الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١١٣ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 115 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٣ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( قالوا نريد أن نأكل منها ) أي : نحن محتاجون إلى الأكل منها ( وتطمئن قلوبنا ) إذا شاهدنا نزولها رزقا لنا من السماء ( ونعلم أن قد صدقتنا ) أي : ونزداد إيمانا بك وعلما برسالتك ( ونكون عليها من الشاهدين ) أي : ونشهد أنها آية من عند الله ، ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به .
القول في تأويل قوله : قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: قال الحواريون مجيبي عيسى على قوله لهم: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، في قولكم لي هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَـزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ =: إنا إنما قلنا ذلك، وسألناك أن تسأل لنا ربنا لنأكل من المائدة, فنعلم يقينًا قدرته على كل شيء =" وتطمئن قلوبنا " ، يقول: وتسكن قلوبنا، وتستقرّ على وحدانيته وقدرته على كل ما شاء وأراد, (34) " ونعلم أن قد صدقتنا ", ونعلم أنك لم تكذبنا في خبرك أنك لله رسول مرسل ونبيّ مبعوث =" ونكون عليها " ، يقول: ونكون على المائدة =" من الشاهدين " ، يقول: ممن يشهد أن الله أنـزلها حجةً لنفسه علينا في توحيده وقدرته على ما شاء، ولك على صدقكَ في نبوّتك.
(35) * * * --------------- الهوامش: (34) انظر تفسير"الاطمئنان" فيما سلف 5: 492/9 : 165.
(35) انظر تفسير"الشاهد" فيما سلف من فهارس اللغة (شهد).
قوله تعالى : قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدينقوله تعالى : قالوا نريد أن نأكل منها نصب بأن .
وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين عطف كله بينوا به سبب سؤالهم حين نهوا عنه ، وفي قولهم : نأكل منها وجهان : أحدهما : أنهم أرادوا الأكل منها للحاجة الداعية إليها ; وذلك أن عيسى عليه السلام كان إذا خرج اتبعه خمسة آلاف أو أكثر ، بعضهم كانوا أصحابه ، وبعضهم كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم لمرض كان بهم أو علة ، إذ كانوا زمنى أو عميانا ، وبعضهم كانوا ينظرون ويستهزئون ، فخرج يوما إلى موضع فوقعوا في مفازة ، ولم يكن معهم نفقة فجاعوا وقالوا للحواريين : قولوا لعيسى حتى يدعو بأن تنزل علينا مائدة من السماء ; فجاءه شمعون رأس الحواريين وأخبره أن الناس يطلبون بأن تدعو بأن تنزل عليهم مائدة من السماء ، فقال عيسى لشمعون : " قل لهم اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " فأخبر بذلك شمعون القوم فقالوا له : قل له : نريد أن نأكل منها الآية .
الثاني : نأكل منها لننال بركتها لا لحاجة دعتهم إليها ، قال الماوردي : وهذا أشبه ; لأنهم لو احتاجوا لم ينهوا عن السؤال وقولهم : وتطمئن قلوبنا يحتمل ثلاثة أوجه : أحدها : تطمئن إلى أن الله تعالى بعثك إلينا نبيا .
الثاني : تطمئن إلى أن الله تعالى قد اختارنا لدعوتنا .
الثالث : تطمئن إلى أن الله تعالى قد أجابنا إلى ما سألنا ; ذكرها الماوردي وقال المهدوي : أي : تطمئن بأن الله قد قبل صومنا وعملنا .
قال الثعلبي : نستيقن قدرته فتسكن قلوبنا .
ونعلم أن قد صدقتنا بأنك رسول الله ونكون عليها من الشاهدين لله بالوحدانية ، ولك بالرسالة والنبوة ، وقيل : ونكون عليها من الشاهدين لك عند من لم يرها إذا رجعنا إليهم .
فأخبر الحواريون أنهم ليس مقصودهم هذا المعنى، وإنما لهم مقاصد صالحة، ولأجل الحاجة إلى ذلك فـ { قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا } وهذا دليل على أنهم محتاجون لها، { وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } بالإيمان حين نرى الآيات العيانية، فيكون الإيمان عين اليقين، كما كان قبل ذلك علم اليقين.
كما سأل الخليل عليه الصلاة والسلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى { قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } فالعبد محتاج إلى زيادة العلم واليقين والإيمان كل وقت، ولهذا قال: { وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا } أي: نعلم صدق ما جئت به، أنه حق وصدق، { وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ } فتكون مصلحة لمن بعدنا، نشهدها لك، فتقوم الحجة، ويحصل زيادة البرهان بذلك.
( قالوا نريد ) أي : إنما سألنا لأنا نريد ، ( أن نأكل منها ) أكل تبرك لا أكل حاجة فنستيقن قدرته ، ( وتطمئن ) وتسكن ، ( قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ) بأنك رسول الله ، أي : نزداد إيمانا ويقينا ، وقيل : إن عيسى ابن مريم أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوما ، فإذا أفطروا لا يسألون الله شيئا إلا أعطاهم ، ففعلوا وسألوا المائدة ، وقالوا : " ونعلم أن قد صدقتنا " في قولك ، إنا إذا صمنا ثلاثين يوما لا نسأل الله تعالى شيئا إلا أعطانا ، ( ونكون عليها من الشاهدين ) لله بالوحدانية والقدرة ، ولك بالنبوة والرسالة ، وقيل : ونكون من الشاهدين لك عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم .
«قالوا نريد» سؤالها من أجل «أن نأكل منها وتطمئنَّ» تسكن «قلوبنا» بزيادة اليقين «ونعلم» نزداد علما «أن» مخففه أي أنك «قد صدقتنا» في ادعاء النبوة «ونكون عليها من الشاهدين».
قال الحواريون: نريد أن نأكل من المائدة وتسكن قلوبنا لرؤيتها، ونعلم يقينا صدقك في نبوتك، وأن نكون من الشاهدين على هذه الآية أن الله أنزلها حجة له علينا في توحيده وقدرته على ما يشاء، وحجة لك على صدقك في نبوتك.
ثم حكى القرآن ما رد به الحواريون على عيسى فقال : ( قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين ) .أي : قال الحواريون لعيسى إننا نريد نزول هذه المائدة علينا من السماء لأسباب :أولها : إننا نرغب في الأكل منها لننال البركة ، ولأننا في حاجة إلى الطعام بعد أن ضيق علينا أعداؤك وأعداؤنا الذين لم يؤمنوا برسالتك .وثانيها : أننا نرغب في نزولها لكي تزداد قلوبنا اطمئنانا إلى أنك صادق فيما تبلغه عن ربك ، فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالي ، مما يؤدي إلى رسوخ الإِيمان ، وقوة اليقين .وثالثها : أننا نرغب في نزولها لكي نعلم أن قد صدقتنا في دعوة النبوة ، وفي جميع ما تخبرنا به من مأمورات ومنهيات ، لأن نزولها من السماء يجعلها تخالف ما جئتنا به من معجزات أرضية ، وفي ذلك ما فيه من الدلالة على صدقك في نبوتك .ورابع هذه الأسباب : أننا نرغب في نزولها لكي نكون من الشاهدين على هذه المعجزة عند الذين لم يحضروهاه من بني إسرائيل ، ليزداد الذين آمنوا منهم إيماناً ، ويؤمن الذي عنده استعداد للإِيمان .وبذلك نرى أن الحواريين قد بينوا لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - أنهم لا يريدون نزول المائدة من السماء لأنهم يشكون في قدرة الله ، أو في نبوة عيسى أو أن مقصدهم من هذا الطلب التعنت .وإنما هم يريدون نزولها لتلك الأسباب السابقة التي يبغون من ورائها الأكل وزيادة الإِيمان واليقين والشهادة أمام الذين لم يحضروا نزولها بكمال قدرة الله وصدق عيسى في نبوته .
والمعنى كأنهم لما طلبوا ذلك قال عيسى لهم: إنه قد تقدمت المعجزات الكثيرة فاتقوا الله في طلب هذه المعجزة بعد تقدم تلك المعجزات القاهرة، فأجابوا وقالوا إنا لا نطلب هذه المائدة لمجرد أن تكون معجزة بل لمجموع أمور كثيرة: أحدها: أنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلبنا ولا نجد طعاماً آخر.
وثانيها: أنا وإن علمنا قدرة الله تعالى بالدليل، ولكنا إذا شاهدنا نزول هذه المائدة ازداد اليقين وقويت الطمأنينة.
وثالثها: أنا وإن علمنا بسائر المعجزات صدقك، ولكن إذا شاهدنا هذه المعجزة ازداد اليقين والعرفان وتأكدت الطمأنينة.
ورابعها: أن جميع تلك المعجزات التي أوردتها كانت معجزات أرضية، وهذه معجزة سماوية وهي أعجب وأعظم، فإذا شاهدناها كنا عليها من الشاهدين، نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل، ونكون عليها من الشاهدين لله بكمال القدرة ولك بالنبوة.
ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين ﴾ أمرتهم على ألسنة الرسل ﴿ مُّسْلِمُونَ ﴾ مخلصون، من أسلم وجهه لله ﴿ عِيسَى ﴾ في محل النصب على إتباع حركة الابن، كقولك: يا زيد بن عمرو، وهي اللغة الفاشية ويجوز أن يكون مضموماً كقولك: يا زيد بن عمرو.
والدليل عليه قوله: أَحَارِ بْنَ عَمْرٍو كَأَنِّي خَمْر ** وَيَبْدُو عَلَى الْمَرْءِ مَا يَأْتَمِرْ لأنّ الترخيم لا يكون إلا في المضموم.
فإن قلت: كيف قالوا: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ بعد إيمانهم وإخلاصهم؟
قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله: ﴿ إِذَ قَالُواْ ﴾ فآذن إنّ دعواهم كانت باطلة، وإنهم كانوا شاكين، وقوله: (هل يستطيع ربك) كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم، وكذلك قول عيسى عليه السلام لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه، ولا تتحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة.
وقرئ: ﴿ هل تستطيع ربك ﴾ ، أي هل تستطيع سؤال ربك، والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله.
والمائدة: الخوان إذا كان عليه الطعام، وهي من (مادّة) إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدّم إليه ﴿ وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين ﴾ نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله بالوحدانية ولك وبالنبوّة، عاكفين عليها، على أن عليها في موضع الحال، وكانت دعواهم لإرادة ما ذكروا كدعواهم الإيمان والإخلاص.
وإنما سأل عيسى وأجيب ليلزموا الحجة بكمالها ويرسل عليهم العذاب إذا خالفوا.
وقرئ: ﴿ ويعلم ﴾ ، بالياء على البناء للمفعول.
﴿ وتعلم ﴾ .
﴿ وتكون ﴾ ، بالتاء.
والضمير للقلوب ﴿ اللهم ﴾ أصله يا ألله.
فحذف حرف النداء، وعوضت منه الميم.
و ﴿ رَبَّنَا ﴾ نداء ثان ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً ﴾ أي يكون يوم نزولها عيداً.
قيل: هو يوم الأحد.
ومن ثم اتخذه النصارى عيداً، وقيل: العيد السرور العائد، ولذلك يقال: يوم عيد.
فكأنّ معناه: تكون لنا سروراً وفرحاً، وقرأ عبد الله: ﴿ تكون ﴾ ، على جواب الأمر.
ونظيرهما.
يرثني، ويرثني ﴿ لأَوَّلِنَا وَءاخِرِنَا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل، أي لمن في زماننا من أهل ديننا، ولمن يأتي بعدنا.
وقيل: يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم: ويجوز للمقدّمين منا والأتباع.
وفي قراءة زيد: ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ ، والتأنيث بمعنى الأمّة والجماعة ﴿ عَذَاباً ﴾ بمعنى تعذيباً.
والضمير في (لا أعذبه) للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به، لم يكن بدّ من الباء.
وروي أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس صوفاً، ثم قال: اللَّهم أنزل علينا، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين: غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه السلام وقال: اللَّهم اجعلني من الشاكرين، اللَّهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، وقال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها.
فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك، فقام عيسى وتوضأ وصلّى وبكى، ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً.
وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكرّاث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.
فقال شمعون: يا روح الله، أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟
فقال: ليس منهما، ولكنه شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا الله يمددكم الله ويزدكم من فضله: فقال الحواريون: يا روح الله، لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال: يا سمكة أحيي بإذن الله، فاضطربت.
ثم قال لها: عودي كما كنت، فعادت مشوية.
ثم طارت المائدة، ثم عصوا بعدها فمسخوا قردة وخنازير.
وروي أنهم لما سمعوا بالشريطة وهي قوله تعالى: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّى أُعَذّبُهُ ﴾ قالوا: لا نريد فلم تنزل.
وعن الحسن: والله ما نزلت، ولو نزلت لكان عيداً إلى يوم القيامة، لقوله: (وآخرنا).
والصحيح أنها نزلت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها ﴾ تَمْهِيدُ عُذْرٍ وبَيانٌ لِما دَعاهم إلى السُّؤالِ وهو أنْ يَتَمَتَّعُوا بِالأكْلِ مِنها.
﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ﴾ بِانْضِمامِ عِلْمِ المُشاهَدَةِ إلى عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
﴿ وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ﴾ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، أوْ أنَّ اللَّهَ يُجِيبُ دَعْوَتَنا.
﴿ وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ ﴾ إذا اسْتَشْهَدْتَنا أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلْعَيْنِ دُونَ السّامِعِينَ لِلْخَبَرِ.
﴿ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ لَمّا رَأى أنَّ لَهم غَرَضًا صَحِيحًا في ذَلِكَ، أوْ أنَّهم لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ فَأرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ بِكَمالِها.
﴿ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا ﴾ أيْ يَكُونُ يَوْمُ نُزُولِها عِيدًا نُعَظِّمُهُ.
وَقِيلَ العِيدُ السُّرُورُ العائِدُ ولِذَلِكَ سُمِّيَ يَوْمُ العِيدِ عِيدًا.
وقُرِئَ «تَكُنْ» عَلى جَوابِ الأمْرِ.
﴿ لأوَّلِنا وآخِرِنا ﴾ بَدَلٌ مِن لَنا بِإعادَةِ العامِلِ أيْ عِيدًا لِمُتَقَدِّمِينا ومُتَأخِّرِينا.
رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ الأحَدِ فَلِذَلِكَ اتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا.
وقِيلَ يَأْكُلُ مِنها أوَّلُنا وآخِرُنا.
وقُرِئَ «لِأُولانا وأُخْرانا» بِمَعْنى الأُمَّةِ أوِ الطّائِفَةِ.
﴿ وَآيَةً ﴾ عُطِفَ عَلى عِيدًا.
﴿ مِنكَ ﴾ صِفَةٌ لَها أيْ آيَةً كائِنَةً مِنكَ دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ وصِحَّةِ نُبُوَّتِي.
﴿ وارْزُقْنا ﴾ المائِدَةَ والشُّكْرَ عَلَيْها.
﴿ وَأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ ﴾ أيْ خَيْرُ مَن يَرْزُقُ لِأنَّهُ خالِقُ الرِّزْقِ ومُعْطِيهِ بِلا عِوَضٍ.
<div class="verse-tafsir"
{قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا} تبركاً {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} ونزداد يقيناً كقول إبراهيم عليه السلام ولكن ليطمئن قلبى {وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} أي نعلم صدقك عياناً كما علمناه استدلالاً {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين} بما عاينا لمن بعدنا ولما كان السؤال لزيادة العلم لا للتعنت
﴿ قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها ﴾ أيْ أكْلَ تَبَرُّكٍ، وقِيلَ: أكَلَ تَمَتُّعٍ وحاجَةٍ، والإرادَةُ إمّا بِمَعْناها الظّاهِرِ أوْ بِمَعْنى المَحَبَّةِ أيْ نُحِبُّ ذَلِكَ، والكَلامُ كَما قِيلَ تَمْهِيدٌ أوْ عُذْرٌ وبَيانٌ لِما دَعاهم إلى السُّؤالِ أيْ لَسْنا نُرِيدُ مِنَ السُّؤالِ إزاحَةَ شُبْهَتِنا في قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى تَنْزِيلِها أوْ في صِحَّةِ نُبُوَّتِكَ حَتّى يَقْدَحَ ذَلِكَ في الإيمانِ والتَّقْوى، ولَكِنْ نُرِيدُ إلَخْ، أوْ لَيْسَ مُرادُنا اقْتِراحَ الآياتِ لَكِنْ مُرادُنا ما ذُكِرَ ﴿ وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ﴾ بِازْدِيادِ اليَقِينِ كَما قالَ عَطاءٌ و(نَعْلَمَ) عِلْمَ مُشاهِدَةٍ وعَيانٍ عَلى ما قَدَّمْناهُ ﴿ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ﴾ أيْ أنَّهُ قَدْ صَدَقْتَنا في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: في أنَّ اللَّهَ تَعالى يُجِيبُ دَعْوَتَنا، وقِيلَ: فِيما ادَّعَيْتَ مُطْلَقًا ﴿ ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ ﴾ 311 - عِنْدَ مَن لَمْ يَحْضُرْها مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِيَزْدادَ المُؤْمِنُونَ مِنهم بِشَهادَتِنا طُمَأْنِينَةً ويَقِينًا، ويُؤْمِنُ بِسَبَبِها كُفّارُهم أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلْعَيْنِ دُونَ السّامِعِينَ لِلْخَبَرِ، وقِيلَ: مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ ولَكَ بِالنُّبُوَّةُ و(عَلَيْها) مُتَعَلِّقٌ بِالشّاهِدِينَ إنَّ جُعِلَ اللّامُ لِلتَّعْرِيفِ أوْ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ مِنَ الشّاهِدِينَ إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً، وجَوَّزْنا تَفْسِيرَ ما لا يُعْمَلُ لِلْعامِلِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِهِ وفِيهِ تَقْدِيمُ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وحَرْفِ الجَرِّ وكِلاهُما مَمْنُوعٌ ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ النُّحاةِ جَوازُ التَّقْدِيمِ في الظَّرْفِ وعَنْ بَعْضِهِمْ جَوازُهُ مُطْلَقًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنِ اسْمِ كانَ أيْ عاكِفِينَ عَلَيْها وقُرِئَ (يُعْلَمَ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ (وتَعْلَمَ) وتَكُونُ بِالتّاءِ والضَّمِيرُ لِلْقُلُوبِ <div class="verse-tafsir"
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ يعني: ألهمتهم وألقيت في قلوبهم.
ويقال: أوحيت إلى عيسى ليبلغ الحواريين: أَنْ آمِنُوا بِي يعني: صدقوا بتوحيدي وَبِرَسُولِي فلما أبلغهم الرسالة قالُوا آمَنَّا يقول: صدقنا بهما وَاشْهَدْ يا عيسى بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ أي: مقرون.
ويقال: هذا معطوف على أول الكلام.
إذ قال الله يا عيسى.
وقال له أيضاً: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ يعني: ألهمتهم.
وقال مقاتل: يقوم عيسى خطيباً يوم القيامة بهذه الآيات، ويقوم إبليس خطيباً لأهل النار بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم: 22] الآية قوله تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ قرأ الكسائي: بالتاء هَلُ تَسْتَطِيعَ رَبَّكَ وبنصب الباء.
وقرأ الباقون: بالياء وبضم الباء.
فمن قرأ: بالتاء هَلُ تَسْتَطِيعَ رَبَّكَ معناه: هل تستطيع أن تدعو ربك؟
ومن قرأ: بالياء معناه: هل يجيبك ربك؟
أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ وذلك أن عيسى لما خرج، اتبعه خمسة آلاف أو أقل أو أكثر.
بعضهم كانوا أصحابه، وبعضه كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم لمرض كان بهم أو علة، أو كانوا زمنى، أو عمياناً.
وبعضهم كانوا ينظرون ويستهزئون، وبعضهم نظارة.
فخرج إلى موضع، فوقعوا في مفازة ولم يكن معهم نفقة، فجاعوا.
فقالوا للحواريين: قولوا لعيسى حتى يدعو الله تعالى بأن ينزل علينا مائدة من السماء.
فجاءه شمعون.
فأخبره أن الناس يطلبون بأن تدعو الله أن ينزل عليهم مائدة من السماء ف قالَ عيسى: قل لهم اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
ويقال: هذا القول للحواريين: قل لهم اتقوا الله إن كنتم مؤمنين فلا تسألوا لأنفسكم البلاء.
فأخبر شمعون بذلك القوم ف قالُوا لشمعون قل له: نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها يعني المائدة وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا يعني: تسكن قلوبنا إلى ما دعوتنا إليه وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا بأنك نبي وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ لمن غاب عنا، ولمن بعدنا، فقام عيسى وصلى ركعتين.
ثم: <div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ ...
الآية: اعتراضٌ أثناء وَصْفِ حالِ قول اللَّه لعيسى يوم القيامة، مضمّن الاعتراض إخبار نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وأمته بنازلةِ الحواريِّين في المائدة، إذ هي مثالٌ نافعٌ لكلِّ أُمَّة مع نبيِّها تقتدِي بمحاسِنِهِ، وتزدجرُ عمَّا ينفُر منه مِنْ طلب الآياتِ ونحوه، وقرأ الجمهورُ: «هَلْ يَسْتَطِيعُ ربُّك» - بالياءِ ورَفْعِ الباءِ- من «رَبُّكَ» ، والمعنى: هلْ يفعلُ ربُّك هذا، وهلْ تَقَعُ منه إجابةٌ إليه، ولم يكُنْ منهم هذا شَكًّا في قدرة اللَّه سبحَانَهُ إذ هم أعرفُ باللَّه مِنْ أنْ يشكُّوا في قُدْرته، وقرأ الكسائيُّ «١» : «هلْ تسْتَطِيعُ رَبَّكَ» - بالتاء ونصبِ الباءِ مِنْ «رَبَّكَ» -، والمعنى: هل تَسْتطيعُ سؤَالَ ربِّك، وأدغم اللام في التاء، أعني الكسائيَّ، وقال قومٌ: قال الحواريُّون هذه المقالةَ فِي صَدْر الأمر قبل عِلْمهم بأنه يُبْرِىءُ الأكمه والأبْرَصَ، ويُحْيِي الموتى، ويظهر من قوله- عليه السلام-: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: إنكارٌ لقولهم، واقتراحهم الآياتِ، والتعرُّضِ لسَخطِ اللَّه بها، وقلَّةِ طُمَأْنينتهم إلى ما قد ظهر، ولمَّا خاطبهم- عليه السلام- بهذه المخاطَبَة، صرَّحوا بمقاصدهم الَّتي حملَتْهم على طَلَب المائدةِ، فقالوا: نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها فنَشْرُفَ في العالَم، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا، أي: تسكُنَ فِكرُنَا في أمرك بالمعايَنَةِ لأَمْرٍ نازلٍ من السماء بأعيننا، وَنَعْلَمَ علْمَ الضرورةِ والمشاهدةِ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا فلا تَعْرِضُنا الشُّبَهُ التي تَعْرِضُ في عِلْم الاستدلالِ وهذا يؤيِّد أنَّ مقالتهم كانَتْ في مبدأ أَمْرهم، ثم استمروا على إيمانهم، وصَبَرُوا، وهَلَكَ مَنْ كَفَر، وقولهم: وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ، أي: من الشاهدينَ بهذه النازلةِ، النَّاقلين لها إلى غيرنا الدَّاعين إلى هذا الشَّرْع/ بسببها، ورُوِيَ أن الذي نَحَا بهم هذا المنحى مِنَ الاقتراح هو أنَّ عيسى قال لهم مرَّةً: «هَلْ لَكُمْ فِي صِيَامِ ثَلاَثِينَ يَوْماً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ إنْ سَأَلْتُمُوهُ حَاجَةً، قَضَاهَا» ، فَلَمَّا صَامُوهَا، قَالُوا: يا معلِّم الخَيْر، إنَّ حقَّ مَنْ عمل عملاً أنْ يُطْعَمَ، فَهَلْ يستطيعُ ربُّكَ، فأرادوا أن تكون المائدة عيد ذلك الصّوم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها ﴾ هَذا اعْتِذارٌ مِنهم بَيَّنُوا بِهِ سَبَبَ سُؤالِهِمْ حِينَ نُهُوا عَنْهُ.
وفي إرادَتِهِمْ لِلْأكْلِ مِنها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم أرادُوا ذَلِكَ لِلْحاجَةِ، وشِدَّةِ الجُوعِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لِيَزْدادُوا إيمانًا، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والثّالِثُ: لِلتَّبَرُّكِ بِها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: تَطْمَئِنُّ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَعَثَكَ إلَيْنا نَبِيًّا.
والثّانِي: إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اخْتارَنا أعْوانًا لَكَ.
والثّالِثُ: إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أجابَكَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ لَهم عِيسى: هَلْ لَكَمَ أنْ تَصُومُوا لِلَّهِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ لا تَسْألُونَهُ شَيْئًا إلّا أعْطاكُمْ؟
فَصامُوا، ثُمَّ سَألُوا المائِدَةَ.
فَمَعْنى: ( ونَعْلَمُ أنْ صَدَقْتِنا ) في أنّا إذا صُمْنا ثَلاثِينَ يَوْمًا لَمْ نَسْألِ اللَّهَ شَيْئًا إلّا أعْطانا.
وفي هَذا العِلْمِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عِلْمٌ يَحْدُثُ لَهم لَمْ يَكُنْ، وهو قَوْلُ مَن قالَ: كانَ سُؤالُهم قَبْلَ اسْتِحْكامِ مَعْرِفَتِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ زِيادَةُ عِلْمٍ إلى عِلْمٍ، ويَقِينٍ إلى يَقِينٍ، وهو قَوْلُ مَن قالَ: كانَ سُؤالُهم بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَتَعْلَمَ" بِالتّاءِ، والمَعْنى: وتَعْلَمَ القُلُوبُ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الشّاهِدِينَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِنَ الشّاهِدَيْنِ لِلَّهِ بِالقُدْرَةِ، ولَكَ بِالنُّبُوَّةِ.
والثّانِي: عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ إذا رَجَعْنا إلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا مَعَ عِيسى في البَرِّيَّةِ عِنْدَ هَذا السُّؤالِ.
والثّالِثُ: مِنَ الشّاهِدَيْنِ عِنْدَ مَن يَأْتِي مِن قَوْمِنا بِما شاهَدْنا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّكَ نَبِيٌّ.
والرّابِعُ: مِنَ الشّاهِدَيْنِ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ بِأداءَ ما بُعِثْتَ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذْ أوحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشاهِدِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَإذْ أوحَيْتُ"؛ ﴾ هو مِن جُمْلَةِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ عَلى عِيسى؛ و"أوحَيْتُ"؛ في هَذا المَوْضِعِ إمّا أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ؛ أو وحْيَ أمْرٍ؛ كَما قالَ الشاعِرُ: ....................
∗∗∗ أوحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ وبِالجُمْلَةِ فَهو إلْقاءُ مَعْنًى في خَفاءٍ؛ أوصَلَهُ تَعالى إلى نُفُوسِهِمْ كَيْفَ شاءَ.
والرَسُولُ - في هَذِهِ الآيَةِ - عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَوْلُ الحَوارِيِّينَ: ﴿ "واشْهَدْ"؛ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً مِنهم لِلَّهِ تَعالى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ لَفْظَةِ "اَلْحَوارِيِّينَ"؛ في "آلِ عِمْرانَ ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اعْتِراضٌ أثْناءَ وصْفِ حالِ قَوْلِ اللهِ لِعِيسى يَوْمَ القِيامَةِ؛ مُضَمَّنٌ الِاعْتِراضُ إخْبارَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وأُمَّتَهُ؛ بِنازِلَةِ الحَوارِيِّينَ في المائِدَةِ؛ إذْ هي مِثالٌ نافِعٌ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها؛ يُقْتَدى بِمَحاسِنِهِ؛ ويُزْدَجَرُ عَمّا يَنْقَدُ مِنهُ؛ مِن طَلَبِ الآياتِ ونَحْوِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ"؛ بِالياءِ؛ ورَفْعِ الباءِ مِن "رَبُّكَ"؛ وهي قِراءَةُ السَبْعَةِ؛ حاشا الكِسائِيَّ ؛ وهَذا لَيْسَ لِأنَّهم شَكُّوا في قُدْرَةِ اللهِ عَلى هَذا الأمْرِ؛ لَكِنَّهُ بِمَعْنى: هَلْ يَفْعَلُ تَعالى هَذا؟
وهَلْ تَقَعُ مِنهُ إجابَةٌ لَهُ؟
وهَذا كَما قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ؟
فالمَعْنى: هَلْ يَخِفُّ عَلَيْكَ؟
وهَلْ تَفْعَلُهُ؟
أما إنَّ في اللَفْظَةِ بَشاعَةً؛ بِسَبَبِها قالَ عِيسى: ﴿ اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ وبِسَبَبِها مالَ فَرِيقٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ إلى غَيْرِ هَذِهِ القِراءَةِ؛ فَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعائِشَةُ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ -: "هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ"؛ بِالتاءِ؛ ونَصْبِ الباءِ مِن "رَبَّكَ"؛ والمَعْنى: "هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ؟"؛ قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "كانَ الحَوارِيُّونَ أعْرَفَ بِاللهِ مِن أنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ؟".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: نَزَّهَتْهم عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها - عن بَشاعَةِ اللَفْظِ؛ وإلّا فَلَيْسَ يَلْزَمُهم مِنهُ جَهْلٌ بِاللهِ تَعالى؛ عَلى ما قَدْ تَبَيَّنَ آنِفًا؛ وبِمِثْلِ هَذِهِ القِراءَةِ قَرَأ الكِسائِيُّ ؛ وزادَ أنَّهُ أدْغَمَ اللامَ في التاءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ حَسَنٌ؛ و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ "أنْ يُنَزِّلَ"؛ ﴾ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَصْدَرِ المَحْذُوفِ؛ الَّذِي هُوَ: "سُؤالَ"؛ و"أنْ"؛ مَفْعُولٌ بِهِ؛ إذْ هو في حُكْمِ المَذْكُورِ في اللَفْظِ؛ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا مِنهُ؛ إذْ لا يَتِمُّ المَعْنى إلّا بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَغْنى عن تَقْدِيرِ "سُؤالَ"؛ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: "هَلْ يَسْتَطِيعُ أنْ يُنَزِّلَ رَبُّكَ بِدُعائِكَ أو بِأثَرَتِكَ عِنْدَهُ؛ ونَحْوِ هَذا؟"؛ فَيَرُدُّكَ المَعْنى - ولا بُدَّ - إلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ اللَفْظِ.
و"اَلْمائِدَةُ": "فاعِلَةٌ"؛ مِن "مادَ"؛ إذا تَحَرَّكَ؛ هَذا قَوْلُ الزَجّاجِ ؛ أو مِن "مادَ"؛ إذا مارَ؛ وأطْعَمَ؛ كَما قالَ رُؤْبَةُ: تُهْدى رُؤُوسُ المُتْرَفِينَ الأنْدادِ ∗∗∗ ∗∗∗ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتادِ أيْ: اَلَّذِي يُسْتَطْعَمُ؛ ويُمْتادُ مِنهُ.
وَقَوْلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿ اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ تَقْرِيرٌ لَهُمْ؛ كَما تَقُولُ: "اِفْعَلْ كَذا؛ وكَذا؛ إنْ كُنْتَ رَجُلًا"؛ ولا خِلافَ أحْفَظُهُ في أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ؛ وهَذا هو ظاهِرُ الآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: قالَ الحَوارِيُّونَ هَذِهِ المَقالَةَ في صَدْرِ الأمْرِ؛ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ؛ والأبْرَصَ؛ ويُحْيِي المَوْتى؛ ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿ "اتَّقُوا اللهَ"؛ ﴾ إنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ؛ وذَلِكَ - عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يَسْتَطِيعُ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلُ - مُتَوَجِّهٌ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما بَشاعَةُ اللَفْظِ؛ والآخَرُ إنْكارُ طَلَبِ الآياتِ؛ والتَعَرُّضِ إلى سُخْطِ اللهِ بِها؛ والنُبُوّاتُ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلى أنْ تُتَعَنَّتَ؛ وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُخْرى فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ إلّا الِاقْتِراحَ وقِلَّةَ طُمَأْنِينَتِهِمْ إلى ما قَدْ ظَهَرَ مِن آياتِهِ؛ فَلَمّا خاطَبَهم - عَلَيْهِ السَلامُ - بِهَذِهِ المَقالَةِ صَرَّحُوا بِالمَذاهِبِ الَّتِي حَمَلَتْهم عَلى طَلَبِ المائِدَةِ؛ فَقالُوا: نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها؛ فَنَشْرُفَ في العالَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لِأنَّ هَذا الأكْلَ لَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ شَبَعَ البَطْنِ.
﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ﴾ ؛ مَعْناهُ: "يَسْكُنَ فِكْرُنا في أمْرِكَ بِالمُعايَنَةِ لِأمْرٍ نازِلٍ مِنَ السَماءِ بِأعْيُنِنا؛ ﴿ "وَنَعْلَمَ" ﴾ عِلْمَ الضَرُورَةِ والمُشاهَدَةِ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا؛ فَلا تَعْتَرِضَنا الشُبَهُ الَّتِي تَعْرِضُ في عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبِهَذا يُتَرَجَّحُ قَوْلُ مَن قالَ: كانَ هَذا قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِآياتِهِ؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ أنَّ وحْيَ اللهِ إلَيْهِمْ: ﴿ "أنْ آمِنُوا"؛ ﴾ إنَّما كانَ في صَدْرِ الأمْرِ؛ وعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ؛ ثُمَّ آمَنُوا؛ ورَأوُا الآياتِ؛ واسْتَمَرُّوا؛ وصَدُّوا؛ وهَلَكَ مَن كَفَرَ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَيُعْلَمَ"؛ بِالياءِ مَضْمُومَةً؛ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشاهِدِينَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "مِنَ الشاهِدِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ الناقِلِينَ لَها إلى غَيْرِنا؛ الداعِينَ إلى هَذا الشَرْعِ بِسَبَبِها".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورُوِيَ أنَّ الَّذِي نَحا بِهِمْ هَذا المَنحى مِنَ الِاقْتِراحِ هو أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَ لَهم مَرَّةً: "هَلْ لَكم في صِيامِ ثَلاثِينَ يَوْمًا لِلَّهِ؛ ثُمَّ إنْ سَألْتُمُوهُ حاجَةً قَضاها؟"؛ فَلَمّا صامُوها قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ؛ "إنَّ حَقَّ مَن عَمِلَ عَمَلًا أنْ يُطْعَمَ؛ فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ؟"؛ فَأرادُوا أنْ تَكُونَ المائِدَةُ عِنْدَ ذَلِكَ الصَوْمِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة: ﴿ إذ قال الحواريّون ﴾ يجوز أن تكون من تمام الكلام الذي يكلّم الله به عيسى يومَ يجمع الرسل، فيكون ﴿ إذ ﴾ ظرفا متعلّقاً بفعل ﴿ قالوا آمنّا ﴾ [المائدة: 111] فيكون ممّا يذكر الله به عيسى يوم يجمع الرسل، فحكي على حسب حصوله في الدنيا وليس ذلك بمقتض أنّ سؤالهم المائدة حصل في أول أوقات إيمانهم بل في وقت آخر ﴿ قالوا آمنّا واشهد بأنّنا مسلمون ﴾ [المائدة: 111]؛ فإنّ قولهم ﴿ آمنّا ﴾ قد يتكرّر منهم بمناسبات، كما يكون عند سماعهم تكذيب اليهود عيسى، أو عندما يشاهدون آيات على يد عيسى، أو يقولونه لإعادة استحضار الإيمان شأن الصدّيقيين الذين يحاسبون أنفسهم ويصقلون إيمانهم فيقولون في كلّ معاودة.
آمنّا واشهد بأنّنا مسلمون.
وأمّا ما قرّر به «الكشاف» ومتابعوه فلا يحسن تفسير الكلام به.
ويجوز أن يكون جملة: ﴿ إذ قال الحواريّون ﴾ ابتدائية بتقدير: اذكر، على أسلوب قوله تعالى ﴿ إذْ قال موسى لأهله إنّي آنست ناراً ﴾ في سورة النمل (7)، فيكون الكلام تخلّصاً إلى ذكر قصّة المائدة لمناسبة حكاية ما دار بين عيسى وبين الحواريّين في قوله تعالى: ﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريّين أن آمنوا بي وبرسولي ﴾ [المائدة: 111] وابتدأوا خطابهم عيسى بندائه باسمه للدلالة على أنّ ما سيقولونه أمر فيه اقتراح وكلفة له، وكذلك شأن من يخاطب من يتجشّم منه كلفة أن يطيل خطابه طلباً لإقبال سمعه إليه ليكون أوعى للمقصود.
وجرى قوله تعالى: ﴿ هل يستطيع ربّك ﴾ على طريقة عربية في العرض والدعاء، يقولون للمستطيع لأمر: هل تستطيع كذا، على معنى تطلّب العذر له إن لم يجبك إلى مطلوبك وأنّ السائل لا يحبّ أن يكلّف المسؤول ما يشقّ عليه، وذلك كناية فلم يبق منظوراً فيه إلى صريح المعنى المقتضي أنّه يشكّ في استطاعة المسؤول، وإنّما يقول ذلك الأدنى للأعلى منه، وفي شيء يعلم أنه مستطاع للمسؤول، فقرينة الكناية تحقّقُ المسؤول أنّ السائل يعلم استطاعته.
ومنه ما جاء في حديث يحيى المازني «أنّ رجلاً قال لعبد الله بن زيد: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله يتوضّأ».
فإنّ السائل يعلم أنّ عبد الله بن زيد لا يشقّ عليه ذلك.
فليس قول الحواريّين المحكي بهذا اللفظ في القرآن إلاّ لفظاً من لغتهم يدلّ على التلطّف والتأدّب في السؤال، كما هو مناسب أهل الإيمان الخالص.
وليس شكّاً في قدرة الله تعالى ولكنّهم سألوا آية لزيادة اطمئنان قلوبهم بالإيمان بأن ينتقلوا من الدليل العقلي إلى الدليل المحسوس.
فإنّ النفوس بالمحسوس آنس، كما لم يكن سؤال إبراهيم بقوله ﴿ ربّ أرني كيف تحيي الموتى ﴾ [البقرة: 260] شكّاً في الحال.
وعلى هذا المعنى جرى تفسير المحققين مثل ابن عطية، والواحدي، والبغوي خلافاً لما في «الكشاف».
وقرأ الجمهور: ﴿ يستطيع ﴾ بياء الغيبة ورفع ﴿ ربُّك ﴾ .
وقرأه الكسائي ﴿ هل تَستطيع ربَّك ﴾ بتاء المخاطب ونصب الباء الموحّدة من قوله ﴿ ربّك ﴾ على أنّ ﴿ ربّك ﴾ مفعول به، فيكون المعنى هل تسأل لنا ربّك، فعبّر بالاستطاعة عن طلب الطاعة، أي إجابة السؤال.
وقيل: هي على حذف مضاف تقديره هل تستطيع سؤال ربّك، فأقيم المضاف إليه مُقام المضاف في إعرابه.
وفي رواية الطبري عن عائشة قالت: كان الحواريّون أعلم بالله عزّ وجل من أن يقولوا: هل يستطيع ربّك، ولكن قالوا: هل تستطيع ربّك.
وعن معاذ بن جبل أقرأنا النبي ﴿ هل تستطيع ربّك ﴾ .
واسم ﴿ مائدة ﴾ هو الخوان الموضوع عليه طعام، فهو اسم لمعنى مركّب يدلّ على طعاممٍ وما يوضع عليه.
والخِوان بكسر الخاء وضمّها تخت من خشب له قوائم مجعول ليوضع عليه الطعام للأكل، اتّفقوا على أنّه معرّب.
قال الجواليقي: هو أعجمي.
وفي حديث قتادة عن أنس قال: ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان قطّ، ولا في سُكُرُّجَة، قال قتادة: قلت لأنس: فعلاَم كنتم تأكلون قال: على السُّفَر، وقيل: المائدة اسم الطعام، وإن لم يكن في وعاء ولا على خِوان.
وجزم بذلك بعض المحقّقين من أهل اللغة، ولعلّه مجاز مرسل بعلاقة المحلّ.
وذكر القرطبي أنّه لم تكن للعرب موائد إنّما كانت لهم السفرة.
وما ورد في الحديث من قول ابن عباس في الضبّ: لو كان حراماً ما أُكل على مائدة رسول الله، إنّما يعني به الطعام الموضوع على سفرة.
واسم السفرة غلب إطلاقه على وعاء من أديم مستدير له معاليق ليرفع بها إذا أريد السفر به.
وسمّيت سفرة لأنّها يتّخذها المسافر.
وإنّما سأل الحواريّون كون المائدة منزّلة من السماء لأنّهم رغبوا أن تكون خارقة للعادة فلا تكون ممّا صنع في العالم الأرضي فتعيّن أن تكون من عالم علوي.
وقول عيسى حين أجابهم ﴿ اتّقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ أمر بملازمة التقوى وعدم تزلزل الإيمان، ولذلك جاء بِ ﴿ إن ﴾ المفيدة للشكّ في الإيمان ليعلم الداعي إلى ذلك السؤال خشية أن يكون نشأ لهم عن شكّ في صدق رسولهم، فسألوا معجزة يعلمون بها صدقه بعد أن آمنوا به، وهو قريب من قوله تعالى لإبراهيم المحكي في قوله: ﴿ قال أو لم تؤمن ﴾ ، أي ألم تكن غنيّاً عن طلب الدليل المحسوس.
فالمراد بالتقوى في كلام عيسى ما يشمل الإيمان وفروعه.
وقيل: نهاهم عن طلب المعجزات، أي إن كنتم مؤمنين فقد حصل إيمانكم فما الحاجة إلى المعجزة.
فأجابوه عن ذلك بأنّهم ما أرادوا ذلك لضعف في إيمانهم إنّما أرادوا التيمّن بأكل طعام نزل من عند الله إكراماً لهم، ولذلك زادوا ﴿ منها ﴾ ولم يقتصروا على ﴿ أن نأكل ﴾ إذ ليس غرضهم من الأكل دفع الجوع بل الغرض التشرّف بأكل من شيء نازل من السماء.
وهذا مثل أكل أبي بكر من الطعام الذي أكَل منه ضيفه في بيته حين انتظروه بالعشاء إلى أن ذهب جزء من الليل، وحضر أبو بكر وغضب من تركهم الطعام، فلمّا أخذوا يطعمون جعل الطعام يربو فقال أبو بكر لزوجه: ما هذا يا أختَ بني فِراس.
وحمل من الغد بعض ذلك الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منه.
ولذلك قال الحواريّون: ﴿ وتطمئنّ قلوبنا ﴾ أي بمشاهدة هذه المعجزة فإنّ الدليل الحسي أظهر في النفس، ﴿ ونعلم أن قد صدقتنا ﴾ ، أي نعلم علم ضرورة لا علم استدلال فيحصل لهم العلمان، ﴿ ونكون عليها من الشاهدين ﴾ ، أي من الشاهدين على رؤية هذه المعجزة فنبلّغها من لم يشهدها.
فهذه أربع فوائد لسؤال إنزال المائدة، كلّها درجات من الفضل الذي يرغب فيه أمثالهم.
وتقديم الجارّ والمجرور في قوله ﴿ عليها من الشاهدين ﴾ للرعاية على الفاصلة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ ، قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ هَل تَّسْتَطِيع رَبَّكَ بِالتّاءِ والإدْغامِ، ورَبَّكَ بِالنَّصْبِ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ هَلْ تَسْتَدْعِي طاعَةَ رَبِّكَ فِيما تَسْألُهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعائِشَةُ.
وَقَرَأ الباقُونَ ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ بِالياءِ والإظْهارِ، وفي ذَلِكَ التَّأْوِيلِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هَلْ يَقْدِرُ رَبُّكَ، فَكانَ هَذا السُّؤالُ في ابْتِداءِ أمْرِهِمْ قَبْلَ اسْتِحْكامِ مَعْرِفَتِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: مَعْناهُ هَلْ يَفْعَلُ رَبُّكَ، قالَهُ الحَسَنُ، لِأنَّهم سُمُّوا بِالحَوارِيِّينَ بَعْدَ إيمانِهِمْ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ هَلْ يَسْتَجِيبُ لَكَ رَبُّكَ ويُطِيعُكَ.
﴿ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ﴾ قالَهُ السُّدِّيُّ، قالَ قُطْرُبٌ: والمائِدَةُ لا تَكُونُ مائِدَةً حَتّى يَكُونَ عَلَيْها طَعامٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ قِيلَ: خِوانٌ، وفي تَسْمِيَتِها مائِدَةً وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها تَمِيدُ ما عَلَيْها أيْ تُعْطِي، قالَ رُؤْبَةُ ...
...
...
∗∗∗ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتادِ أيِ المُسْتَعْطِي.
والثّانِي: لِحَرَكَتِها بِما عَلَيْها مِن قَوْلِهِمْ: مادَ الشَّيْءُ إذا مالَ وتَحَرَّكَ، قالَ الشّاعِرُ لَعَلَّكَ باكٍ إنْ تَغَنَّتْ حَمامَةٌ ∗∗∗ يَمِيدُ غُصْنٌ مِنَ الأيْكِ مائِلُ ﴿ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي اتَّقُوا مَعاصِيَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِهِ، وإنَّما أمَرَهم بِذَلِكَ لِأنَّهُ أوْلى مِن سُؤالِهِمْ.
والثّانِي: يَعْنِي اتَّقُوا اللَّهَ في سُؤالِ الأنْبِياءِ إمّا طَلبًا لِعَنَتِهِمْ وإمّا اسْتِزادَةً لِلْآياتِ مِنهم، إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِهِمْ ومُصَدِّقِينَ لَهم لِأنَّ ما قامَتْ بِهِ دَلائِلُ صِدْقِهِمْ يُغْنِيكم عَنِ اسْتِزادَةِ الآياتِ مِنهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها ﴾ وهَذا اعْتِذارٌ مِنهم بَيَّنُوا بِهِ سَبَبَ سُؤالِهِمْ حِينَ نُهُوا عَنْهُ فَقالُوا: ﴿ نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا الأكْلَ مِنها لِلْحاجَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْها.
والثّانِي: أنَّهم أرادُوهُ تَبَرُّكًا بِها لا لِحاجَةٍ دَعَتْهم إلَيْها، وهَذا أشْبَهُ لِأنَّهم لَوِ احْتاجُوا لَمْ يُنْهَوْا عَنِ السُّؤالِ.
﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَطْمَئِنُّ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَعَثَكَ إلَيْنا نَبِيًّا.
والثّانِي: تَطْمَئِنُّ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اخْتارَنا لَكَ أعْوانًا.
والثّالِثُ: تَطْمَئِنُّ إلى أنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَنا إلى ما سَألْنا.
﴿ وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ﴾ في أنَّكَ نَبِيٌّ إلَيْنا، وذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ.
وَعَلى الوَجْهِ الثّانِي: صَدَقْتَنا في أنَّنا أعْوانٌ لَكَ.
وَعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ: أنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَنا إلى ما سَألْنا.
وَفي قَوْلِهِمْ ﴿ وَنَعْلَمَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عِلْمٌ مُسْتَحْدَثٌ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ السُّؤالَ كانَ قَبْلَ اسْتِحْكامِ المَعْرِفَةِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اسْتَزادُوا بِذَلِكَ عِلْمًا إلى عِلْمِهِمْ ويَقِينًا إلى يَقِينِهِمْ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ السُّؤالَ كانَ بَعْدَ التَّصْدِيقِ والمَعْرِفَةِ.
﴿ وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: مِنَ الشّاهِدِينَ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ بِأنَّكَ قَدْ أدَّيْتَ ما بَعَثَكَ بِهِ إلَيْنا.
والثّانِي: مِنَ الشّاهِدِينَ عِنْدَ مَن يَأْتِي مِن قَوَّمِنا بِما شاهَدْناهُ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّكَ نَبِيٌّ إلَيْهِمْ وإلَيْنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ﴾ إنَّما زِيدَتِ المِيمُ في آخِرِ اللَّهُمَّ مُثَقَّلَةً عِوَضًا عَنْ حَرْفِ النِّداءِ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ حَرْفُ النِّداءِ فَلا يُقالُ يا اللَّهُمَّ لِأنَّ المِيمَ المُعَوِّضَةَ مِنهُ أغْنَتْ عَنْهُ، فَأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ وما عَلَيْكِ أنْ تَقُولِي كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحْتِ أوْ هَلَّلْتِ يا اللَّهُمَّ ∗∗∗ أرْدِدْ عَلَيْنا شَيْخَنا مُسْلِمًا ∗∗∗ فَإنَّنا مِن خَيْرِهِ لَنْ نُعْدَما فَلِأنَّ ضَرُورَةَ الشِّعْرِ جَوَّزَتْهُ.
سَألَ عِيسى رَبَّهُ، أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمُ المائِدَةَ الَّتِي سَألُوهُ، وفي سُؤالِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالسُّؤالِ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ السُّؤالَ بَعْدَ اسْتِحْكامِ المَعْرِفَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ رَغْبَةٌ مِنهُ إلى اللَّهِ تَعالى في إظْهارِ صِدْقِهِ لَهم، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ السُّؤالَ قَبْلَ اسْتِحْكامِ المَعْرِفَةِ.
﴿ تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن بَعْدَنا قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.
وَقِيلَ: إنَّ المائِدَةَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ في يَوْمِ الأحَدِ غَداةً وعَشِيَّةً، ولِذَلِكَ جَعَلُوا الأحَدَ عِيدًا.
والثّانِي: مَعْناهُ عائِدَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا، وبُرْهانًا لَنا ولِمَن بَعْدَنا.
والثّالِثُ: يَعْنِي نَأْكُلُ مِنها جَمِيعًا، أوَّلُنا وآخِرُنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَآيَةً مِنكَ ﴾ يَعْنِي عَلامَةَ الإعْجازِ الدّالَّةَ عَلى تَوْحِيدِكَ وقِيلَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِكَ.
الشُّكْرُ عَلى ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيْنا مِن إجابَتِكَ، وقِيلَ: ارْزُقْنا ذَلِكَ مِن عِنْدِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ﴾ وهَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أجابَ بِهِ سُؤالَ عِيسى كَما كانَ سُؤالُ عِيسى إجابَةً لِلْحَوارِيِّينَ.
واخْتَلَفُوا في نُزُولِ المائِدَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ.
أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِخَلْقِهِ، يَنْهاهم بِهِ عَنْ مَسْألَةِ الآياتِ لِأنْبِيائِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهم سَألُوا ووَعَدَهم بِالإجابَةِ، فَلِما قالَ لَهُمْ: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ اسْتَعَفُّوا مِنها فَلَمْ تَنْزِلْ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنَّهم سَألُوا فَأجابَهم، ولَمْ يَسْتَعِفُّوا، لِأنَّهُ ما حَكى الِاسْتِعْفاءَ عَنْهم، ثُمَّ أنْزَلَها عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ قَدْ وعَدَهم، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْلِفَ وعْدَهُ.
وَمَن قالَ بِهَذا اخْتَلَفُوا في الَّذِي كانَ عَلَيْها حِينَ نَزَلَتْ عَلى سِتَّةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ عَلَيْها ثِمارُ الجَنَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ عَلَيْها خُبْزٌ ولَحْمٌ، قالَهُ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ عَلَيْها سَبْعَةُ أرْغِفَةٍ، قالَهُ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والرّابِعُ: كانَ عَلَيْها سَمَكَةٌ فِيها طَعْمُ كُلِّ الطَّعامِ، قالَهُ عَطاءٌ، وعَطِيَّةُ.
والخامِسُ: كانَ عَلَيْها كُلُّ طَعامٍ إلّا اللَّحْمَ، قالَهُ مَيْسَرَةُ.
والسّادِسُ: رَغِيفانِ وحُوتانِ، أكَلُوا مِنها أرْبَعِينَ يَوْمًا في سُفْرَةٍ، وكانُوا ومَن مَعَهم نَحْوَ خَمْسَةِ آلافٍ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
وَأُمِرُوا أنْ يَأْكُلُوا مِنها ولا يَخُونُوا ولا يَدَّخِرُوا، فَخانُوا وادَّخَرُوا فَرُفِعَتْ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن عالِمِي زَمانِهِمْ.
والثّانِي: مِن سائِرِ العالِمِينَ كُلِّهِمْ.
وَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو أنْ يَمْسَخَهم قِرَدَةً، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ جِنْسٌ مِنَ العَذابِ لا يُعَذَّبُ بِهِ غَيْرُهم لِأنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ أنْ رَأوْا مِنَ الآياتِ ما لَمْ يَرَهُ غَيْرُهم، فَكانُوا أعْظَمَ كُفْرًا فَصارُوا أعْظَمَ عَذابًا.
وَهَلْ هَذا العَذابُ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ؟
قَوْلانِ: وفي الحَوارِيِّينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم خَواصُّ الأنْبِياءِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المَندُوبُونَ لِحِفْظِ شَرائِعِهِمْ إمّا بِجِهادٍ أوْ عِلْمٍ.
وَفي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، تَشْبِيهًا بِما هم عَلَيْهِ مِن نَقاءِ سَرائِرِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهو بِلُغَةِ القِبْطِ حِوارِيٌّ.
والثّانِي: لِنَظافَةِ ثِيابِهِمْ وطَهارَتِها بِطَهارَةِ قُلُوبِهِمْ.
والثّالِثُ: بِجِهادِهِمْ عَنْ أنْبِيائِهِمْ، قالَ الشّاعِرُ ؎ ونَحْنُ أُناسٌ نَمْلَأُ البِيدَ مَأْمَنًا ∗∗∗ ونَحْنُ حَوارِيُّونَ حِينَ نُزاحِفُ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا هل يستطيع ربك، إنما قالوا: هل تستطيع أنت، ربك هل تستطيع أن تدعوه.
وأخرج الحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل عن قول الحواريين ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ أو تستطيع ربك؟
فقال؟
أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ هل تستطيع ربك ﴾ بالتاء.
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه قرأها ﴿ هل تستطيع ربك ﴾ بالتاء ونصب ربك.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير عن سعيد بن جبير أنه قرأها ﴿ هل تستطيع ربك ﴾ قال: هل تستطيع أن تسأل ربك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر الشعبي أن علياً كان يقرأها ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ قال: هل يعطيك ربك.
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن وثاب وأبي رجاء أنهما قرآ ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ بالياء والرفع.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ﴾ قال: قالوا: هل يطيعك ربك إن سألته، فأنزل الله عليهم مائدة من السماء فيها جميع الطعام إلا اللحم، فأكلوا منها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ مائدة ﴾ قال: المائدة الخوان.
وفي قوله: ﴿ وتطمئن ﴾ قال: توقن.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا ﴾ يقول: نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا ﴾ قال: أرادوا أن تكون لعقبهم من بعدهم.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وأبو بكر الشافعي في فوائده المعروفة بالغيلانيات عن سلمان الفارسي قال: لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة كره ذلك جداً، وقال: اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية، فابتلوا بها حتى كان بوارهم فيها، فأبوا إلا أن يأتيهم بها، فلذلك ﴿ قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين ﴾ .
فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها قام فألقى عنه الصوف، ولبس الشعر الأسود، وجبة من شعر، وعباءة من شعر، ثم توضأ واغتسل ودخل مصلاه، فصلى ما شاء الله، فلما قضى صلاته قام قائماً مستقبل القبلة، وصف قدميه حتى استويا فألصق الكعب بالكعب، وحاذي الأصابع بالأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغض بصره، وطأطأ رأسه خشوعاً، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه، فلما رأى ذلك دعا الله فقال: ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا ﴾ تكون عظة منك لنا ﴿ وآية منك ﴾ أي علامة منك تكون بيننا وبينك، وارزقنا عليها طعاماً نأكله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ .
فأنزل الله عليهم سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفاً للشروط التي اتخذ الله فيها عليهم، إنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين، وهو يدعو الله في مكانه ويقول: إلهي اجعلها رحمة، إلهي لا تجعلها عذاباً، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني، إلهي اجعلنا لك شاكرين، إلهي أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضباً ورجزاً، إلهي اجعلها سلامة وعافية ولا تجعلها فتنة ومثلة، فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى، والحواريون وأصحابه حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط، وخر عيسى والحواريون لله سجداً شكراً له بما رزقهم من حيث لم يحتسبوا، وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة.
وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمراً عجباً أورثهم كمداً وغماً، ثم انصرفوا بغيظ شديد، وأقبل عيسى والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة، فإذا عليه منديل مغطى قال عيسى: من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة وأوثقنا بنفسه وأحسننا بلاء عند ربه فليكشف عن هذه الآية حتى نراها، ونحمد ربنا، ونذكر باسمه، ونأكل من رزقه الذي رزقنا، فقال الحواريون: يا روح الله وكلمته، أنت أولانا بذلك وأحقنا بالكشف عنها.
فقام عيسى: فاستأنف وضوءاً جديداً، ثم دخل مصلاه فصلى بذلك ركعات، ثم بكى طويلاً ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقاً، ثم انصرف وجلس إلى السفرة، وتناول المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين، وكشف عن السفرة، وإذا هو عليها سمكة ضخمة مشوية ليس عليها بواسير، وليس في جوفها سوك، يسيل منها السمن سيلاً، قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر خمس رمانات، فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى: يا روح الله وكلمته أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟
فقال: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل، ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب هذه الآية.
فقال شمعون: لا وإله إسرائيل ما أردت بها سوءاً يا ابن الصديقة.
فقال عيسى: ليس شيء مما ترون عليها من طعام الجنة ولا من طعام الدنيا، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة، فقال له كن فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا مما سألتم بسم الله، واحمدوا عليه ربكم يمدكم منه ويزدكم، فإنه بديع قادر شاكر.
فقال يا روح الله وكلمته إنا نحب أن ترينا آية في هذه الآية.
فقال عيسى: سبحان الله..
!
أما اكتفيتم بما رأيتم من هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى!
ثم أقبل عيسى على السمكة فقال: يا سمكة عودي بإذن الله حية كما كنت، فأحياها الله بقدرته فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية تلمظ كما يتلمظ الأسد، تدور عيناها لها بصيص، وعادت عليها بواسيرها، ففزع القوم منها وانحاسوا، فلما رأى عيسى ذلك منهم قال: ما لكم تسألون الآية فإذا أراكموها ربكم كرهتموها، ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون!
يا سمكة عودي بإذن الله كما كنت، فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول.
فقالوا لعيسى: كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها ثم نحن بعد.
فقال: معاذ الله من ذلك، يبدأ بالأكل كل من طلبها.
فلما رأى الحواريون وأصحابهم امتناع نبيهم منها خافوا أن يكون نزولها سخطة وفي أكلها مثلة فتحاموها، فلما رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراء والزمنى وقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم، يكون مهناها لكم وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم بسم الله واختتموه بحمد الله ففعلوا، فأكل منها ألف وثلثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ.
ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئة إذ نزلت من السماء لم ينتقص منه شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون فاستغنى كل فقير أكل منها، وبريء كل زمن منهم أكل منها، فلم يزالوا أغنياء صحاحاً حتى خرجوا من الدنيا، وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سألت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات.
قال: فكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنو إسرائيل إليها من كل مكان يسعون يزاحم بعضهم بعضاً، الأغنياء والفقراء والنساء والصغار والكبار والأصحاء والمرضى يركب بعضهم بعضاً، فلما رأى عيسى ذلك جعلها نوباً بينهم، فكانت تنزل يوماً ولا تنزل يوماً، فلبثوا في ذلك أربعين يوماً تنزل عليهم غباً عند ارتفاع الضحى، فلا تزال موضوعة يؤكل منها، حتى إذا قالوا ارتفعت عنهم بإذن الله إلى جو السماء وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم.
فأوحى الله إلى عيسى أن اجعل رزقي في المائدة لليتامى والفقراء والزمنى دون الأغنياء من الناس، فلما فعل الله ذلك ارتاب بها الأغنياء وغمصوا ذلك، حتى شكوا فيها في أنفسهم وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته، وقذف وساوسه في قلوب المرتابين، حتى قالوا لعيسى: أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء حق فإنه ارتاب بها بشر منا كثير.
قال عيسى: كذبتم وإله المسيح، طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم، فلما أن فعل وأنزلها الله عليكم رحمة ورزقاً وأراكم فيها الآيات والعبر كذبتم بها وشككتم فيها، فأبشروا بالعذاب فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله، وأوحى الله إلى عيسى إني آخذ المكذبين بشرطي، فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة من نسائهم آمنين، فلما كان من آخر الليل مسخهم الله خنازير، وأصبحوا يتتبعون الأقذار في الكناسات.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس.
أنه كان يحدث عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً؟
ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا ثم قالوا: يا معلم الخير قلت لنا إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا، ﴿ هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ﴾ إلى قوله: ﴿ أحداً من العالمين ﴾ فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.
وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن عمار بن ياسر موقوفاً مثله.
قال الترمذي: والوقف أصح.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال: نزلت المائدة عليها ثمر من ثمر الجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: المائدة سمكة وأريغفة.
وأخرج سفيان بن عيينة عن عكرمة.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا بنو إسرائيل ما خنز الخبز ولا أنتن اللحم، ولكن خَبَّأوه لغد فأُنتن اللحم وخنز الخبز» .
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد عن أبي عبد الرحمن السلمي في قوله: ﴿ أنزل علينا مائدة من السماء ﴾ قال: خبزاً وسمكاً.
وأخرج ابن الأنباري وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن جبير قال: نزلت المائدة وهي طعام يفور، فكانوا يأكلون منها قعوداً، فأحدثوا فرفعت شيئاً فأكلوا على الركب، ثم أحدثوا فرفعت البتة.
وأخرج ابن الأنباري عن وهب بن منبه قال: كانت مائدة يجلس عليها أربعة آلاف فقالوا لقوم من وضعائهم: إن هؤلاء يلطخون ثيابنا علينا فلو بنينا لها دكاناً يرفعها، فبنوا لها دكاناً فجعلت الضعفاء لا تصل إلى شيء، فلما خالفوا أمر الله عز وجل رفعها عنهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ عن عطية العوفي قال: المائدة سمكة فيها من طعم كل طعام.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة.
أن الخبز الذي أنزل مع المائدة كان من أرز.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: نزل على عيسى ابن مريم والحواريين خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما تولوا إذا شاؤوا.
وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في كتاب الأضداد من طريق عكرمة عن ابن عباس في المائدة قال: كان طعاماً ينزل عليهم من السماء حيثما نزلوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: هو الطعام ينزل عليهم حيث نزلوا.
وأخرج ابن جرير عن إسحاق بن عبد الله.
أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات يأكلون منها ما شاؤوا، فسرق بعضهم منها وقال: لعلها لا تنزل غداً فرفعت.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري وأبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أنها كانت مائدة ينزل عليها الثمر من ثمار الجنة، وأمروا أن لا يخبئوا ولا يخونوا ولا يدخروا لغد بلاء أبلاهم الله به، وكانوا إذا فعلوا شيئاً من ذلك أنبأهم به عيسى، فخان القوم فيه فخبأوا وادَّخَروا لِغدٍ.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: أنزل على المائدة كل شيء إلا اللحم.
والمائدة الخوان.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ميسرة وزاذان قالا: كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت الأيدي فيها بكل طعام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه سئل عن المائدة التي أنزلها الله من السماء على بني إسرائيل؟
قال: كان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاؤوا من ضروب شتى، فكانت يقعد عليها أربعة آلاف، فإذا أكلوا أبدل الله مكان ذلك بمثله، فلبثوا بذلك ما شاء الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أنزل علينا مائدة من السماء ﴾ قال: هو مثل ضرب ولم ينزل عليهم شيء.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: مائدة عليها طعام أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبوا أن ينزل عليهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن الحسن قال: لما قيل لهم ﴿ فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً ﴾ قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل عليهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال: ذكر لنا أنهم لما صنعوا في المائدة ما صنعوا حوِّلوا خنازير.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بعد ما جاءته المائدة ﴿ فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ يقول: أعذبه بعذاب لا أعذبه أحداً غير أهل المائدة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو قال: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة والمنافقون وآل فرعون.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ إني منزلها ﴾ مثقلة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا ﴾ أي: نريد السؤال من أجل هذا الذي ذكرناه (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ قال عطاء: نزداد يقينًا (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ أي: لله بالتوحيد لأجل الدليل الذي نراه في المائدة، ولك بالنبوة من جهة ذلك الدليل أيضًا، وقال عطاء: يريد شهودًا (٤) (٥) (١) "تفسير الطبري" 7/ 131.
(٢) "زاد المسير" 2/ 457.
(٣) انظر: البغوي 3/ 118.
(٤) في (ش): (شهودًا لك).
(٥) "زاد المسير" 2/ 458.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا ﴾ أي أكلا نتشرف به بين الناس، وليس مرادهم شهوة البطن ﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ أي نعاين الآية فيصير إيماننا بالضرورة والمشاهدة، فلا تعرض لنا الشكوك التي تعرض في الاستدلال ﴿ وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا ﴾ ظاهره يقوي قول من قال إنهم إنما قالوا ذلك قبل تمكن إيمانهم، ويحتمل أن يكون المعنى نعلم علماً ضرورياً لا يحتمل الشك ﴿ وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين ﴾ أي نشهد بها عند من لم يحضرها من الناس ﴿ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ اللهم رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء ﴾ أجابهم عيسى إلى سؤال المائدة من الله، وروي أنه لبس جبة شعر ورداء شعر، وقام يصلي ويدعو ويبكي ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ﴾ قيل: نتخذ يوم نزولها عيداً يدور كل عام لأول الأمة، ثم لمن بعدهم، وقال ابن عباس: المعنى تكون مجتمعاً لجميعنا أوّلنا وآخرنا في يوم نزولها خاصة لا عيداً يدور ﴿ وَآيَةً مِّنْكَ ﴾ أي علامة على صدقي ﴿ قَالَ الله إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ﴾ أجابهم الله إلى ما طلبوا، ونزلت المائدة عليها سمك وخبز، وقيل زيتون وتمر ورمان وقال ابن عباس: كان طعام المائدة ينزل عليهم حيثما نزلوا وفي قصة المائدة قصص كثيرة غير صحيحة ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً ﴾ عادة الله عز وجل عقاب من كفر بعد اقتراح آية فأعطيته، ولما كفر بعض هؤلاء مسخهم الله خنازير، قال عبد الله بن عمرو: أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون والمنافقون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿ شهادة ﴾ بالتنوين ﴿ آلله ﴾ بالمد: روح وزيد.
الباقون بالإضافة."استحق" على البناء للفاعل: حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول.
﴿ الأولين ﴾ جمع الأول نقيض الآخر.
سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿ الأوليان ﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿ الغيوب ﴾ بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ ساحر ﴾ وكذلك في هود والصف: حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ سحر ﴾ ﴿ هل تستطيع ﴾ بتاء الخطاب ﴿ ربك ﴾ بالنصب:علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
الباقون بالتشديد ﴿ منزلها ﴾ بالتشديد: عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر.
الباقون بالتخفيف ﴿ فإني أعذبه ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وأمي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ لي أن ﴾ بالفتح: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.
الباقون بالسكون ﴿ يوم ينفع ﴾ بفتح الميم: نافع.
الباقون بالرفع.
الوقوف: ﴿ تسؤكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف.
﴿ تبدلكم ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ ولا حام ﴾ لا للاستدراك.
﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ آبائنا ﴾ ط ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ أنفسكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ مصيبة الموت ﴾ ط ﴿ قربى ﴾ ز لأن وقوله ﴿ ولا نكتم ﴾ من جواب القسم.
﴿ شهادة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلله ﴾ بالمد ﴿ الآثمين ﴾ ه ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز لظاهر "إن" والوصل أجوز لتعلق "إذا" بقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ واسمعوا ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أجبتم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ والدتك ﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذا أيدتك ﴿ وكهلاً ﴾ ج ﴿ والإنجيل ﴾ ج ﴿ والأبرص بإذني ﴾ ج ﴿ الموتى ﴾ ج لأن "إذ" يجوز تعلقه تعلق به "إذ" الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ وبرسولي ﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿ إذ أوحيت ﴾ ﴿ مسلمون ﴾ ﴿ من السماء ﴾ الأولى ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ وآية منك ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ ما ليس لي ﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿ بحق ﴾ ﴿ علمته ﴾ ط ﴿ نفسك ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿ فيهم ﴾ ط لأن عامل "لما" متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿ عليهم ﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ عبادك ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ وما فيهن ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: "عن أنس أنهم سألوا رسول الله فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: فاسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به.
فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟
فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك" - "ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟
فأعرض عنه رسول الله حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله : ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.
وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟
فقال: في النار" .
ولما اشتد غضب الرسول قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً.
فأنزل الله هذه الآية.
فهي عائدة إلى قوله ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾ كأنه قال: ما آتاكم الرسول فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم.
وأيضاً كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكياً عنهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى تمام الآية.
وكان لبعض المسلمين أيضاً ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ﴾ فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية إن تبد لكم تسؤكم.
وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: أصلها "شياء" على وزن " حمراء" فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أوّل الكلمة فصار وزنه "لفعاء".
وقال الفراء: أصلها "أفعلاء" بناء على أن "شيا" مخفف شيء يقال "هين" في "هين" وقد يجمع "فيعل" على "أفعلاء" كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي "أشياء" على وزن "أفعاء".
وقال الكسائي: وزنها "أفعال" ومنع الصرف تشبيهاً له بحمراء.
ولا يلزم منه منع صرف "أبناء" و"أسماء" لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون مقصوراً على المسموع.
والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليه تكاليف شاقة صعبة.
فالذي سأل عن أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في كل عام وقد قال الرسول الله : "إن أعظّم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته" وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله فاقبلوه.
وقال أبو ثعلبة إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.
ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن الوحي غير منقطع فقال ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي في زمان الوحي لأن الرسول بين أظهركم ﴿ تبد لكم ﴾ تلك الأمور أو التكاليف.
فالحالصل أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ساءتهم.
وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله ﴿ لا تسألوا ﴾ والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى هذا القسم بقوله: ﴿ وإن تسألوا ﴾ رفعاً للحرج وتميزاً لهذا القسم من الأوّل.
وإنما حسن عود الضمير في "عنها " إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلاً منهما مسؤول عنه في الجملة.
وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا تبد لكم.
والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولاً ثم يسأل ﴿ عفا الله عنها ﴾ أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا " إليها، أو المراد بالعفو أنه ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف.
وقيل: إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها.
والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما جاء في الحديث " "عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" أي خفف عنكم بإسقاطها ﴿ قد سألها ﴾ يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا ﴿ قوم من قبلكم ﴾ سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى فصار وبالاً عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى فكفروا بها، ويحتمل أن يعود الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما جميعاً.
ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام أمور لم يؤمروا بها.
ومعنى ﴿ ما جعل ﴾ ما حكم بذلك ولا شرع.
والبحيرة "فعيلة" من البحر الشق.
وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول.
قال أبو عبيدة والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا تطرد عن ماء ولا تردّ عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها تحرجاً.
وأما السائبة فإنها فاعلة من "ساب" إذا جرى على وجه الأرض.
يقال ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها.
وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً وبحرت أذن بنتها الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة.
وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب الأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل.
وقيل هي العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا ميراث وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، إن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.
فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.
وأما الحامي فيقال: حماه يحميه إذا حفظه.
قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت.
فإن قيل إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فام لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟
فالجواب أن الإنسان خلق لعبادة الله فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معيناً له على ما خلق لأجله، أما العجم من الحيونات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي تفويت كمالها عليها.
وأيضاً الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، فإعتاقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق.
﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله وكان أوّل من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
وقال رسول الله في حقه "لقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ يعني العوام والأتباع.
ثم رد على أهل التقليد بقوله ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة.
فنفى العقل عنهم هناك والعلم ههنا مع نفي الاهتداء في الموضعين وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل.
قال أهل البرهان: العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان دعواهم ههنا أبلغ لقولهم ﴿ حسبنا ما وجدنا ﴾ فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو أبلغ.
ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه.
تقول العرب: عليك زيداً وعندك عمراً يعدّونهما إلى المفعول كأنه قيل: خذ زيداً فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه.
وليس المراد في عليك أنه حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معاً منقول الى معنى الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي أسم فعل.
فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضوعها وإني سمعت رسول الله يقول: " إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" .
وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات ﴿ لا يضركم ﴾ ضلال ﴿ من ضل إذا اهتديتم ﴾ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال الله لرسوله ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ﴾ وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الأنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله.
وكان ابن شبرمة يقول: من فرَّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر.
وقيل: إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق.
وقيل: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ﴾ وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان.
ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً سألت رسول الله عنها فقال: " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله" .
وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت.
ثم إنه لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أمر بحفظ المال.
عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة.
فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات.
ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي فنزلت.
ومعنى ﴿ شهادة بينكم ﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر.
وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿ وإذا حضر ﴾ ظرف للشهادة ﴿ حين الوصية ﴾ بدل منه.
وفي هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان.
وارتفع ﴿ اثنان ﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان.
وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان.
وفي قوله ﴿ منكم ﴾ و ﴿ من غيركم ﴾ قولان: فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿ منكم ﴾ أي من أقاربكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من الأجانب.
والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين.
وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به.
وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سرين أن ﴿ منكم ﴾ أي من أهل ملتكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن.
قال الشافعي: مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة.
فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلىالله عليه وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما.
والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿ منكم ﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه ألبته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة.
وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة.
وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً.
ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله ﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم ﴾ وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله وعلى رسله.
وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام.
وموقع ﴿ تحبسونهما ﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا؟
فقيل ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما.
وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.
وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.
وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد.
وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان.
ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية.
والمقسم عليه قوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ﴾ وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ اعتراض، والضمير في ﴿ به ﴾ ، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿ شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين.
ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿ شهادة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ الله ﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.
وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى بالله ﴿ فإن عثر ﴾ قال الليث: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه.
والمعنى فإن حصل الإطلاع على أنهما استحقا إثماً - وهو كناية عن الخيانة والحنث في الحلف - ﴿ فآخران ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران ﴿ يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ﴾ قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته.
وفي التفسير الكبير أنه المال.
وإنما وصف موالي الميت بذلك لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.
وارتفع ﴿ الأوليان ﴾ على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟
فقيل: هما الأوليان، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو من ﴿ آخران ﴾ ويجوز أن يرتفع بـ ﴿ استحق ﴾ أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال - قاله في الكشاف - ومعنى الأوليان الأقربان إلى الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من لا يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادّعى الدين أوّلاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه.
وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقاً لهم.
ومن قرأ ﴿ الأوّلين ﴾ على الجمع فعلى أنه نعت لـ ﴿ الذين استحق عليهم ﴾ أو منصوب على المدح.
ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وكذلك ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ ذكرا قبل قوله قرأ ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ استحق ﴾ على البناء للفاعل ﴿ عليهم الأوليان ﴾ فقد قال في الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين.
وفي التفسير الكبير أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان.
روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله سبيلهما وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة.
وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه.
فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتم لا؟
فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا.
فرفعوا القصة إلى رسول الله فأنزل الله ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا ﴾ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله بعد العصر ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ﴾ في طلب هذا المال وفي نسبتهم الى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله الإناء اليهما وإلى أولياء الميت.
وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب الى الله .
وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كذباً وقد بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى أولياء الميت ﴿ ذلك ﴾ الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه أقرب إلى ﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي كما هو في الواقع ﴿ أو يخافوا أن تردّ ﴾ في مثل هذه القضية ﴿ أيمان ﴾ على الورثة ﴿ بعد أيمانهم ﴾ وهذا تفسير من يرى ردّ اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكرّ أيمان شهود آخرين لانقلاب المدعى عليه مدعياً وعلى التقديرين يظهر كذبهم.
والحاصل أن هذا الحكم يصير باعثاً للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف ﴿ واتقوا الله ﴾ في الأيمان ﴿ واسمعوا ﴾ مواعظه سماع قبول ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن مناهج شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه.
قال المفسرون: هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.
وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الحكم هذه الآية منسوخ.
ثم إنه ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من الخطاب والعتاب جرياً على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات والنبوّات وأحوال المعاد فقال ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ قال الزجاج: تقديره واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك اليوم ولكن على أنه بدل أشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله ﴿ لا يهدي ﴾ أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذٍ، أو منصوباً بإضمار"اذكر"، أو ظرفاً لما يجيء بعده وهو ﴿ قالوا ﴾ وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها.
و"ماذا" منصوب بـ"أجبتم" ولكن انتصاب المصدر على معنى أيّ إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.
وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.
ثم ظاهر قوله ﴿ لا علم لنا ﴾ يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا وبين قوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ الآية مشكل.
فقال جمع من المفسرين: إن القيامة زلازل وأهوالاً تزيل العقول؛ فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم.
ولا يرد عليه قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف من العاقبة لا ينافي الحيرة والدهشة أوّلاً.
وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟
فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه الى شهادة لظهوره.
وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم.
وقال ابن عباس: نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم.
وقيل: المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها.
وقال في التفسير الكبير: إن الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنياً على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم بالظاهر وكان ظناً غالباًوالأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة من أن السكوت وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب.
وقرىء ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله ﴿ أنت ﴾ أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب ﴿ علام الغيوب ﴾ على الاختصاص أو على النداء.
ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله، باتخاذ الصاحبة والولد.
وموضع ﴿ إذ قال ﴾ رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار "اذكر"، أو هو بدل من ﴿ يوم يجمع ﴾ وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا.
ومحل ﴿ يا عيسى ﴾ مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال ﴿ نعمتي عليك ﴾ أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس.
وإنما قال: ﴿ وعلى والدتك ﴾ لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق.
﴿ إذ أيدتك ﴾ بدل ﴿ من نعمتي ﴾ أي قوّيتك ﴿ بروح القدس ﴾ أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة ﴿ تكلم الناس ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ في المهد وكهلاً ﴾ في هاتين الحالتين من غير تفاوت ﴿ وإذ علمتك الكتاب ﴾ الخط أو جنس الكتب ﴿ والحكمة ﴾ النظرية والعلمية ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة ﴿ فتنفخ فيها ﴾ الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في ﴿ فتكون ﴾ والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة.
وكرر ﴿ بإذني ﴾ أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده.
﴿ وإذ كففت ﴾ يروى أنه لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله برفعه إلى السماء.
﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار الى الرجل.
واللام في ﴿ البينات ﴾ يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة.
وذكر قول الكفار في حقه ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ يحتمل ان يكون من تمام القصة استطراداً، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم أيضاً لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسموّ مكانه.
وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.
﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ﴾ إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي بمعنى الإلهام كقوله ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ ﴿ وأوحينا إلى أم موسى ﴾ وهذا أيضاً من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله .
وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم أنهم آمنوا بقلوبهم.
وانقادوا بظواهرهم ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟
ومن قرأ بالياء وبالرفع فمشكل لأنه حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصوّر مع الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟
وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى ﴿ اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا ﴿ وتطمئن قلوبنا ﴾ ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة.
ومنها قول السدّي إن السين زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟
ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان يربيه.
ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟
يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه.
قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها.
وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها طعام فهي خوان.
وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من تقدم إليه.
وقال أبو عبيدة: هي بمعنى "مفعولة" مثل ﴿ عشية راضية ﴾ أي مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين.
قال عيسى ﴿ اتقوا الله ﴾ في تعيين المعجزة فإنه كالتحكم.
وأيضاً اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاماً آخر - يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام - وأن نزداد يقيناً وعرفاناً وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوّة أو فيما وعدتنا وذلك أنه كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله فإنه يعطيكم.
وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ صفة للمائدة أو استئناف.
وقرىء بالجزم جواباً للأمر.
كان نزولها يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً.
والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم، أو للمقدّمين منا والأتباع.
وقرىء ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ بمعنى الأمة أو الجماعة.
فقول عيسى ﴿ ربنا ﴾ ابتداء بذكر الحق ﴿ وأنزل علينا ﴾ انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها بل من حيث إنها صادرة عن المنعم.
وقوله ﴿ وآية منك ﴾ إشارة إلى كون المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله ﴿ وارزقنا ﴾ إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدّموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، وأن عيسى بدأ بالأشراف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة.
اللهم اجعلنا من أهل الكمال والإشراق بعميم فضلك وجسيم طولك ﴿ منزلها ﴾ بالتخفيف والتشديد بمعنى.
وقيل: بالتشديد للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة ﴿ عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد مسخهم خنازير.
وقيل: قردة.
وقيل جنساً من العذاب لا يكون مؤخراً إلى الآخرة.
﴿ وعذاباً ﴾ نصب على المصدر أي تعذيباً والضمير في ﴿ لا أعذبه ﴾ للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحداً، وأراد بالعالمين عالمي زمانهم.
واختلف في أن عيسى سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل.
أما نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة.
وقال جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه وعد إنزالها بقوله ﴿ إني منزلها عليكم ﴾ ثم إن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.
روي أن عيسى لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.
ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك.
فقام عيسى فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين.
فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.
فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟
قال:ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله.
فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية.
ثم طارت المائدة ثم عصوا الله بعدها فمسخوا قردة وخنازير.
وقيل إن عيسى كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، ﴿ وإذ قال الله ﴾ معطوف على مثله.
والصحيح أن هذا القول أيضاً يوم القيامة لقوله عقيب ذلك ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وقيل: هذا عند رفع عيسى نظراً إلى أن "إذ" للماضي وقد مر توجيه ذلك.
﴿ أأنت قلت ﴾ استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى.
قال بعض المشككين: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى وأمه مع القول بنفي إلهية الله .
وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم.
وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله ﴿ من دون الله ﴾ أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث.
أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق عن ذلك ولهذا قال عيسى ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك.
ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله ﴿ ما يكون ﴾ أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة.
ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال ﴿ أن كنت قلته فقد علمته ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك.
وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ "أن" في قوله ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما.
أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا "أن" فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط "أن".
وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ ﴿ اعبدوا الله ﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلاً من ﴿ ما أمرتني ﴾ والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلاً من الهاء في ﴿ به ﴾ لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد.
فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر"أن" المفسرة.
قال في الكشاف: ويجوز أن تكون "أن " مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلاً، وحينئذ يبقى العائد بحاله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ﴾ كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير ﴿ ما دمت فيهم ﴾ مدة دوامي فيما بينهم ﴿ فلما توفيتني ﴾ بالرفع إلى السماء ﴿ كنت أنت الرقيب ﴾ الحافظ ﴿ عليهم ﴾ المراقب لأحوالهم ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور.
﴿ وإن تغفر لهم ﴾ فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله لا يغفر الشرك؟
والجواب أن قوله لعيسى ﴿ أأنت قلت الناس ﴾ مبني على أن قوماً من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجوداً في شرع عيسى ، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه.
أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلاً لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم ﴿ فإنك أنت العزيز ﴾ القادر على ما تريد ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله ﴿ فإنك أنت الغفور الرحيم ﴾ وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعاً لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه ، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة.
قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد لفساق أمته أولى ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ ﴿ قال ﴾ ، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت.
وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في "يومئذ" وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا *** أو مثل "لا" في قوله ﴿ يوم لا تملك ﴾ وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة.
والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ فصدق وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقاً في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه.
وفي هذا الكلام تصديق من الله لعيسى في قوله ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ { م ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه.
﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان ﴿ ما فيهن ﴾ لم يقل "ومن فيهن" ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء.
واعلم أنه افتتح السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق!
وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا.
وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله أعلم بأسرار كتابه.
التأويل: أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿ وكذلك نرى إبراهيم ﴾ ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ وقال : "أرنا الأشياء كما هي" .
وقال الخضر لموسى ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء ﴾ وقال موسى في الثالثة ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ﴾ فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم.
وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم.
﴿ والله غفور ﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿ حليم ﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين: المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويحلقون لحيتهم ﴿ ولا سائبة ﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ ولا وصيلة ﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ ولا حام ﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة.
﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ﴾ من الأحكام ﴿ وإلى الرسول ﴾ لمتابعته ﴿ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ ولا يهتدون ﴾ إلى الحقيقة.
﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿ أو آخران ﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات.
فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب.
﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿ تحبسونهما ﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿ من بعد الصلاة ﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً.
﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿ فآخران ﴾ من صفات القلب هما: التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ.
﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة.
﴿ ماذا أجبتم قالوا ﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود.
﴿ لا علم لنا ﴾ اي ببواطن الأمور وحقائقها.
﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين ﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا.
إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿ يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقوموا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته.
ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة ﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿ تكون لنا ﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿ عيداً ﴾ نفرح بها ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة.
﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال "يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه" ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم؟
﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ الغيب ما غاب عن الخلق.
ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.
قوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .
قال أهل التأويل: [بل] إنما يقولون ذلك؛ لفزعهم من هول ذلك اليوم وشدته، تطير قلوبهم، وتذهل أفئدتهم، فيقولون: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .
فلو كان ذلك منهم للهول والفزع على ما قاله أهل التأويل لكان لا يتهيأ لهم الإجابة، وقد قالوا: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ ؛ دل أنه لا لما ذكروا، ولكن للوجهين الآخرين، والله أعلم.
أحدهما: أن سألهم عن حقيقة إجابة قومهم لهم بالضمائر، أي: لم تطلعنا على علم الضمائر والغيوب، فأنت أعلم بذلك.
والثاني: أن أحدثوا أمورا وأبدعوها من دأب أنفسهم، فنسبوا ذلك إلى الرسل؛ كقوله - -: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ...
﴾ إلى قوله: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ ﴾ كأنهم قالوا: إن عيسى - - هو الذي دعاهم إلى ذلك، فيقول لهم: ماذا أجبتم؟
فقالوا: لا علم لنا فيما ادعوا علينا من الأمور التي أتوها، إنك أنت علام الغيوب بأنا لم نقل لهم، ولم نَدْعُهُمْ إلى ما ادَّعَوْا من الأمور.
على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية، والله أعلم.
ومثل هذا السؤال لهم بما أخبر في آية أخرى: أنه يسألهم؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى قومهم، ويسأل قومهم عن إجابتهم لهم؛ ليقطع احتجاجهم، وإن لم يكن لهم الحجاج.
﴿ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِيِ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ ﴾ .
أما نعمه عليه ما ذكر على إثره: ﴿ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً...
﴾ إلى قوله: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ ﴾ ، شهد في حال طفولته بوحدانية الله وربوبيته وإخلاص عبوديته له، وذلك من أعظم نعم الله عليه وأجل مننه، وما ذكره أيضاً: ﴿ إِوَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي...
﴾ الآية.
إلى آخر ما ذكر من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكف بني إسرائيل عنه عند مجيء الآيات، وهو كقوله - -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ ففيه أعظم النعم عليه، وما ذكر - أيضاً - في بعض القصة - إن ثبت - أن عيسى لما دُفِعَ إلى الكُتَّابِ جعل المعلم يقول له: باسم، فيقول هو: باسم الله، وإذا قال المعلم: باسم الله، فيقول هو: الرحمن، وإذا قال: الرحمن، فيقول هو: الرحيم، فيقول المعلم: كيف أعلم من هو أعلم مني؟
ونحو هذا كثير مما يكثر ويطول ذكره، وأما ما أنعم الله على والدته هو ما ذكر في قوله - -: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ ، وما ذكر في قوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴾ طهرها عن جميع ما تبلى به بنات آدم؛ فذلك من أعظم النعم، وأجل المنن، ثم أمر عيسى بشكر ما أنعم عليه وعلى والدته؛ حيث قال: ﴿ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ ﴾ وفي ذكر النعم شكرها، وأمر - أيضاً - بشكر ما أنعم على والدته ليعلم أن على المرء شكر ما أنعم على والدته، كما يلزم شكر ما أنعم على نفسه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: بروحه المبارك الذي أعطى في حال طفولته، به كان يدعو الناس إلى توحيد الله وعبادتهم له.
وقيل: إن روح القدس هو الدعاء المبارك الذي به كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص بدعائه.
وقال أهل التأويل: الروح: هو جبريل، والقدس هو الله؛ كقوله - -: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ ﴾ أي: جبريل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِوَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ قال الحسن: الكتاب والحكمة واحد، الكتاب هو الحكمة، والحكمة هي الكتاب؛ لأن جميع كتب الله كان حكمة.
وقال بعضهم: الكتاب: ما يكتب من العلم، والحكمة: هي ما يعطى الإنسان من العلم على غير تعلم.
وقال بعضهم: الكتاب: هو ما يحفظ، والحكمة هي الفقه، وهو واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي ﴾ .
قوله: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ ﴾ : أي: تصور وتقدر ﴿ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ ﴾ كان من عيسى التصوير والتقدير، وإلا كان التخليق من الله في الحقيقة؛ لأنه هو المنفرد به دون الخلق، غير أنه أجرى ذلك على يدي عيسى؛ ليكون له آية لصدقه ونبوته، وعلى ذلك الآيات التي يأتي بها الرسل، ليست الرسل يأتون بها في الحقيقة، بل كان الله هو الآتي بها، والمنشيء تلك الآيات حقيقة، لكنه يجريها على أيدي الرسل؛ لتكون آيات صدقهم، ودلالات رسالتهم، فأما أن يأتي الرسل بالآيات والحجج من عند أنفسهم فلا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَخْلُقُ ﴾ ذكر التخليق؛ لما تسمي العرب تصوير الشيء وتقديره: تخليقاً؛ فعلى ذلك خرج الخطاب، وقد ذكرنا هذا فما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ ﴾ قيل: الأكمه: الذي يولد أعمى، وأما الأعمى فهو الذي يذهب بصره بعد ما كان بصيراً.
وقيل الأكمه: هو الذي لا حدقة له، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.
قوله : ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ ﴾ والحواريون: قيل: هم خواصه، وكذلك أصحاب رسول الله هم حواريوه، وقد ذكرنا هذا في سورة آل عمران [و] الاختلاف فيه.
ثم قوله: ﴿ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ ﴾ يحتمل الوحي إليهم وجهين: أحدهما: أنه أوحى إلى رسوله عيسى - - فنسب ذلك إليهم وأضيف؛ لأن الوحي إلى عيسى كالوحي إليهم؛ كقوله - -: ﴿ وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ وما أنزل علينا، وما أنزل على كذا ما أنزل إلى رسول الله كالمنزل إلينا، فعلى ذلك الوحي إلى عيسى هو كالوحي إليهم.
والثاني: أوحى إليهم وحي إلهام؛ كقوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ ﴾ الآية، وقوله - - ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ ﴾ ونحوه، أنه وحي إلهام وقذف لا وحي إرسال، والقذف في القلب من غير تكلف ولا كسب، وهو الإخطار بالقلب على السرعة ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي ﴾ .
والخطر يكون من الله ، ويكون من الشيطان، لكن ما يكون من الله يكون خيراً، يتبين ذلك في آخره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أن قالوا لعيسى: واشهد أنت عند ربك بأننا مسلمون.
ويحتمل: أن سألوا ربهم: أن يكتبهم من الشاهدين؛ كقوله - -: ﴿ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
اختلف فيه: قيل: إن قوماً من غير الحواريين سألوا الحواريين أن يسألوا عيسى - - حتى يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ لأن الحواريين قد قلنا: إنهم كانوا خواص عيسى - - فكان كمن بدت له حاجة إلى بعض الملوك؛ فإنه إنما يرفع أولا إلى خواصه؛ فهم الذين يتولون رفعها إلى الملك؛ فعلى ذلك رفعوا حاجتهم إلى الحواريين؛ ليسألوا هم نبي الله عيسى - - ليسأل ربه.
وقال آخرون: لم يسألوا قومهم ذلك؛ ولكن الحواريين هم الذين سألوا عيسى - - أن يسأل ربه حتى ينزل عليهم مائدة [من السماء]، لكن سؤالهم ذلك يحتمل وجوها: [الأول]: يحتمل سألوا ذلك؛ لما أرادوا أن يشاهدوا الآية، ولم يكونوا شاهدوا قبل ذلك؛ فاحبّوا أن يشاهدوها، وإن كانوا قد آمنوا به وصدقوه من قبل؛ ليزداد لهم بذلك طمأنينة ويقيناً، وهو كقول إبراهيم - -: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ لما يحتمل أن نفسه كانت تحدث وتنازع في ذلك، وأحب أن يعاين ذلك ويشاهده؛ ليزداد له طمأنينة ويقيناً فعلى ذلك أولئك كانت أنفسهم تحدث وتنازع في مشاهدة الآيات؛ فأحبوا أن يريهم بذلك؛ ليزداد لهم طمأنينة ويقيناً وصلابة في التصديق، والله أعلم.
والثاني: يحتمل أن يكون عيسى يخبرهم أن لهم كرامة ومنزلة عند الله ؛ فأحبوا أن يعرفوا منزلتهم عند الله وكرامتهم.
والثالث: سألوا ذلك؛ ليعرفوا منزلة عيسى - - عند الله وكرامته: هل يجيب ربه دعاءه إذا سأل ربه؟
والله أعلم.
وإن كان السؤال من قوم [غير] الحواريين؛ فهو لما بدت لهم من الحاجة إليها، [و] لا نعلم ذلك إلا بالخبر الصادق.
وقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ يقرأ بالياء والتاء جميعاً: فمن قرأ بالتاء ذهب في التأويل إلى أن فيه إضماراً؛ كأنهم قالوا: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء.
ومن قرأ بالياء قال: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ ، أي: هل يجيب ربُّك دعاءك إذا دعوته أن ينزل علينا مائدة من السماء.
قال الفراء: قد يكون مثل هذا السؤال على غير الجهل من السائل بالمسئول؛ لأنه يجوز أن يقال في الكلام: هل يستطيع فلان أن يقوم في حاجتنا وفي أمرنا، على علم منه أنه يستطيع، ولكنه يسأل عنه: أيفعل أم لا؟
وذلك جائز في العربية؛ ألا ترى أن قراءة من قرأ بالتاء - وهو ابن عباس وعائشة: (هل تستطيع ربك) - على علم منهم أن عيسى يستطيع السؤال لربه؟!
لكنهم قالوا ذلك لما ذكرنا، وذلك جائز في اللغة.
ويجوز أن يراد بالاستطاعة: الإرادة، يقول الرجل لآخر: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان، وهو يقدر النظر، لكنه يريد بذلك: لا أريد أن أنظر إليه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ : هل يأذن لك ربُّك بالسؤال في ذلك، والله أعلم.
وقوله: - عز وجل -: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
أي: اتقوا الله، [و] لا تسألوا شيئاً لم يأذن لكم في ذلك ﴿ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ .
[قوله: ﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ يدل على أنهم سألوا ذلك؛ لما كانت تحدث أنفسهم وتنازع في مشاهدة الآيات ومعاينتها، وإن كانوا صدقوا عيسى - - فيما يقول لهم ويخبر عن الله؛ للمعنى الذي ذكرنا في إبراهيم ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا ﴾ .
اختلف في تلاوته وفي تأويله: قال بعضهم بالنصب ﴿ نعلم ﴾ ، فهي القراءة الظاهرة المشهورة، ومعناه: وأن نعلم ما قد صدقتنا.
والثاني: أن العلم بالشيء من جهة الخبر ربما يعترض الوساوس والشبه؛ فطلبوا آية من جهة الحس والعيان؛ ليكون ذلك أدفع لما يعترض من الشبه والوساوس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ ﴾ .
أي: نكون عليها لمن أنكرها من الشاهدين: أنها نزلت.
قوله : ﴿ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ﴾ .
أي: طعاماً دائماً.
قال بعضهم: قوله ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً ﴾ ، أي: مجتمعاً، وسمى يوم العيد؛ لاجتماع الخلق.
ثم قيل: نزلت يوم الأحد؛ فجعلوا ذلك اليوم يوم عيدهم.
ثم اختلف في نزول المائدة: قال الحسن: لم تنزل المائدة؛ لأنه سأل أن تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا، ونحن من آخرهم، فلم يكن لنا ما ذكر.
والثاني: ﴿ قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ وقد كفر منهم، ثم لم يظهر أنه عذبهم عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين.
وقال بعضهم: ليس فيه دلالة أنها لم تنزل؛ لأنه يجوز أن يكون قوله: ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ﴾ ما لم يأت النسخ، فكان لهم ذلك إلى أن بعث [نبيُّنا] محمد فنسخ ذلك بيوم الجمعة.
وقالوا: قوله: ﴿ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ذكر في بعض القصة أن من كفر منهم بعد ذلك مسخهم خنازير، فذلك تعذيب لم يعذبه أحداً من العالمين.
وقيل: يحتمل قوله - -: ﴿ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ في الآخرة، والله أعلم بذلك كله.
<div class="verse-tafsir"
قال الحواريون لعيسى: نريد أن نأكل من هذه المائدة، وتطمئن قلوبنا بكمال قدرة الله، وبأنك رسوله، ونعلم علم اليقين أنك صَدَقْتَنَا فيما جئت به من عند الله، ونكون عليها من الشاهدين لمن لم يحضرها من الناس.
من فوائد الآيات إثبات جمع الله للخلق يوم القيامة جليلهم وحقيرهم.
إثبات بشرية المسيح - - إثبات آياته الحسية من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص التي أجراها الله على يديه.
بيان أن آيات الأنبياء تهدف لتثبيت الأتباع وإفحام المخالفين، وأنها ليست من تلقاء أنفسهم، بل تأتي بإذن الله تعالى.
<div class="verse-tafsir" id="91.Okp2V"