ: أخِيذٌ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ الأخْفَشُ: وإنَّما قالَ: "لِيَأْخُذُوهُ" فَجُمِعَ عَلى الكُلِّ، لِأنَّ الكُلَّ مُذَكَّرٌ ومَعْناهُ مَعْنى الجَماعَةِ.
وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [الكَهْفِ: ٥٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَأخَذْتُهُمْ ﴾ أيْ: عاقَبَتْهم وأهْلَكَتْهم ﴿ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ لِعُقُوبَتِهِمُ الواقِعَةُ بِهِمْ.
﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ أيْ: مِثْلُ الَّذِي حَقَّ عَلى الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ ﴿ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ بِالعَذابِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ ﴾ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا مَن قَوْمِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ )، ﴿ أنَّهُمْ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: لِأنَّهم أوْ بِأنَّهم ﴿ أصْحابُ النّارِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ غافِرٍ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وقَدْ رُوِيَ في بَعْضِ آياتِها أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهَذا ضَعِيفٌ، والأوَّلُ أصَحُّ، وهَذِهِ الحَوامِيمُ الَّتِي رَوى أُنْسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ «أنَّها دِيباجُ القُرْآنِ،» ووَقَفَهُ الزَجّاجُ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَعْنى هَذِهِ العِبارَةِ أنَّها خَلَتْ مِنَ الأحْكامِ، وقُصِرَتْ عَلى المَواعِظِ والزَجْرِ وطُرُقِ الآخِرَةِ مَحْضًا، وأيْضًا فَهي قِصارٌ لا يَلْحَقُ لِقارِئٍ فِيها سَآمَةٌ.
ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَوى أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: « "مَن أرادَ أنْ يَرْتَعَ في رِياضٍ مُونِقَةٍ مِنَ الجَنَّةِ فَلْيَقْرَء الحَوامِيمَ"،» وهَذا نَحْوُ الكَلامِ الأوَّلِ في المَعْنى.
وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَثَلُ الحَوامِيمِ في القُرْآنِ مَثَلُ الحِبَراتِ في الثِيابِ".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ ﴿ غافِرِ الذَنْبِ وقابِلِ التَوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَوْلِ لا إلَهَ إلا هو إلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ ﴿ ما يُجادِلُ في آياتِ اللهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، وتِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها تَتَرَتَّبُ في قَوْلِهِ: [حَمْ]، ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ بِقَوْلٍ آخَرَ قالَهُ الضَحّاكُ، والكِسائِيُّ: إنَّ [حَمَ] هِجاءُ (حُمَّ) بِضَمِّ الحاءِ وشَدِّ المِيمِ المَفْتُوحَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: "حُمَّ الأمْرُ ووَقَعَ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "آلَرَ، حَمْ، ون هي حُرُوفُ "الرَحْمَنِ" مُقَطَّعَةٌ في سُوَرٍ"، وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللهُ بِحِلْمِهِ ومُلْكِهِ، «وَسَألَ أعْرابِيٌّ النَبِيَّ عن [حَمْ] ما هُوَ؟
فَقالَ: "بَدْءُ أسْماءٍ وفَواتِحُ سُوَرٍ".» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الحاءِ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو كَسْرُها عَلى الإمالَةِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ الفَتْحُ، ورُوِيَ عنهُ الوَسَطُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ اخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، ورُوِيَ عن عِيسى كَسَرُ الحاءِ عَلى الإمالَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ المِيمِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ أيْضًا حَمَ بِفَتْحِ الحاءِ وفَتْحِ المِيمِ الأخِيرَةِ في النُطْقِ، ولِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما التَحْرِيكُ لِلِالتِقاءِ مَعَ الياءِ الساكِنَةِ، والآخِرُ: حَرَكَةُ إعْرابٍ، وذَلِكَ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: اقْرَأْ حَمَ، وهَذا عَلى أنْ تُجْرى مَجْرى الأسْماءِ، والحُجَّةُ مِنهُ قَوْلُ شُرَيْحِ بْنِ أوفى العَبْسِيِّ: يُذَكِّرُنِي حامِيمَ والرُمْحُ شاجِرٌ ∗∗∗ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَقَدُّمِ؟
وقَوْلُ الكُمَيْتِ: وجَدْنا لَكم في آلِ حامِيمَ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: بِكَسْرِ المِيمِ الأخِيرَةِ، وذَلِكَ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، و[حَمْ] آيَةٌ.
و[تَنْزِيلُ] رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنَ اللهِ ﴾ وعَلى القَوْلِ بِأنَّ [حَمْ] إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ [تَنْزِيلُ]﴾ خَبَرَ ابْتِداءٍ، و[الكِتابِ]: القُرْآنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "غافِرِ" ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَكْتُوبَةِ، وإنْ أرَدْتُّ بِـ"غافِرِ" المُضِيَّ - أيْ غُفْرانَهُ في الدُنْيا وقَضاؤَهُ بِالغُفْرانِ وسَتْرَهُ عَلى المُذْنِبِينَ - فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ "غافِرِ" صِفَةً؛ لِأنَّ إضافَتَهُ إلى المَعْرِفَةِ تَكُونُ مَحْضَةً، وهَذا مُتَرَجِّحٌ جِدًّا، وإذا أرَدْتَ بِـ"غافِرِ" الِاسْتِقْبالَ أيْ غُفْرانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ - فالإضافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، و"غافِرِ" نَكِرَةٌ، فَلا يَكُونُ نَعْتًا؛ لِأنَّ المَعْرِفَةَ لا تُنْعَتُ بِالنَكِرَةِ، وفي هَذا نَظَرٌ.
وقالَ الزَجّاجُ: "غافِرِ" و"قابِلِ" صِفَتانِ، و ﴿ شَدِيدِ العِقابِ ﴾ بَدَلٌ، و"الذَنْبِ" اسْمُ الجِنْسِ، وأمّا ﴿ "التَوْبِ" ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعَوْمِ والنَوْمِ فَيَكُونُ اسْمَ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَوْبَةٍ، كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، وساعَةٍ وساعٍ.
وقَبُولُ التَوْبَةِ مِنَ الكافِرِ مَقْطُوعٌ بِهِ؛ لِإخْبارِ اللهِ تَعالى، وقَبُولِ التَوْبَةِ مِنَ العاصِي في وُجُوبِها قَوْلانِ لِأهْلِ السُنَّةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَقالَ: إنِّي قَتَلْتُ، فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟
فَقالَ: نَعَمِ، اعْمَلْ ولا تَيْأسْ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: " قابِلِ التَوْبِ ".
[وَ ﴿ شَدِيدِ العِقابِ ﴾ صِفَةٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ].
ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى هَذا الوَعِيدَ بِوَعْدٍ ثانٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ذِي الطَوْلِ ﴾ ، أيْ: ذِي التَطَوُّلِ والمَنِّ بِكُلِّ نِعْمَةٍ، فَلا خَيْرَ إلّا مِنهُ، فَتَرَتَّبَ في الآيَةِ وعِيدٌ بَيْنَ وعْدَيْنِ، وهَكَذا رَحْمَةُ اللهِ تَغْلِبُ غَضَبَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: سَمِعْتُ هَذِهِ النَزْعَةُ مِن أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهي نَحْوٌ مَن قَوْلِ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"، يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ ﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ .
وَ"الطَوْلُ": الإنْعامُ، ومِنهُ "ما حَلِيتُ بِطائِلٍ"، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن أهْلِ الإشارَةِ أنَّهُ تَعالى غافِرِ الذَنْبِ فَضْلًا، وقابِلِ التَوْبِ وعْدًا، وشَدِيدِ العِقابِ عَدْلًا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الطَوْلُ: السَعَةُ والغِنى.
ثُمَّ صَدَعَ تَعالى بِالتَوْحِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ ، وبِالبَعْثِ والحَشْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ إلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يُجادِلُ في آياتِ اللهِ ﴾ يُرِيدُ: جِدالًا باطِلًا، لِأنَّ الجِدالَ فِيها يَقَعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكِنْ في إثْباتِها وشَرْحِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَغْرُرْكَ ﴾ أنْزَلَهُ مَنزِلَةَ: "فَلا يَحْزُنْكَ ولا يَهُمَّنَّكَ" لِتَدُلَّ الآيَةُ عَلى أنَّهم يَنْبَغِي ألّا يَغْتَرُّوا بِإمْلاءِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، فالخِطابُ لَهُ والإشارَةُ إلى مَن يَقَعُ مِنهُ الِاغْتِرارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ [يَغْرُرْكَ] بِمَعْنى: تَظُنُّ أنَّ وراءَ تَقَلُّبِهِمْ وإمْهالِهِمْ خَيْرًا لَهُمْ، فَتَقُولُ: عَسى أنْ لا يُعَذَّبُوا.
وحُلَّ الفِعْلُ مِنَ الإدْغامِ لِسُكُونِ الحَرْفِ الثانِي، وحَيْثُ هُما مُتَحَرِّكانِ لا يَجُوزُ الحَلُّ، لا تَقُولُ: زِيدٌ يَغْرُرُكَ.
وتَقَلُّبُهم في البِلادِ عِبارَةٌ عن تَمَتُّعِهِمْ بِالمَساكِنِ والمَزارِعِ والأسْفارِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ثُمَّ مَثَّلَ لَهم بِمَن تَقَدَّمُهم مِنَ الأُمَمِ، أيْ: كَما حَلَّ بِأُولَئِكَ كَذَلِكَ يَنْزِلُ بِهَؤُلاءِ.
و[الأحْزابُ]: يُرِيدُ بِهِمْ عادًا وثَمُودَ أو أهْلَ مَدْيَنَ وغَيْرَهُمْ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "بِرَسُولِها"، رَدًّا عَلى "الأُمَّةِ"، وضَمِيرُ الجَماعَةِ هو عَلى مَعْنى الأُمَّةِ لا عَلى لَفْظِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَأْخُذُوهُ ﴾ مَعْناهُ: لِيُهْلِكُوهُ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأخَذْتُهُمْ ﴾ ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْقَتِيلِ: أخِيذٌ، ولِلْأسِيرِ: أخِيذٌ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "أكْذَبُ مِنَ الأخِيذِ الصَبْحانِ"، وقالَ قَتادَةُ: "لِيَأْخُذُوهُ" مَعْناهُ: لِيَقْتُلُوهُ.
و[لِيُدْحِضُوا] مَعْناهُ: لِيُزْلِقُوا ولِيُذْهِبُوا، والمَدْحَضَةُ: المَزَلَّةُ والمَزْلَقَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ تَعْجِيبٌ وتَعْظِيمٌ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ عن كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ الأمْرِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْم نُوحٍ ﴾ وما بعدها بيان لجملة ﴿ فلا يغرُرك تقلُّبهم في البلد ﴾ [غافر: 4] باعتبار التفريع الواقع عقب هاته الجمل من قوله: ﴿ فأخذتهم فكيف كانَ عِقَاب ﴾ ، فالمعنى: سبقتهم أمم بتكذيب الرسل كما كذبوك وجادلوا بالباطل رسلهم كما جادلك هؤلاء فأخذتهم فكيف رأيت عقابي إياهم كذلك مثل هؤلاء في إمهالهم إلى أن آخذهم.
والأحزاب: جمع حِزب بكسر الحاء وسكون الزاي وهو اسم للجماعة الذين هم سواء في شأن: من اعتقادٍ أو عمل أو عادةٍ.
والمراد بهم هنا الأمم الذين كانت كل أمة منهم متفقة في الدين، فكل أمة منهم حزب فيما اتفقت عليه.
وفي قوله: ﴿ مِن بَعْدِهم ﴾ إشارة إلى أن قوم نوح كانوا حزباً أيضاً فكانوا يدينون بعبادة الأصنام: يغوث، ويعوق، ونسر، وودَ، وسُواع، وكذلك كانت كل أمة من الأمم التي كذبت الرسل حزباً متفقين في الدين، فعادٌ حزب، وثمود حزب، وأصحاب الأيكة حزب، وقوم فرعون حزب.
والمعنى: أنهم جميعاً اشتركوا في تكذيب الرسل وإن تخالف بعض الأمم مع بعضها في الأديان.
وفي الجمع بين ﴿ قبلهم ﴾ و ﴿ مِن بَعْدِهِم ﴾ محسِّن الطباق في الكلام.
والهمّ: العزم.
وحقه أن يعدّى بالباء إلى المعاني لأن العزم فعل نفساني لا يتعلق إلا بالمعاني.
كقوله تعالى: ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ [التوبة: 74]، ولا يتعدّى إلى الذوات، فإذا عدّي إلى اسم ذات تعينّ تقدير معنى من المعاني التي تلابس الذات يدل عليها المقام كما في قوله تعالى: ﴿ ولقد همت به ﴾ [يوسف: 24] أي همّت بمضاجعته.
وقد يذكر بعد اسم الذات ما يدل على المعنى الذي يُهَمّ به كما في قوله هنا: ﴿ ليأخذوه ﴾ إن الهمّ بأخذه، وارتكابُ هذا الأسلوب لقصد الإجمال الذي يعقبه التفصيل، ومثله تعلق أفعال القلوب بالأسماء في ظننتك جائياً، أي ظننت مجيئك.
والأخذ يستعمل مجازاً بمعنى التصرف في الشيء بالعقاب والتعذيب والقتل ونحو ذلك من التنكيل، قال تعالى: ﴿ فأخذهم أخذة رابية ﴾ [الحاقة: 10] ويقال للأسير: أخيذ، وللقتيل: أخيذ.
واختير هذا الفعل هنا ليشمل مختلف ما هَمّت به كل أمة برسولها من قتل أو غيره كما قال تعالى: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبوتك أو يقتلوك أو يخرجوك ﴾ [الأنفال: 30].
(والمعنى: أن الأُمم السابقة من الكفرة لم يقتصروا على تكذيب الرسول بل تجاوزوا ذلك إلى غاية الأذى من الهمّ بالقتل كما حكى الله عن ثمود: ﴿ قالوا تقاسموا باللَّه لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ﴾ [النمل: 49].
وقد تآمر كفار قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة دار الندوة ليقتلوه أن يتجمع نفر من جَميع عشائرهم فيضربوه بالسيوف ضربة رجل واحد كيلا يستطيع أولياؤه من بني هاشم الأخذ بثأره، فأخذ الله الأمم عقوبة لهم على همهم برسلهم فأهلكهم واستأصلهم.
ويفهم من تفريع قوله: ﴿ فأخذتهم ﴾ على قوله: ﴿ وهَمَّتْ كُلُّ أُمة بِرَسولهم لِيَأْخُذوه ﴾ إنذارُ المشركين أن همهم بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم هو منتهى أمد الإِمهال لهم، فإذا صمّموا العزم على ذلك أخذهم الله كما أخذ الأمم المكذبة قبلهم حين همّت كل أمة برسولهم ليأخذوه فإن قريشاً لما همّوا بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم أنجاه الله منهم بالهجرة ثم أمكنه من نواصيهم يوم بدر.
والمراد ب ﴿ كُلُّ أُمَّة ﴾ كل أمة من الأحزاب المذكورين.
وضمير ﴿ وجادلوا بالباطل ﴾ عائد على ﴿ كُلُّ أُمَّة ﴾ .
والمقصود: من تعداد جرائم الأمم السابقة من تكذيب الرسل والهمّ بقتلهم والجدال بالباطل تنظير حال المشركين النازل فيهم قوله: ﴿ ما يُجَادِلُ في آيَاتتِ الله إلا الذين كَفَرُوا ﴾ [غافر: 4] بحال الأمم السابقين سواء، لينطبق الوعيد على حالهم أكمل انطباق في قوله: ﴿ فأخَذْتهُم فَكَيفَ كَانَ عِقابِ ﴾ .
والباء في قوله: ﴿ بالباطل ﴾ للملابسة، أي جادلوا ملابسين للباطل فالمجرور في موضع الحال من الضمير، أو الباء لِلآلة بتنزيل الباطل منزلة الآلة لِجدالهم فيكون الظرف لغواً متعلقاً ب ﴿ جادلوا ﴾ .
وتقييد ﴿ جادلوا ﴾ هذا بقيد كونه ﴿ بالباطل ﴾ يقتضي تقييد ما أطلق في قوله: ﴿ مَا يُجَادل في آيات الله إلاَّ الذينَ كَفَرُوا ﴾ .
والإِدحاض: إبطال الحجة، قال تعالى: ﴿ حجتهم داحضة عند ربهم ﴾ [الشورى: 16].
والمعنى: أنهم زوروا الباطل في صورة الحقّ وروّجوه بالسفسطة في صورة الحُجَّة ليبْطلوا حجج الحق وكفى بذلك تشنيعاً لكفرهم.
وفُرع على قوله: ﴿ فأخذتهم ﴾ قولُه: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ كما فُرّع قوله: ﴿ فَلا يَغررك تَقَلُّبهم في البِلاد ﴾ [غافر: 4] على جملة ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ [غافر: 4] فيجري توجيه الاستفهام هنا على نحو ما جرى من توجيه الخطاب هناك.
والأخذ هنا: الغَلب.
والاستفهام ب ﴿ كيف كانَ عقاب ﴾ مستعمل في التعجيب من حالة العقاب وذلك يقتضي أن المخاطب بالاستفهام قد شاهد ذلك الأخذ والعقاب وإنما بني ذلك على مشاهدة آثار ذلك الأخذ في مرور الكثير على ديارهم في الأسفار كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ وإنها لبسبيل مقيم ﴾ [الحجر: 76] ونحوه، وفي سماع الأخبار عن نزول العقاب بهم وتوصيفهم، فنزل جميع المخاطبين منزلة من شاهد نزول العذاب بهم، ففي هذا الاستفهام تحقيق وتثبيت لمضمون جملة ﴿ فأخذتهم ﴾ .
ويجوز أن يكون في هذا الاستفهام معنى التقرير بناء على أن المقصود بقوله: ﴿ كذَّبَت قبلهم قوم نوح ﴾ إلى قوله: ﴿ فأخذتهم ﴾ التعريض بتهديد المشركين من قريش بتنبيههم على ما حلّ بالأمم قبلهم لأنهم أمثالهم في الإِشراك والتكذيب فلذلك يكون الاستفهام عمّا حلّ بنظرائهم تقريرياً لهم بذلك.
وحذفت ياء المتكلم من ﴿ عقاب ﴾ تخفيفاً مع دلالة الكسرة عليها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما يُمارِي فِيها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: ما يَجْحَدُ بِها، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
وَفِي الفَرْقِ بَيْنَ المُجادَلَةِ والمُناظَرَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُجادَلَةَ لا تَكُونُ إلّا بَيْنَ مُبْطِلَيْنِ أوْ مُبْطِلٍ ومُحِقٍّ، والمُناظَرَةَ بَيْنَ مُحِقَّيْنِ.
الثّانِي: أنَّ المُجادَلَةَ فَتْلُ الشَّخْصِ عَنْ مَذْهَبِهِ مُحِقًّا أوْ مُبْطِلًا، والمُناظَرَةَ التَّوَصُّلُ إلى الحَقِّ في أيٍّ مِنَ الجِهَتَيْنِ كانَ.
وَقِيلَ إنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ الحارِثَ بْنَ قَيْسٍ السَّهْمِيَّ وكانَ أحَدَ المُسْتَهْزِئِينَ.
﴿ فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: إقْبالُهم وإدْبارُهم وتَقَلُّبُهم في أسْفارِهِمْ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في الدُّنْيا بِغَيْرِ عِذابٍ، قالَهُ يَحْيى.
الثّانِي: لا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في السَّعَةِ والنِّعْمَةِ قالَهُ مُقاتِلٌ وقِيلَ إنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا نَحْنُ في جَهْدٍ والكُفّارُ في السَّعَةِ، فَنَزَلَ ﴿ فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ ﴾ حَكاهُ النَّقّاشُ وفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ سالِمِينَ فَسَيُؤْخَذُونَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَحْبِسُوهُ ويُعَذِّبُوهُ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الثّانِي: لِيَقْتُلُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.
والعَرَبُ تَقُولُ: الأسِيرُ الأخِيذُ لِأنَّهُ مَأْسُورٌ لِلْقَتْلِ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ الشّاعِرِ: فَإمّا تَأْخُذُونِي تَقْتُلُونِي ومَن يَأْخُذُ فَلَيْسَ إلى خُلُودٍ وَفِي وقْتِ أخْذِهِمْ لِرَسُولِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِنْدَ دُعائِهِ لَهم.
الثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ.
﴿ وَجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ ﴾ قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: جادَلُوا الأنْبِياءَ بِالشِّرْكِ لِيُبْطِلُوا بِهِ الإيمانَ.
﴿ فَأخَذْتُهُمْ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: فَعَذَّبْتُهم.
﴿ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ في هَذا السُّؤالِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُؤالٌ عَنْ صِدْقِ العِقابِ، قالَ مُقاتِلٌ وجَدُوهُ حَقًّا.
الثّانِي: عَنْ صِفَتِهِ، قالَ قَتادَةُ: شَدِيدٌ واللَّهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ كَما حَقَّتْ عَلى أُولَئِكَ حَقَّتْ عَلى هَؤُلاءِ.
وَفي تَأْوِيلِها وجْهانِ: أحَدُهُما: وكَذَلِكَ وجَبَ عَذابُ رَبِّكَ.
الثّانِي: وكَذَلِكَ صَدَقَ وعْدُ رَبِّكَ.
﴿ أنَّهم أصْحابُ النّارِ ﴾ جَعَلَهم أصْحابَها لِأنَّهم يَلْزَمُونَها وتَلْزَمُهم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ ونزلت في الحرث بن قيس السلمي.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن جدالاً في القرآن كفر» .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مراء في القرآن كفر» .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي جهم رضي الله عنه قال: اختلف رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في آية فقال أحدهما: تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الآخر أنا تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال: «أنزل القرآن على سبعة أحرف، وإياكم والمراء فيه فإن المراء كفر» .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جدال في القرآن كفر» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا يغررك تقلبهم في البلاد ﴾ قال: إقبالهم، وإدبارهم، وتقلبهم في أسفارهم.
وفي قوله: ﴿ والأحزاب من بعدهم ﴾ قال: من بعد قوم نوح، عاد، وثمود، وتلك القرون.
كانوا أحزاباً على الكفار ﴿ وهمت كل أمة برسولهم ﴾ ليأخذوه فيقتلوه ﴿ وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا ﴾ قال: حق عليهم العذاب بأعمالهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا يغررك تقلبهم في البلاد ﴾ قال: فسادهم فيها، وكفرهم ﴿ فأخذتهم فكيف كان عقاب ﴾ قال: والله شديد العقاب.
أما قوله تعالى: ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ﴾ .
أخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أعان باطلاً ليدحض بباطله حقاً فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ والأحزاب ﴾ يراد بهم عاد وثمود وغيرهم ﴿ لِيَأْخُذُوهُ ﴾ أي ليقتلوه ﴿ لِيُدْحِضُواْ ﴾ أي ليبطلوا به الحق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب وذلك طبعاً لا اختلافاً لمعان مذكورة في "ص".
﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لتنذر ﴾ بالتاء الفوقانية على أن الضمير للروح، وقد تؤنث، أو على خطاب الرسول: يعقوب غير رويس ﴿ التلاقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل.
﴿ والذين تدعون ﴾ على الخطاب: نافع وهشام غير الرازي وابن مجاهد والنقاش وابن ذكوان ﴿ أشد منكم ﴾ ابن عامر.
الباقون ﴿ منهم ﴾ .
الوقوف: ﴿ حم ﴾ ط كوفي ﴿ العليم ﴾ ه لا ﴿ الطول ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ﴿ من بعدهم ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ فأخذتهم ﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ م لئلا يتوهم أن ما بعده صفة أصحاب النار ﴿ آمنوا ﴾ ج لحق القول المحذوف ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ وذرياتهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه وقد يوصل للعطف ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ فتكفرون ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ﴿ كفرتم ﴾ ج للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ تؤمنوا ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ رزقاً ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ ذو العرش ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ التلاق ﴾ ه لا ﴿ بارزون ﴾ ج لاحتمال الاستئناف وتعلقه بالظرف ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ كسبت ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ كاظمين ﴾ ط ﴿ يطاع ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ بشيء ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ واق ﴾ ه ﴿ فأخذهم الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه.
التفسير: ﴿ حم ﴾ اسم الله الأعظم.
وقيل: ﴿ حم ﴾ ما هو كائن أي قدّر.
وروي أن أعرابياً قال للنبي : ما حم؟
فقال: أسماء وفواتح سور.
وقد تقدم القول في حواميم في مقدمات الكتاب وفي أول "البقرة".
ومن جملة تلك التقادير أن يقال: السورة المسماة بحم.
﴿ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ﴾ وقد مر نظيره في أول "الزمر".
ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد فقال ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ﴾ قالت المعتزلة: معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بالتوبة إن كان كبيراً، أو طاعة أعظم منه ثواباً إن كان صغيراً.
وقال الأشعري: إنه قد يعفو عن الكبائر بدون التوبة لئلا يلزم التكرار بقوله ﴿ قابل التوب ﴾ وليفيد المدح المطلق ويؤيده إدخال الواو بين هذين الوصفين فقط كأنه قيل: الجامع بين المغفرة إن كانت بدون توبة وبين القبول إن كانت بتوبة فقد جمع للمذنب بين رحمتين بحسب الحالتين.
وقيل: غافر الذنب الصغير وقابل التوب عن الكبير، أو غافر الذنب بإسقاط العقاب وقابل التوب بإيجاب الثواب.
ثم إن قبول التوبة واجب على الله أم لا؟
فيه بحث أيضاً للفريقين.
فالمعتزلة أوجبوه، والأشعري يقول: إنه على سبيل التفضيل وإلا لم بتمدّح به.
والظاهر أن التوب مصدر.
وقيل: جمع توبة أي ما ذنب تاب منه العبد إلا قبل توبته.
وقد ذكر أهل الإعراب ههنا سؤالاً وهو أن غافر الذنب وقابل التوب يمكن بوجيههما بأنهما معرفتان كما سبق في ﴿ مالك يوم الدين ﴾ وهو أنهما بمعنى الماضي أو الاستمرار فيصح وقوعهما صفتين لله إلا أن قوله ﴿ شديد العقاب ﴾ لا يمكن فيه هذا الوجه لأنه في معنى شديد عقابه.
فإن قلنا إنه صفة لزم وقوع النكرة صفة للمعرفة، وإن قلنا إنه بدل لزم نبوّ ظاهر للزوم بدل واحد فيما بين صفات كثيرة.
وأجيب على تقدير أن لا يكون الكل أبدالاً بأن الألف واللام من شديد محذوف لمناسبة ما قبله مع الأمن من اللبس ومن جهالة الموصوف، أو تعمد تنكيره من بين الصفات للإبهام والدلالة على فرط الشدة.
وجوزوا أن تكون هذه النكتة سبباً لجعله بدلاً من بين سائر أخواته.
وهذا ما قاله صاحب الكشاف.
وعندي أنه لا مانع من جعل ﴿ شديد العقاب ﴾ أيضاً للاستمرار والدوام حتى يصير إضافة حقيقية.
قوله ﴿ ذي الطول ﴾ أي ذي الفضل بسبب ترك العقاب وقد مر في قوله ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ وإنما أورد هذا الوصف بعد وصفه نفسه بشدة العقاب ليعلم أن خاتمة أمره مبنية على التفضل كما أن فاتحته مبنية على الغفران وقبول التوبة وقد تقع عقوبة في الوسط أعاذنا الله منها، إلا أنه لا يبقى مؤمن في النار خالداً ببركة قوله لا إله إلا الله وهو المبدأ وسبب علمه أنه إليه المصير وهو المعاد.
وفيه أن من آمن بالمبدأ والمعاد فإن أخل في الوسط ببعض التكاليف كان مرجواً أن يغفر الله له ويقبل توبته.
ثم بين أحوال من لا يقبل هذه التقريرات ولا يخضع لها فقال ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ والجدال في آياته نسبتها إلى الشعر تارة وإلى السحر أخرى إلى غير ذلك من المطاعن وفضول الكلام.
فأما البحث عنها لاستنباط حقائقها والوقوف على دقائقها وحل مشكلاتها فنوع من الجهاد في سبيل الله، ولمكان الفرق بين هذين الجدالين قال "إن جدالاً في القرآن كفر" فنكر الجدال ليشمل أحد نوعيه فقط وهو الجدال بالباطل كما يجيء في قوله ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ﴾ ثم عقب الكلام بقوله ﴿ فلا يغررك ﴾ ليعلم أن جدالهم الصادر عن البطر والأشر والجاه والخدم لا اعتبار به وكذا ﴿ تقلبهم في البلاد ﴾ للتجارات والمكاسب فإن قريشاً كانت أصحاب أموال متجرين إلى الشام واليمن مترفين بأموالهم مستكبرين عن قبول الحق لذلك.
ثم مثل حالهم بحال الأمم السالفة الذين تحزبوا على الرسل وكادوا يقتلونهم فأهلكهم الله ودمرهم ونجى الرسل.
ثم بين بقوله ﴿ وكذلك حقت ﴾ أنهم في الآخرة أيضاً معذبون.
وقوله ﴿ أنهم أصحاب النار ﴾ بدل من ﴿ كلمة ربك ﴾ أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم في الآخرة من أصحاب النار.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ أنهم ﴾ في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل.
وقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ قريش أي كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء لأن العلة الجامعة وهي أنهم أصحاب النار واحدة في الفريقين.
ومن قرأ ﴿ كلمات ﴾ على الجمع أراد بها علم الله السابق أو معلوماته التي لا نهاية لها، أو الآيات الواردة في وعيد الكفار.
وحين بين أن الكفار بالغوا في إظهار عداوة المؤمنين حكى أن أشرف طبقات أكثر المخلوقات وهم حملة العرش، والحافون حوله يبالغون في محبتهم ونصرتهم كأنه قيل: إن كان هؤلاء الأراذل يعادونهم فلا تبال بهم ولا تقم لهم وزناً فإن الأشراف يحابونهم.
روى صاحب الكشاف أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يعرفون طرفهم.
وروي عن النبي "لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق من الملائكة فإن خلقاً من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من سبع سموات وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع وهو طائر صغير شبه العصفور" وروي أن الله أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة.
وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام، وعدد حملة العرش يوم القيامة ثمانية لقوله عز وجل { ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ أما في غير ذلك الوقت فلا يعلم به إلا الله.
أما الذين حول العرش فقيل: سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر.
وهذه الآثار كلها منقولة من كتاب الكشاف.
سؤال: ما فائدة قوله ﴿ ويؤمنون به ﴾ ولا يخفى أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون؟
أجاب في الكشاف بأن فائدته التنبيه على شرف الإيمان والترغيب فيه.
وأيضاً فيه تكذيب المجسمة فإن الأمر لو كان على زعمهم لكانت الملائكة يشاهدونه فلا يوصفون بالإيمان به لأنه لا يوصف بالإيمان إلا الغائب، فعلم أن إيمانهم كإيمان أهل الأرض والكل سواء في أن إيمانهم بطريق النظر والاستدلال.
واستحسن هذا الكلام الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير حتى ترحم عليه وقال: لو لم يكن في كتابه إلا هذه النكتة لكفى به فخراً وشرفاً.
وأنا أقول: لا نسلم أن الإيمان لا يكون إلا بالغائب وإلا لم يكن الإيمان بالنبي وقت تحديه بالقرآن.
وإن شئت فتأمل قوله ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ فلو لم يكن إيمان بالشهادة لم يكن لقوله ﴿ بالغيب ﴾ فائدة.
على أنه يحتمل أن يشاهد الرب وينكر كونه إلهاً، ويمكن أن يكون محمول الشيء محجوباً عن ذلك الشيء فمن أين يلزم تكذيب المجسمة؟
وقال بعضهم في الجواب: أراد أنهم يسبحون تسبيح تلفظ لا تسبيح دلالة.
وزعم فخر الدين أن في الآية دلالة أخرى على إبطال قول أهل التجسيم إن الإله على العرش فإنه لو كان كما زعموا وحامل الشيء حامل لكل ما على ذلك الشيء لزم أن تكون الملائكة حاملين لإله العالم حافظين له، والحافظ أولى بالإلهية من المحفوظ.
قلت: لا شك أن هذه مغالطة فإن جاز الحمل لأجل العظمة وإظهار الكبرياء على ما يزعم الخصم في المسألة كيف يلزم منه ذلك؟
وهل يزعم عاقل أن الحمار أشرف من الإنسان الراكب عليه من جهة الركوب عليه؟
وإنما ذكرت ما ذكرت لكونه وارداً على كلام الإمامين مع وفور فضلهما وبعد غورهما، لا لأني مائل في المسألة على ما يزعم الخصم إلى غير معتقدهما.
قال جار الله: وقد روعي التناسب في قوله ﴿ ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ﴾ كأنه قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم، وفيه أنهم بعد التعظيم لأمر الله يقبلون على الشفقة على خلق الله ولا سيما المؤمنين لأن الإيمان جامع لا أجمع منه يجذب السماوي إلى الأرضي، والروحاني إلى العنصري.
احتج كثير من العلماء بالآية على أفضلية الملك قالوا: لأنها تدل على أنه لا معصية للملائكة وإلا لزم بحكم "ابدأ بنفسك" أن يستغفروا أوّلاً لأنفسهم قال الله ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ ﴿ وقال نوح رب اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمناً ﴾ قلت: لا نزاع بالنسبة إليهم وإلى غير المعصومين من البشر وإنما النزاع بينهم وبين المعصومين فلا دليل في الآية، ولا يلزم من طلب الاستغفار لأحد.
لو سلم أن قوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ عام أن يكون المستغفر له عاصياً على أنه قد خص الاستغفار في قوله ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ وهذا فيه بحث يجيء.
وفي قولهم ﴿ ربنا وسعت كل شيء رحمة ﴾ ولو بإعطاء الوجود ﴿ وعلماً ﴾ وقد مر في "الأنعام" إشارة إلى أن الحمد والثناء ينبغي أن يكون مقدماً على الدعاء.
وفي لفظ ﴿ ربنا ﴾ خاصية قوية في تقديم الدعاء كما ذكرنا في آخر "آل عمران" كأن الداعي يقول: كنت نفياً صرفاً وعدماً محض فأخرجتني إلى الوجود وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعاً إليك، ولا ريب أن ذكر الله أول كل شيء بمنزلة الإكسير الأعظم للنحاس من حيث إنه يقوّي جوهر الروح ويكسبه إشراقاً وصفاء.
وفي تقديم الرحمة على العلم فائدة هي أن مطلوب الملائكة في هذا المقام هو أن يرحم المؤمنين فكأنهم قالوا: ارحم من علمت منه التوبة واتباع الدين.
قالت علماء المعتزلة: الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون، طلب مزيد الكرامة والثواب فهو بمنزلة الشفاعة، وإذا ثبت شفاعة الملائكة لأهل الطاعة فكذلك شفاعة الأنبياء ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
وقال علماء السنة: إن مراد الملائكة ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ عن الكفر ﴿ واتبعوا سبيلك ﴾ الإيمان وهذا لا ينافي كون المستغفر لهم مذنبين ومما يؤيد ما قلنا أن الاستغفار طلب المغفرة والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العذاب، أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفاراً.
قال أهل التحقيق: هذا الاستغفار من الملائكة يجري مجرى الاعتذار من قولهم { ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ أما قوله ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ فتصريح بالمطلوب بعد الرمز لأن دلالة المغفرة على الوقاية من العذاب كالضمنية.
وحين طلبوا لأجلهم إسقاط العذاب ضمناً وصريحاً طلبوا إيصال الثواب إليهم بقولهم ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ قال علماء السنة: كل أهل الإيمان موعودون بالجنة وإن كانوا من أهل الكبائر غاية ذلك أنهم يعذبون بالنار مدّة إن لم يكن عفواً وشفاعة ثم يخرجون إلى الجنة.
قال الفراء والزجاج: قوله ﴿ ومن صلح ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على الضمير في ﴿ وأدخلهم ﴾ فيكون دعاء من الملائكة بإدخال هؤلاء الأصناف الجنة تكميلاً لأنس الأولين وتتميماً لابتهاجهم وإشفاقاً على هؤلاء أيضاً.
ويجوز أن يكون عطفاً على الضمير في ﴿ وعدتهم ﴾ لأنه قال في سورة الرعد ﴿ أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ﴾ وعلى هذا لا يشمل دعاء الملائكة هؤلاء الأصناف اللهم إلا ضمناً.
قال أهل السنة: المراد بمن صلح أهل الإيمان منهم وإن كانوا ذوي كبائر.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنك أنت العزيز الحكيم ﴾ لأنه إن لم يكن غالباً على الكل لم يصح منه وقوع المطلوب كما يراد، وإن لم يكن حكيماً أمكن منه وضع الشيء في غير موضعه.
ثم قالوا ﴿ وقهم السيئات ﴾ فقيل: يعني العقوبات أو عذاب السيئات على حذف المضاف.
واعترض بأنهم قالوا مرة وقهم عذاب الجحيم فيلزم التكرار.
وأجيب بأن الأوّل دعاء للأصول وهذه لفروعهم وهم الأصناف الثلاثة، أو الأول مخصوص بعذاب النار وهذا شامل لعذاب الموقف وعذاب الحساب وعذاب السؤال، أو المراد بالسيئات العقائد الفاسدة والأعمال الضارة، وعلى هذا يكون ﴿ يومئذ ﴾ في قوله ﴿ ومن تق السيئات يومئذ ﴾ إشارة إلى الدنيا.
وقوله ﴿ فقد رحمته ﴾ يجوز أن يكون في الدنيا وفي الآخرة.
قال في الكشاف: السيئات هي الصغائر والكبائر المتوب عنها، والوقاية منها التكفير أو قبول التوبة.
ثم إنه عاد إلى شرح أحوال الكفرة المجالدين في آياته وأنهم سيعترفون يوم القيامة بما كانوا ينكرونه في الدنيا من البعث، وذلك إذا عاينوا النشأة وتذكروا النشأة الأولى فقال ﴿ إن الذين كفروا ينادون ﴾ أي يوم القيامة.
وفي الآية حذف وفيها تقديم وتأخير.
أما الحذف فالتقدير لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغنى بذكرها مرة.
وأما التقديم والتأخير فهو أن قوله ﴿ إذ تدعون ﴾ منصوب بالمقت الأول.
وفي المقت وجوه: الأول كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون، وذلك أشد من مقتكم أنفسكم اليوم في النار إذ أوقعتكم فيها باتباعكم هواهن وفيه توبيخ.
ولا ريب أن سخط الله وبغضه الشديد لا نسبة له إلى سخط غيره ولهذا أوردهم النار.
الثاني عن الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا بلسان خزنة جهنم لمقت الله وهو قريب من الأول.
الثالث قال محمد بن كعب: إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ إلى قوله ﴿ ولوموا أنفسكم ﴾ وفي هذه الحالة مقتوا أنفسهم.
فلعل المعنى.
لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض ومن لعنه إياه.
وأما قول الكفرة في الجواب ﴿ ربنا أمتنا اثنتين ﴾ أي إماتتين اثنتين ﴿ وأحييتنا ﴾ إحياءتين ﴿ اثنتين ﴾ فللعلماء في تعيين كل من الاثنتين خلاف.
أما في الكشاف فذهب إلى أن الإماتتين إحداهما خلقهم أوّلاً أمواتاً ثم نطفة ثم علقة الخ كما في الآية الأخرى ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً ﴾ ونسب هذا القول إلى ابن عباس ووجهه بأنه كقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها وليس ثم نقل من كبر إلى صغر أو بالعكس، وإنما أردت الإنشاء على هذه الصفة.
والسبب في صحته أن كلا النعتين جائز على المصنوع الواحد وللصانع أن يختار أحدهما.
قلت: ومما يؤيد قوله أنه بدأ بالإماتة وإلا كان الأظهر أن يبدأ بالإحياء.
قال: والإماتة الثانية هي التي في الدنيا والإحياءة الأولى هي التي في الدنيا، والثانية هي التي بعد البعث.
وأورد على هذا القول أنه يلزم أن لا تكون الإحياءة في القبر والإماتة فيه مذكورتين في القرآن بل تكونان منفيتين مع ورودهما في الحديث.
أجاب بعضهم بأن حياة القبر والإماتة ممنوعة لأنه لم يذكرها، والأحاديث الواردة فيها آحاد، ولأن الذي افترسه السبع لو أعيد حياً لزم نقصان شيء من السبع وليس بمحسوس، ولأن الذي مات لو تركناه ظاهراً بحيث يراه كل أحد لم يحس منه حياة وتجويز ذلك مع عدم الرؤية سفسطة وفتح لباب الجهالات.
وزيف هذا الجواب أهل الاعتبار بأن عدم ذكر الشيء لا يدل على عدمه، والأحاديث في ذلك الباب صحيحة مقبولة.
وإذا كان الإنسان جوهراً نورانياً مشرقاً مدبراً للبدن في كل طور على حد معلوم كما ورد في الشريعة الحقة زالت سائر الإشكالات، ولا يلزم قياس ما بعد الموت على ما قبله وللشرع في إخفاء هذه الأمور عن نظر المكلفين حكم ظاهرة حققناها لك مرات.
وقال بعضهم: في الجواب هذا كلام الكفار فلا يكون حجة.
وضعف بأنه لو لم يكن صادقاً لأنكر الله عليهم.
وقيل: إن مقصودهم تعديد أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة: الموتة الأولى، والحياة في القبر، والموتة الثانية، والحياة في القيامة.
فأما الحياة في الدنيا فإنها وقت ترفههم وتنعمهم فلهذا السبب لم يذكروها.
وقيل: أهملوا ذكر حياة القبر لقصر مدتها أو لأنهم لم يموتوا بعد ذلك بل يبقون أحياء في الشقاوة حتى اتصل بها حياة القيامة وكانوا من جملة المستثنين في قوله ﴿ فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ ولا يخفى أن أكثر هذه الأقوال متكلفة ولا سيما الأخير فإن قوله ﴿ الذين كفروا ﴾ عام.
ولو فرض أنه مخصوص بكفار معهودين فتخصيصهم بالحياة في القبر حتى يكونوا من المستثنين بعيد جداً.
وقد يدور في الخلد أن هذا النداء يحتمل أن يكون في القبر، وعلى هذا لا يبقى إشكال لأن الإماتة والإحياء التي بعد ذلك تخرج من غير تكلف وثبت سؤال القبر كما جاء في الحديث والله أعلم بمراده.
وقوله ﴿ فهل إلى خروج من سبيل ﴾ أي إلى نوع من الخروج والرد من القبر إلى الدنيا خروج سريع أو بطيء من سبيل قط أم اليأس الكلي واقع، وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط.
وكان الجواب الصريح أن يقال: لا أو نعم إلا أنه رمز إلى عدم الخروج بقوله ﴿ ذلكم ﴾ أي ذلكم اليأس وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم في وقت التمكن من التوحيد أو ان التكليف ﴿ فالحكم لله العلي الكبير ﴾ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي وكما يناسب عظمته وكبرياءه.
قيل: إن تحكيم الحرورية وهو قولهم "لا حكم إلا لله" مأخوذ من هذه الآية.
ثم أراد أن يذكر طرفاً من دلائل وحدانيته وكماله فقال ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ من الريح والسحاب والرعد والبرق ﴿ وينزل لكم من السماء ﴾ ماء هو سبب الرزق ﴿ وما يتذكر إلا من ينيب ﴾ أي ما يعتبر إلا الذي أناب إلى الله وأعرض عن الشرك لينفتح عليه أبواب الأنوار والمكاشفات.
ثم قال للمنيبين ﴿ فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ﴾ قال جار الله: قوله ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح ﴾ ثلاثة أخبار لقوله هو مترتبة على الأول وهو قوله ﴿ الذي يريكم ﴾ أو أخبار مبتدأ محذوف وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً أوسطها معرفة.
ثم إن الرفيع إما أن يكون بمعنى الرافع أو بمعنى المرتفع، وعلى الأول فإما أن يراد رافع درجات الخلق في العلم والأخلاق الفاضلة كما قال ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ﴾ وكذا في الرزق والأجل بل جعل للملائكة مقامات معينة وللأجسام البسيطة العلوية والسفلية درجات معينة كما يشهد به علم الهيئة، وقد أشرنا إلى ذلك في أثناء هذا الكتاب.
أو يراد رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة.
وأما على الثاني فلا ريب أنه أشرف الموجودات وأجلها رتبة من جهة استغنائه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه في الوجود وفي توابع الوجود.
واعلم أن كمال كبرياء الله لا يصل إليه عقول البشر فالطريق في تعريفه أن يؤيد المعقول بنحو من المحسوس، فلهذا عقب الله هذه الصفة بصفتين أخريين، وذلك أن ما سوى الله إما جسمانيات وإما روحانيات.
أما الجسمانيات فأعظمها العرش فأشار بقوله ﴿ ذو العرش ﴾ إلى استيلائه على كلية عالم الأجسام، وأما الروحانيات فأشار إلى كونها تحت تسخيره بقوله ﴿ يلقي الروح ﴾ أي الوحي ﴿ من أمره ﴾ أي من عالم أمره ﴿ على من يشاء من عباده ﴾ وقد مر نظيره في الآية في أول سورة النحل.
وقيل من أمره حال ثم بين الغرض من الإلقاء بقوله ﴿ لينذر يوم التلاق ﴾ ووجه التسمية ظاهر لتلاقي الأجساد والأرواح فيه، أو لتلاقي أهل السماء والأرض كما قال عز من قائل ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً ﴾ ولأن كل واحد يلاقي جزاء عمله.
وقال ميمون بن مهران: يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم، فربما ظلم رجل رجلاً وانفصل عنه ولم يمكن التلاقي أو استضعف المظلوم ففي يوم القيامة لا بد أن يتلاقيا.
وقوله ﴿ يوم هم بارزون ﴾ بدل من الأول.
ومعنى البروز ما مر في آخر سورة إبراهيم في قوله ﴿ وبرزوا لله الواحد القهار ﴾ وقوله ﴿ لا يخفى على الله منهم شيء ﴾ تأكيد لذلك وهذا، وإن كان عاماً في جميع الأحوال وشاملاً للدنيا والآخرة إلا أنه خصص بالآخرة لأنهم في الدنيا كانوا يظنون أن بعض الأعمال تخفى على الله عند الاستتار بالحجب كما قال ﴿ ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون ﴾ فهو نظير قوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ ثم أكد تفرّده في ذلك اليوم بالحكم والقضاء بقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ ولا ريب أن الكلام مشتمل على جواب وسؤال وليس في لفظ الآية ما يدل على تعيين السائل ولا المجيب.
فقال جم من المفسرين ومن أرباب القلوب: إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض يقول الرب : لمن الملك اليوم؟
فلا يجيبه أحد.
فهو يجيب عن نفسه فيقول: لله الواحد القهار.
وأما الذين ألغوا صرف المعقول من أهل الأصول فقد أنكروا هذا القول إنكاراً شديداً لأنه بين أن هذا النداء في يوم التلاقي والبروز يوم تجزى كل نفس بما كسبت، وكل هذا ينافي في كون الخلق هالكين وقتئذ، ولأن التكلم من غير سامع ولا مجيب عبث إلا أن يكون هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء لكن المفروض فناء كل المخلوقين، فأما أن يكون حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به وذلك أن ينادي مناد فيقول: لمن الملك اليوم؟
فيجيبه أهل المحشر لله الواحد القهار، يقوله المؤمن تلذذاً والكافر هواناً وتحسراً على أن فاتتهم هذه المعرفة في الدنيا فإن الملك كان له من الأزل إلى الأبد.
وفائدة تخصيص هذا النداء يوم القيامة كما عرفت في ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يحكى أن نصر بن أحمد لما دخل نيسابور وضع التاج على رأسه ودخل عليه الناس فخطر بباله شيء فقال: هل فيكم من يقرأ آية؟
فقرأ رجل روّاس ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش ﴾ فلما بلغ قوله ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ نزل الأمير عن سريره ورفع التاج عن رأسه وسجد لله وقال: لك الملك لا لي.
فلما توفي الروّاس رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟
فقال: غفر لي وقال لي إنك عظمت ملكي في عين عبدي فلان يوم قرأت تلك الآية فغفرت لك وله.
ومما يدل على تفرده قوله ﴿ لله الواحد القهار ﴾ فإن كل واحد من الأسماء الثلاثة ينبىء عن غاية الجلال والعظمة كما مر مراراً، وباقي الآية أيضاً مما سلف تفسيره مرات.
ثم وصف يوم القيامة بأنواع أخر من الصفات الهائلة فقال ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ وهي فاعلة من أزف الأمر أزوفاً إذا دنا، ولا ريب أن القيامة قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن كل ما هو كائن فهو قريب.
قال جار الله: يجوز أن يريد بيوم الآزفة وقت لحظة الآزفة وهي مشارفتهم دخول النار فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارّها فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا.
وقال أبو مسلم: يوم الآزفة يوم المنية وحضور الأجل لأنه ذكر يوم القيامة في قوله ﴿ يوم التلاق يوم هم بارزون ﴾ فناسب أن يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم، ولأنه وصف يوم الموت بنحو هذه الصفة في مواضع أخر قال ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم ﴾ ﴿ كلا إذا بلغت التراقي ﴾ ولا ريب أن الرجل عند معاينة أمارات الموت يعظم خوفه، فلو جعلنا كون القلوب لدى الحناجر كناية عن شدّة الخوف جاز، ولو حملناه على ظاهره فلا بأس.
وقوله ﴿ كاظمين ﴾ أي مكروبين.
والكاظم الساكت حال امتلائه غماً وغيظاً قال عز من قائل ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ وانتصابه على أنه حال عن أصحاب القلوب كأنه قيل: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها، أو عن القلوب.
وجمع جمع السلامة بناء على أن الكظم من أفعال العقلاء كقوله ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ أو عن ضمير المفعول في ﴿ وأنذرهم ﴾ أي وأنذرهم مقدّرين أو مشارفين الكظم فيكون حالاً مقدّرة.
وفي قوله ﴿ ما للظالمين من حميم ولا شفيع ﴾ بحث بين الأشاعرة والمعتزلة حيث حمله الأوّلون على أهل الشرك، والآخرون على معنى أعم حتى يشمل أصحاب الكبائر.
وقد مرّ مراراً ولا سيما في قوله ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ ومعنى قوله ﴿ يطاع ﴾ يجاب أي لا شفاعة ولا إجابة كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** وذلك أنه لا يشفع أحد في ذلك اليوم إلا بإذن الله، فإن أذن له أجيب وإلا فلا يوجد شيء من الأمرين.
والفائدة في ذكر هذه الصفة أن يعلم أن الغرض من الشفيع منتفٍ في حقهم وإن فرض شفيع على ما يزعم أهل الشرك من أن الأصنام يشفعون لهم.
وقوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ خبر آخر لقوله ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ إلا أنه فصل بالتعليل وهو قوله ﴿ لينذر ﴾ وذكر وصف القيامة استطراداً، قال جار الله: هي صفة للنظرة أو مصدر بمعنى الخيانة كالعافية، والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب.
قال: ولا يحسن أن تكون الخائنة صفة للأعين مضافة إليها نحو "جرد قطيفة" أي يعلم العين الخائنة لأن قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ لا يساعد عليه.
قلت: يعني أن عطف العرض على الجوهر والمعنى على العين غير مناسب.
وقيل: هي قول الإنسان رأيت ولم ير وما رأيت ورأى.
ومضمرات الصدور أي القلوب فيها لأنها فيها.
قيل: هي ما يستره الإنسان من أمانة وخيانة.
وقيل: الوسوسة.
وقال ابن عباس: ما تخفي الصدور بعد النظر إليها أيزني بها أم لا.
أقول: والحاصل أنه أراد أن يصف نفسه بكمال العلم فإن المجازاة تتوقف على ذلك.
ففي قوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ إشارة إلى أنه عالم بجميع أفعال الجوارح، وفي قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ دلالة على أنه عالم بجميع أفعال القلوب.
وإذا علمت هذه الصفة وقد عرفت من الأصناف السابقة كمال قدرته واستغنائه لم يبق شك في حقيّة قضائه فلذلك قال ﴿ والله يقضى بالحق ﴾ ثم وبخهم على عبادة من لا قضاء له ولا سمع ولا بصر بقوله ﴿ والذين يدعون ﴾ الخ.
ثم وعظهم بالنظر في أحوال الأمم السالفة وقد مر نظير الآية في مواضع.
وإنما قال في هذه السورة ﴿ ذلك بأنهم كانت ﴾ وفي "التغابن" ﴿ ذلك بأنه كانت ﴾ موافقة لضمير الفصل في قوله ﴿ كانوا هم أشد ﴾ .
التأويل: الحاء والميم حرفان من وسط اسم الرحمن ومن وسط اسم محمد ففي ذلك إشارة إلى سر بينه وبين حبيبه لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿ غافر الذنب ﴾ للظالم ﴿ وقابل التوب ﴾ للمقتصد ﴿ شديد العقاب ﴾ للكافر ﴿ ذي الطول ﴾ للسابق ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ أي عن موجباتها كالرياء واتباع الهوى ﴿ لمقت الله ﴾ إياكم حين حكم عليكم بالبعد والحرمان ﴿ أكبر من مقتكم أنفسكم ﴾ لو كنتم تمقتونها في الدنيا فإنها أعدى عدوّكم.
ومقتها منعها من هواها، ولا ريب أن عذاب البعد الأبديّ أشدّ من رياضة أيام معدودة قلائل.
﴿ ذو العرش ﴾ عرش القلوب استوى عليها بجميع الصفات وهم العلماء بالله المستغرقون في بحر معرفته.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ حـمۤ ﴾ .
قال بعضهم: هو هجاء أسماء الرب جل وعلا؛ وهو قول ابن عباس، ما.
وقال بعضهم: فواتح السور كلها، وكذلك قال في سائر الحروف المقطعة.
وقال بعضهم: أصله ﴿ حـمۤ ﴾ أي: قضى، كقول الشاعر: ألست ترى أن الذي حم كائن *** أي: الذي قضى كائن، إلا أنه ذكره بالهجاء كمن ذكر زيدا بالهجاء.
وقد قلنا نحن: إن تفسير الحروف المقطعة ما ذكر على أثرها، وقد ذكرنا أقاويل الناس واختلافهم فيها في غير موضع ما أغنانا عن ذكرها في هذا الموضع، والله أعلم.
وقوله: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ .
قد ذكرنا قوله: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ ﴾ في سورة الزمر، غير أنه ذكر العزيز الحكيم وهاهنا ذكر العزيز العليم وهما واحد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ غَافِرِ ٱلذَّنبِ ﴾ ، يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ غَافِرِ ٱلذَّنبِ ﴾ أي: متجاوز الذنب، وهو في حق المؤمنين خاصة.
والثاني: ﴿ غَافِرِ ٱلذَّنبِ ﴾ أي: ساتر الذنب، وهو يحتمل للكافر والمؤمن جميعاً؛ فإنه يستر كثيراً على المؤمن والكافر جميعاً الذنب في الدنيا، ولم يفضحهما، ويتجاوز عن المؤمن خاصة في الآخرة، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ ﴾ .
يخبر أنه يقبل التوبة وإن عظمت المعصية، وجلت الذنوب وكثرت، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: التوب: جماعة التوبة.
وقوله: ﴿ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ﴾ .
أي: لمن لم يتب.
وقوله: ﴿ ذِي ٱلطَّوْلِ ﴾ .
قال أبو عوسجة: أي: ذي القدرة.
وقال القتبي: ذي التفضل، يقال: طُلْ عليَّ برحمتك، أي: تفضل.
وقيل: ذي السعة والغناء.
وقيل: ذي النعم؛ وكله قريب بعضه من بعض.
وقوله: ﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .
وحَّد نفسه، وأخبر أن مصير الخلق إليه في الآخرة فيجزيهم بأعمالهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
أي: يجادل في دفع آيات الله والطعن في آيات الله الذين كفروا بالله أو كفروا بآيات الله، وكانت مجادلتهم ما ذكر حيث قال: ﴿ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ ﴾ أي: يبطلوا به الحق، أهل الكفر هم الذين كانوا يجادلون في دفع آيات الله والطعن فيها، فأما أهل الإيمان بها كانوا يفرحون بنزولها ويزدادون بذلك إيماناً؛ كما قال : ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ﴾ وكقوله: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات، كانوا يستسلمون لها ويقبلونها، ويستقبلون لها بالتعظيم والتبجيل، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ .
معلوم أن رسول الله لا يغره تقلبهم في البلاد، لكنه ذكر الخطاب له، وأراد به غيره؛ لما يحتمل أن يظن قوم أن أهل الكفر لما كانوا فيه من التقلب في البلاد والسعة في عيشهم وأن أهل الإيمان في ضيق وشدة وخوف - أن أولئك على الحق وهؤلاء على الباطل، فجائز أن يظن ظان ما ذكرنا، فأخبر الله - عز وجل - أن الأمن والسعة، ليس بدليل على كون صاحبه على الحق، ولا الضيق والشدة بدليل على كون صاحبه على الباطل، ولكن محنة: امتحنهم مرة بالسعة والأمن، ومرة بالضيق والخوف؛ دليل ذلك: وجود الحالين جميعاً في كل فريق مع اختلاف مذاهبهم، وتضاد أقاويلهم.
ويحتمل أن يكون المراد منه أهل مكة، أي: لا يغررهم تقلبهم في البلاد وأمنهم وسعتهم بعد ما نزل بأهل الآفاق والنواحي أنهم على الحق، وأن ذلك إنما يدفع عنهم لمكانهم، وإنما يدفع ذلك عنهم، ويكونون على أمن؛ لمكان كونهم بقرب من البيت؛ لحرمته وشرفه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ .
ذكر هذا لتصبير رسوله على تكذيب قومه إياه بالباطل؛ يقول: لست أنت بأول من كذبه قومه، ولا بأول من جادله قومه بباطل، لم يزل الأمم المتقدمة يكذبون رسلهم، ويجادلونهم بالباطل؛ فصبروا على ذلك؛ فاصبر أنت على تكذيب قومك، ومجادلتهم إياك بالباطل كما صبر أولئك كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ، وهو ما ذكر في قوله - عز وجل -: ﴿ وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ ﴾ همت كل أمة برسولهم ما ذكر، لكن الله بفضله عصم رسله عما همَّ أولئك الكفرة بهم من القتل والمجادلة بالباطل، وفي ذلك آية من آيات الرسالة لهم حيث حفظهم عما هموا بهم وكادوا بلا أعوان وأنصار كانوا للرسل مع كثرة أولئك الكفرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ .
أي: كيف وجدوا عقابى، أليس وجدوه حقا على ما وعد الرسل - عليهم السلام - أنه نازل؟!
بهم أو يقول: أليس وجدوه أليماً شديداً؟
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ ما ذكر في قوله: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ...
﴾ الآية [الأحزاب: 38].
وقوله: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ ما قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ فذلك الذي حق عليهم من كلمة ربك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
كذَّب قبل هؤلاء قوم نوح، وكذبت قبلهم الأحزاب بعد قوم نوح، فكذبت عاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مَدْين، وكذَّب فرعون، وهمَّت كل أمة من الأمم برسولها لتأخذه فتقتله، وجادلوا بما عندهم من الباطل ليزيلوا به الحق، فأخذت تلك الأمم كلها، فتأمل كيف كان عقابي لهم، فقد كان عقابًا شديدًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.v2gZK"