الآية ٦ من سورة الجاثية

الإسلام > القرآن > سور > سورة 45 الجاثية > الآية ٦ من سورة الجاثية

تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ يُؤْمِنُونَ ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة الجاثية: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة الجاثية عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : هذه آيات الله - يعني القرآن بما فيه من الحجج والبينات - ( نتلوها عليك بالحق ) أي : متضمنة الحق من الحق ، فإذا كانوا لا يؤمنون بها ولا ينقادون لها ، فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ؟

!

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) يقول تعالى ذكره: هذه الآيات والحجج يا محمد من ربك على خلقه نتلوها عليك بالحقّ: يقول: نخبرك عنها بالحقّ لا بالباطل, كما يخبر مشركو قومك عن آلهتهم بالباطل, أنها تقرّبهم إلى الله زُلْفَى, فبأيّ حديث بعد الله وآياته تؤمنون: يقول تعالى ذكره للمشركين به: فبأيّ حديث أيها القوم بعد حديث الله هذا الذي يتلوه عليكم, وبعد حجه عليكم وأدلته التي دلكم بها على وحدانيته من أنه لا ربّ لكم سواه, تصدّقون, إن كنتم كذّبتم لحديثه وآياته.

وهذا التأويل على مذهب قراءة من قرأ (تُؤْمِنُونَ) على وجه الخطاب من الله بهذا الكلام للمشركين, وذلك قراءة عامة قرّاء الكوفيين.

وأما على قراءة من قرأه (يُؤْمِنُونَ) بالياء, فإن معناه: فبأيّ حديث يا محمد بعد حديث الله الذي يتلوه عليك وآياته هذه التي نبه هؤلاء المشركين عليها, وذكرهم بها, يؤمن هؤلاء المشركون, وهي قراءة عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة, ولكلتا القراءتين وجه صحيح, وتأويل مفهوم, فبأية القراءتين قرأ ذلك القارئ فمصيب عندنا, وإن كنت أميل إلى قراءته بالياء إذ كانت في سياق آيات قد مضين قبلها على وجه الخبر, وذلك قوله: لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ و لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون .قوله تعالى : تلك آيات الله أي هذه آيات الله ؛ أي حججه وبراهينه الدالة على وحدانيته وقدرته .

( نتلوها عليك بالحق ) أي بالصدق الذي لا باطل ولا كذب فيه .

وقرئ ( يتلوها ) بالياء .

فبأي حديث بعد الله أي بعد حديث الله وقيل بعد قرآنه ( وآياته يؤمنون ) وقراءة العامة بالياء على الخبر .

وقرأ ابن محيصن وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي تؤمنون بالتاء على الخطاب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فهذه كلها آيات بينات وأدلة واضحات على صدق هذا القرآن العظيم وصحة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالات أيضا على ما لله تعالى من الكمال وعلى البعث والنشور.

ثم قسم تعالى الناس بالنسبة إلى الانتفاع بآياته وعدمه إلى قسمين: قسم يستدلون بها ويتفكرون بها وينتفعون فيرتفعون وهم المؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر إيمانا تاما وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكى منهم العقول وازدادت به معارفهم وألبابهم وعلومهم.

وقسم يسمع آيات الله سماعا تقوم به الحجة عليه ثم يعرض عنها ويستكبر، كأنه ما سمعها لأنها لم تزك قلبه ولا طهرته بل بسبب استكباره عنها ازداد طغيانه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ) يريد هذا الذي قصصنا عليك من آيات الله نقصها عليك بالحق ( فبأي حديث بعد الله ) بعد كتاب الله ( وآياته يؤمنون ) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب : " تؤمنون " بالتاء ، على معنى قل لهم يا محمد : فبأي حديث تؤمنون ، وقرأ الآخرون بالياء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«تلك» الآيات المذكورة «آيات الله» حججه الدالة على وحدانيته «نتلوها» نقصها «عليك بالحق» متعلق بنتلو «فبأي حديث بعد الله» أي حديثه وهو القرآن «وآياته» حججه «يؤمنون» أي كفار مكة، أي لا يؤمنون، وفي قراءة بالتاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذه الآيات والحجج نتلوها عليك -أيها الرسول- بالحق، فبأي حديث بعد الله وآياته وأدلته على أنه الإله الحق وحده لا شريك له يؤمنون ويصدقون ويعملون؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن ذكر - سبحانه - هذه الآدلة الكونية الساطعة التى تحمل الناس على إخلاص العبادة له وحده ، أتبع ذلك بتهديد الذين عموا عنها ، والذين اتخذوا آيات الله هزوا .

.

فقال - تعالى - : ( تَلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا .

.

.

عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ) .والمراد بالآيات فى قوله - سبحانه - : ( تَلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق .

.

) آيات القرآن الكريم ، كما فى قوله - تعالى - : ( تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين ) و ( تَلْكَ ) مبتدأ ، و ( آيَاتُ الله ) خبر ، و ( نَتْلُوهَا عَلَيْكَ ) حال عاملها ما دل عليه ( تَلْكَ ) من معنى الإِشارة .وقوله ( بالحق ) حال من فاعل ( نَتْلُوهَا ) أو من مفعوله ، أى : نتلوها محقين ، أو ملتبسة بالحق .أى : تلك - أيها الرسول الكريم - آيات الله - تعالى - المنزلة إليك ، نتولها عليك تلاوة ملتبسة بالحق لا يحوم حولها باطل .وكانت الإِشارة للبعيد ، لما فى ذلك من معنى الاستقصاء للآيات ، ولعلو شأنها ، وكمال معانيها ، والوفاء فى مقاصدها .وأضاف - سبحانه - الآيات إليه ، لأنه هو الذى أنزلها على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وفى هذه الإِضافة ما فيها من التشريف لها ، والسمو لمنزلتها .وجعل - سبحانه - تلاوة جبريل للقرآن تلاوة له ، للإِشعار بشرف جبريل ، وأنه ما خرج فى تلاوة عما أمره الله - تعالى - به ، فهو رسوله الأمين ، إلى رسله المكرمين .وقوله - سبحانه - : ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ) تعجيب من حالهم ، حيث أصر هؤلاء الكافرون على كفرهم ، مع وضوح البراهين والأدلة على بطلان ذلك .أى : فبأى حديث بعد آيات الله المتلوة عليك يؤمن هؤلاء الجاهلون؟

إن عدم إيمانهم بعد ظهور الأدلة والبراهين على وجوب الإِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، دليل على انطماس بصائرهم ، واستيلاء العناد والجحود على قلوبهم .قال الآلوسى : وقوله : ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ) هو من باب قولهم : أعجبنى زيد وكرمه ، يريدون أعجبنى كرم زيد ، إلا أنهم عدلوا عنه للمبالغة فى الإِعجاب .أى : فبأى حديث بعد هذه الآيات المتلوة بالحق يؤمنون ، وفيه دلالة على أنه لا بيان أزيد من هذا البيان ، ولا آية أدل من الآية .وقال الواحدى : فبأى حديث بعد حيث الله ، أى : القرآن ، وقد جاء إطلاقه عليه فى قوله - تعالى - : ( الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث .

.

) وحسن الإِضمار لقرينة تقدم الحديث .وقوله ( وَآيَاتِهِ ) عطف عليه لتغايرههما إجمالا وتفصيلا .

.

والفاء فى جواب شرط مقدر ، والظرف صفة ( حَدِيثٍ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله: ﴿ حم تنزيل الكتاب ﴾ وجوهاً الأول: أن يكون ﴿ حم ﴾ مبتدأ و ﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ خبره وعلى هذا التقدير فلابد من حذف مضاف، والتقدير تنزيل حم، تنزيل الكتاب، و ﴿ مِنَ الله ﴾ صلة للتنزيل الثاني: أن يكون قوله: ﴿ حم ﴾ في تقدير: هذه حم ثم نقول: ﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ واقع من الله العزيز الحكيم الثالث: أن يكون ﴿ حم ﴾ قسماً و ﴿ تنْزِيل الكتاب ﴾ نعتاً له، وجواب القسم ﴿ إِنَّ فِي السموات ﴾ والتقدير: وحم الذي هو تنزيل الكتاب أن الأمر كذا وكذا.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ العزيز الحكيم ﴾ يجوز جعلهما صفة للكتاب، ويجوز جعلهما صفة لله تعالى، إلا أن هذا الثاني أولى، ويدل عليه وجوه: الأول: أنا إذا جعلناهما صفة لله تعالى كان ذلك حقيقة، وإذا جعلناهما صفة للكتاب كان ذلك مجازاً والحقيقة أولى من المجاز الثاني: أن زيادة القرب توجب الرجحان الثالث: أنا إذا جعلنا العزيز الحكيم صفة لله كان ذلك إشارة إلى الدليل الدال على أن القرآن حق، لأن كونه عزيزاً يدل على كونه قادراً على كل الممكنات وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن كل الحاجات، ويحصل لنا من مجموع كونه تعالى: عزيزاً حكيماً كونه قادراً على جميع الممكنات، عالماً بجميع المعلومات، غنياً عن كل الحاجات، وكل ما كان كذلك امتنع منه صدور العبث والباطل، وإذا كان كذلك كان ظهور المعجز دليلاً على الصدق، فثبت أنا إذا جعلنا كونه عزيزاً حكيماً صفتين لله تعالى يحصل منه هذه الفائدة، وأما إذا جعلناهما صفتين للكتاب لم يحصل منه هذه الفائدة، فكان الأول أولى، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي السموات والأرض لآيات لّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: أن قوله: ﴿ إِنَّ فِي * السموات والأرض لآَيَاتٍ ﴾ يجوز إجراؤه على ظاهره، لأنه حصل في ذوات السموات والأرض أحوال دالة على وجود الله تعالى مثل مقاديرها وكيفياتها وحركاتها، وأيضاً الشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار موجودة في السموات والأرض وهي آيات، ويجوز أن يكون المعنى: إن في خلق السموات والأرض كما صرّح به في سورة البقرة في قوله: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض  ﴾ وهو يدل على وجود القادر المختار في تفسير قوله: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض  ﴾ .

البحث الثاني: قد ذكرنا الوجوه الكثيرة في دلالة السموات والأرض على وجود الإله القادر المختار في تفسير قوله: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض ﴾ ولا بأس بإعادة بعضها فنقول إنها تدل على وجود الإله من وجوه: الأول: أنها أجسام لا تخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث فهذه الأجسام حادثة وكل حادث فله محدث الثاني: أنها مركبة من الأجزاء وتلك الأجزاء متماثلة، لما بينا أن الأجسام متماثلة، وتلك الأجزاء وقع بعضها في العمق دون السطح وبعضها في السطح دون العمق فيكون وقوع كل جزء في الموضع الذي وقع فيه من الجائزات وكل جائز فلابد له من مرجح ومخصص الثالث: أن الأفلاك والعناصر مع تماثلها في تمام الماهية الجسمية اختص كل واحد منها بصفة معينة كالحرارة والبرودة واللطافة والكثافة الفلكية والعنصرية، فيكون ذلك أمراً جائزاً ولا بد لها من مرجح الرابع: أن أجرام الكواكب مختلفة في الألوان مثل كمودة زحل، وبياض المشتري، وحمرة المريخ، والضوء الباهر للشمس، ودرية الزهرة، وصفرة عطارد، ومحو القمر، وأيضاً فبعضها سعيدة، وبعضها نحسة، وبعضها نهاري ذكر، وبعضها ليلي أنثى، وقد بينا أن الأجسام في ذواتها متماثلة، فوجب أن يكون اختلاف الصفات لأجل أن الإله القادر المختار خصص كل واحد منها بصفته المعينة الخامس: أن كل فلك فإنه مختص بالحركة إلى جهة معينة ومختص بمقدار واحد من السرعة والبطء، وكل ذلك أيضاً من الجائزات، فلابد من الفاعل المختار السادس: أن كل فلك مختص بشيء معين وكل ذلك أيضاً من الجائزات، فلابد من الفاعل المختار، وتمام الوجوه مذكور في تفسير تلك الآيات.

البحث الثالث: قوله: ﴿ لآيات لّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يقتضي كون هذه الآيات مختصة بالمؤمنين، وقالت المعتزلة إنها آيات للمؤمن والكافر، إلا أنه لما انتفع بها المؤمن دون الكافر أضيف كونها آيات إلى المؤمنين، ونظيره قوله تعالى: ﴿ هُدىً لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ فإنه هدىً لكل الناس كما قال تعالى: ﴿ هُدىً لّلنَّاسِ  ﴾ إلا أنه لما انتفع بها المؤمن خاصة لا جرم قيل ﴿ هُدىً لّلْمُتَّقِينَ ﴾ فكذا هاهنا، وقال الأصحاب الدليل والآية هو الذي يترتب على معرفته حصول العلم، وذلك العلم إنما يحصل بخلق الله تعالى لا بإيجاب ذلك الدليل، والله تعالى إنما خلق ذلك العلم للمؤمن لا للكافر فكان ذلك آية دليلاً في حق المؤمن لا في حق الكافر والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءايات لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ وَمَا يَبُثُّ ﴾ عطف على الخلق المضاف لا على الضمير المضاف إليه، لأن المضاف ضمير متصل مجرور والعطف عليه مستقبح، فلا يقال مررت بك وزيد، ولهذا طعنوا في قراءة حمزة ﴿ تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام  ﴾ بالجر في قوله: ﴿ والأرحام ﴾ وكذلك إن الذين استقبحوا هذا العطف، فلا يقولون مررت بك أنت وزيد.

البحث الثاني: قرأ حمزة والكسائي ﴿ ءايات ﴾ بكسر التاء وكذلك الذي بعده ﴿ وَتَصْرِيفِ الرياح ءايات ﴾ والباقون بالرفع فيهما، أما الرفع فمن وجهين ذكرهما المبرد والزجاج وأبو علي: أحدهما: العطف على موضع إن وما عملت فيه، لأن موضعهما رفع بالابتداء فيحمل الرفع فيه على الموضع، كما تقول إن زيداً منطلق وعمر، و ﴿ أَنَّ الله بَرِئ مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ  ﴾ لأن معنى قوله: ﴿ أَنَّ الله بَرِئ ﴾ أن يقول الله برئ من المشركين ورسوله، والوجه الثاني: أن يكون قوله: ﴿ وَفِي خَلْقِكُمْ ﴾ مستأنفاً، ويكون الكلام جملة معطوفة على جملة أخرى كما تقول إن زيداً منطلق وعمرو كاتب، جعلت قولك وعمرو كاتب كلاماً آخر، كما تقول زيد في الدار وأخرج غداً إلى بلد كذا، فإنما حدثت بحديثين ووصلت أحدهما بالآخر بالواو، وهذا الوجه هو اختيار أبي الحسن والفراء، وأما وجه القراءة بالنصب فهو بالعطف على قوله: ﴿ إِنَّ فِي السموات ﴾ على معنى وإن في خلقكم لآيات ويقولون هذه القراءة إنها في قراءة أُبي وعبد الله ﴿ لآيَاتٍ ﴾ ودخول اللام يدل على أن الكلام محمول على إن.

البحث الثالث: قوله: ﴿ وَفِي خَلْقِكُمْ ﴾ معناه خلق الإنسان، وقوله: ﴿ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ ﴾ إشارة إلى خلق سائر الحيوانات، ووجه دلالتها على وجود الإله القادر المختار أن الأجسام متساوية فاختصاص كل واحد من الأعضاء بكونه المعين وصفته المعينة وشكله المعين، لابد وأن يكون بتخصيص القادر المختار، ويدخل في هذا الباب انتقاله من سن إلى سن آخر ومن حال إلى حال آخر، والاستقصاء في هذا الباب قد تقدم.

ثم قال تعالى: ﴿ واختلاف اليل والنهار ﴾ وهذا الاختلاف يقع على وجوه: أحدها: تبدل النهار بالليل وبالضد منه.

وثانيها: أنه تارة يزداد طول النهار على طول الليل وتارة بالعكس وبمقدار ما يزداد في النهار الصيفي يزداد في الليل الشتوي.

وثالثها: اختلاف مطالع الشمس في أيام السنة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنَزَلَ الله مِنَ السماء مِّن رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ وهو يدل على القول بالفاعل المختار من وجوه: أحدها: إنشاء السحاب وإنزال المطر منه.

وثانيها: تولد النبات من تلك الحبة الواقعة في الأرض.

وثالثها: تولد الأنواع المختلفة وهي ساق الشجرة وأغصانها وأوراقها وثمارها ثم تلك الثمرة منها ما يكون القشر محيطاً باللب كالجوز واللوز، ومنها ما يكون اللب محيطاً بالقشر كالمشمش والخوخ، ومنها ما يكون خالياً من القشر كالتين، فتولد أقسام النبات على كثرة أصنافها وتباين أقسامها يدل على صحة القول بالفاعل المختار الحكيم الرحيم.

ثم قال: ﴿ وَتَصْرِيفِ الرياح ﴾ وهي تنقسم إلى إقسام كثيرة بحسب تقسيمات مختلفة فمنها المشرقية والمغربية والشمالية والجنوبية، ومنها الحارة والباردة ومنها الرياح النافعة والرياح الضارة، ولما ذكر الله تعالى هذه الأنواع الكثيرة من الدلائل قال إنها آيات لقوم يعقلون.

واعلم أن الله تعالى جمع هذه الدلائل في سورة البقرة فقال: ﴿ إن في خلق السموات والأَرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون  ﴾ فذكر الله تعالى هذه الأقسام الثمانية من الدلائل والتفاوت بين الموضعين من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض ﴾ وقال هاهنا: ﴿ إِنَّ فِي السموات ﴾ والصحيح عند أصحابنا أن الخلق عين المخلوق، وقد ذكر لفظ الخلق في سورة البقرة ولم يذكره في هذه السورة تنبيهاً على أنه لا يتفاوت بين أن يقال السموات وبين أن يقال خلق السموات فيكون هذا دليلاً على أن الخلق عين المخلوق الثاني: أنه ذكر هناك ثمانية أنواع من الدلائل وذكر هاهنا ستة أنواع وأهمل منها الفلك والسحاب، والسبب أن مدار حركة الفلك والسحاب على الرياح المختلفة فذكر الرياح الذي هو كالسبب يغني عن ذكرهما والتفاوت الثالث: أنه جمع الكل وذكر لها مقطعاً واحداً وهاهنا رتبها على ثلاثة مقاطع والغرض التنبيه على أنه لابد من إفراد كل واحد منها بنظر تام شاف الرابع: أنه تعالى ذكر في هذا الموضوع ثلاثة مقاطع أولها: يؤمنون.

وثانيها: يوقنون.

وثالثها: يعقلون، وأظن أن سبب هذا الترتيب أنه قيل إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين بل أنتم من طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، واعلم أن كثيراً من الفقهاء يقولون إنه ليس في القرآن العلوم التي يبحث عنها المتكلمون، بل ليس فيه إلا ما يتعلق بالأحكام والفقه، وذلك غفلة عظيمة لأنه ليس في القرآن سورة طويلة منفردة بذكر الأحكام وفيه سور كثيرة خصوصاً المكيات ليس فيها إلا ذكر دلائل التوحيد والنبوّة والبعث والقيامة وكل ذلك من علوم الأصوليين، ومن تأمل علم أنه ليس في يد علماء الأصول إلا تفصيل ما اشتمل القرآن عليه على سبيل الإجمال.

ثم قال تعالى: ﴿ تِلْكَ آيات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق ﴾ والمراد من قوله: ﴿ بالحق ﴾ هو أن صحتها معلومة بالدلائل العقلية وذلك لأن العلم بأنها حقة صحيحة إما أن يكون مستفاداً من النقل أو العقل والأول باطل لأن صحة الدلائل النقلية موقوفة على سبق العلم بإثبات الإله العالم القادر الحكيم وبإثبات النبوّة وكيفية دلالة المعجزات على صحتها، فلو أثبتنا هذه الأصول بالدلائل النقلية لزم الدور وهو باطل، ولما بطل هذا ثبت أن العلم بحقيقة هذه الدلائل لا يمكن تحصيله إلا بمحض العقل، وإذا كان كذلك كان قوله: ﴿ تِلْكَ ءايات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق ﴾ ومن أعظم الدلائل على الترغيب في علم الأصول وتقرير المباحث العقلية.

ثم قال تعالى: ﴿ فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ﴾ يعني أن من ينتفع بهذه الآيات فلا شيء بعده يجوز أن ينتفع به، وأبطل بهذا قول من يزعم أن التقليد كاف وبين أنه يجب على المكلف التأمل في دلائل دين الله، وقوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ قرئ بالياء والتاء، واختار أبو عبيدة الياء لأن قبله غيبة وهو قوله: ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ و ﴿ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ فإن قيل إن في أول الكلام خطاباً وهو قوله: ﴿ وَفِى خَلْقِكُمْ ﴾ قلنا الغيبة التي ذكرنا أقرب إلى الحرف المختلف فيه والأقرب أولى، ووجه قول من قرأ على الخطاب أن قل فيه مقدر أي قل لهم فبأي حديث بعد ذلك تؤمنون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حم ﴾ إن جعلتها اسماً مبتدأ مخبراً عنه ب ﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ لم يكن بدّمن حذف مضاف، تقديره: تنزيل حم تنزيل الكتاب.

و ﴿ مِنَ الله ﴾ صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديداً للحروف كان (تنزيل الكتاب) مبتدأ، والظرف خبراً ﴿ إِنَّ فىلسماوات والارض ﴾ يجوزأن يكون على ظاهره، وأن يكون المعنى؛ إنّ في خلق السموات لقوله: ﴿ وَفِى خَلْقِكُمْ ﴾ فإن قلت: علام عطف ﴿ وَمَا يَبُثُّ ﴾ أعلى الخلق المضاف؟

أم على الضمير المضاف إليه؟

قلت: بل على المضاف، لأنّ المضاف إليه ضمير متصل مجرور يقبح العطف عليه، استقبحوا أن يقال: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو، وكذلك إن أكدوه كرهوا أن يقولوا: مررت بك أنت وزيد.

قرئ ﴿ آيات لقوم يوقنون ﴾ بالنصب والرفع، على قولك: إنّ زيداً في الدار وعمراً في السوق.

أو عمرو في السوق.

وأمّا قوله: (آيات لقوم يعقلون) فمن العطف على عاملين، سواء نصبت أو رفعت، فالعاملان إذا نصبت هما: إن، وفي، أقيمت الواو مقامهما، فعملت الجر في (واختلاف الليل والنهار)، والنصب في ﴿ ءايات ﴾ .

وإذا رفعت فالعاملان: الابتداء وفي عملت الرفع في ﴿ لأيات ﴾ ، والجر في ﴿ واختلاف ﴾ وقرأ ابن مسعود ﴿ وفي اختلاف الليل والنهار ﴾ فإن قلت: العطف على عاملين على مذهب الأخفش سديد لا مقال فيه.

وقد أباه سيبويه، فما وجه تخريج الآية عنده؟

قلت: فيه وجهان عنده.

أحدهما: أن يكون على إضمار في.

والذي حسنه تقدّم ذكره في الآيتين قبلها.

ويعضده قراءة ابن مسعود.

والثاني: أن ينتصب آيات على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفاً على ما قبله أو على التكرير، ورفعها بإضمار هي: وقرئ: ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾ بالرفع.

وقرئ ﴿ آية ﴾ وكذلك وما يبث من دابة آية.

وقرئ ﴿ وتصريف الريح ﴾ والمعنى: إنّ المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح، علموا أنها مصنوعة، وأنه لابد لها من صانع، فآمنوا بالله وأقرّوا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال وهيئة إلى هيئة، وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان: ازدادوا إيماناً، وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس؛ فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدّد في كل وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بها بعد موتها.

﴿ وَتَصْرِيفِ الرياح ﴾ جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً: عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم، وسُمّيَ المطر رزقاً؛ لأنه سبب الرزق ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى الآيات المتقدّمة، أي: تلك الآيات آيات الله.

و ﴿ نَتْلُوهَا ﴾ في محل الحال، أي: متلوة ﴿ عَلَيْكَ بالحق ﴾ والعامل ما دل عليه تلك من معنى الإشارة.

ونحوه: ﴿ هذا بعلي شيخاً ﴾ [هود: 72] وقرئ ﴿ يتلوها ﴾ بالياء ﴿ بَعْدَ الله وءاياته ﴾ أي بعد آيات الله كقولهم: أعجبني زيد وكرمه، يريدون: أعجبني كرم زيد.

ويجوز أن يراد: بعد حديث الله، وهو كتابه وقرآنه، كقوله تعالى؛ ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ [الزمر: 23] .

وقرئ ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ بالتاء والياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ ﴾ مِن مَطَرٍ وسَمّاهُ رِزْقًا لِأنَّهُ سَبَبُهُ.

﴿ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ يُبْسِها.

﴿ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ ﴾ بِاخْتِلافِ جِهاتِها وأحْوالِها، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «وَتَصْرِيفُ الرِّيحِ».

﴿ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ فِيهِ القِراءَتانِ ويَلْزَمُهُما العَطْفُ عَلى عامِلَيْنِ في والِابْتِداءِ، أوْ إنَّ إلّا أنْ يُضْمِرَ في أوْ يَنْصِبَ آياتٍ عَلى الِاخْتِصاصِ أوْ يَرْفَعَ بِإضْمارِ هِيَ، ولَعَلَّ اخْتِلافَ الفَواصِلِ الثَّلاثِ لِاخْتِلافِ الآياتِ في الدِّقَّةِ والظُّهُورِ.

﴿ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ ﴾ أيْ تِلْكَ الآياتُ دَلائِلُهُ ﴿ نَتْلُوها عَلَيْكَ ﴾ حالٌ عامِلُها مَعْنى الإشارَةِ.

﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُلْتَبِسِينَ بِهِ أوْ مُلْتَبِسَةً بِهِ.

﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ بَعْدَ آياتِ اللَّهِ، وتَقْدِيمُ اسْمِ اللَّهِ لِلْمُبالَغَةِ والتَّعْظِيمِ كَما في قَوْلِكَ: أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ أوْ بَعْدَ حَدِيثِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ وآياتُهُ دَلائِلُهُ المَتْلُوَّةُ أوِ القُرْآنُ، والعَطْفُ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ.

وقَرَأ الحِجازِيّانِ وحَفْصٌ وأبُو عَمْرٍو ورَوْحٌ يُؤْمِنُونَ بِالياءِ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{تِلْكَ} إشارة إلى الآيات المتقدمة أي تلك الآيات {آيات الله} وقوله {نَتْلُوهَا} في محل الحال أي متلوة {عليك بالحق} والعامل مادل عليه تلك من معنى الاشاة {فبأي حديث بعد الله وآياته} أي بعد آيات الله كقولهم أعجبني زيد وكرمه يريدون أعجبني كرم زيد {يُؤْمِنُونَ} حجازي وابو عمرو وسهل وحفص بالتاء غيرهم على تقدير قل يا محمد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَتْلُوها عَلَيْكَ ﴾ حالٌ عامِلُها مَعْنى اَلْإشارَةِ نَحْوُ ﴿ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ عَلى اَلْمَشْهُورِ، وقِيلَ: هو اَلْخَبَرُ و”آياتُ اَللَّهِ“ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِالحَقِّ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ نَتْلُوها ﴾ أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ نَتْلُوها مُحِقِّينَ أوْ مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ اَلْغائِيَّةِ، والمُرادُ بِالآياتِ اَلْمُشارِ إلَيْها إمّا آياتُ اَلْقُرْآنِ أوِ اَلسُّورَةُ أوْ ما ذُكِرَ قَبْلُ مِنَ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ وغَيْرِهِما فَتِلاوَتُها بِتِلاوَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْها، وفُسِّرَتْ بِالسَّرْدِ أيْ نَسْرُدُها عَلَيْكَ.

وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: اَلْكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ نَتْلُو شَأْنَها وشَأْنَ اَلْعِبْرَةِ بِها.

وقُرِئَ (يَتْلُوها) بِالياءِ عَلى أنَّ اَلْفاعِلَ ضَمِيرُهُ تَعالى والمُرادُ عَلى اَلْقِراءَتَيْنِ تِلاوَتُها عَلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِواسِطَةِ اَلْمَلَكِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ هو مِن بابِ قَوْلِهِمْ: أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرْمُهُ يُرِيدُونَ أعْجَبَنِي كَرَمُ زَيْدٍ إلّا أنَّهم عَدَلُوا عَنْهُ لِلْمُبالَغَةِ في اَلْإعْجابِ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ هَذِهِ اَلْآياتِ اَلْمَتْلُوَّةِ بِالحَقِّ يُؤْمِنُونَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا بَيانَ أزْيَدُ مِن هَذا اَلْبَيانِ ولا آيَةَ أدُلُّ مِن هَذِهِ اَلْآيَةِ، وتَفْخِيمُ شَأْنِ اَلْآياتِ مِنَ اِسْمِ اَلْإشارَةِ وإضافَتِها إلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وجَعْلِ ﴿ نَتْلُوها ﴾ حالًا مَعَ ضَمِيرِ اَلتَّعْظِيمِ ثُمَّ تَكْرِيرِ اَلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ لِلنُّكْتَةِ اَلْمَذْكُورَةِ وإضافَتِها إلَيْهِ بِواسِطَةِ اَلضَّمِيرِ مَرَّةً أُخْرى، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ فِيهِ مِن حَيْثُ اَلْمَعْنى إقْحامُ اَلْأسْماءِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ والعَطْفُ، والمُرادُ غَيْرُ اَلْعَطْفِ مِن إخْراجِهِ إلى بابِ اَلْبَدَلِ لِأنَّ تَقْدِيرَ كَرَمِ زَيْدٍ إنَّما يَكُونُ في أعْجَبَنِي زَيْدٌ كَرَمُهُ بِغَيْرِ واوٍ عَلى اَلْبَدَلِ وهَذا قَلْبٌ لِحَقائِقِ اَلنَّحْوِ، وإنَّما اَلْمَعْنى في اَلْمِثالِ إنَّ ذاتَ زَيْدٍ أعْجَبَتْهُ وأعْجَبَهُ كَرَمُهُ فَهُما إعْجابانِ لا إعْجابٌ واحِدٌ وهو مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ اَلتَّعَمُّقِ في فَهْمِ كَلامِ جارِ اَللَّهِ.

ومَن تَعَمَّقَ فِيهِ لا يَرى أنَّهُ قائِلٌ بِالإقْحامِ وإنَّما بَيانٌ حاصِلُ اَلْمَعْنى يُوهِمُهُ، وبَيْنَ هَذِهِ اَلطَّرِيقَةِ وطَرِيقَةِ اَلْبَدَلِ مُغايَرَةٌ تامَّةٌ، فَقَدْ ذُكِرَ أنَّ فائِدَةَ هَذِهِ اَلطَّرِيقَةِ وهي طَرِيقَةُ إسْنادِ اَلْفِعْلِ إلى شَيْءٍ والمَقْصُودُ إسْنادُهُ إلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ قُوَّةُ اِخْتِصاصِ اَلْمَعْطُوفِ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ اَلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ صارَ مِنَ اَلتَّلَبُّسِ بِحَيْثُ يَصِحُّ أنْ يُسْنِدَ أوْصافَهُ وأفْعالَهُ وأحْوالَهُ إلى اَلْأوَّلِ قَصْدًا لِأنَّهُ بِمَنزِلَتِهِ ولا كَذَلِكَ اَلْبَدَلُ لِأنَّ اَلْمَقْصُودَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ هو اَلثّانِي فَقَطْ وهُنا هُما مَقْصُودانِ، فَإنْ قُلْتَ: إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اَلْوَصْفُ مَنسُوبًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَزِمَ إقْحامُهُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ، وما يُذْكَرُ مِنَ اَلْمُبالَغَةِ لا يَدْفَعُ اَلْمَحْذُورَ، وعَلى فَرْضِ تَسْلِيمِهِ فَدَلالَتُهُ عَلى ما ذُكِرَ بِأيِّ طَرِيقٍ مِن طُرُقِ اَلدَّلالَةِ اَلْمَشْهُورَةِ.

أُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مَنسُوبٍ إلَيْهِ في اَلْواقِعِ لَكِنْ لَمّا كانَ بَيْنَهُما مُلابَسَةٌ تامَّةٌ مِن جِهَةٍ ما كَكَوْنِ اَلْآياتِ هَهُنا بِإذْنِهِ تَعالى أوْ مُرْضِيَةً لَهُ عَزَّ وجَلَّ جُعِلَ كَأنَّهُ اَلْمَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ وكُنِّيَ بِها عَنْ ذَلِكَ اَلِاخْتِصاصِ كِنايَةً إيمائِيَّةً ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ اَلْمَنسُوبُ إلَيْهِ وجُعِلَ تابِعًا فِيها وبِهَذا غايَرَ اَلْبَدَلَ مُغايِرَةً تامَّةً غَفَلَ عَنْها اَلْمُعْتَرِضُ فالنِّسْبَةِ بِتَمامِها مَجازِيَّةٌ كَذا قَرَّرَهُ بَعْضُ اَلْمُحَقِّقِينَ.

وقالَ اَلْواحِدِيُّ: أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ حَدِيثِ اَللَّهِ أيِ اَلْقُرْآنِ وقَدْ جاءَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ وحَسُنَ اَلْإضْمارُ لِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ اَلْحَدِيثِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وآياتِهِ ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ لِتَغايُرِهِما إجْمالًا وتَفْصِيلًا لِأنَّ اَلْآياتِ هي ذَلِكَ اَلْحَدِيثُ مَلْحُوظُ اَلْأجْزاءِ، وإنْ أُرِيدَ ما بَيَّنَ فِيهِ مِنَ اَلْآياتِ والدَّلائِلِ فَلَيْسَ مِن عَطْفِ اَلْخاصِّ عَلى اَلْعامِّ لِأنَّ اَلْآياتِ لَيْسَتْ مِنَ اَلْقُرْآنِ وإنَّما وجْهُ دَلالَتِها وإيرادِها مِنهُ فَيَكُونُ في هَذا اَلْوَجْهِ اَلدَّلالَةُ أيْضًا عَلى حالِ اَلْبَيانِ والمُبَيَّنِ كَما في اَلْوَجْهِ اَلْأوَّلِ، وقالَ اَلضَّحّاكُ: أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ تَوْحِيدِ اَللَّهِ ولا يَخْفى أنَّهُ بِظاهِرِهِ مِمّا لا مَعْنى لَهُ فَلَعَلَّهُ أرادَ بَعْدَ حَدِيثِ تَوْحِيدِهِ تَعالى أيِ اَلْحَدِيثِ اَلْمُتَضَمِّنِ ذَلِكَ أوْ هو بَعْدَ تَقْدِيرِ اَلْمُضافِ مِن بابِ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرْمُهُ، وأيًّا ما كانَ فالفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ والظَّرْفُ صِفَةُ (حَدِيثٍ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيُؤْمِنُونَ قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ.

وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ.

وأبُو بَكْرٍ.

وحَمْزَةُ.

والكِسائِيُّ (تُؤْمِنُونَ) بِالتّاءِ اَلْفَوْقانِيَّةِ وهو مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وفِي خَلْقِكُمْ ﴾ بِحَسَبِ اَلظّاهِرِ والصُّورَةِ وإلّا فالمُرادُ هُنا اَلْكَفّارُ بِخِلافِ ذَلِكَ.

وقَرَأ طَلْحَةُ (تُوقِنُونَ) بِالتّاءِ اَلْفَوْقانِيَّةِ والقافِ مِنَ اَلْإيقانِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثلاثون وسبع آية مكية قوله تبارك وتعالى: حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ يعني: هذا الكتاب تنزيل مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وقد ذكرناه إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ يعني: لعبرات للمؤمنين في خلقهن.

ويقال: معناه أن ما في السموات من الشمس، والقمر، والنجوم، وفي الأرض من الجبال، والأشجار، والأنهار وغيرها من العجائب، لعبرات ودلائل، واضحات للمؤمنين.

يعني: للمقرين المصدقين ويقال لِلْمُؤْمِنِينَ يعني: لمن أراد أن يؤمن، ويتقي الشرك.

قوله عز وجل: وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ يعني: وفيما خلق من الدواب آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ يعني: عبرات ودلائل لمن كان له يقين.

قرأ حمزة والكسائي آيَاتٍ بالكسر، والباقون بالضم.

وكذلك الاختلاف في الذي بعده، فمن قرأ بالكسر، فإن المعنى: إن في خلقكم آيات لقوم يوقنون، فهو في موضع النصب إلاَّ أن هذه التاء تصير خفضاً في موضع النصب وإنما أضمر فيه إنَّ لأَنَّ قوله: إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ في موضع النصب، فكذلك في الثاني معناه: إن في خلقكم آيات.

ومن قرأ بالضم، فهو على الاستئناف على معنى، وفي خلقكم آيات.

وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يعني: في اختلاف الليل والنهار، في سَوادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ يعني: في اختلاف ألوانهما، وذهاب الليل ومجيء النهار وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ وهو المطر فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يعني: بعد يبسها وقحطها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ مرة رحمة، ومرة عذاباً.

ويقال: مرة جنوباً ومرة شمالاً.

ثم قال: آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ يعني: هذه دلائل الله، وعلامة وحدانيته نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ يعني: يقرأ عليك جبريل من القرآن بأمر الله فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ قال مقاتل: إن لم تؤمنوا بهذا القرآن، فبأي حديث بعد توحيد الله وبعد القرآن تؤمنون.

يعني: تصدقون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قُوَّةُ تهديدٍ، والأَفَّاكُ: الكَذَّابُ الذي يقَعُ منه الإفْكُ مِرَاراً، والأَثِيمُ: بناءُ مُبَالَغَةٍ، اسمُ فاعلٍ من أَثِمَ يأْثَمُ، ورُوِيَ أَنَّ سبب الآية أبو جَهْلٍ، وقيل: النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، والصواب أَنَّها عامَّةٌ فيهما وفي غيرهما، وأَنَّها تَعُمُّ كُلَّ مَنْ دخل تحت الأوصافِ المذكورة إلى يوم القيامة ويُصِرُّ معناه: يَثْبُتُ على عقيدته من الكُفْرِ.

وقوله: فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي: مؤلم.

وقوله تعالى: وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً أي: أُخْبِرَ بشيْءٍ من آياتنا، فعلم نَفْسَ الخبر لا المعنى الذي تضمَّنه الخَبَرُ، ولو عَلِمَ المعانِيَ الَّتِي تَضَمَّنَها أخبارُ الشَّرْعِ، وَعَرَفَ حقائِقَهَا- لكان مؤمناً.

ت: وفي هذا نظر لأَنَّه ينحو إلى القَوْلِ بأَنَّ الكفر لا يُتَصَوَّرُ عناداً مَحْضاً، وقد تَقَدَّمَ اختيارُهُ- رحمه اللَّه- لذلك في غير هذا المَحَلِّ، فَقِفْ عليه، وخَشْيَةُ الإطالة منَعَتْنِي مِنْ تَكْرَارِهِ هنا.

هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)

وقوله سبحانه: هذا هُدىً إشارة إلى القرآن.

وقوله: لَهُمْ عَذابٌ بمنزلة قولك: لهم حَظٌّ، فَمِنْ هذه الجهةِ/ ومِنْ جِهَةِ تَغَايُرِ اللفظَيْنِ حَسُنَ قوله: عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ، إذ الرِّجْزُ هو العذابُ.

وقوله: لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ أَقَامَ القُدْرَةَ والإذْنَ مُنَابَ أَنْ يَأْمُرَ البَحْرَ والنَّاسَ بذلك، وقرأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ «١» : «جَمِيعاً مِنْه» بضم التاء، وقرأ أيضاً: «جَمِيعاً مَنُّهُ» [بفتح الميم وشد النون والهاء] «٢» وقرأ ابن عبّاس: «منّة» بالنصب على المصدر «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الجاثِيَةِ وَتُسَمّى سُورَةَ الشَّرِيعَةِ رَوى العَوْفِيُّ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، [وَعِكْرِمَةَ]، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ كُلُّها.

وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حم ﴾ .

﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ [المُؤْمِنِ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي خَلْقِكُمْ ﴾ أيْ: مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ إلى أنْ يَتَكامَلَ خَلْقُ الإنْسانِ ﴿ وَما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ ﴾ أيْ: وما يُفَرِّقُ في الأرْضِ مِن جَمِيعِ ما خَلَقَ عَلى اخْتِلافِ ذَلِكَ في الخَلْقِ والصُّوَرِ ﴿ آياتُ ﴾ تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آياتٌ" رَفْعًا "وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ" رَفْعًا أيْضًا.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالكَسْرِ فِيهِما.

والرِّزْقُ هاهُنا بِمَعْنى المَطَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ ﴾ أيْ: هَذِهِ حُجَجُ اللَّهِ ﴿ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: بَعْدَ حَدِيثِهِ ﴿ وَآياتِهِ ﴾ يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْناها في [الشُّعَراءِ: ٢٢٢]، والآيَةُ الَّتِي تَلِيها مُفَسَّرَةٌ في [لُقْمانَ: ٧] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: إذا سَمِعَ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإذا عُلِّمَ" بِرَفْعِ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ وتَشْدِيدِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّخَذَها هُزُوًا ﴾ أيْ: سَخِرَ مِنها، وذَلِكَ كَفِعْلِ أبِي جَهْلٍ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ  ﴾ فَدَعا بِتَمْرٍ وزُبْدٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا فَما يَعِدُكم مُحَمَّدٌ إلّا هَذا.

وإنَّما قالَ: " أُولَئِكَ " لِأنَّهُ رَدَّ الكَلامَ إلى مَعْنى "كُلٍّ" .

﴿ مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في [إبْراهِيمَ: ١٦] ﴿ وَلا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ﴾ مِنَ الأمْوالِ، ولا ما عَبَدُوا مِنَ الآلِهَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا هُدًى ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِهِ، ﴿ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "ألِيمٌ" بِالرَّفْعِ عَلى نَعْتِ العَذابِ.

وقَرَأ الباقُونَ: بِالكَسْرِ عَلى نَعْتِ الرِّجْزِ.

والرِّجْزُ بِمَعْنى العَذابِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [الأعْرافِ: ١٣٤] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَمِيعًا مِنهُ ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّسْخِيرُ مِنهُ لا مِن غَيْرِهِ، فَهو مِن فَضْلِهِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ: "جَمِيعًا مِنَّةً" بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِها وتاءٍ مَنصُوبَةٍ مُنَوَّنَةٍ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "مَنُّهُ" بِفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ النُّونِ والهاءِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ ﴿ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ وما أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِنَ رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، و"تَنْزِيلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، و"العَزِيزِ": مَعْناهُ: عامُّ في شِدَّةِ أخْذِهِ إذا انْتَقَمَ، ودِفاعِهِ إذا حَمِيَ ونَصَرَ، وغَيْرُ ذَلِكَ، و ﴿ "الحَكِيمِ": ﴾ المُحْكِمِ لِلْأشْياءِ، وذَكَرَ تَعالى الآياتِ الَّتِي في السَماواتِ والأرْضِ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَكَأنَّها إحالَةٌ عَلى غَوامِضَ تُثِيرُها الفِكْرُ، ويُخْبِرُ بِكَثِيرٍ مِنها الشَرْعُ، فَلِذَلِكَ جَعَلَها لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ في ضِمْنِ الإيمانِ العَقْلُ والتَصْدِيقُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى خَلْقَ البَشَرِ والحَيَوانِ وكَأنَّهُ أغْمَضَ مِمّا أحالَ عَلَيْهِ أوَّلًا وأكْثَرَ تَلْخِيصًا، فَجَعَلَهُ لِلْمُوقِنِينَ الَّذِينَ لَهم نَظَرٌ يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ في مُعْتَقَداتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلافَ اللَيْلِ والنَهارِ والعِبْرَةَ بِالمَطَرِ والرِياحِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، إذْ كَلُّ عاقِلٍ يَحْصُلُ هَذِهِ ويَفْهَمُ قَدْرَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ كانَ هَذا النَظَرُ لَيْسَ بِلازِمٍ ولابُدَّ، فَإنَّ اللَفْظَ يُعْطِيهِ.

و ﴿ "يَبُثُّ" ﴾ مَعْناهُ: يُنْشَرُ في الأرْضِ، والدابَّةُ: كُلُّ حَيَوانٍ يَدُبُّ، أو يُمْكِنُ فِيهِ أنْ يَدُبَّ، يَدْخُلُ في ذَلِكَ الطَيْرُ والحُوتُ، وشاهِدُ الطَيْرِ قَوْلُ الشاعِرِ: .......................

∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ وقَوْلُ الآخَرِ: ........................

∗∗∗ ∗∗∗ دَبِيبُ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلٍ وشاهِدُ الحُوتِ قَوْلُ أبِي مُوسى: "وَقَدْ ألْقى البَحْرُ دابَّةً مِثْلَ الظَرَبِ"، ودَوابُّ البَحْرِ لَفْظٌ مَشْهُورٌ في اللُغَةِ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "آياتٍ" بِالنَصْبِ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ.

وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: ﴿ "آياتٌ" ﴾ بِالرَفْعِ فِيهِما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنَصْبِ فَحَمَلَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ عَلى نَصْبِ "إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ ﴾ ، ولا يَعْرِضُ في ذَلِكَ العَطْفَ عَلى عامَلَيْنِ الَّذِي لا يُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ وكَثِيرٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ، لِأنّا نُقَدِّرُ "فِي" مُعادَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ ﴾ ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَفِي اخْتِلافِ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ -عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ-: "وَفِي اخْتِلافِ اللَيْلِ"، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَها قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَفِي خَلْقِكُمْ" ﴾ فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الجارِّ، جازَ حَذْفُهُ مِنَ الثانِي، ويُقَدَّرُ مُثْبَتًا، كَما قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِ الشاعِرِ: أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ∗∗∗ ∗∗∗ ونارٌ تُوقَدُ بِاللَيْلِ نارًا؟

أيْ: وكُلُّ نارٍ، وكَما قالَ الآخَرُ: أوصَيْتُ مِن بَرَّةٍ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةَ شَرًّا أيْ: وبِالحَمْأةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الِاعْتِراضُ كُلُّهُ إنَّما هو في "آياتٌ" الثانِي، لِأنَّ الأوَّلَ قَبْلَهُ حَرْفُ الجَرِّ ظاهِرٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الثَلاثَةِ المَواضِعَ: "لَآياتٍ".

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ مَحْمُولٌ عَلى "إنَّ" في قِراءَةِ مَن أسْقَطَ اللاماتِ في الِاثْنَيْنِ الآخِيرَتَيْنِ.

وأمّا مَن رَفَعَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ، فَوَجْهُهُ العَطْفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ" وما عَمِلَتْ فِيهِ، لِأنَّ مَوْضِعَها رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ ﴾ مُسْتَأْنَفًا، ويَكُونُ الكَلامُ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ فَلا تَكُونُ غَرِيبَةً عَلى هَذا.

و"اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ" إمّا بِالنُورِ والظَلامِ، وإمّا بِكَوْنِهِما خِلْفَةً، و"الرِزْقُ المُنَزَّلُ مِنَ السَماءِ": هو المَطَرُ، سَمّاهُ رِزْقًا بِمَآلِهِ، لِأنَّ جَمِيعَ ما يَرْتَزِقُ فَعَنِ المَطَرِ هُوَ، و"تَصْرِيفِ الرِياحِ": هو بِكَوْنِها صَبًّا ودَبُورًا وجَنُوبًا وشَمالًا، وأيْضًا فَبِكَوْنِها مَرَّةً رَحْمَةً ومَرَّةً عَذابًا، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا بِلِينِها وشِدَّتِها وحَرِّها وبَرْدِها، وقَرَأ طَلْحَةُ وعِيسى: "وَتَصْرِيفِ الرِيحِ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا ما كانَ فِيهِ مُبَشِّراتٌ، وخالَفَ عِيسى في الحِجْرِ فَقَرَأ: "الرِياحَ لَواقِحَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ آياتُ اللهِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "نَتْلُوها" ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: نَتْلُو شَأْنَها وتَفْسِيرَها وشَرْحَ العِبْرَةِ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آياتِ اللهِ": القُرْآنُ المُنَزَّلُ في هَذِهِ المَعانِي، فَلا يَكُونُ في "نَتْلُوها" حَذْفُ مُضافٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "بِالحَقِّ" ﴾ مَعْناهُ: بِالصِدْقِ والإعْلامِ بِحَقائِقِ الأُمُورِ في أنْفُسِها.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ، وفِيهِ قُوَّةُ التَهْدِيدِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وَقَتادَةُ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ أيْضًا، والأعْمَشُ: "تُؤْمِنُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الكُفّارِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "تُوقِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مِنَ اليَقِينِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن تكون الإشارة وبيانها بآيات الله إشارة إلى الآيات المذكورة في قوله ﴿ لآيات للمؤمنين ﴾ [الجاثية: 3] وقوله: ﴿ آيات لقوم يوقنون ﴾ [الجاثية: 4] وقوله: ﴿ آيات لقوم يعقلون ﴾ [الجاثية: 5].

وإضافتها إلى اسم الجلالة لأن خالقها على تلك الصفات التي كانت لها آيات للمستنصرين.

وجملة ﴿ نتلوها عليك بالحق ﴾ في موضع الحال من ﴿ آيات الله ﴾ والعامل في اسم الإشارة من معنى الفعل على نحو قوله تعالى: ﴿ وهذا بَعْلِي شيخاً ﴾ [هود: 72].

والتلاوة: القراءة.

ومعنى كون الآيات مَتلوة أنّ في ألفاظ القرآن المتلوة دلالة عليها فاستعمال فعل (نتلو) مجاز عقلي لأن المتلوَ ما يدل عليها.

ويجوز أن تكون الإشارة إلى حاضر في الذهن غير مذكور لما دَل عليه قوله: ﴿ الكتاب ﴾ [الجاثية: 2] أي تلك آيات الله المنزلة في القرآن، فيكون استعمال فعل ﴿ نتلوها ﴾ في حقيقته.

وإسناد التلاوةِ إلى الله مجاز عقلي أيضاً لأن الله موجد القرآن المتلو الدال على تلك الآيات.

وقوله: ﴿ فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ﴾ ، و ﴿ بعد ﴾ هنا بمعنى (دون).

فالمعنى: فبأي حديث دون الله وآياته، وتقدم قوله تعالى: ﴿ ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده ﴾ في سورة الشورى (44)، وفي الأعراف (185) ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ والاستفهام في قوله: ﴿ فبأي حديث ﴾ مستعمل في التأييس والتعجيب كقول الأعشى: فمن أيِّ ما تأتي الحوادث أفرَقُ *** وإضافة ﴿ بعد ﴾ إلى اسم الجلالة على تقدير مضاف دل عليه ما تقدم من قوله: ﴿ فبأي حديث ﴾ ، والتقدير: بعد حديث الله، أي بعد سماعه، كقول النابِغة: وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي *** على وعل في ذي المطارة عاقل أي على مخافة وعل.

واسم ﴿ بعد ﴾ مستعمل في حقيقته.

والمراد بالحديث: الكلام، يعني القرآن كقوله: ﴿ الله نَزَّل أحسن الحديث ﴾ [الزمر: 23] وكما وقع إضافة حديث إلى ضمير القرآن في قوله في الأعراف (185) ﴿ فبأيّ حديث بعده يؤمنون ﴾ وفي آخر المرسلات (50) ﴿ فبأيّ حديث بعده يؤمنون ﴾ وعطف و ﴿ آياته ﴾ على ﴿ حديث ﴾ لأن المراد بها الآيات غير القرآن من دلائل السموات والأرض مما تقدم في قوله: ﴿ إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين ﴾ [الجاثية: 3].

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وأبو جعفر وروح عن يعقوب ﴿ يؤمنون ﴾ بالتحتية.

وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ورويس عن يعقوب بالتاء الفوقية فهو التفات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الأفّاكَ: الكَذّابُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّهُ المُكَذِّبُ بِرَبِّهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الكاهِنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُها: يُقِيمُ عَلى شِرْكِهِ مُسْتَكْبِرًا عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّ الإصْرارَ عَلى الشَّيْءِ العَقْدُ بِالعَزْمِ عَلَيْهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن صَرَّ الصُّرَّةَ إذا شَدَّها، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها ﴾ في عَدَمِ الِاتِّعاظِ بِها والقَبُولِ لَها.

﴿ فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أنزل الله من السماء من رزق ﴾ قال: المطر.

وفي قوله: ﴿ وتصريف الرياح ﴾ إذا شاء جعلها رحمة وإذا شاء جعلها عذاباً.

وفي قوله: ﴿ لكل أفاك أثيم ﴾ قال: كذاب.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لكل أفاك أثيم ﴾ قال: المغيرة بن مخزوم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ﴾ قال ابن عباس: يريد هذا الذي قصصنا عليك من آيات الله بها (١) ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ ﴾ قال أبو إسحاق: بعد كتاب [ (٢) ﴿ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ قرئ بالياء والتاء، واختار أبو عبيد: الياء لأن قبله غيبة، وهو قوله: ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ و ﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ وهذا خبر عنهم.

فإن قيل: إن في أول الكلام خطابًا وهو قوله: (وفي خلقكم) قيل: الغيبة التي ذكرنا أقرب إلى الحرف المختلف فيه، والأقرب إليه أولى أن يحمل عليه، واحتج أيضًا بأن قال في أول الآية خطاب للنبي -  - ولا يكون في خطابه قوله تعالى: ﴿ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ (٣) (٤) قال المبرد: والتأويل في جميع هذا إنما هو الإبلاغ، فيجوز أن يستغنى عن أن يقال (قل) مع أن القول كثيرًا ما يضمر كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ﴾ (٥) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 835.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 432، وهي كذا في الأصل وفي "معاني الزجاج" بلفظ (بعد كتاب الله).

(٣) انظر: اختيار أبي عبيد في "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 141.

(٤) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 173، و"السبعة" لابن مجاهد ص 594، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 659.

(٥) انظر: "الكامل" للمبرد 1/ 378.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَنزِيلُ ﴾ ذكر في الزمر، وما بعد ذلك تنبيه على الاعتبار بالموجودات، وقد ذكر معناه في مواضع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وفي خلقكم ﴾ مدغماً: عباس.

﴿ آيات ﴾ بالنصب في الموضعين: حمزة وعلي ويعقوب ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ يؤمنون ﴾ على الغيبة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ أليم ﴾ مذكور في "سبأ" ﴿ لنجزي ﴾ بالنون: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف ﴿ ليجزي ﴾ بالياء مبنياً للمفعول ﴿ قوم ﴾ بالرفع: يزيد.

الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ قوماً ﴾ سواء بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص وروح وزيد ﴿ غشوة ﴾ بفتح الغين وسكون الشين من غير ألف: حمزة وعلي وخلف 3 ﴿ كل أمة تدعي ﴾ بالنصب على الإبدال من الأول: يعقوب ﴿ الساعة ﴾ بالنصب: حمزة ﴿ لا يخرجون ﴾ من الخروج حمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط ومن نصب، ﴿ آيات ﴾ لم يقف لأنها عطف المفردين على المفردين وهما الخبر واسم أن المفردين ﴿ يوقنون ﴾ ه لا للعطف على ﴿ عاملين ﴾ كما يجيء ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ يسمعها ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ط لأنه لو وصل اشتبه بأنها وصف ﴿ عذاب جهنم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ أولياء ﴾ ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع العاطف ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ منه ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ج ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ فعليها ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد القصة ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ من الأمر ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج ﴿ بعض ﴾ ج للتمييز بين الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ قف ومن نصب ﴿ سواء ﴾ لم يقف.

﴿ ومماتهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ غشاوة ﴾ ط ﴿ من بعد الله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ الدهر ﴾ ج لاحتمال الواو الحال ﴿ من علم ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ يظنون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ جاثية ﴾ قف لمن قرأ ﴿ كل ﴾ بالرفع ﴿ كتابها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ ما الساعة ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بقول الكفار ﴿ بمستيقنين ﴾ ه ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للعدول عن الخطاب إلى الغيبة ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: إعراب أول السورة وتفسيرها كإعراب أول "المؤمن" وتفسيره وقوله ﴿ إن في السموات ﴾ إما أن يكون على ظاهره وآياتها الشمس والقمر والنجوم وحركاتها وأوضاعها وكذا العناصر والمواليد التي في الأرض مما يعجز الحاصر عن إدراك أعدادها، وإما أن يراد إن في خلق السموات والأرض فالآيات تشمل ما عددنا مع زيادة هيئتهما وما يتعلق بتشخيصهما.

استدل الأخفش بالآية الثالثة على جواز العطف على عاملين.

مختلفين وهما في قراءة النصب "أن" وفي أقيمت الواو مقامها فعملت الجر في اختلاف الليل، والنصب في آيات وهما في قراءة الرفع الابتداء وفي.

وخرج لسيبويه في جوابه وجهان: أحدهما أن قوله ﴿ آيات ﴾ تكرار محض للتأكيد فقط من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إن في الدار زيداً وفي الحجرة زيداً والمسجد زيداً، وأنت تريد أن في الدار زيداً والحجرة والمسجد.

والثاني إضمار في لدلالة الأول عليه، ويحتمل أن ينتصب ﴿ آيات ﴾ على الاختصاص.

ويرتفع بإضمار هي.

وتفسير هذه الآيات قد مر في نظائرها مراراً ولا سيما في أواسط "البقرة" ومما يختص بالمقام أنه خص المؤمنين بالذكر أولاً ثم قال ﴿ لقوم يوقنون ﴾ ثم ﴿ يعقلون ﴾ فما سبب هذا الترتيب؟

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : أراد إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإلا فإن كنتم طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، وقال جار الله: معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح علموا أنها لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال.

وفي خلق ما بث من الدواب على ظهر الأرض، ازدادوا إيماناً وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس، وإذا نظروا في سائر الحوادث كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار التي هي سبب الأرزاق وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم عقلهم وخلص يقينهم.

وأقول: الدلائل المذكورة في هذه الآيات قسمان: نفسية وخارجية.

فالنفسية أولى بالإيقان لأنه لا شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، والخارجية بعضها فلكية وبعضها آثار علوية.

فالفلكية لبعدها عن الإنسان اكتفى فيها بمجرد التصديق، وأما الآثار العلوية فكانت أولى بالنظر والاستدلال لقربها وللإحساس بها فلا جرم خصت بالتعقل والتدبر، وأما تقديم السموات على الأرض فلشمولها ولتقدمها في الوجود.

﴿ تلك ﴾ مبتدأ والتبعيد للتعظيم والمشار إليها الآيات المتقدمة و ﴿ نتلوها ﴾ في محل الحال.

وقوله ﴿ بعد الله وآياته ﴾ كقولهم: أعجبني زيد وكرمه.

وأصله بعد آيات الله.

والمعنى أن من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه.

وقيل: معناه القرآن آخر كتب الله، ومحمد آخر رسله.

فإن لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبي.

ثم أوعد الناس المبالغين في الإثم وقد مر ما في الآية في سورة لقمان.

قوله ﴿ وإذا علم ﴾ أي شعر وأحس بأنه من جملة القرآن المنزل خاض في الاستهزاء، وإذا وقف على آية لها محل في باب الطعن والقدح افترضه وحمله على الوجه الموجب للطعن كافتراض ابن الزبعري في قوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله  ﴾ وإنما أنّث الضمير في قوله ﴿ اتخذها ﴾ لأن الشيء في معنى الآية أو لأنه أراد أن يتخذ جميع الآيات هزواً ولا يقتصر على الاستهزاء بما بلغه.

قوله ﴿ من ورائهم جهنم ﴾ كل ما توارى عنك فهو وراء تقدم أو تأخر، وقد مر في سورة إبراهيم  ﴿ هذا هدى ﴾ أي هذا القرآن كامل في باب الهداية والإرشاد.

ثم ذكر دليلاً آخر على الوحدانية وهو تسخير البحر لبني آدم وقد سبق وجه الدلالة مراراً.

وقوله ﴿ ولتبتغوا ﴾ أي بسبب التجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان أو باستخراج اللحم الطري.

ثم عمم بعد التخصيص وقوله ﴿ منه ﴾ في موضع الحال أي سخر جميع ما في السموات والأرض كائنة منه، يريد أنه أوجدها بقدرته وحكمته ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه.

عن ابن عباس برواية عطاء أن الصحابة نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر - يقال لها المريسيع - فأرسل عبد الله بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟

قال: غلام عمر قعد على رأس البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قرب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه.

فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله  ﴿ قل للذين آمنوا ﴾ يعني عمر ﴿ يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ لا يتوقعون وقائعه بأعداء الله أو لا يأملون قوة المؤمنين في أيام الله الموعودة لهم، والمراد الصفح والإعراض.

عن عبد الله بن أبي وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله  ﴾ قال اليهودي فنحاص بن عازوراء: احتاج رب محمد فبلغ ذلك عمر فأخذ سيفه فخرج في طلبه، فجاء جبرائيل وأنزل الآية هذه.

وليس المقصود أن لا تقتلوا ولا تقاتلوا حتى يلزم نسخها بآية القتال كما ذهب إليه كثير من المفسرين، ولكن الأولى أن يحمل على ترك المنازعة في المحقرات وفي أفعالهم الموحشة المؤذية، وإنما أنكر ﴿ قوماً ﴾ مع أنه أراد بقوم الذين آمنوا وهم معارف ليدل على مدحهم والثناء عليهم كأنه قيل: لنجزي قوماً كاملين في الصبر والإغضاء على أذى الأعداء ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه، وقيل: القوم هم الكافرون الكاملون في النفاق.

ثم فصل الجزاء وعمم الحكم بقوله ﴿ من عمل صالحاً ﴾ الآية.

ثم بين أن للمتأخرين من الكفار أسوة بالمتقدمين منهم والكتاب التوراة والحكم بيان الشرائع والبينات من الأمر أدلة أمور الدين.

وقال ابن عباس: يريد أنه تبين لهم من أمر النبي  أنه مهاجر من تهامة إلى يثرب.

وقيل: هي المعجزات القاهرة على صحة نبوة موسى ﴿ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه احتمالان: أحدهما علموا ثم عاندوا، والثاني جاءهم أسباب المعرفة التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ولكنهم أظهروا النزاع حسداً.

﴿ ثم جعلناك على شريعة ﴾ أي منهاج وطريقة ﴿ من الأمر ﴾ أمر الدين وقيل: من الأمر الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا.

قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي  وهو بمكة ارجع إلى ملة آبائك وهم كانوا أفضل منك وأسن فزجره الله  عن ذلك بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ إلى آخره أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفعه عنك.

ثم أشار بعد النهي عن اتباع أهوائهم بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ أتباعهم إلى الفرق بين ولاة الظالمين وهم أشكالهم من الظلمة، وبين ولي المتقين وهو الله  .

ومن جملة آثار ولايته وبركة عنايته ﴿ هذا ﴾ القرآن.

وقيل: ما تقدم من اتباع الشريعة وترك طاعة الظالم وجعل القرآن مشاراً إليه أولى لقوله ﴿ بصائر من ربكم ﴾ إلى آخره.

وقد مر في آخر "الأعراف" مثله.

ثم بين الفرق بين الظالمين والمتقين من وجه آخر قائلاً ﴿ أم حسب ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة والآية نظيرة ما سلف في "ص" ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين  ﴾ والاجتراح الاكتساب.

من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فمعناه مستوياً والظاهر بعده فاعله ويكون انتصابه على البدل من ثاني مفعولي ﴿ نجعل ﴾ وهو الكاف.

من قرأ بالرفع بخبر ﴿ ومحياهم ﴾ مبتدأ والجملة بدل أيضاً لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً.

والمعنى إنكار أن يستوي الفريقان حياة وموتاً، لأن المحسنين عاشوا على الطاعة وإنهم عاشوا على المعصية ومات أولئك على البشرى والرحمة، ومات هؤلاء على الضد.

وقيل: معناه إنكار أن يستويا في الممات كما استووا في الحياة من حيث الصحة والرزق، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن.

فالفرق المقتضي لسعادة المؤمن وشقاوة الكافر إنما يظهر بعد الوفاة.

وقيل: إنه كلام مستأنف، والمراد أن كلاً من الفريقين يموت على حسب ما عاش عليه لقوله  : " كما تعيشون تموتون" وحين أفتى بأن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادات استدل على صحة هذه الدعوى بقوله ﴿ وخلق الله ﴾ الآية.

قال جار الله: ﴿ ولتجزى ﴾ معطوف على ﴿ بالحق ﴾ لأنه في معنى التعليل أي للعدل، أو ليدل بها على قدرته وللجزاء.

ويجوز أن يكون المعلل محذوفاً وهو فعلنا ونحوه.

والحاصل أن الغاية من خلق السماء والأرض كان هو الإنسان الكامل فكيف يترك الله جزاءه وجزاء من هو ضده والتميز بينهما بموجب العدالة.

ثم قرر أسباب ضلال المضلين قائلاً ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ أي يتبع ما تدعو إليه نفسه الأمارة وقد مر في الفرقان ﴿ وأضله الله على علم ﴾ بحالة أنه من أهل الخذلان والقهر، أو على علم الضلال في سابق القضاء، أو على علم بوجوه الهداية وإحاطته بالألطاف المحصلة لها.

وقيل: أراد به المعاند لأن ضلاله عن علم ﴿ فمن يهديه من بعد ﴾ إضلال ﴿ الله ﴾ قال بعض العلماء: قدم السمع على القلب في هذه الآية وبالعكس في "البقرة" لأن كفار مكة كانوا يبغضونه بقلوبهم وما كانوا يستمعون إليه وكفار المدينة، كانوا يلقون إلى الناس أن النبي  شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه.

ففي هذه الصورة على هذا التقدير كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي الصورة الأولى كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فورد ما في كل سورة على ترتيبه.

ثم ذكر من أسباب الضلال سبباً آخر وهو إنكارهم البعث معتقدين أن لا حياة إلاّ هذه.

وليس قولهم الدنيا تسلماً لثانية وإنما هو قول منهم على لسان المقرين وبزعمهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ فيه تقديم وتأخير على أن الواو لا توجب الترتيب.

وقيل: يموت الآباء وتحيا الأبناء وحياة الأبناء حياة الآباء، أو يموت بعض، ويحيا بعض، أو أرادوا بكونهم أمواتاً حال كونهم نطفاً، أو هو على مذهب أهل التناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في بدن آخر.

ثم إنهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا إليه إنكار المبدأ قائلين ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ اعتقدوا أن تولد الأشخاص وكون الممتزجات وفسادها ليس إلا بسبب مزاوجات الكواكب.

ولا حاجة في هذا الباب إلى مبدىء المبادىء فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ وما لهم بذلك من علم ﴾ أي ليس لهم على ما قالوه دليل وإنما ذكروا ذلك ظناً تخميناً واستبعاداً فلا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى قولهم، لأن الحجة قامت على نقيض ذلك وهي دليل المبدأ والمعاد المذكور مراراً وأطوراً.

وليس قولهم ﴿ ائتوا بآبائنا ﴾ من الحجة في شيء لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال فإنه يمتنع حصوله في الاستقبال بدليل الحادث اليومي الممتنع حصوله في الأمس، فوجه الاستثناء أنه في أسلوب قوله: تحية بينهم ضرب وجيع *** وحين بكتهم وسكتهم صرح بما هو الحق وقال ﴿ قل الله يحييكم ﴾ إلى آخره.

ثم أراد أن يختم السورة بوصف يوم القيامة وما سيجري على الكفار فيه فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ العامل فيه يخسر وقوله ﴿ يومئذ ﴾ بدل من ﴿ يوم ﴾ وفيه تأكيد للحصر المستفاد من تقديم الظرف.

قال ابن عباس: الجاثية المجتمعة للحساب المترقبة لما يعمل بها.

وقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم.

وقيل: مستوفزاً لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله.

والجثو للكفار خاصة.

وقيل: عام بدليل قوله بعد ذلك ﴿ فأما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين كفروا ﴾ ﴿ تدعى إلى كتابها ﴾ يريد كتاب الحفظة ليقرؤه.

وقال الجاحظ: إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا.

ويقال: يا أهل التوراة يا أهل القرآن.

﴿ اليوم تجزون ﴾ بتقدير القول ومما يؤيد القول الأول قوله ﴿ هذا كتابنا ﴾ إلى قوله ﴿ إنا كنا نستنسخ ﴾ أي نأمر بالنسخ.

وإضافة الكتاب تارة إليهم وأخرى إلى الله عز وجل صحيحة لأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فأضيف إليهم لأن أعمالهم مثبتة فيه، وأضيف إلى الله  لأنه أمر ملائكته بكتبه.

قوله ﴿ أفلم تكن ﴾ القول فيه مقدر أي فيقال لهم ذلك قوله ﴿ إن نظن إلا ظناً ﴾ قال أبو علي والأخفش: هذا الكلام جار على غير الظاهر لأن كل من يظن فإنه لا يظن إلا الظن، فتأويله أن ينوي به التقديم أي ما نحن إلا نظن ظناً.

وقال المازني: تقديره إن نظن نحن إلا ظناً منكم أي أنتم شاكون فيما تزعمون وما نحن بمستيقنين أنكم لا تظنون.

وقال جار الله: أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب.

فأدخل أداة الحصر ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه وأقول: الظن قد يطلق على ما يقرب من العلم، ولا ريب أن لهذا الرجحان مراتب وكأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا ثبوت علم فيه وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ وما نحن بمستيقنين ﴾ وباقي السورة واضح مما سلف والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ ﴾ قد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ وقد ذكرنا - أيضاً - تأويل "العزيز الحكيم" في غير موضع أيضاً.

ثم إنما ذكر قوله: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ على إثر ذلك؛ ليعلم أنه ما أنزل الكتاب، وما أمرهم، وما نهاهم، وامتحنهم بأنواع المحن؛ ليتعزز هو بذلك، أو يزيد له عزّاً وسلطاناً أو قوة إذا ائتمروه وأطاعوه، وإذا خالفوه ولم يطيعوه فيما أمرهم، وارتكبوا ما نهاهم يلحقه ذل أو نقصان في ملكه وسلطانه؛ بل إنّما فعل ذلك من الأمر والنهي وأنواع المحن لمنفعة أنفس الممتحنين، ليتعززوا إذا اتبعوا أمره وأطاعوه، ويلحقهم ذل ونقصان إذا تركوا اتباعه، بخلاف ملوك الأرض، فإنه يزيد لهم اتباع من اتبعهم عزّاً وسلطاناً وقوة في ملكهم، وترك اتباعهم إياهم وارتكاب ما نهوهم عنه يوجب لهم ذلا ونقصاناً في ملكهم؛ لأن المخلوق كان عزيزاً بغيره، فإذا زال ذلك زال عزه وصار ذليلا؛ فأما الله -  وتعالى - عزيز بذاته فلا يلحقه النقصان بمخالفة من خالفه، ولا يزداد عزه بائتمار من ائتمره.

[و] قوله: ﴿ ٱلْحَكِيمِ ﴾ والحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير؛ يذكر هذا؛ ليعلم أنّ من أنشأه من الخلائق على علم منه أنهم يكفرون به ويعصونه لم يزل عنه الحكمة، ولا أخرجه منها؛ لما ذكرنا أنه لم ينشئهم لحاجة له فيهم، أو لمنفعة ترجع إليه، ولكن لحاجة لهم، ولمنفعة ترجع إلى أنفسهم، ومثله في الشاهد يزيل الحكمة ويدخل في حد السفه؛ لما ذكرنا أنهم إنما يفعلون لحوائجهم، فكان الفعل مع العلم بأنه لا منفعة له فيه، بل مضرة لا يكون حكمة منهم؛ لذلك افترق الشاهد والغائب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ و ﴿ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ و ﴿ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ونحو ذلك، يخرج ذكر الآيات لهؤلاء [على] وجوه: أحدها: أن يكون ما ذكر من الآيات لهؤلاء آيات على أعدائهم يحتجون بها عليهم؛ فتكون هي آيات لهم على أعدائهم.

والثاني: أن منفعة هذه الآيات تجعل لهؤلاء، وهم المنتفعون بها؛ أعني: متبعها دون من ترك اتباعها.

والثالث: هنّ آيات لمن اعتقد اتباع الآيات والإيقان بها، وهم المؤمنون، فأما من اعتقد ردّها وترك الاتباع لها فليست هي آيات لهم، والله أعلم.

وقد ذكرنا في غير موضع، جهة الآيات فيما ذكر من السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وإنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض به، وإخراج ما أخرج منها، في ذلك آيات هيبته، وآيات وحدانيته، وآيات قدرته وسلطانه، وآيات علمه وتدبيره، وآيات حكمته، وغير ذلك مما يطول بذكرها، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، قوله - عز وجل -: ﴿ تَلْكَ ﴾ إشارة إلى الآيات التي تقدم ذكرها ﴿ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ أنها من الله -  - لما عجزوا عن إدراك ذلك من الحكمة البشرية به فيعلموا أنها من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: لو كانوا بالذين يقبلون حديثاً قط، فلا حديث أظهر صدقاً من حديث الله  ولا أبين حقّاً فيه من كلامه؛ لأنها آيات معجزات، عجزوا عن إتيان مثلها.

وإن كانوا بالذين لا يقبلون حديثاً فيلحقهم السفه في ذلك، فيكفي مؤنتهم، والله الهادي.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هذه الآيات والبراهين نتلوها عليك -أيها الرسول- بالحق، فإن لم يؤمنوا بحديث الله المنزل على عبده وبحججه، فبأي حديث بعده يؤمنون، وبأي حجج بعده يصدقون؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.KR7mp"

مزيد من التفاسير لسورة الجاثية

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله