الآية ٥ من سورة الجاثية

الإسلام > القرآن > سور > سورة 45 الجاثية > الآية ٥ من سورة الجاثية

وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزْقٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ ءَايَـٰتٌۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 71 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة الجاثية: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة الجاثية عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

واختلاف الليل والنهار في تعاقبهما دائبين لا يفتران ، هذا بظلامه وهذا بضيائه ، وما أنزل الله تعالى من السحاب من المطر في وقت الحاجة إليه ، وسماه رزقا ; لأن به يحصل الرزق ، ( فأحيا به الأرض بعد موتها ) أي : بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء .

وقوله : ( وتصريف الرياح ) أي : جنوبا وشآما ، ودبورا وصبا ، بحرية وبرية ، ليلية ونهارية .

ومنها ما هو للمطر ، ومنها ما هو للقاح ، ومنها ما هو غذاء للأرواح ، ومنها ما هو عقيم [ لا ينتج ] .

وقال أولا ) لآيات للمؤمنين ) ، ثم ) يوقنون ) ثم ) يعقلون ) وهو ترق من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى .

وهذه الآيات شبيهة بآية " البقرة " وهي قوله : ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) [ البقرة : 164 ] .

وقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا عن وهب بن منبه أثرا طويلا غريبا في خلق الإنسان من الأخلاط الأربعة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) يقول تبارك وتعالى ( وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ) أيها الناس, وتعاقبهما عليكم, هذا بظلمته وسواده وهذا بنوره وضيائه ( وَمَا أَنـزلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ ) وهو الغيث الذي به تخرج الأرض أرزاق العباد وأقواتهم, وإحيائه الأرض بعد موتها: يقول: فأنبت ما أنـزل من السماء من الغيْث ميت الأرض, حتى اهتزّت بالنبات والزرع من بعد موتها, يعني: من بعد جدوبها وقحوطها ومصيرها دائرة لا نبت فيها ولا زرع.

وقوله ( وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ) يقول: وفي تصريفه الرياح لكم شمالا مرّة, وجنوبا أخرى, وصبًّا أحيانا, ودبورا أخرى لمنافعكم.

وقد قيل: عنى بتصريفها بالرحمة مرّة, وبالعذاب أخرى.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ) قال: تصريفها إن شاء جعلها رحمة; وإن شاء جعلها عذابا.

وقوله ( آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) يقول تعالى ذكره: في ذلك أدلة وحجج لله على خلقه, لقوم يعقلون عن الله حججه, ويفهمون عنه ما وعظهم به من الآيات والعبر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق يعني المطرفأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون تقدم جميعه مستوفى في ( البقرة ) وغيرها .

وقراءة العامة وما يبث من دابة آيات ، وتصريف الرياح آيات بالرفع فيهما .

وقرأ حمزة والكسائي بكسر التاء فيهما .

ولا خلاف في الأول أنه بالنصب على اسم ( إن ) وخبرها في السماوات ووجه الكسر في ( آيات ) الثاني العطف على ما عملت فيه ، التقدير : إن في خلقكم وما يبث من دابة آيات .

فأما الثالث فقيل : إن وجه النصب فيه تكرير ( آيات ) لما طال الكلام ، كما تقول : ضربت زيدا زيدا .

وقيل : إنه على الحمل على ما عملت فيه ( إن ) على تقدير حذف ( في ) ، التقدير : وفي اختلاف الليل والنهار آيات .

فحذفت " في " لتقدم ذكرها .

وأنشد سيبويه في الحذف [ للشاعر أبي داود الأيادي ] :أكل امرئ تحسبين امرأ ونارا توقد بالليل نارافحذف ( كل ) المضاف إلى نار المجرورة لتقدم ذكرها .

وقيل : هو من باب العطف على عاملين .

ولم يجزه سيبويه ، وأجازه الأخفش وجماعة من الكوفيين ، فعطف واختلاف على قوله : وفي خلقكم ثم قال : وتصريف الرياح آيات فيحتاج إلى العطف على عاملين ، والعطف على عاملين قبيح من أجل أن حروف العطف تنوب مناب العامل ، فلم تقو أن تنوب مناب عاملين مختلفين ، إذ لو ناب مناب رافع وناصب لكان رافعا ناصبا في حال .

وأما قراءة الرفع فحملا على موضع ( إن ) مع ما عملت فيه .

وقد ألزم النحويون في ذلك أيضا العطف على عاملين ; لأنه عطف واختلاف على وفي خلقكم ، وعطف ( آيات ) على موضع ( آيات ) الأول ، ولكنه يقدر على تكرير ( في ) .

ويجوز أن يرفع على القطع مما قبله فيرفع بالابتداء ، وما قبله خبره ، ويكون عطف جملة على جملة .

وحكى الفراء رفع ( واختلاف ) و ( آيات ) جميعا ، وجعل الاختلاف هو الآيات .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فهذه كلها آيات بينات وأدلة واضحات على صدق هذا القرآن العظيم وصحة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالات أيضا على ما لله تعالى من الكمال وعلى البعث والنشور.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق ) يعني الغيث الذي هو سبب أرزاق العباد ( فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» في «اختلاف الليل والنهار» ذهابهما ومجيئهما «وما أنزل الله من السماء من رزق» مطر لأنه سبب الرزق «فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الريح» تقليبها مرة جنوباً ومرة شمالاً وباردة وحارة «آيات لقوم يعقلون» الدليل فيؤمنون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وفي اختلاف الليل والنار وتعاقبهما عليكم وما أنزل الله من السماء من مطر، فأحيا به الأرض بعد يُبْسها، فاهتزت بالنبات والزرع، وفي تصريف الرياح لكم من جميع الجهات وتصريفها لمنافعكم، أدلةٌ وحججٌ لقوم يعقلون عن الله حججه وأدلته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والدليل الرابع قوله - تعالى - : ( واختلاف الليل والنهار .

.

.

) والمراد باختلافهما : تفاوتهما طولا وقصرا ، وتعاقبهما دون أن يسبق أحدهما الآخر كما قال - تعالى - : ( لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) وكون الليل والنهار يسير أن على هذا النظام الدقيق المطرد الذى لا ينخرم ، دليل على أن هذا الاختلاف ، تدبر من إله قادر حكيم ، لا يدخل أفعاله تفاوت أو اختلال .والدليل الخامس قوله - تعالى - : ( وَمَآ أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا ) .وقوله : ( وَمَآ أَنَزَلَ الله ..

) معطوف على ( اختلاف ) ، والمراد من السماء : جهة العلو .والمراد بالرزق : المطر الذى ينزل من السحاب ، وسمى رزقا لأن المطر سبب لأرزاق العباد .أى : ومن الآيات الدالة على قدرته - سبحانه - : إنزاله المطر من السماء فينزل على الأرض ، فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج ، بعد أن كانت جدباء هامدة وأما الدليل السادس فهو قوله - تعالى - : ( وَتَصْرِيفِ الرياح ) : والمراد بتصريفها : تقليبها فى الجهات المختلفة ، ونقلها من حال إلى حال ، وتوجيهها على حسب مشيئته - سبحانه - ، فتارة تراها حارة ، وتارة تراها باردة .أى : ومن الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته ، تقليبه - سبحانه - للرياح كما يشاء ويختار .وفى ذلك الذى بيناه لكم ( آيَاتٌ ) واضحات على قدرتنا ( لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ذلك .قال الجمل فى حاشيته : وحاصل ما ذكر هنا من الدلائل ستة ، على ثلاث فواصل : الأولى ( لِّلْمُؤْمِنِينَ ) ، والثانية ( يُوقِنُونَ ) ، والثالثة ، ( يَعْقِلُونَ ) .ووجه التغاير بينهما ، أن المنصف من نفسه إذا نظر فى لاسماوات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمن ، وإذا نظر فى خلق نفسه ونحوها ، ازداد إيمانا فأيقن .

وإذا نظر فى سائر الحوادث عقل واستحكم علمه ، فاختلاف الفواصل الثلاث ، لاختلاف الآيات فى الدقة والظهور .وما ذكر فى هذه الآيات الكريمة من أدلة ساطعة على قدرة الله ووحدانيته جاء فى آيات كثيرة .

ومن أجمعها قوله - تعالى - : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس وَمَآ أَنزَلَ الله مِنَ السمآء مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرياح والسحاب المسخر بَيْنَ السمآء والأرض لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله: ﴿ حم تنزيل الكتاب ﴾ وجوهاً الأول: أن يكون ﴿ حم ﴾ مبتدأ و ﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ خبره وعلى هذا التقدير فلابد من حذف مضاف، والتقدير تنزيل حم، تنزيل الكتاب، و ﴿ مِنَ الله ﴾ صلة للتنزيل الثاني: أن يكون قوله: ﴿ حم ﴾ في تقدير: هذه حم ثم نقول: ﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ واقع من الله العزيز الحكيم الثالث: أن يكون ﴿ حم ﴾ قسماً و ﴿ تنْزِيل الكتاب ﴾ نعتاً له، وجواب القسم ﴿ إِنَّ فِي السموات ﴾ والتقدير: وحم الذي هو تنزيل الكتاب أن الأمر كذا وكذا.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ العزيز الحكيم ﴾ يجوز جعلهما صفة للكتاب، ويجوز جعلهما صفة لله تعالى، إلا أن هذا الثاني أولى، ويدل عليه وجوه: الأول: أنا إذا جعلناهما صفة لله تعالى كان ذلك حقيقة، وإذا جعلناهما صفة للكتاب كان ذلك مجازاً والحقيقة أولى من المجاز الثاني: أن زيادة القرب توجب الرجحان الثالث: أنا إذا جعلنا العزيز الحكيم صفة لله كان ذلك إشارة إلى الدليل الدال على أن القرآن حق، لأن كونه عزيزاً يدل على كونه قادراً على كل الممكنات وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن كل الحاجات، ويحصل لنا من مجموع كونه تعالى: عزيزاً حكيماً كونه قادراً على جميع الممكنات، عالماً بجميع المعلومات، غنياً عن كل الحاجات، وكل ما كان كذلك امتنع منه صدور العبث والباطل، وإذا كان كذلك كان ظهور المعجز دليلاً على الصدق، فثبت أنا إذا جعلنا كونه عزيزاً حكيماً صفتين لله تعالى يحصل منه هذه الفائدة، وأما إذا جعلناهما صفتين للكتاب لم يحصل منه هذه الفائدة، فكان الأول أولى، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي السموات والأرض لآيات لّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: أن قوله: ﴿ إِنَّ فِي * السموات والأرض لآَيَاتٍ ﴾ يجوز إجراؤه على ظاهره، لأنه حصل في ذوات السموات والأرض أحوال دالة على وجود الله تعالى مثل مقاديرها وكيفياتها وحركاتها، وأيضاً الشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار موجودة في السموات والأرض وهي آيات، ويجوز أن يكون المعنى: إن في خلق السموات والأرض كما صرّح به في سورة البقرة في قوله: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض  ﴾ وهو يدل على وجود القادر المختار في تفسير قوله: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض  ﴾ .

البحث الثاني: قد ذكرنا الوجوه الكثيرة في دلالة السموات والأرض على وجود الإله القادر المختار في تفسير قوله: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض ﴾ ولا بأس بإعادة بعضها فنقول إنها تدل على وجود الإله من وجوه: الأول: أنها أجسام لا تخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث فهذه الأجسام حادثة وكل حادث فله محدث الثاني: أنها مركبة من الأجزاء وتلك الأجزاء متماثلة، لما بينا أن الأجسام متماثلة، وتلك الأجزاء وقع بعضها في العمق دون السطح وبعضها في السطح دون العمق فيكون وقوع كل جزء في الموضع الذي وقع فيه من الجائزات وكل جائز فلابد له من مرجح ومخصص الثالث: أن الأفلاك والعناصر مع تماثلها في تمام الماهية الجسمية اختص كل واحد منها بصفة معينة كالحرارة والبرودة واللطافة والكثافة الفلكية والعنصرية، فيكون ذلك أمراً جائزاً ولا بد لها من مرجح الرابع: أن أجرام الكواكب مختلفة في الألوان مثل كمودة زحل، وبياض المشتري، وحمرة المريخ، والضوء الباهر للشمس، ودرية الزهرة، وصفرة عطارد، ومحو القمر، وأيضاً فبعضها سعيدة، وبعضها نحسة، وبعضها نهاري ذكر، وبعضها ليلي أنثى، وقد بينا أن الأجسام في ذواتها متماثلة، فوجب أن يكون اختلاف الصفات لأجل أن الإله القادر المختار خصص كل واحد منها بصفته المعينة الخامس: أن كل فلك فإنه مختص بالحركة إلى جهة معينة ومختص بمقدار واحد من السرعة والبطء، وكل ذلك أيضاً من الجائزات، فلابد من الفاعل المختار السادس: أن كل فلك مختص بشيء معين وكل ذلك أيضاً من الجائزات، فلابد من الفاعل المختار، وتمام الوجوه مذكور في تفسير تلك الآيات.

البحث الثالث: قوله: ﴿ لآيات لّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يقتضي كون هذه الآيات مختصة بالمؤمنين، وقالت المعتزلة إنها آيات للمؤمن والكافر، إلا أنه لما انتفع بها المؤمن دون الكافر أضيف كونها آيات إلى المؤمنين، ونظيره قوله تعالى: ﴿ هُدىً لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ فإنه هدىً لكل الناس كما قال تعالى: ﴿ هُدىً لّلنَّاسِ  ﴾ إلا أنه لما انتفع بها المؤمن خاصة لا جرم قيل ﴿ هُدىً لّلْمُتَّقِينَ ﴾ فكذا هاهنا، وقال الأصحاب الدليل والآية هو الذي يترتب على معرفته حصول العلم، وذلك العلم إنما يحصل بخلق الله تعالى لا بإيجاب ذلك الدليل، والله تعالى إنما خلق ذلك العلم للمؤمن لا للكافر فكان ذلك آية دليلاً في حق المؤمن لا في حق الكافر والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءايات لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ وَمَا يَبُثُّ ﴾ عطف على الخلق المضاف لا على الضمير المضاف إليه، لأن المضاف ضمير متصل مجرور والعطف عليه مستقبح، فلا يقال مررت بك وزيد، ولهذا طعنوا في قراءة حمزة ﴿ تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام  ﴾ بالجر في قوله: ﴿ والأرحام ﴾ وكذلك إن الذين استقبحوا هذا العطف، فلا يقولون مررت بك أنت وزيد.

البحث الثاني: قرأ حمزة والكسائي ﴿ ءايات ﴾ بكسر التاء وكذلك الذي بعده ﴿ وَتَصْرِيفِ الرياح ءايات ﴾ والباقون بالرفع فيهما، أما الرفع فمن وجهين ذكرهما المبرد والزجاج وأبو علي: أحدهما: العطف على موضع إن وما عملت فيه، لأن موضعهما رفع بالابتداء فيحمل الرفع فيه على الموضع، كما تقول إن زيداً منطلق وعمر، و ﴿ أَنَّ الله بَرِئ مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ  ﴾ لأن معنى قوله: ﴿ أَنَّ الله بَرِئ ﴾ أن يقول الله برئ من المشركين ورسوله، والوجه الثاني: أن يكون قوله: ﴿ وَفِي خَلْقِكُمْ ﴾ مستأنفاً، ويكون الكلام جملة معطوفة على جملة أخرى كما تقول إن زيداً منطلق وعمرو كاتب، جعلت قولك وعمرو كاتب كلاماً آخر، كما تقول زيد في الدار وأخرج غداً إلى بلد كذا، فإنما حدثت بحديثين ووصلت أحدهما بالآخر بالواو، وهذا الوجه هو اختيار أبي الحسن والفراء، وأما وجه القراءة بالنصب فهو بالعطف على قوله: ﴿ إِنَّ فِي السموات ﴾ على معنى وإن في خلقكم لآيات ويقولون هذه القراءة إنها في قراءة أُبي وعبد الله ﴿ لآيَاتٍ ﴾ ودخول اللام يدل على أن الكلام محمول على إن.

البحث الثالث: قوله: ﴿ وَفِي خَلْقِكُمْ ﴾ معناه خلق الإنسان، وقوله: ﴿ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ ﴾ إشارة إلى خلق سائر الحيوانات، ووجه دلالتها على وجود الإله القادر المختار أن الأجسام متساوية فاختصاص كل واحد من الأعضاء بكونه المعين وصفته المعينة وشكله المعين، لابد وأن يكون بتخصيص القادر المختار، ويدخل في هذا الباب انتقاله من سن إلى سن آخر ومن حال إلى حال آخر، والاستقصاء في هذا الباب قد تقدم.

ثم قال تعالى: ﴿ واختلاف اليل والنهار ﴾ وهذا الاختلاف يقع على وجوه: أحدها: تبدل النهار بالليل وبالضد منه.

وثانيها: أنه تارة يزداد طول النهار على طول الليل وتارة بالعكس وبمقدار ما يزداد في النهار الصيفي يزداد في الليل الشتوي.

وثالثها: اختلاف مطالع الشمس في أيام السنة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنَزَلَ الله مِنَ السماء مِّن رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ وهو يدل على القول بالفاعل المختار من وجوه: أحدها: إنشاء السحاب وإنزال المطر منه.

وثانيها: تولد النبات من تلك الحبة الواقعة في الأرض.

وثالثها: تولد الأنواع المختلفة وهي ساق الشجرة وأغصانها وأوراقها وثمارها ثم تلك الثمرة منها ما يكون القشر محيطاً باللب كالجوز واللوز، ومنها ما يكون اللب محيطاً بالقشر كالمشمش والخوخ، ومنها ما يكون خالياً من القشر كالتين، فتولد أقسام النبات على كثرة أصنافها وتباين أقسامها يدل على صحة القول بالفاعل المختار الحكيم الرحيم.

ثم قال: ﴿ وَتَصْرِيفِ الرياح ﴾ وهي تنقسم إلى إقسام كثيرة بحسب تقسيمات مختلفة فمنها المشرقية والمغربية والشمالية والجنوبية، ومنها الحارة والباردة ومنها الرياح النافعة والرياح الضارة، ولما ذكر الله تعالى هذه الأنواع الكثيرة من الدلائل قال إنها آيات لقوم يعقلون.

واعلم أن الله تعالى جمع هذه الدلائل في سورة البقرة فقال: ﴿ إن في خلق السموات والأَرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون  ﴾ فذكر الله تعالى هذه الأقسام الثمانية من الدلائل والتفاوت بين الموضعين من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض ﴾ وقال هاهنا: ﴿ إِنَّ فِي السموات ﴾ والصحيح عند أصحابنا أن الخلق عين المخلوق، وقد ذكر لفظ الخلق في سورة البقرة ولم يذكره في هذه السورة تنبيهاً على أنه لا يتفاوت بين أن يقال السموات وبين أن يقال خلق السموات فيكون هذا دليلاً على أن الخلق عين المخلوق الثاني: أنه ذكر هناك ثمانية أنواع من الدلائل وذكر هاهنا ستة أنواع وأهمل منها الفلك والسحاب، والسبب أن مدار حركة الفلك والسحاب على الرياح المختلفة فذكر الرياح الذي هو كالسبب يغني عن ذكرهما والتفاوت الثالث: أنه جمع الكل وذكر لها مقطعاً واحداً وهاهنا رتبها على ثلاثة مقاطع والغرض التنبيه على أنه لابد من إفراد كل واحد منها بنظر تام شاف الرابع: أنه تعالى ذكر في هذا الموضوع ثلاثة مقاطع أولها: يؤمنون.

وثانيها: يوقنون.

وثالثها: يعقلون، وأظن أن سبب هذا الترتيب أنه قيل إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين بل أنتم من طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، واعلم أن كثيراً من الفقهاء يقولون إنه ليس في القرآن العلوم التي يبحث عنها المتكلمون، بل ليس فيه إلا ما يتعلق بالأحكام والفقه، وذلك غفلة عظيمة لأنه ليس في القرآن سورة طويلة منفردة بذكر الأحكام وفيه سور كثيرة خصوصاً المكيات ليس فيها إلا ذكر دلائل التوحيد والنبوّة والبعث والقيامة وكل ذلك من علوم الأصوليين، ومن تأمل علم أنه ليس في يد علماء الأصول إلا تفصيل ما اشتمل القرآن عليه على سبيل الإجمال.

ثم قال تعالى: ﴿ تِلْكَ آيات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق ﴾ والمراد من قوله: ﴿ بالحق ﴾ هو أن صحتها معلومة بالدلائل العقلية وذلك لأن العلم بأنها حقة صحيحة إما أن يكون مستفاداً من النقل أو العقل والأول باطل لأن صحة الدلائل النقلية موقوفة على سبق العلم بإثبات الإله العالم القادر الحكيم وبإثبات النبوّة وكيفية دلالة المعجزات على صحتها، فلو أثبتنا هذه الأصول بالدلائل النقلية لزم الدور وهو باطل، ولما بطل هذا ثبت أن العلم بحقيقة هذه الدلائل لا يمكن تحصيله إلا بمحض العقل، وإذا كان كذلك كان قوله: ﴿ تِلْكَ ءايات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق ﴾ ومن أعظم الدلائل على الترغيب في علم الأصول وتقرير المباحث العقلية.

ثم قال تعالى: ﴿ فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ﴾ يعني أن من ينتفع بهذه الآيات فلا شيء بعده يجوز أن ينتفع به، وأبطل بهذا قول من يزعم أن التقليد كاف وبين أنه يجب على المكلف التأمل في دلائل دين الله، وقوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ قرئ بالياء والتاء، واختار أبو عبيدة الياء لأن قبله غيبة وهو قوله: ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ و ﴿ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ فإن قيل إن في أول الكلام خطاباً وهو قوله: ﴿ وَفِى خَلْقِكُمْ ﴾ قلنا الغيبة التي ذكرنا أقرب إلى الحرف المختلف فيه والأقرب أولى، ووجه قول من قرأ على الخطاب أن قل فيه مقدر أي قل لهم فبأي حديث بعد ذلك تؤمنون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حم ﴾ إن جعلتها اسماً مبتدأ مخبراً عنه ب ﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ لم يكن بدّمن حذف مضاف، تقديره: تنزيل حم تنزيل الكتاب.

و ﴿ مِنَ الله ﴾ صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديداً للحروف كان (تنزيل الكتاب) مبتدأ، والظرف خبراً ﴿ إِنَّ فىلسماوات والارض ﴾ يجوزأن يكون على ظاهره، وأن يكون المعنى؛ إنّ في خلق السموات لقوله: ﴿ وَفِى خَلْقِكُمْ ﴾ فإن قلت: علام عطف ﴿ وَمَا يَبُثُّ ﴾ أعلى الخلق المضاف؟

أم على الضمير المضاف إليه؟

قلت: بل على المضاف، لأنّ المضاف إليه ضمير متصل مجرور يقبح العطف عليه، استقبحوا أن يقال: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو، وكذلك إن أكدوه كرهوا أن يقولوا: مررت بك أنت وزيد.

قرئ ﴿ آيات لقوم يوقنون ﴾ بالنصب والرفع، على قولك: إنّ زيداً في الدار وعمراً في السوق.

أو عمرو في السوق.

وأمّا قوله: (آيات لقوم يعقلون) فمن العطف على عاملين، سواء نصبت أو رفعت، فالعاملان إذا نصبت هما: إن، وفي، أقيمت الواو مقامهما، فعملت الجر في (واختلاف الليل والنهار)، والنصب في ﴿ ءايات ﴾ .

وإذا رفعت فالعاملان: الابتداء وفي عملت الرفع في ﴿ لأيات ﴾ ، والجر في ﴿ واختلاف ﴾ وقرأ ابن مسعود ﴿ وفي اختلاف الليل والنهار ﴾ فإن قلت: العطف على عاملين على مذهب الأخفش سديد لا مقال فيه.

وقد أباه سيبويه، فما وجه تخريج الآية عنده؟

قلت: فيه وجهان عنده.

أحدهما: أن يكون على إضمار في.

والذي حسنه تقدّم ذكره في الآيتين قبلها.

ويعضده قراءة ابن مسعود.

والثاني: أن ينتصب آيات على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفاً على ما قبله أو على التكرير، ورفعها بإضمار هي: وقرئ: ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾ بالرفع.

وقرئ ﴿ آية ﴾ وكذلك وما يبث من دابة آية.

وقرئ ﴿ وتصريف الريح ﴾ والمعنى: إنّ المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح، علموا أنها مصنوعة، وأنه لابد لها من صانع، فآمنوا بالله وأقرّوا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال وهيئة إلى هيئة، وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان: ازدادوا إيماناً، وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس؛ فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدّد في كل وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بها بعد موتها.

﴿ وَتَصْرِيفِ الرياح ﴾ جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً: عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم، وسُمّيَ المطر رزقاً؛ لأنه سبب الرزق ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى الآيات المتقدّمة، أي: تلك الآيات آيات الله.

و ﴿ نَتْلُوهَا ﴾ في محل الحال، أي: متلوة ﴿ عَلَيْكَ بالحق ﴾ والعامل ما دل عليه تلك من معنى الإشارة.

ونحوه: ﴿ هذا بعلي شيخاً ﴾ [هود: 72] وقرئ ﴿ يتلوها ﴾ بالياء ﴿ بَعْدَ الله وءاياته ﴾ أي بعد آيات الله كقولهم: أعجبني زيد وكرمه، يريدون: أعجبني كرم زيد.

ويجوز أن يراد: بعد حديث الله، وهو كتابه وقرآنه، كقوله تعالى؛ ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ [الزمر: 23] .

وقرئ ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ بالتاء والياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ ﴾ مِن مَطَرٍ وسَمّاهُ رِزْقًا لِأنَّهُ سَبَبُهُ.

﴿ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ يُبْسِها.

﴿ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ ﴾ بِاخْتِلافِ جِهاتِها وأحْوالِها، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «وَتَصْرِيفُ الرِّيحِ».

﴿ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ فِيهِ القِراءَتانِ ويَلْزَمُهُما العَطْفُ عَلى عامِلَيْنِ في والِابْتِداءِ، أوْ إنَّ إلّا أنْ يُضْمِرَ في أوْ يَنْصِبَ آياتٍ عَلى الِاخْتِصاصِ أوْ يَرْفَعَ بِإضْمارِ هِيَ، ولَعَلَّ اخْتِلافَ الفَواصِلِ الثَّلاثِ لِاخْتِلافِ الآياتِ في الدِّقَّةِ والظُّهُورِ.

﴿ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ ﴾ أيْ تِلْكَ الآياتُ دَلائِلُهُ ﴿ نَتْلُوها عَلَيْكَ ﴾ حالٌ عامِلُها مَعْنى الإشارَةِ.

﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُلْتَبِسِينَ بِهِ أوْ مُلْتَبِسَةً بِهِ.

﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ بَعْدَ آياتِ اللَّهِ، وتَقْدِيمُ اسْمِ اللَّهِ لِلْمُبالَغَةِ والتَّعْظِيمِ كَما في قَوْلِكَ: أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ أوْ بَعْدَ حَدِيثِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ وآياتُهُ دَلائِلُهُ المَتْلُوَّةُ أوِ القُرْآنُ، والعَطْفُ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ.

وقَرَأ الحِجازِيّانِ وحَفْصٌ وأبُو عَمْرٍو ورَوْحٌ يُؤْمِنُونَ بِالياءِ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)

{واختلاف الليل والنهار وَمَا أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِزْقٍ} أي مطر وسمي به لأنه سبب الرزق {فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرياح} الريح حمزة على {آيات لقوم يعقلون} بالنصب

{تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق}

علي وحمزة وغيرهما بالرفع وهذا من

العطف على عاملين سواء نصبت أو رفعت فالعاملان اذا نصبت ان وفى أقيمت الواو مقامهما فعملت الجر في واختلاف الليل والنهار والنصب في آيات واذا رفعت فالعاملان الابتداء وفي عملت الواو الرفع في آيات والجر في واختلاف هذا مذهب الأخفش لأنه يجوز العطف على عاملين وأما سيبويه فإنه لا يجيزه وتخريج الآية عنده أن يكون على اضمار في والذى حسنه تقديم ذكر في الآيتين قبل هذه الآية ويؤيده قراءة ابن مسعود رضى الله عنه وفي اختلاف الليل والنهار ويجوز ان ينتصب آيات على الاختصاص بعد انقضاء المجرور ومعطوفا على ما قبله او على التكرير توكيد الآيات الاولى كانه قيل آيات آيات ورفعهما بإضمار هي والمعنى في تقديم الإيمان على الايقان وتوسيطه وتأخير الآخران المنصفين من العباد اذا نظروا في السموات والأرض نظراً صحيحاً علموا أنها مصنوعة وأنه لا بد لها من صانع فآمنوا بالله فإذا نظروا في خلق انفسهم وتقلها من حال إلى حال وفي خلق ما ظهر على لارض من صنوف الحيوان ازدادوا إيماناً وأيقنوا فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بها بعد موتها وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى (اِخْتِلافِ ﴿ مِنَ السَّماءِ ﴾ جِهَةِ اَلْعُلُوِّ، وقِيلَ: اَلسَّحابِ، وقِيلَ: اَلْجِرْمِ اَلْمَعْرُوفِ بِضَرْبٍ مِنَ اَلتَّأْوِيلِ.

﴿ مِن رِزْقٍ ﴾ مِن مَطَرِ، وسُمِّيَ رِزْقًا لِأنَّهُ سَبَبُهُ فَهو مَجازٌ، ولَوْ لَمْ يُؤَوَّلْ صَحَّ لِأنَّهُ في نَفْسِهِ رِزْقٌ أيْضًا.

﴿ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ ﴾ بِأنْ أخْرَجَ مِنها أصْنافَ اَلزَّرْعِ والثَّمَراتِ والنَّباتِ، والسَّبَبِيَّةُ عادِيَّةٌ اِقْتَضَتْها اَلْحِكْمَةُ ﴿ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ يُبْسِها وعَرائِها عَنْ آثارِ اَلْحَياةِ وانْتِفاءِ قُوَّةِ اَلتَّنْمِيَةِ عَنْها ﴿ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ ﴾ مِن جِهَةٍ إلى أُخْرى ومِن حالٍ إلى حالٍ، وتَأْخِيرُهُ عَنْ إنْزالِ اَلْمَطَرِ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ في اَلْوُجُودِ إمّا لِلْإيذانِ بِأنَّهُ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ حَيْثُ لَوْ رُوعِيَ اَلتَّرْتِيبُ اَلْوُجُودِيُّ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ مَجْمُوعَ تَصْرِيفِ اَلرِّياحِ وإنْزالِ اَلْمَطَرِ آيَةٌ واحِدَةٌ، وإمّا لِأنَّ كَوْنَ اَلتَّصْرِيفِ آيَةً لَيْسَ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَبْدَأً لِإنْشاءِ اَلْمَطَرِ بَلْ لَهُ ولِسائِرِ اَلْمَنافِعِ اَلَّتِي مِن جُمْلَتِها سَوْقُ اَلسُّفُنِ في اَلْبِحارِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وطِلْحَةُ.

وعِيسى (وتَصْرِيفِ اَلرِّيحِ) بِالإفْرادِ ﴿ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ أعْنِي ﴿ فِي اخْتِلافِ ﴾ عَلى ما سَمِعْتَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها.

وقِيلَ: إنَّ (اِخْتِلافِ) بِالجَرِّ عَطْفٌ عَلى ﴿ خَلْقِكُمْ ﴾ اَلْمَجْرُورِ بِفي قَبْلَهُ و ﴿ آياتٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى آياتٌ اَلسّابِقِ اَلْمَرْفُوعِ بِالِابْتِداءِ، وفِيهِ اَلْعَطْفُ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ومِنَ اَلنّاسِ مِن يَمْنَعُهُ وهم أكْثَرُ اَلْبَصْرِيِّينَ، ومِنهم مَن يُجِيزُهُ وهم أكْثَرُ اَلْكُوفِيِّينَ، ومِنهم مَن يَفْصِلُ فَيَقُولُ: وهو جائِزٌ في نَحْوِ قَوْلِكَ: في اَلدّارِ زَيْدٌ والحُجْرَةِ عَمْرٌو وغَيْرُ جائِزٍ في نَحْوِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ في اَلدّارِ وعَمْرٌو اَلْحُجْرَةِ لِأنَّ اَلْأوَّلَ يَلِي اَلْمَجْرُورُ فِيهِ اَلْعاطِفَ فَقامَ اَلْعاطِفُ مَقامَ اَلْجارِّ، والثّانِي لَمْ يَلِ فِيهِ اَلْمَجْرُورُ اَلْعاطِفَ فَكانَ فِيهِ إضْمارُ اَلْجارِّ مِن غَيْرِ عِوَضٍ، وتَمامُ اَلْكَلامِ في هَذِهِ اَلْمَسْألَةِ في مَحَلِّهِ وقِيلَ: إنَّ (اِخْتِلافِ) عَطْفٌ عَلى اَلْمَجْرُورِ قَبْلَهُ و ﴿ آياتٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي آياتٌ واخْتارَهُ مَن لَمْ يُجَوِّزِ اَلْعَطْفَ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ ويَقُولُ بِضَعْفِ حَذْفِ اَلْجارِّ مَعَ بَقاءِ عَمَلِهِ وإنْ تَقَدَّمَهُ ذِكْرُ جارٍّ.

وقالَ أبُو اَلْبَقاءِ: ﴿ آياتٌ ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى اَلتَّأْكِيدِ لِآياتٌ اَلسّابِقِ وهم يُعِيدُونَ اَلشَّيْءَ إذا طالَ اَلْكَلامُ في اَلْجُمْلَةِ لِلتَّأْكِيدِ والتَّذْكِيرِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِعَيْنِ ما تَقَدَّمَ واخْتِلافُ اَلصِّفاتِ يَدُلُّ عَلى تَغايُرِ اَلْمَوْصُوفاتِ فَلا وجْهَ لِلتَّأْكِيدِ، وأيْضًا فِيهِ اَلْفَصْلُ بَيْنَ اَلْمَعْطُوفِ اَلْمَجْرُورِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وبَيْنَ اَلْمُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ وهو إنْ جازَ يُورِثُ تَعْقِيدًا يُنافى فَصاحَةَ اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ.

وقَرَأ (آياتٍ) هُنا بِالنَّصْبِ مَن قَرَأها هُناكَ بِهِ فَهي مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ أعْنِي آياتٍ، وقِيلَ: اَلْعاطِفُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ واخْتِلافِ ﴾ عَطَفَ اِخْتِلافُ عَلى اَلْمَجْرُورِ بِفي قَبْلُ وعَطْفُها عَلى اِسْمِ إنَّ وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ اَلْعَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ، وقالَ أبُو اَلْبَقاءِ: هي مَنصُوبَةٌ عَلى اَلتَّأْكِيدِ والتَّكْرِيرِ لِاسْمِ إنَّ نَحْوُ إنَّ بِثَوْبِكَ دَمًا وبِثَوْبِ زِيدٍ دَمًا، ومَرَّ آنِفًا ما فِيهِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها اِسْمُ إنَّ مُضْمَرَةٍ وهي قَدْ تُضْمَرُ ويَبْقى عَمَلُها، ذَكَرَ أبُو حَيّانَ في اَلِارْتِشافِ في اَلْكَلامِ عَلى إنَّ مِن خَيْرِ اَلنّاسِ أوْ خَيْرُهم زِيدٌ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيى بْنِ اَلْمُبارَكِ اَلْيَزِيدِيَّ ذَهَبَ إلى نَصْبِ خَيْرِهِمْ ورَفْعِ زَيْدٍ فاسْمُ إنَّ مَحْذُوفٌ وأوْ خَيْرُهم مَنصُوبٌ بِإضْمارِ إنَّ لِدَلالَةِ إنَّ اَلْمَذْكُورَةِ تَقْدِيرُهُ إنَّ مِن خَيْرِ اَلنّاسِ زَيْدًا وإنَّ خَيْرَهم زِيدٌ.

وقَدْ أقَرَّ اَلشّاطِبِيُّ تَخْرِيجَ اَلنَّصْبِ في اَلْآيَةِ عَلى ذَلِكَ لَكِنْ نَقَلَهُ اَلسَّفاقِسِيُّ عَنْ أبِي اَلْبَقاءِ ورَدَّهُ بِأنَّ إنَّ لا تُضْمَرُ.

وقالَ اِبْنُ هِشامٍ في آخِرِ اَلْبابِ اَلرّابِعِ مِنَ اَلْمُغْنِي: إنَّهُ بَعِيدٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا بُدَّ عَلَيْهِ مِن إضْمارِ اَلْجارِّ في (اِخْتِلافِ) وحِينَئِذٍ لا يَخْفى حالُهُ، وسائِرُ اَلْقِراءاتِ مَرْوِيَّةٌ هُنا عَمَّنْ رُوِيَتْ عَنْهُ فِيما تَقَدَّمَ، وتَنْكِيرُ (آياتٌ) في اَلْآياتِ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا، والمَعْنى إنَّ اَلْمُنْصِفِينَ مِنَ اَلْعِبادِ إذا نَظَرُوا في اَلسَّمَواتِ والأرْضِ اَلنَّظَرَ اَلصَّحِيحَ عَلِمُوا أنَّها مَصْنُوعَةٌ وأنَّها لا بُدَّ لَها مِن صانِعٍ فَآمَنُوا بِاَللَّهِ تَعالى وأقَرُّوا، وإذا نَظَرُوا في خَلْقِ أنْفُسِهِمْ وتَنَقُّلِها مِن حالٍ إلى حالٍ وهَيْئَةٍ إلى أُخْرى وفي خَلْقِ ما عَلى ظَهْرِ اَلْأرْضِ مِن صُنُوفِ اَلْحَيَوانِ اِزْدادُوا إيمانًا وأيْقَنُوا وانْتَفى عَنْهُمُ اَللَّبْسُ فَإذا نَظَرُوا في سائِرِ اَلْحَوادِثِ اَلَّتِي تَتَجَدَّدُ في كُلِّ وقْتٍ كاخْتِلافِ اَللَّيْلِ والنَّهارِ ونُزُولِ اَلْأمْطارِ وحَياةِ اَلْأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ اَلرِّياحِ جَنُوبًا وشَمالًا وقَبُولًا ودَبُورًا وشِدَّةً وضَعْفًا وحَرارَةً وبُرُودَةً عَقَلُوا واسْتَحْكَمَ عِلْمُهم وخَلَصَ يَقِينُهم كَذا في اَلْكَشّافِ ومِنهُ يُعْلَمُ نُكْتَةُ اِخْتِلافِ اَلْفَواصِلِ.

وفِي اَلْكَشْفِ أنَّهُ ذَكَرَ ما حاصِلُهُ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ اَلتَّرَقِّي وهو يُوافِقُ ما عَلَيْهِ اَلصُّوفِيَّةُ وغَيْرُهم مِن أنَّ اَلْإيقانَ مَرْتَبَةٌ خاصَّةٌ في اَلْإيمانِ، ثُمَّ اَلْعَقْلُ لِما كانَ مَدارَهُما أيِ اَلْإيمانِ والإيقانِ ونَعْنِي بِهِ اَلْعَقْلَ اَلْمُؤَيَّدَ بِنُورِ اَلْبَصِيرَةِ جَعَلَهُ لِخُلُوصِ اَلْإيقانِ مِنَ اِعْتِراءِ اَلشُّكُوكِ مِن كُلِّ وجْهٍ فَفي اِسْتِحْكامِهِ كُلُّ خَيْرٍ، ورُوعِيَ في تَرْتِيبِ اَلْآياتِ ما رُوعِيَ في تَرْتِيبِ اَلْمَراتِبِ اَلثَّلاثِ مِن تَقْدِيمِ ما هو أقْدَمُ وُجُودًا، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ اَلْآيَةُ اَلثّانِيَةُ أعْظَمَ مِنَ اَلْأُولى ولا اَلثّالِثَةُ مِنَ اَلثّانِيَةِ لِما ذَكَرَهُ مِن أنَّ اَلْجامِعَ بَيْنَ اَلنَّظَرَيْنِ مُوقِنٌ وبَيْنَ اَلثَّلاثَةِ عاقِلٌ عَلى أنَّها كَذَلِكَ في تَحْصِيلِ هَذا اَلْغَرَضِ فَإنْ كانَتْ أعْظَمَ مِن وجْهٍ آخَرَ فَلا بَأْسَ فَإنَّ اَلنَّظَرَ إلى حالِ نَفْسِهِ وما هو مِن نَوْعِهِ ثُمَّ جِنْسِهِ مِن سائِرِ اَلْأناسِيِّ والحَيَوانِ لِلْقُرْبِ والتَّكَرُّرِ وكَثْرَةِ اَلْعَدَدِ أدْخَلُ في اِنْتِفاءِ اَلشَّكِّ وحُصُولِ اَلْيَقِينِ وإنْ كانَ اَلنَّظَرُ في اَلسَّماءِ والأرْضِ أتَمَّ دَلالَةً عَلى كَمالِ اَلْقُدْرَةِ والعِلْمِ فَذَلِكَ لا يَضُرُّ ولا هو اَلْمَطْلُوبُ هَهُنا ثُمَّ اَلنَّظَرُ إلى اَلِاخْتِلافِ اَلْمَذْكُورِ أدَلُّ عَلى اِسْتِحْكامِ ذَلِكَ اَلْيَقِينِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَجَدَّدُ حِينًا فَحِينًا ويَبْعَثُ عَلى اَلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ كُلَّما تَجَدَّدَ هَذا، والتَّحْقِيقُ أنَّ تَمامَ اَلنَّظَرِ في اَلثّانِي يَضْطَرُّ إلى اَلنَّظَرِ في اَلْأوَّلِ لِأنَّ اَلسَّمَواتِ والأرْضَ مِن أسْبابِ تَكَوُّنِ اَلْحَيَوانِ بِوَجْهٍ، وكَذَلِكَ اَلنَّظَرُ في اَلثّالِثِ يَضْطَرُّ إلى اَلنَّظَرِ في اَلْأوَّلَيْنِ، أمّا عَلى اَلْأوَّلِ فَظاهِرٌ وأمّا عَلى اَلثّانِي فَلِأنَّهُ اَلْعِلَّةُ اَلْغائِيَّةُ فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ جامِعًا اِنْتَهى، وهو كَلامٌ نَفِيسٌ جِدًّا.

وقالَ اَلْإمامُ في تَرْتِيبِ هَذِهِ اَلْفَواصِلِ: أظُنُّ أنَّ سَبَبَهُ أنَّهُ قِيلَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فافْهَمُوا هَذِهِ اَلدَّلائِلَ وإنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ بَلْ كُنْتُمْ مِن طُلّابِ اَلْجَزْمِ واليَقِينِ فافْهَمُوا هَذِهِ اَلدَّلائِلَ وإنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ ولا مِنَ اَلْمُوقِنِينَ فَلا أقَلَّ مِن أنْ تَكُونُوا مِن زُمْرَةِ اَلْعاقِلِينَ فاجْتَهِدُوا في مَعْرِفَةِ هَذِهِ اَلدَّلائِلِ، ولا يَخْفى أنَّهُ فاتَهُ ذَلِكَ اَلتَّحْقِيقُ ولَمْ يَخْتَرِ اَلتَّرَقِّيَ وهو بِالِاخْتِيارِ حَقِيقٌ، والمُغايَرَةُ بَيْنَ ما هُنا وما في سُورَةِ اَلْبَقَرَةِ أعْنِي ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ اَلْآيَةَ لِلتَّفَنُّنِ والكَلامِ اَلْمُعْجِزِ مَمْلُوءٌ مِنهُ، وذَكَرَ اَلْإمامُ في ذَلِكَ ما لا يَهُشُّ لَهُ اَلسّامِعُ فَتَأمَّلْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثلاثون وسبع آية مكية قوله تبارك وتعالى: حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ يعني: هذا الكتاب تنزيل مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وقد ذكرناه إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ يعني: لعبرات للمؤمنين في خلقهن.

ويقال: معناه أن ما في السموات من الشمس، والقمر، والنجوم، وفي الأرض من الجبال، والأشجار، والأنهار وغيرها من العجائب، لعبرات ودلائل، واضحات للمؤمنين.

يعني: للمقرين المصدقين ويقال لِلْمُؤْمِنِينَ يعني: لمن أراد أن يؤمن، ويتقي الشرك.

قوله عز وجل: وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ يعني: وفيما خلق من الدواب آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ يعني: عبرات ودلائل لمن كان له يقين.

قرأ حمزة والكسائي آيَاتٍ بالكسر، والباقون بالضم.

وكذلك الاختلاف في الذي بعده، فمن قرأ بالكسر، فإن المعنى: إن في خلقكم آيات لقوم يوقنون، فهو في موضع النصب إلاَّ أن هذه التاء تصير خفضاً في موضع النصب وإنما أضمر فيه إنَّ لأَنَّ قوله: إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ في موضع النصب، فكذلك في الثاني معناه: إن في خلقكم آيات.

ومن قرأ بالضم، فهو على الاستئناف على معنى، وفي خلقكم آيات.

وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يعني: في اختلاف الليل والنهار، في سَوادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ يعني: في اختلاف ألوانهما، وذهاب الليل ومجيء النهار وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ وهو المطر فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يعني: بعد يبسها وقحطها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ مرة رحمة، ومرة عذاباً.

ويقال: مرة جنوباً ومرة شمالاً.

ثم قال: آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ يعني: هذه دلائل الله، وعلامة وحدانيته نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ يعني: يقرأ عليك جبريل من القرآن بأمر الله فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ قال مقاتل: إن لم تؤمنوا بهذا القرآن، فبأي حديث بعد توحيد الله وبعد القرآن تؤمنون.

يعني: تصدقون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قُوَّةُ تهديدٍ، والأَفَّاكُ: الكَذَّابُ الذي يقَعُ منه الإفْكُ مِرَاراً، والأَثِيمُ: بناءُ مُبَالَغَةٍ، اسمُ فاعلٍ من أَثِمَ يأْثَمُ، ورُوِيَ أَنَّ سبب الآية أبو جَهْلٍ، وقيل: النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، والصواب أَنَّها عامَّةٌ فيهما وفي غيرهما، وأَنَّها تَعُمُّ كُلَّ مَنْ دخل تحت الأوصافِ المذكورة إلى يوم القيامة ويُصِرُّ معناه: يَثْبُتُ على عقيدته من الكُفْرِ.

وقوله: فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي: مؤلم.

وقوله تعالى: وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً أي: أُخْبِرَ بشيْءٍ من آياتنا، فعلم نَفْسَ الخبر لا المعنى الذي تضمَّنه الخَبَرُ، ولو عَلِمَ المعانِيَ الَّتِي تَضَمَّنَها أخبارُ الشَّرْعِ، وَعَرَفَ حقائِقَهَا- لكان مؤمناً.

ت: وفي هذا نظر لأَنَّه ينحو إلى القَوْلِ بأَنَّ الكفر لا يُتَصَوَّرُ عناداً مَحْضاً، وقد تَقَدَّمَ اختيارُهُ- رحمه اللَّه- لذلك في غير هذا المَحَلِّ، فَقِفْ عليه، وخَشْيَةُ الإطالة منَعَتْنِي مِنْ تَكْرَارِهِ هنا.

هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)

وقوله سبحانه: هذا هُدىً إشارة إلى القرآن.

وقوله: لَهُمْ عَذابٌ بمنزلة قولك: لهم حَظٌّ، فَمِنْ هذه الجهةِ/ ومِنْ جِهَةِ تَغَايُرِ اللفظَيْنِ حَسُنَ قوله: عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ، إذ الرِّجْزُ هو العذابُ.

وقوله: لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ أَقَامَ القُدْرَةَ والإذْنَ مُنَابَ أَنْ يَأْمُرَ البَحْرَ والنَّاسَ بذلك، وقرأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ «١» : «جَمِيعاً مِنْه» بضم التاء، وقرأ أيضاً: «جَمِيعاً مَنُّهُ» [بفتح الميم وشد النون والهاء] «٢» وقرأ ابن عبّاس: «منّة» بالنصب على المصدر «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الجاثِيَةِ وَتُسَمّى سُورَةَ الشَّرِيعَةِ رَوى العَوْفِيُّ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، [وَعِكْرِمَةَ]، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ كُلُّها.

وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حم ﴾ .

﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ [المُؤْمِنِ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي خَلْقِكُمْ ﴾ أيْ: مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ إلى أنْ يَتَكامَلَ خَلْقُ الإنْسانِ ﴿ وَما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ ﴾ أيْ: وما يُفَرِّقُ في الأرْضِ مِن جَمِيعِ ما خَلَقَ عَلى اخْتِلافِ ذَلِكَ في الخَلْقِ والصُّوَرِ ﴿ آياتُ ﴾ تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آياتٌ" رَفْعًا "وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ" رَفْعًا أيْضًا.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالكَسْرِ فِيهِما.

والرِّزْقُ هاهُنا بِمَعْنى المَطَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ ﴾ أيْ: هَذِهِ حُجَجُ اللَّهِ ﴿ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: بَعْدَ حَدِيثِهِ ﴿ وَآياتِهِ ﴾ يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْناها في [الشُّعَراءِ: ٢٢٢]، والآيَةُ الَّتِي تَلِيها مُفَسَّرَةٌ في [لُقْمانَ: ٧] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: إذا سَمِعَ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإذا عُلِّمَ" بِرَفْعِ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ وتَشْدِيدِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّخَذَها هُزُوًا ﴾ أيْ: سَخِرَ مِنها، وذَلِكَ كَفِعْلِ أبِي جَهْلٍ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ  ﴾ فَدَعا بِتَمْرٍ وزُبْدٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا فَما يَعِدُكم مُحَمَّدٌ إلّا هَذا.

وإنَّما قالَ: " أُولَئِكَ " لِأنَّهُ رَدَّ الكَلامَ إلى مَعْنى "كُلٍّ" .

﴿ مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في [إبْراهِيمَ: ١٦] ﴿ وَلا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ﴾ مِنَ الأمْوالِ، ولا ما عَبَدُوا مِنَ الآلِهَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا هُدًى ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِهِ، ﴿ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "ألِيمٌ" بِالرَّفْعِ عَلى نَعْتِ العَذابِ.

وقَرَأ الباقُونَ: بِالكَسْرِ عَلى نَعْتِ الرِّجْزِ.

والرِّجْزُ بِمَعْنى العَذابِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [الأعْرافِ: ١٣٤] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَمِيعًا مِنهُ ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّسْخِيرُ مِنهُ لا مِن غَيْرِهِ، فَهو مِن فَضْلِهِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ: "جَمِيعًا مِنَّةً" بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِها وتاءٍ مَنصُوبَةٍ مُنَوَّنَةٍ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "مَنُّهُ" بِفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ النُّونِ والهاءِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ ﴿ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ وما أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِنَ رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، و"تَنْزِيلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، و"العَزِيزِ": مَعْناهُ: عامُّ في شِدَّةِ أخْذِهِ إذا انْتَقَمَ، ودِفاعِهِ إذا حَمِيَ ونَصَرَ، وغَيْرُ ذَلِكَ، و ﴿ "الحَكِيمِ": ﴾ المُحْكِمِ لِلْأشْياءِ، وذَكَرَ تَعالى الآياتِ الَّتِي في السَماواتِ والأرْضِ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَكَأنَّها إحالَةٌ عَلى غَوامِضَ تُثِيرُها الفِكْرُ، ويُخْبِرُ بِكَثِيرٍ مِنها الشَرْعُ، فَلِذَلِكَ جَعَلَها لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ في ضِمْنِ الإيمانِ العَقْلُ والتَصْدِيقُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى خَلْقَ البَشَرِ والحَيَوانِ وكَأنَّهُ أغْمَضَ مِمّا أحالَ عَلَيْهِ أوَّلًا وأكْثَرَ تَلْخِيصًا، فَجَعَلَهُ لِلْمُوقِنِينَ الَّذِينَ لَهم نَظَرٌ يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ في مُعْتَقَداتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلافَ اللَيْلِ والنَهارِ والعِبْرَةَ بِالمَطَرِ والرِياحِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، إذْ كَلُّ عاقِلٍ يَحْصُلُ هَذِهِ ويَفْهَمُ قَدْرَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ كانَ هَذا النَظَرُ لَيْسَ بِلازِمٍ ولابُدَّ، فَإنَّ اللَفْظَ يُعْطِيهِ.

و ﴿ "يَبُثُّ" ﴾ مَعْناهُ: يُنْشَرُ في الأرْضِ، والدابَّةُ: كُلُّ حَيَوانٍ يَدُبُّ، أو يُمْكِنُ فِيهِ أنْ يَدُبَّ، يَدْخُلُ في ذَلِكَ الطَيْرُ والحُوتُ، وشاهِدُ الطَيْرِ قَوْلُ الشاعِرِ: .......................

∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ وقَوْلُ الآخَرِ: ........................

∗∗∗ ∗∗∗ دَبِيبُ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلٍ وشاهِدُ الحُوتِ قَوْلُ أبِي مُوسى: "وَقَدْ ألْقى البَحْرُ دابَّةً مِثْلَ الظَرَبِ"، ودَوابُّ البَحْرِ لَفْظٌ مَشْهُورٌ في اللُغَةِ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "آياتٍ" بِالنَصْبِ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ.

وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: ﴿ "آياتٌ" ﴾ بِالرَفْعِ فِيهِما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنَصْبِ فَحَمَلَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ عَلى نَصْبِ "إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ ﴾ ، ولا يَعْرِضُ في ذَلِكَ العَطْفَ عَلى عامَلَيْنِ الَّذِي لا يُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ وكَثِيرٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ، لِأنّا نُقَدِّرُ "فِي" مُعادَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ ﴾ ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَفِي اخْتِلافِ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ -عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ-: "وَفِي اخْتِلافِ اللَيْلِ"، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَها قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَفِي خَلْقِكُمْ" ﴾ فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الجارِّ، جازَ حَذْفُهُ مِنَ الثانِي، ويُقَدَّرُ مُثْبَتًا، كَما قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِ الشاعِرِ: أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ∗∗∗ ∗∗∗ ونارٌ تُوقَدُ بِاللَيْلِ نارًا؟

أيْ: وكُلُّ نارٍ، وكَما قالَ الآخَرُ: أوصَيْتُ مِن بَرَّةٍ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةَ شَرًّا أيْ: وبِالحَمْأةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الِاعْتِراضُ كُلُّهُ إنَّما هو في "آياتٌ" الثانِي، لِأنَّ الأوَّلَ قَبْلَهُ حَرْفُ الجَرِّ ظاهِرٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الثَلاثَةِ المَواضِعَ: "لَآياتٍ".

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ مَحْمُولٌ عَلى "إنَّ" في قِراءَةِ مَن أسْقَطَ اللاماتِ في الِاثْنَيْنِ الآخِيرَتَيْنِ.

وأمّا مَن رَفَعَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ، فَوَجْهُهُ العَطْفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ" وما عَمِلَتْ فِيهِ، لِأنَّ مَوْضِعَها رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ ﴾ مُسْتَأْنَفًا، ويَكُونُ الكَلامُ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ فَلا تَكُونُ غَرِيبَةً عَلى هَذا.

و"اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ" إمّا بِالنُورِ والظَلامِ، وإمّا بِكَوْنِهِما خِلْفَةً، و"الرِزْقُ المُنَزَّلُ مِنَ السَماءِ": هو المَطَرُ، سَمّاهُ رِزْقًا بِمَآلِهِ، لِأنَّ جَمِيعَ ما يَرْتَزِقُ فَعَنِ المَطَرِ هُوَ، و"تَصْرِيفِ الرِياحِ": هو بِكَوْنِها صَبًّا ودَبُورًا وجَنُوبًا وشَمالًا، وأيْضًا فَبِكَوْنِها مَرَّةً رَحْمَةً ومَرَّةً عَذابًا، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا بِلِينِها وشِدَّتِها وحَرِّها وبَرْدِها، وقَرَأ طَلْحَةُ وعِيسى: "وَتَصْرِيفِ الرِيحِ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا ما كانَ فِيهِ مُبَشِّراتٌ، وخالَفَ عِيسى في الحِجْرِ فَقَرَأ: "الرِياحَ لَواقِحَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ آياتُ اللهِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "نَتْلُوها" ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: نَتْلُو شَأْنَها وتَفْسِيرَها وشَرْحَ العِبْرَةِ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آياتِ اللهِ": القُرْآنُ المُنَزَّلُ في هَذِهِ المَعانِي، فَلا يَكُونُ في "نَتْلُوها" حَذْفُ مُضافٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "بِالحَقِّ" ﴾ مَعْناهُ: بِالصِدْقِ والإعْلامِ بِحَقائِقِ الأُمُورِ في أنْفُسِها.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ، وفِيهِ قُوَّةُ التَهْدِيدِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وَقَتادَةُ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ أيْضًا، والأعْمَشُ: "تُؤْمِنُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الكُفّارِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "تُوقِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مِنَ اليَقِينِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هذا الكلام موقع تفصيل المجمل لما جمعته جملة ﴿ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ﴾ [الجاثية: 2] باعتبار أن آيات السماوات والأرض وما عطف عليها إنما كانت آيات للمؤمنين الموقنين، وللذين حصل لهم العلم بسبب ما ذكرهم به القرآن، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ تلك آيات الله نتلوها عليك ﴾ [الجاثية: 6].

وأكد ب ﴿ إنَّ ﴾ وإن كان المخاطبون غير منكريه لتنزيلهم منزلة المنكر لذلك بسبب عدم انتفاعهم بما في هذه الكائنات من دلالة على وحدانية الله تعالى وإلا فقد قال الله تعالى: ﴿ ولئن سألتهم من خَلَق السماوات والأرض ليقولُن خلقهنّ العزيز العليم ﴾ في سورة الزّخرف (9).

والخطاب موجه إلى المشركين ولذلك قال: لآيات للمؤمنين } وقال: ﴿ آيات لقوم يوقنون ﴾ دون أن يقال: لآيات لكم أو آيات لكم، أي هي آيات لمن يعلمون دلالتها من المؤمنين ومن الذين يوقنون إشارة إلى أن تلك الآيات لا أثر لها في نفوس من هم بخلاف ذلك.

والمراد بكون الآيات في السماوات والأرض أن ذات السماوات والأرض وعداد صفاتها دلائل على الوحدانية فجعلت السماوات والأرض بمنزلة الظرف لما أودعته من الآيات لأنها ملازمة لها بأدنى نظر وجعلت الآيات للمؤمنين لأنهم الذين انتفعوا بدلالتها وعلموا منها أن موجدها ومقدر نظامها واحد لا شريك له.

وعطف جملة ﴿ وفي خلقكم ﴾ الخ على جملة ﴿ إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين ﴾ عطف خاص على عام لما في هذا الخاص من التذكير بنعمة إيجاد النوع استدعاء للشكر عليه.

والبث: التوزيع والإكثار وهو يقتضي الخلق والإيجاد فكأنه قيل وفي خلق الله ما يبثّ من دابة.

وتقدم البث في قوله تعالى: ﴿ وبث فيها من كل دابّة ﴾ في سورة البقرة (164).

وعبر بالمضارع في ﴿ يبث ﴾ ليفيد تجدد البث وتكرره باعتبار اختلاف أجناس الدواب وأنواعها وأصنافها.

والدابة تطلق على كل ما يدبّ على الأرض غير الإنسان وهذا أصل إطلاقها وقد تطلق على ما يدب بالأرجل دون الطائر كقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ [الأنعام: 38].

والرزق أطلق هنا على المطر على طريقة المجاز المرسل لأن المطر سبب وجود الأقوات.

والرزق: القوت.

وقد ذكر في آية سورة البقرة (164) ﴿ وما أنزل الله من السماء من ماء ﴾ وتقدمت نظائر هذه الآية في أواسط سورة البقرة وفي مواضع عدّة.

والمراد ب (المؤمنين)، وب (قوم يوقنون)، وب (قوم يعقلون) واحد، وهم المؤمنون بتوحيد الله فحصل لهم اليقين وكانوا يعقلون، أي يعلمون دلالة الآيات.

والمعنى: أن المؤمنين والذين يُوقنون، أي يعلمون ولا يكابرون، والذين يعقلون دلالة الآثار على المؤثر ونظروا النظر الصحيح في شواهد السماوات والأرض فعلموا أن لا بد لها من صانع وأنه واحد فأيقن بذلك العاقل منهم الذي كان متردداً، وازداد إيماناً من كان مؤمناً فصار موقناً.

فالمعنى: أن الذين انتفعوا بالآيات هم المؤمنون العاقلون، فوزعت هذه الأوصاف على فواصل هذه الآي لأن ذلك أوقع في نفس السامع من إتْلاَءِ بعضها لبعض.

وقُدم المتصفون بالإيمان لشرفه وجعل خلق الناس والدواب آية للموصوفين بالإيقان لأن دلالة الخلق كائنة في نفس الإنسان وما يحيط به من الدواب، وجعل اختلاف الليل والنهار واختلافُ حوادث الجو آية للذين اتصفوا بالعقل لأن دلالتها على الوحدانية بواسطة لوزام مترتبة بإدراك العقل.

وقد أومأ ذكر هذه الصفات إلى أن الذين لم يهتدوا بهذه الآيات ليسوا من أصحاب هذه الصفات ولذلك أعقبه بقوله: ﴿ فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ﴾ [الجاثية: 6] استفهاماً إنكارياً بمعنى النفي.

واعلم أن هذا الكلام وإن كان موجهاً إلى قوم لا ينكرون وجود الإله وإنما يزعمون له شركاء، وكان مقصوداً منه ابتداء إثباتٌ الوحدانية، فهو أيضاً صالح لإقامة الحجة على المعَطِّلين الذين ينفون وجود الصانع المختار وفي العرب فريق منهم.

فإن أحوال السماوات كلها متغيرة دالة على تغير ما اتصفت بها، والتغير دليل الحدوث وهو الحاجة إلى الفاعل المختار الذي يوجدها بعد العدم ثم يُعدمها.

وقرأ الجمهور قوله: ﴿ آيات لقوم يوقنون ﴾ وقوله: ﴿ آياتٌ لقوم يعقلون ﴾ برفع ﴿ آيات ﴾ فيهما على أنهما مبتدآن وخبراهما المجروران.

وتقدّر (في) محذوفة في قوله ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾ لدلالة أختها عليها التي في قوله: ﴿ وفي خلقكم ﴾ .

والعطف في كلتا الجملتين عطف جملة لا عطف مفرد.

وقرأها حمزة والكسائي وخلف ﴿ لآيات ﴾ في الموضعين بكسرة نائبة عن الفتحة ف ﴿ آياتٍ ﴾ الأول عطف على اسم ﴿ إنَّ ﴾ و ﴿ في خلقكم ﴾ عطف على خبر ﴿ إنّ ﴾ فهو عطف على معمولي عامل واحد ولا إشكال في جوازه وأما ﴿ آيات لقوم يعقلون ﴾ فكذلك، إلا أنه عطف على معمولي عَامِلَيْن مختلفين، أي ليسا مترادفين هما (إنّ) و(في) على اعتبار أن الواو عاطفة ﴿ آيَات ﴾ وليست عاطفة جملة ﴿ في خلقكم ﴾ الآية، وهو جائز عند أكثر نحاة الكوفة وممنوع عند أكثر نحاة البصرة، ولذلك تأول سيبويه هذه القراءة بتقدير (في) عند قوله: ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾ لدلالة أختها عليها وتبقى الواو عاطفة ﴿ آياتٍ ﴾ على اسم (إنّ) فلا يكون من العطف على معمولي عاملين.

والحق ما ذهب إليه جمهور الكوفيين وهو كثير كثرة تنبو عن التأويل.

وجعل ابن الحاجب في «أماليه» قراءة الجمهور برفع ﴿ آياتٌ ﴾ في الموضعين أيضاً من العطف على معمولي عاملين لأن الرفع يحتاج إلى عَامللٍ كما أن النصب يحتاج إلى عَامللٍ قال: وأكثر الناس يفرض الإشكال في قراءة النصب لكون العامل لفظيًّا وهما سواء.

وقرأ يعقوب ﴿ آياتٍ ﴾ الثانية فقط بكسر التاء على أنه حال متعدد من اختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق وتصريف الرياح، والسحاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الجاثِيَةِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وجابِرٍ وعِكْرِمَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ إلّا آيَةً، وهي ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ ﴾ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ وفي إضافَةِ التَّنْزِيلِ إلَيْهِ في هَذا المَوْضِعِ وفي أمْثالِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: افْتِتاحُ كِتابِهِ مِنهُ كَما يُفْتَتَحُ الكاتِبُ كِتابَهُ بِهِ.

الثّانِي: تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ وتَضْخِيمًا لِشَأْنِهِ عَلَيْهِ في الِابْتِداءِ بِإضافَتِهِ إلَيْهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي اخْتِلافَهُما بِالطُّولِ والقِصَرِ.

الثّانِي: اخْتِلافُهُما بِذَهابِ أحَدِهِما ومَجِيءِ الآخَرِ.

﴿ وَما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: المَطَرُ الَّذِي يَنْبُتُ بِهِ الزَّرْعُ وتَحْيا بِهِ الأرْضُ.

الثّانِي: ما قَضاهُ في السَّماءِ مِن أرْزاقِ العِبادِ.

﴿ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَصْرِيفُها بِإرْسالِها حَيْثُ يَشاءُ.

الثّانِي: يَنْقِلُ الشِّمالُ جَنُوبًا والجَنُوبُ شِمالًا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنْ يَجْعَلَها تارَةً رَحْمَةً وتارَةً نِقْمَةً; قالَهُ قَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أنزل الله من السماء من رزق ﴾ قال: المطر.

وفي قوله: ﴿ وتصريف الرياح ﴾ إذا شاء جعلها رحمة وإذا شاء جعلها عذاباً.

وفي قوله: ﴿ لكل أفاك أثيم ﴾ قال: كذاب.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لكل أفاك أثيم ﴾ قال: المغيرة بن مخزوم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ ﴾ كأنه قيل: وأن في اختلاف الليل، و (إن) فإن كانت محذوفة من اللفظ فهو في حكم المثبت فيه، وذلك أن ذكره قد تقدَّم في قوله: ﴿ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ بعطف آيات فأما الجار فقد تقدَّم ذكرُه في قوله (في السموات ..

وفي خلقكم) فلما تقدم ذكره في هذين، قدر فيه الإثبات في اللفظ وإن كان محذوفًا منه كما قدر سيبويه في قوله: أكلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امرأً ...

ونارًا (١) (٢) أن كُلا في حكم الملفوظ به، واستغني عن إظهاره بتقدم ذكره، ويجوز أن تقدر آيات متكررة كررتها لما تراخى الكلام وطال، كماقال بعض المشايخ في قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ  ﴾ قال (أن) هي الأولى كررت، وهذا النحو في كلامهم غير ضيق، هذا كله كلام المبرد وأبي علي ومعنى (٣) (١) كذا في الأصل وهو تصحيف، والصحيح (ونارٍ) حيث ذكره الجميع بجر نارٍ وهو الشاهد من البيت حيث عطفه على ما عملت فيه كل.

(٢) البيت لأبي دؤاد الإيادي.

انظر: الكتاب لسيبويه 1/ 66، والشعر والشعراء لابن قتيبة ص 141، و"الحجة" لأبي علي 6/ 171، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 432، و"الدر المصون" 6/ 123، وفي "الكامل" للمبرد منسوب لعدي بن زيد العبادي.

انظر: الكامل 1/ 287.

(٣) انظر: "الكامل" للمبرد 1/ 287، و"الحجة" لأبي علي 6/ 171، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 442.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَنزِيلُ ﴾ ذكر في الزمر، وما بعد ذلك تنبيه على الاعتبار بالموجودات، وقد ذكر معناه في مواضع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وفي خلقكم ﴾ مدغماً: عباس.

﴿ آيات ﴾ بالنصب في الموضعين: حمزة وعلي ويعقوب ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ يؤمنون ﴾ على الغيبة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ أليم ﴾ مذكور في "سبأ" ﴿ لنجزي ﴾ بالنون: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف ﴿ ليجزي ﴾ بالياء مبنياً للمفعول ﴿ قوم ﴾ بالرفع: يزيد.

الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ قوماً ﴾ سواء بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص وروح وزيد ﴿ غشوة ﴾ بفتح الغين وسكون الشين من غير ألف: حمزة وعلي وخلف 3 ﴿ كل أمة تدعي ﴾ بالنصب على الإبدال من الأول: يعقوب ﴿ الساعة ﴾ بالنصب: حمزة ﴿ لا يخرجون ﴾ من الخروج حمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط ومن نصب، ﴿ آيات ﴾ لم يقف لأنها عطف المفردين على المفردين وهما الخبر واسم أن المفردين ﴿ يوقنون ﴾ ه لا للعطف على ﴿ عاملين ﴾ كما يجيء ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ يسمعها ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ط لأنه لو وصل اشتبه بأنها وصف ﴿ عذاب جهنم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ أولياء ﴾ ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع العاطف ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ منه ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ج ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ فعليها ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد القصة ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ من الأمر ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج ﴿ بعض ﴾ ج للتمييز بين الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ قف ومن نصب ﴿ سواء ﴾ لم يقف.

﴿ ومماتهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ غشاوة ﴾ ط ﴿ من بعد الله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ الدهر ﴾ ج لاحتمال الواو الحال ﴿ من علم ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ يظنون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ جاثية ﴾ قف لمن قرأ ﴿ كل ﴾ بالرفع ﴿ كتابها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ ما الساعة ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بقول الكفار ﴿ بمستيقنين ﴾ ه ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للعدول عن الخطاب إلى الغيبة ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: إعراب أول السورة وتفسيرها كإعراب أول "المؤمن" وتفسيره وقوله ﴿ إن في السموات ﴾ إما أن يكون على ظاهره وآياتها الشمس والقمر والنجوم وحركاتها وأوضاعها وكذا العناصر والمواليد التي في الأرض مما يعجز الحاصر عن إدراك أعدادها، وإما أن يراد إن في خلق السموات والأرض فالآيات تشمل ما عددنا مع زيادة هيئتهما وما يتعلق بتشخيصهما.

استدل الأخفش بالآية الثالثة على جواز العطف على عاملين.

مختلفين وهما في قراءة النصب "أن" وفي أقيمت الواو مقامها فعملت الجر في اختلاف الليل، والنصب في آيات وهما في قراءة الرفع الابتداء وفي.

وخرج لسيبويه في جوابه وجهان: أحدهما أن قوله ﴿ آيات ﴾ تكرار محض للتأكيد فقط من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إن في الدار زيداً وفي الحجرة زيداً والمسجد زيداً، وأنت تريد أن في الدار زيداً والحجرة والمسجد.

والثاني إضمار في لدلالة الأول عليه، ويحتمل أن ينتصب ﴿ آيات ﴾ على الاختصاص.

ويرتفع بإضمار هي.

وتفسير هذه الآيات قد مر في نظائرها مراراً ولا سيما في أواسط "البقرة" ومما يختص بالمقام أنه خص المؤمنين بالذكر أولاً ثم قال ﴿ لقوم يوقنون ﴾ ثم ﴿ يعقلون ﴾ فما سبب هذا الترتيب؟

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : أراد إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإلا فإن كنتم طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، وقال جار الله: معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح علموا أنها لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال.

وفي خلق ما بث من الدواب على ظهر الأرض، ازدادوا إيماناً وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس، وإذا نظروا في سائر الحوادث كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار التي هي سبب الأرزاق وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم عقلهم وخلص يقينهم.

وأقول: الدلائل المذكورة في هذه الآيات قسمان: نفسية وخارجية.

فالنفسية أولى بالإيقان لأنه لا شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، والخارجية بعضها فلكية وبعضها آثار علوية.

فالفلكية لبعدها عن الإنسان اكتفى فيها بمجرد التصديق، وأما الآثار العلوية فكانت أولى بالنظر والاستدلال لقربها وللإحساس بها فلا جرم خصت بالتعقل والتدبر، وأما تقديم السموات على الأرض فلشمولها ولتقدمها في الوجود.

﴿ تلك ﴾ مبتدأ والتبعيد للتعظيم والمشار إليها الآيات المتقدمة و ﴿ نتلوها ﴾ في محل الحال.

وقوله ﴿ بعد الله وآياته ﴾ كقولهم: أعجبني زيد وكرمه.

وأصله بعد آيات الله.

والمعنى أن من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه.

وقيل: معناه القرآن آخر كتب الله، ومحمد آخر رسله.

فإن لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبي.

ثم أوعد الناس المبالغين في الإثم وقد مر ما في الآية في سورة لقمان.

قوله ﴿ وإذا علم ﴾ أي شعر وأحس بأنه من جملة القرآن المنزل خاض في الاستهزاء، وإذا وقف على آية لها محل في باب الطعن والقدح افترضه وحمله على الوجه الموجب للطعن كافتراض ابن الزبعري في قوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله  ﴾ وإنما أنّث الضمير في قوله ﴿ اتخذها ﴾ لأن الشيء في معنى الآية أو لأنه أراد أن يتخذ جميع الآيات هزواً ولا يقتصر على الاستهزاء بما بلغه.

قوله ﴿ من ورائهم جهنم ﴾ كل ما توارى عنك فهو وراء تقدم أو تأخر، وقد مر في سورة إبراهيم  ﴿ هذا هدى ﴾ أي هذا القرآن كامل في باب الهداية والإرشاد.

ثم ذكر دليلاً آخر على الوحدانية وهو تسخير البحر لبني آدم وقد سبق وجه الدلالة مراراً.

وقوله ﴿ ولتبتغوا ﴾ أي بسبب التجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان أو باستخراج اللحم الطري.

ثم عمم بعد التخصيص وقوله ﴿ منه ﴾ في موضع الحال أي سخر جميع ما في السموات والأرض كائنة منه، يريد أنه أوجدها بقدرته وحكمته ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه.

عن ابن عباس برواية عطاء أن الصحابة نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر - يقال لها المريسيع - فأرسل عبد الله بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟

قال: غلام عمر قعد على رأس البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قرب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه.

فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله  ﴿ قل للذين آمنوا ﴾ يعني عمر ﴿ يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ لا يتوقعون وقائعه بأعداء الله أو لا يأملون قوة المؤمنين في أيام الله الموعودة لهم، والمراد الصفح والإعراض.

عن عبد الله بن أبي وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله  ﴾ قال اليهودي فنحاص بن عازوراء: احتاج رب محمد فبلغ ذلك عمر فأخذ سيفه فخرج في طلبه، فجاء جبرائيل وأنزل الآية هذه.

وليس المقصود أن لا تقتلوا ولا تقاتلوا حتى يلزم نسخها بآية القتال كما ذهب إليه كثير من المفسرين، ولكن الأولى أن يحمل على ترك المنازعة في المحقرات وفي أفعالهم الموحشة المؤذية، وإنما أنكر ﴿ قوماً ﴾ مع أنه أراد بقوم الذين آمنوا وهم معارف ليدل على مدحهم والثناء عليهم كأنه قيل: لنجزي قوماً كاملين في الصبر والإغضاء على أذى الأعداء ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه، وقيل: القوم هم الكافرون الكاملون في النفاق.

ثم فصل الجزاء وعمم الحكم بقوله ﴿ من عمل صالحاً ﴾ الآية.

ثم بين أن للمتأخرين من الكفار أسوة بالمتقدمين منهم والكتاب التوراة والحكم بيان الشرائع والبينات من الأمر أدلة أمور الدين.

وقال ابن عباس: يريد أنه تبين لهم من أمر النبي  أنه مهاجر من تهامة إلى يثرب.

وقيل: هي المعجزات القاهرة على صحة نبوة موسى ﴿ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه احتمالان: أحدهما علموا ثم عاندوا، والثاني جاءهم أسباب المعرفة التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ولكنهم أظهروا النزاع حسداً.

﴿ ثم جعلناك على شريعة ﴾ أي منهاج وطريقة ﴿ من الأمر ﴾ أمر الدين وقيل: من الأمر الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا.

قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي  وهو بمكة ارجع إلى ملة آبائك وهم كانوا أفضل منك وأسن فزجره الله  عن ذلك بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ إلى آخره أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفعه عنك.

ثم أشار بعد النهي عن اتباع أهوائهم بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ أتباعهم إلى الفرق بين ولاة الظالمين وهم أشكالهم من الظلمة، وبين ولي المتقين وهو الله  .

ومن جملة آثار ولايته وبركة عنايته ﴿ هذا ﴾ القرآن.

وقيل: ما تقدم من اتباع الشريعة وترك طاعة الظالم وجعل القرآن مشاراً إليه أولى لقوله ﴿ بصائر من ربكم ﴾ إلى آخره.

وقد مر في آخر "الأعراف" مثله.

ثم بين الفرق بين الظالمين والمتقين من وجه آخر قائلاً ﴿ أم حسب ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة والآية نظيرة ما سلف في "ص" ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين  ﴾ والاجتراح الاكتساب.

من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فمعناه مستوياً والظاهر بعده فاعله ويكون انتصابه على البدل من ثاني مفعولي ﴿ نجعل ﴾ وهو الكاف.

من قرأ بالرفع بخبر ﴿ ومحياهم ﴾ مبتدأ والجملة بدل أيضاً لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً.

والمعنى إنكار أن يستوي الفريقان حياة وموتاً، لأن المحسنين عاشوا على الطاعة وإنهم عاشوا على المعصية ومات أولئك على البشرى والرحمة، ومات هؤلاء على الضد.

وقيل: معناه إنكار أن يستويا في الممات كما استووا في الحياة من حيث الصحة والرزق، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن.

فالفرق المقتضي لسعادة المؤمن وشقاوة الكافر إنما يظهر بعد الوفاة.

وقيل: إنه كلام مستأنف، والمراد أن كلاً من الفريقين يموت على حسب ما عاش عليه لقوله  : " كما تعيشون تموتون" وحين أفتى بأن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادات استدل على صحة هذه الدعوى بقوله ﴿ وخلق الله ﴾ الآية.

قال جار الله: ﴿ ولتجزى ﴾ معطوف على ﴿ بالحق ﴾ لأنه في معنى التعليل أي للعدل، أو ليدل بها على قدرته وللجزاء.

ويجوز أن يكون المعلل محذوفاً وهو فعلنا ونحوه.

والحاصل أن الغاية من خلق السماء والأرض كان هو الإنسان الكامل فكيف يترك الله جزاءه وجزاء من هو ضده والتميز بينهما بموجب العدالة.

ثم قرر أسباب ضلال المضلين قائلاً ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ أي يتبع ما تدعو إليه نفسه الأمارة وقد مر في الفرقان ﴿ وأضله الله على علم ﴾ بحالة أنه من أهل الخذلان والقهر، أو على علم الضلال في سابق القضاء، أو على علم بوجوه الهداية وإحاطته بالألطاف المحصلة لها.

وقيل: أراد به المعاند لأن ضلاله عن علم ﴿ فمن يهديه من بعد ﴾ إضلال ﴿ الله ﴾ قال بعض العلماء: قدم السمع على القلب في هذه الآية وبالعكس في "البقرة" لأن كفار مكة كانوا يبغضونه بقلوبهم وما كانوا يستمعون إليه وكفار المدينة، كانوا يلقون إلى الناس أن النبي  شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه.

ففي هذه الصورة على هذا التقدير كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي الصورة الأولى كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فورد ما في كل سورة على ترتيبه.

ثم ذكر من أسباب الضلال سبباً آخر وهو إنكارهم البعث معتقدين أن لا حياة إلاّ هذه.

وليس قولهم الدنيا تسلماً لثانية وإنما هو قول منهم على لسان المقرين وبزعمهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ فيه تقديم وتأخير على أن الواو لا توجب الترتيب.

وقيل: يموت الآباء وتحيا الأبناء وحياة الأبناء حياة الآباء، أو يموت بعض، ويحيا بعض، أو أرادوا بكونهم أمواتاً حال كونهم نطفاً، أو هو على مذهب أهل التناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في بدن آخر.

ثم إنهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا إليه إنكار المبدأ قائلين ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ اعتقدوا أن تولد الأشخاص وكون الممتزجات وفسادها ليس إلا بسبب مزاوجات الكواكب.

ولا حاجة في هذا الباب إلى مبدىء المبادىء فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ وما لهم بذلك من علم ﴾ أي ليس لهم على ما قالوه دليل وإنما ذكروا ذلك ظناً تخميناً واستبعاداً فلا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى قولهم، لأن الحجة قامت على نقيض ذلك وهي دليل المبدأ والمعاد المذكور مراراً وأطوراً.

وليس قولهم ﴿ ائتوا بآبائنا ﴾ من الحجة في شيء لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال فإنه يمتنع حصوله في الاستقبال بدليل الحادث اليومي الممتنع حصوله في الأمس، فوجه الاستثناء أنه في أسلوب قوله: تحية بينهم ضرب وجيع *** وحين بكتهم وسكتهم صرح بما هو الحق وقال ﴿ قل الله يحييكم ﴾ إلى آخره.

ثم أراد أن يختم السورة بوصف يوم القيامة وما سيجري على الكفار فيه فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ العامل فيه يخسر وقوله ﴿ يومئذ ﴾ بدل من ﴿ يوم ﴾ وفيه تأكيد للحصر المستفاد من تقديم الظرف.

قال ابن عباس: الجاثية المجتمعة للحساب المترقبة لما يعمل بها.

وقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم.

وقيل: مستوفزاً لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله.

والجثو للكفار خاصة.

وقيل: عام بدليل قوله بعد ذلك ﴿ فأما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين كفروا ﴾ ﴿ تدعى إلى كتابها ﴾ يريد كتاب الحفظة ليقرؤه.

وقال الجاحظ: إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا.

ويقال: يا أهل التوراة يا أهل القرآن.

﴿ اليوم تجزون ﴾ بتقدير القول ومما يؤيد القول الأول قوله ﴿ هذا كتابنا ﴾ إلى قوله ﴿ إنا كنا نستنسخ ﴾ أي نأمر بالنسخ.

وإضافة الكتاب تارة إليهم وأخرى إلى الله عز وجل صحيحة لأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فأضيف إليهم لأن أعمالهم مثبتة فيه، وأضيف إلى الله  لأنه أمر ملائكته بكتبه.

قوله ﴿ أفلم تكن ﴾ القول فيه مقدر أي فيقال لهم ذلك قوله ﴿ إن نظن إلا ظناً ﴾ قال أبو علي والأخفش: هذا الكلام جار على غير الظاهر لأن كل من يظن فإنه لا يظن إلا الظن، فتأويله أن ينوي به التقديم أي ما نحن إلا نظن ظناً.

وقال المازني: تقديره إن نظن نحن إلا ظناً منكم أي أنتم شاكون فيما تزعمون وما نحن بمستيقنين أنكم لا تظنون.

وقال جار الله: أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب.

فأدخل أداة الحصر ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه وأقول: الظن قد يطلق على ما يقرب من العلم، ولا ريب أن لهذا الرجحان مراتب وكأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا ثبوت علم فيه وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ وما نحن بمستيقنين ﴾ وباقي السورة واضح مما سلف والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ ﴾ قد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ وقد ذكرنا - أيضاً - تأويل "العزيز الحكيم" في غير موضع أيضاً.

ثم إنما ذكر قوله: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ على إثر ذلك؛ ليعلم أنه ما أنزل الكتاب، وما أمرهم، وما نهاهم، وامتحنهم بأنواع المحن؛ ليتعزز هو بذلك، أو يزيد له عزّاً وسلطاناً أو قوة إذا ائتمروه وأطاعوه، وإذا خالفوه ولم يطيعوه فيما أمرهم، وارتكبوا ما نهاهم يلحقه ذل أو نقصان في ملكه وسلطانه؛ بل إنّما فعل ذلك من الأمر والنهي وأنواع المحن لمنفعة أنفس الممتحنين، ليتعززوا إذا اتبعوا أمره وأطاعوه، ويلحقهم ذل ونقصان إذا تركوا اتباعه، بخلاف ملوك الأرض، فإنه يزيد لهم اتباع من اتبعهم عزّاً وسلطاناً وقوة في ملكهم، وترك اتباعهم إياهم وارتكاب ما نهوهم عنه يوجب لهم ذلا ونقصاناً في ملكهم؛ لأن المخلوق كان عزيزاً بغيره، فإذا زال ذلك زال عزه وصار ذليلا؛ فأما الله -  وتعالى - عزيز بذاته فلا يلحقه النقصان بمخالفة من خالفه، ولا يزداد عزه بائتمار من ائتمره.

[و] قوله: ﴿ ٱلْحَكِيمِ ﴾ والحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير؛ يذكر هذا؛ ليعلم أنّ من أنشأه من الخلائق على علم منه أنهم يكفرون به ويعصونه لم يزل عنه الحكمة، ولا أخرجه منها؛ لما ذكرنا أنه لم ينشئهم لحاجة له فيهم، أو لمنفعة ترجع إليه، ولكن لحاجة لهم، ولمنفعة ترجع إلى أنفسهم، ومثله في الشاهد يزيل الحكمة ويدخل في حد السفه؛ لما ذكرنا أنهم إنما يفعلون لحوائجهم، فكان الفعل مع العلم بأنه لا منفعة له فيه، بل مضرة لا يكون حكمة منهم؛ لذلك افترق الشاهد والغائب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ و ﴿ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ و ﴿ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ونحو ذلك، يخرج ذكر الآيات لهؤلاء [على] وجوه: أحدها: أن يكون ما ذكر من الآيات لهؤلاء آيات على أعدائهم يحتجون بها عليهم؛ فتكون هي آيات لهم على أعدائهم.

والثاني: أن منفعة هذه الآيات تجعل لهؤلاء، وهم المنتفعون بها؛ أعني: متبعها دون من ترك اتباعها.

والثالث: هنّ آيات لمن اعتقد اتباع الآيات والإيقان بها، وهم المؤمنون، فأما من اعتقد ردّها وترك الاتباع لها فليست هي آيات لهم، والله أعلم.

وقد ذكرنا في غير موضع، جهة الآيات فيما ذكر من السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وإنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض به، وإخراج ما أخرج منها، في ذلك آيات هيبته، وآيات وحدانيته، وآيات قدرته وسلطانه، وآيات علمه وتدبيره، وآيات حكمته، وغير ذلك مما يطول بذكرها، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، قوله - عز وجل -: ﴿ تَلْكَ ﴾ إشارة إلى الآيات التي تقدم ذكرها ﴿ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ أنها من الله -  - لما عجزوا عن إدراك ذلك من الحكمة البشرية به فيعلموا أنها من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: لو كانوا بالذين يقبلون حديثاً قط، فلا حديث أظهر صدقاً من حديث الله  ولا أبين حقّاً فيه من كلامه؛ لأنها آيات معجزات، عجزوا عن إتيان مثلها.

وإن كانوا بالذين لا يقبلون حديثاً فيلحقهم السفه في ذلك، فيكفي مؤنتهم، والله الهادي.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وفي تعاقب الليل والنهار، وفيما أنزل الله من السماء من المطر فأحيا به الأرض بإنباتها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها، وفى تصريف الرياح بالإتيان بها مرة من جهه، ومره من أخرى لمنافعكم؛ دلائل لقوم يعقلون، فيستدلون بها على وحدانية الله وقدرته على البعث، وقدرته على كل شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.jKXRa"

مزيد من التفاسير لسورة الجاثية

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد