الإسلام > القرآن > سور > سورة 45 الجاثية > الآية ٧ من سورة الجاثية
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 43 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧ من سورة الجاثية: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( ويل لكل أفاك أثيم ) أي أفاك في قوله كذاب ، حلاف مهين أثيم في فعله وقيله كافر بآيات الله ; ولهذا قال :
القول في تأويل قوله تعالى : وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يقول تعالى ذكره: الوادي السائل من صديد أهل جهنم, لكلّ كذّاب ذي إثم بربه, مفتر عليه .
قوله تعالى : ويل لكل أفاك أثيمقوله تعالى : ويل لكل أفاك أثيم ويل واد في جهنم .
توعد من ترك الاستدلال بآياته .
والأفاك : الكذاب .
والإفك الكذب .
أثيم أي : مرتكب للإثم .
والمراد فيما روى : النضر بن الحارث وعن ابن عباس أنه الحارث بن كلدة .
وحكى الثعلبي أنه أبو جهل وأصحابه .
وأنه إذا علم من آيات الله شيئا اتخذها هزوا فتوعده الله تعالى بالويل فقال: { وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } أي: كذاب في مقاله أثيم في فعاله.
( ويل لكل أفاك أثيم ) كذاب صاحب إثم ، يعني : النضر بن الحارث .
«ويل» كلمة عذاب «لكل أفاك» كذاب «أثيم» كثير الإثم.
هلاك شديد ودمار لكل كذاب كثير الآثام.
ثم هدد - تعالى - هؤلاء المشركين بقوله : ( وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) .والويل : لفظ يدل على الشر أو الهلاك .
وهو مصدر لا فعل له من لفظه ، وقد يستعمل بدون حرف النداء كما هنا ، وقد يستعمل معه كما فى قوله - تعالى - : ( ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ) والأفاك : هو الإِنسان الكثير الإِفك وهو أشنع الكذب وأقبحه .والأثيم : هو الإِنسان المرتكب للذنوب والآثام بقلبه وجوارحه ، فهو سيئ الظاهر وسيئ الباطن .أى : هلاك وعذاب وحسرة يوم القيامة لكل إنسان ينطق بأقبح الأكاذيب ويفعل أسوأ السيئات .
اعلم أنه تعالى لما بيّن الآيات للكفار وبين أنهم بأي حديث يؤمنون إذا لم يؤمنوا بها مع ظهورها، أتبعه بوعيد عظيم لهم فقال: ﴿ وَيْلٌ لّكُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ الأفاك الكذب والأثيم المبالغ في اقتراف الآثام، واعلم ن هذا الأثيم له مقامان: المقام الأول: أن يبقى مصراً على الإنكار والاستكبار، فقال تعالى: ﴿ يَسْمَعُ ءايات الله تتلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ ﴾ أي يقيم على كفره إقامة بقوة وشدة ﴿ مستكبراً ﴾ عن الإيمان بالآيات معجباً بما عنده، قيل نزلت في النضر بن الحرث وما كان يشتري من أحاديث الأعاجم ويشغل بها الناس عن استماع القرآن والآية عامة في كل من كان موصوفاً بالصفة المذكورة، فإن قالوا ما معنى ثم في قوله: ﴿ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً ﴾ ؟، قلنا نظيره قوله تعالى: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ومعناه أنه تعالى لما كان خالقاً للسموات والأرض كان من المستبعد جعل هذه الأصنام مساوية له في العبودية كذا هاهنا سماع آيات الله على قوتها وظهورها من المستبعد أن يقابل بالإنكار والإعراض.
ثم قال تعالى: ﴿ كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ﴾ الأصل كأنه لم يسمعها والضمير ضمير الشأن ومحل الجملة النصب على الحال أي يصير مثل غير السامع.
المقام الثاني: أن ينتقل من مقام الإصرار والاستكبار إلى مقام الاستهزاء فقال: ﴿ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءاياتنا شَيْئاً اتخذها هُزُواً ﴾ وكان من حق الكلام أن يقال اتخذه هزواً أي اتخذ ذلك الشيء هزواً إلا أنه تعالى قال: ﴿ اتخذها ﴾ للإشعار بأن هذا الرجل إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم خاض في الاستهزاء بجميع الآيات ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد.
ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ أولئك إشارة إلى كل أفاك أثيم لشموله جميع الأفاكين، ثم وصف كيفية ذلك العذاب المهين فقال: ﴿ مّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ ﴾ أي من قدامهم جهنم، قال صاحب الكشاف: الوراء اسم للجهة التي توارى بها الشخص من خلف أو قدام، ثم بيّن أن ما ملكوه في الدنيا لا ينفعهم فقال: ﴿ وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً ﴾ .
ثم بيّن أن أصنامهم لا تنفعهم فقال: ﴿ وَلاَ مَا اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء ﴾ .
ثم قال: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ فإن قالوا إنه قال قبل هذه الآية ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ فما الفائدة في قوله بعده ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ قلنا كون العذاب مهيناً يدل على حصول الإهانة مع العذاب وكونه عظيماً يدل على كونه بالغاً إلى أقصى الغايات في كونه ضرراً.
ثم قال: ﴿ هذا هُدًى ﴾ أي كامل في كونه هدىً ﴿ والذين كَفَرُواْ بئايات رَبّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ أَلِيمٌ ﴾ والرجز أشد العذاب بدلالة قوله تعالى: ﴿ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ السماء ﴾ وقوله: ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز ﴾ وقرئ ﴿ أَلِيمٌ ﴾ بالجر والرفع، أما الجر فتقديره لهم عذاب من عذاب أليم وإذا كان عذابهم من عذاب أليم كان عذابهم أليماً، ومن رفع كان المعنى له عذاب أليم ويكون المراد من الرجز الرجس الذي هو النجاسة ومعنى النجاسة فيه قوله: ﴿ ويسقى مِن مَّاء صَدِيدٍ ﴾ وكأن المعنى لهم عذاب من تجرع رجس أو شرب رجس فتكون من تبييناً للعذاب.
<div class="verse-tafsir"
الأفاك: الكذاب، والأثيم: المتبالغ في اقتراف الآثام ﴿ يُصِرُّ ﴾ يقبل على كفره ويقيم عليه.
وأصله من إصرار الحمار على العانة وهو أن ينحى عليها صارّاً أذنيه ﴿ مُسْتَكْبِراً ﴾ عن الإيمان بالآيات والإذعان لما ينطق به من الحق، مزدرياً لها معجباً بما عنده.
قيل: نزلت في النضر بن الحرث وما كان يشتري من أحاديث الأعاجم، ويشغل الناس بها عن استماع القرآن.
والآية عامّة في كل ما كان مضارّاً لدين الله.
فإن قلت: ما معنى ثم في قوله: ﴿ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً ﴾ ؟
قلت: كمعناه في قول القائل: يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها وذلك أنّ غمرات الموت حقيقة، بأن ينجو رائيها بنفسه ويطلب الفرار عنها.
وأمّا زيارتها والإقدام على مزاولتها.
فأمر مستبعد، فمعنى ثم: الإيذان بأن فعل المقدّم عليها بعدما رآها وعاينها؛ شيء يستعبد في العادات والطباع، وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق، من تليت عليه وسمعها: كان مستبعداً في العقول إصراره على الضلالة عندها واستكباره عن الإيمان بها ﴿ كَأَن ﴾ مخففة، والأصل كأنه لم يسمعها: والضمير ضمير الشأن، كما في قوله: كَأَنْ ظَبْيَةً تعطو إِلَى نَاضِرِ السَّلَمْ ومحل الجملة النصب على الحال.
أي: يصر مثل غير السامع ﴿ وَإِذَا ﴾ بلغه شيء من آياتنا وعلم أنه منها ﴿ اتخذها ﴾ أي اتخذ الآيات ﴿ هُزُواً ﴾ ولم يقل: اتخذه، للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم: خاض في الاستهزاء بجميع الآيات.
ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، ويحتمل: وإذا علم من آياتنا شيئاً يمكن أن يتشبث به المعاند ويجد له محملاً يتسلق به على الطعن والغميزة: افترصه واتخذ آيات الله هزواً، وذلك نحو افتراص ابن الزبعري قوله عز وجل: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: 98] ومغالطته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: خصتمك.
ويجوز أن يرجع الضمير إلى شيء؛ لأنه في معنى الآية كقول أبي العتاهية: نَفْسِي بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌ ** أللَّهُ وَالْقَائِمُ الْمَهْدِيُّ يَكْفِيَهَا حيث أراد عتبة.
وقرئ: ﴿ علم أولئك ﴾ إشارة إلى كل أفاك أثيم، لشموله الأفاكين.
والوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام.
قال: أَلَيْسَ وَرَائِي أَنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي ** أَدِبُّ مَعَ الْوِلْدَانِ أَزْحَفُ كَالنَّسْرِ ومنه قوله عز وجل: ﴿ مِّن وَرَائِهِمْ ﴾ أي من قدّامهم ﴿ مَّا كَسَبُواْ ﴾ من الأموال في رحلهم ومتاجرهم ﴿ وَلاَ مَا اتخذوا مِن دُونِ الله ﴾ من الأوثان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ ﴾ كَذّابٍ.
﴿ أثِيمٍ ﴾ كَثِيرِ الآثامِ.
﴿ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ ﴾ يُقِيمُ عَلى كُفْرِهِ.
﴿ مُسْتَكْبِرًا ﴾ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ وثُمَّ لِاسْتِبْعادِ الإصْرارِ بَعْدَ سَماعِ الآياتِ كَقَوْلِهِ: يَرى غَمَراتٍ ثُمَّ يَزُورُها.
﴿ كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها ﴾ أيْ كَأنَّهُ فَخُفِّفَتْ وحُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يُصِرُّ مِثْلَ غَيْرِ السّامِعِ.
﴿ فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ عَلى إصْرارِهِ والبِشارَةُ عَلى الأصْلِ أوِ التَّهَكُّمِ.
﴿ وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا ﴾ وإذا بَلَغَهُ شَيْءٌ مِن آياتِنا وعَلِمَ أنَّهُ مِنها.
﴿ اتَّخَذَها هُزُوًا ﴾ لِذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَرى فِيها ما يُناسِبُ الهُزْءَ، والضَّمِيرُ لِـ آياتِنا وفائِدَتُهُ الإشْعارُ بِأنَّهُ إذا سَمِعَ كَلامًا وعَلِمَ أنَّهُ مِنَ الآياتِ بادَرَ إلى الِاسْتِهْزاءِ بِالآياتِ كُلِّها ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ما سَمِعَهُ، أوْ لِشَيْءٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الآيَةِ.
﴿ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ ﴿ مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ﴾ مِن قُدّامِهِمْ لِأنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها، أوْ مِن خَلْفِهِمْ لِأنَّها بَعْدَ آجالِهِمْ.
﴿ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ﴾ ولا يَدْفَعُ عَنْهم.
﴿ ما كَسَبُوا ﴾ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ.
﴿ شَيْئًا ﴾ مِن عَذابِ اللَّهِ.
﴿ وَلا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ﴾ أيِ الأصْنامَ.
﴿ وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ لا يَتَحَمَّلُونَهُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ} كذاب {أَثِيمٍ} متبالغ في اقتراف الآثام
﴿ ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ ﴾ كَثِيرِ اَلْإفْكِ أيِ اَلْكَذِبِ ﴿ أثِيمٍ ﴾ كَثِيرِ اَلْإثْمِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، وقِيلَ: في اَلنَّضْرِ بْنِ اَلْحارِثِ وكانَ يَشْتَرِي حَدِيثَ اَلْأعاجِمِ ويَشْغَلُ بِهِ اَلنّاسَ عَنِ اِسْتِماعِ اَلْقُرْآنِ لَكِنَّها عامَّةٌ كَما هو مُقْتَضى كُلٍّ ويَدْخُلُ مَن نَزَلَتْ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، و(أثِيمٍ) صِفَةُ (أفّاكٍ) <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يعني: كذاب فاجر يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ يعني: القرآن تُتْلى عَلَيْهِ يعني: يعرض عليه، ويقرأ عليه ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً يعني: يقيم على الكفر، متكبراً عن الإيمان كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها يعني: كأن لم يعقلها، ولم يفهمها فَبَشِّرْهُ يا محمد بِعَذابٍ أَلِيمٍ يعني: شديد.
قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر، وَآيَاتِهِ تُؤْمِنُونَ بالتاء على معنى المخاطبة.
والباقون بالياء، على معنى الخبر عنهم.
قوله عز وجل: وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً يعني: إذا سمع من آياتنا، يعني: من القرآن، اتخذها هزءاً.
يعني: سخرية.
ويقال: مثل حديث رستم واسفنديار، وهو النضر بن الحارث أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ يهانون فيه.
قوله تعالى: مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ يعني: أمامهم جهنم.
ويقال: من بعدهم في الآخرة جهنم وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَّا كَسَبُوا شَيْئاً يعني: لا ينفعهم ما جمعوا من المال.
وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ يعني: لا ينفعهم ما عبدوا دونه من الأصنام وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في الآخرة.
قوله تعالى: هذا هُدىً يعني: هذا القرآن بيان من الضلالة.
ويقال: هذا العذاب الذي حق وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا بِآياتِ رَبِّهِمْ يعني: بالقرآن لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ يعني: وجيع في الآخرة.
قرأ ابن كثير، وعاصم في رواية حفص أَلِيمٌ، بضم الميم، والباقون بكسر الميم، كما ذكرنا في سورة سبأ، ثم ذكرهم النعم ليعتبروا.
<div class="verse-tafsir"
قُوَّةُ تهديدٍ، والأَفَّاكُ: الكَذَّابُ الذي يقَعُ منه الإفْكُ مِرَاراً، والأَثِيمُ: بناءُ مُبَالَغَةٍ، اسمُ فاعلٍ من أَثِمَ يأْثَمُ، ورُوِيَ أَنَّ سبب الآية أبو جَهْلٍ، وقيل: النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، والصواب أَنَّها عامَّةٌ فيهما وفي غيرهما، وأَنَّها تَعُمُّ كُلَّ مَنْ دخل تحت الأوصافِ المذكورة إلى يوم القيامة ويُصِرُّ معناه: يَثْبُتُ على عقيدته من الكُفْرِ.
وقوله: فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي: مؤلم.
وقوله تعالى: وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً أي: أُخْبِرَ بشيْءٍ من آياتنا، فعلم نَفْسَ الخبر لا المعنى الذي تضمَّنه الخَبَرُ، ولو عَلِمَ المعانِيَ الَّتِي تَضَمَّنَها أخبارُ الشَّرْعِ، وَعَرَفَ حقائِقَهَا- لكان مؤمناً.
ت: وفي هذا نظر لأَنَّه ينحو إلى القَوْلِ بأَنَّ الكفر لا يُتَصَوَّرُ عناداً مَحْضاً، وقد تَقَدَّمَ اختيارُهُ- رحمه اللَّه- لذلك في غير هذا المَحَلِّ، فَقِفْ عليه، وخَشْيَةُ الإطالة منَعَتْنِي مِنْ تَكْرَارِهِ هنا.
هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)
وقوله سبحانه: هذا هُدىً إشارة إلى القرآن.
وقوله: لَهُمْ عَذابٌ بمنزلة قولك: لهم حَظٌّ، فَمِنْ هذه الجهةِ/ ومِنْ جِهَةِ تَغَايُرِ اللفظَيْنِ حَسُنَ قوله: عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ، إذ الرِّجْزُ هو العذابُ.
وقوله: لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ أَقَامَ القُدْرَةَ والإذْنَ مُنَابَ أَنْ يَأْمُرَ البَحْرَ والنَّاسَ بذلك، وقرأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ «١» : «جَمِيعاً مِنْه» بضم التاء، وقرأ أيضاً: «جَمِيعاً مَنُّهُ» [بفتح الميم وشد النون والهاء] «٢» وقرأ ابن عبّاس: «منّة» بالنصب على المصدر «٣» .
سُورَةُ الجاثِيَةِ وَتُسَمّى سُورَةَ الشَّرِيعَةِ رَوى العَوْفِيُّ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، [وَعِكْرِمَةَ]، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ كُلُّها.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حم ﴾ .
﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ [المُؤْمِنِ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي خَلْقِكُمْ ﴾ أيْ: مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ إلى أنْ يَتَكامَلَ خَلْقُ الإنْسانِ ﴿ وَما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ ﴾ أيْ: وما يُفَرِّقُ في الأرْضِ مِن جَمِيعِ ما خَلَقَ عَلى اخْتِلافِ ذَلِكَ في الخَلْقِ والصُّوَرِ ﴿ آياتُ ﴾ تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آياتٌ" رَفْعًا "وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ" رَفْعًا أيْضًا.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالكَسْرِ فِيهِما.
والرِّزْقُ هاهُنا بِمَعْنى المَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ ﴾ أيْ: هَذِهِ حُجَجُ اللَّهِ ﴿ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: بَعْدَ حَدِيثِهِ ﴿ وَآياتِهِ ﴾ يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْناها في [الشُّعَراءِ: ٢٢٢]، والآيَةُ الَّتِي تَلِيها مُفَسَّرَةٌ في [لُقْمانَ: ٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: إذا سَمِعَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإذا عُلِّمَ" بِرَفْعِ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ وتَشْدِيدِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّخَذَها هُزُوًا ﴾ أيْ: سَخِرَ مِنها، وذَلِكَ كَفِعْلِ أبِي جَهْلٍ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ ﴾ فَدَعا بِتَمْرٍ وزُبْدٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا فَما يَعِدُكم مُحَمَّدٌ إلّا هَذا.
وإنَّما قالَ: " أُولَئِكَ " لِأنَّهُ رَدَّ الكَلامَ إلى مَعْنى "كُلٍّ" .
﴿ مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في [إبْراهِيمَ: ١٦] ﴿ وَلا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ﴾ مِنَ الأمْوالِ، ولا ما عَبَدُوا مِنَ الآلِهَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا هُدًى ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِهِ، ﴿ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "ألِيمٌ" بِالرَّفْعِ عَلى نَعْتِ العَذابِ.
وقَرَأ الباقُونَ: بِالكَسْرِ عَلى نَعْتِ الرِّجْزِ.
والرِّجْزُ بِمَعْنى العَذابِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [الأعْرافِ: ١٣٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَمِيعًا مِنهُ ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّسْخِيرُ مِنهُ لا مِن غَيْرِهِ، فَهو مِن فَضْلِهِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ: "جَمِيعًا مِنَّةً" بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِها وتاءٍ مَنصُوبَةٍ مُنَوَّنَةٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "مَنُّهُ" بِفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ النُّونِ والهاءِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ ﴾ ﴿ يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ ﴿ مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عنهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أولِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ هَذا هُدًى والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ ﴾ "الوَيْلُ" في كَلامِ العَرَبِ: المَصائِبُ والحُزْنُ والهَمُّ والشِدَّةُ مِن هَذِهِ المَعانِي، وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في الدُعاءِ عَلى الإنْسانِ.
ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا اسْمُهُ: ويْلٌ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ ومُقْتَضى اللُغَةِ أنَّهُ الدُعاءُ عَلى أهْلِ الإفْكِ والإثْمِ بِالمَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، والأفّاكُ: الكَذّابُ الَّذِي يَقَعُ مِنهُ الإفْكُ مِرارًا، و"الأثِيمُ": بِناءُ مُبالَغَةٍ، اسْمُ فاعِلٍ مِن: أثِمَ يَأْثَمُ.
ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: النَضِرُ بْنُ الحارِثِ، والصَوابُ أنَّ سَبَبَها ما كانَ المَذْكُورانِ وغَيْرُهُما- يَفْعَلانِ، وأنَّها تَعُمُّ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ الأوصافِ المَذْكُورَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
و"يُصِرُّ" مَعْناهُ: يَثْبُتُ عَلى عَقِيدَتِهِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ، حَسَنٌ ذَلِكَ لِما أفْصَحَ عَنِ العَذابِ، ولَوْ كانَتِ البِشارَةُ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِشَيْءٍ لَما حَصَلَتْ إلّا عَلى المُحابِّ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَإذا عَلِمَ" ﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ اللامِ، والمَعْنى: وإذا أخْبَرَ بِشَيْءٍ مِن آياتِنا، فَعَلِمَ نَفْسَ الخَبَرِ لا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ، ولَوْ عِلْمُ المَعانِي الَّتِي تَتَضَمَّنَها أخْبارُ الشَرْعِ وعُرْفُ حَقائِقِها، لَكانَ مُؤْمِنًا، وقَرَأ قَتادَةُ، ومَطَرُ الوَرّاقِ: "وَإذا عُلِمَ" بِضَمِّ العَيْنِ وشَدِّ اللامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أُولَئِكَ" ﴾ رَدٌّ عَلى لَفْظِ "كُلِّ أفّاكٍ"، لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لَهُ الصِفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ﴾ قالَ فِيهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مِن أمامِهِمْ، وهَذا كالخِلافِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ ﴾ ، ولَحَظُّ قائِلٍ هَذِهِ المَقالَةَ الأمْرَ مِن حَيْثُ تَأوَّلَ أنَّ الإنْسانَ كَأنَّهُ مِن عُمْرِهِ يَسِيرُ إلى جَنَّةٍ أو نارٍ، فَهُما أمامَهُ، ولَيْسَ لَفْظُ "الوَراءِ" في اللُغَةِ كَذَلِكَ، وإنَّما هو ما يَأْتِي خَلْفَ الإنْسانِ، وإذا اعْتَبَرَ الأمْرُ بِالتَقَدُّمِ أوِ التَأخُّرِ في الوُجُودِ عَلى أنَّ الزَمانَ كالطَرِيقِ لِلْأشْياءِ اسْتَقامَ الأمْرُ، فَما يَأْتِي بَعْدَ الشَيْءِ في الزَمانِ فَهو وراءَهُ، فَكَأنَّ المَلِكَ وأخْذِهِ السَفِينَةَ وراءَ رُكُوبِ أُولَئِكَ إيّاها، وجَهَنَّمُ وإحْراقُها لِلْكُفّارِ يَأْتِي بَعْدَ كُفْرِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: افْعَلْ كَذا وأنا مِن ورائِكَ عَضُدًا، وكَما تَقُولُ ذَلِكَ عَلى التَهْدِيدِ: أنا مِن وراءِ التَقَصِّي عَلَيْكَ، ونَحْوُ هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا ما اتَّخَذُوا" يَعْنِي بِذَلِكَ الأوثانَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا هُدًى ﴾ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "ألِيمٌ" عَلى النَعْتِ لـِ "عَذابٌ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ مُطْرَفٍ، وأهْلُ مَكَّةَ، وقَرَأ الباقُونَ: "ألِيمٍ" عَلى النَعْتِ لِـ "رِجْزٍ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى، والأعْمَشُ.
و"الرِجْزُ": أشَدُّ العَذابِ، وقَوْلُهُ وتَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلَهم عَذابٌ ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: لَهم حَظٌّ، فَمِن هَذِهِ الجِهَةِ ومِن جِهَةِ تَغايُرِ اللَفْظَتَيْنِ حَسَنٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَذابٌ مِن رِجْزٍ ﴾ إذِ الرِجْزُ هو العَذابُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُؤْمِنُونَ * وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءايات الله تتلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ ﴾ ﴿ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءاياتنا شَيْئاً اتخذها هُزُواً أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ .
أعقب ذكر المؤمنين الموقنين العَاقلين المنتفعين بدلالة آيات الله وما يفيده مفهوم تلك الصفات التي أجريت عليهم من تعريض بالذين لم ينتفعوا بها، بصريح ذكر أولئك الذين لم يؤمنوا ولم يعقلوها كما وصف لذلك قوله: ﴿ فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ﴾ [الجاثية: 6].
وافتتح ذكره بالويل له تعجيلاً لإنذاره وتهديده قبل ذكر حاله.
و(ويل له) كلمة دعاء بالشكر وأصل الويل الشر وحلوله.
و (الأفَّاك) القويّ الإفك، أي الكذب.
والأثيم مبالغة أو صفة مشبهة وهو يدل على المبالغ في اقتراف الآثام، أي الخطايا.
وفسره الفيروزآبادي في «القاموس» بالكذّاب وهو تسامح وإنما الكذب جزئي من جزئيات الأثيم.
وجعلت حالتُه أنه يسمع آيات الله ثم يُصرّ مستكبراً لأن تلك الحالة وهي حالة تكرر سماعه آيات الله وتكرر إصراره مستكبراً عنها تحمله على تكرير تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وتكرير الإثم، فلا جرم أن يكون أفاكاً أثيماً بَلْهَ ما تلبس به من الشرك الذي كله كذب وإثم.
والمراد ب ﴿ كل أفّاك أثيم ﴾ جميع المشركين الذين كذبوا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وعاندوا في معجزة القرآن وقالوا ﴿ لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ﴾ [سبإ: 31] وبخاصة زعماء أهل الشرك وأيمة الكفر مثل النضْر بننِ الحارث، وأبي جهل وقرنائهم.
و ﴿ آيات الله ﴾ أي القرآن فإنها المتلوة.
و ﴿ ثم ﴾ للتراخي الرتبي لأن ذلك الإصرار بعد سماع مثل تلك الآيات أعظم وأعجب، فهو يصر عند سماع آيات الله وليس إصراره متأخراً عن سماع الآيات.
والإصرار: ملازمة الشيء وعدم الانفكاك عنه، وحُذف متعلق ﴿ يصِرّ ﴾ لدلالة المقام عليه، أي يُصرُّون على كفرهم كما دل على ذلك قوله: ﴿ فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ﴾ [الجاثية: 6].
وشبه حالهم في عدم انتفاعهم بالآيات بحالهم في انتفاء سماع الآيات، وهذا التشبيه كناية عن وضوح دلالة آيات القرآن بحيث أن من يسمعها يصدق بما دلت عليه فلولا إصرارهم واستكبارهم لانتفعوا بها.
و ﴿ كَأنْ ﴾ أصلها (كأنَّ) المشددة فخففت فقدر اسمها وهو ضمير الشأن.
وفرّع على حالتهم هذه إنذارهم بالعذاب الأليم وأطلق على الإنذار اسم البشارة التي هي الإخبار بما يسر على طريقة التهكم.
والمراد بالعلم في قوله: ﴿ وإذا علم من آياتنا شيئاً ﴾ السمع، أي إذا ألقى سمعه إلى شيء من القرآن اتخذه هُزؤاً، أي لا يَتلقى شيئاً من القرآن إلا ليجعله ذريعة للهزء به، ففعل ﴿ عَلِم ﴾ هنا متعدّ إلى واحد لأنه بمعنى عَرف.
وضمير التأنيث في ﴿ اتخذها ﴾ عائد إلى ﴿ آياتنا ﴾ ، أي اتخذ الآيات هزؤاً لأنه يستهزئ بما علمه منها وبغيره، فهو إذا علم شيئاً منها استهزأ بما علمه وبغيره.
ومعنى اتخاذهم الآيات هزؤاً: أنهم يلوكونها بأفواههم لوك المستهزئ بالكلام، وإلا فإن مطلق الاستهزاء بالآيات لا يتوقف على العِلم بشيء منها.
ومن الاستهزاء ببعض الآيات تحريفُها على مواضعها وتحميلها غير المراد منها عمداً للاستهزاء، كقول أبي جهل لما سَمِع ﴿ إنَّ شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ [الدخان: 43، 44] تجاهل بإظهار أن الزقوم اسم لمجموع الزبد والتمر فقال: «زقّمونا»، وقوله: لما سمع قوله تعالى: ﴿ عليها تسعة عَشَر ﴾ [المدثر: 30]: أنا أَلْقَاهُمْ وحدي.
﴿ هُزُواً أولئك لَهُمْ عَذَابٌ ﴾ ﴿ لله مُّهِينٌ * مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً وَلاَ مَا ﴾ .
جيء باسم الإشارة للتنبيه على أن ما ذكر من الأوصاف من قوله تعالى: ﴿ لكل أفاك أثيم ﴾ إلى قوله ﴿ هزؤاً ﴾ على أن المشار إليهم أحرياء بهِ لأجْللِ ما قبل اسم الإشارة من الأوصاف.
وجملة ﴿ من ورائهم ﴾ بيان لجملة ﴿ لهم عذاب مهين ﴾ .
وفي قوله: ﴿ من ورائهم ﴾ تحقيق لحصول العذاب وكونه قريباً منهم وأنهم غافلون عن اقترابه كغفلة المرء عن عدوّ يتبعه من ورائه ليأخذه فإذا نظر إلى أمامه حسب نفسه آمناً.
ففي الوراء استعارة تمثيلية للاقتراب والغفلة، ومنه قوله تعالى: ﴿ وكان وراءهم مَلِك يأخذ كلّ سفينة غصباً ﴾ [الكهف: 79]، وقول لبيد: أليسَ ورائي إنْ تراخت منيتي *** لُزومُ العصا تُحنى عليها الأصابع ومن فسر وراء بقُدّام، فما رعَى حق الكلام.
وعطف جملة ﴿ ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً ﴾ على جملة ﴿ من ورائهم جهنم ﴾ لأن ذلك من جملة العذاب المهين فإن فقدان الفداء وفقدان الوليّ مما يزيد العذاب شدة ويكسب المعاقب إهانة.
ومعنى الإغناء في قوله: ﴿ ولا يغني عنهم ﴾ الكفاية والنفع، أي لا ينفعهم.
وعُدي بحرف (عن) لتضمينه معنى يدفع فكأنَّه عُبّر بفعلين لا يغنيهم وبالدفع عنهم، وتقدم في قوله: ﴿ لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ﴾ في سورة آل عمران (10).
و ﴿ ما كسبوا ﴾ : أموالهم.
و ﴿ شيئاً ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، أي شيئاً من الإغناء لأن ﴿ شيئاً ﴾ من أسماء الأجناسسِ العاليةِ فهو مفسر بما وقع قبله أو بعده، وتنكيره للتقليل، أي لا يدفع عنهم ولو قليلاً من جهنم، أي عذابها.
﴿ ولا ما اتخذوا ﴾ عطف على ﴿ ما كسبوا ﴾ وأعيد حرف النفي للتأكيد، و ﴿ أولياء ﴾ مفعول ثان ل ﴿ اتخذوا ﴾ .
وحذف مفعوله الأول وهو ضميرهم لوقوعه في حيز الصلة فإن حذف مثله في الصلة كثير.
وأردف ﴿ عذاب مهين ﴾ بعطف ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ لإفادة أن لهم عذاباً غير ذلك وهو عذاب الدنيا بالقتل والأسر، فالعذاب الذي في قوله: ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ غير العذاب الذي في قوله: ﴿ أولئك لهم عذاب مهين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الأفّاكَ: الكَذّابُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّهُ المُكَذِّبُ بِرَبِّهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الكاهِنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُها: يُقِيمُ عَلى شِرْكِهِ مُسْتَكْبِرًا عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
الثّانِي: أنَّ الإصْرارَ عَلى الشَّيْءِ العَقْدُ بِالعَزْمِ عَلَيْهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن صَرَّ الصُّرَّةَ إذا شَدَّها، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها ﴾ في عَدَمِ الِاتِّعاظِ بِها والقَبُولِ لَها.
﴿ فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أنزل الله من السماء من رزق ﴾ قال: المطر.
وفي قوله: ﴿ وتصريف الرياح ﴾ إذا شاء جعلها رحمة وإذا شاء جعلها عذاباً.
وفي قوله: ﴿ لكل أفاك أثيم ﴾ قال: كذاب.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لكل أفاك أثيم ﴾ قال: المغيرة بن مخزوم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ ﴾ هذه الآية وما بعدها نزلت في النضر ابن الحارث، قاله الكلبي ومقاتل (١) (١) انظر: "تنوير المقباس" ص 499، و"تفسير مقاتل" 3/ 836، وذكر ذلك السمرقندي في "تفسيره" 3/ 223، والبغوي في "تفسيره" 7/ 241.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ الأفاك مبالغة من الإفك وهو الكذاب، والأثيم من الإثم، وقيل: إنها نزلت في النضر بن الحارث ولفظها على العموم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وفي خلقكم ﴾ مدغماً: عباس.
﴿ آيات ﴾ بالنصب في الموضعين: حمزة وعلي ويعقوب ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ يؤمنون ﴾ على الغيبة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ أليم ﴾ مذكور في "سبأ" ﴿ لنجزي ﴾ بالنون: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف ﴿ ليجزي ﴾ بالياء مبنياً للمفعول ﴿ قوم ﴾ بالرفع: يزيد.
الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ قوماً ﴾ سواء بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص وروح وزيد ﴿ غشوة ﴾ بفتح الغين وسكون الشين من غير ألف: حمزة وعلي وخلف 3 ﴿ كل أمة تدعي ﴾ بالنصب على الإبدال من الأول: يعقوب ﴿ الساعة ﴾ بالنصب: حمزة ﴿ لا يخرجون ﴾ من الخروج حمزة وعلي وخلف.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط ومن نصب، ﴿ آيات ﴾ لم يقف لأنها عطف المفردين على المفردين وهما الخبر واسم أن المفردين ﴿ يوقنون ﴾ ه لا للعطف على ﴿ عاملين ﴾ كما يجيء ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ يسمعها ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ط لأنه لو وصل اشتبه بأنها وصف ﴿ عذاب جهنم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ أولياء ﴾ ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع العاطف ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ منه ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ج ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ فعليها ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد القصة ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ من الأمر ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج ﴿ بعض ﴾ ج للتمييز بين الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ قف ومن نصب ﴿ سواء ﴾ لم يقف.
﴿ ومماتهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ غشاوة ﴾ ط ﴿ من بعد الله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ الدهر ﴾ ج لاحتمال الواو الحال ﴿ من علم ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ يظنون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ جاثية ﴾ قف لمن قرأ ﴿ كل ﴾ بالرفع ﴿ كتابها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ ما الساعة ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بقول الكفار ﴿ بمستيقنين ﴾ ه ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للعدول عن الخطاب إلى الغيبة ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الحكيم ﴾ ه.
التفسير: إعراب أول السورة وتفسيرها كإعراب أول "المؤمن" وتفسيره وقوله ﴿ إن في السموات ﴾ إما أن يكون على ظاهره وآياتها الشمس والقمر والنجوم وحركاتها وأوضاعها وكذا العناصر والمواليد التي في الأرض مما يعجز الحاصر عن إدراك أعدادها، وإما أن يراد إن في خلق السموات والأرض فالآيات تشمل ما عددنا مع زيادة هيئتهما وما يتعلق بتشخيصهما.
استدل الأخفش بالآية الثالثة على جواز العطف على عاملين.
مختلفين وهما في قراءة النصب "أن" وفي أقيمت الواو مقامها فعملت الجر في اختلاف الليل، والنصب في آيات وهما في قراءة الرفع الابتداء وفي.
وخرج لسيبويه في جوابه وجهان: أحدهما أن قوله ﴿ آيات ﴾ تكرار محض للتأكيد فقط من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إن في الدار زيداً وفي الحجرة زيداً والمسجد زيداً، وأنت تريد أن في الدار زيداً والحجرة والمسجد.
والثاني إضمار في لدلالة الأول عليه، ويحتمل أن ينتصب ﴿ آيات ﴾ على الاختصاص.
ويرتفع بإضمار هي.
وتفسير هذه الآيات قد مر في نظائرها مراراً ولا سيما في أواسط "البقرة" ومما يختص بالمقام أنه خص المؤمنين بالذكر أولاً ثم قال ﴿ لقوم يوقنون ﴾ ثم ﴿ يعقلون ﴾ فما سبب هذا الترتيب؟
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : أراد إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإلا فإن كنتم طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، وقال جار الله: معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح علموا أنها لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال.
وفي خلق ما بث من الدواب على ظهر الأرض، ازدادوا إيماناً وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس، وإذا نظروا في سائر الحوادث كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار التي هي سبب الأرزاق وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم عقلهم وخلص يقينهم.
وأقول: الدلائل المذكورة في هذه الآيات قسمان: نفسية وخارجية.
فالنفسية أولى بالإيقان لأنه لا شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، والخارجية بعضها فلكية وبعضها آثار علوية.
فالفلكية لبعدها عن الإنسان اكتفى فيها بمجرد التصديق، وأما الآثار العلوية فكانت أولى بالنظر والاستدلال لقربها وللإحساس بها فلا جرم خصت بالتعقل والتدبر، وأما تقديم السموات على الأرض فلشمولها ولتقدمها في الوجود.
﴿ تلك ﴾ مبتدأ والتبعيد للتعظيم والمشار إليها الآيات المتقدمة و ﴿ نتلوها ﴾ في محل الحال.
وقوله ﴿ بعد الله وآياته ﴾ كقولهم: أعجبني زيد وكرمه.
وأصله بعد آيات الله.
والمعنى أن من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه.
وقيل: معناه القرآن آخر كتب الله، ومحمد آخر رسله.
فإن لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبي.
ثم أوعد الناس المبالغين في الإثم وقد مر ما في الآية في سورة لقمان.
قوله ﴿ وإذا علم ﴾ أي شعر وأحس بأنه من جملة القرآن المنزل خاض في الاستهزاء، وإذا وقف على آية لها محل في باب الطعن والقدح افترضه وحمله على الوجه الموجب للطعن كافتراض ابن الزبعري في قوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله ﴾ وإنما أنّث الضمير في قوله ﴿ اتخذها ﴾ لأن الشيء في معنى الآية أو لأنه أراد أن يتخذ جميع الآيات هزواً ولا يقتصر على الاستهزاء بما بلغه.
قوله ﴿ من ورائهم جهنم ﴾ كل ما توارى عنك فهو وراء تقدم أو تأخر، وقد مر في سورة إبراهيم ﴿ هذا هدى ﴾ أي هذا القرآن كامل في باب الهداية والإرشاد.
ثم ذكر دليلاً آخر على الوحدانية وهو تسخير البحر لبني آدم وقد سبق وجه الدلالة مراراً.
وقوله ﴿ ولتبتغوا ﴾ أي بسبب التجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان أو باستخراج اللحم الطري.
ثم عمم بعد التخصيص وقوله ﴿ منه ﴾ في موضع الحال أي سخر جميع ما في السموات والأرض كائنة منه، يريد أنه أوجدها بقدرته وحكمته ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه.
عن ابن عباس برواية عطاء أن الصحابة نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر - يقال لها المريسيع - فأرسل عبد الله بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟
قال: غلام عمر قعد على رأس البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قرب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه.
فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله ﴿ قل للذين آمنوا ﴾ يعني عمر ﴿ يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ لا يتوقعون وقائعه بأعداء الله أو لا يأملون قوة المؤمنين في أيام الله الموعودة لهم، والمراد الصفح والإعراض.
عن عبد الله بن أبي وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله ﴾ قال اليهودي فنحاص بن عازوراء: احتاج رب محمد فبلغ ذلك عمر فأخذ سيفه فخرج في طلبه، فجاء جبرائيل وأنزل الآية هذه.
وليس المقصود أن لا تقتلوا ولا تقاتلوا حتى يلزم نسخها بآية القتال كما ذهب إليه كثير من المفسرين، ولكن الأولى أن يحمل على ترك المنازعة في المحقرات وفي أفعالهم الموحشة المؤذية، وإنما أنكر ﴿ قوماً ﴾ مع أنه أراد بقوم الذين آمنوا وهم معارف ليدل على مدحهم والثناء عليهم كأنه قيل: لنجزي قوماً كاملين في الصبر والإغضاء على أذى الأعداء ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه، وقيل: القوم هم الكافرون الكاملون في النفاق.
ثم فصل الجزاء وعمم الحكم بقوله ﴿ من عمل صالحاً ﴾ الآية.
ثم بين أن للمتأخرين من الكفار أسوة بالمتقدمين منهم والكتاب التوراة والحكم بيان الشرائع والبينات من الأمر أدلة أمور الدين.
وقال ابن عباس: يريد أنه تبين لهم من أمر النبي أنه مهاجر من تهامة إلى يثرب.
وقيل: هي المعجزات القاهرة على صحة نبوة موسى ﴿ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه احتمالان: أحدهما علموا ثم عاندوا، والثاني جاءهم أسباب المعرفة التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ولكنهم أظهروا النزاع حسداً.
﴿ ثم جعلناك على شريعة ﴾ أي منهاج وطريقة ﴿ من الأمر ﴾ أمر الدين وقيل: من الأمر الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا.
قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي وهو بمكة ارجع إلى ملة آبائك وهم كانوا أفضل منك وأسن فزجره الله عن ذلك بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ إلى آخره أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفعه عنك.
ثم أشار بعد النهي عن اتباع أهوائهم بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ أتباعهم إلى الفرق بين ولاة الظالمين وهم أشكالهم من الظلمة، وبين ولي المتقين وهو الله .
ومن جملة آثار ولايته وبركة عنايته ﴿ هذا ﴾ القرآن.
وقيل: ما تقدم من اتباع الشريعة وترك طاعة الظالم وجعل القرآن مشاراً إليه أولى لقوله ﴿ بصائر من ربكم ﴾ إلى آخره.
وقد مر في آخر "الأعراف" مثله.
ثم بين الفرق بين الظالمين والمتقين من وجه آخر قائلاً ﴿ أم حسب ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة والآية نظيرة ما سلف في "ص" ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين ﴾ والاجتراح الاكتساب.
من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فمعناه مستوياً والظاهر بعده فاعله ويكون انتصابه على البدل من ثاني مفعولي ﴿ نجعل ﴾ وهو الكاف.
من قرأ بالرفع بخبر ﴿ ومحياهم ﴾ مبتدأ والجملة بدل أيضاً لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً.
والمعنى إنكار أن يستوي الفريقان حياة وموتاً، لأن المحسنين عاشوا على الطاعة وإنهم عاشوا على المعصية ومات أولئك على البشرى والرحمة، ومات هؤلاء على الضد.
وقيل: معناه إنكار أن يستويا في الممات كما استووا في الحياة من حيث الصحة والرزق، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن.
فالفرق المقتضي لسعادة المؤمن وشقاوة الكافر إنما يظهر بعد الوفاة.
وقيل: إنه كلام مستأنف، والمراد أن كلاً من الفريقين يموت على حسب ما عاش عليه لقوله : " كما تعيشون تموتون" وحين أفتى بأن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادات استدل على صحة هذه الدعوى بقوله ﴿ وخلق الله ﴾ الآية.
قال جار الله: ﴿ ولتجزى ﴾ معطوف على ﴿ بالحق ﴾ لأنه في معنى التعليل أي للعدل، أو ليدل بها على قدرته وللجزاء.
ويجوز أن يكون المعلل محذوفاً وهو فعلنا ونحوه.
والحاصل أن الغاية من خلق السماء والأرض كان هو الإنسان الكامل فكيف يترك الله جزاءه وجزاء من هو ضده والتميز بينهما بموجب العدالة.
ثم قرر أسباب ضلال المضلين قائلاً ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ أي يتبع ما تدعو إليه نفسه الأمارة وقد مر في الفرقان ﴿ وأضله الله على علم ﴾ بحالة أنه من أهل الخذلان والقهر، أو على علم الضلال في سابق القضاء، أو على علم بوجوه الهداية وإحاطته بالألطاف المحصلة لها.
وقيل: أراد به المعاند لأن ضلاله عن علم ﴿ فمن يهديه من بعد ﴾ إضلال ﴿ الله ﴾ قال بعض العلماء: قدم السمع على القلب في هذه الآية وبالعكس في "البقرة" لأن كفار مكة كانوا يبغضونه بقلوبهم وما كانوا يستمعون إليه وكفار المدينة، كانوا يلقون إلى الناس أن النبي شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه.
ففي هذه الصورة على هذا التقدير كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي الصورة الأولى كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فورد ما في كل سورة على ترتيبه.
ثم ذكر من أسباب الضلال سبباً آخر وهو إنكارهم البعث معتقدين أن لا حياة إلاّ هذه.
وليس قولهم الدنيا تسلماً لثانية وإنما هو قول منهم على لسان المقرين وبزعمهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ فيه تقديم وتأخير على أن الواو لا توجب الترتيب.
وقيل: يموت الآباء وتحيا الأبناء وحياة الأبناء حياة الآباء، أو يموت بعض، ويحيا بعض، أو أرادوا بكونهم أمواتاً حال كونهم نطفاً، أو هو على مذهب أهل التناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في بدن آخر.
ثم إنهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا إليه إنكار المبدأ قائلين ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ اعتقدوا أن تولد الأشخاص وكون الممتزجات وفسادها ليس إلا بسبب مزاوجات الكواكب.
ولا حاجة في هذا الباب إلى مبدىء المبادىء فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ وما لهم بذلك من علم ﴾ أي ليس لهم على ما قالوه دليل وإنما ذكروا ذلك ظناً تخميناً واستبعاداً فلا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى قولهم، لأن الحجة قامت على نقيض ذلك وهي دليل المبدأ والمعاد المذكور مراراً وأطوراً.
وليس قولهم ﴿ ائتوا بآبائنا ﴾ من الحجة في شيء لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال فإنه يمتنع حصوله في الاستقبال بدليل الحادث اليومي الممتنع حصوله في الأمس، فوجه الاستثناء أنه في أسلوب قوله: تحية بينهم ضرب وجيع *** وحين بكتهم وسكتهم صرح بما هو الحق وقال ﴿ قل الله يحييكم ﴾ إلى آخره.
ثم أراد أن يختم السورة بوصف يوم القيامة وما سيجري على الكفار فيه فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ العامل فيه يخسر وقوله ﴿ يومئذ ﴾ بدل من ﴿ يوم ﴾ وفيه تأكيد للحصر المستفاد من تقديم الظرف.
قال ابن عباس: الجاثية المجتمعة للحساب المترقبة لما يعمل بها.
وقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم.
وقيل: مستوفزاً لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله.
والجثو للكفار خاصة.
وقيل: عام بدليل قوله بعد ذلك ﴿ فأما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين كفروا ﴾ ﴿ تدعى إلى كتابها ﴾ يريد كتاب الحفظة ليقرؤه.
وقال الجاحظ: إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا.
ويقال: يا أهل التوراة يا أهل القرآن.
﴿ اليوم تجزون ﴾ بتقدير القول ومما يؤيد القول الأول قوله ﴿ هذا كتابنا ﴾ إلى قوله ﴿ إنا كنا نستنسخ ﴾ أي نأمر بالنسخ.
وإضافة الكتاب تارة إليهم وأخرى إلى الله عز وجل صحيحة لأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فأضيف إليهم لأن أعمالهم مثبتة فيه، وأضيف إلى الله لأنه أمر ملائكته بكتبه.
قوله ﴿ أفلم تكن ﴾ القول فيه مقدر أي فيقال لهم ذلك قوله ﴿ إن نظن إلا ظناً ﴾ قال أبو علي والأخفش: هذا الكلام جار على غير الظاهر لأن كل من يظن فإنه لا يظن إلا الظن، فتأويله أن ينوي به التقديم أي ما نحن إلا نظن ظناً.
وقال المازني: تقديره إن نظن نحن إلا ظناً منكم أي أنتم شاكون فيما تزعمون وما نحن بمستيقنين أنكم لا تظنون.
وقال جار الله: أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب.
فأدخل أداة الحصر ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه وأقول: الظن قد يطلق على ما يقرب من العلم، ولا ريب أن لهذا الرجحان مراتب وكأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا ثبوت علم فيه وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ وما نحن بمستيقنين ﴾ وباقي السورة واضح مما سلف والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ الأفاك: هو المصروف عن اتباع ما توجب الحكمة اتباعه.
وقال بعضهم: الأفاك: الكذاب، والأثيم: هو الذي اعتاد الإثم، وهو أكثر من الآثم.
ثم نعت ذلك الأفاك فقال: ﴿ يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ﴾ القرآن.
ويحتمل: ﴿ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ﴾ آيات وحدانية الله - عز وجل - أو آيات رسالة رسول الله .
ثم أخبر عن تعنته وعناده في آيات الله حيث قال: ﴿ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً ﴾ أي: يصر مستكبراً بعد تلاوة الآيات عليه، وبعد معرفته وفهمه أنها آيات الله، كما كان يصر قبل ذلك؛ لأنها آيات خارجات عن وسعهم؛ إذ عجزوا عن إتيان مثلها، فإذا كانت خارجة عن احتمال وسعهم فكذلك هي خارجات عن وسع محمد ؛ إذ هو واحد من البشر مثلهم، فيعرفون أنّه إنما قدر على إتيان مثلها بالله - - بما أوحى إليه وأعلمه بذلك ﴿ كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ﴾ ؛ عناداً منه واستكباراً.
ثم أوعده العذاب الأليم، وهو قوله: ﴿ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي: مؤلم موجع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ ، أي: عذاب يهينهم باستهزائهم بالآيات.
ثم قال: ﴿ مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ ﴾ أضاف جهنم إلى ورائهم يحتمل أن يكون المراد من ذكر ﴿ مِّن وَرَآئِهِمْ ﴾ وراء الدنيا؛ كأنه قال: من وراء هذه الدنيا لهم جهنّم، لكنه أضاف ذلك إليهم؛ لأنهم فيها، وهم أهلها.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ مِّن وَرَآئِهِمْ ﴾ أي: من وراء أحوالهم التي هم عليها جهنم.
وقوله: ﴿ وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ .
يحتمل: ﴿ وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ ﴾ أي: ما عملوا من القرب التي عملوها؛ رجاء أن ينفعهم ذلك في الآخرة، أو يقربهم ذلك إلى الله زلفى؛ يخبر أن ذلك مما لا يغنيهم ولا ينفعهم في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ وعد لهم في كل حال وكل أمر كان منهم عذاباً غير العذاب في حال أخرى؛ ذكر في الحال التي عبدوا الأصنام دونه، واتخذوها أرباباً العذاب العظيم، وذكر لهم باستهزائهم بآيات الله العذاب المهين، عذاباً يهينهم، ويهانون في ذلك، وذكر لهم بإصرارهم بما هم عليه واستكبارهم على آيات الله وعلى رسوله العذاب الأليم، حتى يكون مقابل كل [فعل] كان منهم نوعاً من العذاب غير النوع الآخر، وبصفة غير الصفة الأخرى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا هُدًى ﴾ أي: بيان لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ﴾ أي: عذاب من عذاب أليم؛ إذ الرجز هو العذاب، كأنّه فسر ذلك العذاب ووصفه بالألم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
عذاب من الله وهلاك لكل كذاب كثير الآثام.
<div class="verse-tafsir" id="91.EVr02"