الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٧ من سورة غافر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 117 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة ، ومن حوله من الكروبيين ، بأنهم يسبحون بحمد ربهم ، أي : يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص ، والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح ، ( ويؤمنون به ) أي : خاشعون له أذلاء بين يديه ، وأنهم ( يستغفرون للذين آمنوا ) أي : من أهل الأرض ممن آمن بالغيب ، فقيض الله سبحانه ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب ، ولما كان هذا من سجايا الملائكة عليهم الصلاة والسلام ، كانوا يؤمنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب ، كما ثبت في صحيح مسلم : " إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك : آمين ولك بمثله " .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن محمد - هو ابن أبي شيبة - حدثنا عبدة بن سليمان ، عن محمد بن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن عكرمة عن ابن عباس [ رضي الله عنه ] أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدق أمية في شيء من شعره ، فقال : رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " صدق " .
فقال : والشمس تطلع كل آخر ليلة حمراء يصبح لونها يتورد تأبى فما تطلع لنا في رسلها إلا معذبة وإلا تجلد فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " صدق " .
وهذا إسناد جيد : وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة ، فإذا كان يوم القيامة كانوا ثمانية ، كما قال تعالى : ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) [ الحاقة : 17 ] .
وهنا سؤال وهو أن يقال : ما الجمع بين المفهوم من هذه الآية ، ودلالة هذا الحديث ؟
وبين الحديث الذي رواهأبو داود : حدثنا محمد بن الصباح البزار ، حدثنا الوليد بن أبي ثور ، عن سماك ، عن عبد الله بن عميرة ، عن الأحنف بن قيس ، عن العباس بن عبد المطلب ، قال : كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمرت بهم سحابة ، فنظر إليها فقال : " ما تسمون هذه ؟
" قالوا : السحاب .
قال : " والمزن ؟
" قالوا : والمزن .
قال : " والعنان ؟
" قالوا : والعنان - قال أبو داود : ولم أتقن العنان جيدا - قال : " هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض ؟
" قالوا : لا ندري .
قال : " بعد ما بينهما إما واحدة ، أو اثنتان ، أو ثلاث وسبعون سنة ، ثم السماء فوقها كذلك " حتى عد سبع سماوات " ثم فوق السماء السابعة بحر ، بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال ، بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء ، ثم على ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ، ثم الله - عز وجل - فوق ذلك " ثم رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ، من حديث سماك بن حرب ، به .
وقال الترمذي : حسن غريب .
وهذا يقتضي أن حملة العرش ثمانية ، كما قال شهر بن حوشب : حملة العرش ثمانية ، أربعة يقولون : " سبحانك اللهم وبحمدك ، لك الحمد على حلمك بعد علمك " .
وأربعة يقولون : " سبحانك اللهم وبحمدك ، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك " .
ولهذا يقولون إذا استغفروا للذين آمنوا : ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ) أي : إن رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم ، وعلمك محيط بجميع أعمالهم [ وأقوالهم ] وحركاتهم وسكناتهم ، ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ) أي : فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عما كانوا فيه ، واتبعوا ما أمرتهم به ، من فعل الخيرات وترك المنكرات ، ( وقهم عذاب الجحيم ) أي : وزحزحهم عن عذاب الجحيم ، وهو العذاب الموجع الأليم .
القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) يقول تعالى ذكره: الذين يحملون عرش الله من ملائكته, ومن حول عرشه, ممن يحفّ به من الملائكة ( يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) يقول: يصلون لربهم بحمده وشكره ( وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ) يقول: ويقرّون بالله أنه لا إله لهم سواه, ويشهدون بذلك, لا يستكبرون عن عبادته ( وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) يقول: ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقرّوا بمثل إقرارهم من توحيد الله, والبراءة من كلّ معبود سواه ذنوبهم, فيعفوها عنهم.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) لأهل لا اله إلا الله.
وقوله: ( رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ) , وفي هذا الكلام محذوف, وهو يقولون; ومعنى الكلام ويستغفرون للذين آمنوا يقولون: يا ربنا وسعت كلّ شيء رحمة وعلما.
ويعني بقوله: ( وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ) : وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك, فعلمت كل شيء, فلم يخف عليك شيء, ورحمت خلقك, ووسعتهم برحمتك.
وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب الرحمة والعلم, فقال بعض نحويّي البصرة: انتصاب ذلك كانتصاب لك مثله عبدا, لأنك قد جعلت وسعت كلّ شيء, وهو مفعول له, والفاعل التاء, وجاء بالرحمة والعلم تفسيرا, وقد شغلت عنهما الفعل كما شغلت المثل بالهاء, فلذلك نصبته تشبيها بالمفعول بعد الفاعل; وقال غيره: هو من المنقول, وهو مفسر, وسعت رحمته وعلمه, ووسع هو كلّ شيء رحمة, كما تقول: طابت به نفسي, طبت به نفسا, .
قال: أما لك مثله عبدا, فإن المقادير لا تكون إلا معلومة مثل عندي رطل زيتا, والمثل غير معلوم, ولكن لفظه لفظ المعرفة والعبد نكرة, فلذلك نصب العبد, وله أن يرفع, واستشهد لقيله ذلك بقول الشاعر: مــا فــي مَعَــدّ والقبـائِلِ كُلِّهـا قَحْطَــانَ مِثْلُــكَ وَاحِــدٌ مَعْـدُودُ (5) وقال: ردّ" الواحد " على " مثل " لأنه نكرة, قال: ولو قلت: ما مثلك رجل, ومثلك رجل, ومثلك رجلا جاز, لأن مثل يكون نكرة, وإن كان لفظها معرفة.
وقوله: ( فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ) يقول: فاصفح عن جرم من تاب من الشرك بك من عبادك, فرجع إلى توحيدك, واتبع أمرك ونهيك.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتاده ( فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا ) من الشرك.
وقوله: ( وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ) يقول: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه, ولزموا المنهاج الذي أمرتهم بلزومه, وذلك الدخول في الإسلام.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ) : أي طاعتك وقوله: ( وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) يقول: واصرف عن الذين تابوا من الشرك, واتبعوا سبيلك عذاب النار يوم القيامة.
------------------------ الهوامش: (5) لم اقف على قائله .
واستشهد به المؤلف عند قوله تعالى :" ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما" وقد اختلف أهل العربية في نصب رحمة ....
الخ .
والشاهد في البيت قوله" مثلك واحد" ؛ فيجوز في" واحد" أن يرد على" مثلك" بطريق البدل منه .
ويجوز أيضا أن يكون تفسيرا .
أي تمييزا لمثل ، لأنه وإن كان معرفة في لفظه ، فهو نكرة في معناه ، فاحتاج من أجل ذلك إلى التفسير" التمييز" مثل قولك : لك مثله أرضا ، وعندي فدان أرضا ، ورطل زيتا .
لأن المقادير لا تكون إلا معلومة ، وقوله" مثلك" في المعنى ألفاظ المقادير .
وأما نصب رحمة في الآية ، فقد بينه المؤلف .
الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ويروى : أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورءوسهم قد خرقت العرش ، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم ، وهم أشراف الملائكة وأفضلهم .
ففي الحديث : أن الله تبارك وتعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلا لهم على سائر الملائكة .
ويقال : خلق الله العرش من جوهرة خضراء ، وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام .
وقيل : حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين ، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام ، قد وضعوا أيديهم على عواتقهم ، ورافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ، ومن [ ص: 263 ] ورائهم مائة ألف صف ، وقد وضعوا الأيمان على الشمائل ، ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر .
وقرأ ابن عباس : العرش بضم العين ، ذكر جميعه الزمخشري رحمه الله .
وقيل : اتصل هذا بذكر الكفار ; لأن المعنى والله أعلم - الذين يحملون العرش ومن حوله ينزهون الله - عز وجل - عما يقوله الكفار ويستغفرون للذين آمنوا أي يسألون لهم المغفرة من الله تعالى .
وأقاويل أهل التفسير على أن العرش هو السرير ، وأنه جسم مجسم خلقه الله عز وجل ، وأمر ملائكة بحمله ، وتعبدهم بتعظيمه والطواف به ، كما خلق في الأرض بيتا وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة .
وروى ابن طهمان ، عن موسى بن عقبة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسير سبعمائة عام ذكره البيهقي وقد مضى في [ البقرة ] في آية الكرسي عظم العرش وأنه أعظم المخلوقات .
وروى ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن كعب الأحبار أنه قال : لما خلق الله تعالى العرش قال : لن يخلق الله خلقا أعظم مني ، فاهتز فطوقه الله بحية ، للحية سبعون ألف جناح ، في الجناح سبعون ألف ريشة ، في كل ريشة سبعون ألف وجه ، في كل وجه سبعون ألف فم ، في كل فم سبعون ألف لسان .
يخرج من أفواهها في كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر ، وعدد ورق الشجر ، وعدد الحصى والثرى ، وعدد أيام الدنيا وعدد الملائكة أجمعين ، فالتوت الحية بالعرش ، فالعرش إلى نصف الحية وهي ملتوية به .
وقال مجاهد : بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب ، حجاب نور وحجاب ظلمة ، وحجاب نور وحجاب ظلمة .ربنا أي يقولون ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء ، فلما نقل الفعل عن الرحمة والعلم نصب على التفسير .
فاغفر للذين تابوا أي من الشرك والمعاصي واتبعوا سبيلك أي دين الإسلام .
وقهم عذاب الجحيم أي اصرفه عنهم حتى لا يصل إليهمقال إبراهيم النخعي : كان أصحاب عبد الله يقولون : الملائكة خير من ابن الكواء ، هم يستغفرون لمن في الأرض وابن الكواء يشهد عليهم بالكفر ، قال إبراهيم : وكانوا يقولون : لا يحجبون الاستغفار عن أحد من أهل القبلة .
وقال مطرف بن عبد الله : وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة ، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشيطان ، وتلا هذه الآية .
وقال يحيى بن معاذ الرازي لأصحابه في هذه الآية : افهموها فما [ ص: 264 ] في العالم جنة أرجى منها ، إن ملكا واحدا لو سأل الله أن يغفر لجميع المؤمنين لغفر لهم ، كيف وجميع الملائكة وحملة العرش يستغفرون للمؤمنين .
وقال خلف بن هشام البزار القارئ : كنت أقرأ على سليم بن عيسى فلما بلغت : ويستغفرون للذين آمنوا بكى ثم قال : يا خلف ما أكرم المؤمن على الله ، نائما على فراشه والملائكة يستغفرون له .
يخبر تعالى عن كمال لطفه تعالى بعباده المؤمنين، وما قيض لأسباب سعادتهم من الأسباب الخارجة عن قدرهم، من استغفار الملائكة المقربين لهم، ودعائهم لهم بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم، وفي ضمن ذلك الإخبار عن شرف حملة العرش ومن حوله، وقربهم من ربهم، وكثرة عبادتهم ونصحهم لعباد الله، لعلمهم أن الله يحب ذلك منهم فقال: { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ } أي: عرش الرحمن، الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها وأوسعها وأحسنها، وأقربها من الله تعالى، الذي وسع الأرض والسماوات والكرسي، وهؤلاء الملائكة، قد وكلهم الله تعالى بحمل عرشه العظيم، فلا شك أنهم من أكبر الملائكة وأعظمهم وأقواهم، واختيار الله لهم لحمل عرشه، وتقديمهم في الذكر، وقربهم منه، يدل على أنهم أفضل أجناس الملائكة عليهم السلام، قال تعالى: { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ } { وَمَنْ حَوْلَهُ } من الملائكة المقربين في المنزلة والفضيلة { يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } هذا مدح لهم بكثرة عبادتهم للّه تعالى، وخصوصًا التسبيح والتحميد، وسائر العبادات تدخل في تسبيح الله وتحميده، لأنها تنزيه له عن كون العبد يصرفها لغيره، وحمد له تعالى، بل الحمد هو العبادة للّه تعالى، وأما قول العبد: \"سبحان الله وبحمده\" فهو داخل في ذلك وهو من جملة العبادات.{ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا } وهذا من جملة فوائد الإيمان وفضائله الكثيرة جدًا، أن الملائكة الذين لا ذنوب عليهم يستغفرون لأهل الإيمان، فالمؤمن بإيمانه تسبب لهذا الفضل العظيم.ثم ولما كانت المغفرة لها لوازم لا تتم إلا بها -غير ما يتبادر إلى كثير من الأذهان، أن سؤالها وطلبها غايته مجرد مغفرة الذنوب- ذكر تعالى صفة دعائهم لهم بالمغفرة، بذكر ما لا تتم إلا به، فقال: { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا } فعلمك قد أحاط بكل شيء، لا يخفى عليك خافية، ولا يعزب عن علمك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ورحمتك وسعت كل شيء، فالكون علويه وسفليه قد امتلأ برحمة الله تعالى ووسعتهم، ووصل إلى ما وصل إليه خلقه.{ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا } من الشرك والمعاصي { وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ } باتباع رسلك، بتوحيدك وطاعتك.
{ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } أي: قهم العذاب نفسه، وقهم أسباب العذاب.
قوله عز وجل : ( الذين يحملون العرش ومن حوله ) حملة العرش والطائفون به وهم الكروبيون ، وهم سادة الملائكة .
قال ابن عباس : حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام ، ويروى أن أقدامهم في تخوم الأرضين ، والأرضون والسماوات إلى حجزهم ، وهم يقولون : سبحان ذي العزة والجبروت ، سبحان ذي الملك والملكوت ، سبحان الحي الذي لا يموت ، سبوح قدوس رب الملائكة والروح .
وقال ميسرة بن عروبة : أرجلهم في الأرض السفلى ، ورءوسهم خرقت العرش ، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم ، وهم أشد خوفا من أهل السماء السابعة ، وأهل السماء السابعة أشد خوفا من أهل السماء التي تليها ، والتي تليها أشد خوفا من التي تليها .
وقال مجاهد : بين الملائكة والعرش سبعون حجابا من نور .
وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام " .
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال : إن ما بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع ثلاثين ألف عام ، والعرش يكسى كل يوم سبعين ألف لون من النور ، لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله ، والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة .
وقال مجاهد : بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب من نور ، وحجاب من ظلمة ، وحجاب نور وحجاب ظلمة .
وقال وهب بن منبه : إن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة ، صف خلف صف يطوفون بالعرش ، يقبل هؤلاء ويدبر هؤلاء ، فإذا استقبل بعضهم بعضا هلل هؤلاء وكبر هؤلاء ، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام ، أيديهم إلى أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم ، فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رفعوا أصواتهم ، فقالوا : سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأجلك أنت الله لا إله غيرك ، أنت الأكبر ، الخلق كلهم لك راجعون .
ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلا وهو يسبح بتحميد لا يسبحه الآخر ، ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلاثمائة عام ، وما بين شحمة أذنه إلى عاتقه أربعمائة عام ، واحتجب الله من الملائكة الذين حول العرش بسبعين حجابا من نار ، وسبعين حجابا من ظلمة ، وسبعين حجابا من نور ، وسبعين حجابا من در أبيض ، وسبعين حجابا من ياقوت أحمر ، وسبعين حجابا من ياقوت أصفر وسبعين حجابا من زبرجد أخضر ، وسبعين حجابا من ثلج ، وسبعين حجابا من ماء ، وسبعين حجابا من برد ، وما لا يعلمه إلا الله تعالى .
قال : ولكل واحد من حملة العرش ومن حوله أربعة وجوه ، وجه ثور ووجه أسد ووجه نسر ووجه إنسان ، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة ، أما جناحان فعلى وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فيصعق ، وأما جناحان فيهفو بهما ، ليس لهم كلام إلا التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد .
قوله عز وجل : ( يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ) يصدقون بأنه واحد لا شريك له .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني ، حدثنا أبو جعفر الرياني ، حدثنا حميد بن زنجويه ، حدثنا عمر بن عبد الله الرقاشي ، حدثنا جعفر بن سليمان ، حدثنا هارون بن رباب ، حدثنا شهر بن حوشب قال : حملة العرش ثمانية : فأربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك .
وأربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك .
قال : وكأنهم ينظرون ذنوب بني آدم .
قوله عز وجل : ( ويستغفرون للذين آمنوا ربنا ) يعني يقولون ربنا ، ( وسعت كل شيء رحمة وعلما ) قيل : نصب على التفسير ، وقيل : على النقل ، أي : وسعت رحمتك وعلمك كل شيء ، ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ) دينك ( وقهم عذاب الجحيم ) قال مطرف : أنصح عباد الله للمؤمنين هم الملائكة ، وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين .
«الذين يحملون العرش» مبتدأ «ومن حوله» عطف عليه «يسبحون» خبره «بحمد ربهم» ملابسين للحمد، أي يقولون: سبحان الله وبحمده «ويؤمنون به» تعالى ببصائرهم أي يصدقون بوحدانيته «ويستغفرون للذين آمنوا» يقولون «ربنا وسعت كل شيءٍ رحمة وعلما» أي وسعت رحمتك كلَّ شيء وعلمك كل شيء «فاغفر للذين تابوا» من الشرك «واتبعوا سبيلك» دين الإسلام «وقهم عذاب الجحيم» النار.
الذين يحملون عرش الرحمن من الملائكة ومَن حول العرش ممن يحف به منهم، ينزِّهون الله عن كل نقص، ويحمَدونه بما هو أهل له، ويؤمنون به حق الإيمان، ويطلبون منه أن يعفو عن المؤمنين، قائلين: ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا، فاغفر للذين تابوا من الشرك والمعاصي، وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه وهو الإسلام، وجَنِّبْهم عذاب النار وأهوالها.
ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر رحمته بالمؤمنين ، وتكريمهم ، فذكر أن حملة عرشه من وظائفهم الاستغفار للمؤمنين ، والدعاء لهم بالخير فقال - تعالى - :( الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ .
.
.
)المراد بالذين يحملون العرش : عدد من الملائكة المقربين إلى الله - تعالى - ولا يعلم عددهم أحد سوى الله - تعالى - لأنه لم يرد نص صحيح فى تحديد عددهم .والمراد بمن حوله : عدد آخر من الملائكة يطوفون بالعرش مهللين مسبحين مكبرين لله - تعالى - كما قال - تعالى - : ( وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ .
.
.
) وعرش الله - تعالى - كما قال الراغب مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم ، فعلينا أن نؤمن بان لله - تعالى - عرشا عظيما ، أما كيفيته وهيئته فنفوض معرفتها إلى الخالق - عز وجل - .وقد ذكر هذا اللفظ فى القرآن الكريم فى إحدى وعشرين آية .والاسم الموصول فى قوله - تعالى - : ( الذين يَحْمِلُونَ العرش ) مبتدأ .
وخبره قوله ( يُسَبِّحُونَ .
.
.
) .والجملة الكريمة مستأنفة ومسوقة لتسلية النبى صلى الله عليه وسلم ببيان أن هؤلاء الملائكة الذين هم أقرب الملائكة إلى الله - تعالى - يضمون إلى تسبيحهم لذاته - سبحانه - ، الاستغفار للمؤمنين ، والدعاء لهم .وقد ذكر كثير من المفسرين كلاما طويلا فى صفة هؤلاء الملائكة وفى صفة العرش .
رأينا أن نضرب عنه صفحا لضعفه وقلة فائدته .أى : الملائكة الكرام المقربون إلينا ، والحاملون لعرشنا ، والحافون به ، من صفاتهم أنهم ( يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) أى : ينزهون الله - تعالى - عن كل نقص ، ويلهجون بحمده وبالثناء عليه بما يليق به .( وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ) - تعالى - إيمانا تاما لا يشوبه ما يتنافى مع هذا الإِيمان والإذعان لله الواحد القهار .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما فائدة قوله - تعالى - : ( وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ) ولا يخفى أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون؟قلت : فائدته إظهار شرف الإِيمان وفضله ، والترغيب فيه ، كما وصف الأنبياء فى غير موضع من كتابه بالصلاح كذلك ، كما عقب أعمال الخير بقوله - تعالى - : ( ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ ) فأبان بذلك فضل الإِيمان .ويستغفرون للذين آمنوا ، أى : أنهم بجانب تسبيحهم وحمدهم لربهم ، وإيمانهم به ، يتضرعون إليه - سبحانه - أن يغفر للذين آمنوا ذنوبهم .وفى هذا الاستغفار منهم للمؤمنين ، إشعار بمحبتهم لهم ، وعنايتهم بشأنهم ، لأنهم مثلهم فى الإِيمان بوحدانية - الله تعالى - وفى وجوب إخلاص العبادة والطاعة له .ثم حكى - سبحانه - كيفية استغفارهم للمؤمنين فقال : ( رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً ) .والجملة الكريمة على تقدير قول محذوف ، وهذا القول فى محل نصب على الحال من فاعل ( وَيَسْتَغْفِرُونَ ) وقوله ( رَّحْمَةً وَعِلْماً ) منصوبان على التمييز .أى : إنهم يستغفرون للذين آمنوا ، حالة كونهم قائلين : يا ربنا يا من وسعت رحمتك ووسع علمك كل شئ ، تقبل دعاءنا .( فاغفر ) بمقتضى سعة رحمتك وعلمك ( لِلَّذِينَ تَابُواْ ) إليك توبة صادقة نصوحا ( واتبعوا سَبِيلَكَ ) الحق ، وصراطك المستقيم .( وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم ) أى : وصنهم يا ربنا واحفظهم من الوقوع فى جهنم لأن عذابها كرب عظيم .
اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الكفار يبالغون في إظهار العداوة مع المؤمنين، بيّن أن أشرف طبقات المخلوقات هم الملائكة الذين هم حملة العرش والحافون حول العرش يبالغون في إظهار المحبة والنصرة للمؤمنين، كأنه تعالى يقول إن كان هؤلاء الأراذل يبالغون في العداوة فلا تبال بهم ولا تلتفت إليهم ولا تقم لهم وزناً، فإن حملة العرش معك والحافون من حول العرش معك ينصرونك وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى حكى عن نوعين من فرق الملائكة هذه الحكاية: القسم الأول: ﴿ الذين يَحْمِلُونَ العرش ﴾ وقد حكى تعالى أن الذين يحملون العرش يوم القيامة ثمانية، فيمكن أن يقال الذين يحملون في هذا الوقت هم أولئك الثمانية الذين يحملونه يوم القيامة، ولا شك أن حملة العرش أشراف الملائكة وأكابرهم، روى صاحب الكشاف أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق الله تعالى من الملائكة فإن خلقاً من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله، وقدماه في الأرض السفلى، وقد مرق رأسه من سبع سموات وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوضع» قيل إنه طائر صغير، وروي أن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدو ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة، وقيل خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام، وقيل حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا ويسبح بما لا يسبح به الآخر، هذه الآثار نقلتها من الكشاف.
وأما القسم الثاني: من الملائكة الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية فقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ حَوْلَهُ ﴾ والأظهر أن المراد منهم ما ذكره في قوله: ﴿ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ ﴾ وأقول العقل يدل على أن حملة العرش، والحافين حول العرش يجب أن يكونوا أفضل الملائكة، وذلك لأن نسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأجساد إلى الأجساد، فلما كان العرش أشرف الموجودات الجسمانية كانت الأرواح المتعلقة بتدبير العرش يجب أن تكون أفضل من الأرواح المدبرة للأجساد، وأيضاً يشبه أن يكون هناك أرواح حاملة لجسم العرش ثم يتولد عن تلك الأرواح القاهرة المستعلية لجسم العرش أرواح أُخر من جنسها، وهي متعلقة بأطراف العرش وإليهم الإشارة بقوله: ﴿ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش ﴾ وبالجملة فقد ظهر بالبراهين اليقينية، وبالمكاشفات الصادقة أنه لا نسبة لعالم الأجساد، إلى عالم الأرواح فكل ما شاهدته بعين البصر في اختلاف مراتب عالم الأجساد، فيجب أن تشاهده بعين بصيرتك في اختلاف مراتب عالم الأرواح.
المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أنه سبحانه منزّه عن أن يكون في العرش، وذلك لأنه تعالى قال في هذه الآية ﴿ الذين يَحْمِلُونَ العرش ﴾ وقال في آية أخرى ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية ﴾ ولا شك أن حامل العرش يكون حاملاً لكل من في العرش، فلو كان إله العالم في العرش لكان هؤلاء الملائكة حاملين لإله العالم فحينئذ يكونون حافظين لإله العالم والحافظ القادر أولى بالإلهية والمحمول المحفوظ أولى بالعبودية، فحينئذ ينقلب الإله عبداً والعبد إلها، وذلك فاسد، فدل هذا على أن إله العرش والأجسام متعال عن العرش والأجسام.
واعلم أنه تعالى حكى عن حملة العرش، وعن الحافين بالعرش ثلاثة أشياء: النوع الأول: قوله: ﴿ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ ﴾ ونظيره قوله حكاية عن الملائكة ﴿ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ ﴾ فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي، والتحميد الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق، فالتسبيح إشارة إلى الجلال والتحميد إشارة إلى الإكرام، فقوله: ﴿ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ ﴾ قريب من قوله: ﴿ تبارك اسم رَبّكَ ذِى الجلال والإكرام ﴾ .
النوع الثاني: مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة هو قوله تعالى: ﴿ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ فإن قيل فأي فائدة في قوله: ﴿ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ فإن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا وقد سبق الإيمان بالله؟
قلنا الفائدة فيه ما ذكره صاحب الكشاف، وقد أحسن فيه جداً فقال إن المقصود منه التنبيه على أن الله تعالى لو كان حاضراً بالعرش لكان حملة العرش والحافون حول العرش يشاهدونه ويعاينونه، ولما كان إيمانهم بوجود الله موجباً للمدح والثناء لأن الإقرار بوجود شيء حاضر مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس وكونها مضيئة لا يوجب المدح والثناء، فلما ذكر الله تعالى إيمانهم بالله على سبيل الثناء والمدح والتعظيم، علم أنهم آمنوا به بدليل أنهم ما شاهدوه حاضراً جالساً هناك، ورحم الله صاحب الكشاف فلو لم يحصل في كتابه إلا هذه النكتة لكفاه فخراً وشرفاً.
النوع الثالث: مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة قوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ﴾ اعلم أنه ثبت أن كمال السعادة مربوط بأمرين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، ويجب أن يكون التعظيم لأمر الله مقدماً على الشفقة على خلق الله فقوله: ﴿ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ مشعر بالتعظيم لأمر الله وقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ﴾ مشعر بالشفقة على خلق الله.
ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج كثير من العلماء بهذه الآية في إثبات أن الملك أفضل من البشر، قالوا لأن هذه الآية تدل على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر الله بالثناء والتقديس اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم وهم المؤمنون، وهذا يدل على أنهم مستغنون عن الاستغفار لأنفسهم إذ لو كانوا محتاجين إليه لقدموا الاستغفار لأنفسهم على الاستغفار لغيرهم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «ابدأ بنفسك» وأيضاً قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلا الله واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات ﴾ فأمر محمداً أن يذكر أولاً الاستغفار لنفسه، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره، وحكى عن نوح عليه السلام أنه قال: ﴿ رَّبّ اغفر لِى ولوالدى وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات ﴾ وهذا يدل على أن كل من كان محتاجاً إلى الاستغفار فإنه يقدم الاستغفار لنفسه على الاستغفار لغيره، فالملائكة لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لكان اشتغالهم بالاستغفار لأنفسهم مقدماً على اشتغالهم بالاستغفار لغيرهم، ولما لم يذكر الله تعالى عنهم استغفارهم لأنفسهم علمنا أن ذلك إنما كان لأنهم ما كانوا محتاجين إلى الاستغفار، وأما الأنبياء عليهم السلام فقد كانوا محتاجين إلى استغفار بدليل قوله تعالى لمحمد عليه السلام ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ ﴾ وإذا ثبت هذا فقد ظهر أن الملك أفضل من البشر، والله أعلم.
المسألة الثانية: احتج الكعبي بهذه الآية على أن تأثير الشفاعة في حصول زيادة الثواب للمؤمنين لا في إسقاط العقاب عن المذنبين، قال وذلك لأن الملائكة قالوا: ﴿ فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ ﴾ قال وليس المراد فاغفر للذين تابوا من الكفر سواء كان مصراً على الفسق أو لم يكن كذلك، لأن من هذا حاله لا يوصف بكونه متبعاً سبيل ربه ولا يطلق ذلك فيه، وأيضاً إن الملائكة يقولون ﴿ وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التى وَعَدْتَّهُمْ ﴾ وهذا لا يليق بالفاسقين، لأن خصومنا لا يقطعون على أن الله تعالى وعدهم الجنة وإنما يجوزون ذلك، فثبت أن شفاعة الملائكة لا يتناول إلا أهل الطاعة، فوجب أن تكون شفاعة الأنبياء كذلك، ضرورة أنه لا قائل بالفرق والجواب أن نقول هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة المذنبين، فنبين هذا ثم نجيب عما ذكره الكعبي، أما بيان دلالة هذه الآية على ما قلناه فمن وجوه: الأول: قوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ﴾ والاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العقاب.
أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفاراً الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ﴾ وهذا يدل على أنهم يستغفرون لكل أهل الإيمان، فإذا دللنا على أن صاحب الكبيرة مؤمن وجب دخوله تحت هذه الشفاعة الثالث: قوله تعالى: ﴿ فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ طلب المغفرة للذين تابوا، ولا يجوز أن يكون المراد إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة، لأن ذلك واجب على الله عند الخصم، وما كان فعله واجباً كان طلبه بالدعاء قبيحاً، ولا يجوز أيضاً أن يكون المراد إسقاط عقوبة الصغائر، لأن ذلك أيضاً واجب فلا يحسن طلبه بالدعاء، ولا يجوز أن يكون المراد طلب زيادة منفعة على الثواب، لأن ذلك لا يسمى مغفرة، فثبت أنه لا يمكن حمل قوله: ﴿ فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ إلا على إسقاط عقاب الكبيرة قبل التوبة، وإذا ثبت هذا في حق الملائكة فكذلك في حق الأنبياء لانعقاد الإجماع على أنه لا فرق، أما الذي يتمسك به الكعبي وهو أنهم طلبوا المغفرة للذين تابوا، فنقول يجب أن يكون المراد منه الذين تابوا عن الكفر واتبعوا سبيل الإيمان، وقوله إن التائب عن الكفر المصر على الفسق لا يسمى تائباً ولا متبعاً سبيل الله، قلنا لا نسلم قوله، بل يقال إنه تائب عن الكفر وتابع سبيل الله في الدين والشريعة، وإذا ثبت أنه تائب عن الكفر ثبت أنه تائب، ألا ترى أنه يكفي في صدق وصفه بكونه ضارباً وضاحكاً صدور الضرب والضحك عنه مرة واحدة، ولا يتوقف ذلك على صدور كل أنواع الضرب والضحك عنه فكذا هاهنا.
المسألة الثالثة: قال أهل التحقيق: إن هذه الشفاعة الصادرة عن الملائكة في حق البشر تجري مجرى اعتذار عن ذلة سبقت، وذلك لأنهم قالوا في أول تخليق البشر ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء ﴾ فلما سبق منهم هذا الكلام تداركوا في آخر الأمر بأن قالوا: ﴿ فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم ﴾ وهذا كالتنبيه على أن من آذى غيره، فالأولى أن يجبر ذلك الإيذاء بإيصال نفع عليه.
واعلم أنه تعالى لما حكى عن الملائكة أنهم يستغفرون للذين تابوا، بيّن كيفية ذلك الاستغفار، فحكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيء رَّحْمَةً وَعِلْماً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن الدعاء في أكثر الأمر مذكور بلفط ﴿ رَبَّنَا ﴾ ويدل عليه أن الملائكة عند الدعاء قالوا: ﴿ رَبَّنَا ﴾ بدليل هذه الآية، وقال آدم عليه السلام ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ﴾ وقال نوح عليه السلام ﴿ رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ ﴾ وقال أيضاً: ﴿ رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً ﴾ وقال أيضاً: ﴿ رَّبّ اغفر لِى ولوالدى ﴾ وقال عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى ﴾ وقال: ﴿ رَبَّنَا اغفر لِى وَلِوَالِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحساب ﴾ وقال: ﴿ رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ﴾ وقال عن يوسف ﴿ رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ الملك ﴾ وقال عن موسى عليه السلام: ﴿ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ وقال في قصة الوكز ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُۥٓ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ ﴾ وحكى تعالى عن داود ﴿ فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ﴾ وعن سليمان أنه قال: ﴿ رَبّ اغفر لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً ﴾ وعن زكريا أنه ﴿ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً ﴾ وعن عيسى عليه السلام أنه قال: ﴿ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ السماء ﴾ وعن محمد صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال له: ﴿ وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين ﴾ وحكى عن المؤمنون أنهم قالوا: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا ﴾ وأعادوا هذه اللفظة خمس مرات، وحكى أيضاً عنهم أنهم قالوا: ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير ﴾ إلى آخر السورة.
فثبت بما ذكرنا أن من أرضى الدعاء أن ينادي العبد ربه بقوله يا رب وتمام الإشكال فيه أن يقال لفظ الله أعظم من لفظ الرب، فلم صار لفظ الرب مختصاً بوقت الدعاء؟، والجواب كأن العبد يقول: كنت في كتم العدم المحض والنفي الصرف، فأخرجتني إلى الوجود، وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعاً إليك في أن لا تخليني طرفة عين عن تربيتك وإحسانك وفضلك.
المسألة الثانية: السنة في الدعاء، يبدأ فيه بالثناء على الله تعالى، ثم يذكر الدعاء عقيبه، والدليل عليه هذه الآية، فإن الملائكة لما عزموا على الدعاء والاستغفار للمؤمنين بدأوا بالثناء فقالوا: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيء رَّحْمَةً وَعِلْماً ﴾ وأيضاً أن الخليل عليه السلام لما أراد أن يذكر الدعاء ذكر الثناء أولاً فقال: ﴿ ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ وَٱلَّذِىٓ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيٓـَٔتِى يَوْمَ ٱلدِّينِ ﴾ فكل هذا ثناء على الله تعالى، ثم بعده ذكر الدعاء فقال: ﴿ رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ .
واعلم أن العقل يدل أيضاً على رعاية هذا الترتيب، وذلك ذكر الله بالثناء والتعظيم بالنسبة إلى جوهر الروح كالإكسير الأعظم بالنسبة إلى النحاس، فكما أن ذرة من الإكسير إذا وقعت على عالم من النحاس انقلب الكل ذهباً إبريزاً فكذلك إذا وقعت ذرة من إكسير معرفة جلال الله تعالى على جوهر الروح النطقية، انقلب من نحوسة النحاسة إلى صفاء القدس وبقاء عالم الطهارة، فثبت أن عند إشراق نور معرفة الله تعالى في جواهر الروح، يصير الروح أقوى صفاء وأكمل إشراقاً، ومتى صار كذلك كانت قوته أقوى وتأثيره أكمل، فكان حصول الشيء المطلوب بالدعاء أقرب وأكمل، وهذا هو السبب في تقديم الثناء على الله على الدعاء.
المسألة الثالثة: اعلم أن الملائكة وصفوا الله تعالى بثلاثة أنواع من الصفات: الربوبية والرحمة والعلم، أما الربوبية فهي إشارة إلى الإيجاد والإبداع، وفيه لطيفة أخرى وهي أن قولهم: ﴿ رَبَّنَا ﴾ إشارة إلى التربية، والتربية عبارة عن إبقاء الشيء على أكمل أحواله وأحسن صفاته، وهذا يدل على أن هذه الممكنات، كما أنها محتاجة حال حدوثها إلى إحداث الحق سبحانه وتعالى وإيجاده، فكذلك إنها محتاجة حال بقائها إلى إبقاء الله، وأما الرحمة فهي إشارة إلى أن جانب الخير والرحمة والإحسان راجح على جانب الضر، وأنه تعالى إنما خلق الخلق للرحمة والخير، لا للاضرار والشر، فإن قيل قوله: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيء رَّحْمَةً وَعِلْماً ﴾ فيه سؤال، لأن العلم وسع كل شيء، أما الرحمة فما وصلت إلى كل شيء، لأن المضرور حال وقوعه في الضر لا يكون ذلك الضرر رحمة، وهذا السؤال أيضاً مذكور في قوله: ﴿ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيء ﴾ قلنا كل وجود فقد نال من رحمة الله تعالى نصيباً وذلك لأن الموجود إما واجب وإما ممكن، أما الواجب فليس إلا الله سبحانه وتعالى، وأما الممكن فوجوده من الله تعالى وبإيجاده، وذلك رحمة، فثبت أنه لا موجود غير الله إلا وقد وصل إليه نصيب ونصاب من رحمة الله، فلهذا قال: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيء رَّحْمَةً وَعِلْماً ﴾ وفي الآية دقيقة أخرى، وهي أن الملائكة قدموا ذكر الرحمة على ذكر العلم فقالوا: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيء رَّحْمَةً وَعِلْماً ﴾ وذلك لأن مطلوبهم إيصال الرحمة وأن يتجاوز عما عليه منهم من أنواع الذنوب، فالمطلوب بالذات هو الرحمة، والمطلوب بالعرض أن يتجاوز عما علمه منهم، والمطلوب بالذات مقدم على المطلوب بالعرض، ألا ترى أنه لما كان إبقاء الصحة مطلوباً بالذات وإزالة المرض مطلوباً بالعرض لا جرم لما ذكروا حد الطب قدموا فيه حفظ الصحة على إزالة المرض، فقالوا الطب علم يتعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصلح ويزول عن الصحة لتحفظ الصحة حاصلة وتسترد زائلة، فكذا هاهنا المطلوب بالذات هو الرحمة، وأما التجاوز عما علمه منهم من أنواع الذنوب فهو مطلوب بالعرض، لأجل أن حصول الرحمة على سبيل الكمال لا يحصل إلا بالتجاوز عن الذنوب، فلهذا السبب وقع ذكر الرحمة سابقاً على ذكر العلم.
المسألة الرابعة: دلت هذه الآية على أن المقصود بالقصة الأولى في الخلق والتكوين إنما هو الرحمة والفضل والجود والكرم، ودلت الدلائل اليقينية على أن كل ما دخل في الوجود من أنواع الخير والشر والسعادة والشقاوة فبقضاء الله وقدره، والجمع بين هذين الأصلين في غاية الصعوبة، فعند هذا قالت الحكماء: الخير مراد مرضي، والشر مراد مكروه، والخير مقضي به بالذات، والشر مقضي به باللعرض، وفيه غور عظيم.
المسألة الخامسة: قوله: ﴿ وَسِعْتَ كُلَّ شَيء رَّحْمَةً وَعِلْماً ﴾ يدل على كونه سبحانه عالماً بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات، وأيضاً فلولا ذلك لم يكن في الدعاء والتضرع فائدة لأنه إذا جاز أن يخرج عن علمه بعض الأشياء، فعلى هذا التقدير لا يعرف هذا الداعي أن الله سبحانه يعلمه ويعلم دعاءه وعلى هذا التقدير لا يبقى في الدعاء فائدة ألبتة.
واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم كيفية ثنائهم على الله تعالى حكى عنهم كيفية دعائهم، وهو أنهم قالوا: ﴿ فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم ﴾ واعلم أن الملائكة طلبوا بالدعاء من الله تعالى أشياء كثيرة للمؤمنين، فالمطلوب الأول الغفران وقد سبق تفسيره في قوله: ﴿ فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ ﴾ فإن قيل لا معنى للغفران إلا إسقاط العذاب، وعلى هذا التقدير فلا فرق بين قوله: فاغفر لهم، وبين قوله: ﴿ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم ﴾ قلنا دلالة لفظ المغفرة على إسقاط عذاب الجحيم دلالة حاصلة على الرمز والإشارة، فلما ذكروا هذا الدعاء على سبيل الرمز والإشارة أردفوه بذكره على سبيل التصريح لأجل التأكيد والمبالغة، واعلم أنهم لما طلبوا من الله إزالة العذاب عنهم أردفوه بأن طلبوا من الله إيصال الثواب إليهم فقالوا: ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التى وَعَدْتَّهُمْ ﴾ فإن قيل أنتم زعمتم أن هذه الشفاعة إنما حصلت للمذنبين وهذه الآية تبطل ذلك لأنه تعالى ما وعد المذنبين بأن يدخلهم في جنّات عدن، قلنا لا نسلم أنه ما وعدهم بذلك، لأنا بينا أن الدلائل الكثيرة في القرآن دلّت على أنه تعالى لا يخلد أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله في النار، وإذا أخرجهم من النار وجب أن يدخلهم الجنة فكان هذا وعداً من الله تعالى لهم بأن يدخلهم في جنّات عدن، إما من غير دخول النار وإما بعد أن يدخلهم النار.
قال تعالى: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وأزواجهم وَذُرّيَّاتِهِمْ ﴾ يعني وأدخل معهم في الجنة هؤلاء الطوائف الثلاث، وهم الصالحون من الآباء والأزواج والذريات، وذلك لأن الرجل إذا حضر معه في موضع عيشه وسروره أهله وعشيرته كان ابتهاجه أكمل، قال الفرّاء والزجاج ﴿ مِنْ صالح ﴾ نصب من مكانين فإن شئت رددته على الضمير في قوله: ﴿ وَأَدْخِلْهُمْ ﴾ وإن شئت في ﴿ وَعَدْتَّهُمْ ﴾ والمراد من قوله: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ ﴾ أهل الإيمان، ثم قالوا: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ وإنما ذكروا في دعائهم هذين الوصفين لأنه لو لم يكن عزيزاً بل كان بحيث يغلب ويمنع لما صح وقوع المطلوب منه، ولو لم يكن حكيماً لما حصل هذا المطلوب على وفق الحكمة والمصلحة، ثم قالوا بعد ذلك ﴿ وَقِهِمُ السيئات ﴾ قال بعضهم المراد وقهم عذاب السيئات، فإن قيل فعلى هذا التقدير لا فرق بين قوله: ﴿ وَقِهِمُ السيئات ﴾ وبين ما تقدم من قوله: ﴿ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم ﴾ وحينئذ يلزم التكرار الخالي عن الفائدة وإنه لا يجوز، قلنا بل التفاوت حاصل من وجهين: الأول: أن يكون قوله: ﴿ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم ﴾ دعاء مذكور للأصول وقوله: ﴿ وَقِهِمُ السيئات ﴾ دعاءً مذكوراً للفروع الثاني: أن يكون قوله: ﴿ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم ﴾ مقصوراً على إزالة الجحيم وقوله: ﴿ وَقِهِمُ السيئات ﴾ يتناول عذاب الجحيم وعذاب موقف القيامة وعذاب الحساب والسؤال.
والقول الثاني: في تفسير ﴿ وَقِهِمُ السيئات ﴾ هو أن الملائكة طلبوا إزالة عذاب النار بقولهم: ﴿ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم ﴾ وطلبوا إيصال ثواب الجنة إليهم بقولهم: ﴿ وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ ﴾ ثم طلبوا بعد ذلك أن يصونهم الله تعالى في الدنيا عن العقائد الفاسدة، والأعمال الفاسدة، وهو المراد بقولهم: ﴿ وَقِهِمُ السيئات ﴾ ثم قالوا: ﴿ وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ﴾ يعني ومن تق السيئات في الدنيا فقد رحمته في يوم القيامة، ثم قالوا: ﴿ وذلك هُوَ الفوز العظيم ﴾ حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيماً لا ينقطع، وبأعمال حقيرة ملكاً لا تصل العقول إلى كنه جلالته.
<div class="verse-tafsir"
روي: أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق الله من الملائكة، فإن خلقاً من الملائكة يقال له إسرافيل: زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى، وقد مرق رأسه من سبع سموات، وأنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع» وفي الحديث: «إن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا يروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة» وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام.
وقيل: حول العرش سبعون ألف صنف من الملائكة، يطوفون به مهللين مكبرين، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام، قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر.
وقرأ ابن عباس: ﴿ العرش ﴾ بضم العين.
فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ولا يخفى على أحد أنّ حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمد ربهم مؤمنون؟
قلت: فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله، والترغيب فيه كما وصف الأنبياء في غير موضع من كتابه بالصلاح لذلك، وكما عقب أعمال الخير بقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ [البلد: 17] فأبان بذلك فضل الإيمان.
وفائدة أخرى: وهي التنبيه على أن الأمر لو كان كما تقول المجسمة، لكان حملة العرش ومن حوله مشاهدين معاينين، ولما وصفوا بالإيمان؛ لأنه إنما يوصف بالإيمان، الغائب فلما وصفوا به على سبيل الثناء عليهم، علم أنّ إيمانهم وإيمان من في الأرض وكل من غاب عن ذلك المقام سواء: في أنّ إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير، وأنه لا طريق إلى معرفته إلاّ هذا، وهو منزه عن صفات الإجرام.
وقد روعي التناسب في قوله: ﴿ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ، ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ﴾ كأنه قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم وصفتهم.
وفيه تنبيه على أنّ الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة، وأبعثه على إمحاض الشفقة وإن تفاوتت الأجناس وتباعدت الأماكن.
فإنه لا تجالس بين ملك وإنسان، ولا بين سماوي وأرضي قط، ثم لما جاء الإيمان جاء معه التجانس الكلي والتناسب الحقيقي، حتى استغفر من حول العرش لمن فوق الأرض.
قال الله تعالى: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الارض ﴾ [الشورى: 5] .
أي: يقولون: ﴿ رَبَّنَا ﴾ وهذا المضمر يحتمل أن يكون بياناً ليستغفرون مرفوع المحل مثله، وأن يكون حالاً.
فإن قلت: تعالى الله عن المكان، فكيف صحّ أن يقال: وسع كل شيء؟
قلت: الرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى.
والأصل: وسع كل شيء رحمتك وعلمك، ولكن أزيل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم، وأخرجا منصوبين على التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم، كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء.
فإن قلت: قد ذكر الرحمة والعلم فوجب أن يكون ما بعد الفاء مشتملاً على حديثهما جميعاً، وما ذكر إلاّ الغفران وحده؟
قلت: معناه فاغفر للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيلك.
وسبيل الله: سبيل الحق التي نهجها لعباده ودعا إليها ﴿ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ أي: الملك الذي لا يغلب، وأنت مع ملكك وعزتك لا تفعل شيئاً إلاّ بداعي الحكمة وموجب حكمتك أن تفي بوعدك ﴿ وَقِهِمُ السيئات ﴾ أي: العقوبات.
أو جزاء السيئات.
فحذف المضاف على أن السيئات هي الصغائر أو الكبائر المتوب عنها.
والوقاية منها: التكفير أو قبول التوبة.
فإن قلت: ما الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون موعودون المغفرة والله لا يخلف الميعاد؟
قلت: هذا بمنزلة الشفاعة، وفائدته زيادة الكرامة والثواب.
وقرئ: ﴿ جنة عدن ﴾ ﴿ وصلَح ﴾ ، بضم اللام، والفتح أفصح.
يقال: صلح فهو صالح، وصلح فهو صليح، و ﴿ ذريتهم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ ﴾ الكُرُوبِيُّونَ أعْلى طَبَقاتِ المَلائِكَةِ وأوَّلُهم وُجُودًا وحَمْلُهم إيّاهُ وحَفِيفُهم حَوْلَهُ مَجازٌ عَنْ حِفْظِهِمْ وتَدْبِيرِهِمْ لَهُ، أوْ كِنايَةٌ عَنْ قُرْبِهِمْ مِن ذِي العَرْشِ ومَكانَتِهِمْ عِنْدَهُ وتُوَسِّطِهِمْ في نَفاذِ أمْرِهِ.
﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ يَذْكُرُونَ اللَّهَ بِمَجامِعِ الثَّناءِ مِن صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ، وجَعَلَ التَّسْبِيحَ أصْلًا والحَمْدَ حالًا لِأنَّ الحَمْدَ مُقْتَضى حالِهِمْ دُونَ التَّسْبِيحِ.
﴿ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أخْبَرَ عَنْهم بِالإيمانِ إظْهارًا لِفَضْلِهِ وتَعْظِيمًا لِأهْلِهِ ومَساقُ الآيَةِ لِذَلِكَ كَما صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وإشْعارًا بِأنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ وسُكّانَ الفَرْشِ في مَعْرِفَتِهِ سَواءٌ رَدًّا عَلى المُجَسِّمَةِ واسْتِغْفارِهِمْ شَفاعَتَهم وحَمْلِهِمْ عَلى التَّوْبَةِ وإلْهامِهِمْ ما يُوجِبُ المَغْفِرَةَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُشارَكَةَ في الإيمانِ تُوجِبُ النُّصْحَ والشَّفَقَةَ وإنْ تَخالَفَتِ الأجْناسُ لِأنَّها أقَوى المُناسَباتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ ﴾ ﴿ رَبَّنا ﴾ أيْ يَقُولُونَ رَبَّنا وهو بَيانٌ لِـ يَسْتَغْفِرُونَ أوْ حالٌ.
﴿ وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا ﴾ أيْ وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ فَأُزِيلَ عَنْ أصْلِهِ لِلْإغْراقِ في وصْفِهِ بِالرَّحْمَةِ والعِلْمِ والمُبالَغَةِ في عُمُومِها، وتَقْدِيمِ الرَّحْمَةِ لِأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ هاهُنا.
﴿ فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ﴾ لِلَّذِينِ عَلِمْتَ مِنهُمُ التَّوْبَةَ واتِّباعَ سَبِيلِ الحَقِّ.
﴿ وَقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ واحْفَظْهم عَنْهُ وهو تَصْرِيحٌ بَعْدَ إشْعارٍ لِلتَّأْكِيدِ والدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ العَذابِ.
<div class="verse-tafsir"
{الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ} يعني حاملي العرش والحافين حوله وهم الكروبيون سادة الملائكة صفة لاصحاب النار وفساده ظاهر روى أي حملة العرش ارجلهم في الارض السفلى رؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم وفي الحديث إن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة وقيل حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة قيام قد وضعوا ايديهم على عواتقهم يهللون ويكبرون ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر {يُسَبِّحُونَ} خبر المبتدأ وهو الذين {بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي مع حمده اذ الباء تدل على ان تسبيحهم بالحمد له {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} وفائدته مع علمنا بأن حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمده مؤمنون اظهارا شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه كما وصف الأنبياء في غير موضع بالصلاح لذلك وكما عقب أعمال الخير بقوله ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين امنوا فأبان بذلك فضل الإيمان وقد روعي التناسب في قوله ويؤمنون به {ويستغفرون للذين آمنوا} كأنه قيل ويؤمنون به ويستغفرون لمن في مثل حالهم وفيه دليل على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة والشفقة وإن تباعدت الأجناس والأماكن {رَبَّنَا} أي يقولون ربنا وهذا المحذوف حال {وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} والرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى إذ الأصل وسع كل شيء رحمتك وعلمك ولكن أزيل الكلام عن أصله بأن
أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم وأخرجا منصوبين على التمييز مبالغة في وصفه بالرحمة والعلم {فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ} أي للذين علمت منهم التوبة لتناسب ذكر الرحمة والعلم {واتبعوا سَبِيلَكَ} أي طريق الهدى الذي دعوت إليه {وَقِهِمْ عذاب الجحيم ربنا}
غافر (١١ - ٨)
﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ﴾ وهو جِسْمٌ عَظِيمٌ لَهُ قَوائِمُ الكُرْسِيِّ وما تَحْتَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى العَرْشَ مِن جَوْهَرَةٍ خَضْراءَ وبَيْنَ القائِمَتَيْنِ مِن قَوائِمِهِ خَفَقانُ الطَّيْرِ المُسْرِعِ ثَمانِينَ ألْفَ عامٍ.
وذَكَرَ بَعْضُهم في سِعَتِهِ أنَّهُ لَوْ مُسِحَ مُقَعَّرُهُ بِجَمِيعِ مِياهِ الدُّنْيا مَسْحًا خَفِيفًا لَقَصُرَتْ عَنِ اسْتِيعابِهِ ويَزْعُمُ أهْلُ الهَيْئَةِ ومَن وافَقَهم أنَّهُ كُرَيٌّ وأنَّهُ المُحَدَّدُ وفَلَكُ الأفْلاكِ وأنَّهُ كَسائِرِ الأفْلاكِ لا يُوصَفُ بِثِقَلٍ ولا خِفَّةٍ ولَيْسَ لَهم في ذَلِكَ خَبَرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ بَلِ الأخْبارُ ظاهِرَةٌ في خِلافِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ الحَمْلَ عَلى حَقِيقَتِهِ وحَمَلَتُهُ مَلائِكَةٌ عِظامٌ.
أخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلاهُ الأرْضَ السّابِعَةَ السُّفْلى والعَرْشُ عَلى مَنكِبَيْهِ وهو يَقُولُ: سُبْحانَكَ أيْنَ كُنْتُ وأيْنَ تَكُونُ».
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وجَماعَةٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جابِرٍ بِلَفْظِ ««أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ تَعالى مِن حَمَلَةِ العَرْشِ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عامٍ»» وهم عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ ثَمانِيَةٌ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ هارُونَ بْنِ رَبابٍ قالَ: حَمَلَةُ العَرْشِ ثَمانِيَةٌ يَتَجاوَبُونَ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ يَقُولُ أرْبَعَةٌ مِنهم سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عَفْوِكَ وأرْبَعَةٌ مِنهم سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ أبِي قُبَيْلٍ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقُولُ: حَمَلَةُ العَرْشِ ثَمانِيَةٌ ما بَيْنَ مَوْقِ أحَدِهِمْ إلى مُؤَخَّرِ عَيْنَيْهِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ ويَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةٌ.
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبٍ قالَ: حَمَلَةُ العَرْشِ أرْبَعَةٌ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أُيِّدُوا بِأرْبَعَةٍ آخَرِينَ، مَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ إنْسانٍ يَشْفَعُ لِبَنِيآدَمَ في أرْزاقِهِمْ، ومَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ نَسْرٍ يَشْفَعُ لِلطَّيْرِ في أرْزاقِهِمْ، ومَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ ثَوْرٍ يَشْفَعُ لِلْبَهائِمِ في أرْزاقِهِمْ، ومَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ أسَدٍ يَشْفَعُ لِلسِّباعِ في أرْزاقِهِمْ فَلَمّا حَمَلُوا العَرْشَ وقَعُوا عَلى رُكَبِهِمْ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى فَلُقِّنُوا لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ فاسْتَوَوْا قِيامًا عَلى أرْجُلِهِمْ.
وجاءَ رِوايَةً عَنْ وهْبٍ أيْضًا أنَّهم يَحْمِلُونَ العَرْشَ عَلى أكْتافِهِمْ وهو الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُ خَبَرِ أبِي هُرَيْرَةَ السّابِقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ حِبّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: حَمَلَةُ العَرْشِ ثَمانِيَةٌ أقْدامُهم مُثَبَّتَةٌ في الأرْضِ السّابِعَةِ ورُؤُوسُهم قَدْ جاوَزَتِ السَّماءَ السّابِعَةَ وقُرُونُهم مِثْلُ طُولِهِمْ عَلَيْها العَرْشُ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم خُشُوعٌ لا يَرْفَعُونَ طَرْفَهم، وفي بَعْضِها لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرْفَعُوا أبْصارَهم مِن شُعاعِ النُّورِ، وهم عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي أُمامَةَ يَتَكَلَّمُونَ بِالفارِسِيَّةِ أيْ إذا تَكَلَّمُوا بِغَيْرِ التَّسْبِيحِ وإلّا فالظّاهِرُ أنَّهم يُسَبِّحُونَ بِالعَرَبِيَّةِ، عَلى أنَّ الخَبَرَ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.
وفي بَعْضِ الآثارِ عَنْ وهْبٍ أنَّهم لَيْسَ لَهم كَلامٌ إلّا أنْ يَقُولُوا قُدُّوسٌ اللَّهُ القَوِيُّ مَلَأتْ عَظَمَتُهُ السَّماواتِ والأرْضَ، وما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بُعَيْدَ هَذا في الآيَةِ يَأْبى ظاهِرُهُ الحَصْرَ ﴿ ومَن حَوْلَهُ ﴾ أيْ والَّذِينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ وهم مَلائِكَةٌ في غايَةِ الكَثْرَةِ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ تَعالى.
وقِيلَ: حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ ومِن ورائِهِمْ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ قِيامٌ قَدْ وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى عَواتِقِهِمْ رافِعِينَ أصْواتَهم بِالتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ ومِن ورائِهِمْ مِائَةُ ألْفِ صَفٍّ قَدْ وضَعُوا الأيْمانَ عَلى الشَّمائِلِ ما مِنهم أحَدٌ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِما لا يُسَبِّحُ بِهِ الآخَرُ.
وذُكِرَ في كَثْرَتِهِمْ أنَّ مَخْلُوقاتِ البَرِّ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ البَحْرِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ الجَوِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الدُّنْيا والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الثّانِيَةِ وهَكَذا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ الكُرْسِيِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ المَلائِكَةِ الحافِّينَ بِالعَرْشِ، ولا نِسْبَةَ بَيْنَ مَجْمُوعِ المَذْكُورِ وما يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُنُودِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ ﴾ ويُقالُ لِحَمَلَةِ العَرْشِ والحافِّينَ بِهِ الكَرُوبِيُّونَ جَمْعَ كَرُوبِيٍّ بِفَتْحِ الكافِ وضَمِّ الرّاءِ المُهْمَلَةِ المُخَفَّفَةِ وتَشْدِيدُها خَطَأٌ ثُمَّ واوٌ بَعْدَها ياءٌ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ ياءٌ مُشَدَّدَةٌ مِن كَرُبَ بِمَعْنى قَرُبَ، وقَدْ تَوَقَّفَ بَعْضُهم في سَماعِهِ مِنَ العَرَبِ وأثْبَتَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ واسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ: كَرُوبِيَّةٌ مِنهم رُكُوعٌ وسُجَّدُ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى المُبالَغَةِ في القُرْبِ لِصِيغَةِ فَعُولٍ والياءِ الَّتِي تُزادُ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: مِنَ الكَرْبِ بِمَعْنى الشِّدَّةِ والحُزْنِ وكَأنَّ وصْفَهم بِذَلِكَ لِأنَّهم أشَدُّ المَلائِكَةِ خَوْفًا.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الكَرُوبِيِّينَ حَمَلَةُ العَرْشِ وأنَّهم أوَّلُ المَلائِكَةِ وُجُودًا ومِثْلُهُ لا يُعْرَفُ إلّا بِسَماعٍ.
وعَنِ البَيْهَقِيِّ أنَّهم مَلائِكَةُ العَذابِ وكَأنَّ ذَلِكَ إطْلاقٌ آخَرُ مِنَ الكَرْبِ بِمَعْنى الشِّدَّةِ والحُزْنِ، وقالَ ابْنُ سِينا في رِسالَةِ المَلائِكَةِ: الكَرُوبِيُّونَ هُمُ العامِرُونَ لِعَرَصاتِ التِّيهِ الأعْلى الواقِفُونَ في المَوْقِفِ الأكْرَمِ زُمُرًا النّاظِرُونَ إلى المَنظَرِ الأبْهى نَظَرًا وهُمُ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ والأرْواحُ المُبَرَّءُونَ، وأمّا المَلائِكَةُ العامِلُونَ فَهم حَمَلَةُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وعُمّارُ السَّماواتِ.
انْتَهى.
.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ حَمْلَ العَرْشِ مَجازٌ عَنْ تَدْبِيرِهِ وحِفْظِهِ مِن أنْ يَعْرِضَ لَهُ ما يُخِلُّ بِهِ أوْ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِهِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وجَعَلُوا القَرِينَةَ عَقْلِيَّةً لِأنَّ العَرْشَ ( كَرَيّ ) في حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ فَلا يَحْتاجُ إلى حَمْلٍ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الحُكَماءِ وأكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ، وكَذا ذَهَبُوا إلى أنَّ الحَفِيفَ والطَّوافَ بِالعَرْشِ كِنايَةٌ أوْ مَجازٌ عَنِ القُرْبِ مِن ذِي العَرْشِ سُبْحانَهُ ومَكانَتِهِمْ عِنْدَهُ تَعالى وتَوَسُّطِهِمْ في نَفاذِ أمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، والحَقُّ الحَقِيقَةُ في المَوْضِعَيْنِ وما ذُكِرَ مِنَ القَرِينَةِ العَقْلِيَّةِ في حَيِّزِ المَنعِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وفِرْقَةٌ «العُرُشَ» بِضَمِّ العَيْنِ فَقِيلَ: هو جَمْعُ عَرْشٍ كَسُقُفٍ وسَقْفٍ أوْ لُغَةٌ في العَرْشِ، والمَوْصُولُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ والثّانِي عَطْفٌ عَلَيْهِ والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَيانِ أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم في المَحَلِّ الأعْلى مُثابِرُونَ عَلى وِلايَةِ مَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ونُصْرَتِهِمْ واسْتِدْعاءِ ما يُسْعِدُهم في الدّارَيْنِ أيْ يُنَزِّهُونَهُ تَعالى عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ كالجِسْمِيَّةِ وكَوْنِ العَرْشِ حامِلًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى نَعْمائِهِ الَّتِي لا تَتَناهى.
﴿ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ إيمانًا حَقِيقِيًّا كامِلًا، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مَعَ الغِنى عَنْ ذِكْرِهِ رَأْسًا لِإظْهارِ فَضِيلَةِ الإيمانِ وإبْرازِ شَرَفِ أهْلِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ دُعائِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فَإنَّ المُشارَكَةَ في الإيمانِ أقْوى المُناسَباتِ وأتَمُّها وأدْعى الدَّواعِي إلى النُّصْحِ والشَّفَقَةِ وإنْ تَخالَفَتِ الأجْناسُ وتَباعَدَتِ الأماكِنُ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: إشْعارٌ بِأنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ وسُكّانَ الفَرْشِ سَواءٌ في الإيمانِ بِالغَيْبِ إذْ لَوْ كانَ هُناكَ مُشاهَدَةٌ لِلُزُومِها مِنَ الحَمْلِ بِناءً عَلى العادَةِ الغالِبَةِ أوْ عَلى أنَّ العَرْشَ جِسْمٌ شَفّافٌ لا يَمْنَعُ الأبْصارَ البَتَّةَ لَمْ يَقُلْ يُؤْمِنُونَ لِأنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ أعْنِي العِلْمَ أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُ مَعَ اعْتِرافٍ وإنَّما يَكُونُ في الخَبَرِ ومَضْمُونِهِ مِن مُعْتَقَدٍ عِلْمِيٍّ أوْ ظَنِّيٍّ ناشِئٍ مِنَ البُرْهانِ أوْ قَوْلِ الصّادِقِ كَأنَّهُ اعْتَرَفَ بِصِدْقِ المُخْبِرِ أوِ البُرْهانِ وأمّا العِيانُ فَيُغْنِي عَنِ البَيانِ، فَفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى الرَّدِّ عَلى المُجَسِّمَةِ، ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لا تُفَضِّلُونِي عَلى ابْنِ مَتّى»» كَذا قِيلَ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ كَوْنَ حَمَلَةِ العَرْشِ لا يَرَوْنَهُ عَزَّ وجَلَّ بِالحاسَّةِ لا يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ إيّاهُ تَعالى في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿ رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ يَقُولُونَ رَبَّنا..
إلَخْ، والجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ عَلى أنَّها تَفْسِيرٌ - لِيَسْتَغْفِرُونَ - أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ عَلى تِلْكَ الجُمْلَةِ بِناءً عَلى جَوازِهِ في الجُمَلِ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يَسْتَغْفِرُونَ ) .
وفُسِّرَ اسْتِغْفارُهم عَلى هَذا الوَجْهِ بِشَفاعَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وحَمْلِهِمْ عَلى التَّوْبَةِ بِما يُفِيضُونَ عَلى سَرائِرِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ﴾ المُفَسَّرُ بِتَرْكِ مُعاجَلَةِ العِقابِ وإدْرارِ الرِّزْقِ والِارْتِفاقِ بِما خَلَقَ مِنَ المَنافِعِ الجَمَّةِ ونَحْوَ ذَلِكَ وهو وإنْ لَمْ يَخُصَّ المُؤْمِنِينَ لَكِنَّهم أصْلٌ فِيهِ فَتَخْصِيصُهم هُنا بِالذِّكْرِ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ، والأظْهَرُ كَوْنُ الجُمْلَةِ تَفْسِيرًا، ونُصِبَ ( رُحْمًا وعِلْمًا ) عَلى التَّمْيِيزِ وهو مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ والأصْلُ وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ وحُوِّلَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالرَّحْمَةِ والعِلْمِ حَيْثُ جُعِلَتْ ذاتُهُ سُبْحانَهُ كَأنَّها عَيْنُ الرَّحْمَةِ والعِلْمِ مَعَ التَّلْوِيحِ إلى عُمُومِها لِأنَّ نِسْبَةَ جَمِيعِ الأشْياءِ إلَيْهِ تَعالى مُسْتَوِيَةٌ فَتَقْتَضِي اسْتِواءَها في شُمُولِهِما، ووَصْفُهُ تَعالى بِكَمالِ الرَّحْمَةِ والعِلْمِ كالتَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ﴾ ..
إلَخْ، وتَسَبُّبُ المَغْفِرَةِ عَنِ الرَّحْمَةِ ظاهِرٌ، وأمّا تَسَبُّبُها عَنِ العِلْمِ فَلِأنَّ المَعْنى فاغْفِرْ لِلَّذِينِ عَلِمْتَ مِنهُمُ التَّوْبَةَ أيْ مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا بِناءً عَلى أنَّهُ المُتَبادَرُ مِنَ الإطْلاقِ واتِّباعِ سَبِيلِكَ وهو سَبِيلُ الحَقِّ الَّتِي نَهَجَها اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ ودَعا إلَيْها الإسْلامُ أيْ عِلْمُكَ الشّامِلُ المُحِيطُ بِما خَفِيَ وما عَلَنَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى طِهارَتِهِمْ مِن كُدُوراتِ الرِّياءِ والهَوى فَإنَّ ذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ.
ويَتَضَمَّنُ التَّمْهِيدُ المَذْكُورُ الإشارَةَ إلّا أنَّ الرَّحْمَةَ الواسِعَةَ والعِلْمَ الشّامِلَ يَقْتَضِيانِ أنْ يَنالَ هَؤُلاءِ الفَوْزَ العَظِيمَ والقِسْطَ الأعْلى مِنَ الرِّضْوانِ وفِيهِ إيماءٌ إلى مَعْنى: إنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا فَإنَّ العَبْدَ وإنْ بالَغَ حَقَّ المُبالَغَةِ في أداءِ حُقُوقِهِ تَعالى فَهو مُقَصِّرٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ»» وتَقْدِيمُ الرَّحْمَةِ لِأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ ها هُنا، وفي تَصْدِيرِ الدُّعاءِ بِرَبِّنا مِنَ الِاسْتِعْطافِ ما لا يَخْفى ولِذا كَثُرَ تَصْدِيرُ الدُّعاءِ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ أيْ واحْفَظْهم عَنْهُ تَصْرِيحٌ بَعْدَ تَلْوِيحٍ لِلتَّأْكِيدِ فَإنَّ الدُّعاءَ بِالمَغْفِرَةِ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى شِدَّةِ العَذابِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال الله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وهم الملائكة، وَمَنْ حَوْلَهُ من المقربين، يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يعني: يسبحون الله تعالى، ويحمدونه، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ أي: يصدقون بالله، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: المؤمنين.
وفي الآية: دليل فضل المؤمنين، وبيانه، أن الملائكة مشتغلون بالدعاء لهم.
ثم وصف دعاءهم للمؤمنين وهو قولهم: رَبَّنا يعني: يقولون: يا ربنا، وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً يعني: يا ربنا رحمتك واسعة، وعلمك محيط بكل شيء.
ويقال: معناه ملأت كل شيء نعمة، وعلماً، علم ما فيها من الخلق.
روى قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: وجدنا أنصح عباد الله، لعباد الله، الملائكة.
ووجدنا أغش عباد الله، لعباد الله، الشياطين.
وروى الأعمش، عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله بن مسعود يقولون: الملائكة خير للمسلمين من ابن الكواء، الملائكة يستغفرون لمن في الأرض، وابن الكواء يشهد عليهم بالكفر، وكان ابن الكواء رجلاً خارجياً.
قوله: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا أي: تجاوز عنهم يعني: الذين رجعوا عن الشرك، وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ يعني: دينك الإسلام، وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ يعني: ادفع عنهم في الآخرة عذاب النار رَبَّنا يعني: ويقولون: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ على لسان رسلك، وَمَنْ صَلَحَ أي: من وحّد الله تعالى مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ أي: وأدخلهم معهم الجنة أيضاً، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ في ملكك، الْحَكِيمُ في أمرك، وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ يعني: ادفع عنهم العذاب في الآخرة.
وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ يعني: من دفعت العذاب عنه، فقد رحمته.
قال مقاتل: السيئات يعني: الشرك في الدنيا، فَقَدْ رَحِمْتَهُ في الآخرة، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعني: النجاة الوافرة.
<div class="verse-tafsir"
- رحمه الله-: ومِنْ مكائد الشيطان أن يَشْغَلَكَ [في الصلاة بفكر الآخرة وتدبيرِ فِعْلِ الخيرات لتمتنعَ عن فَهْمِ ما تقرأه، واعلم أَنَّ كلَّ ما أشغلك] «١» عن معاني قراءتك فهو وسواس فإنَّ حركة اللسان غيرُ مقصودة بل المقصود معانيها، انتهى من «الإحياء» .
وروي عن مجاهد «٢» : أَنَّ الله تعالى لما خلق الجَنَّةَ، وأتقن حُسْنَها قال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ثم وصف تعالى هؤلاء المفلحين: فقال: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ والخشوع التطامُنُ، وسكونُ الأعضاءِ، والوقارُ، وهذا إنَّما يظهر في الأعضاء مِمَّنْ في قلبه خوف واستكانة لأَنَّه إذا خشع قلبُه خشعت جوارِحُه، ورُوِيَ أَنَّ سبب الآية أَنَّ المسلمين كانوا يلتفتون في صلاتهم يُمْنَةً ويُسْرَةً فنزلت هذه الآيةُ، وأُمِرُوا أن يكون [بصرٍ] «٣» المُصَلِّي حِذَاءَ قِبْلَتِه أو بين يديه، وفي الحرم إلى الكعبة، واللَّغْوِ: سقط القول، وهذا يَعُمُّ جميع ما لا خيرَ فيه، ويجمع آداب الشرع، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلّم وأصحابه، أي:
يُعْرِضُونَ عن اللغو، وكأنَّ الآية فيها موادعة.
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ذهب الطبريُّ «٤» وغيره إلى: أَنَّها الزكاة المفروضة في الأموال، وهذا بَيِّنٌ، ويحتمل اللفظُ أَن يريد بالزكاة: الفضائلَ، كأنه أراد الأزكى من كل فعل كما قال تعالى: خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً [الكهف: ٨١] .
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إلى قوله: هُمُ العادُونَ يقتضي تحريمَ الزِّنا والاستمناءِ ومواقعةِ البهائم، وكُلُّ ذلك داخل في قوله: وَراءَ ذلِكَ ويريد:
وراءَ هذا الحَدِّ الذي حُدَّ، والعادي: الظالم، والأمانة والعهد يَجْمَعُ كُلَّ ما تحمَّله الإنسان من أمر دينه ودُنياه قولاً وفعلاً.
وهذا يعمُّ معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك، ورعاية ذلك حِفْظُهُ والقيام به، والأمانة أعمُّ من العهد إذ كل عهد فهو أمانة، وقرأ الجمهور:
ثُمَّ أخْبَرَ بِفَضْلِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ﴾ وهَمْ أرْبَعَةُ أمْلاكٍ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جُعِلُوا ثَمانِيَةً ﴿ وَمَن حَوْلَهُ ﴾ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ يَطُوفُونَ بِهِ، ومِن وراءِ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفِ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِما لا يُسَبِّحُهُ الآَخَرُ.
وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ هُمُ الكَرُوبِيُّونَ وهم سادَةُ المَلائِكَةِ.
وقَدْ ذَكَرْنا في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا ﴾ أيْ يَقُولُونَ: رَبَّنا ﴿ وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.
وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ ﴿ فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا ﴾ مِنَ الشِّرْكَ ﴿ واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ﴾ وَهُوَ دِينُ الإسْلامِ.
وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي العَذابَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النارِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ وَقِهِمُ السَيِّئاتِ ومَن تَقِ السَيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: [كَذَلِكَ سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ]، والمَعْنى: كَما أخَذْتُ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ فَأهْلَكْتُهم فَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِماتِي عَلى جَمِيعِ الكُفّارِ، مَن تَقَدَّمَ مِنهم ومَن تَأخَّرَ، أنَّهم أهْلُ النارِ وسُكّانُها.وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "كَلِماتُ" عَلى الجَمْعِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وابْنِ نِصاحٍ.
وقَرَأ الباقُونَ عَلى الإفْرادِ، وهي لِلْجِنْسِ، وهي قِراءَةُ أبِي رَجاءٍ، وقَتادَةَ، وهَذِهِ كُلُّها عِبارَةٌ عن خَتْمِ القَضاءِ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "أنَّهُمْ" ﴾ بَدَلٌ مِن "كَلِمَةُ".
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِخَبَرٍ يَتَضَمَّنُ تَشْرِيفَ المُؤْمِنِينَ ويَعَظِّمُ الرَجاءَ لَهُمْ، وهو أنَّ المَلائِكَةَ الحامِلِينَ لِلْعَرْشِ والَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ - وهم أفْضَلُ المَلائِكَةِ - يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَسْألُونَ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَهُمُ الجَنَّةَ والرَحْمَةَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا ﴾ ، أيْ: سَألَتْهُ المَلائِكَةُ، وفَسَّرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المُجْمَلَ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ﴾ ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ المَلائِكَةَ لا تَسْتَغْفِرُ لِكافِرٍ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِلْكَفّارِ، بِمَعْنى طَلَبِ هِدايَتِهِمْ والمَغْفِرَةِ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى هَذا النَحْوِ هو اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِأبِيهِ، واسْتِغْفارُ رَسُولِ اللهِ لِلْمُنافِقِينَ، وبَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا قالَ لِبَعْضِ الصالِحِينَ: ادْعُ لِي واسْتَغْفِرْ لِي، فَقالَ لَهُ: تُبْ واتَّبِعْ سَبِيلَ اللهِ يَسْتَغْفِرْ لَكَ مَن هو خَيْرٌ مِنِّي، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِخِّيرِ: وجَدْنا أنْصَحَ العِبادِ لِلْعِبادِ المَلائِكَةَ، وأغَشَّ العِبادِ لِلْعِبادِ الشَياطِينَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عن مَلَكٍ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وعاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ".» وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "العُرْشَ" بِضَمِّ العَيْنِ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا ﴾ .
نُصِبَ "رَحْمَةً" عَلى التَمْيِيزِ، وفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ، ومَعْناهُ: وسِعَتْ رَحْمَتُكُ وعِلْمُكُ كُلَّ شَيْءٍ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِمْ: "تَفَقَّأتَ شَحْمًا، وتَصَبَّبَتَ عَرَقًا، وطِبْتَ نَفْسًا".
و"سَبِيلُ اللهِ المُتَّبَعَةِ" هي الشَرائِعُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "جَنّاتِ عَدْنٍ" عَلى جَمْعِ الجَنّاتِ، وقَرَأ الأعْمَشُ - في رِوايَةِ المُفَضَّلِ -: "جَنَّةَ عَدْنٍ" عَلى الإفْرادِ، وكَذَلِكَ هو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، و"العَدْنُ": الإقامَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ ﴾ .
رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ: أنَّ الرَجُلَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ قَرابَتِهِ، فَيَقُولُ: أيْنَ أبِي؟
أيْنَ أُمِّي؟
أيْنَ زَوْجَتِي؟
فَيُلْحَقُونَ بِهِ لِصَلاحِهِمْ، ولِتَنْبِيهِهِ عَلَيْهِمْ وطَلَبِهِ إيّاهُمْ، وهَذِهِ دَعْوَةُ المَلائِكَةِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَذَرِّيَّتَهُمْ" بِالإفْرادِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَقِهِمْ" ﴾ أصْلُهُ: أوقِهِمْ، حُذِفَتِ الواوَ إتْباعًا لِحَذْفِها في المُسْتَقْبَلِ، واسْتُغْنِيَ عن ألْفِ الوَصْلِ لِتَحَرُّكِ القافِ، ومَعْناهُ: اجْعَلْ لَهم وِقايَةً تَقِيهِمُ السَيِّئاتِ، واللَفْظُ يَحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدُعاءُ في أنْ يَدْفَعَ اللهُ عنهُمُ العَذابَ اللاحِقَ مِنَ السَيِّئاتِ، فَيَكُونُ في اللَفْظِ - عَلى هَذا - حَذْفُ مُضافٍ، كَأنَّهُ قالَ: وقَهِمَ جَزاءَ السَيِّئاتِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي اقتضاه الانتقال من ذكر الوعيد المؤذن بذم الذين كفروا إلى ذكر الثناء على المؤمنين، فإن الكلام الجاري على ألسنة الملائكة مثل الكلام الجاري على ألسنة الرسل إذ الجميع من وحي الله، والمناسبة المضادَّةُ بين الحالين والمقالين.
ويجوز أن يكون استئنافاً بيانياً ناشئاً عن وعيد المجادلين في آيات الله أن يسأل سائل عن حال الذين لا يجادلون في آيات الله فآمنوا بها.
وخص في هذه الآية طائفة من الملائكة موصوفة بأوصاف تقتضي رفعة شأنهم تذرعاً من ذلك إلى التنويه بشأن المؤمنين الذين تستغفر لهم هذه الطائفة الشريفة من الملائكة، وإلا فإن الله قد أسند مثل هذا الاستغفار لعموم الملائكة في قوله في سورة [الشورى: 5] ﴿ والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ أي من المؤمنين بقرينة قوله فيها بعده: ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء اللَّه حفيظ عليهم ﴾ [الشورى: 6].
و ﴿ الذين يحمِلُون العَرْش ﴾ هم الموكَّلون برفع العرش المحيط بالسماوات وهو أعظم السماوات، ولذلك أضيف إلى الله في قوله تعالى: ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ [الحاقة: 17].
(و ﴿ من حَوله ﴾ طائفة من الملائكة تحفّ بالعرش تحقيقاً لعظمته قال تعالى: ﴿ وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ﴾ [الزمر: 75]، ولا حاجة إلى الخوض في عددهم ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو ﴾ [المدثر: 31].
(والإِخبار عن صنفي الملائكة بأنهم يسبحون ويؤمنون به؛ توطئة وتمهيد للإخبار عنهم بأنهم يستغفرون للذين آمنوا فذلك هو المقصود من الخبر، فقدم له ما فيه تحقيق استجابة استغفارهم لصدوره ممن دأبهم التسبيح وصفتهم الإِيمان.
وصِيغةُ المضارع في ﴿ يسبحون ﴾ و ﴿ يؤمنون ﴾ و ﴿ يستغفرون ﴾ مفيدة لتجدد ذلك وتكرره، وذلك مشعر بأن المراد أنهم يفعلون ذلك في الدنيا كما هو الملائم لقوله: ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ وقوله: ﴿ وأدخِلهم جَنَّات عَدننٍ التي وعَدتَّهُم ﴾ [غافر: 8] وقوله: ﴿ ومَن تَقِ السَّيِئات ﴾ [غافر: 9] الخ وقد قال في الآية الأخرى ﴿ ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ [الشورى: 5] أي من المؤمنين كما تقدم.
ومعنى تجدد الإِيمان المستفاد من ﴿ ويؤمنون ﴾ تجدد ملاحظته في نفوس الملائكة وإلا فإن الإِيمان عقد ثابت في النفوس وإنما تجدده بتجدد دلائله وآثاره.
وفائدة الإخبار عنهم بأنهم يؤمنون مع كونه معلوماً في جانب الملائكة التنويهُ بشأن الإِيمان بأنه حال الملائكة، والتعريضُ بالمشركين أن لم يكونوا مثل أشرف أجناس المخلوقات مثل قوله تعالى في حق إبراهيم ﴿ وما كان من المشركين ﴾ [الأنعام: 161].
وجملة ﴿ رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شيء رَحْمَة وعِلمَاً ﴾ مبيّنة ل ﴿ يستغفرون ﴾ ، وفيها قول محذوف دلت عليه طريقة التكلم في قولهم: ﴿ ربنا ﴾ .
والباء في ﴿ بِحَمْد رَبهِم ﴾ للملابسة، أي يسبحون الله تسبيحاً مصاحباً للحمد، فحذف مفعول ﴿ يسبحون ﴾ لدلالة المتعلِّق به عليه.
والمراد ب ﴿ الذين آمنوا ﴾ المؤمنون المعهودون وهم المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم المقصود في هذا المقام وإن كان صالحاً لكل المؤمنين.
وافتتح دعاء الملائكة للمؤمنين بالنداء لأنه أدخل في التضرع وأرجى للإِجابة، وتوجهوا إلى الله بالثناء بسعة رحمته وعلمه لأن سعة الرحمة مما يُطمِع باستجابة الغفران، وسعة العلم تتعلق بثبوت إيماننِ الذين آمنوا.
ومعنى السعة في الصفتين كثرة تعلقاتهما، وذكر سعة العلم كناية عن يقينهم بصدق إيمان المؤمنين فهو بمنزلة قول القائل، أنت تعلم أنهم آمنوا بك ووحّدوك.
وجيء في وصفه تعالى بالرحمة الواسعة والعلم الواسع بأسلوب التمييز المحوَّل عن النسبة لما في تركيبه من المبالغة بإسناد السعة إلى الذات ظاهراً حتى كأنَّ ذاته هي التي وَسِعَتْ، فذلك إجمال يستشرف به السامع إلى ما يرِد بعدَه فيجيء بعده التمييز المبيِّن لنسبة السعة أنها من جانب الرحمة وجانب العلم، وهي فائدة تمييز النسبة في كلام العرب، لأن للتفصيل بعد الإِجمال تمكيناً للصفة في النفس كما في قوله تعالى: ﴿ واشتعل الرأس شيباً ﴾ [مريم: 4].
والمراد أن الرحمة والعلم وَسِعَا كل موجود، الآن، أي في الدنيا وذلك هو سياق الدعاء كما تقدم آنفاً، فما من موجود في الدنيا إلا وقد نالته قسمة من رحمة الله سواء في ذلك المؤمن والكافر والإِنسان والحيوان.
و ﴿ كُلَّ شيءٍ ﴾ كل موجود، وهو عام مخصوص بالعقل بالنسبة للرحمة، أي كل شيء محتاج إلى الرحمة، وتلك هي الموجودات التي لها إدراك تدرك به الملائم والمنافر والنافع والضار، من الإِنسان والحيوان، إذ لا فائدة في تعلق الرحمة بالحَجر والشجر ونحوهما.
وأما بالنسبة إلى العلم فالعموم على بابه قال تعالى: ﴿ ألا يعلم من خلق ﴾ [الملك: 14].
ولما كان سياق هذا الدعاء أنه واقع في الدنيا كما تقدم اندفع ما عسى أن يقال إن رحمة الله لا تسع المشركين يوم القيامة إذ هم في عذاب خالد فلا حاجة إلى تخصيص عموم كل شيء بالنسبة إلى سعة الرحمة بمخصصات الأدلة المنفصلة القاضية بعدم سعة رحمة الله للمشركين بعد الحساب.
وتَفَرع على هذه التوطئة بمناجاة الله تعالى ما هو المتوسَّل إليه منها وهو طلب المغفرة للذين تابوا لأنه إذا كان قد عَلم صدق توبة من تاب منهم وكانت رحمته وسعت كلَّ شيء فقد استحقوا أن تشملهم رحمته لأنهم أحرياء بها.
ومفعولُ ﴿ فاغفر ﴾ محذوف للعلم، أي اغفر لهم ما تابوا منه، أي ذنوب الذين تابوا.
والمراد بالتوبة: الإِقلاع عن المعاصي وأعظمها الإشراك بالله.
واتباع سبيل الله هو العمل بما أمرهم واجتنابُ ما نهاهم عنه، فالإِرشاد يشبه الطريق الذي رسمه الله لهم ودلهم عليه فإذا عملوا به فكأنهم اتبعوا السبيل فمشَوا فيه فوصلوا إلى المقصود.
﴿ وَقِهم عذاب الجحيم ﴾ عطف على ﴿ فاغفر ﴾ فهو من جملة التفريع فإن الغفران يقتضي هذه الوقاية لأن غفران الذنب هو عدم المؤاخذة به.
وعذاب الجحيم جعله الله لِجزاء المذنبين، إلا أنهم عضدوا دلالة الالتزام بدلالة المطابقة إظهاراً للحرص على المطلوب.
والجحيم: شدة الالتهاب، وسميت به جهنم دارُ الجزاء على الذنوب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَلَأتْ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا، أوْ رَحْمَةً عَلَيْهِ وعِلْمًا بِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ: وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ.
﴿ فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا ﴾ قالَ يَحْيى: مِنَ الشِّرْكِ.
﴿ واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ﴾ قالَ الإسْلامُ لِأنَّهُ سَبِيلٌ إلى الجَنَّةِ.
﴿ وَقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِكَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو يعلى وابن مردويه بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أذن لي أن أحدث عن ملك قد مرقت رجلاه الأرض السابعة، والعرش على منكبيه وهو يقول: سبحانك أين كنت وأين تكون؟!» .
وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات بسند صحيح عن جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة» .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن حبان بن عطية رضي الله عنه قال: حملة العرش ثمانية.
أقدامهم مثقفة في الأرض السابعة، ورؤوسهم قد جاوزت السماء السابعة، وقرونهم مثل طولهم عليها العرش.
وأخرج أبو الشيخ عن ذاذان رضي الله عنه قال: حملة العرش أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن هرون بن رباب رضي الله عنه قال: حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت رخيم.
يقول أربعة منهم: سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.
وأربعة منهم يقولون: سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك.
وأخرج أبو الشيخ وابن أبي حاتم من طريق أبي قبيل أنه سمع عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يقول: حملة العرش ثمانية.
ما بين موق أحدهم إلى مؤخرة عينيه مسيرة خمسمائة عام.
وأخرج أبو الشيخ عن وهب رضي الله عنه قال: حملة العرش الذي يحملونه لكل ملك منهم أربعة وجوه، وأربعة أجنحة: جناحان على وجهه ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يطير بهما.
أقدامهم في الثرى، والعرش على أكتافهم.
لكل واحد منهم وجه ثور، ووجه أسد، ووجه إنسان، ووجه نسر.
ليس لهم كلام إلا أن يقولوا: قدوس الله القوي، ملأت عظمته السموات والأرض.
وأخرج أبو الشيخ عن وهب رضي الله عنه قال: حملة العرش أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدوا بأربعة آخرين.
ملك منهم في صورة إنسان يشفع لبني آدم في أرزاقهم، وملك منهم في سورة نسر يشفع للطير في أرزاقهم، وملك منهم في صورة ثور يشفع للبهائم في أرزاقهم، وملك في صورة أسد يشفع للسباع في أرزاقهم.
فلما حملوا العرش وقعوا على ركبهم من عظمة الله، فلقنوا لا حول ولا قوة إلا بالله، فاستووا قياماً على أرجلهم.
وأخرج أبو الشيخ عن مكحول رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في حملة العرش أربعة أملاك: ملك على صورة سيد الصور وهو ابن آدم، وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد، وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور فما زال غضبان مذ يوم العجل إلى ساعتي هذه، وملك على صورة سيد الطير وهو النسر» .
وأخرج ابن مردويه عن أم سعد رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «العرش على ملك من لؤلؤة على صورة ديك رجلاه في تخوم الأرض، وجناحاه في الشرق، وعنقه تحت العرش» .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: حملة العرش كلهم على صور.
قيل: يا عكرمة وما صور؟
فأمال خده قليلاً.
وأخرج عبد بن حميد عن ميسرة رضي الله عنه قال: لا تستطيع الملائكة الذين يحملون العرش أن ينظروا إلى ما فوقهم من شعاع النور.
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حملة العرش ما بين منكب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام، وذكر: إن خطوة تلك الملك ما بين المشرق والمغرب.
وأخرج عبد بن حميد عن ميسرة رضي الله عنه قال: حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفاً من أهل السماء السابعة، وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من أهل السماء التي تليها، وأهل السماء التي تليها أشد خوفاً من التي تليها.
وأخرج البيهقي عن عروة رضي الله عنه قال: حملة العرش منهم من صورته صورة الإِنسان، ومنهم من صورته صورة النسر، ومنهم من صورته صورة الثور، ومنهم من صورته صورة الأسد.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن الملائكة الذين يحملون العرش يتكلمون بالفارسية.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقال: «ما جمعكم قالوا: اجتمعنا نذكر ربنا، ونتفكر في عظمته فقال: لن تدركوا التفكر في عظمته.
ألا أخبركم ببعض عظمة ربكم؟
قيل: بلى يا رسول الله قال: إن ملكاً من حملة العرش يقال له إسرافيل، زاوية من زوايا العرش على كاهله.
قد مرقت قدماه في الأرض السابعة السفلى، ومرق رأسه من السماء السابعة في مثله من خليقة ربكم تعالى» .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: في بعض القراءة «الذين يحملون العرش فالذين حوله الملائكة يسبحون بحمد ربهم» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ويستغفرون للذين آمنوا ﴾ قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: وجدنا أنصح عباد الله لعباده الملائكة عليهم السلام، ووجدنا أغش عباد الله لعباده الشياطين.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: في بعض القراءة ﴿ الذين يحملون العرش ﴾ في قوله: ﴿ فاغفر للذين تابوا- من الشرك- واتبعوا سبيلك ﴾ قال: طاعتك وفي قوله: ﴿ وأدخلهم جنات عدن ﴾ قال: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا كعب ما عدن؟
قال: قصور من ذهب في الجنة يسكنها النبيون، والصديقون، وأئمة العدل وفي قوله: ﴿ وقهم السيئآت ﴾ قال: العذاب.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَنْ حَوْلَهُ ﴾ عطف على ﴿ الذين يَحْمِلُونَ ﴾ ﴿ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ إن قيل: ما فائدة قوله: ﴿ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ، ومعلوم أن حملة العرش ومن حوله يؤمنون بالله؟
فالجواب أن ذلك إظهار لفضيلة الإيمان وشرفه، قال ذلك الزمخشري، وقال: إن فيه فائدة أخرى وهي: أن معرفة حملة العرش بالله تعالى من طريق النظر والاستدلال، كسائر الخلق لا بالرؤية، وهذه نزعته إلى مذهب المعتزلة في استحالة رؤية الله.
﴿ وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً ﴾ أصل الكلام وسعت رحمتك وعلمك كل شيء فالسعة في المعنى مسندة إلى الرحمة والعلم، وإنما أسندتا إلى الله تعالى في اللفظ لقصد المبالغة في وصف الله تعالى بهما كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب وذلك طبعاً لا اختلافاً لمعان مذكورة في "ص".
﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لتنذر ﴾ بالتاء الفوقانية على أن الضمير للروح، وقد تؤنث، أو على خطاب الرسول: يعقوب غير رويس ﴿ التلاقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل.
﴿ والذين تدعون ﴾ على الخطاب: نافع وهشام غير الرازي وابن مجاهد والنقاش وابن ذكوان ﴿ أشد منكم ﴾ ابن عامر.
الباقون ﴿ منهم ﴾ .
الوقوف: ﴿ حم ﴾ ط كوفي ﴿ العليم ﴾ ه لا ﴿ الطول ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ﴿ من بعدهم ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ فأخذتهم ﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ م لئلا يتوهم أن ما بعده صفة أصحاب النار ﴿ آمنوا ﴾ ج لحق القول المحذوف ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ وذرياتهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه وقد يوصل للعطف ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ فتكفرون ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ﴿ كفرتم ﴾ ج للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ تؤمنوا ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ رزقاً ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ ذو العرش ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ التلاق ﴾ ه لا ﴿ بارزون ﴾ ج لاحتمال الاستئناف وتعلقه بالظرف ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ كسبت ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ كاظمين ﴾ ط ﴿ يطاع ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ بشيء ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ واق ﴾ ه ﴿ فأخذهم الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه.
التفسير: ﴿ حم ﴾ اسم الله الأعظم.
وقيل: ﴿ حم ﴾ ما هو كائن أي قدّر.
وروي أن أعرابياً قال للنبي : ما حم؟
فقال: أسماء وفواتح سور.
وقد تقدم القول في حواميم في مقدمات الكتاب وفي أول "البقرة".
ومن جملة تلك التقادير أن يقال: السورة المسماة بحم.
﴿ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ﴾ وقد مر نظيره في أول "الزمر".
ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد فقال ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ﴾ قالت المعتزلة: معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بالتوبة إن كان كبيراً، أو طاعة أعظم منه ثواباً إن كان صغيراً.
وقال الأشعري: إنه قد يعفو عن الكبائر بدون التوبة لئلا يلزم التكرار بقوله ﴿ قابل التوب ﴾ وليفيد المدح المطلق ويؤيده إدخال الواو بين هذين الوصفين فقط كأنه قيل: الجامع بين المغفرة إن كانت بدون توبة وبين القبول إن كانت بتوبة فقد جمع للمذنب بين رحمتين بحسب الحالتين.
وقيل: غافر الذنب الصغير وقابل التوب عن الكبير، أو غافر الذنب بإسقاط العقاب وقابل التوب بإيجاب الثواب.
ثم إن قبول التوبة واجب على الله أم لا؟
فيه بحث أيضاً للفريقين.
فالمعتزلة أوجبوه، والأشعري يقول: إنه على سبيل التفضيل وإلا لم بتمدّح به.
والظاهر أن التوب مصدر.
وقيل: جمع توبة أي ما ذنب تاب منه العبد إلا قبل توبته.
وقد ذكر أهل الإعراب ههنا سؤالاً وهو أن غافر الذنب وقابل التوب يمكن بوجيههما بأنهما معرفتان كما سبق في ﴿ مالك يوم الدين ﴾ وهو أنهما بمعنى الماضي أو الاستمرار فيصح وقوعهما صفتين لله إلا أن قوله ﴿ شديد العقاب ﴾ لا يمكن فيه هذا الوجه لأنه في معنى شديد عقابه.
فإن قلنا إنه صفة لزم وقوع النكرة صفة للمعرفة، وإن قلنا إنه بدل لزم نبوّ ظاهر للزوم بدل واحد فيما بين صفات كثيرة.
وأجيب على تقدير أن لا يكون الكل أبدالاً بأن الألف واللام من شديد محذوف لمناسبة ما قبله مع الأمن من اللبس ومن جهالة الموصوف، أو تعمد تنكيره من بين الصفات للإبهام والدلالة على فرط الشدة.
وجوزوا أن تكون هذه النكتة سبباً لجعله بدلاً من بين سائر أخواته.
وهذا ما قاله صاحب الكشاف.
وعندي أنه لا مانع من جعل ﴿ شديد العقاب ﴾ أيضاً للاستمرار والدوام حتى يصير إضافة حقيقية.
قوله ﴿ ذي الطول ﴾ أي ذي الفضل بسبب ترك العقاب وقد مر في قوله ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ وإنما أورد هذا الوصف بعد وصفه نفسه بشدة العقاب ليعلم أن خاتمة أمره مبنية على التفضل كما أن فاتحته مبنية على الغفران وقبول التوبة وقد تقع عقوبة في الوسط أعاذنا الله منها، إلا أنه لا يبقى مؤمن في النار خالداً ببركة قوله لا إله إلا الله وهو المبدأ وسبب علمه أنه إليه المصير وهو المعاد.
وفيه أن من آمن بالمبدأ والمعاد فإن أخل في الوسط ببعض التكاليف كان مرجواً أن يغفر الله له ويقبل توبته.
ثم بين أحوال من لا يقبل هذه التقريرات ولا يخضع لها فقال ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ والجدال في آياته نسبتها إلى الشعر تارة وإلى السحر أخرى إلى غير ذلك من المطاعن وفضول الكلام.
فأما البحث عنها لاستنباط حقائقها والوقوف على دقائقها وحل مشكلاتها فنوع من الجهاد في سبيل الله، ولمكان الفرق بين هذين الجدالين قال "إن جدالاً في القرآن كفر" فنكر الجدال ليشمل أحد نوعيه فقط وهو الجدال بالباطل كما يجيء في قوله ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ﴾ ثم عقب الكلام بقوله ﴿ فلا يغررك ﴾ ليعلم أن جدالهم الصادر عن البطر والأشر والجاه والخدم لا اعتبار به وكذا ﴿ تقلبهم في البلاد ﴾ للتجارات والمكاسب فإن قريشاً كانت أصحاب أموال متجرين إلى الشام واليمن مترفين بأموالهم مستكبرين عن قبول الحق لذلك.
ثم مثل حالهم بحال الأمم السالفة الذين تحزبوا على الرسل وكادوا يقتلونهم فأهلكهم الله ودمرهم ونجى الرسل.
ثم بين بقوله ﴿ وكذلك حقت ﴾ أنهم في الآخرة أيضاً معذبون.
وقوله ﴿ أنهم أصحاب النار ﴾ بدل من ﴿ كلمة ربك ﴾ أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم في الآخرة من أصحاب النار.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ أنهم ﴾ في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل.
وقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ قريش أي كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء لأن العلة الجامعة وهي أنهم أصحاب النار واحدة في الفريقين.
ومن قرأ ﴿ كلمات ﴾ على الجمع أراد بها علم الله السابق أو معلوماته التي لا نهاية لها، أو الآيات الواردة في وعيد الكفار.
وحين بين أن الكفار بالغوا في إظهار عداوة المؤمنين حكى أن أشرف طبقات أكثر المخلوقات وهم حملة العرش، والحافون حوله يبالغون في محبتهم ونصرتهم كأنه قيل: إن كان هؤلاء الأراذل يعادونهم فلا تبال بهم ولا تقم لهم وزناً فإن الأشراف يحابونهم.
روى صاحب الكشاف أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يعرفون طرفهم.
وروي عن النبي "لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق من الملائكة فإن خلقاً من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من سبع سموات وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع وهو طائر صغير شبه العصفور" وروي أن الله أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة.
وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام، وعدد حملة العرش يوم القيامة ثمانية لقوله عز وجل { ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ أما في غير ذلك الوقت فلا يعلم به إلا الله.
أما الذين حول العرش فقيل: سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر.
وهذه الآثار كلها منقولة من كتاب الكشاف.
سؤال: ما فائدة قوله ﴿ ويؤمنون به ﴾ ولا يخفى أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون؟
أجاب في الكشاف بأن فائدته التنبيه على شرف الإيمان والترغيب فيه.
وأيضاً فيه تكذيب المجسمة فإن الأمر لو كان على زعمهم لكانت الملائكة يشاهدونه فلا يوصفون بالإيمان به لأنه لا يوصف بالإيمان إلا الغائب، فعلم أن إيمانهم كإيمان أهل الأرض والكل سواء في أن إيمانهم بطريق النظر والاستدلال.
واستحسن هذا الكلام الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير حتى ترحم عليه وقال: لو لم يكن في كتابه إلا هذه النكتة لكفى به فخراً وشرفاً.
وأنا أقول: لا نسلم أن الإيمان لا يكون إلا بالغائب وإلا لم يكن الإيمان بالنبي وقت تحديه بالقرآن.
وإن شئت فتأمل قوله ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ فلو لم يكن إيمان بالشهادة لم يكن لقوله ﴿ بالغيب ﴾ فائدة.
على أنه يحتمل أن يشاهد الرب وينكر كونه إلهاً، ويمكن أن يكون محمول الشيء محجوباً عن ذلك الشيء فمن أين يلزم تكذيب المجسمة؟
وقال بعضهم في الجواب: أراد أنهم يسبحون تسبيح تلفظ لا تسبيح دلالة.
وزعم فخر الدين أن في الآية دلالة أخرى على إبطال قول أهل التجسيم إن الإله على العرش فإنه لو كان كما زعموا وحامل الشيء حامل لكل ما على ذلك الشيء لزم أن تكون الملائكة حاملين لإله العالم حافظين له، والحافظ أولى بالإلهية من المحفوظ.
قلت: لا شك أن هذه مغالطة فإن جاز الحمل لأجل العظمة وإظهار الكبرياء على ما يزعم الخصم في المسألة كيف يلزم منه ذلك؟
وهل يزعم عاقل أن الحمار أشرف من الإنسان الراكب عليه من جهة الركوب عليه؟
وإنما ذكرت ما ذكرت لكونه وارداً على كلام الإمامين مع وفور فضلهما وبعد غورهما، لا لأني مائل في المسألة على ما يزعم الخصم إلى غير معتقدهما.
قال جار الله: وقد روعي التناسب في قوله ﴿ ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ﴾ كأنه قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم، وفيه أنهم بعد التعظيم لأمر الله يقبلون على الشفقة على خلق الله ولا سيما المؤمنين لأن الإيمان جامع لا أجمع منه يجذب السماوي إلى الأرضي، والروحاني إلى العنصري.
احتج كثير من العلماء بالآية على أفضلية الملك قالوا: لأنها تدل على أنه لا معصية للملائكة وإلا لزم بحكم "ابدأ بنفسك" أن يستغفروا أوّلاً لأنفسهم قال الله ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ ﴿ وقال نوح رب اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمناً ﴾ قلت: لا نزاع بالنسبة إليهم وإلى غير المعصومين من البشر وإنما النزاع بينهم وبين المعصومين فلا دليل في الآية، ولا يلزم من طلب الاستغفار لأحد.
لو سلم أن قوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ عام أن يكون المستغفر له عاصياً على أنه قد خص الاستغفار في قوله ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ وهذا فيه بحث يجيء.
وفي قولهم ﴿ ربنا وسعت كل شيء رحمة ﴾ ولو بإعطاء الوجود ﴿ وعلماً ﴾ وقد مر في "الأنعام" إشارة إلى أن الحمد والثناء ينبغي أن يكون مقدماً على الدعاء.
وفي لفظ ﴿ ربنا ﴾ خاصية قوية في تقديم الدعاء كما ذكرنا في آخر "آل عمران" كأن الداعي يقول: كنت نفياً صرفاً وعدماً محض فأخرجتني إلى الوجود وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعاً إليك، ولا ريب أن ذكر الله أول كل شيء بمنزلة الإكسير الأعظم للنحاس من حيث إنه يقوّي جوهر الروح ويكسبه إشراقاً وصفاء.
وفي تقديم الرحمة على العلم فائدة هي أن مطلوب الملائكة في هذا المقام هو أن يرحم المؤمنين فكأنهم قالوا: ارحم من علمت منه التوبة واتباع الدين.
قالت علماء المعتزلة: الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون، طلب مزيد الكرامة والثواب فهو بمنزلة الشفاعة، وإذا ثبت شفاعة الملائكة لأهل الطاعة فكذلك شفاعة الأنبياء ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
وقال علماء السنة: إن مراد الملائكة ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ عن الكفر ﴿ واتبعوا سبيلك ﴾ الإيمان وهذا لا ينافي كون المستغفر لهم مذنبين ومما يؤيد ما قلنا أن الاستغفار طلب المغفرة والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العذاب، أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفاراً.
قال أهل التحقيق: هذا الاستغفار من الملائكة يجري مجرى الاعتذار من قولهم { ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ أما قوله ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ فتصريح بالمطلوب بعد الرمز لأن دلالة المغفرة على الوقاية من العذاب كالضمنية.
وحين طلبوا لأجلهم إسقاط العذاب ضمناً وصريحاً طلبوا إيصال الثواب إليهم بقولهم ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ قال علماء السنة: كل أهل الإيمان موعودون بالجنة وإن كانوا من أهل الكبائر غاية ذلك أنهم يعذبون بالنار مدّة إن لم يكن عفواً وشفاعة ثم يخرجون إلى الجنة.
قال الفراء والزجاج: قوله ﴿ ومن صلح ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على الضمير في ﴿ وأدخلهم ﴾ فيكون دعاء من الملائكة بإدخال هؤلاء الأصناف الجنة تكميلاً لأنس الأولين وتتميماً لابتهاجهم وإشفاقاً على هؤلاء أيضاً.
ويجوز أن يكون عطفاً على الضمير في ﴿ وعدتهم ﴾ لأنه قال في سورة الرعد ﴿ أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ﴾ وعلى هذا لا يشمل دعاء الملائكة هؤلاء الأصناف اللهم إلا ضمناً.
قال أهل السنة: المراد بمن صلح أهل الإيمان منهم وإن كانوا ذوي كبائر.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنك أنت العزيز الحكيم ﴾ لأنه إن لم يكن غالباً على الكل لم يصح منه وقوع المطلوب كما يراد، وإن لم يكن حكيماً أمكن منه وضع الشيء في غير موضعه.
ثم قالوا ﴿ وقهم السيئات ﴾ فقيل: يعني العقوبات أو عذاب السيئات على حذف المضاف.
واعترض بأنهم قالوا مرة وقهم عذاب الجحيم فيلزم التكرار.
وأجيب بأن الأوّل دعاء للأصول وهذه لفروعهم وهم الأصناف الثلاثة، أو الأول مخصوص بعذاب النار وهذا شامل لعذاب الموقف وعذاب الحساب وعذاب السؤال، أو المراد بالسيئات العقائد الفاسدة والأعمال الضارة، وعلى هذا يكون ﴿ يومئذ ﴾ في قوله ﴿ ومن تق السيئات يومئذ ﴾ إشارة إلى الدنيا.
وقوله ﴿ فقد رحمته ﴾ يجوز أن يكون في الدنيا وفي الآخرة.
قال في الكشاف: السيئات هي الصغائر والكبائر المتوب عنها، والوقاية منها التكفير أو قبول التوبة.
ثم إنه عاد إلى شرح أحوال الكفرة المجالدين في آياته وأنهم سيعترفون يوم القيامة بما كانوا ينكرونه في الدنيا من البعث، وذلك إذا عاينوا النشأة وتذكروا النشأة الأولى فقال ﴿ إن الذين كفروا ينادون ﴾ أي يوم القيامة.
وفي الآية حذف وفيها تقديم وتأخير.
أما الحذف فالتقدير لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغنى بذكرها مرة.
وأما التقديم والتأخير فهو أن قوله ﴿ إذ تدعون ﴾ منصوب بالمقت الأول.
وفي المقت وجوه: الأول كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون، وذلك أشد من مقتكم أنفسكم اليوم في النار إذ أوقعتكم فيها باتباعكم هواهن وفيه توبيخ.
ولا ريب أن سخط الله وبغضه الشديد لا نسبة له إلى سخط غيره ولهذا أوردهم النار.
الثاني عن الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا بلسان خزنة جهنم لمقت الله وهو قريب من الأول.
الثالث قال محمد بن كعب: إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ إلى قوله ﴿ ولوموا أنفسكم ﴾ وفي هذه الحالة مقتوا أنفسهم.
فلعل المعنى.
لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض ومن لعنه إياه.
وأما قول الكفرة في الجواب ﴿ ربنا أمتنا اثنتين ﴾ أي إماتتين اثنتين ﴿ وأحييتنا ﴾ إحياءتين ﴿ اثنتين ﴾ فللعلماء في تعيين كل من الاثنتين خلاف.
أما في الكشاف فذهب إلى أن الإماتتين إحداهما خلقهم أوّلاً أمواتاً ثم نطفة ثم علقة الخ كما في الآية الأخرى ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً ﴾ ونسب هذا القول إلى ابن عباس ووجهه بأنه كقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها وليس ثم نقل من كبر إلى صغر أو بالعكس، وإنما أردت الإنشاء على هذه الصفة.
والسبب في صحته أن كلا النعتين جائز على المصنوع الواحد وللصانع أن يختار أحدهما.
قلت: ومما يؤيد قوله أنه بدأ بالإماتة وإلا كان الأظهر أن يبدأ بالإحياء.
قال: والإماتة الثانية هي التي في الدنيا والإحياءة الأولى هي التي في الدنيا، والثانية هي التي بعد البعث.
وأورد على هذا القول أنه يلزم أن لا تكون الإحياءة في القبر والإماتة فيه مذكورتين في القرآن بل تكونان منفيتين مع ورودهما في الحديث.
أجاب بعضهم بأن حياة القبر والإماتة ممنوعة لأنه لم يذكرها، والأحاديث الواردة فيها آحاد، ولأن الذي افترسه السبع لو أعيد حياً لزم نقصان شيء من السبع وليس بمحسوس، ولأن الذي مات لو تركناه ظاهراً بحيث يراه كل أحد لم يحس منه حياة وتجويز ذلك مع عدم الرؤية سفسطة وفتح لباب الجهالات.
وزيف هذا الجواب أهل الاعتبار بأن عدم ذكر الشيء لا يدل على عدمه، والأحاديث في ذلك الباب صحيحة مقبولة.
وإذا كان الإنسان جوهراً نورانياً مشرقاً مدبراً للبدن في كل طور على حد معلوم كما ورد في الشريعة الحقة زالت سائر الإشكالات، ولا يلزم قياس ما بعد الموت على ما قبله وللشرع في إخفاء هذه الأمور عن نظر المكلفين حكم ظاهرة حققناها لك مرات.
وقال بعضهم: في الجواب هذا كلام الكفار فلا يكون حجة.
وضعف بأنه لو لم يكن صادقاً لأنكر الله عليهم.
وقيل: إن مقصودهم تعديد أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة: الموتة الأولى، والحياة في القبر، والموتة الثانية، والحياة في القيامة.
فأما الحياة في الدنيا فإنها وقت ترفههم وتنعمهم فلهذا السبب لم يذكروها.
وقيل: أهملوا ذكر حياة القبر لقصر مدتها أو لأنهم لم يموتوا بعد ذلك بل يبقون أحياء في الشقاوة حتى اتصل بها حياة القيامة وكانوا من جملة المستثنين في قوله ﴿ فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ ولا يخفى أن أكثر هذه الأقوال متكلفة ولا سيما الأخير فإن قوله ﴿ الذين كفروا ﴾ عام.
ولو فرض أنه مخصوص بكفار معهودين فتخصيصهم بالحياة في القبر حتى يكونوا من المستثنين بعيد جداً.
وقد يدور في الخلد أن هذا النداء يحتمل أن يكون في القبر، وعلى هذا لا يبقى إشكال لأن الإماتة والإحياء التي بعد ذلك تخرج من غير تكلف وثبت سؤال القبر كما جاء في الحديث والله أعلم بمراده.
وقوله ﴿ فهل إلى خروج من سبيل ﴾ أي إلى نوع من الخروج والرد من القبر إلى الدنيا خروج سريع أو بطيء من سبيل قط أم اليأس الكلي واقع، وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط.
وكان الجواب الصريح أن يقال: لا أو نعم إلا أنه رمز إلى عدم الخروج بقوله ﴿ ذلكم ﴾ أي ذلكم اليأس وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم في وقت التمكن من التوحيد أو ان التكليف ﴿ فالحكم لله العلي الكبير ﴾ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي وكما يناسب عظمته وكبرياءه.
قيل: إن تحكيم الحرورية وهو قولهم "لا حكم إلا لله" مأخوذ من هذه الآية.
ثم أراد أن يذكر طرفاً من دلائل وحدانيته وكماله فقال ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ من الريح والسحاب والرعد والبرق ﴿ وينزل لكم من السماء ﴾ ماء هو سبب الرزق ﴿ وما يتذكر إلا من ينيب ﴾ أي ما يعتبر إلا الذي أناب إلى الله وأعرض عن الشرك لينفتح عليه أبواب الأنوار والمكاشفات.
ثم قال للمنيبين ﴿ فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ﴾ قال جار الله: قوله ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح ﴾ ثلاثة أخبار لقوله هو مترتبة على الأول وهو قوله ﴿ الذي يريكم ﴾ أو أخبار مبتدأ محذوف وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً أوسطها معرفة.
ثم إن الرفيع إما أن يكون بمعنى الرافع أو بمعنى المرتفع، وعلى الأول فإما أن يراد رافع درجات الخلق في العلم والأخلاق الفاضلة كما قال ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ﴾ وكذا في الرزق والأجل بل جعل للملائكة مقامات معينة وللأجسام البسيطة العلوية والسفلية درجات معينة كما يشهد به علم الهيئة، وقد أشرنا إلى ذلك في أثناء هذا الكتاب.
أو يراد رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة.
وأما على الثاني فلا ريب أنه أشرف الموجودات وأجلها رتبة من جهة استغنائه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه في الوجود وفي توابع الوجود.
واعلم أن كمال كبرياء الله لا يصل إليه عقول البشر فالطريق في تعريفه أن يؤيد المعقول بنحو من المحسوس، فلهذا عقب الله هذه الصفة بصفتين أخريين، وذلك أن ما سوى الله إما جسمانيات وإما روحانيات.
أما الجسمانيات فأعظمها العرش فأشار بقوله ﴿ ذو العرش ﴾ إلى استيلائه على كلية عالم الأجسام، وأما الروحانيات فأشار إلى كونها تحت تسخيره بقوله ﴿ يلقي الروح ﴾ أي الوحي ﴿ من أمره ﴾ أي من عالم أمره ﴿ على من يشاء من عباده ﴾ وقد مر نظيره في الآية في أول سورة النحل.
وقيل من أمره حال ثم بين الغرض من الإلقاء بقوله ﴿ لينذر يوم التلاق ﴾ ووجه التسمية ظاهر لتلاقي الأجساد والأرواح فيه، أو لتلاقي أهل السماء والأرض كما قال عز من قائل ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً ﴾ ولأن كل واحد يلاقي جزاء عمله.
وقال ميمون بن مهران: يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم، فربما ظلم رجل رجلاً وانفصل عنه ولم يمكن التلاقي أو استضعف المظلوم ففي يوم القيامة لا بد أن يتلاقيا.
وقوله ﴿ يوم هم بارزون ﴾ بدل من الأول.
ومعنى البروز ما مر في آخر سورة إبراهيم في قوله ﴿ وبرزوا لله الواحد القهار ﴾ وقوله ﴿ لا يخفى على الله منهم شيء ﴾ تأكيد لذلك وهذا، وإن كان عاماً في جميع الأحوال وشاملاً للدنيا والآخرة إلا أنه خصص بالآخرة لأنهم في الدنيا كانوا يظنون أن بعض الأعمال تخفى على الله عند الاستتار بالحجب كما قال ﴿ ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون ﴾ فهو نظير قوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ ثم أكد تفرّده في ذلك اليوم بالحكم والقضاء بقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ ولا ريب أن الكلام مشتمل على جواب وسؤال وليس في لفظ الآية ما يدل على تعيين السائل ولا المجيب.
فقال جم من المفسرين ومن أرباب القلوب: إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض يقول الرب : لمن الملك اليوم؟
فلا يجيبه أحد.
فهو يجيب عن نفسه فيقول: لله الواحد القهار.
وأما الذين ألغوا صرف المعقول من أهل الأصول فقد أنكروا هذا القول إنكاراً شديداً لأنه بين أن هذا النداء في يوم التلاقي والبروز يوم تجزى كل نفس بما كسبت، وكل هذا ينافي في كون الخلق هالكين وقتئذ، ولأن التكلم من غير سامع ولا مجيب عبث إلا أن يكون هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء لكن المفروض فناء كل المخلوقين، فأما أن يكون حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به وذلك أن ينادي مناد فيقول: لمن الملك اليوم؟
فيجيبه أهل المحشر لله الواحد القهار، يقوله المؤمن تلذذاً والكافر هواناً وتحسراً على أن فاتتهم هذه المعرفة في الدنيا فإن الملك كان له من الأزل إلى الأبد.
وفائدة تخصيص هذا النداء يوم القيامة كما عرفت في ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يحكى أن نصر بن أحمد لما دخل نيسابور وضع التاج على رأسه ودخل عليه الناس فخطر بباله شيء فقال: هل فيكم من يقرأ آية؟
فقرأ رجل روّاس ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش ﴾ فلما بلغ قوله ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ نزل الأمير عن سريره ورفع التاج عن رأسه وسجد لله وقال: لك الملك لا لي.
فلما توفي الروّاس رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟
فقال: غفر لي وقال لي إنك عظمت ملكي في عين عبدي فلان يوم قرأت تلك الآية فغفرت لك وله.
ومما يدل على تفرده قوله ﴿ لله الواحد القهار ﴾ فإن كل واحد من الأسماء الثلاثة ينبىء عن غاية الجلال والعظمة كما مر مراراً، وباقي الآية أيضاً مما سلف تفسيره مرات.
ثم وصف يوم القيامة بأنواع أخر من الصفات الهائلة فقال ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ وهي فاعلة من أزف الأمر أزوفاً إذا دنا، ولا ريب أن القيامة قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن كل ما هو كائن فهو قريب.
قال جار الله: يجوز أن يريد بيوم الآزفة وقت لحظة الآزفة وهي مشارفتهم دخول النار فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارّها فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا.
وقال أبو مسلم: يوم الآزفة يوم المنية وحضور الأجل لأنه ذكر يوم القيامة في قوله ﴿ يوم التلاق يوم هم بارزون ﴾ فناسب أن يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم، ولأنه وصف يوم الموت بنحو هذه الصفة في مواضع أخر قال ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم ﴾ ﴿ كلا إذا بلغت التراقي ﴾ ولا ريب أن الرجل عند معاينة أمارات الموت يعظم خوفه، فلو جعلنا كون القلوب لدى الحناجر كناية عن شدّة الخوف جاز، ولو حملناه على ظاهره فلا بأس.
وقوله ﴿ كاظمين ﴾ أي مكروبين.
والكاظم الساكت حال امتلائه غماً وغيظاً قال عز من قائل ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ وانتصابه على أنه حال عن أصحاب القلوب كأنه قيل: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها، أو عن القلوب.
وجمع جمع السلامة بناء على أن الكظم من أفعال العقلاء كقوله ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ أو عن ضمير المفعول في ﴿ وأنذرهم ﴾ أي وأنذرهم مقدّرين أو مشارفين الكظم فيكون حالاً مقدّرة.
وفي قوله ﴿ ما للظالمين من حميم ولا شفيع ﴾ بحث بين الأشاعرة والمعتزلة حيث حمله الأوّلون على أهل الشرك، والآخرون على معنى أعم حتى يشمل أصحاب الكبائر.
وقد مرّ مراراً ولا سيما في قوله ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ ومعنى قوله ﴿ يطاع ﴾ يجاب أي لا شفاعة ولا إجابة كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** وذلك أنه لا يشفع أحد في ذلك اليوم إلا بإذن الله، فإن أذن له أجيب وإلا فلا يوجد شيء من الأمرين.
والفائدة في ذكر هذه الصفة أن يعلم أن الغرض من الشفيع منتفٍ في حقهم وإن فرض شفيع على ما يزعم أهل الشرك من أن الأصنام يشفعون لهم.
وقوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ خبر آخر لقوله ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ إلا أنه فصل بالتعليل وهو قوله ﴿ لينذر ﴾ وذكر وصف القيامة استطراداً، قال جار الله: هي صفة للنظرة أو مصدر بمعنى الخيانة كالعافية، والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب.
قال: ولا يحسن أن تكون الخائنة صفة للأعين مضافة إليها نحو "جرد قطيفة" أي يعلم العين الخائنة لأن قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ لا يساعد عليه.
قلت: يعني أن عطف العرض على الجوهر والمعنى على العين غير مناسب.
وقيل: هي قول الإنسان رأيت ولم ير وما رأيت ورأى.
ومضمرات الصدور أي القلوب فيها لأنها فيها.
قيل: هي ما يستره الإنسان من أمانة وخيانة.
وقيل: الوسوسة.
وقال ابن عباس: ما تخفي الصدور بعد النظر إليها أيزني بها أم لا.
أقول: والحاصل أنه أراد أن يصف نفسه بكمال العلم فإن المجازاة تتوقف على ذلك.
ففي قوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ إشارة إلى أنه عالم بجميع أفعال الجوارح، وفي قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ دلالة على أنه عالم بجميع أفعال القلوب.
وإذا علمت هذه الصفة وقد عرفت من الأصناف السابقة كمال قدرته واستغنائه لم يبق شك في حقيّة قضائه فلذلك قال ﴿ والله يقضى بالحق ﴾ ثم وبخهم على عبادة من لا قضاء له ولا سمع ولا بصر بقوله ﴿ والذين يدعون ﴾ الخ.
ثم وعظهم بالنظر في أحوال الأمم السالفة وقد مر نظير الآية في مواضع.
وإنما قال في هذه السورة ﴿ ذلك بأنهم كانت ﴾ وفي "التغابن" ﴿ ذلك بأنه كانت ﴾ موافقة لضمير الفصل في قوله ﴿ كانوا هم أشد ﴾ .
التأويل: الحاء والميم حرفان من وسط اسم الرحمن ومن وسط اسم محمد ففي ذلك إشارة إلى سر بينه وبين حبيبه لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿ غافر الذنب ﴾ للظالم ﴿ وقابل التوب ﴾ للمقتصد ﴿ شديد العقاب ﴾ للكافر ﴿ ذي الطول ﴾ للسابق ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ أي عن موجباتها كالرياء واتباع الهوى ﴿ لمقت الله ﴾ إياكم حين حكم عليكم بالبعد والحرمان ﴿ أكبر من مقتكم أنفسكم ﴾ لو كنتم تمقتونها في الدنيا فإنها أعدى عدوّكم.
ومقتها منعها من هواها، ولا ريب أن عذاب البعد الأبديّ أشدّ من رياضة أيام معدودة قلائل.
﴿ ذو العرش ﴾ عرش القلوب استوى عليها بجميع الصفات وهم العلماء بالله المستغرقون في بحر معرفته.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ .
قد ذكرنا في غير موضع أن التسبيح بحمد ربهم هو الثناء عليه، والحمد له بالتبرئة والتنزيه عن جميع أوصاف الخلق ومعانيهم، [و] عن جميع ما قال الملاحدة فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
هذه أرجى آية للمؤمنين، والآيات التي فيها استغفار الرسل للمؤمنين من نحو قول نوح - - حيث قال: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ وقول إبراهيم - -: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ﴾ ، وما أمر الله رسوله أن يستغفر لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات إنما هو في الذنوب التي ليس له أن يعذبهم عليها، وهي الصغائر، وليس له أن يغفر الكبائر، ويستدل على ذلك بقوله: ﴿ فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ ﴾ ، إنما أمره أن يستغفر للذي تاب، فأما من لم يتب، ولم يأمره بالاستغفار، فيجب القول بما قلنا؛ عملا بالآيتين.
لكن نقول نحن: إنه لو كان استغفاره لمن ذكر خاصة لأصحاب الصغائر على ما قالوا، يصير كأنه أمر النبي - - أن يستغفر لهم، ولا يحزن عليهم؛ إذ هم مغفور ذنبهم؛ فيحصل قولهم على ما ذكرنا، وذلك وخش من القول، والله أعلم.
ثم يجيء أن يكون المعتزلة والخوارج في الظاهر أبعد الخلائق من المعاصي وأقربهم إلى الطاعات، ونحن أقرب الخلائق إلى المعاصي وأبعدهم عن الطاعات؛ لأنهم لا يرون النجاة إلا بأعمالهم ولا يرون برحمة الله، ولا بشفاعة أحد، ولكن بأعمالهم؛ فيجب أن يكونوا أبداً متكلين ملازمين على الطاعات في كل وقت وساعة، لا يعصون الله طرفة عين، ونحن لم نر النجاة بالأعمال، ولكن إنما نرى ذلك برحمة الله ، وبشفاعة من ارتضى بشفاعته؛ فيجب أن نكون معتمدين على رحمة الله وفضله غير مشتغلين بشيء من الطاعات.
ثم في الحقيقة يجب أن يكونوا هم أقرب الخلائق إلى المعاصي وأبعدهم من الطاعات، ونحن ألزم الخلائق بالطاعات وأبعدهم من المعاصي؛ لأنا نرى عند الله لطائف وفواضل باقية، لم يعطنا ما لو أعطانا لم يصدر منا إلا الخير والطاعات؛ وسلمنا عن المعاصي وأنواع الشرور، وعصمنا؛ فيجب أن نكون متكلين على الطاعات؛ لنصل إلى تلك اللطائف، وهم لا يرون بقي عنده شيء من اللطائف، بل يقولون: قد أعطانا كل شيء حتى لم يبق عنده شيء من مصالح الدين؛ فيجب أن يكونوا ما ذكرنا، والله أعلم.
ثم قولنا: إن الله ينجينا برحمته وبشفاعة من جعل له الشفاعة لا بأعمالنا، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي قال: "لن يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟!
قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" ، والمعتزلة يقولون: لا، بل ندخل بأعمالنا، وكذلك قول الخوارج.
وأصل قولنا: إن لله - عز وجل - أن يعذب عباده على جميع المعاصي: على الصغائر والكبائر جميعاً، وله أن يغفر جميع المعاصي سوى الشرك والكفر، على ما ذكرنا من دلائل الآيات وغيرها.
وقوله: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً ﴾ .
قوله: ﴿ وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً ﴾ فرحمة الدنيا يدخل فيها الكافر والمؤمن جميعاً، فأما رحمة الآخرة، فهي للمؤمنين خاصة، هو كما ذكر في قصة موسى - - حيث قال: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ...
﴾ الآية [الأعراف: 156]، وكقوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ، كأنه يقول: قل هي للذين آمنوا، والذين لم يؤمنوا، ثم هي خالصة للذين آمنوا يوم القيامة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً ﴾ هي رحمة الدنيا: المؤمن والكافر جميعا في تلك، فأما رحمة الآخرة ليست إلا للذين آمنوا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَعِلْماً ﴾ أي: علم ما فيها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: ﴿ فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ من الشرك، ﴿ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ ﴾ أي: دينك، [و] هو الإسلام.
والثاني: أي: فاغفر للذين تابوا عن الكبائر والفواحش ﴿ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ ﴾ أي: طاعتك.
والثالث: ﴿ فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ عن جميع المعاصي صغائر أو كبائر واتبعوا طاعتك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ظاهر.
ثم قوله: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً ﴾ .
لا يمكن العمل بها على قول المعتزلة؛ لأن رحمة الله عندهم لا تسع لذنب واحد، فإنه ليس له أن يعفو عنه؛ فإن عندهم أن من ارتكب كبيرة، ليس له أن يرحمه، ولكن يعاقبه - على زعمهم - خالدا مخلدا، وإذا كان [هذا] قولهم ومذهبهم، فليست رحمته بواسعة بزعمهم.
ثم يقولون - أيضاً -: إن الله قد هدى كل كافر وأعطاه ما يهتدي به، لكنه لم يهتد به، وأنه لم يبق عنده ما يهديه به؛ فعلى هذا القول رحمته لا تتسع لهداية الكافر، فإذن رحمة الله بزعمهم على خلاف ما ذكر الله ووصفها بالسعة، والله الموفق.
وأما عندنا فهو ما ذكرنا من جمع الكل في ذلك؛ لما ذكرنا أن تلك الرحمة هي الرحمة الدنيوية، أو ما ذكرنا من كون اللطائف عنده من أعطاها اهتدى، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أن الوعد كان منه لجملة المؤمنين، فسألوا أن يدخل قوم على الإشارة والتيقين في جملة ذلك الوعد؛ لاحتمال خصوص في الجملة، والله أعلم.
والثاني: سألوه أن يجيبهم على الأسباب والأعمال التي يستوجبون ذلك، والله أعلم.
والثالث: يجوز أن يكون الوعد لهم بشرط الذي سألوه، والله عالم في الأزل: أنه يوجد ذلك الشرط وهو سؤالهم؛ فيكون لهم ذلك الوعد، ومثل ذلك جائز، قال الله : ﴿ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ﴾ إنما يعذبهم بسؤال هؤلاء على ذلك كان: إنما تقديره: أنه لا يعذبهم إذا سألوا، وعلم أنهم سألوا؛ وعلى ذلك الحديث الوارد: أن الصدقة تزيد في العمر، جرى تقديره [في] الأزل أنه يوجد منه الصدقة، فيكون عمره زائداً؛ على ما لو علم أنه لا يتصدق، وإنما لا يجوز التعليق بالشرط في حق الله على نحو ما يكون في حق العباد أن يوجد عند وجود الشرط، ولا يوجد عند عدمه، ولا علم لهم بعاقبة ذلك، والله عالم بالعواقب، فمتى علق بشرط كان ذلك منه في الأزل حكما على أن يوجد مع ذلك الشرط لا محالة، لما علم وجود ذلك الشرط مع علمه أنه لو لم يكن ذلك الشرط كيف كان، والله الموفق.
أما ظاهر الآية أنه إذا وعدها لهم، لأدخلها لا محالة فيها؛ فلا معنى للسؤال في ذلك لما يخرج السؤال في مثله مخرج السؤال في تصديق الوعد والامتناع عن الخلف، ولكن الآية تخرج على الوجوه التي ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ...
﴾ الآية.
سألوه أيضاً إدخال هؤلاء في ذلك الوعد أيضاً على ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .
هذا يحتمل أنهم سألوا أن يقيهم في الآخرة أموراً تسوءهم من الأهوال والأفزاع، وغير ذلك من العذاب.
ويحتمل في الدنيا أمر الشرك وغيره؛ يدل عليه قوله: ﴿ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ﴾ أي: ومن تق السيئات في الدنيا، فقد رحمته يومئذ ﴿ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ...
﴾ الآية.
ذكر أن أهل النار إذا دخلوا النار وعاينوا ما أنكروا من البعث والعذاب، فجعل كل إنسان منهم يمقت نفسه، ويلومها، فينادون: لمقت الله إياكم أكبر مما أوجب عليكم من اللعن، والنقمة أكبر مما تمقتون به أنفسكم وأشد؛ هذا وجه، [ووجه] آخر: جائز أن يقال لهم: إن الواجب عليكم أن تروا مقت الله إياكم وقت ارتكابكم العصيان وعند تعاطيكم ما تعاطيتم أكبر وأشد من مقتكم العذاب ودخولكم النار؛ لأنكم إن رأيتم مقت الله إياكم عند ارتكابكم ما ارتكبتم أنه ينزل بكم، لزجركم ومنعكم عن ارتكاب ذلك وتعاطيه، وحملكم على إيثار ما دعيتم إليه.
من التوحيد لله والإيمان به، والله أعلم.
وعلى هذين التأولين يرجع تأويل قوله: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .
أحدهما: أن ذكر الله إياكم بالرحمة والمغفرة أكبر وأعظم من ذكركم إياه، وصلواتكم وعبادتكم له.
والثاني: أن ذكر نفس نهي الله إياكم عن المعاصي وقت ارتكابها أكبر - في الرهبة عنها والمنع - من الصلاة نفسها، إن كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ ؛ لما أن الصلاة فيها أعمال تشغل عن ذكر النهي، والله أعلم.
ثم قوله : ﴿ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: أي: مقت بعضكم بعضاً كقوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾ .
ويحتمل ذلك كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ ﴾ أي: يمقت كل إنسان نفسه؛ لما كان من العصيان والكفر، وإنما احتمل هذين الوجهين؛ لأن المنع لهم من طاعة الله واتباع أمره ونهيه، يكون بأنفسهم، ويكون من بعضهم بعضاً؛ فيكون محتملا لكلا الوجهين، وهو كقوله : ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ﴾ : ولا تهلكوا بعضكم ببعض؛ إذ الظاهر أن المرء مع قيام عقله لا يهلك نفسه، ولا يلقيها في التهلكة، وكذا لا يسلم على نفسه.
ويحتمل الظاهر أيضاً أن يسلم على نفسه إذا دخل البيت، ولم يكن معه غيره؛ ولذلك نهي عن إهلاك نفسه عند شدة الغضب، ونحو ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم، فأحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتتان، وهو قول ابن عباس وابن مسعود فيما أرى، ويقولون [هو] كقوله : ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ...
﴾ الآية [البقرة: 28].
وقال بعضهم: قوله: ﴿ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ ﴾ : إحدى الموتتين هي التي تنقضي بها آجالهم، ثم يحييهم في القبر، ثم يميتهم، ثم يحييهم للبعث يوم القيامة، فهما موتتان وحياتان، وإلى هذا يذهب ابن الراوندي، ويحتج بهذا على عذاب القبر، وهو أشبه وأقرب؛ لأنهم بكونهم في أصلاب آبائهم أمواتا لا يقال: ﴿ أَمَتَّنَا ﴾ وهم كانوا أمواتا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ﴾ .
يحتمل اعترافهم بذنوبهم: هو ما أنكروا في الدنيا قدرة الله على البعث والإحياء بعد الموت والعذاب لهم لما عاينوا ذلك وشاهدوا أقروا به، فإنكارهم ذلك هو ذنبهم، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون ذنوبهم التي اعترفوا بها ما ذكر في سورة ﴿ تَبَارَكَ ﴾ حين قال لهم الخزنة لما ألقوا في النار: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ فيكون اعترافهم بذنوبهم هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ ﴾ .
قوله: ﴿ ذَلِكُم بِأَنَّهُ ﴾ أي: ذلك المقت الذي ذكر أو العذاب الذي نزل بكم إنما كان ﴿ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ ﴾ ، أي: كفرتم بتوحيده، ﴿ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ ﴾ أي: توحيد الله ﴿ تُؤْمِنُواْ ﴾ به، أي: يصدقوا هذه الآية كقوله: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ فهما بمعنى واحد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ ﴾ .
قال قتادة: لما خرج أهل حروراء قال علي بن أبي طالب - -: "من هؤلاء؟
قيل: المحكمون، قال قائل: هم القراء، قال - - ليسوا بالقراء، ولكنهم العيابون الخيابون، قال: إنهم يقولون: لا حكم إلا لله، قال علي - -: كلمة حق أريد بها باطل"، وذكر: "عني بها باطل".
<div class="verse-tafsir"
الملائكة الذين يحملون عرش ربك -أيها الرسول- والذين هم من حوله، ينزهون ربهم عما لا يليق به، ويؤمنون به، ويطلبون المغفرة للذين آمنوا بالله، قائلين في دعائهم: ربنا، وسع علمك ورحمتك كل شيء، فاغفر للذين تابوا من ذنوبهم، واتبعوا دينك، واحفظهم من النار أن تمسهم.
من فوائد الآيات الجمع بين الترغيب في رحمة الله، والترهيب من شدة عقابه: مسلك حسن.
الثناء على الله بتوحيده والتسبيح بحمده أدب من آداب الدعاء.
كرامة المؤمن عند الله؛ حيث سخر له الملائكة يستغفرون له.
<div class="verse-tafsir" id="91.dKGkO"