الآية ٨٣ من سورة غافر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٨٣ من سورة غافر

فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٨٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٣ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٣ من سورة غافر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات ، والحجج القاطعات ، والبراهين الدامغات ، لم يلتفتوا إليهم ، ولا أقبلوا عليهم ، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل .

قال مجاهد : قالوا : نحن أعلم منهم لن نبعث ولن نعذب .

وقال السدي : فرحوا بما عندهم من العلم بجهالتهم ، فأتاهم من بأس الله ما لا قبل لهم به .

( وحاق بهم ) أي : أحاط بهم ( ما كانوا به يستهزئون ) أي : يكذبون ويستبعدون وقوعه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) يقول تعالى ذكره: فلما جاءت هؤلاء الأمم الذين من قبل قريش المكذّبة رسلها رُسُلُهُمْ الذين أرسلهم الله إليهم بالبيّنات, يعني: بالواضحات من حجج عزّ وجلّ( فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) يقول: فرحوا جهلا منهم بما عندهم من العلم وقالوا: لن نُبْعَثَ, ولن يُعذّبنا الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن أبن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله ( فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) قال: قولهم: نحن أعلم منهم, لن نُعَذَّبَ, ولن نُبْعَثَ.

حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) بجهالتهم .

وقوله: ( وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) يقول: وحاق بهم من عذاب الله ما كانوا يستعجلون رسلهم به استهزاء وسخرية.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) ما جاءتهم به رسلهم من الحقّ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فلما جاءتهم رسلهم بالبينات أي بالآيات الواضحات .

فرحوا بما عندهم من العلم في معناه ثلاثة أقوال .

قال مجاهد : إن الكفار الذين فرحوا بما عندهم من العلم قالوا : نحن أعلم منهم ، لن نعذب ولن نبعث .

وقيل : فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا نحو يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا .

وقيل : الذين فرحوا الرسل لما كذبهم قومهم أعلمهم الله - عز وجل - أنه مهلك الكافرين ومنجيهم والمؤمنين ف فرحوا بما عندهم من العلم بنجاة المؤمنين وحاق بهم أي بالكفار ما كانوا به يستهزئون أي عقاب استهزائهم بما جاء به الرسل صلوات الله عليهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر جرمهم الكبير فقال: { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } من الكتب الإلهية، والخوارق العظيمة، والعلم النافع المبين، للهدي من الضلال، والحق من الباطل { فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ } المناقض لدين الرسل.ومن المعلوم، أن فرحهم به، يدل على شدة رضاهم به، وتمسكهم، ومعاداة الحق، الذي جاءت به الرسل، وجعل باطلهم حقًا، وهذا عام لجميع العلوم، التي نوقض بها، ما جاءت به الرسل، ومن أحقها بالدخول في هذا، علوم الفلسفة، والمنطق اليوناني، الذي رُدَّت به كثير من آيات القرآن، ونقصت قدره في القلوب، وجعلت أدلته اليقينية القاطعة، أدلة لفظية، لا تفيد شيئًا من اليقين، ويقدم عليها عقول أهل السفه والباطل، وهذا من أعظم الإلحاد في آيات الله، والمعارضة لها، والمناقضة، فالله المستعان.{ وَحَاقَ بِهِمْ } أي: نزل { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } من العذاب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا ) رضوا ( بما عندهم من العلم ) قال مجاهد : هو قولهم نحن أعلم ، لن نبعث ولن نعذب ، سمى ذلك علما على ما يدعونه ويزعمونه وهو في الحقيقة جهل .

(وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون)

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلما جاءتهم رسلهم بالبينات» المعجزات الظاهرات «فرحوا» أي الكفار «بما عندهم» أي الرسل «من العلم» فرح استهزاء وضحك منكرين له «وحاق» نزل «بهم ما كانوا به يستهزءُون» أي العذاب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما جاءت هؤلاء الأمم المكذبة رسلُها بالدلائل الواضحات، فرحوا جهلا منهم بما عندهم من العلم المناقض لما جاءت به الرسل، وحلَّ بهم من العذاب ما كانوا يستعجلون به رسلَهم على سبيل السخرية والاستهزاء.

وفي الآية دليل على أن كل علم يناقض الإسلام، أو يقدح فيه، أو يشكك في صحته، فإنه مذموم ممقوت، ومعتقده ليس من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - موقف هؤلاء الجاحدين من رسلهم فقال : ( فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ العلم .

.

.

) .أى : فحين جاء الرسل إلى هؤلاء الجاهلين ، فرحوا بما لديهم من العلوم الدنيوية كالتجارة والزراعة .

.

واغتروا بتلك القشور التى كانوا يسمعونها ممن كانوا يزعمون أنهم على شئ من العلم الدينى ، واستهزأوا بما جاءهم به الرسل من علوم تهدى إلى الرشد ، وتدعو إلى إخلاص العبادة لله .

واعتقدوا - لغبائهم - وانطماس بصائرهم - أنه لا علم أنفع من علومهم ففرحوا بها .

.ورحم الله صاحب الكشاف فقد فصل القول عند تفسيره لهذه الآية فقال : قوله : ( فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ العلم ) فيه وجوه :منها : أنه أراد العلم الوارد على سبيل التهكم فى قوله - تعالى - : ( بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة ) وعلمهم فى الآخرة أنهم كانوا يقولون لانبعث ولا نعذب .ومنه : أن يريد علم الفلاسفة والدهريين عن بنى يونان ، وكانوا إذا سمعوا بوحى الله : دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم .ويجوز أن يريد بما فرحوا به من العلم : علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها ، كما قال - تعالى - ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ ) فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات .

.

لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزءوا بها ، واعتقدوا أنه لا أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ، ففرحوا به .ويبدو لنا أن هذا الرأى الأخير الذى ذكره صاحب الكشاف ، هو أقرب الآراء إلى الصواب .وقوله - سبحانه - ( وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) بيان لما نزل بهم من عذاب بسبب تكذيبهم لرسلهم ، واستهزائهم بهم .

أى : ونزل بهؤلاء الكافرين العذاب الأليم بسبب استهزائهم برسلهم ، وإعراضهم عن دعوتهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى راعى ترتيبا لطيفاً في آخر هذه السورة، وذلك أنه ذكر فصلاً في دلائل الإلهية وكمال القدرة والرحمة والحكمة، ثم أردفه بفصل التهديد والوعيد وهذا الفصل الذي وقع عليه ختم هذه السورة هو الفصل المشتمل على الوعيد، والمقصود أن هؤلاء الكفار الذين يجادلون في آيات الله وحصل الكبر العظيم في صدورهم بهذا، والسبب في ذلك كله طلب الرياسة والتقدم على الغير في المال والجاه، فمن ترك الانقياد للحق لأجل طلب هذه الأشياء فقد باع الآخرة بالدنيا، فبين تعالى أن هذه الطريقة فاسدة، لأن الدنيا فانية ذاهبة، واحتج عليه بقوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يعني لو ساروا في أطراف الأرض لعرفوا أن عاقبة المتكبرين المتمردين، ليست إلا الهلاك والبوار، مع أنهم كانوا أكثر عدداً ومالاً وجاهاً من هؤلاء المتأخرين، فلما لم يستفيدوا من تلك المكنة العظيمة والدولة القاهرة إلا الخيبة والخسار، والحسرة والبوار، فكيف يكون حال هؤلاء الفقراء المساكين، أما بيان أنهم كانوا أكثر من هؤلاء عدداً فإنما يعرف في الأخبار، وأما أنهم كانوا أشد قوة وآثاراً في الأرض، فلأنه قد بقيت آثارهم بحصون عظيمة بعدهم، مثل الأهرام الموجودة بمصر، ومثل هذه البلاد العظيمة التي بناها الملوك المتقدمون، ومثل ما حكى الله عنهم من أنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً.

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ ما في قوله: ﴿ فَمَا أغنى عَنْهُمْ ﴾ نافية أو مضمنة معنى الاستفهام ومحلها النصب، وما في قوله: ﴿ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ موصولة أو مصدرية ومحلها الرفع يعني أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم.

ثم بيّن تعالى أن أولئك الكفار لما جاءتهم رسلهم بالبينات والمعجزات فرحوا بما عندهم من العلم، واعلم أن الضمير في قوله: ﴿ فَرِحُواْ ﴾ يحتمل أن يكون عائداً إلى الكفار، وأن يكون عائداً إلى الرسل، أما إذا قلنا إنه عائد إلى الكفار، فذلك العلم الذي فرحوا به أي علم كان؟

وفيه وجوه: الأول: أن يكون المراد الأشياء التي كانوا يسمونها بالعلم، وهي الشبهات التي حكاها الله عنهم في القرآن كقولهم: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر  ﴾ وقولهم: ﴿ لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا  ﴾ وقولهم: ﴿ مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ  ﴾ ، ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى لأَجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً  ﴾ وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء، كما قال: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ  ﴾ .

الثاني: يجوز أن يكون المراد علوم الفلاسفة، فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علومهم، وعن سقراط أنه سمع بمجيء بعض الأنبياء فقيل له لو هاجرت فقال نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا الثالث: يجوز أن يكون المراد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا وَهُمْ عَنِ الأخرة هُمْ غافلون  ﴾ ، ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ العلم  ﴾ فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات وهي معرفة الله تعالى ومعرفة المعاد وتطهير النفس عن الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزؤا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به.

أما إذا قلنا الضمير عائد إلى الأنبياء ففيه وجهان الأول: أن يجعل الفرح للرسل، ومعناه أن الرسل لما رأوا من قومهم جهلاً كاملاً، وإعراضاً عن الحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم، فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم الثاني: أن يكون المراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به، كأنه قال استهزؤا بالبينات، وبما جاؤا به من علم الوحي فرحين، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءامَنَّا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴾ البأس شدة العذاب ومنه قوله تعالى: ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  ﴾ فإن قيل أي فرق بين قوله: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم ﴾ وبين ما لو قيل فلم ينفعهم إيمانهم؟

قلنا هو مثل كان في نحو قوله: ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ  ﴾ والمعنى فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم، فإن قيل اذكروا ضابطاً في الوقت الذي لا ينفع الإتيان بالإيمان فيه، قلنا إنه الوقت الذي يعاين فيه نزول ملائكة الرحمة والعذاب، لأن في ذلك الوقت يصير المرء ملجأ إلى الإيمان فذلك الإيمان لا ينفع إنما ينفع مع القدرة على خلافه، حتى يكون المرء مختاراً، أما إذا عاينوا علامات الآخرة فلا.

ثم قال تعالى: ﴿ سُنَّةَ الله التى قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ﴾ والمعنى أن عدم قبول الإيمان حال اليأس سنة الله مطردة في كل الأمم.

ثم قال: ﴿ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكافرون ﴾ فقوله: ﴿ هُنَالِكَ ﴾ مستعار للزمان أي وخسروا وقت رؤية البأس، والله الهادي للصواب.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَءَاثَاراً ﴾ قصورهم ومصانعهم.

وقيل: مشيهم بأرجلهم لعظم أجرامهم ﴿ فَمَا أغنى عَنْهُمْ ﴾ ما نافية أو مضمنة معنى الاستفهام، ومحلها النصب، والثانية: موصولة أو مصدرية ومحلها الرفع، يعني أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم ﴿ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مّنَ العلم ﴾ فيه وجوه: منها أنه أراد العلم الوارد على طريق التهكم في قوله تعالى: ﴿ بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الاخرة ﴾ [النمل: 66] : وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون: لا نبعث ولا نعذب، ﴿ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى ﴾ [فصلت: 50] ، ﴿ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى لاجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ [الكهف: 36] وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به البينات وعلم الأنبياء، كما قال عزّ وجلّ: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [الروم: 32] ومنها: أن يريد علم الفلاسفة والدهريين من بني يونان، وكانوا إذ سمعوا بوحي الله: دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم.

وعن سقراط: أنه سمع بموسى صلوات الله عليه وسلامه، وقيل له: لو هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا.

ومنها: أن يوضع قوله ﴿ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مّنَ العلم ﴾ [غافر: 83] ولا علم عندهم البتة، موضع قوله: لم يفرحوا بما جاءهم من العلم، مبالغة في نفي فرحهم بالوحي الموجب لأقصى الفرح والمسرة، مع تهكم بفرط جهلهم وخلوهم من العلماء.

ومنها أن يراد: فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به، كأنه قال: استهزؤوا بالبينات وبما جاؤوا به من علم الوحي فرحين مرحين.

ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ ﴾ ومنها: أن يجعل الفرح للرسل.

ومعناه: أن الرسل لما رأوا جهلهم المتمادي واستهزائهم بالحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم: فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه.

وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم.

ويجوز أن يريد بما فرحوا به من العلم: علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا وَهُمْ عَنِ الاخرة هُمْ غافلون ﴾ [الروم: 7] ، ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ العلم ﴾ [النجم: 30] فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات- وهي أبعد شيء من علمهم لبعثها على رفض الدنيا والظلف عن الملاذ والشهوات- لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزؤا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ ﴾ ما بَقِيَ مِنهم مِنَ القُصُورِ والمَصانِعِ ونَحْوِهِما، وقِيلَ: آثارُ أقْدامِهِمْ في الأرْضِ لِعِظَمِ أجْرامِهِمْ.

﴿ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ «ما» الأُولى نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ أغْنى، والثّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِهِ.

﴿ فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ﴾ بِالمُعْجِزاتِ أوِ الآياتِ الواضِحاتِ.

﴿ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ﴾ واسْتَحْقَرُوا عِلْمَ الرُّسُلِ، والمُرادُ بِالعِلْمِ عَقائِدُهُمُ الزّائِغَةُ وشُبَهُهُمُ الدّاحِضَةُ كَقَوْلِهِ: بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ وهو قَوْلُهُمْ: لا نُبْعَثُ ولا نُعَذَّبُ، وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ونَحْوُها، وسَمّاها عِلْمًا عَلى زَعْمِهِمْ تَهَكُّمًا بِهِمْ، أوْ عِلْمُ الطَّبائِعِ والتَّنْجِيمِ والصَّنائِعِ ونَحْوُ ذَلِكَ، أوْ عِلْمُ الأنْبِياءِ، وفَرَحُهم بِهِ ضَحِكُهم مِنهُ واسْتِهْزاؤُهم بِهِ ويُؤَيِّدُهُ: ﴿ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ وقِيلَ: الفَرَحُ أيْضًا لِلرُّسُلِ فَإنَّهم لَمّا رَأوْا تَمادِيَ جَهْلِ الكُفّارِ وسُوءَ عاقِبَتِهِمْ فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ وشَكَرُوا اللَّهَ عَلَيْهِ وحاقَ بِالكافِرِينَ جَزاءَ جَهْلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ العلم} يريد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها كما قال يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون فلما جاءتهم الرسل بعلوم الديانات وهي أبعد شيء من علمهم لبعثها على رفض الدنيا والظلف عن الملاذ والشهوات لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزؤوا بها واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ففرحوا به أو علم الفلاسفة والدهريين فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم وعن سقراط أنه سمع بموسى عليه السلام وقيل له لو هاجرت إليه فقال نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا أو المراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به كأنه قال استهزؤوا بالبينات وبما جاؤوا به من علم الوحي فرحين مرحين ويدل عليه قوله {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يستهزؤون} أو الفرح للرسل أي الرسل لما رأوا جهلهم

واستهزائهم بالحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم فرحوا بما اوتوا من العلم وشكروا الله عليه وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ﴾ المُعْجِزاتِ أوِ الآياتِ الواضِحاتِ الشّامِلَةِ لِذَلِكَ ﴿ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ﴾ ذُكِرَ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ.

الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ عَقائِدُهُمُ الزّائِغَةُ وشُبَهُهُمُ الدّاحِضَةُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ وغَيْرِهِما أوْ عَقائِدُهُمُ المُتَعَلِّقَةُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالعِلْمِ عَلى زَعْمِهِمْ لِلتَّهَكُّمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ  ﴾ .

والمَعْنى أنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ ويَسْتَحْقِرُونَ لَهُ عِلْمَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويَدْفَعُونَ بِهِ البَيِّناتِ.

الثّانِي أنَّ المُرادَ بِهِ عِلْمُ الفَلاسِفَةِ والدَّهْرِيِّينَ مِن بَنِي يُونانَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ فَكانُوا إذا سَمِعُوا بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى دَفَعُوهُ وصَغَّرُوا عِلْمَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى ما عِنْدَهم مِن ذَلِكَ.

وعَنْ سُقْراطَ أنَّهُ سَمِعَ بِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ لَهُ: لَوْ هاجَرْتُ إلَيْهِ فَقالَ: نَحْنُ قَوْمٌ مُهَذَّبُونَ فَلا حاجَةَ لَنا إلى مَن يُهَذِّبُنا.

والزَّمانُ مُتَشابِهٌ فَقَدْ رَأيْنا مَن تَرَكَ مُتابَعَةَ خاتَمِ المُرْسَلِينَ  واسْتَنْكَفَ عَنِ الِانْتِسابِ إلى شَرِيعَةِ أحَدٍ مِنهم فَرَحًا بِما لَحِسَ مِن فَضَلاتِ الفَلاسِفَةِ وقالَ: إنَّ العِلْمَ هو ذاكَ دُونَ ما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.

الثّالِثُ أنَّ أصْلَ المَعْنى فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ لَمْ يَفْرَحُوا بِما جاءَهم مِنَ العِلْمِ فَوُضِعُوا مَوْضِعَهُ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ الجَهْلِ ثُمَّ سُمِّيَ ذَلِكَ الجَهْلُ عِلْمًا لِاغْتِباطِهِمْ بِهِ ووَضْعِهِمْ إيّاهُ مَكانَ ما يَنْبَغِي لَهم مِنَ الِاغْتِباطِ بِما جاءَهم مِنَ العِلْمِ، وفِيهِ التَّهَكُّمُ بِفَرْطِ جَهْلِهِمْ والمُبالَغَةُ في خُلُوِّهم مِنَ العِلْمِ، وضَمِيرُ ( فَرِحُوا وعِنْدَهم ) عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ لِلْكَفَرَةِ المُحَدَّثِ عَنْهم.

الرّابِعُ أنْ يُجْعَلَ ضَمِيرُ ( فَرِحُوا ) لِلْكَفَرَةِ وضَمِيرُ ( عِنْدَهم ) لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمُرادُ بِالعِلْمِ الحَقُّ الَّذِي جاءَ المُرْسَلُونَ بِهِ أيْ فَرِحُوا بِما عِنْدَ الرُّسُلِ مِنَ العِلْمِ فَرَحَ ضَحِكٍ مِنهُ واسْتِهْزاءٍ بِهِ، وخُلاصَتُهُ أنَّهُمُ اسْتَهْزَؤُوا بِالبَيِّناتِ وبِما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ مِن عِلْمِ الوَحْيِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ .

الخامِسُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرانِ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمَعْنى أنَّ الرُّسُلَ لَمّا رَأوْا جَهْلَ الكَفَرَةِ المُتَمادِي واسْتِهْزاءَهم بِالحَقِّ وعَلِمُوا سُوءَ عاقِبَتِهِمْ وما يَلْحَقُهم مِنَ العُقُوبَةِ عَلى جَهْلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ وشَكَرُوا اللَّهَ تَعالى وحاقَ بِالكافِرِينَ جَزاءَ جَهْلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، وحُكِيَ هَذا عَنِ الجُبّائِيِّ.

السّادِسُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرانِ لِلْكُفّارِ، والمُرادُ بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ عِلْمُهم بِأُمُورِ الدُّنْيا ومَعْرِفَتُهم بِتَدْبِيرِها كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ  ﴾ ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ  ﴾ فَلَمّا جاءَهُمُ الرُّسُلُ بِعِلْمِ الدِّياناتِ وهي أبْعَدُ شَيْءٍ مِن عِلْمِهِمْ لِبَعْثِها عَلى رَفْضِ الدُّنْيا والظِّلْفِ عَنِ المَلاذِّ والشَّهَواتِ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها وصَغَّرُوها واسْتَهْزَؤُوا بِها واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا عِلْمَ أنْفَعَ وأجْلَبَ لِلْفَوائِدِ مِن عِلْمِهِمْ فَفَرِحُوا بِهِ، قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: والأرْجَحُ مِن بَيْنِ هَذِهِ الأوْجُهِ السِّتَّةِ الثّالِثُ فَفِيهِ التَّهَكُّمُ والمُبالَغَةُ في خُلُوِّهِمْ مِنَ العِلْمِ ومُشْتَمِلٌ عَلى ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ وزِيادَةً سالِمٌ عَنْ عَدَمِ الطِّباقِ لِلْواقِعِ كَما في الثّانِي وعَنْ قُصُورِ العِبارَةِ عَنِ الأداءِ كالرّابِعِ وعَنْ فَكِّ الضَّمائِرِ كَما في الخامِسِ، والسّادِسُ قَرِيبٌ لَكِنَّهُ قاصِرٌ عَنْ فَوائِدِ الثّالِثِ.

انْتَهى.

فَتَأمَّلْهُ جِدًّا.

وأبُو حَيّانَ اسْتَحْسَنَ الوَجْهَ السّادِسَ وتَعَقَّبَ الوَجْهَ الثّالِثَ بِأنَّهُ لا يُعَبِّرُ بِالجُمْلَةِ الظّاهِرِ كَوْنُها مُثْبَتَةً عَنِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ إلّا في قَلِيلٍ مِنَ الكَلامِ نَحْوَ شَرٌّ أهَرُّ ذا نابٍ عَلى خِلافٍ فِيهِ، ولَما آلَ أمْرُهُ إلى الإثْباتِ المَحْصُورِ جازَ، وأمّا الآيَةُ فَيَنْبَغِي أنْ لا تُحْمَلَ عَلى القَلِيلِ لِأنَّ في ذَلِكَ تَخْلِيطًا لِمَعانِي الجُمَلِ المُتَبايِنَةِ فَلا يُوثَقُ بِشَيْءٍ مِنها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَبايُنَ مَعْنى بَيْنَ لَمْ يَفْرَحُوا بِما جاءَهم مِنَ العِلْمِ و ﴿ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ﴾ عَلى ما قُرِّرَ.

نَعَمْ هَذا الوَجْهُ عِنْدِي مَعَ ما فِيهِ مِن حُسْنٍ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وكَلامُ صاحِبِ الكَشْفِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: اصبر يا محمد على أذى الكفار، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي: كائن، فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب يعني: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذى نعدهم من العذاب في الدنيا، وهو القتل، والهزيمة.

أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ من قبل أن نرينك عذابهم في الدنيا، فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ يعني: يرجعون إلينا في الآخرة، فنجزيهم بأعمالهم.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ يعني: إلى قومهم، مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ يعني: سميناهم لك، فأنت تعرفهم، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ يعني: لم نسمهم لك ولم نخبرك بهم يعني: أنهم صبروا على أذاهم، فاصبر أنت يا محمد على أذى قومك كما صبروا.

وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ أي: ما كان لرسول، من القدرة أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ أي بدلائل، وبراهين، إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني: بأمره.

فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ يعني: العذاب، قُضِيَ بِالْحَقِّ أي: عذبوا، ولم يظلموا حين عذبوا، وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ.

أي: خسر عند ذلك المبطلون.

يعني: المشركون.

ويقال: يعني: الظالمون.

ويقال: الخاسرون.

ثم ذكر صنعه ليعتبروا فقال: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ يعني: خلق لكم البقر، والغنم، والإبل، لِتَرْكَبُوا مِنْها أي بعضها وهو الإبل، وَمِنْها تَأْكُلُونَ يعني: من الأنعام منافع في ظهورها، وشعورها، وشرب ألبانها، وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ أي ما في قلوبكم، من بلد إلى بلد وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ يعني: على الأنعام، وعلى السفن، يُرِيكُمْ آياتِهِ يعني: دلائله، وعجائبه، أَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ بأنها ليست من الله، أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: يسافروا فِي الأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا أي: فيعتبروا، كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: آخر أمر من كان قبلهم، كيف فعلنا بهم حين كذبوا رسلهم، كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ يعني: أكثر من قومك في العدد، وَأَشَدَّ قُوَّةً من قومك، وَآثاراً فِي الْأَرْضِ، يعني: مصانعهم أعظم آثاراً في الأرض، وأطول أعماراً، وأكثر ملكاً في الأرض، فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: لم ينفعهم ما عملوا في الدنيا، حين نزل بهم العذاب.

فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالأمر، والنهي، وبخبر العذاب، فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ يعني: من قلة علمهم، رضوا بما عندهم من العلم، ولم ينظروا إلى دلائل الرسل.

ويقال: رضوا بما عندهم.

فقالوا: لن نعذب، ولن نبعث.

ويقال: فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ أي: علم التجارة، كقوله يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا [الروم: 7] .

وَحاقَ بِهِمْ أي نزل بهم مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي: يسخرون به، ويقولون: إنه غير نازل بهم.

فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي: عذابنا في الدنيا، قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا أي: تبرأنا، بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ يعني: بما كنا به مشركين من الأوثان، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ يعني: تصديقهم، لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي: حين رأوا عذابنا.

قال القتبي: البأس الشدة.

والبأس العذاب كقوله: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا وكقوله: فَلَمَّا أَحَسُّوا بأسنا، سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ قال مقاتل: يعني: كذلك كانت سنة الله فِي عِبادِهِ.

يعني: العذاب في الأمم الخالية إذا عاينوا العذاب، لم ينفعهم الإيمان.

وقال القتبي: هكذا سنة الله أنه من كفر عذبه، وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ أي: خسر عند ذلك الكافرون بتوحيد الله عز وجل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

واسْتَكانُوا معناه: تواضعوا وانخفضوا.

حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١)

قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)

وقوله سبحانه: حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذابٍ شَدِيدٍ ...

الآية تَوُعُّدُ بعذاب غير مُعَيَّنٍ، وهذا هو الصواب، وهذه المَجَاعَةُ إنَّما كانت بعد وقعة بدر، والمُبْلِسُ الذي قد نزل به شَرٌّ وَيئِسَ من زواله ونَسُخِهِ بخير، ثم ابتدأ تعالى بتعديد نِعَمٍ في نفس تعديدها استدلالٌ بها على عِظَمِ قدرته سبحانه، فقال: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ ...

الآية، أنشأ بمعنى: اخترع، والأفئدة: القلوبُ، وذرأ: بَثَّ وخلق.

وقوله: بَلْ إضرابٌ، والجَحْدُ قبله مُقَدَّر/ كأنه قال: ليس لهم نظر في هذه ٣٣ أالآيات أو نحو هذا، والْأَوَّلُونَ: يشير به إلى الأُمَمِ الكافرة: كعاد وثمود.

وقوله تعالى: لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ ...

الآية، قولهم:

وَآباؤُنا إنْ حُكِيَ المقالة عن العرب فمرادُهُم مَنْ سَلَفَ من العالم، جعلوهم آباءَ من حيث النوعُ واحدٌ، وكونهم سلفاً، وفيه تَجُوزٌ، وإنْ حُكِيَ ذلك عن الأَوَّلِينَ فالأَمر مستقيم فيهم.

قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)

وقوله سبحانه: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ أَمَر اللَّه تعالى نَبِيَّهُ عليه السلام بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا

يمكنهم إلاَّ الإقرارُ بها، ويلزم من الإقرار [بها] «١» توحيدُ اللَّه وإذعانهم لشرعه ورسالة رسله، وقرأ الجميع «٢» في الأَوَّل: «للَّه» بلا خلاف، واخْتُلِفَ في الثاني والثالث، فقرأ أبو عمرو وحدَه: «اللَّه» جواباً على اللفظ، وقرأ باقي السبعة: «للَّه» جواباً على المعنى، كأنه قال في السؤال: لمن ملك السموات السبع؟

وقوله سبحانه: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ استعارة وتشبيه لما وقع منهم من التخليط وَوَضْعِ الأفعالِ والأَقوالِ غيرِ مواضعها ما يقع من المسحور عَبَّرَ عنهم بذلك.

وقالتَ فرقة: تُسْحَرُونَ معناه: تمنعون، وحكى بعضهم ذلك لُغَةً، والإجارة:

المنع، والمعنى: أَنَّ اللَّه تعالى إذا أراد منع أحد فلا يقدر عليه، وإذا أراد أخذَه فلا مانِعَ له.

وقوله سبحانه: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أي: فيما ذكروه من الصاحبة، والولد، والشريك، تعالى اللَّه عن قولهم عُلُوّاً كبيراً، وفي قوله سبحانه: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ [الآية] «٣» .

دليلُ [التمانع] «٤» وهذا هو الفسادُ الذي تَضَمَّنَهُ قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا.

[الأنبياء: الآية ٢٢] .

والجزءُ المُخْتَرَعُ مُحَالٌ أَنْ تَتَعَلَّقَ به قدرتان فصاعداً، وقد تقدم الكلامُ على هذا الدليل فَأَغنى عن إعادته.

وقوله: إِذاً جوابٌ لمحذوف تقديره: لو كان معه [إله] «٥» إذاً لذهب.

عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦)

وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)

وقوله: عالِمِ الْغَيْبِ المعنى: هو عالم الغيب، وقرأ أبو عمرو «١» وغيره: «عَالِمِ» بالجر اتباعاً للمكتوبة.

وقوله سبحانه: قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أمَرَ اللَّه تعالى نَبِيَّه- عليه السلام- أنْ يدعوَ لنفسه بالنجاة من عذاب الظلمة إن كان قضي أن يرى ذلك، و «إن» شرطية و «ما» زائدة و «تريني» جزم بالشرط لزمته النونُ الثقيلة وهي لا تُفَارِقُ، «أَمَّا» عند المُبَرِّدِ، ويجوزُ عند سيبويه أنْ تفارقَ، ولكن استعمالَ القرآن لزومها، فمن هنالك ألزمه المبرد، وهذا الدعاء فيه استصحاب الخشية والتحذير من الأمر المعذب من أجله، ثم نظيره لسائر الأُمَّةِ دُعَاءٌ في حسن الخاتمة، وقوله ثانياً: «رب» اعتراض بين الشرط وجوابه.

وقوله سبحانه: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ أمْرٌ بالصفح ومكارِمِ الأخلاق، وما كان منها لهذا فهو مُحْكَمٌ باقٍ في الأُمَّةِ أبداً، وما كان بمعنى الموادعة فمنسوخ بآية القتال.

وقوله: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ يقتضي أَنَّها آية مُوَادَعَةٍ.

وقال مجاهد «٢» : الدفع بالتي هي أحسن: هو السلامُ، تُسَلِّمُ عليه إذا لَقِيتَه.

وقال الحسن «٣» : واللَّه لا يُصِيبُهَا/ أَحَدٌ حَتَّى يكظم غيظه، ويصفح عمّا يكره، وفي ٣٣ ب الآية عدة للنبي صلّى الله عليه وسلّم، أي: اشتغل أنت بهذا وكل أمرهم إلينا، ثم أمره سبحانه بالتَّعَوُّذِ من همزات الشياطين، وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسانُ فيها نفسه وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكُفَّارِ فتقع المجادلة، ولذلك اتَّصَلَتْ بهذه الآية، وقال ابن زيد:

هَمْزُ الشيطان: الجنونُ «٤» ، وفي «مُصَنَّفِ أَبي داودَ» : أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ: هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، ونَفْثِهِ» «٥» .

قال أبو داودَ: همزه: الموتة، ونفخه:

الكبر، ونفثه: السحر.

قال ع «١» : والنّزعات وسورات الغضبِ من الشيطان، وهي المُتَعَوَّذُ منها في الآية، وأصل الهمز: الدَّفْعُ والوَكزُ بيدٍ أو غيرها.

قلت: قال صاحب «سلاح المؤمن» : وهَمَزَاتُ الشياطين: خَطَرَاتُها التي تَخْطِرَهَا بقلب الإنسان، انتهى.

وقال الواحديّ: همزات الشياطين: نزغاتها ووساوسها، انتهى.

حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣)

تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤)

وقوله سبحانه: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ حَتَّى في هذا الموضع حَرْفُ ابتداءٍ، والضمير في قوله: أَحَدَهُمُ للكفار، وقوله: ارْجِعُونِ أي: إلى الحياة الدنيا، والنون في: ارْجِعُونِ: نون العظمة وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة: «إذَا عَايَنَ المُؤْمِنُ المَوْتَ، قَالَتْ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ: نُرْجِعُك؟

فيقول: إلى دَارِ الهُمُومِ وَالأَحْزَانِ؟

بل قُدُماً إلى اللهِ، وأَمَّا الكَافِرُ، فَيَقُولُ: ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً» «٢» .

وقوله: كَلَّا: رَدٌّ وزجر.

وقوله: إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها تحتمل ثلاثة معانٍ:

أحدها: الإخبارْ المُؤكّدُ بأنَّ هذا الشيء يقع، ويقولُ هذه الكلمة.

الثاني: أنْ يكون المعنى: إنها كلمة لا تغنى أكثر من أَنَّه يقولها، ولا نفعَ له فيها ولا غَوْثَ- الثالث: أنْ يكون إشارةً إلى أنّه لو رُدَّ لعاد، والضمير في: وَرائِهِمْ للكفار، والبرزخ في كلام العرب: الحاجز بين المسافتين، ثَم يُسْتَعَارُ لما عدا ذلك، وهو هنا:

للمُدَّةِ التي بين موت الإنسان وبين بعثه هذا إجماع من المفسرين.

وقوله عز وجل: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ ...

الآية: قال ابن مسعود «١» وغيرُه: هذا عند النفخة الثانية وقيامِ الناس من القُبُورِ فهم حينئذٍ لهول المطلع واشتغال كل امرئ بنفسه قد انقطعت بينهم الوسائلُ، وزال انتفاعُ الأنساب فلذلك نفاها سبحانه، والمعنى: فلا أنسابَ نافعةٌ، ورُوِيَ عن قتادَة أَنَّهُ: ليس أَحد أبغض إلى الإنسان في ذلك اليوم مِمَّن يَعْرِفُ، لأَنَّهُ يخاف أَنْ يكونَ له عنده مَظْلِمَةٌ «٢» ، وفي ذلك اليوم يَفِرُّ المرء من أخيه وأُمِّهِ وأبيه وصاحبتِهِ وبَنِيْهِ، ويفرحُ كلُّ أحد يومئذٍ أنْ يكون له حَقُّ على ابنه وأبيه، وقد وَرَدَ بهذا حديثٌ، وكأنّ ارتفاع التساؤل لهذه الوجوه، ثم تأتي في القيامة مواطنُ يكون فيها السؤال والتعارف.

قال ع «٣» : وهذا التأويل حَسَنٌ، وهو مرويُّ المعنى عن ابن عباس «٤» ، وذكر البزَّارُ من حديث أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالْمِيزَانِ، فَيُؤْتَى بِابْنِ آدَمَ، فَيُوقَفُ بَيْنَ كَفَّتَيِ الْمِيزَانِ، فَإنْ ثَقُلَ مِيزانُهُ، نَادَى/ المَلَكُ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ الخَلاَئِقَ: سَعِدَ فُلاَنٌ ٣٤ أسعادة لاَ يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَداً، وَإنْ خَفَّ مِيزَانُهُ، نَادَى المَلَكُ بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الخَلاَئِقَ: شَقِيَ فُلاَنٌ شَقَاوَةً لاَ يَسْعَدُ بَعْدَهَا أبداً «٥» » ، انتهى من «العاقبة» .

وروى أبو داودَ في «سننه» عن عائشة رضي الله عنها أَنَّها ذَكَرَتِ النَّارَ فبكت، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَا يُبْكِيكِ؟

قَالَتْ:

ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذكُرُونَ أَهْلِيَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أَمَّا في ثَلاَثَةِ مَوَاطِنَ، فَلاَ يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَداً، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَم: أَيِخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الكِتَابِ حَتَّى يَقُولَ: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة: ١٩] ، حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يُعْطَى كِتَابَهُ: أفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شَمَالِهِ، أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ، إذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَي جَهَنَّمَ» «٦» ، انتهى.

ولفح النار: إصابتها بالوهج والإحراق، والكلوح انكشافُ الشفتين عن الأسنان، وقد شبه ابن

مسعود ما في الآية بما يعتري رؤوس الكِبَاشِ إذا شيطت بالنار فإنَّها تكلح، ومنه كلوح الكلب والأسد «١» .

قلت: وفي «الترمذيِّ» عن أبي سعيد الخدريّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: وَهُمْ فِيها كالِحُونَ قال: تَشْوِيهِ النَّارُ، فَتَقْلُصُ شَفَتُهُ العُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ، وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ ...

» «٢» الحديث قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، انتهى.

وهذا هو المُعَوَّلُ عليه في فهم الآية، وأَمَّا قول البخاريِّ: كالِحُونَ «٣» معناه:

عابسون- فغيرُ ظاهر، ولَعَلَّهُ لم يقف على الحديث.

أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)

وقوله سبحانه: أَلَمْ تَكُنْ آياتِي أي: يقال لهم، والآياتُ هنا القرآن، وقرأ حمزة:

«شَقَاوَتُنَا» ثم وقع جواب رغبتهِم بحسب ما حتمه الله من عذابهم بقوله: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ويقال: إنَّ هذه الكلمة إذا سمعُوها يئسوا من كل خير، فتنطبق عليهم جَهَنَّمُ، ويقع اليأسُ- عافانا الله من عذابه بمنّه وكرمه-!

وقوله: اخْسَؤُا زجر، وهو مستعمل في زجر الكلاب.

إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١) قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣)

قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)

وقوله عز وجل: إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا ...

الآية الهاء في إِنَّهُ: مُبْهَمَةٌ: وهي ضمير الأمر والشأن، والفريقُ المُشَارُ إليه: كُلُّ مُسْتَضْعَفٍ من المؤمنين يَتَّفِقُ أنْ تكون حالُه مع كُفَّارٍ مِثلَ هذه الحال، ونزلت الآية في كُفَّارِ قريشِ مع صُهَيْبٍ، وعَمَّار، وبلال، ونظرائهم، ثم هي عامة فيمَنْ جرى مجراهم قديماً وبقيةَ الدهر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «سُخْرِيّاً» بضم السين «١» ، والباقون بكسرها فقيل هما بمعنى واحد ذكر ذلك الطبريُّ «٢» .

وقال ذلك أبو زيد الأنصاريُّ: إنهما بمعنى الهُزْءِ «٣» ، وقال أبو عبيدَة وغيره: إنَّ ضم السين من السخرة والاستخدام، وكسرها من السخر وهو الاستهزاء»

، ومعنى الاستهزاء هنا أليق أَلاَ ترى إلى قوله: وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ.

وقوله سبحانه: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ...

الآية قوله: فِي الْأَرْضِ قال الطبريُّ «٥» معناه: في الدنيا أحياءَ، وعن هذا وقع السؤال، ونَسُوا لفرط هول العذاب حَتَّى قالوا: يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، والغرضُ توقيفهم على أَنَّ أعمارهم قصيرة أَدَّاهُمُ الكُفْرُ فيها إلى عذاب طويل، عافانا الله من ذلك بِمَنِّهِ وكرمه!.

وقال الجمهور: معناه: كم لَبِثْتُمْ في جوف التراب أمواتاً؟

قال ع «٦» : وهذا هو

٣٤ ب الأصوب من حيث أنكروا البعث/.

وكان قولهم: إنهم لا يقومون من التراب، وقوله آخراً: وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لاَ تُرْجَعُونَ يقتضي ما قلناه.

قلت: الآيات محتملة للمعنيين، والله أعلم بما أراد سبحانه قال البخاريُّ «١» : قال ابن عباس: فَسْئَلِ الْعادِّينَ أي: الملائكة «٢» ، انتهى.

ص: قرأ الجمهور: «العَادِّينَ» «٣» - بتشديد الدال- اسم فاعل من «عدّ» ، وقرأ الحسن والكسائيّ في رواية: «العَادِينَ» «٤» بتخفيف الدال، أي: الظَّلَمَةَ، و «إنْ» من قوله:

إِنْ لَبِثْتُمْ نافيةٌ، أي: ما لبثتم إلّا قليلا، اهـ.

وعَبَثاً: معناه: باطلاً، لغير غَايَةٍ مُرَادَةٍ، وخَرَّجَ أبو نعيم الحافظ عن حنش الصنعانيِّ عن ابن مسعود «أنه قرأ في أذن مبتلى:

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ...

إلى آخر السورة، فأفاق، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما قرأتَ في أذنه؟

قال: قرأت: أَفَحَسِبْتُمْ ...

إلى آخر السورة، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لَوْ أَنَّ رَجُلاً مُوقِناً قَرَأَهَا عَلَى جَبَلٍ لَزَال» ، انتهى «٥» ، وخَرَّجَهُ ابن السُّنِّيُّ أيضاً، ذكره النووي.

وقوله سبحانه: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ: المعنى: فتعالى الله عن مقالتهم في دعوى الشريك والصاحبة والولد، ثم تَوَعَّدُ سبحانه عَبَدَةَ الأوثان بقوله: فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وفي حرف عبد الله: «عند ربك» ، وفي حرف «٦» أُبَيِّ: «عند الله» ثم أَمر تعالى نَبِيَّهُ صلّى الله عليه وسلّم بالدعاء والذكر له فقال: وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿ أنّى يُصْرَفُونَ ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟!

وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ.

وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسْجَرُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ.

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] .

وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿ فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و ﴿ المُبْطِلُونَ ﴾ : أصْحابُ الباطِلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما أغْنى عَنْهُمْ ﴾ في "ما" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ.

والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحاقَ بِهِمْ ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ.

والبَأْسُ: العَذابُ.

ومَعْنى ﴿ سُنَّتَ اللَّهِ ﴾ : أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿ وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأوا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ ﴾ الضَمِيرُ في ﴿ [جاءَتْهُمْ]﴾ عائِدٌ عَلى الأُمَمِ المَذْكُورِينَ، الَّذِينَ جُعِلُوا مَثَلًا وعِبْرَةً، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ في ﴿ "فَرِحُوا" ﴾ عَلى مَن يَعُودُ؟

فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هو عائِدٌ عَلى الأُمَمِ المَذْكُورِينَ، أيْ: بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ في ظَنِّهِمْ ومُعْتَقَدِهِمْ مِن أنَّهم لا يُبْعَثُونَ، ولا يُحاسَبُونَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: اغْتَرُّوا بِعِلْمِهِمْ في الدُنْيا والمَعايِشِ، وظَنُّوا أنَّهُ لا آخِرَةَ فَفَرِحُوا، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُنْيا  ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في فَرِحُوا عائِدٌ عَلى الرُسُلِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ حَذْفٌ وتَقْدِيرُهُ: كَذَّبُوهُمْ، فَفَرِحُوا - أيِ: الرُسُلَ - بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللهِ والثِقَةِ بِهِ وبِأنَّهُ سَيَنْصُرُهم.

و"حاقَ" مَعْناهُ: نَزَلَ وثَبَتَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في الشَرِّ، و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانُوا بِهِ ﴾ هو العَذابُ، الَّذِي كانُوا يُكَذَّبُونَ بِهِ ويَسْتَهْزِئُونَ بِأمْرِهِ، والضَمِيرُ في "بِهِمْ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ بِلا خِلافٍ.

ثُمَّ حَكى حالَةَ بَعْضِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ بَعْدَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ، فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ، وفي ذِكْرِ هَذا حَضٌّ لِلْعَرَبِ عَلى المُبادَرَةِ، وتَخْوِيفٌ مِنَ التَأنِّي، لِئَلّا يُدْرِكُهم عَذابٌ لا تَنْفَعُهم تَوْبَةٌ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِهِمْ، وأمّا قِصَّةُ قَوْمِيُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَدْ رَأوُا العَذابَ ولَمْ يَكُنْ تَلَبَّسَ بِهِمْ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُها مُسْتَقْصى في سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ.

و"سُنَّةَ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، و"خَلَتْ" مَعْناهُ: مَضَتْ واسْتَمَرَّتْ وصارَتْ عادَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "هُنالِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى أوقاتِ العَذابِ، أيْ ظَهَرَ خُسْرانُهم وحَضَرَ جَزاءُ كُفْرِهِمْ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (غافِرٍ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع هذا الاستفهام عقب قوله: ﴿ وَيُرِيكُم ءاياته ﴾ [غافر: 81]، يقتضي أنه مساوق للتفريع الذي قبله وهو ﴿ فَأَيَّ ءاياتت الله تُنكِرُونَ ﴾ [غافر: 81] فيقتضي أن السيْر المستفهم عنه بالإِنكار على تركه هو سير تحصل فيه آيات ودلائل على وجود الله ووحدانيته وكلا التفريعينْ متصل بقوله: ﴿ وَلِتَبلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً في صُدُورِكُم وعَلَيها وعَلَى الفُلْككِ تُحْمَلُونَ ﴾ [غافر: 80]، فذلك هو مناسبة الانتقال إلى التذكير بعبرة آثار الأمم التي استأصلها الله تعالى لما كذبت رُسله وجحدت آياته ونعمه.

وحصل بذلك تكرير الإنكار الذي في قوله قبل هذا: ﴿ أوَلَمْ يَسِيروا في الأرْضضِ فَيَنظُرُوا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانوا مِن قَبْلِهِم كَانُوا هم أَشَدَّ منهم قُوَّةً ﴾ [غافر: 21] الآية، فكان ما تقدم انتقالاً عقب آيات الإِنذار والتهديد، وكان هذا انتقالاً عقب آيات الامتنان والاستدلال، وفي كلا الانتقالين تذكير وتهديد ووعيد.

وهو يشير إلى أنهم إن لم يكونوا ممن تزعهم النعم عن كفران مسديها كشأن أهل النفوس الكريمة فليكونوا ممن يردعهم الخوف من البطش كشأن أهل النفوس اللئيمة فليضعوا أنفسهم حيث يختارون من إحدى الخطتين.

والقول في قوله: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَءَاثَاراً في الأرْضِ ﴾ مثل القول في نظيره السابق في هذه السورة، وخولف في عطف جملة ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا ﴾ بين هذه الآية فعطفت بالفاء للتفريع لوقوعها بعدما يصلح لأن يفرع عنه إنكار عدم النظر في عاقبة الذين من قبلهم بخلاف نظيرها الذي قبلها فقد وقع بعد إنذارهم بيوم الآزفة.

وجملة ﴿ فَمَا أغنى عَنْهم مَا كَانُوا يَكْسِبونَ ﴾ معترضة والفاء للتفريع على قوله: ﴿ كَانُوا أكْثَرَ مِنْهُم ﴾ وهو كقوله تعالى: ﴿ هذا فليذوقوه حميم وغساق ﴾ [ص: 57] وقول عنترة: ولقد نَزَلْتتِ فلا تظنّي غيره *** مني بمنزلة المحَبّ المكرَم وفائدة هذا الاعتراض التعجيل بإفادة إن كثرتهم وقوتهم وحصونهم وجناتهم لم تغن عنهم من بأس الله شيئاً.

وجملة ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُم رُسُلُهم بالبينات ﴾ الآية مفرعة على جملة ﴿ كَانُوا أكْثَرَ مِنْهُم ﴾ أي كانوا كذلك إلى أن جاءتهم رسل الله إليهم بالبينات فلم يُصدقوهم فرأوا بأسنا.

وجعلها في «الكشاف» جارية مجرى البيان والتفسير لقوله: ﴿ فَمَا أغنى عَنْهُم ﴾ ، وما سلَكْتُه أنا أحسن ومَوقع الفاء يؤيده.

ولِما في (لَمَّا) من معنى التوقيت أفادت معنى أن الله لم يغير ما بهم من النعم العظمى حتى كذبوا رسله.

وجواب (لمّا) جملة ﴿ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِنَ العِلْمِ ﴾ وما عطف عليها.

واعلم أن المفسرين ذهبوا في تفسير هذه الآية طرائق قِدداً ذكر بعضها الطبري عن بعض سلف المفسرين.

وأنهاها صاحب «الكشاف» إلى ستّ، ومال صاحب «الكَشف» إلى إحداها، وأبو حيان إلى أُخرى ولا حاجة إلى جلب ذلك.

والطريقة التي يرجح سلوكها هي أن هنا ضمائر عشرة هي ضمائر جمع الغائبين وأن بعضها عائد لا محالة على ﴿ الَّذِينَ مِن قَبلِهم ﴾ وأن وجه النظم أن تكون الضمائر متناسقة غير مفككة فلذا يتعين أن تكون عائدة إلى معاد واحد، فالذين (فَرحوا بما عندهم من العلم) هم (الذين جَاءتهم رُسُلهم بالبينات)، وهم الذين (حَاق بهم ما كانوا به يستهزئون)، والذين رأوا بأس الله، فما بنا إلا أن نُبين معنى ﴿ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِنَ العِلمِ ﴾ .

فالفَرَح هنا مكنّى به عن آثاره وهي الازدهاء كما في قوله تعالى: ﴿ إذ قال له قومه لا تفرح ﴾ [القصص: 76] أي بما أنت فيه مكنىًّ به هنا عن تمسكهم بما هم عليه، فالمعنى: أنهم جادلوا الرسل وكابروا الأدلة وأعرضوا عن النظر.

وما عندهم من العلم هو معتقداتهم الموروثة عن أَهل الضلالة من أسلافهم.

قال مجاهد: قالوا لرسلهم: نحن أعلم منكم لن نُبعث ولن نُعذب اه.

وإطلاق العلم على اعتقادهم تهكم وجري على حسب معتقدهم وإلا فهو جهل.

وقال السُدّي: فرحوا بما عندهم من العلم بجهلهم يعني فهو من قبيل قوله تعالى: ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ﴾ [الأنعام: 148].

وحاق بهم: أحاط، يقال: حاق يحيق حيقا، إذا أحاط، وهو هنا مستعار للشدة التي لا تنفيس بها لأن المحيط بشيء لا يدع له مَفرجاً.

و ﴿ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهزِءُونَ ﴾ هو الاستئصال والعذاب.

والمعنى: أن رسلهم أوعدوهم بالعذاب فاستهزؤوا بالعذاب، أي بوقوعه وفي ذكر فعل الكون تنبيه على أن الاستهزاء بوعيد الرسل كان شنشنة لهم، وفي الإتيان ب ﴿ يستهزؤون ﴾ مُضارعاً إفادة لتكرر استهزائهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِقَوْلِهِمْ نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ لَنْ نُعَذَّبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ وهو جَهْلٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: فَرِحَتِ الرُّسُلُ بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِنَجاتِهِمْ وهَلاكِ أعْدائِهِمْ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: رَضُوا بِعِلْمِهِمْ واسْتَهْزَأُوا بِرُسُلِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَحاقَ بِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أحاطَ بِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: عادَ عَلَيْهِمْ.

﴿ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُحَمَّدٌ  أنَّهُ ساحِرٌ.

الثّانِي: بِالقُرْآنِ أنَّهُ شِعْرٌ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم ﴾ قال: أسفاركم لحاجتكم ما كانت.

وفي قوله: ﴿ وآثاراً في الأرض ﴾ قال: المشي فيها بأرجلهم.

وفي قوله: ﴿ فرحوا بما عندهم من العلم ﴾ قال: قولهم نحن أعلم منهم ولن نعذب، وفي قوله: ﴿ وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ﴾ قال: ما جاءت به رسلهم من الحق.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم ﴾ قال: من بلد إلى بلد.

وفي قوله: ﴿ سنت الله التي قد خلت في عباده ﴾ قال: سننه أنهم كانوا إذا رأوا بأسنا آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم عند ذلك.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ العلم ﴾ الضمير يعود على الأمم المكذبين وفي تفسير علمهم وجوه: أحدها أنه ما كانوا يعتقدون من أنهم لا يبعثون ولا يحاسبون، والثاني أنه علمهم بمنافع الدنيا ووجوه كسبها، والثالث أنه علم الفلاسفة الذين يحتقرون علوم الشرائع وقيل: الضمير يعود على الرسل، أي فرحوا بما أعطاهم الله من العلم وشرائعه أو بما عندهم من العلم بأن الله ينصرهم على من يكذبهم، وأما الضمير في ﴿ وَحَاقَ بِهِم ﴾ فيعود على الكفار باتفاق، ولذلك ترجع أن يكون الضمير في ﴿ فَرِحُواْ ﴾ يعود عليهم ليتسق الكلام ﴿ سنة الله ﴾ انتصب على المصدرية والله سبحانه أعلم.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا ينفع ﴾ على التذكير: نافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم ﴿ تتذكرون ﴾ بتاء الخطاب: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

﴿ ادعوني أستجب ﴾ بفتح الياء: ابن كثير.

﴿ سيدخلون ﴾ من الإدخال مجهولاً: ابن كثير ويزيد وعباس ورويس وحماد وأبو بكر غير الشموني ﴿ شيوخاً ﴾ بكسر الشين: ابن كثير وابن عامر وحمزة وعلي وهبيرة والأعشى ويحيى وحماد.

الوقوف ﴿ الأشهاد ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ يدل من الأول ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ه لا ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ والأبكار ﴾ ه ﴿ أتاهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ولا المسيء ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أستجب لكم ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ لا لئلا يوهم أن ما بعده صفة شيء وخطؤه ظاهر ﴿ إلا هو ﴾ ز لابتداء الاستفهام ورجحان الوصل لفاء التعقيب ولتمام مقصود الكلام ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ شيوخاً ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ج لأجل الفاء مع الشرط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ في آيات الله ﴾ ط لانتهاء الاستفهام وابتداء آخر ﴿ يصرفون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ الذين ﴾ بدلاً من الضمير في ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ رسلنا ﴾ قف إن لم تقف على ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ والسلاسل ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف.

وقيل: ﴿ والسلاسل ﴾ مبتدأ والعائد محذوف أي والسلاسل يجرون بها في الحميم ﴿ يسجرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تمرحون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ حق ﴾ ه ﴿ للشرط ﴾ مع الفاء ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ نقصص عليك ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ج ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ز للآية مع العطف وشدّة اتصال المعنى ﴿ تحملون ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف ولا وجه للعطف.

﴿ تنكرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والأخبار ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ بأسنا ﴾ الثاني ط ﴿ في عباده ﴾ ج لأن الفعل المعطوف عليه مضمر وهو سن ﴿ الكافرون ﴾ ه.

التفسير: هذا من تمام قصة موسى وعود إلى مقام انجر الكلام منه وذلك أنه لما قيل ﴿ فوقاه الله ﴾ وكان المؤمن من أمة موسى علم منه ومما سلف مراراً أن موسى وسائر قومه قد نجوا وغلبوا على فرعون وقومه فلا جرم صرح بذلك فقال ﴿ إنا لننصر رسلنا ﴾ الآية.

ونصرتهم في الدنيا بإظهار كلمة الحق وحصول الذكر الجميل واقتداء الناس بسيرتهم إلى مدة ما شاء الله، وقد ينصرون بعد موتهم كما أن يحيى بن زكريا لما قتل قتل به سبعون ألفاً.

وأما نصرهم في الآخرة فمن رفع الدرجات والتعظيم على رؤوس الأشهاد من الحفظة والأنبياء والمؤمنين وقد مر باقي تفسير الأشهاد في أوائل "هود".

ثم بين أن يوم القيامة لا اعتذار فيه لأهل الظلم والغواية وإن فرض اعتذار فلا يقبل وسوء الدار عذاب الآخرة.

ثم أخبر عن إعطاء موسى التوراة وإيراثها قومه بعده.

والمراد بكون الكتاب هدى أنه دليل في نفسه، وبكونه ذكرى أن يكون مذكراً للشيء المنسيّ.

وحين فرغ من قصة موسى وما تعلق بها خاطب نبيه  مسلياً له بقوله ﴿ فاصبر إن وعد الله ﴾ بالنصر وإعلاء كلمة الحق ﴿ حق ﴾ كما قص عليك من حال موسى وغيره.

ثم أمره باستغفاره لذنبه وقد سبق البحث في مثله مراراً.

والعشيّ والإبكار صلاتا العصر والفجر أو المراد الدوام.

قوله ﴿ إن الذين يجادلون ﴾ عود إلى ما انجر الكلام إليه من أول السورة إلى ههنا.

وفيه بيان السبب الباعث لكفار قريش على هذا الجدال وهو الكبر والحسد وحب الرياسة، وأن يكون الناس تحت تصرفهم وتسخيرهم لا أن يكونوا تحت تصرف غيرهم فإن النبي  لا بد أن تكون الأمة تحت أمره ونهيه وذلك تخيل فاسد لأن الغلبة لدين الإسلام ولهذا قال ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ثم أمره أن يستعيذ في دفع شرورهم بالله السميع لأقوالهم البصير بأحوالهم فيجازيهم على حسب ذلك.

ثم إنهم كانوا أكثر ما يجادلون في أمر البعث فاحتج الله  عليهم بقوله ﴿ لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ﴾ ومن قدر على الأصعب في نظر المخالف وقياسه كان على الأسهل أقدر، فظاهر أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا برهان بل لمجرد الحسد والكبر بل لا يعرفون ما البرهان وكيف طريق النظر والاستدلال ولهذا قال ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ .

ثم نبه على الفرق بين الجدال المستند على العناد والتقليد وبين الجدال المستند إلى الحجة والدليل قائلاً ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وحين بين التفاوت بين الجاهل والعالم أراد أن يبين التفاوت بين المحسن والمسيء ثم قال ﴿ قليلاً ما تتذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتقريع، وفيه أن هذا التفاوت مما يعثر عليه المكلف بأدنى تأمل لو لم يكن معانداً مصراً.

ثم صرح بوجود القيامة قائلاً ﴿ إن الساعة لآتية ﴾ أدخل اللام في الخبر بخلاف ما في "طه" لأن المخاطبين ههنا شاكون بخلاف المخاطب هناك وهو موسى، وهذه الآية كالنتيجة لما قبلها.

ومعنى ﴿ لا يؤمنون ﴾ لا يصدّقون بالبعث.

ثم إنه كان من المعلوم أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بالطاعة فلا جرم أشار إليها بقوله ﴿ وقال ربكم ادعونى أستجب لكم ﴾ أكثر المفسرين على أن الدعاء ههنا بمعنى العبادة، والاستجابة بمعنى الإنابة بقوله  ﴿ إن الذين يستكبرون عن عبادتي ﴾ والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً  ﴾ روى النعمان بن بشير أن رسول الله  قال: "الدعاء العبادة" وقرأ هذه الآية.

وجوّز آخرون أن يكون الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، ويراد بعبادتي دعائي لأن الدعاء باب من العبادة يصدّقه قول ابن عباس: أفضل العبادة الدعاء.

وقد مرّ تحقيق الدعاء في سورة البقرة في قوله ﴿ أجيب دعوة الداع إذا دعان  ﴾ وقد فسره ابن عباس بمعنى آخر قال: وحدوني أغفر لكم.

وفي الدعاء.

قال جار الله: وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد.

ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين.

وقال أهل التحقيق: كل من دعا الله وفي قلبه مثقال ذرة من المال والجاه وغير ذلك فدعاؤه لساني لا قلبي ولهذا قد لا يستجاب لأنه اعتمد على غير الله.

وفيه بشارة هي أن دعاء المؤمن وقت حلول أجله يكون مستجاباً ألبتة لانقطاع تعلقه وقتئذ عما سوى الله.

ثم إنه  ذكر نعمته على الخلائق بوجود الليل والنهار وقد مر نظير الآية مراراً ولا سيما في أواخر "يونس" وأواسط "البقرة".

وكرر ذكر الناس نعياً عليهم وتخصيصاً لكفران النعمة بهم من بين سائر المخلوقات.

وأما وجه النظم فكأنه يقول: إني أنعمت عليك بهذه النعم الجليلة قبل السؤال فكيف لا أنعم عليك بما هو أقل منه بعد السؤال؟

ففي تحريض على الدعاء.

وأيضاً الاشتغال بالدعاء مسبوق بمعرفة المدعوّ فلذلك ذكر في عدّة آيات دلائل باهرة من الآفاق والأنفس على وحدانيته واتصافه بنعوت الكمال.

قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ إلى قوله ﴿ إلا هو ﴾ قد مر في "الأنعام".

قوله ﴿ كذلك يؤفك ﴾ أي كل من جحد بآيات الله ولم يكن طالباً للحق فإنه مصروف عن الحق كما صرفوا.

قوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ كقوله { ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  ﴾ ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم  ﴾ قوله ﴿ الحمد لله ربّ العالمين ﴾ إما استئناف مدح من الله  لنفسه، وإما بتقدير القول أي فادعوه مخلصين قائلين الحمد لله.

قوله ﴿ لما جاءني البينات ﴾ شامل لأدلة العقل والنقل جميعاً.

قوله ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ متعلق بمحذوف أي ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك لتكونوا.

وأما قوله ﴿ ولتبلغوا أجلاً مسمى ﴾ فمتعلق بفعل آخر تقديره ونفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى هو الموت أو القيامة، ورجاء منكم أن تعقلوا ما في ذلك من العبر.

وحيث انجر الكلام إلى ذكر الأجل وصف نفسه بأن الإحياء والإماتة منه، ثم أشار بقوله ﴿ فإذا قضى ﴾ الخ إلى نفاذ قدرته في الكائنات من غير افتقار في شيء مّا إلى آلة وعدّة.

وأشار إلى أن الإحياء والإماتة ليسا من الأشياء التدريجية ولكنهما من الأمور الدفعية المتوقفة على أمر كن فقط، وذلك أن الحياة تحصل بتعلق النفس الناطقة بالبدن، والموت يحدث من قطع ذلك التعلق، وكل من الأمرين يحصل في آن واحد.

ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى خلق الإنسان الأوّل وهو آدم كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون  ﴾ ثم عاد إلى ذم المجادلين وذكر وعيدهم قائلا ﴿ ألم تر ﴾ الآية والكتاب القرآن.

وما أرسل به الرسل سائر الكتب.

وقوله ﴿ فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم ﴾ ليس كقول القائل: سوف أصوم أمس.

بناء على أن سوف للاستقبال وإذ للمضي، لأن "إذ" ههنا بمعنى "إذا" إلا أنه ورد على عادة أخبار الله نحو ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ ونادى  ﴾ وقال المبرد: إذ صارت زماناً قبل سوف لأن العلم وقع منهم بعد ثبوت الأغلال.

والمعنى علموا من الأغلال الذي كانوا أو عدوه من بعد أن حق بالوجود.

ومعنى ﴿ يسجرون ﴾ قال جار الله: هو من سجر التنور إذا ملأه بالوقود، ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم وهم مسجورون بها مملوءة أجوافهم منها.

والحاصل أنهم يعذبون مرة بالماء الشديد الحرارة ومرة بالنار.

وقال مقاتل: في الحميم يعني في حر النار ﴿ ثم قيل لهم ﴾ على سبيل التوبيخ ﴿ أينما كنتم ﴾ "ما" موصولة مبتدأ و "أين" خبرها.

ومعنى ﴿ ضلّوا ﴾ غابوا وضاعوا ولم يصل إلينا ما كنا نرجوه من النفع والشفاعة، وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً ﴾ يعتدّ به كما تقول: حسبت أن فلاناً شيء فإذا هو ليس بشيء أي ليس عنده خير.

ومن جوّز الكذب على الكفار لم يحتج إلى هذا التأويل وقال: إنهم أنكروا عبادة الأصنام.

ثم قال ﴿ كذلك يضل الله الكافرين ﴾ قالت الأشاعرة: أي عن الحجة والإيمان.

وقالت المعتزلة: عن طريق الجنة بالخذلان.

وقال في الكشاف: أي مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.

واعترض عليه بأنهم مقرونون بآلهتهم في النار لقوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ والجواب أن كون الجميع في النار لا ينافي غيبة أحدهما عن الآخر.

وأجاب في الكشاف باختلاف الزمان وبتفسير الضلال بعدم النفع.

﴿ ذلكم ﴾ العذاب بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح أي النشاط ﴿ بغير الحق ﴾ وهو الشرك وعبادة الصنم.

ويجوز أن يكون القول محذوفاً أي يقال لهم ادخلوا أبواب جهنم السبعة المقسومة لكل طائفة مقدّرين الخلود فيها ﴿ فبئس مثوى المتكبرين ﴾ يعني الذين مر ذكرهم في قولهم ﴿ إن في صدوركم إلاّ كبر ﴾ والمخصوص بالذم محذوف وهو مثواكم أو جهنم.

قال جار الله: إنما لم يقل "فبئس مدخل المتكبرين" حتى يكون مناسباً لقوله ﴿ ادخلوا ﴾ كقولك: زر بيت الله فنعم المزار.

لأن الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثواء.

وحين زيف طريقة المجادلين مرة بعد مرة أمر رسوله بالصبر على إيذائهم وإيحاشهم إلى إنجاز الوعد بالنصرة قال ﴿ فإما نرينّك بعض الذي نعدهم ﴾ من عذاب الدنيا فذاك ﴿ أو نتوفينك فإلينا يرجعون ﴾ هذا التقدير ذكره جار الله، وقد مر في "يونس" مثله.

وأقول: لا بأس أن يعطف قوله ﴿ أو نتوفينك ﴾ على ﴿ نرينك ﴾ ويكون الرجوع إلى الله جزاء لهما جميعاً ومعناه: إنا نجازيهم على أعمالهم يوم القيامة سواء عذبوا في الدنيا أو لم يعذبوا.

ثم سلاه بحال الأنبياء السابقة ليقتدي بهم في الصبر والتماسك فقال ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.

ذهب بعض المفسرين إلى أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً.

وقيل: ثمانية آلاف، نصف ذلك من بني إسرائيل والباقي من سائر الناس.

ولعل الأصح أن عددهم لا يعلمه إلا الله لقوله  ﴿ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله  ﴾ لكن الإيمان بالجميع واجب.

عن علي  .

بعث الله نبياً أسود لم يقص علينا قصته.

ثم إن قريشاً كانوا يقترحون آيات تعنتاً كما مر في أواخر "سبحان" وأول "الفرقان" وغيرهما فلا جرم قال الله  ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله ﴾ بعذاب الدنيا أو بالقيامة.

وقال ابن بحر: أمر الله الآية التي اقترحوها وذلك أنه يقع الاضطرار عندها ﴿ وخسر هنالك ﴾ أي في ذلك الوقت استعير المكان للزمان ﴿ المبطلون ﴾ وهم أهل الأديان الباطلة.

ثم عاد إلى نوع آخر من دلائل التوحيد قائلاً ﴿ الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا ﴾ قال جار الله: ظاهر النظم يقتضي إدخال لام الغرض في القرائن الأربع أو خلو الكل عنها فيقال: لتركبوا ولتأكلوا ولتصلوا إلى منافع ولتبلغوا.

أو يقال: منها تركبون ومنها تأكلون وتصلون وتبلغون إلا أنه ورد على ما ورد لأن الركوب قد يجب كما في الحج والغزو، وكذلك السفر من بلد إلى بلد لهجرة أو طلب علم لا أقل من الندب فصح أن يكونا غرضين.

وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا تتعلق به إرادته كثير تعلق شرعاً.

وإنما قال ﴿ على الفلك ﴾ ولم يقل " وفي الفلك" مع صحته إذ هي كالوعاء إزدواجاً لقوله ﴿ وعليها ﴾ \[المؤمنون: 22\] والحمل محمول على الظاهر.

وقيل: هو من قول العرب: حملت فلاناً على الفرس إذا وهب له فرساً.

ثم وبخهم بقوله ﴿ ويريكم آياته فأيّ آيات الله تنكرون ﴾ .

ثم حرضهم وزاد توبيخهم بقوله ﴿ أفلم يسيروا ﴾ الآية.

وقد سبق.

وقوله ﴿ فما أغنى عنهم ﴾ "ما" نافية أو استفهامية ومحلها النصب.

وقوله ﴿ ما كانوا ﴾ مصدرية أو موصولة أي كسبهم أو الذي كسبوا.

قوله ﴿ فرحوا ﴾ لا يخلو إما أن يكون الضمير عائداً إلى الكفار أو إلى الرسل.

وعلى الأول فيه وجوه منها: أنه تهكم بعلمهم الذي يزعمون كقولهم ﴿ وما أظن الساعة قائمة  ﴾ ﴿ أئذا كنا تراباً وعظاماً أئنا لفي خلق جديد  ﴾ ومنها أنه أراد بذلك شبهات الدهرية وبعض الفلاسفة كقولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر  ﴾ وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وحقروا علم الأنبياء بالنسبة إلى علمهم كما يحكى عن سقراط أنه سمع بموسى  فقيل له: لو هاجرت إليه؟

فقال: نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا.

ويروى أن جالينوس قال لعيسى  : بعثت لغيرنا.

ومنها أن يراد علمهم بظاهر المعاش كقوله ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا  ﴾ وذلك مبلغهم من العلم فرحوا به وأعرضوا عن علم الديانات.

وعلى الثاني يكون معناه أن الرسل لما رأوا جهل قومهم وسوء عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم.

ووجه آخر وهو أن يكون ضمير ﴿ فرحوا ﴾ للكفار وضمير ﴿ عندهم ﴾ للرسل أي فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك واستهزاء.

ثم بين أن إيمان البأس وهو حالة عيان العذاب أو أمارات نزول سلطان الموت غير نافع وقد مر مراراً.

ومعنى ﴿ فلم يك ينفعهم ﴾ لم يصح ولم يستقم لأن الإلجاء ينافي التكليف.

وترادف الفاءات في قوله ﴿ فما أغني ﴾ ﴿ فلما جاءتهم ﴾ ﴿ فلما رأوا ﴾ ﴿ فلم يك ﴾ لترتيب الأخبار ولتعاقب المعاني من غير تراخٍ.

وقال جار الله: فما أغنى نتيجة قوله ﴿ كانوا أكثر منهم ﴾ وقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ جار مجرى البيان والتفسير لقوله ﴿ فلما أغنى ﴾ وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ تابع لقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ كأنه قال: فكفروا كقولك: رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء.

وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ آمنوا وكذلك ﴿ فلم يك ﴾ تابع لإيمانهم بعد البأس.

قال أهل البرهان: وإنما قال ههنا ﴿ وخسر هنالك الكافرون ﴾ وفيما قبل ﴿ المبطلون ﴾ لأنه قال هناك ﴿ قضى بالحق ﴾ ونقيض الحق الباطل، وههنا ذكر أن إيمان البأس غير مجد ونقيضه الكفر والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

قد ذكرنا معناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ كَانُوۤاْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً ﴾ .

أي: كانوا أكثر عدداً منكم وأشد في القوة والبطش.

وقوله: ﴿ وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: أكثر أعمالا منكم، ثم كانت عاقبتهم الهلاك والاستئصال.

وقوله: ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .

يقول: لم يغن عنهم كثرة العدد والحشم والأموال، ولا قوة الأبدان في دفع العذاب عن أنفسهم، فأنتم - يا أهل مكة - أحق ألا تقدروا على دفع العذاب عن أنفسكم إذا نزل بكم مع ضعفكم وقلة عددكم!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ وجهين: أحدهما: أي: فرحوا بما عندهم أنه علم وليس في الحقيقة علماً، لكن عندهم أن ذلك علم؛ وهو كقوله: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً  ﴾ ، أي: انظر إلى إلهك الذي هو عندك إله، وإلا لم يكن ذلك عند موسى -  - إلها، لكنه ذكر على ما عند ذلك الرجل للتعريف؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ أي: بما عندهم أنه علم وإن لم يكن في الحقيقة علماً، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أن يكون على حقيقة العلم، وذلك من أهل الكتاب؛ قد كان من أهل الكتاب الإيمان بما عندهم من الكتاب، وهو على الحقيقة علم لا شك فيه، لكنهم لما كذبوا غيره من الكتب والعلوم وكفروا بها، لم ينفعهم إيمانهم بما عندهم من العلم؛ كقوله  : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ ٱلْحَقُّ...

 ﴾ ، كان إيمانهم بما أنزل إليهم حقّاً، لكنهم لما كفروا بغيره أبطل ذلك الكفر إيمانهم بالذي أنزل إليهم؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ .

أي: يحويهم العذاب بما كانوا يستهزئون بالرسل.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴾ ، يحتمل هذا وجهين: يحتمل أن يكون هذا القول منهم وما ذكر من الإيمان منهم إذا رأوا بأس الله - بعد وفاتهم في قبورهم، أي: عذاب الله، فإن كان التأويل هذا، فهذا يدل على عذاب القبر لمن شاء الله  في حقه العذاب، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أن يكون ذلك منهم في حياتهم؛ حين رأوا بأس الله في الدنيا آمنوا بما ذكروا، فإن كان ذلك في الحياة، فلم ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما قال الله  : ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  ﴾ ، وقد تقدم ذكر هذا في سورة يونس -  - على الاستقصاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ﴾ .

ألا يقبل الإيمان عند رؤية بأس الله ومعاينة عذابه.

والثاني: كذلك سنة الله التي قد خلت في عباده من التعذيب والانتقام من مكذبي الرسل في الدنيا واستئصالهم، يخوف أهل مكة بما أنزل إليك؛ ليحذروا مثل صنيعهم.

وقوله: ﴿ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ﴾ : أي: خسر عند ذلك الكافرون، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما جاءتهم رسلهم بالبراهين الواضحة كذبوا بها، ورضوا بالتمسك بما عندهم من العلم المنافي لما جاءتهم به رسلهم، ونزل بهم ما كانوا يسخرون منه من العذاب الذي كانت تخوِّفهم رسلهم منه.

<div class="verse-tafsir" id="91.qbqyg"

مزيد من التفاسير لسورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل