الآية ٦١ من سورة غافر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٦١ من سورة غافر

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ٦١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦١ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦١ من سورة غافر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى ممتنا على خلقه ، بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه ويستريحون من حركات ترددهم في المعايش بالنهار ، وجعل النهار مبصرا ، أي : مضيئا ، ليتصرفوا فيه بالأسفار ، وقطع الأقطار ، والتمكن من الصناعات ، ( إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) أي : لا يقومون بشكر نعم الله عليهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (61) يقول تعالى ذكره: الله الذي لا تصلح الألوهة إلا له, ولا تنبغي العبادة لغيره, الذي صفته أنه جعل لكم أيها الناس الليل سكنا لتسكنوا فيه, فتهدءوا من التصرّف والاضطراب للمعاش, والأسباب التي كنتم تتصرفون فيها في نهاركم ( وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ) يقول: وجعل النهار مبصرا من اضطرب فيه لمعاشه, وطلب حاجاته, نعمة منه بذلك عليكم ( إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) يقول: إن إلله لمتفضل عليكم أيها الناس بما لا كفء له من الفضل ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) يقول: ولكن أكثرهم لا يشكرونه بالطاعة له, وإخلاص الألوهة والعبادة له, ولا يد تقدمت له عنده استوجب بها منه الشكر عليها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه جعل هنا بمعنى خلق ، والعرب تفرق بين جعل إذا كانت بمعنى خلق وبين جعل إذا لم تكن بمعنى خلق ، فإذا كانت بمعنى خلق فلا تعديها إلا إلى مفعول واحد ، وإذا لم تكن بمعنى خلق عدتها إلى مفعولين ، نحو قوله : إنا جعلناه قرآنا عربيا وقد مضى هذا المعنى في غير موضع .

والنهار مبصرا أي مضيئا لتبصروا فيه حوائجكم وتتصرفوا في طلب معائشكم .

إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضله وإنعامه عليهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تدبر هذه الآيات الكريمات، الدالة على سعة رحمة الله تعالى وجزيل فضله، ووجوب شكره، وكمال قدرته، وعظيم سلطانه، وسعة ملكه، وعموم خلقه لجميع الأشياء، وكمال حياته، واتصافه بالحمد على كل ما اتصف به من الصفات الكاملة، وما فعله من الأفعال الحسنة، وتمام ربوبيته، وانفراده فيها، وأن جميع التدبير في العالم العلوي والسفلي في ماضي الأوقات وحاضرها، ومستقبلها بيد الله تعالى، ليس لأحد من الأمر شىء، ولا من القدرة شيء، فينتج من ذلك، أنه تعالى المألوه المعبود وحده، الذي لا يستحق أحد من العبودية شيئًا، كما لم يستحق من الربوبية شيئًا، وينتج من ذلك، امتلاء القلوب بمعرفة الله تعالى ومحبته وخوفه ورجائه، وهذان الأمران -وهما معرفته وعبادته- هما اللذان خلق الله الخلق لأجلهما، وهما الغاية المقصودة منه تعالى لعباده، وهما الموصلان إلى كل خير وفلاح وصلاح، وسعادة دنيوية وأخروية، وهما اللذان هما أشرف عطايا الكريم لعباده، وهما أشرف اللذات على الإطلاق، وهما اللذان إن فاتا، فات كل خير، وحضر كل شر.فنسأله تعالى أن يملأ قلوبنا بمعرفته ومحبته، وأن يجعل حركاتنا الباطنة والظاهرة، خالصة لوجهه، تابعة لأمره، إنه لا يتعاظمه سؤال، ولا يحفيه نوال.فقوله تعالى: { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ } أي: لأجلكم جعل الله الليل مظلمًا، { لِتَسْكُنُوا فِيهِ } من حركاتكم، التي لو استمرت لضرت، فتأوون إلى فرشكم، ويلقي الله عليكم النوم الذي يستريح به القلب والبدن، وهو من ضروريات الآدمي لا يعيش بدونه، ويسكن أيضًا، كل حبيب إلى حبيبه، ويجتمع الفكر، وتقل الشواغل.{ و } جعل تعالى { النَّهَارَ مُبْصِرًا } منيرًا بالشمس المستمرة في الفلك، فتقومون من فرشكم إلى أشغالكم الدينية والدنيوية، هذا لذكره وقراءته، وهذا لصلاته، وهذا لطلبه العلم ودراسته، وهذا لبيعه وشرائه، وهذا لبنائه أو حدادته، أو نحوها من الصناعات، وهذا لسفره برًا وبحرًا، وهذا لفلاحته، وهذا لتصليح حيواناته.{ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ } أي: عظيم، كما يدل عليه التنكير { عَلَى النَّاسِ } حيث أنعم عليهم بهذه النعم وغيرها، وصرف عنهم النقم، وهذا يوجب عليهم، تمام شكره وذكره، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ } بسبب جهلهم وظلمهم.

{ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } الذين يقرون بنعمة ربهم، ويخضعون للّه، ويحبونه، ويصرفونها في طاعة مولاهم ورضاه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا» إسناد الإبصار إليه مجازيّ لأنه يبصر فيه «إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون» الله فلا يؤمنون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله وحده هو الذي جعل لكم الليل؛ لتسكنوا فيه، وتحققوا راحتكم، والنهار مضيئًا؛ لتُصَرِّفوا فيه أمور معاشكم.

إن الله لذو فضل عظيم على الناس، ولكن أكثرهم لا يشكرون له بالطاعة وإخلاص العبادة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - مصير الذين يستكبرون عن عبادته ، أتبع ذلك ببيان ألوان من النعم التى أنعم بها على عباده ، كنعمة السماء والأرض ، ونعمة خلق الإِنسان ورزقه من الطيبات ، ونعمة الليل والنهار .

.

فقال - تعالى - :( الله الذي جَعَلَ .

.

.

) .قوله - تعالى - : ( الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً ) بيان لنعمتى الليل والنهار اللتين أنعم بهما - سبحانه - على الناس .أى : الله - تعالى - هو وحده الذى جعل لكم - أيها الناس - الليل لتسكنوا فيه ، وتستريحوا من عناء العمل بالنهار وهيأه لهذه الاستراحة بأن جعله مظلما ساكنا .

.وجعل لكم بقدرته وفضله النهار مبصرا ، أى : جعله مضيئا مسفرا ، بحيث تبصرون فيه ما تريدون إبصاره ، من الأشياء المتنوعة .قال صاحب الكشاف : قوله ( مُبْصِراً ) هو من الإِسناد المجازى لأن الإِبصار فى الحقيقة لأهل النهار .فإن قلت : لم قرن الليل بالمفعول له ، والنهار بالحال؟

وهلا كانا حالين أو مفعولا لهما .

فيراعى حق المقابلة؟قلت : هما متقابلان من حيث المعنى ، لأن كل واحد منهما يؤدى مؤدى الآخر ، ولأنه لو قال : لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التى فى الإِسناد المجازى ، ولو قيل : ساكنا - والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة ، ألا ترى إلى قولهم : ليل ساج وساكن لا ريح فيه - لم تتميز الحقيقة من المجاز .وقوله : ( إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ ) بيان لموقف أكثر الناس من نعم الله - تعالى - عليهم .أى : إن الله - تعالى - لصاحب فضل عظيم على الناس جميعا ، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على آلائه ونعمه ، لغفلتهم وجهلهم واستيلاء الأهواء والشهوات عليهم .وقال - سبحانه - ( لَذُو فَضْلٍ ) بالتنكير للإِشعار بأنه فضل لا تحيط به عبارة أو وصف .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن القوم بالقيامة حق وصدق، وكان من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله تعالى، لا جرم كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات، ولما كان أشرف أنواع الطاعات الدعاء والتضرع، لا جرم أمر الله تعالى به في هذه الآية فقال: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ واختلف الناس في المراد بقوله: ﴿ ادعونى ﴾ فقيل إنه الأمر بالدعاء، وقيل إنه الأمر بالعبادة، بدليل أنه قال بعده ﴿ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى ﴾ ولولا أن الأمر بالدعاء أمر بمطلق العبادة لما بقي لقوله: ﴿ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى ﴾ معنى، وأيضاً الدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله: ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا  ﴾ وأجيب عنه بأن الدعاء هو اعتراف بالعبودية والذلة والمسكنة، فكأنه قيل إن تارك الدعاء إنما تركه لأجل أن يستكبر عن إظهار العبودية وأجيب عن قوله إن الدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن، بأن ترك الظاهرة لا يصار إليه إلا بدليل منفصل، فإن قيل كيف قال: ﴿ ادعونى استجب لَكُمْ ﴾ وقد يدعى كثيراً فلا يستجاب أجاب الكعبي عنه بأن قال: الدعاء إنما يصح على شرط، ومن دعا كذلك استجيب له، وذلك الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة وحكمة، ثم سأل نفسه فقال: فما هو أصلح يفعله بلا دعاء، فما الفائدة في الدعاءا وأجاب: عنه من وجهين: الأول: أن فيه الفزع والانقطاع إلى الله والثاني: أن هذا أيضاً وارد على الكل، لأنه إن علم أنه يفعله فلابد وأن يفعله، فلا فائدة في الدعاء، وإن علم أنه لا يفعله فإنه ألبتة لا يفعله، فلا فائدة في الدعاء، وكل ما يقولونه هاهنا فهو جوابنا، هذا تمام ما ذكره، وعندي فيه وجه آخر وهو أنه قال: ﴿ ادعونى استجب لَكُمْ ﴾ فكل من دعا الله وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه وأقاربه وأصدقائه وجده واجتهاده، فهو في الحقيقة ما دعا الله إلا باللسان، أما بالقلب فإنه معول في تحصيل ذلك المطلوب على غير الله، فهذا الإنسان ما دعا ربه في وقت، أما إذا دعا في وقت لا يبقى في القلب التفات إلى غير الله، فالظاهر أنه تحصل الاستجابة، إذا عرفت هذا ففيه بشارة كاملة، وهي أن انقطاع القلب بالكلية عما سوى الله لا يحصل إلا عند القرب من الموت، فإن الإنسان قاطع في ذلك الوقت بأنه لا ينفعه شيء سوى فضل الله تعالى، فعلى القانون الذي ذكرناه وجب أن يكون الدعاء في ذلك الوقت مقبولاً عند الله، ونرجو من فضل الله وإحسانه أن يوفقنا للدعاء المقرون بالإخلاص والتضرع في ذلك الوقت، واعلم أن الكلام المستقصى في الدعاء قد سبق ذكره في سورة البقرة.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخرين ﴾ أي صاغرين وهذا إحسان عظيم من الله تعالى حيث ذكر الوعيد الشديد على ترك الدعاء، فإن قيل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حكاية عن رب العزة أنه قال: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» فهذا الخبر يقتضي أن ترك الدعاء أفضل، هذه الآية تدل على أن ترك الدعاء يوجب الوعيد الشديد، فكيف الجمع بينهما؟

قلنا لا شك أن العقل اذا كان مستغرقاً في الثناء كان ذلك أفضل من الدعاء، لأن الدعاء طلب للحظ والاستغراق في معرفة جلال الله أفضل من طلب الحظ، أما إذا لم يحصل ذلك الاستغراق كان الاشتغال بالدعاء أولى، لأن الدعاء يشتمل على معرفة عزة الربوبية وذلة العبودية، ثم قال تعالى: ﴿ الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ واعلم أن تعلقه بما قبله من وجهين: الأول: كأنه تعالى قال: إني أنعمت عليك قبل طلبك لهذه النعم الجليلة العظيمة، ومن أنعم قبل السؤال بهذه النعم العالية فكيف لا ينعم بالأشياء القليلة بعد السؤال والثاني: أنه تعالى لما أمر بالدعاء، فكأنه قيل الاشتغال بالدعاء لابد وأن يكون مسبوقاً بحصول المعرفة، فما الدليل على وجود الإله القادر، وقد ذكر الله تعالى هذه الدلائل العشرة على وجوده وقدرته وحكمته، واعلم أنا بينا أن دلائل وجود الله وقدرته، إما فلكية، وإما عنصرية، أما الفلكيات فأقسام كثيرة أحدها: تعاقب الليل والنهار، و(لما) كان أكثر مصالح العالم مربوطاً بهما فذكرهما الله تعالى في هذا المقام، وبيّن أن الحكمة في خلق الليل حصول الراحة بسبب النوم والسكون، والحكمة في خلق النهار، إبصار الأشياء ليحصل مكنة التصرف فيها على الوجه الأنفع، أما أن السكون في وقت النوم سبب للراحة فبيانه من وجهين: الأول: أن الحركات توجب الإعياء من حيث إن الحركة توجب السخونة والجفاف، وذلك يوجب التألم والثاني: أن الإحساس بالأشياء إنما يمكن بإيصال الأرواح الجسمانية إلى ظاهر الحس، ثم إن تلك الأرواح تتحلل بسبب كثرة الحركات فتضعف الحواس والإحساسات، وإذا نام الإنسان عادت الأرواح الحساسة في باطن البدن وركزت وقويت وتخلصت عن الإعياء، وأيضاً الليل بارد رطب فبرودته ورطوبته يتداركان ما حصل في النهار من الحر والجفاف بسبب ما حدث من كثرة الحركات، فهذه هي المنافع المعلومة من قوله تعالى: ﴿ الله الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ وأما قوله: ﴿ والنهار مُبْصِراً ﴾ فاعلم أن الإنسان مدني بالطبع، ومعناه أنه ما لم يحصل مدينة تامة لم تنتظم مهمات الإنسان في مأكوله ومشروبه وملبسه ومنكحه، وتلك المهمات لا تحصل إلا بأعمال كثيرة، وتلك الأعمال تصرفات في أمور، وهذه التصرفات لا تكمل إلا بالضوء والنور حتى يميز الإنسان بسبب ذلك النور بين ما يوافقه وبين ما لا يوافقه، فهذا هو الحكمة في قوله: ﴿ والنهار مُبْصِراً ﴾ فإن قيل كان الواجب بحسب رعاية النظم أن يقال هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه، أو فجعل لكم الليل ساكناً ولكنه لم يقل كذلك بل قال في الليل لتسكنوا فيه، وقال في النهار مبصراً فما الفائدة فيه؟

وأيضاً فما الحكمة في تقديم ذكر الليل على ذكر النهار مع أن النهار أشرف من الليل؟

قلنا: أما الجواب عن الأول: فهو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عدمية فهو غير مقصود بالذات، أما اليقظة فأمور وجودية، وهي مقصودة بالذات، وقد بيّن الشيخ عبد القاهر النحوي في دلائل الإعجاز أن دلالة صيغة الاسم على التمام والكمال أقوى من دلالة صيغة الفعل عليهما، فهذا هو السبب في هذا الفرق، والله أعلم، وأما الجواب عن الثاني: فهو أن الظلمة طبيعة عدمية والنور طبيعة وجودية والعدم في المحدثات مقدم على الوجود، ولهذا السبب قال في أول سورة الأنعام: ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور  ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما ذكر ما في الليل والنهار من المصالح والحكم البالغة قال: ﴿ إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ والمراد أن فضل الله على الخلق كثير جداً ولكنهم لا يشكرونه، واعلم أن ترك الشكر لوجوه: أحدها: أن يعتقد الرجل أن هذه النعم ليست من الله تعالى مثل أن يعتقد أن هذه الأفلاك واجبة الوجود لذواتها وواجبة الدوران لذواتها، فحينئذٍ هذا الرجل لا يعتقد أن هذه النعم من الله.

وثانيها أن الرجل وإن اعتقد أن كل العالم حصل بتخليق الله وتكونيه إلا أن هذه النعم العظيمة، أعني نعمة تعاقب الليل والنهار لما دامت واستمرت نسيها الإنسان، فإذا ابتلي الإنسان بفقدان شيء منها عرف قدرها مثل أن يتفق لبعض الناس والعياذ بالله أن يحبسه بعض الظلمة في آبار عميقة مظلمة مدة مديدة، فحينئذٍ يعرف ذلك الإنسان قدر نعمة الهواء الصافي وقدر نعمة الضوء، ورأيت بعض الملوك كان يعذب بعض خدمه بأن أمر أقواماً حتى يمنعونه عن الاستناد إلى الجدار، وعن النوم فعظم وقع هذا التعذيب.

وثالثها: أن الرجل وإن كان عارفاً بمواقع هذه النعم إلا أنه يكون حريصاً على الدنيا محباً للمال والجاه، فإذا فاته المال الكثير والجاه العريض وقع في كفران هذه النعم العظيمة، ولما كان أكثر الخلق هالكين في أحد هذه الأودية الثلاثة التي ذكرناها، لا جرم قال تعالى: ﴿ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور  ﴾ وقول إبليس ﴿ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين  ﴾ ولما بيّن الله تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر الرحيم الحكيم قال: ﴿ ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ خالق كُلّ شَيء لاَّ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ قال صاحب الكشاف ذلكم المعلوم المميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء لا إله إلا هو أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء وأنه لا ثاني له ﴿ فأنى تُؤْفَكُونَ ﴾ والمراد فأنى تصرفون ولم تعدلون عن هذه الدلائل وتكذبون بها، ثم قال تعالى: ﴿ وكذلك يُؤْفَكُ الذين كَانُواْ بئايات الله يَجْحَدُونَ ﴾ يعني أن كل من جحد بآيات الله ولم يتأملها ولم يكن فيه همة لطلب الحق وخوف العاقبة أفك كما أفكوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مُبْصِراً ﴾ من الإسناد المجازي، لأن الإبصار في الحقيقة لأهل النهار.

فإن قلت: لم قرن الليل بالمفعول له.

والنهار بالحال؟

وهلا كانا حالين أو مفعولاً لهما فيراعي حق المقابلة؟

قلت: هما متقابلان من حيث المعنى، لأن كل واحد منهما يؤدي مؤدى الآخر، لأنه لو قيل: لتبصروا فيه، فاتت الفصاحة التي في الإسناد المجازي، ولو قيل: ساكناً- والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم: ليل ساج، وساكن لا ريح فيه- لم تتميز الحقيقة من المجاز.

فإن قلت: فهلا قيل: لمفضل، أو لمتفضل؟

قلت: لأن الغرض تنكير الفضل، وأن يجعل فضلاً لا يوازيه فضل، وذلك إنما يستوي بالإضافة.

فإن قلت: فلو قيل: ولكن أكثرهم، فلا يتكرر ذكر الناس؟

قلت: في هذا التكرير تخصيص لكفران النعمة بهم، وأنهم هم الذين يكفرون فضل الله ولا يشكرونه، كقوله: ﴿ إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ ﴾ [الزخرف: 15] ﴿ إِنَّ الإنسان لِرَبّهِ لَكَنُودٌ ﴾ [العاديات: 6] ، ﴿ إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ لِتَسْتَرِيحُوا فِيهِ بِأنْ خَلَقَهُ بارِدًا مُظْلِمًا لِيُؤَدِّيَ إلى ضَعْفِ الحَرَكاتِ وهُدُوءِ الحَواسِّ.

﴿ والنَّهارَ مُبْصِرًا ﴾ يُبْصَرُ فِيهِ أوْ بِهِ، وإسْنادُ الإبْصارِ إلَيْهِ مَجازٌ فِيهِ مُبالَغَةً ولِذَلِكَ عَدَلَ بِهِ عَنِ التَّعْلِيلِ إلى الحالِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ﴾ لا يُوازِيهِ فَضْلٌ، ولِلْإشْعارِ بِهِ لَمْ يَقُلْ لِمُفَضَّلٍ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾ لِجَهْلِهِمْ بِالمُنْعِمِ وإغْفالِهِمْ مَواقِعَ النِّعَمِ، وتَكْرِيرِ النّاسِ لِتَخْصِيصِ الكُفْرانِ بِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)

{الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا} وهو من الإسناد المجازي أي مبصراً فيه لأن الابصار في الحقيقة لاهل النهار وقرن الليل بالمفعول له والنهار بالحال ولم يكونا حالين أو مفعولاً لهما رعاية لحق للقابلة لأنهما متقابلان معنى لأن كل واحد منهما يؤدي مؤدى الآخر ولأنه لو قيل لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التي في الاسناد المجزى ولو قيل ساكناً لم تتميز الحقيقة من المجاز إذ الليل يوصف بالسكون على الحقيقة ألا ترى إلى قولهم ليل ساجٍ أي ساكن لا ريح فيه {إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس} ولم يقل لمفضل أو لمتفضل لأن المراد تنكير الفضل وأن يجعل فضلاً لا يوازيه فضل وذلك إنما يكون بالإضافة {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ} ولم يقل ولكن اكثرهم حتى لا يتكرر ذكرالناس لأن في هذا التكرير تخصيصاً لكفران النعمة بهم وأنهم هم الذين يكفرون فضل الله ولا يشكرونه كقوله ان الانسان لكفور وقوله ان الانسان لظلوم كفار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ لِتَسْتَرِيحُوا فِيهِ بِأنْ أغابَ سُبْحانَهُ فِيهِ الشَّمْسَ فَجَعَلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بارِدًا مُظْلِمًا وجَعَلَ عَزَّ وجَلَّ بَرْدَهُ سَبَبًا لِضَعْفِ القُوى المُحَرِّكَةِ وظُلْمَتَهُ سَبَبًا لِهُدُوِّ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ إلى أشْياءَ أُخْرى جَعَلَها أسْبابًا لِلسُّكُونِ والرّاحَةِ ﴿ والنَّهارَ مُبْصِرًا ﴾ يُبْصِرُ فِيهِ أوْ بِهِ فالنَّهارُ إمّا ظَرْفُ زَمانٍ لِلْإبْصارِ أوْ سَبَبٌ لَهُ.

وأيًّا ما كانَ فَإسْنادُ الإبْصارِ لَهُ بِجَعْلِهِ مُبْصِرًا إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ وأنَّهُ بَلَغَ الإبْصارُ إلى حَدٍّ سَرى في نَهارِ المُبْصِرِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ: لِتُبْصِرُوا فِيهِ عَلى طُرُزِ ما وقَعَ في قَرِينِهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ساكِنًا لِيَكُونَ فِيهِ المُبالَغَةُ المَذْكُورَةُ وتَخْرُجَ القَرِينَتانِ مَخْرَجًا واحِدًا في المُبالَغَةِ، قُلْتُ: أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ نِعْمَةَ النَّهارِ أتَمُّ وأعْظَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّيْلِ فَسَلَكَ مَسْلَكَ المُبالَغَةِ فِيها، وتُرِكَتِ الأُخْرى عَلى الظّاهِرِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ النِّعْمَتَيْنِ فَرَسا رِهانٍ فَدَلَّ عَلى فَضْلِ الأُولى بِالتَّقْدِيمِ وعَلى فَضْلِ الأُخْرى بِالمُبالَغَةِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ يُوصَفُ عَلى الحَقِيقَةِ بِالسُّكُونِ فَيُقالُ: لَيْلٌ ساكِنٌ أيْ لا رِيحَ فِيهِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السُّكُونُ بِهَذا المَعْنى حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً.

فَلَوْ قِيلَ: ساكِنًا لَمْ يَتَمَيَّزِ المُرادُ نَظَرًا إلى الإطْلاقِ وإنْ تَمَيَّزَ نَظَرًا إلى قَرِينَةِ التَّقابُلِ.

وكانَ رُجْحانُ هَذا الأُسْلُوبِ لِأنَّ الكَلامَ المُحْكَمَ الواضِحَ بِنَفْسِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ هو الأصْلُ لا سِيَّما في خِطابٍ ورَدَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ لِلْخاصَّةِ والعامَّةِ، وهم مُتَفاوِتُونَ في الفَهْمِ والدِّرايَةِ النّاقِصَةِ والتّامَّةِ، وفي الكَشْفِ لَمّا لَمْ يَكُنِ الإبْصارُ عِلَّةً غائِيَّةً في نَفْسِهِ بَلِ العِلَّةُ ابْتِغاءُ الفَضْلِ كَما ورَدَ مُصَرَّحًا بِهِ في سُورَةِ القَصَصِ بِخِلافِ السُّكُونِ والدَّعَةِ في اللَّيْلِ صَرَّحَ بِذَلِكَ في الأوَّلِ ورَمَزَ في الثّانِي مَعَ إفادَةِ نُكْتَةٍ سَرِيَّةٍ في الإسْنادِ المَجازِيِّ.

وقالَ الجَلَبِيُّ: إذا حُمِلَتِ الآيَةُ عَلى الِاحْتِباكِ، وقِيلَ: المُرادُ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْتَشِرُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ بِقَرِينَةِ الثّانِيَةِ ومِنَ الثّانِي بِقَرِينَةِ الأوَّلِ لَمْ يَحْتَجَّ إلى ما ذُكِرَ في تَعْلِيلِ تَرْكِ المُبالَغَةِ في القَرِينَةِ الأُولى، وهَذا هو المَشْهُورُ في الآيَةِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ ﴾ لا يُوازِيهِ فَضْلٌ ولِقَصْدِ الإشْعارِ بِهِ لَمْ يَقُلِ المُفَضَّلُ ﴿ عَلى النّاسِ ﴾ بَرُّهم وفاجِرُهم ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾ لِجَهْلِهِمْ بِالمُنْعِمِ وإغْفالِهِمْ مَواقِعَ النِّعَمِ، وتَكْرِيرُ النّاسِ لِتَخْصِيصِ الكُفْرانِ بِهِمْ، وذَلِكَ مِن إيقاعِهِ عَلى صَرِيحِ اسْمِهِمُ الظّاهِرِ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ مِن شَأْنِهِمْ وخاصَّتِهِمْ في الغالِبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى يعني: التوراة فيها هدى، ونور من الضلالة، وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ يعني: أعطيناهم على لسان الرسل التوراة، والإنجيل، والزبور هُدىً أي: بياناً من الضلالة.

ويقال: فيه نعت محمد  وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ يعني: عظة لذوي العقول.

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: اصبر يا محمد على أذى المشركين.

فإن وعد الله حق، وهو ظهور الإسلام على الأديان كلها، وفتح مكة.

وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ.

وهذا قبل نزول قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: 2] .

ويقال: اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أي: لذنب أمتك وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي: صل بأمر ربك بِالْعَشِيِّ أي: صلاة العصر، وَالْإِبْكارِ يعني: صلاة الغداة.

ويقال: سبح الله تعالى، واحمده بلسانك في أول النهار، وآخره.

إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ قال الكلبي ومقاتل: يعني: اليهود، والنصارى، كانوا يجادلون في الدجال.

وذلك أنهم كانوا يقولون: إن صاحبنا يبعث في آخر الزمان، وله سلطان، فيخوض البحر، وتجري معه الأنهار، ويرد علينا الملك.

فنزل: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ يعني: في الدجال.

لأن الدجال آية من آيات الله، بِغَيْرِ سُلْطانٍ أي: بغير حجة أَتاهُمْ من الله.

إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُمْ بِبالِغِيهِ أي: ما في قلوبهم إلا عظمة مَّا هُمْ بِبالِغِيهِ يعني: ما هم ببالغي ذلك الكبر الذي في قلوبهم، بأن الدجال منهم.

وقال القتبي: إِنْ في صُدُورِهِمْ إِلاَّ تكبراً على محمد  ، وطمعاً أن يغلبوه، وما هم ببالغي ذلك.

وقال الزجاج: معناه وما هم ببالغي إرادتهم، وإرادتهم دفع آيات الله.

وروى أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية قال: إن اليهود ذكروا الدجال، وعظموا أمره، فنزل: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ يعني: إن الدجال من آيات الله فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من فتنة الدجال، فإنه ليس ثم فتنة أعظم من فتنة الدجال.

إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لقول اليهود، الْبَصِيرُ يعني: العليم بأمر الدجال.

ويقال: السَّمِيعُ لدعائك، الْبَصِيرُ برد فتنة الدجال عنك.

لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ قال الكلبي ومقاتل: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أعظم من خلق الدجال.

ويقال: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أعظم من خلق الناس بعد موتهم.

يعني: أنهم يبعثون يوم القيامة، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أن الدجال خلق من خلق الله.

ويقال: لا يعلمون أن الله يبعثهم، ولا يصدقون.

وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ يعني: الكافر، والمؤمن في الثواب، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ يعني: لا يستوي الصالح، مع الطالح، قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ أي: يتعظون، ويعتبرون.

قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: تَتَذَكَّرُونَ بالتاء على وجه المخاطبة.

والباقون: بالياء يَتَذَكَّرُونَ على معنى الخبر عنهم.

وفي كلا القراءتين مَا للصلة، والزينة.

إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيها يعني: قيام الساعة آتية لا شك فيها عند المؤمنين، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ أي: لا يصدقون الله تعالى.

وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قال الكلبي معناه: وحدوني، أغفر لكم.

وقال مقاتل: معناه: وقال ربكم لأهل الإيمان، ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي أي: عن توحيدي، فلا يؤمنون بي، ولا يطيعونني.

سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ أي: صاغرين.

ويقال: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي يعني: الدعاء بعينه: أَسْتَجِبْ لَكُمْ يعني: أستجب دعاءكم.

وقال بعض المتأخرين: معناه ادعوني بلا غفلة، أستجب لكم بلا مهلة.

وقيل أيضاً: ادعوني بلا جفاء، أستجب لكم بالوفاء.

وقيل أيضاً: ادعوني بلا خطأ، أستجب لكم مع العطاء.

وروى النعمان بن بشير، عن النبي  أنه قال: «إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ، ثُمَّ قرأ: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ» قرأ ابن كثير، وعاصم، في رواية أبي بكر، وإحدى الروايتين، عن أبي عمرو: سَيَدْخُلُونَ بضم الياء، ونصب الخاء على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وتكون جهنم مفعولاً ثانياً.

والباقون: يدخلون بنصب الياء، وضم الخاء، على الإخبار عنهم بالفعل المستقبل، على معنى سوف يدخلون.

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ أي: خلق لكم الليل، لِتَسْكُنُوا فِيهِ أي: لتستقروا فيه، وتستريحوا فيه، وَالنَّهارَ مُبْصِراً أي: مضيئاً لابتغاء الرزق، والمعيشة.

ويقال: مُبْصِراً معناه: يبصر فيه، إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ يعني: على أهل مكة بتأخير العذاب عنهم.

ويقال لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أي: على جميع الناس، بخلق الليل والنهار، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ لربهم في النعمة فيوحدونه، ويطيعونه.

ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: الذي خلق هذا هو ربكم، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي: تصرفون، وتحولون.

ويقال: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي: من أين تكذبون، كَذلِكَ يُؤْفَكُ أي: هكذا يكذب.

ويقال: هكذا يحول، والَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ويقال: هكذا يؤفك الذين كانوا من قبلهم.

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً أي: بسط لكم الأرض، وجعلها موضع قراركم، وَالسَّماءَ بِناءً أي: خلق السماء فوقكم مرتفعاً، وَصَوَّرَكُمْ أي: خلقكم فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ولم يخلقكم على صورة الدَّواب، فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ أي: أحكم خلقكم، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي: الحلالات.

يقال: اللذيذات، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: الذي خلق هذه الأشياء هو ربكم، فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي: فتعالى الله رب العالمين.

ويقال: هو من البركة يعني: البركة منه.

هُوَ الْحَيُّ يعني: هو الحي الذي لا يموت، ويميت الخلائق، لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني: بالتوحيد، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني: قولوا الحمد لله رب العالمين الذي صنع لنا هذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : ولا نظرَ مع الحديث، والوَجَلُ: نحو الاشفاق والخوف، وصورة هذا الوَجِلِ إمَّا المُخَلِّطُ فينبغي أنْ يكونَ أبداً تحت خوف من أنْ يكونَ ينفذ عليه الوعيد بتخليطه، وإمَّا التَّقِيُّ أوِ التائب، فخوفه أمرَ الخاتمة وما يطلع عليه بعد الموتِ، وفي قوله تعالى: أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ: تنبيهٌ على الخاتمة، وقال الحسن: معناه الذين يفعلون ما يفعلون من البِرِّ، ويخافون أَلاَّ يُنْجِيَهُم ذلك من عذاب رَبِّهِم «٢» ، وهذه عبارة حسنة، ورُوِيَ عن الحَسَنِ أيضاً أَنَّهُ قال: المؤمن يجمع إحساناً وشفقةً، والمنافِقُ يجمع إساءَةً وأمناً «٣» .

قلت: ولهذا الخَطْبِ العظيم أطال الأولياءُ في هذه الدار حُزْنَهُمْ وأجروا على الوجنات «٤» مدامعهم.

قال ابن المبارك في «رقائقه» : أخبرنا سفيان قال: إنما الحُزْنُ على قَدْرِ البصيرة «٥» .

قال ابن المبارك: وأخبرنا مالك بن مغول عن رجل عن الحسن قال: ما عُبِدَ اللهُ بمثل طُولِ الحُزْنِ «٦» ، وقال ابن المبارك أيضاً: أخبرنا مسعر عن عبد الأعلى التَّيْمِيِّ قال:

أَنَّ مَنْ أُوتي من العلم ما لا يُبْكِيهِ لخَلِيقِ ألاَّ يكونَ أُوتِيَ عْلماً ينفعه لأَنَّ الله تعالى نعت ٣٢ أالعلماء فقال: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ/ إلى قوله: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ «٧» [الإسراء: ١٠٧- ١٠٩] انتهى.

أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿ وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ.

والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.

﴿ فاصْبِرْ ﴾ عَلى أذاهم ﴿ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.

وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ.

.

.

﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.

وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ.

وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها.

والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى ﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿ وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللهُ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ ﴾ ﴿ اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَيِّباتِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى آياتِ اللهِ تَعالى، وعِبَرٌ مَتى تَأمَّلَها العاقِلُ أدَّتْهُ إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَهارَ مُبْصِرًا ﴾ مَجازُهُ: يُبْصِرُ فِيهِ، كَما تَقُولُ: نَهارٌ صائِمٌ ولَيْلٌ قائِمٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مَخْلُوقٍ، وما يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا كالقُرْآنِ والصِفاتِ فَلَيْسَ يَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ، وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ  ﴾ مَعْناهُ: كُلُّ شَيْءٍ مَبْعُوثٌ لِتَدْمِيرِهِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُؤْفَكُونَ" بِالتاءِ، وفِرْقَةٌ: "يُؤْفِكُونَ" بِالياءِ، والمَعْنى في القِراءَةِ الأُولى: قُلْ لَهُمْ، و"تُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: تُصْرَفُونَ عَلى طَرِيقِ النَظَرِ والهُدى، وهَذا تَقْرِيرٌ بِمَعْنى التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ.

ثُمَّ قالَ لِنَبِيِّهِ  : ﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ﴾ أيْ: عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ وبِهَذِهِ الصِفَةِ صَرَفَ اللهُ تَعالى الكُفّارَ الجاحِدِينَ بِآياتِ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى طَرِيقِ الهُدى، ثُمَّ بَيَّنَ نِعْمَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في أنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا ومِهادًا لِلْعِبادِ، والسَماءَ بِناءً وسَقْفًا.

وقَرَأ الناسُ: "صُوَرَكُمْ" بِضَمِّ الصادِ، وقَرَأ أبُو رَزِينٍ بِكَسْرِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صُورَكُمْ" بِسِكُونِ الواوِ عَلى نَحْوِ بُسْرَةٍ وبُسْرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الطَيِّباتِ ﴾ يُرِيدُ: مِنَ المُسْتَلَذّاتِ طَعْمًا ولِبْسًا ومَكاسِبَ وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى جاءَ ذِكْرُ الطَيِّباتِ بِقَرِينَةِ "رَزَقَكُمْ" ونَحْوَ فَهو المُسْتَلَذُّ، ومَتى جاءَ بِقَرِينَةِ تَحْلِيلٍ أو تَحْرِيمٍ - كَما قالَ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَيِّباتِ مَن الرِزْقِ  ﴾ ، وكَما قالَ: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَيِّباتِ  ﴾ - فالطَيِّباتُ في مِثْلِ هَذا: الحَلالُ، وعَلى هَذا النَظَرِ يَخْرُجُ مَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى في الطَيِّباتِ والخَبائِثِ، وقَوْلُ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى: إنَّ الطَيِّباتِ هي المُسْتَلَذّاتُ والخَبائِثَ هي المُسْتَقْذَراتُ ضَعِيفٌ يَنْكَسِرُ بِمُسْتَلِذّاتٍ مُحَرَّمَةٍ ومُسْتَقْذَراتٍ مُحَلَّلَةٍ لا رَدَّ لَهُ في صَدْرِها، وأمّا حَيْثُ وقَعَتِ الطَيِّباتُ مَعَ الرِزْقِ فَإنَّما هي تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ فِيما يَسْتَحْسِنُهُ البَشَرُ لا سِيَّما هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي هي مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، فَإنَّما عُدِّدَتْ عَلَيْهِمُ النِعْمَةُ الَّتِي يَعْتَقِدُونَها نِعْمَةً.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون اسم الجلالة بدلاً من ﴿ ربكم ﴾ في ﴿ وَقَال ربُّكُمُ ﴾ [غافر: 60] اتبع ﴿ ربكم ﴾ بالاسم العلم ليُقضَى بذلك حقّان: حق استحقاقه أن يطاع بمتقضى الربوبية والعبودية، وحقُّ استحقاقه الطاعة لصفات كماله التي يجمعها اسم الذات.

ولذلك لم يؤت مع وصف الرب المتقدم بشيء من ذكرِ نعمِهِ ولا كمالاته اجتزاء بمقتضى حق الربوبية، وذكر مع الاسم العلَم بعض إنعامه وإفضاله ثم وُصف الاسم بالموصول وصلته إشارةً إلى بعض صفاته، وإيماءً إلى وجه الأمر بعبادته، وتكون الجملة استنئافاً بيانياً ناشئاً عن تقوية الأمر بدعائه.

ويجوز أن يكون اسم الجلالة مبتدأ والموصول صفة له ويكون الخبر قوله: ﴿ ذلكم الله رَبُّكم ﴾ [غافر: 64] ويكون جملة ﴿ إنَّ الله لَذُو فَضلٍ ﴾ معترضة، أو أن يكون اسم الجلالة مبتدأ والموصولُ خبراً.

واعتبار الجملة مستأنفة أحسن من اعتبار اسم الجلالة بدلاً لأنه أنسب بالتوقيف على سوء شكرهم، وبمقام تعداد الدلائل وأسعد بقوله: ﴿ الله الَّذِي جَعَل لكم الأرْضَ قَرَاراً ﴾ [غافر: 64]، فتكون الجملة واقعة موقع التعليل لجملة ﴿ إنَّ الذين يستَكْبِرون عن عِبَادتي سيدخلون جَهنَّم دَاخِرِين ﴾ [غافر: 60]، أي تسببوا لأنفسهم بذلك العقاب لأنهم كفروا نعمة الله إذ جعل لهم الليل والنهار.

وعلى هذه الاعتبارات كلها فقد سجلت هذه الآية على الناس تقسيمهم إلى: شاكر نعمة، وكفورها، كما سجلت عليهم الآية السابقة تقسيمهم إلى: مؤمن بوحدانية الله، وكافر بها.

وهذه الآية للتذكير بنعمة الله تعالى على الخلق كما اقتضاه لام التعليل في قوله: ﴿ أَسْتَجِبْ ﴾ واقتضاه التذييل بقوله: ﴿ إنَّ الله لَذُو فَضْللٍ على النَّاسسِ ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسسِ لا يَشْكُرون.

﴾ وأدمج في التذكير بالنعمة استدلال على انفراده تعالى بالتصرف بالخلق، والتدبير الذي هو مُلازم حقيقة الإِلهية.

وابتدئ الاستدلال بدلائل الأكوان العلوية وآثارها الواصلة إلى الأكوان السفلية، وهي مظهر النعمة بالليل والنهار فهما تكوينان عظيمان دالاّن على عظيم قدرة مُكونهما ومنظِّمهما وجاعلهما متعاقبين، فنيطت بهما أكثر مصالح هذا العالم ومصالح أهله، فمن مصالح العالم حصول التعادل بين الضياء والظلمة، والحرارةِ والبرودة لتكون الأرض لائقة بمصالح مَن عليها فتنبت الكلأ وتنضج الثمار، ومن مصالح سكان العالم سكون الإِنسان والحيوان في الليل لاسترداد النشاط العصبي الذي يُعييه عمل الحواس والجسد في النهار، فيعود النشاط إلى المجموع العصبي في الجسد كله وإلى الحواس، ولولا ظلمة الليل لكان النوم غير كامل فكانَ عود النشاط بطيئاً وواهناً ولعاد على القوة العصبية بالانحطاط والاضمحلال في أقرب وقت فلم يتمتع الإنسان بعمر طويل.

ومنها انتشار الناس والحيوان في النهار وتبيّن الذوات بالضياء، وبذلك تتم المساعي للناس في أعمالهم التي بها انتظام أمر المجتمع من المدن والبوادي، والحضر والسفر، فإن الإنسان مدني بالطبع، وكادح للعمل والاكتساب، فحاجته للضياء ضرورية ولولا الضياء لكانت تصرفات الناس مضطربة مختبطة.

وللتنويه بشأن إبصار الناس في الضياء وكثرة الفوائد الحاصلة لهم من ذلك أُسند الإِبصار إلى النهار على طريقة المجاز العقلي لقوة الملابسة بين الأفعال وزمانها، فأسند إبصار الناس إلى نفس النهار لأنه سبب بعضه وسبب كمال بعض آخر.

فأما نعمة السكون في الليل فهي نعمة واحدة هي رجوع النشاط.

وفي ذكر الليل والنهار تذكير بآية عظيمة من المخلوقات وهي الشمس التي ينشأ الليل من احتجاب أشعتها عن نصف الكرة الأرضية وينشأ النهار من انتشار شعاعها على النصف المقابل من الكرة الأرضية، ولكن لما كان المقصد الأول من هذه الآية الامتنان ذَكَر الليل والنهار دون الشمس، وقد ذكرت الشمس في آيات أخرى كان الغرض الأهمّ منها الدلالة على عظيم القدرة والوحدانية كقوله: ﴿ والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ [الأنعام: 96] ودلت مقابلةُ تعليل إيجاد الليل بعلة سكون الناس فيه، بإسناد الإِبصار إلى ذات النهار على طريقة المجاز العقلي وإنما المبصرون الناس في النهار، على احتباك إذ يفهم من كليهما أن الليل ساكن أيضاً، وأن النهار خُلق ليُبصِرَ الناسُ فيه إذ المنة بهما سواء، فهذا من بديع الإِيجاز مع ما فيه من تفنن أسلوبي الحقيقة والمجاز العقلي.

ولم يعكس فيُقَلْ: جَعل لكم الليل ساكناً والنهار لتبصروا فيه، لئلا تفوت صراحة المراد من السكون كيلاً يُتوهم أن سكون الليل هو شدة الظلام فيه كما يقال: ليل سَاج، لقلة الأصوات فيه.

وتقدم الكلام على الليل والنهار في سورة [البقرة: 164] عند قوله تعالى: ﴿ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ﴾ ، وفي مواضع أخرى.

وجملة ﴿ إنَّ الله لَذُو فَضْللٍ على النَّاسِ ﴾ اعتراض هو كالتذييل لجملة ﴿ الله الَّذِي جَعلَ لكُمُ الليَّلَ لِتَسْكنوا فِيه ﴾ لأن الفضل يشمل جعل الليل والنهار وغير ذلك من النعم، ولأن ﴿ الناس ﴾ يعمّ المخاطبين بقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ﴾ وغيرَهم من الناس.

وتنكير ﴿ فضل ﴾ للتعظيم لأن نعم الله تعالى عظيمة جليلة ولذلك قال: ﴿ لَذُو فَضْلٍ ﴾ ولم يقل: لمتفضل، ولا لَمُفْضِل، فعُدل إلى إضافة (ذو) إلى ﴿ فضل ﴾ لتأتِّي التنكير المشعر بالتعظيم.

وعدل عن نحو: له فضل، إلى ﴿ لَذُو فَضْلٍ ﴾ لما يدل عليه (ذو) من شرف ما يضاف هو إليه.

والاستدراك ب ﴿ لكن ﴾ ناشئ عن لازم ﴿ ذو فضل على الناس ﴾ لأن الشأن أن يشكر الناس ربّهم على فضله فكان أكثرهم كافراً بنعمه، وأيّ كفر للنعمة أعظم من أن يتركوا عبادة خالقهم المتفضللِ عليهم ويعبدوا ما لا يملك لهم نفعاً ولا ضراً.

وخرج ب ﴿ أكْثَر النَّاسِ ﴾ الأقلُّ وهم المؤمنون فإنهم أقل ﴿ ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ [المائدة: 100].

والعدول عن ضمير (الناس) في قوله: ﴿ ولكن أكثر النَّاسسِ لا يَشْكُرون ﴾ إلى الاسم الظاهر ليتكرر لفظ الناس عند ذكر عدم الشكر كما ذكر عند التفضل عليهم فيسجل عليهم الكفران بوجه أصرح.

وقد علمتَ مما تقدم وجه اختلاف المنفيَّات في قوله: ﴿ ولكنَّ أكثر النَّاسسِ لا يعْلَمُون ﴾ [غافر: 57] وقوله: ﴿ ولكِنَّ أكثر النَّاس لاَ يؤمنون ﴾ [غافر: 59] وقوله: ولكن أكثر الناس لا يشكرون } ، فقد أُتبع كل غرض أريد إثباته بما يناسب حال منكريه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِتَسْتَرِيحُوا فِيهِ مِن عَمَلِ النَّهارِ.

الثّانِي: لِتَكُفُّوا فِيهِ عَنْ طَلَبِ الأرْزاقِ.

الثّالِثُ: لِتُحاسِبُوا فِيهِ أنْفُسَكم عَلى ما عَمِلْتُمْ بِالنَّهارِ.

﴿ والنَّهارَ مُبْصِرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُبْصِرًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ في خَلْقِهِ.

الثّانِي: مُبْصِرًا لِمَطالِبِ الأرْزاقِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: كَذَلِكَ يُصْرَفُ، قالَهُ يَحْيى.

الثّانِي: كَذَلِكَ يُكَذَّبُ بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: كَذَلِكَ يُعْدَلُ عَنِ الحَقِّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء تلو العبادة.

ثم قرأ ﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي ﴾ قال: عن دعائي ﴿ سيدخلون جهنم داخرين ﴾ هل تدرون ما عبادة الله؟

قلنا: الله ورسوله أعلم!

قال: هو اخلاص الله مما سواه» .

وأخرج ابن مردويه والخطيب عن البراء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدعاء هو العبادة.

وقرأ ﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ قال: اعبدوني.

وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيدخلون جهنم داخرين ﴾ قال: صاغرين.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدعاء الإِستغفار» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع الله يغضب عليه» .

وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وأبو يعلى والطبراني عن معاذ رضي الله عنه قال: لن ينفع حذر من قدر، ولكن الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل.

فعليكم بالدعاء عباد الله.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فتح الله على عبد بالدعاء فليدع، فإن الله يستجيب له» .

وأخرج الحكيم الترمذي وابن عدي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يحب الملحين في الدعاء» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: نجد فيما أنزل الله تعالى في بعض الكتب، أن الله تعالى يقول: أنزل البلاء استخرج به الدعاء.

وأخرج ابن المنذر عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ قال: قال ربكم: «عبدي إنك ما دعوتني ورجوتني فإني سأغفر لك على ما كان فيك، ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة، ولو أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي» .

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أفضل العبادة الدعاء وقرأ ﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم...

﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ادعوني أستجب لكم...

﴾ .

قال: اعملوا، وابشروا، فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن كعب رضي الله عنه أنه تلا هذه الآية فقال: ما أعطي أحد من الأمم ما أعطيت هذه الأمة إلا بني الرجل المجتبى، يقال له: سل تعطه.

وأخرج البخاري في الأدب عن عائشة رضي الله عنها قالت: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي العبادة أفضل؟

فقال: دعاء المرء لنفسه» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن كعب رضي الله عنه قال: قال الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام: «قل للمؤمنين لا يستعجلوني إذا دعوني، ولا يبخلوني، أليس يعلمون أني أبغض البخيل فكيف أكون بخيلاً!

يا موسى لا تخف مني بخلاً أن تسألني عظيماً، ولا تستحي أن تسألني صغيراً.

اطلب إليَّ الدقة، واطلب إليَّ العلف لشاتك.

يا موسى أما علمت أني خلقت الخردلة فما فوقها؟

وأني لم أخلق شيئاً إلا وقد علمت أن الخلق يحتاجون إليه، فمن يسألني مسألة وهو يعلم أني قادر أعطي وأمنع، وأعطيته مسألته مع المغفرة فإن حمدني حين أعطيته وحين أمنعه أسكنته دار الحمادين، وأيما عبد لم يسألني مسألة ثم أعطيته كان أشد عليه من الحساب» وأخرج الحكيم الترمذي عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: قال عروة بن الزبير رضي الله عنه: أني لأسأل الله تعالى حوائجي في صلاتي.

حتى أسأله الملح لأهلي.

وأخرج الحكيم الترمذي عن زهرة بن معبد رضي الله عنه قال: سمعت محمد بن المنكدر رضي الله عنه يدعو يقول: اللهم قوِّ ذكري، فإن فيه منفعة لأهلي.

وأخرج أحمد في الزهد عن ثابت البناني رضي الله عنه قال: تعبد رجل سبعين سنة، فكان يقول في دعائه: رب اجزني بعملي فادخل الجنة، فمكث فيها سبعين عاماً، فلما وفت قيل له: اخرج قد استوفيت عملك.

أي شيء كان في الدنيا أوثق في نفسه، فلم يجد شيئاً أوثق في نفسه مما دعا الله سبحانه، فأقبل يقول في دعائه: رب سمعتك وأنا في الدنيا، وأنت تقيل العثرات فأقل اليوم عثرتي.

فترك في الجنة.

أما قوله تعالى: ﴿ الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ .

أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عيسى ابن مريم عليه السلام قال: يا معشر الحواريين الصلاة جامعة، فخرج الحواريون في هيئة العبادة قد تضمرت البطون، وغارت العيون، واصفرت الألوان، فسار بهم عيسى عليه السلام إلى فلاة من الأرض، فقام على رأس جرثومة، فحمد الله وأثنى عليه ثم أنشأ يتلو عليهم آيات الله وحكمته فقال: يا معشر الحواريين اسمعوا ما أقول لكم.

اني لأجد في كتاب الله المنزل الذي أنزل الله في الإِنجيل أشياء معلومة فاعملوا بها، قالوا: يا روح الله وما هي؟

قال: خلق الليل لثلاث خصال، وخلق النهار لسبع خصال، فمن مضى عليه الليل والنهار وهو في غير هذه الخصال خاصمه الليل والنهار يوم القيامة فخصماه.

خلق الليل لتسكن فيه العروق الفاترة التي أتعبتها في نهارك، وتستغفر لذنبك الذي كسبته في النهار ثم لا تعود فيه، وتقنت فيه قنوت الصابرين.

فثلث تنام، وثلث تقوم، وثلث تتضرع إلى ربك.

فهذا ما خلق له الليل، وخلق النهار لتؤدي فيه الصلاة المفروضة التي عنها تسأل وبها تُحاسَبْ وبر والديك، وأن تضرب في الأرض تبتغي المعيشة معيشة يومك، وأن تعود فيه ولياً لله تعالى كيما يتعهدكم الله برحمته، وأن تشيعوا فيه جنازة كيما تنقلبوا مغفوراً لكم، وأن تأمروا بمعروف وتنهوا عن منكر فهو ذروة الإِيمان وقوام الدين، وأن تجاهد في سبيل الله تراحموا إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام في قبته.

ومن مضى عليه الليل والنهار وهو في غير هذه الخصال خاصمه الله والنهار يوم القيامة وهو عند مليك مقتدر» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ ذكر في [يونس: 67].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا ينفع ﴾ على التذكير: نافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم ﴿ تتذكرون ﴾ بتاء الخطاب: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

﴿ ادعوني أستجب ﴾ بفتح الياء: ابن كثير.

﴿ سيدخلون ﴾ من الإدخال مجهولاً: ابن كثير ويزيد وعباس ورويس وحماد وأبو بكر غير الشموني ﴿ شيوخاً ﴾ بكسر الشين: ابن كثير وابن عامر وحمزة وعلي وهبيرة والأعشى ويحيى وحماد.

الوقوف ﴿ الأشهاد ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ يدل من الأول ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ه لا ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ والأبكار ﴾ ه ﴿ أتاهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ولا المسيء ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أستجب لكم ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ لا لئلا يوهم أن ما بعده صفة شيء وخطؤه ظاهر ﴿ إلا هو ﴾ ز لابتداء الاستفهام ورجحان الوصل لفاء التعقيب ولتمام مقصود الكلام ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ شيوخاً ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ج لأجل الفاء مع الشرط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ في آيات الله ﴾ ط لانتهاء الاستفهام وابتداء آخر ﴿ يصرفون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ الذين ﴾ بدلاً من الضمير في ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ رسلنا ﴾ قف إن لم تقف على ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ والسلاسل ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف.

وقيل: ﴿ والسلاسل ﴾ مبتدأ والعائد محذوف أي والسلاسل يجرون بها في الحميم ﴿ يسجرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تمرحون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ حق ﴾ ه ﴿ للشرط ﴾ مع الفاء ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ نقصص عليك ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ج ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ز للآية مع العطف وشدّة اتصال المعنى ﴿ تحملون ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف ولا وجه للعطف.

﴿ تنكرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والأخبار ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ بأسنا ﴾ الثاني ط ﴿ في عباده ﴾ ج لأن الفعل المعطوف عليه مضمر وهو سن ﴿ الكافرون ﴾ ه.

التفسير: هذا من تمام قصة موسى وعود إلى مقام انجر الكلام منه وذلك أنه لما قيل ﴿ فوقاه الله ﴾ وكان المؤمن من أمة موسى علم منه ومما سلف مراراً أن موسى وسائر قومه قد نجوا وغلبوا على فرعون وقومه فلا جرم صرح بذلك فقال ﴿ إنا لننصر رسلنا ﴾ الآية.

ونصرتهم في الدنيا بإظهار كلمة الحق وحصول الذكر الجميل واقتداء الناس بسيرتهم إلى مدة ما شاء الله، وقد ينصرون بعد موتهم كما أن يحيى بن زكريا لما قتل قتل به سبعون ألفاً.

وأما نصرهم في الآخرة فمن رفع الدرجات والتعظيم على رؤوس الأشهاد من الحفظة والأنبياء والمؤمنين وقد مر باقي تفسير الأشهاد في أوائل "هود".

ثم بين أن يوم القيامة لا اعتذار فيه لأهل الظلم والغواية وإن فرض اعتذار فلا يقبل وسوء الدار عذاب الآخرة.

ثم أخبر عن إعطاء موسى التوراة وإيراثها قومه بعده.

والمراد بكون الكتاب هدى أنه دليل في نفسه، وبكونه ذكرى أن يكون مذكراً للشيء المنسيّ.

وحين فرغ من قصة موسى وما تعلق بها خاطب نبيه  مسلياً له بقوله ﴿ فاصبر إن وعد الله ﴾ بالنصر وإعلاء كلمة الحق ﴿ حق ﴾ كما قص عليك من حال موسى وغيره.

ثم أمره باستغفاره لذنبه وقد سبق البحث في مثله مراراً.

والعشيّ والإبكار صلاتا العصر والفجر أو المراد الدوام.

قوله ﴿ إن الذين يجادلون ﴾ عود إلى ما انجر الكلام إليه من أول السورة إلى ههنا.

وفيه بيان السبب الباعث لكفار قريش على هذا الجدال وهو الكبر والحسد وحب الرياسة، وأن يكون الناس تحت تصرفهم وتسخيرهم لا أن يكونوا تحت تصرف غيرهم فإن النبي  لا بد أن تكون الأمة تحت أمره ونهيه وذلك تخيل فاسد لأن الغلبة لدين الإسلام ولهذا قال ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ثم أمره أن يستعيذ في دفع شرورهم بالله السميع لأقوالهم البصير بأحوالهم فيجازيهم على حسب ذلك.

ثم إنهم كانوا أكثر ما يجادلون في أمر البعث فاحتج الله  عليهم بقوله ﴿ لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ﴾ ومن قدر على الأصعب في نظر المخالف وقياسه كان على الأسهل أقدر، فظاهر أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا برهان بل لمجرد الحسد والكبر بل لا يعرفون ما البرهان وكيف طريق النظر والاستدلال ولهذا قال ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ .

ثم نبه على الفرق بين الجدال المستند على العناد والتقليد وبين الجدال المستند إلى الحجة والدليل قائلاً ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وحين بين التفاوت بين الجاهل والعالم أراد أن يبين التفاوت بين المحسن والمسيء ثم قال ﴿ قليلاً ما تتذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتقريع، وفيه أن هذا التفاوت مما يعثر عليه المكلف بأدنى تأمل لو لم يكن معانداً مصراً.

ثم صرح بوجود القيامة قائلاً ﴿ إن الساعة لآتية ﴾ أدخل اللام في الخبر بخلاف ما في "طه" لأن المخاطبين ههنا شاكون بخلاف المخاطب هناك وهو موسى، وهذه الآية كالنتيجة لما قبلها.

ومعنى ﴿ لا يؤمنون ﴾ لا يصدّقون بالبعث.

ثم إنه كان من المعلوم أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بالطاعة فلا جرم أشار إليها بقوله ﴿ وقال ربكم ادعونى أستجب لكم ﴾ أكثر المفسرين على أن الدعاء ههنا بمعنى العبادة، والاستجابة بمعنى الإنابة بقوله  ﴿ إن الذين يستكبرون عن عبادتي ﴾ والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً  ﴾ روى النعمان بن بشير أن رسول الله  قال: "الدعاء العبادة" وقرأ هذه الآية.

وجوّز آخرون أن يكون الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، ويراد بعبادتي دعائي لأن الدعاء باب من العبادة يصدّقه قول ابن عباس: أفضل العبادة الدعاء.

وقد مرّ تحقيق الدعاء في سورة البقرة في قوله ﴿ أجيب دعوة الداع إذا دعان  ﴾ وقد فسره ابن عباس بمعنى آخر قال: وحدوني أغفر لكم.

وفي الدعاء.

قال جار الله: وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد.

ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين.

وقال أهل التحقيق: كل من دعا الله وفي قلبه مثقال ذرة من المال والجاه وغير ذلك فدعاؤه لساني لا قلبي ولهذا قد لا يستجاب لأنه اعتمد على غير الله.

وفيه بشارة هي أن دعاء المؤمن وقت حلول أجله يكون مستجاباً ألبتة لانقطاع تعلقه وقتئذ عما سوى الله.

ثم إنه  ذكر نعمته على الخلائق بوجود الليل والنهار وقد مر نظير الآية مراراً ولا سيما في أواخر "يونس" وأواسط "البقرة".

وكرر ذكر الناس نعياً عليهم وتخصيصاً لكفران النعمة بهم من بين سائر المخلوقات.

وأما وجه النظم فكأنه يقول: إني أنعمت عليك بهذه النعم الجليلة قبل السؤال فكيف لا أنعم عليك بما هو أقل منه بعد السؤال؟

ففي تحريض على الدعاء.

وأيضاً الاشتغال بالدعاء مسبوق بمعرفة المدعوّ فلذلك ذكر في عدّة آيات دلائل باهرة من الآفاق والأنفس على وحدانيته واتصافه بنعوت الكمال.

قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ إلى قوله ﴿ إلا هو ﴾ قد مر في "الأنعام".

قوله ﴿ كذلك يؤفك ﴾ أي كل من جحد بآيات الله ولم يكن طالباً للحق فإنه مصروف عن الحق كما صرفوا.

قوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ كقوله { ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  ﴾ ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم  ﴾ قوله ﴿ الحمد لله ربّ العالمين ﴾ إما استئناف مدح من الله  لنفسه، وإما بتقدير القول أي فادعوه مخلصين قائلين الحمد لله.

قوله ﴿ لما جاءني البينات ﴾ شامل لأدلة العقل والنقل جميعاً.

قوله ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ متعلق بمحذوف أي ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك لتكونوا.

وأما قوله ﴿ ولتبلغوا أجلاً مسمى ﴾ فمتعلق بفعل آخر تقديره ونفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى هو الموت أو القيامة، ورجاء منكم أن تعقلوا ما في ذلك من العبر.

وحيث انجر الكلام إلى ذكر الأجل وصف نفسه بأن الإحياء والإماتة منه، ثم أشار بقوله ﴿ فإذا قضى ﴾ الخ إلى نفاذ قدرته في الكائنات من غير افتقار في شيء مّا إلى آلة وعدّة.

وأشار إلى أن الإحياء والإماتة ليسا من الأشياء التدريجية ولكنهما من الأمور الدفعية المتوقفة على أمر كن فقط، وذلك أن الحياة تحصل بتعلق النفس الناطقة بالبدن، والموت يحدث من قطع ذلك التعلق، وكل من الأمرين يحصل في آن واحد.

ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى خلق الإنسان الأوّل وهو آدم كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون  ﴾ ثم عاد إلى ذم المجادلين وذكر وعيدهم قائلا ﴿ ألم تر ﴾ الآية والكتاب القرآن.

وما أرسل به الرسل سائر الكتب.

وقوله ﴿ فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم ﴾ ليس كقول القائل: سوف أصوم أمس.

بناء على أن سوف للاستقبال وإذ للمضي، لأن "إذ" ههنا بمعنى "إذا" إلا أنه ورد على عادة أخبار الله نحو ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ ونادى  ﴾ وقال المبرد: إذ صارت زماناً قبل سوف لأن العلم وقع منهم بعد ثبوت الأغلال.

والمعنى علموا من الأغلال الذي كانوا أو عدوه من بعد أن حق بالوجود.

ومعنى ﴿ يسجرون ﴾ قال جار الله: هو من سجر التنور إذا ملأه بالوقود، ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم وهم مسجورون بها مملوءة أجوافهم منها.

والحاصل أنهم يعذبون مرة بالماء الشديد الحرارة ومرة بالنار.

وقال مقاتل: في الحميم يعني في حر النار ﴿ ثم قيل لهم ﴾ على سبيل التوبيخ ﴿ أينما كنتم ﴾ "ما" موصولة مبتدأ و "أين" خبرها.

ومعنى ﴿ ضلّوا ﴾ غابوا وضاعوا ولم يصل إلينا ما كنا نرجوه من النفع والشفاعة، وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً ﴾ يعتدّ به كما تقول: حسبت أن فلاناً شيء فإذا هو ليس بشيء أي ليس عنده خير.

ومن جوّز الكذب على الكفار لم يحتج إلى هذا التأويل وقال: إنهم أنكروا عبادة الأصنام.

ثم قال ﴿ كذلك يضل الله الكافرين ﴾ قالت الأشاعرة: أي عن الحجة والإيمان.

وقالت المعتزلة: عن طريق الجنة بالخذلان.

وقال في الكشاف: أي مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.

واعترض عليه بأنهم مقرونون بآلهتهم في النار لقوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ والجواب أن كون الجميع في النار لا ينافي غيبة أحدهما عن الآخر.

وأجاب في الكشاف باختلاف الزمان وبتفسير الضلال بعدم النفع.

﴿ ذلكم ﴾ العذاب بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح أي النشاط ﴿ بغير الحق ﴾ وهو الشرك وعبادة الصنم.

ويجوز أن يكون القول محذوفاً أي يقال لهم ادخلوا أبواب جهنم السبعة المقسومة لكل طائفة مقدّرين الخلود فيها ﴿ فبئس مثوى المتكبرين ﴾ يعني الذين مر ذكرهم في قولهم ﴿ إن في صدوركم إلاّ كبر ﴾ والمخصوص بالذم محذوف وهو مثواكم أو جهنم.

قال جار الله: إنما لم يقل "فبئس مدخل المتكبرين" حتى يكون مناسباً لقوله ﴿ ادخلوا ﴾ كقولك: زر بيت الله فنعم المزار.

لأن الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثواء.

وحين زيف طريقة المجادلين مرة بعد مرة أمر رسوله بالصبر على إيذائهم وإيحاشهم إلى إنجاز الوعد بالنصرة قال ﴿ فإما نرينّك بعض الذي نعدهم ﴾ من عذاب الدنيا فذاك ﴿ أو نتوفينك فإلينا يرجعون ﴾ هذا التقدير ذكره جار الله، وقد مر في "يونس" مثله.

وأقول: لا بأس أن يعطف قوله ﴿ أو نتوفينك ﴾ على ﴿ نرينك ﴾ ويكون الرجوع إلى الله جزاء لهما جميعاً ومعناه: إنا نجازيهم على أعمالهم يوم القيامة سواء عذبوا في الدنيا أو لم يعذبوا.

ثم سلاه بحال الأنبياء السابقة ليقتدي بهم في الصبر والتماسك فقال ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.

ذهب بعض المفسرين إلى أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً.

وقيل: ثمانية آلاف، نصف ذلك من بني إسرائيل والباقي من سائر الناس.

ولعل الأصح أن عددهم لا يعلمه إلا الله لقوله  ﴿ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله  ﴾ لكن الإيمان بالجميع واجب.

عن علي  .

بعث الله نبياً أسود لم يقص علينا قصته.

ثم إن قريشاً كانوا يقترحون آيات تعنتاً كما مر في أواخر "سبحان" وأول "الفرقان" وغيرهما فلا جرم قال الله  ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله ﴾ بعذاب الدنيا أو بالقيامة.

وقال ابن بحر: أمر الله الآية التي اقترحوها وذلك أنه يقع الاضطرار عندها ﴿ وخسر هنالك ﴾ أي في ذلك الوقت استعير المكان للزمان ﴿ المبطلون ﴾ وهم أهل الأديان الباطلة.

ثم عاد إلى نوع آخر من دلائل التوحيد قائلاً ﴿ الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا ﴾ قال جار الله: ظاهر النظم يقتضي إدخال لام الغرض في القرائن الأربع أو خلو الكل عنها فيقال: لتركبوا ولتأكلوا ولتصلوا إلى منافع ولتبلغوا.

أو يقال: منها تركبون ومنها تأكلون وتصلون وتبلغون إلا أنه ورد على ما ورد لأن الركوب قد يجب كما في الحج والغزو، وكذلك السفر من بلد إلى بلد لهجرة أو طلب علم لا أقل من الندب فصح أن يكونا غرضين.

وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا تتعلق به إرادته كثير تعلق شرعاً.

وإنما قال ﴿ على الفلك ﴾ ولم يقل " وفي الفلك" مع صحته إذ هي كالوعاء إزدواجاً لقوله ﴿ وعليها ﴾ \[المؤمنون: 22\] والحمل محمول على الظاهر.

وقيل: هو من قول العرب: حملت فلاناً على الفرس إذا وهب له فرساً.

ثم وبخهم بقوله ﴿ ويريكم آياته فأيّ آيات الله تنكرون ﴾ .

ثم حرضهم وزاد توبيخهم بقوله ﴿ أفلم يسيروا ﴾ الآية.

وقد سبق.

وقوله ﴿ فما أغنى عنهم ﴾ "ما" نافية أو استفهامية ومحلها النصب.

وقوله ﴿ ما كانوا ﴾ مصدرية أو موصولة أي كسبهم أو الذي كسبوا.

قوله ﴿ فرحوا ﴾ لا يخلو إما أن يكون الضمير عائداً إلى الكفار أو إلى الرسل.

وعلى الأول فيه وجوه منها: أنه تهكم بعلمهم الذي يزعمون كقولهم ﴿ وما أظن الساعة قائمة  ﴾ ﴿ أئذا كنا تراباً وعظاماً أئنا لفي خلق جديد  ﴾ ومنها أنه أراد بذلك شبهات الدهرية وبعض الفلاسفة كقولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر  ﴾ وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وحقروا علم الأنبياء بالنسبة إلى علمهم كما يحكى عن سقراط أنه سمع بموسى  فقيل له: لو هاجرت إليه؟

فقال: نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا.

ويروى أن جالينوس قال لعيسى  : بعثت لغيرنا.

ومنها أن يراد علمهم بظاهر المعاش كقوله ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا  ﴾ وذلك مبلغهم من العلم فرحوا به وأعرضوا عن علم الديانات.

وعلى الثاني يكون معناه أن الرسل لما رأوا جهل قومهم وسوء عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم.

ووجه آخر وهو أن يكون ضمير ﴿ فرحوا ﴾ للكفار وضمير ﴿ عندهم ﴾ للرسل أي فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك واستهزاء.

ثم بين أن إيمان البأس وهو حالة عيان العذاب أو أمارات نزول سلطان الموت غير نافع وقد مر مراراً.

ومعنى ﴿ فلم يك ينفعهم ﴾ لم يصح ولم يستقم لأن الإلجاء ينافي التكليف.

وترادف الفاءات في قوله ﴿ فما أغني ﴾ ﴿ فلما جاءتهم ﴾ ﴿ فلما رأوا ﴾ ﴿ فلم يك ﴾ لترتيب الأخبار ولتعاقب المعاني من غير تراخٍ.

وقال جار الله: فما أغنى نتيجة قوله ﴿ كانوا أكثر منهم ﴾ وقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ جار مجرى البيان والتفسير لقوله ﴿ فلما أغنى ﴾ وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ تابع لقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ كأنه قال: فكفروا كقولك: رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء.

وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ آمنوا وكذلك ﴿ فلم يك ﴾ تابع لإيمانهم بعد البأس.

قال أهل البرهان: وإنما قال ههنا ﴿ وخسر هنالك الكافرون ﴾ وفيما قبل ﴿ المبطلون ﴾ لأنه قال هناك ﴿ قضى بالحق ﴾ ونقيض الحق الباطل، وههنا ذكر أن إيمان البأس غير مجد ونقيضه الكفر والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ...

﴾ الآية.

نزلت في أهل التوحيد يقول: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ، ثم تخرج على الاستغفار مرة؛ لما كان منهم من التضييع في حقوق الله  وما أمرهم به ونهاهم عنه والتفريط في ذلك، استغفروا أغفر لكم.

ويحتمل ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ : اطلبوا مني التوبة عن ذلك أتوب عليكم، والله أعلم.

وإن كانت الآية في أهل الكفر فيكون قوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ، أي: وحدوني أغفر لكم.

ويحتمل اعبدوني أغفر لكم؛ وهو كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، وقد جاء في بعض الأخبار عن نبي الله  أنه قال: "الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ...

﴾ " ، وفي بعض الأخبار: "الدعاء مخ العبادة"، وأصل هذا: أنه ينظر كل أحد إلى ما ارتكبه، فإن كان سببا يستوجب به العقوبة كان استغفاره القيام بقضاء ما تركه وضيعه، والعزم على ألا يعود إلى ذلك أبداً، وإن كان سبباً غير معروف، تركه [و]يستغفر الله  في ذلك، ويطلب منه التجاوز والمغفرة، وأصل ذلك ما قال الله  : ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي  ﴾ .

ذكر الإجابة بالشريطة، وهو أنهم إذا آمنوا به وأوفوا عهده يعرف لهم ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ .

استدل بعض الناس بهذه الآية على أن قوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ ﴾ إنما أراد به العبادة على ما ذكرنا.

فإن قيل: إن هذه السورة نزلت بمكة، وأهل مكة كانوا يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وفي ظاهر ذلك أنهم لا يستكبرون عن عبادته، لكنهم لم يروا أنفسهم أهلا لعبادة الله فعبدوا غيره دونه، كمن يعظم ويخدم خادما من خدم ملك من ملوك الدنيا لا يكون مستكبراً عن خدمة الملك.

لكن تأويل الآية يخرج على وجهين: أحدهما: أن الله  أمر عباده بطاعة رسوله والإجابة له إلى ما يدعوهم، فإذا لم يجيبوه إلى ما يدعوهم إليه ولم يطيعوه استكبارا منهم وتكبرا عليه، صار ذلك منهم كالاستكبار عن طاعة الله وعن عبادته.

والثاني: أنهم وإن كانوا عبدوا الأصنام رجاء أن تقربهم إلى الله زلفى، ولم يقصدوا قصد الاستكبار عن عبادته فهم تركوا عبادته، مع أنهم أمروا بها وبلغ إليهم أمره على ألسن الرسل، فكأنهم استكبروا عن عبادة الله  ؛ إذ في الشاهد يخدم المرء لبعض خواص الملك ليقربه إليه: إذا أمره الملك أن يخدمه وقربه إلى مجلسه فامتنع - يقدر ذلك منه استكبارا، ويبين أن خدمته لذلك ما كان ليقربه إلى الملك؛ حيث قربه فلم يقرب، ففي الغائب كذلك؛ لذلك كان استكبارا منهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ .

قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ دَاخِرِينَ ﴾ صاغرين ذليلين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً ﴾ .

يذكرهم نعمه التي أنعم عليهم، يستأدي بذلك شكره، حيث قال: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ راحة لأنفسكم وأبدانكم، ﴿ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً ﴾ تبصرون فيه معايشكم وما تحتاجون إليه.

ثم قوله: ﴿ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً ﴾ أي: يبصر به وفيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ أخبر أن ذلك كله منه لهم فضل ومنة ورحمة لا باستحقاق يستحقون ذلك قبله ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ .

يقول: ذلك الذي صنع بكم هو ربكم لا الأصنام التي تعبدون من دونه، ﴿ خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ هو خلقكم وخلق كل شيء واحد لا شريك له، ﴿ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ أي: أنى تصرفون وتعدلون عن عبادته والقيام بشكره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ .

عن عبادته والقيام بشكره قبلكم، وأصل الإفك: الصرف؛ كقوله: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا  ﴾ أي: لتصرفنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً ﴾ .

يذكرهم عظم نعمه عليهم حيث جعل لهم الأرض بحيث يقرون عليها ويتعيشون، والسماء بناء عليهم حيث لا تسقط عليهم، وجعل منافع بعضها متصلة بمنافع البعض على بعد ما بينهما؛ ليعلم أن ذلك كله صنع واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ فَأَحْسَنَ ﴾ أي: أحكم وأتقن في الدلالة على معرفة وحدانية الله  وربوبيته، على ما أظهر في كل شيء من الدلالة على وحدانيته وربوبيته.

والثاني: قوله: ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ ﴾ ، أي: حسن تركيبها منتصباً قامتها غير منكبة كسائر الصور التي خلقها منكبة على وجهها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: أي: رزقكم من الحلال، لكن الأشبه: أي: رزقكم من أطيب ما أخرج من الأرض؛ لأن الله  أخرج من الأرض نباتاً مختلفاً جعل أطيبه وألينه رزقاً للبشر، وسائره رزقاً للدواب.

﴿ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ ﴾ .

ذلك الذي صنع بكم هذا هو ربكم، لا الأصنام التي تعبدونها.

﴿ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلْحَيُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ ٱلْحَيُّ ﴾ : الذي لا يموت أبداً، لكن هذا مما يعرفه كل أحد، وأصل الحي هو النهاية والغاية في الثناء عليه والمدح، لا كل شيء يبلغ في الانتفاع به غايته يسمى: حيّاً، نحو الأرض والأشجار وكل شيء يبلغ في الانتفاع به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .

هو المعبود في لسان العرب، ويسمى العرب كل معبود: إلهاً، كأنه يقول: لا إله ولا معبود يستحق العبادة إلا هو.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ .

أي: ادعوه بإخلاص الدين له.

ثم يحتمل قوله: ﴿ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ ﴾ وجهين: أحدهما: أي اعبدوه مخلصين له العبادة، لا تشركوا فيها غيره؛ من نحو ما كانوا يعبدون الأصنام دونه رجاء الشفاعة لهم وتقريبهم إليه، أخلصوا العبادة والدين، والإخلاص: هو التصفية له.

والثاني: ادعوه على حقيقة الدعاء له والتسمية؛ كأنه يقول - والله أعلم -: ادعوه وسموه: إلها، لا تدعوا ولا تسموا غيراً: إلها؛ لأنهم كانوا يسمون ويدعون الأصنام التي عبدوها: آلهة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

أي: ﴿ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ﴾ على خلقه بما أنعم عليهم وصنع إليهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله هو الذي صيَّر لكم الليل مظلمًا لتسكنوا فيه وتستريحوا، وصيَّر النهار مضيئًا منيرًا لتعملوا فيه، إن الله لذو فضل عظيم على الناس حين أسبغ عليهم من ظاهر نعمه وباطنها، ولكنَّ معظم الناس لا يشكرونه سبحانه على ما أنعم به عليهم منها.

<div class="verse-tafsir" id="91.3zX89"

مزيد من التفاسير لسورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.9 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
الحمد لله