الآية ١٢٠ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٢٠ من سورة المائدة

لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۢ ١٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٠ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٠ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير ) أي : هو الخالق للأشياء ، المالك لها ، المتصرف فيها القادر عليها ، فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته وفي مشيئته ، فلا نظير له ولا وزير ، ولا عديل ، ولا والد ولا ولد ولا صاحبة ، فلا إله غيره ولا رب سواه .

قال ابن وهب : سمعت حيي بن عبد الله يحدث ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو قال : آخر سورة أنزلت سورة المائدة .

"تم تفسير سورة المائدة ولله الحمد والمنة".

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أيها النصارى،" لله ملك السموات والأرض " ، يقول: له سلطان السموات والأرض (34) =" وما فيهن " ، دون عيسى الذين تزعمون أنه إلهكم، ودون أمه, ودون جميع من في السموات ومن في الأرض، فإن السموات والأرض خلق من خلقه وما فيهن، وعيسى وأمُّه من بعض ذلك بالحلول والانتقال, يدلان بكونهما في المكان الذي هما فيه بالحلول فيه والانتقال، أنهما عبدان مملوكان لمن له ملك السموات والأرض وما فيهن.

ينبِّههم وجميعَ خلقه على موضع حجته عليهم، ليدَّبروه ويعتبروه فيعقلوا عنه =" وهو على كل شيء &; 11-246 &; قدير "، (35) يقول تعالى ذكره: والله الذي له ملك السموات والأرض وما فيهن, قادرٌ على إفنائهن وعلى إهلاكهن، وإهلاك عيسى وأمه ومن في الأرض جميعًا كما ابتدأ خلقهم, لا يعجزه ذلك ولا شيء أراده، لأن قدرته القدرةُ التي لا تشبهها قدرة، وسلطانه السلطان الذي لا يشبهه سلطان ولا مملكة.

* * * (آخر تفسير سورة المائدة) (36) --------------- (34) انظر تفسير"الملك" فيما سلف 8: 480 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.

(35) انظر تفسير"قدير" فيما سلف من فهارس اللغة (قدر).

(36) عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه: "آخر تفسير سورة المائدة صَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيم يَتْلُوهُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى ، تَفْسِيرُ سُورَةِ الأَنْعَامِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمينَ"

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قديرقوله تعالى : لله ملك السماوات والأرض الآية .

جاء هذا عقب ما جرى من دعوى النصارى في عيسى أنه إله ، فأخبر تعالى أن ملك السماوات والأرض له دون عيسى ودون سائر المخلوقين ، ويجوز أن يكون المعنى أن الذي له ملك السماوات والأرض يعطي الجنات المتقدم ذكرها للمطيعين من عباده ، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه .

تمت سورة " المائدة " بحمد الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } لأنه الخالق لهما والمدبر لذلك بحكمه القدري، وحكمه الشرعي، وحكمه الجزائي، ولهذا قال: { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فلا يعجزه شيء، بل جميع الأشياء منقادة لمشيئته، ومسخرة بأمره.

تم تفسير سورة المائدة بفضل من الله وإحسان، والحمد لله رب العالمين

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

فقال: " لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لله ملك السماوات والأرض» خزائن المطر والنبات والرزق وغيرها «وما فيهن» أتى بما تغليبا لغير العاقل «وهو على كل شيء قدير» ومنه إثابة الصادق وتعذيب الكاذب وخص العقلُ ذاته فليس عليها بقادر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لله وحده لا شريك له ملك السموات والأرض وما فيهن، وهو -سبحانه- على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية الدالة على شمول ملكه لكل شيء في الكون فقال : ( للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قيل: إن هذا جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: من يعطيهم ذلك الفوز العظيم؟

فقيل: الذي له ملك السموات والأرض.

وفي هذه الخاتمة الشريفة أسرار كثيرة ونحن نذكر القليل منها.

فالأول: أنه تعالى قال: ﴿ للَّهِ مُلْكُ السموات والأرض وَمَا فِيهِنَّ ﴾ ولم يقل ومن فيهن فغلب غير العقلاء على العقلاء، والسبب فيه التنبيه على أن كل المخلوقات مسخرون في قبضة قهره وقدرته وقضائه وقدره، وهم في ذلك التسخير كالجمادات التي لا قدرة لها وكالبهائم التي لا عقل لها، فعلم الكل بالنسبة إلى علمه كلا علم، وقدرة الكل بالنسبة إلى قدرته كلا قدرة.

والثاني: أن مفتتح السورة كان بذكر العهد المنعقد بين الربوبية والعبودية فقال: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود  ﴾ وكمال حال المؤمن في أن يشرع في العبودية وينتهي إلى الفناء المحض عن نفسه بالكلية.

فالأول هو الشريعة وهو البداية والآخر هو الحقيقة وهو النهاية.

فمفتتح السورة من الشريعة ومختتمها بذكر كبرياء الله وجلاله وعزته وقدرته وعلوه، وذلك هو الوصول إلى مقام الحقيقة فما أحسن المناسبة بين ذلك المفتتح، وهذا المختتم!

والثالث: أن السورة اشتملت على أنواع كثيرة من العلوم.

فمنها: بيان الشرائع والأحكام والتكاليف.

ومنها المناظرة مع اليهود في إنكارهم شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، ومنها المناظرة مع النصارى في قولهم بالتثليث فختم السورة بهذه النكتة الوافية بإثبات كل هذه المطالب.

فإنه قال: ﴿ للَّهِ مُلْكُ السموات والارض وَمَا فِيهِنَّ ﴾ ومعناه أن كل ما سوى الحق سبحانه فانه ممكن لذاته موجود بإيجاده تعالى.

وإذا كان الأمر كذلك كان مالكاً لجميع الممكنات والكائنات موجداً لجميع الأرواح والأجساد، وإذا ثبت هذا لزم منه ثبوت كل المطالب المذكورة في هذه السورة.

وأما حسن التكليف كيف شاء وأراد، فذاك ثابت، لأنه سبحانه لما كان مالكاً للكل، كان له أن يتصرف في الكل بالأمر والنهي والثواب والعقاب كيف شاء وأراد.

فصح القول بالتكليف على أي وجه أراده الحق سبحانه وتعالى.

وأما الرد على اليهود فلأنه سبحانه لما كان مالك الملك فله بحكم المالكية أن ينسخ شرع موسى ويضع شرع محمد عليهما الصلاة والسلام وأما الرد على النصارى فلأن عيسى ومريم داخلان فيما سوى الله لأنا بينا أن الموجد إما أن يكون هو الله تعالى أو غيره، وعيسى ومريم لا شك في كونهما داخلين في هذا القسم.

فإذا دللنا على أن كل ما سوى الله تعالى ممكن لذاته موجود بإيجاد الله كائن بتكوين الله كان عيسى ومريم عليهما السلام كذلك.

ولا معنى للعبودية إلا ذلك.

فثبت كونهما عبدين مخلوقين فظهر بالتقرير الذي ذكرناه أن هذه الآية التي جعلها الله خاتمة لهذه السورة برهان قاطع في صحة جميع العلوم التي اشتملت هذه السورة عليها.

والله أعلم بأسرار كلامه.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قإن قلت: في السموات والأرض العقلاء وغيرهم، فهلا غلب العقلاء، فقيل: ومن فيهنّ؟

قلت: (ما) يتناول الأجناس كلها تناولاً عاماً.

ألا تراك تقول إذا رأيت شبحاً من بعيد: ما هو؟

قبل أن تعرف أعاقل هو أم غيره، فكان أولى بإرادة العموم.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة المائدة أعطى من الأجر عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ يَوْمَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِقالَ وخَبَرُ هَذا مَحْذُوفٌ، أوْ ظَرْفُ مُسْتَقِرٍّ وقَعَ خَبَرًا والمَعْنى هَذا الَّذِي مَرَّ مِن كَلامِ عِيسى واقِعٌ يَوْمَ يَنْفَعُ.

وقِيلَ إنَّهُ خَبَرٌ ولَكِنْ بُنِيَ عَلى الفَتْحِ بِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ مُعْرَبٌ والمُرادُ بِالصِّدْقِ الصِّدْقُ في الدُّنْيا فَإنَّ النّافِعَ ما كانَ حالَ التَّكْلِيفِ.

﴿ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ بَيانٌ لِلنَّفْعِ.

﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى كَذِبِ النَّصارى وفَسادِ دَعْواهم في المَسِيحِ وأُمِّهِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ ومَن فِيهِنَّ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ وقالَ وما فِيهِنَّ اتِّباعًا لَهم غَيْرَ أُولِي العَقْلِ إعْلامًا بِأنَّهم في غايَةِ القُصُورِ عَنْ مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ والنُّزُولِ عَنْ رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ، وإهانَةً لَهم وتَنْبِيهًا عَلى المُجانَسَةِ المُنافِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ، ولِأنَّ ما يُطْلَقُ مُتَناوِلًا لِلْأجْناسِ كُلِّها فَهو أوْلى بِإرادَةِ العُمُومِ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ المائِدَةِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ ومُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ ورُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَهُودِيٍّ ونَصْرانِيٍّ يَتَنَفَّسُ في الدُّنْيا».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا فِيهِنَّ} عظم نفسه عما قالت النصارى إن معه إلهاً آخر {وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من المنع والإعطاء والإيجاد والإفناء نسأله أن يوفقنا لمرضاته ويجعلنا من الفائزين بجناته صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

سورة الأنعام مكية وهي مائة وخمس وستون آية كوفي أربع وستون بصرى

بسم الله الرحمن الرحيم

الأنعام (١ _ ٢)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَنْبِيهٌ بِما فِيهِ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ المُفِيدِ لِلْحَصْرِ عَلى كَذِبِ النَّصارى وفَسادِ ما زَعَمُوهُ في حَقِّ المَسِيحِ وأمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَمْلِكُ ذَلِكَ لِيُعْطِيَهم إيّاهُ فَقِيلَ: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَواتِ إلَخْ فَهو المالِكُ والقادِرُ عَلى الإعْطاءِ ولا يَخْفى بُعْدَهُ وفي إيثارِ (ما) عَلى (مِنِ) المُخْتَصَّةِ بِالعُقَلاءِ عَلى تَقْدِيرِ تَناوُلِها لِلْكُلِّ مُراعاةً -كَما قِيلَ - لِلْأصْلِ وإشارَةً إلى تَساوِي الفَرِيقَيْنِ في اسْتِحالَةِ الرُّبُوبِيَّةِ حَسْبَ تَساوِيهِما في تَحْقِيقِ المَرْبُوبِيَّةِ، وعَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِها بِغَيْرِ العُقَلاءِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ خَبَرُ ابْنِ الزَّبْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ قُصُورِهِمْ مِن رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ، وفي تَغْلِيبِ غَيْرِ العُقَلاءِ عَلى العُقَلاءِ عَلى خِلافِ المَعْرُوفِ ما لا يَخْفى مِن حَطِّ قَدْرِهِمْ ﴿ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الأشْياءِ ﴿ قَدِيرٌ ﴾ 21 - أيْ مَبالِغٌ في القُدْرَةِ، وفَسَّرَها الغَزّالِيُّ بِالمَعْنى الَّذِي بِهِ يُوجَدُ الشَّيْءُ مُقْتَدِرًا بِتَقْدِيرِ الإرادَةِ والعِلْمِ واقِعًا عَلى وفْقِهِما، وفَسَّرَ المَوْصُوفَ بِها عَلى الإطْلاقِ بِأنَّهُ الَّذِي الَّذِي يَخْتَرِعُ كُلَّ مَوْجُودٍ اخْتِراعًا يَنْفَرِدُ بِهِ ويُسْتَغْنى بِهِ عَنْ مُعاوَنَةِ غَيْرِهِ، ولَيْسَ ذاكَ إلّا اللَّهُ تَعالى الواحِدُ القَهّارُ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِتَقْدِيرٍ، والتَّقْدِيمُ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ، ولا يَخْفى ما في ذِكْرِ كِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى وعَزَتِهِ وقَهَرِهِ وعُلُوِّهِ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ مِن حُسْنِ الِاخْتِتامِ، وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ عَنْ أبِي الزَّهْراوِيَّةِ أنَّ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَتَبَ في آخِرِ المائِدَةِ (ولِلَّهِ مَلِكُ السَّمَواتِ والأرْضِ واللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) * * * (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ هي عِنْدَهم حَضْرَةُ الجَمْعِ المُحَرَّمَةِ عَلى الأغْيارِ، وقِيلَ: قَلَبُ المُؤْمِنِ، وقِيلَ: الكَعْبَةُ المَخْصُوصَةُ لا بِاعْتِبارِ أنَّها جُدْرانٌ أرْبَعَةٌ وسَقْفٌ بَلْ بِاعْتِبارِ أنَّها مَظْهَرُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ يَتَجَلّى مِنها لِعُيُونِ العارِفِينَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ عَلى ما في التَّوْراةِ (جاءَ اللَّهُ تَعالى مِن سِينا فاسْتَعْلَنَ بِساعِيرَ وظَهَرَ مِن فارانَ ﴿ قِيامًا لِلنّاسِ ﴾ مِن مَوْتِهِمُ الحَقِيقِيِّ لِما يَحْصُلُ لَهم بِواسِطَةِ ذَلِكَ، ﴿ والشَّهْرَ الحَرامَ ﴾ وهو زَمَنُ الوُصُولِ أوْ مُراعاةِ القَلْبِ أوِ الفَوْزِ بِذَلِكَ التَّجَلِّي الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ ظُهُورُ صِفاتِ النَّفْسِ أوِ الِالتِفاتِ إلى مُقْتَضَياتِ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ ﴿ والهَدْيَ ﴾ وهي النَّفْسُ المَذْبُوحَةُ بِفَناءِ حَضْرَةِ الجَمْعِ أوِ الوارِداتُ الإلَهِيَّةُ الَّتِي تَرِدُ القَلْبَ أوْ ما يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ مِنَ المِنَنِ عِنْدَ ذَلِكَ التَّجَلِّي ﴿ والقَلائِدَ ﴾ وهي النَّفْسُ الشَّرِيفَةُ المُنْقادَةُ أوْ هي نَوْعٌ مِمّا يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ مِن قِبَلِ مَوْلاهُ يَقُودُهُ قَسْرًا إلى تَرْكِ السَّوِيِّ ﴿ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا ﴾ بِما يَحْصُلُ لَكم ﴿ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ أيْ يَعْلَمُ حَقائِقَ الأشْياءِ في عالَمِي الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿ قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ ﴾ مِنَ النُّفُوسِ والأعْمالِ والأخْلاقِ والأمْوالِ ﴿ والطَّيِّبُ ﴾ مِن ذَلِكَ ﴿ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ ﴾ بِسَبَبِ مُلاءَمَتِهِ لِلنَّفْسِ فَإنَّ الأوَّلَ مُوجِبٌ لِلْقُرْبَةِ دُونَ الثّانِي ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الإيمانَ البُرْهانِيَّ ﴿ لا تَسْألُوا ﴾ مِن أرْبابِ الإيمانِ العَيانِيِّ ﴿ عَنْ أشْياءَ ﴾ غَيْبِيَّةٍ وحَقائِقَ لا تُعْلَمُ إلّا بِالكَشْفِ ﴿ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ ﴾ تُهْلِكُكم لِقُصُورِكم عَنْ مَعْرِفَتِها فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إنْكارِكم واللَّهُ سُبْحانَهُ غَيُورٌ، وإنَّهُ لِيَغْضَبُ لِأوْلِيائِهِ كَما يَغْضَبُ اللَّيْثُ لِلْحَرْبِ، وفي هَذا كَما قِيلَ تَحْذِيرٌ لِأهْلِ البِدايَةِ عَنْ كَثْرَةِ سُؤالِهِمْ مِنَ الكامِلِينَ عَنْ أسْرارِ الغَيْبِ وإرْشادٌ لَهم إلى الصُّحْبَةِ مَعَ التَّسْلِيمِ، ﴿ وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ ﴾ الجامِعُ لِلظّاهِرِ والباطِنِ المُتَضَمِّنُ لِما سُئِلْتُمْ عَنْهُ ﴿ تُبْدَ لَكُمْ ﴾ بِواسِطَتِهِ ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ﴾ وهي النَّفْسُ الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُها لِسَماعِ المُخالِفاتِ، ﴿ ولا سائِبَةٍ ﴾ وهي النَّفْسُ المُطْلَقَةُ العِنانِ السّارِحَةُ في رِياضِ الشَّهَواتِ ﴿ ولا وصِيلَةٍ ﴾ وهي النَّفْسُ الَّتِي وصَلَتْ حِبالَ آمالِها بَعْضًا بِبَعْضٍ فَسَوَّفَتِ التَّوْبَةَ والِاسْتِعْدادَ لِلْآخِرَةِ، ﴿ ولا حامٍ ﴾ وهو مَنِ اشْتَغَلَ حِينًا بِالطّاعَةِ ولَمْ يُفْتَحْ لَهُ بابُ الوُصُولِ فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ وقالَ: يَكْفِيكَ ما فَعَلْتَ، ولَيْسَ وراءَ ما أنْتَ فِيهِ شَيْءٌ فَأرِحْ نَفْسَكَ فَحَمى نَفْسَهُ عَنْ تَحَمُّلِ مَشاقِّ المُجاهِداتِ ونَقَلَ النَّيْسابُورِيُّ عَنِ الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ المَعْرُوفِ بِدايَةً أنَّ البُحَيْرَةَ إشارَةٌ إلى الحَيْدَرِيَّةِ والقَنَلْدَرِيَّةِ يَثْقُبُونَ آذانَهم ويَجْعَلُونَ فِيها حِلَقَ الحَدِيدَ ويَتْرُكُونَ الشَّرِيعَةَ، والسّائِبَةَ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ خالِعِينَ العُذْرَ بِلا لِجامِ الشَّرِيعَةِ وقَيْدِ الطَّرِيقَةِ ويَدَّعُونَ أنَّهم أهْلُ الحَقِيقَةِ، والوَصِيلَةَ إشارَةٌ إلى أهْلِ الإباحَةِ الَّذِينَ يَتَّصِلُونَ بِالأجانِبِ بِطَرِيقِ المُواخاةِ والِاتِّحادِ ويَرْفُضُونَ صُحْبَةَ الأقارِبِ لِأجْلِ العَصَبِيَّةِ والعِنادِ، والِحامَ إشارَةٌ إلى المَغْرُورِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَظُنُّ أنَّهُ بَلَغَ مَقامَ الحَقِيقَةِ فَلا يَضُرُّهُ مُخالَفَةُ الشَّرِيعَةِ، ﴿ وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ مِنَ الأحْكامِ ﴿ وإلى الرَّسُولِ ﴾ لِمُتابَعَتِهِ ﴿ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي عاشُوا بِها وماتُوا عَلَيْها ﴿ أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ مِنَ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ ﴿ ولا يَهْتَدُونَ ﴾ إلى الحَقِيقَةِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ ﴾ فاشْتَغَلُوا بِتَزْكِيَتِها ﴿ لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ ﴾ عَمّا أنْتُمْ فِيهِ فَأنْكَرَ عَلَيْكم ﴿ إذا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ وزَكَّيْتُمْ أنْفُسَكُمْ، وإنَّما ضَرَرُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ الآيَتَيْنِ لَمْ يَظْهَرْ لِلْعَبْدِ فِيهِ شَيْءٌ يَصْلُحُ لِلتَّحْرِيرِ، وقَدْ ذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ في تَطْبِيقِهِ عَلى ما في الأنْفُسِ ما رَأيْتُ التَّرْكَ لَهُ أنْفَسُ ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ﴾ ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ الكُبْرى ﴿ فَيَقُولُ ﴾ لَهم ﴿ ماذا أُجِبْتُمْ ﴾ حِينَ دَعَوْتُمُ الخَلْقَ ﴿ قالُوا لا عِلْمَ لَنا ﴾ بِذَلِكَ ﴿ إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ فَتَعْلَمُ جَوابَ ما سُئِلْنا، وهَذا عَلى ما قِيلَ عِنْدَ تَراكُمِ سَطَواتِ الجَلالِ وظُهُورِ رِداءِ الكِبْرِياءِ وإزارِ العَظَمَةِ، ولِهَذا بُهِتُوا وتاهُوا وتَحَيَّرُوا وتَلاشَوْا، ولِلَّهِ سُبْحانَهُ تَجَلِّياتٌ عَلى أهْلِ قُرْبِهِ وذَوِي حُبِّهِ فَيُفْنِيهِمْ تارَةً بِالجَلالِ ويُبْقِيهِمْ ساعَةً بِالجَمالِ، ويُخاطِبُهم مَرَّةً بِاللُّطْفِ ويُعامِلُهم أُخْرى بِالقَهْرِ، وكُلُّ ما فَعَلَ المَحْبُوبُ مَحْبُوبٌ وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ: يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى الرُّسُلَ في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ أوْ عَيْنِ جَمْعِ الذّاتِ فَيَسْألُهم هَلِ اطَّلَعْتُمْ عَلى مَراتِبِ الخَلْقِ في كَمالاتِهِمْ حِينَ دَعَوْتُمُوهم إلَيَّ فَيَنْفُوا العِلْمَ عَنْ أنْفُسِهِمْ ويُثْبِتُوهُ لِلَّهِ تَعالى لِاقْتِضاءِ مَقامِ الفَناءِ ذَلِكَ، ﴿ إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ ﴾ لِلْأحْبابِ والمُرِيدِينَ ﴿ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ ﴾ لِتَزْدادَ رَغْبَتُهم فِيَّ واشْكُرْ ذَلِكَ لِأزِيدَكَ مِمّا عِنْدِي فَخَزائِنِي مَمْلُوءَةٌ بِما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ ﴿ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ وهو الرُّوحُ الَّذِي أشْرَقَ مِن صُبْحِ الأزَلِ وهي رُوحُهُ الطّاهِرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ أيَّدْتُكَ بِجِبْرائِيلَ حَيْثُ عَرَّفَكَ رُسُومَ العُبُودِيَّةِ ﴿ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ ﴾ أيْ مَهْدِ البَدَنِ أوْ في المَهْدِ المَعْلُومِ، والمَعْنى نَطَقْتَ لَهم صَغِيرًا بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وإقْرارِكَ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ ﴿ وكَهْلا ﴾ أيْ في حالِ كِبَرِكَ، والمُرادُ أنَّكَ لَمْ يَخْتَلِفْ حالُكَ صِغَرًا وكِبَرًا بَلِ اسْتَمَرَّ تَنْزِيهُكَ لِرَبِّكَ ولَمْ تَرْجِعِ القَهْقَرى ﴿ وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ ﴾ وهو كِتابُ الحَقائِقِ والمَعارِفِ ﴿ والحِكْمَةَ ﴾ وهي حِكْمَةُ السُّلُوكِ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِتَحْصِيلِ الأخْلاقِ والأحْوالِ والمَقاماتِ والتَّجْرِيدِ والتَّفْرِيدِ ﴿ والتَّوْراةَ ﴾ أيِ العُلُومَ الظّاهِرَةَ والأحْكامَ المُتَعَلِّقَةَ بِالأفْعالِ وأحْوالِ النَّفْسِ وصِفاتِها ﴿ والإنْجِيلَ ﴾ العُلُومَ الباطِنَةَ ومِنها عِلْمُ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ والأحْكامُ المُتَعَلِّقَةُ بِأحْوالِ القَلْبِ وصِفاتِهِ ﴿ وإذْ تَخْلُقُ ﴾ بِالتَّرْبِيَةِ أوْ بِالتَّصْوِيرِ ﴿ مِنَ الطِّينِ ﴾ وهو الِاسْتِعْدادُ المَحْضُ أوِ الطِّينُ المَعْلُومُ ﴿ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ﴾ أيْ كَصُورَةِ طَيْرِ القَلْبِ الطّائِرِ إلى حَضْرَةِ القُدْسِ أوِ الطَّيْرِ المَشْهُورِ ﴿ فَتَنْفُخُ فِيها ﴾ مِنَ الرُّوحِ الظّاهِرَةِ فِيكَ ﴿ فَيَكُونُ طَيْرًا ﴾ نَفْسًا مُجَرَّدَةً طائِرَةً بِجَناحِ الصَّفاءِ والعِشْقِ أوْ طَيْرًا حَقِيقَةً ﴿ بِإذْنِي ﴾ حَيْثُ صِرْتَ مُظْهِرًا لِي ﴿ وتُبْرِئُ الأكْمَهَ ﴾ أيِ المَحْجُوبَ عَنْ نُورِ الحَقِّ ﴿ والأبْرَصَ ﴾ أيِ الَّذِي أفْسَدَ قَلْبَهُ حُبُّ الدُّنْيا وغَلَبَةُ الهَوى ﴿ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى ﴾ بِداءِ الجَهْلِ مِن قُبُورِ الطَّبِيعَةِ ﴿ بِإذْنِي وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ وهي القُوى النَّفْسانِيَّةُ أوِ المَحْجُوبِينَ عَنْ نُورِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ ﴿ عَنْكَ ﴾ فَلَمْ يُنْقِصْكَ كَيْدُهم شَيْئًا ﴿ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ ﴾ وهي الحُجَجُ الواضِحَةُ أوِ القُوى الرُّوحانِيَّةُ الغالِبَةُ ﴿ وإذْ أوْحَيْتُ ﴾ بِطَرِيقِ الإلْهامِ ﴿ إلى الحَوارِيِّينَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ طَهَّرُوا أنْفُسَهم بِماءِ العِلْمِ النّافِعِ ونَقَّوْا ثِيابَ قُلُوبِهِمْ عَنْ لَوْثِ الطَّبائِعِ ﴿ أنْ آمِنُوا بِي ﴾ إيمانًا حَقِيقِيًّا بِتَوْحِيدِ الصِّفاتِ ﴿ وبِرَسُولِي ﴾ بِرِعايَةِ حُقُوقِ تَجَلِّياتِها عَلى التَّفْصِيلِ وذَكَرَ بَعْضُ السّادَةِ أنَّ الوَحْيَ يَكُونُ خاصًّا ويَكُونُ عامًّا، فالخاصُّ ما كانَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ والعامُّ ما كانَ بِالواسِطَةِ مِن نَحْوِ المَلَكِ والرُّوحِ والقَلْبِ والعَقْلِ والسِّرِّ وحَرَكَةِ الفِطْرَةِ ولِلْأوْلِياءِ نَصِيبٌ مِن هَذا النَّوْعِ.

والوَحْيُ الخاصُّ مَراتِبُ وحْيُ الفِعْلِ ووَحْيُ الذّاتِ.

فَوَحْيُ الذّاتِ يَكُونُ في مَقامِ التَّوْحِيدِ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ ووَحْيُ الفِعْلِ يَكُونُ مَقامَ العِشْقِ والمَحَبَّةِ وهُناكَ مَنازِلُ الأُنْسِ والِانْبِساطِ ﴿ إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ أيِ المُرَبِّي لَكَ والمُفِيضُ عَلَيْكَ ما كَمَّلَكَ ﴿ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً ﴾ أيْ شَرِيعَةً مُشْتَمِلَةً عَلى أنْواعِ العُلُومِ والحَكَمِ والمَعارِفِ والأحْكامِ ﴿ مِنَ السَّماءِ ﴾ أيْ مِن جِهَةِ سَماءِ الأرْواحِ ﴿ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أيِ اجْعَلُوهُ سُبْحانَهُ وِقايَةً لَكم فِيما يَصْدُرُ عَنْكم مِنَ الأفْعالِ والأخْلاقِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ولا تَسْألُوا شَرِيعَةً مُجَدَّدَةً ﴿ قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها ﴾ بَأنْ نَعْمَلَ بِها ﴿ وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ﴾ فَإنَّ العِلْمَ غِذاءٌ ﴿ ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ﴾ في الأخْبارِ عَنْ رَبِّكَ وعَنْ نَفْسِكَ ﴿ ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ ﴾ فَنُعْلِمَ بِها الغائِبِينَ ونَدْعُوهم إلَيْها ﴿ قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ ﴾ بِها مِنكم ويَحْتَجِبْ عَنْ ذَلِكَ الدِّينِ ﴿ بَعْدُ ﴾ أيْ بَعْدَ الإنْزالِ ﴿ فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ وذَلِكَ بِالحِجابِ عَنِّي لِوُجُودِ الِاسْتِعْدادِ ووُضُوحِ الطَّرِيقِ وسُطُوعِ الحُجَّةِ، والعَذابُ مَعَ العِلْمِ أشَدُّ مِنَ العَذابِ مَعَ الجَهْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ ﴾ إلَخْ كَلامُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ.

وكَلامُ الشَّيْخِ عَبْدِ الكَرِيمِ الجِيلِيِّ في شَهِيرٍ مُنْتَشِرٍ عَلى ألْسِنَةِ المُخْلِصِينَ والمُنْكِرِينَ فِيما بَيْنَنا.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مَوائِدَ كَرَمِهِ ولا يَقْطَعَ عَنّا عَوائِدَ نِعَمِهِ ويَلْطُفَ بِنا في مَبْدَإٍ وخِتامٍ بِحُرْمَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ قرأ نافع: هذا يَوْمُ بالنصب.

وقرأ الباقون: بالرفع.

فمن قرأ بالنصب فعلى الظرف.

أي: قال الله تعالى: هذا لعيسى في يوم ينفع الصادقين صدقهم ومن قرأ: بالرفع فعلى معنى خبر هذا يعني، هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم.

ويقال: ينفع النبيين صدقهم بتبليغ الرسالة.

ويقال: ينفع المؤمنين إيمانهم لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني: ثوابهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بالطاعة وَرَضُوا عَنْهُ بالثواب ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعني: المؤمنين فازوا بالجنة.

قوله تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خزائن السموات والأرض وَما فِيهِنَّ من الخلق كلهم عبيده وإماؤه وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: من خلق عيسى من غير بشر والله أعلم بالصواب.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ: معناه: ولا أعلم ما عندك من المعلومات، وما أحَطْتَ به، وذكْر «النفْس» هنا مقابلةٌ لَفْظِيَّةٌ، وفي اللسان العربي يقتضيها الإيجَازُ وهذا ينظر من طَرْفٍ خَفِيٍّ إلى قوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: ٥٤] واللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٥] فتسمية العُقُوبَةِ باسم الذَّنْبِ إنما قاد إليها طَلَبُ المُقَابَلَةِ اللفظية، إذ هي من فَصِيحِ الكلام، وبَارِعِ العبارة.

ثم أقر عيسى- عليه السلام- للَّه تعالى بأنه- سبحانه- عَلاَّمُ الغيوب، أي: ولا عِلْمَ لي أنا بغيب.

وقوله: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي: أي: قبضتني بالرَّفْعِ، والتصيير في السّماء، والرَّقِيبَ:

الحافظ المراعي.

وقوله: فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ: أي: في قدرتك، الْحَكِيمُ في أفعالك.

والمعنى: إن يكن لك في النَّاسِ مُعَذَّبُونَ، فهم عبادك، وإن يكن مغفور لهم، فَعزَّتُكَ وحكمتك تَقْتَضِي هذا كله.

قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ فدخل تحت هذه العِبَارَةِ كل مؤمن باللَّه- سبحانه-، وكُلُّ ما كان أتقى، فهو أَدْخَلُ في العبارة، وجاءت هذه العبارة مُشِيرَةً إلى عيسى- عليه السلام- في حاله، وصدْقه فيحصل له بذلك في المَوْقِفِ شَرَفٌ عظيم، وإن كان اللفظ يعمه وسواه.

ثم ذكر- تعالى- ما أعدَّهُ لهم برحمته، وطوله، جعلنا اللَّه منهم بمَنِّهِ، وسَعَةِ جُودِهِ، لا رَبّ غيره، ولا مرجو في الدَّارَيْنِ سواه، وباقي الآية بَيِّنٌ.

جعل اللَّه ما كتبناه من هذه الأحرف نوراً يسعى بين أيدينا بمَنِّهِ.

والحمد للَّه كما هو أهْلُهُ، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وسلّم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ اليَوْمِ، وقَرَأ نافِعٌ بِنَصْبِهِ عَلى الظَّرْفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: قالَ اللَّهُ هَذا لِعِيسى في يَوْمٍ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى: قالَ اللَّهُ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ يَقَعُ في يَوْمٍ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم.

والمُرادُ بِاليَوْمِ: يَوْمُ القِيامَةِ.

وإنَّما خَصَّ نَفْعَ الصِّدْقِ بِهِ، لِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ.

وفي هَذا الصِّدْقِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ صِدْقُهم في الدُّنْيا يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ.

والثّانِي: صِدْقُهم في الآخِرَةِ يَنْفَعُهم هُنالِكَ.

وفي هَذِهِ الآيَةِ تَصْدِيقٌ لِعِيسى فِيما قالَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ أيْ: بِطاعَتِهِمْ، ﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ بِثَوابِهِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى عُبُودِيَّةِ عِيسى، وتَحْرِيضٌ عَلى تَعْلِيقِ الآمالِ بِاللَّهِ وحْدَهُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ قالَ اللهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ تَوْقِيفَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ إثْرَ رَفْعِهِ - مُسْتَقِيمَةُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ قالَ عنهم هَذِهِ المَقالَةَ وهم أحْياءٌ في الدُنْيا؛ وهو لا يَدْرِي عَلى ما يُوافُونَ.

وهِيَ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ التَوْقِيفَ هو يَوْمَ القِيامَةِ - بِمَعْنى: "إنْ سَبَقَتْ لَهم كَلِمَةُ العَذابِ؛ كَما سَبَقَتْ؛ فَهم عِبادُكَ؛ تَصْنَعُ بِحَقِّ المِلْكِ ما شِئْتَ؛ لا اعْتِراضَ عَلَيْكَ؛ ﴿ وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ؛ بِتَوْبَةٍ؛ كَما غَفَرْتَ لِغَيْرِهِمْ؛ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ في قُدْرَتِكَ؛ الحَكِيمُ في أفْعالِكَ؛ لا تُعارَضُ عَلى حالٍ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "إنْ يَكُنْ لَكَ في الناسِ مُعَذَّبُونَ فَهم عِبادُكَ؛ وإنْ يَكُنْ مَغْفُورٌ لَهُمْ؛ فَعِزَّتُكَ؛ وحِكْمَتُكَ تَقْتَضِي هَذا كُلَّهُ".

وهَذا عِنْدِي هو القَوْلُ الأرْجَحُ؛ ويُتَقَوّى بِما بَعْدَهُ؛ وذَلِكَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا قَرَّرَ أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ أنْ يَفْعَلَ في عِبادِهِ ما يَشاءُ؛ مِن تَعْذِيبٍ؛ ومَغْفِرَةٍ؛ أظْهَرَ اللهُ لِعِبادِهِ ما كانَتِ الأنْبِياءُ تُخْبِرُهم بِهِ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: "هَذا أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ؛ وقَدْ خَلَصَ لِلرَّحْمَةِ مَن خَلَصَ؛ ولِلْعَذابِ مَن خَلَصَ"؛ فَقالَ - تَبارَكَ وتَعالى-: ﴿ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ ؛ فَدَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ العِبارَةِ كُلُّ مُؤْمِنٍ بِاللهِ تَعالى؛ وكُلُّ ما كانَ اتَّقى فَهو أدْخَلُ في العِبارَةِ؛ ثُمَّ جاءَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُشِيرَةً إلى عِيسى في حالِهِ تِلْكَ؛ وصِدْقِهِ فِيما قالَ؛ فَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ في المَوْقِفِ شَرَفٌ عَظِيمٌ؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ يَعُمُّهُ؛ وسِواهُ؛ وذَكَرَ تَعالى ما أعَدَّ لَهم بِرَحْمَتِهِ؛ وطَوْلِهِ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ .

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "هَذا يَوْمَ"؛ بِنَصْبِ "يَوْمَ"؛ وقَرَأ الباقُونَ "يَوْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَإ الَّذِي هو "هَذا"؛ و"يَوْمُ"؛ مُضافٌ إلى "يَنْفَعُ"؛ والمُبْتَدَأُ والخَبَرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأنَّهُ مَفْعُولُ القَوْلِ؛ إذِ القَوْلُ يَعْمَلُ في الجُمَلِ؛ وأمّا قِراءَةُ نافِعٍ فَتَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ "يَوْمَ"؛ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "قالَ اللهُ هَذا القَصَصَ؛ أوِ الخَبَرَ؛ يَوْمَ...".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي مَعْنًى يُزِيلُ رَصْفَ الآيَةِ؛ وبَهاءَ اللَفْظِ.

والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ ما بَعْدَ "قالَ"؛ حِكايَةً عَمّا قَبْلَها مِن قَوْلِهِ لِعِيسى ؛ إشارَةً إلَيْهِ؛ وخَبَرُ "هَذا"؛ مَحْذُوفٌ إيجازًا؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "قالَ اللهُ: هَذا المُقْتَصُّ يَقَعُ؛ أو يَحْدُثُ؛ يَوْمَ يَنْفَعُ الصادِقِينَ...".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والخِطابُ - عَلى هَذا - لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأُمَّتِهِ؛ وهَذا أشْبَهَ مِنَ الذِي قَبْلَهُ؛ والبارِعُ المُتَوَجَّهُ: قِراءَةُ الجَماعَةِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "يَوْمَ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ ؛ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ مُعْرَبٌ؛ وإنَّما يَكْتَسِي البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ مَبْنِيًّا؛ نَحْوَ: ﴿ مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ  ﴾ ؛ ولا يُشْبِهُ قَوْلَ الشاعِرِ: عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ: ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ؟

لِأنَّ الماضِيَ الَّذِي في البَيْتِ مَبْنِيٌّ؛ والمُضارِعَ الَّذِي في الآيَةِ مُعْرَبٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ العَبّاسِ الشامِيُّ: "هَذا يَوْمٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ والتَنْوِينِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مَقْطُوعٌ مِن ذَلِكَ؛ مُخاطَبٌ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتُهُ؛ وعَلى الوَجْهَيْنِ فَفِيهِ عَضُدُ ما قالَ عِيسى: "إنْ تُعَذِّبِ الناسَ فَإنَّهم عِبادُكَ"؛ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْمائِدَةِ"؛ واللهُ المُسْتَعانُ؛ وهو حَسْبِي ونِعْمَ الوَكِيلُ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذييل مؤذن بانتهاء الكلام، لأنّ هذه الجملة جمعت عبودية كلّ الموجودات لله تعالى، فناسبت ما تقدّم من الردّ على النصارى، وتضمّنت أنّ جميعها في تصرّفه تعالى فناسبت ما تقدّم من جزاء الصادقين.

وفيها معنى التفويض لله تعالى في كلّ ما ينزل، فآذنت بانتهاء نزول القرآن على القول بأنّ سورة المائدة آخر ما نزل، وباقتراب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما في الآية من معنى التسليم لله وأنّه الفعّال لما يريد.

وتقديم المجرور باللام مفيد للقصر أي له لا لغيره.

وجيء بالموصول (ما) في قوله ﴿ وما فيهن ﴾ دون (من) لأنّ (ما) هي الأصل في الموصول المبهم فلم يعتبر تغليب العقلاء، وتقديم المجرور ب ﴿ على ﴾ في قوله: ﴿ على كل شيء قدير ﴾ للرعاية على الفاصلة المبنيّة على حرفين بينهما حرف مدّ.

﴿ وما فيهنّ ﴾ عطف على ﴿ ملك ﴾ أي لله ما في السماوات والأرض، كما في سورة البقرة (284) ﴿ ه ما في السماوات وما في الأرض ﴾ فيفيد قصرها على كونها لله لا لغيره.

وليس معطوفاً على السماوات والأرض إذ لا يحسن أن يقال: لله مُلك ما في السماوات والأرض لأنّ الملك يضاف إلى الأقطار والآفاق والأماكن كما حكى الله تعالى: ﴿ أليس لي مُلك مصر ﴾ [الزخرف: 51] ويضاف إلى صاحب الملك كما في قوله: ﴿ على ملك سليمان ﴾ [البقرة: 102].

ويقال: في مدّة مُلك الأشوريين أو الرومان.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّما نَفَعَهُمُ الصِّدْقُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِوُقُوعِ الجَزاءِ فِيهِ وإنْ كانَ في كُلِّ الأيّامِ نافِعًا، وفي هَذا الصِّدْقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ صِدْقَهُمُ الَّذِي كانَ مِنهم في الدُّنْيا نَفَعَهم في الآخِرَةِ جُوزُوا عَلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ، فَعَلى هَذا المُرادِ بِهَذا الصِّدْقِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صِدْقُهم في عُهُودِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ تَصْدِيقُهم لِرُسُلِ اللَّهِ وكُتُبِهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ صِدْقٌ يَكُونُ مِنهم في الآخِرَةِ يَنْفَعُهم لِقِيامِهِمْ فِيهِ بِحَقِّ اللَّهِ.

فَعَلى هَذا في المُرادِ بِهَذا الصِّدْقِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صِدْقُهم في الشَّهادَةِ لِأنْبِيائِهِمْ بِالبَلاغِ.

والثّانِي: صِدْقُهم فِيما شَهِدُوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ عَنْ أعْمالِهِمْ، ويَكُونُ وجْهُ النَّفْعِ فِيهِ أنْ يَكْفُّوا المُؤاخَذَةَ بِتَرْكِهِمْ كَتْمَ الشَّهادَةِ، فَيَغْفِرُ لَهم بِإقْرارِهِمْ لِأنْبِيائِهِمْ وعَلى أنْفُسِهِمْ.

وَهَلْ هم مَصْرُوفُونَ عَنْهُ قَبْلَ مَوْقِفِ العَرْضِ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ قال: يقول هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ قال: هذا فصل بين كلام عيسى وهذا يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة قال: متكلمان تكلما يوم القيامة.

نبي الله عيسى، وإبليس عدو الله، فأما إبليس فيقول ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ [ إبراهيم: 42] إلى قوله: ﴿ إلا أن دعوتكم فاستجبتم ﴾ لي وصدق عدو الله يومئذ، وكان في الدنيا كاذبا، وأما عيسى فما قص الله عليكم في قوله: ﴿ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي ﴾ [ المائدة: 116] إلى آخر الآية: ﴿ قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وكان صادقاً في الحياة الدنيا وبعد الموت.

قوله تعالى: ﴿ لله ملك السماوات ﴾ الآية.

أخرج أبوعبيد في فضائله عن أبي الزاهرية أن عثمان رضي الله عنه كتب في آخر المائدة ﴿ لله ملك السموات والأرض والله سميع بصير ﴾ .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال مقاتل: عظَّم نفسه عما قالت النصارى من البهتان أن معه إلهًا فقال: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ دون كل من سواه لقدرته عليه وحده (١) (٢) (٣) ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ  ﴾ ، و ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ  ﴾ ، والآية تشير إلى أن الآمال يجب أن تتعلق بالله تعالى لعظم ملكه وسعة مقدرته (٤) (١) "تفسيره" 1/ 522.

(٢) في (ج): (مضمن).

(٣) "تفسير الوسيط" 2/ 249.

(٤) هذا آخر تفسير سورة المائدة، وقد أعقبه المصنف مباشرة بتفسير سورة الأنعام، وذلك في نسخة (ج) (جامعة الإمام) لوحة 97 ب، ونسخة (ش) (شستربني) لوحة 88 ب.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ ﴾ عموم في جميع الصادقين، وخصوصاً في عيسى بن مريم؛ فإن في ذلك إشارة إلى صدقه في الكلام الذي حكاه الله عنه، وقرأ غير نافع بقية القراء هذا يومُ بالرفع على الابتداء أو الخبر، وقرأ نافع بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون يومَ ظرف لقال، فعلى هذا لا تكون الجملة معمول القول، وإنما معموله هاذ خاصة والمعنى قال الله هذا القصص أو الخبر في يوم، وهذا بعيد مزيل لرونق الكلام، والآخر أن يكون هذا مبتدأ، ويوم في موضع خبره والعامل فيه محذوف تقديره هذا واقع يوم ينفع الصادقين صدقهم، ولا يجوز أن يكون يوم مبنياً على قراءة نافع، لأنه أضيف إلى معرب، قاله الفارسي والزمخشري.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿ شهادة ﴾ بالتنوين ﴿ آلله ﴾ بالمد: روح وزيد.

الباقون بالإضافة."استحق" على البناء للفاعل: حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول.

﴿ الأولين ﴾ جمع الأول نقيض الآخر.

سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿ الأوليان ﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿ الغيوب ﴾ بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ ساحر ﴾ وكذلك في هود والصف: حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ سحر ﴾ ﴿ هل تستطيع ﴾ بتاء الخطاب ﴿ ربك ﴾ بالنصب:علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد ﴿ منزلها ﴾ بالتشديد: عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر.

الباقون بالتخفيف ﴿ فإني أعذبه ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وأمي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ لي أن ﴾ بالفتح: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون ﴿ يوم ينفع ﴾ بفتح الميم: نافع.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ تسؤكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ تبدلكم ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ ولا حام ﴾ لا للاستدراك.

﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ آبائنا ﴾ ط ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ أنفسكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ مصيبة الموت ﴾ ط ﴿ قربى ﴾ ز لأن وقوله ﴿ ولا نكتم ﴾ من جواب القسم.

﴿ شهادة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلله ﴾ بالمد ﴿ الآثمين ﴾ ه ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز لظاهر "إن" والوصل أجوز لتعلق "إذا" بقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ واسمعوا ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أجبتم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ والدتك ﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذا أيدتك ﴿ وكهلاً ﴾ ج ﴿ والإنجيل ﴾ ج ﴿ والأبرص بإذني ﴾ ج ﴿ الموتى ﴾ ج لأن "إذ" يجوز تعلقه تعلق به "إذ" الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ وبرسولي ﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿ إذ أوحيت ﴾ ﴿ مسلمون ﴾ ﴿ من السماء ﴾ الأولى ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ وآية منك ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ ما ليس لي ﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿ بحق ﴾ ﴿ علمته ﴾ ط ﴿ نفسك ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿ فيهم ﴾ ط لأن عامل "لما" متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿ عليهم ﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ عبادك ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ وما فيهن ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: "عن أنس أنهم سألوا رسول الله  فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: فاسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به.

فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟

فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك" - "ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟

فأعرض عنه رسول الله  حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله  : ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.

وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟

فقال: في النار" .

ولما اشتد غضب الرسول  قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد  نبياً.

فأنزل الله هذه الآية.

فهي عائدة إلى قوله ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾ كأنه قال: ما آتاكم الرسول فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم.

وأيضاً كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكياً عنهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ إلى تمام الآية.

وكان لبعض المسلمين أيضاً ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون  ﴾ فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية إن تبد لكم تسؤكم.

وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: أصلها "شياء" على وزن " حمراء" فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أوّل الكلمة فصار وزنه "لفعاء".

وقال الفراء: أصلها "أفعلاء" بناء على أن "شيا" مخفف شيء يقال "هين" في "هين" وقد يجمع "فيعل" على "أفعلاء" كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي "أشياء" على وزن "أفعاء".

وقال الكسائي: وزنها "أفعال" ومنع الصرف تشبيهاً له بحمراء.

ولا يلزم منه منع صرف "أبناء" و"أسماء" لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون مقصوراً على المسموع.

والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليه تكاليف شاقة صعبة.

فالذي سأل عن أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في كل عام وقد قال الرسول الله  : "إن أعظّم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته" وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله  فاقبلوه.

وقال أبو ثعلبة إن الله  فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.

ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن الوحي غير منقطع فقال ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي في زمان الوحي لأن الرسول بين أظهركم ﴿ تبد لكم ﴾ تلك الأمور أو التكاليف.

فالحالصل أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ساءتهم.

وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله ﴿ لا تسألوا ﴾ والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى هذا القسم بقوله: ﴿ وإن تسألوا ﴾ رفعاً للحرج وتميزاً لهذا القسم من الأوّل.

وإنما حسن عود الضمير في "عنها " إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلاً منهما مسؤول عنه في الجملة.

وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا تبد لكم.

والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولاً ثم يسأل ﴿ عفا الله عنها ﴾ أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا " إليها، أو المراد بالعفو أنه  ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف.

وقيل: إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها.

والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما جاء في الحديث " "عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" أي خفف عنكم بإسقاطها ﴿ قد سألها ﴾ يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا ﴿ قوم من قبلكم ﴾ سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى  فصار وبالاً عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى  فكفروا بها، ويحتمل أن يعود الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد  سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما جميعاً.

ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام أمور لم يؤمروا بها.

ومعنى ﴿ ما جعل ﴾ ما حكم بذلك ولا شرع.

والبحيرة "فعيلة" من البحر الشق.

وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول.

قال أبو عبيدة والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا تطرد عن ماء ولا تردّ عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها تحرجاً.

وأما السائبة فإنها فاعلة من "ساب" إذا جرى على وجه الأرض.

يقال ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها.

وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً وبحرت أذن بنتها الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة.

وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب الأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل.

وقيل هي العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا ميراث وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، إن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.

وأما الحامي فيقال: حماه يحميه إذا حفظه.

قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت.

فإن قيل إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فام لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟

فالجواب أن الإنسان خلق لعبادة الله  فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معيناً له على ما خلق لأجله، أما العجم من الحيونات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي تفويت كمالها عليها.

وأيضاً الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، فإعتاقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق.

﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله وكان أوّل من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

وقال رسول الله  في حقه "لقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ يعني العوام والأتباع.

ثم رد على أهل التقليد بقوله ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة.

فنفى العقل عنهم هناك والعلم ههنا مع نفي الاهتداء في الموضعين وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل.

قال أهل البرهان: العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله  بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان دعواهم ههنا أبلغ لقولهم ﴿ حسبنا ما وجدنا ﴾ فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو أبلغ.

ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه.

تقول العرب: عليك زيداً وعندك عمراً يعدّونهما إلى المفعول كأنه قيل: خذ زيداً فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه.

وليس المراد في عليك أنه حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معاً منقول الى معنى الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي أسم فعل.

فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضوعها وإني سمعت رسول الله  يقول: " إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" .

وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات ﴿ لا يضركم ﴾ ضلال ﴿ من ضل إذا اهتديتم ﴾ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال الله لرسوله  ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك  ﴾ وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الأنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله.

وكان ابن شبرمة يقول: من فرَّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر.

وقيل: إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله  لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله  الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق.

وقيل: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه  ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ﴾ وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان.

ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً سألت رسول الله  عنها فقال: " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله" .

وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت.

ثم إنه  لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أمر بحفظ المال.

عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة.

فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات.

ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي  فنزلت.

ومعنى ﴿ شهادة بينكم ﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر.

وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿ وإذا حضر ﴾ ظرف للشهادة ﴿ حين الوصية ﴾ بدل منه.

وفي هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان.

وارتفع ﴿ اثنان ﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله ﴿ منكم ﴾ و ﴿ من غيركم ﴾ قولان: فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿ منكم ﴾ أي من أقاربكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من الأجانب.

والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين.

وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به.

وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سرين أن ﴿ منكم ﴾ أي من أهل ملتكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن.

قال الشافعي: مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة.

فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلىالله عليه وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله  بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما.

والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿ منكم ﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه  أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه ألبته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة.

وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة.

وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً.

ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله  ﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم  ﴾ وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله  وعلى رسله.

وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام.

وموقع ﴿ تحبسونهما ﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا؟

فقيل ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما.

وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله  حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله  فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.

وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.

وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد.

وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان.

ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية.

والمقسم عليه قوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ﴾ وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ اعتراض، والضمير في ﴿ به ﴾ ، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿ شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ ولا نكتم شهادة الله  ﴾ التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين.

ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿ شهادة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ الله ﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.

وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى بالله ﴿ فإن عثر ﴾ قال الليث: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه.

والمعنى فإن حصل الإطلاع على أنهما استحقا إثماً - وهو كناية عن الخيانة والحنث في الحلف - ﴿ فآخران ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران ﴿ يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ﴾ قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته.

وفي التفسير الكبير أنه المال.

وإنما وصف موالي الميت بذلك لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.

وارتفع ﴿ الأوليان ﴾ على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟

فقيل: هما الأوليان، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو من ﴿ آخران ﴾ ويجوز أن يرتفع بـ ﴿ استحق ﴾ أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال - قاله في الكشاف - ومعنى الأوليان الأقربان إلى الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من لا يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادّعى الدين أوّلاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه.

وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقاً لهم.

ومن قرأ ﴿ الأوّلين ﴾ على الجمع فعلى أنه نعت لـ ﴿ الذين استحق عليهم ﴾ أو منصوب على المدح.

ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وكذلك ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ ذكرا قبل قوله قرأ ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ استحق ﴾ على البناء للفاعل ﴿ عليهم الأوليان ﴾ فقد قال في الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين.

وفي التفسير الكبير أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان.

روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله  صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله  سبيلهما وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة.

وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه.

فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتم لا؟

فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا.

فرفعوا القصة إلى رسول الله  فأنزل الله  ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا ﴾ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله بعد العصر ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ﴾ في طلب هذا المال وفي نسبتهم الى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله  الإناء اليهما وإلى أولياء الميت.

وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب الى الله  .

وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كذباً وقد بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى أولياء الميت ﴿ ذلك ﴾ الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه أقرب إلى ﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي كما هو في الواقع ﴿ أو يخافوا أن تردّ ﴾ في مثل هذه القضية ﴿ أيمان ﴾ على الورثة ﴿ بعد أيمانهم ﴾ وهذا تفسير من يرى ردّ اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكرّ أيمان شهود آخرين لانقلاب المدعى عليه مدعياً وعلى التقديرين يظهر كذبهم.

والحاصل أن هذا الحكم يصير باعثاً للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف ﴿ واتقوا الله ﴾ في الأيمان ﴿ واسمعوا ﴾ مواعظه سماع قبول ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن مناهج شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه.

قال المفسرون: هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.

وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الحكم هذه الآية منسوخ.

ثم إنه  ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من الخطاب والعتاب جرياً على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات والنبوّات وأحوال المعاد فقال ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ قال الزجاج: تقديره واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك اليوم ولكن على أنه بدل أشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله ﴿ لا يهدي ﴾ أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذٍ، أو منصوباً بإضمار"اذكر"، أو ظرفاً لما يجيء بعده وهو ﴿ قالوا ﴾ وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها.

و"ماذا" منصوب بـ"أجبتم" ولكن انتصاب المصدر على معنى أيّ إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.

وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.

ثم ظاهر قوله ﴿ لا علم لنا ﴾ يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا وبين قوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ الآية مشكل.

فقال جمع من المفسرين: إن القيامة زلازل وأهوالاً تزيل العقول؛ فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم.

ولا يرد عليه قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف من العاقبة لا ينافي الحيرة والدهشة أوّلاً.

وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟

فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه الى شهادة لظهوره.

وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم.

وقال ابن عباس: نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم.

وقيل: المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها.

وقال في التفسير الكبير: إن الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنياً على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم بالظاهر وكان ظناً غالباًوالأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة من أن السكوت وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب.

وقرىء ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله ﴿ أنت ﴾ أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب ﴿ علام الغيوب ﴾ على الاختصاص أو على النداء.

ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى  واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله،  باتخاذ الصاحبة والولد.

وموضع ﴿ إذ قال ﴾ رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار "اذكر"، أو هو بدل من ﴿ يوم يجمع ﴾ وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا.

ومحل ﴿ يا عيسى ﴾ مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال ﴿ نعمتي عليك ﴾ أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس.

وإنما قال: ﴿ وعلى والدتك ﴾ لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق.

﴿ إذ أيدتك ﴾ بدل ﴿ من نعمتي ﴾ أي قوّيتك ﴿ بروح القدس ﴾ أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة ﴿ تكلم الناس ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ في المهد وكهلاً ﴾ في هاتين الحالتين من غير تفاوت ﴿ وإذ علمتك الكتاب ﴾ الخط أو جنس الكتب ﴿ والحكمة ﴾ النظرية والعلمية ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة ﴿ فتنفخ فيها ﴾ الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في ﴿ فتكون ﴾ والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة.

وكرر ﴿ بإذني ﴾ أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده.

﴿ وإذ كففت ﴾ يروى أنه لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله  برفعه إلى السماء.

﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار الى الرجل.

واللام في ﴿ البينات ﴾ يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة.

وذكر قول الكفار في حقه ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ يحتمل ان يكون من تمام القصة استطراداً، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم أيضاً لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسموّ مكانه.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ﴾ إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي بمعنى الإلهام كقوله ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ وهذا أيضاً من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله  .

وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم أنهم آمنوا بقلوبهم.

وانقادوا بظواهرهم ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟

ومن قرأ بالياء وبالرفع فمشكل لأنه  حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصوّر مع الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟

وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى ﴿ اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا ﴿ وتطمئن قلوبنا ﴾ ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة.

ومنها قول السدّي إن السين زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟

ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان يربيه.

ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟

يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه.

قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها.

وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها طعام فهي خوان.

وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من تقدم إليه.

وقال أبو عبيدة: هي بمعنى "مفعولة" مثل ﴿ عشية راضية  ﴾ أي مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين.

قال عيسى ﴿ اتقوا الله ﴾ في تعيين المعجزة فإنه كالتحكم.

وأيضاً اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب  ﴾ فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاماً آخر - يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام - وأن نزداد يقيناً وعرفاناً وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوّة أو فيما وعدتنا وذلك أنه كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله  فإنه يعطيكم.

وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ صفة للمائدة أو استئناف.

وقرىء بالجزم جواباً للأمر.

كان نزولها يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً.

والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم، أو للمقدّمين منا والأتباع.

وقرىء ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ بمعنى الأمة أو الجماعة.

فقول عيسى ﴿ ربنا ﴾ ابتداء بذكر الحق ﴿ وأنزل علينا ﴾ انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها بل من حيث إنها صادرة عن المنعم.

وقوله ﴿ وآية منك ﴾ إشارة إلى كون المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله ﴿ وارزقنا ﴾ إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدّموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، وأن عيسى بدأ بالأشراف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة.

اللهم اجعلنا من أهل الكمال والإشراق بعميم فضلك وجسيم طولك ﴿ منزلها ﴾ بالتخفيف والتشديد بمعنى.

وقيل: بالتشديد للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة ﴿ عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد مسخهم خنازير.

وقيل: قردة.

وقيل جنساً من العذاب لا يكون مؤخراً إلى الآخرة.

﴿ وعذاباً ﴾ نصب على المصدر أي تعذيباً والضمير في ﴿ لا أعذبه ﴾ للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحداً، وأراد بالعالمين عالمي زمانهم.

واختلف في أن عيسى  سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل.

أما نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة.

وقال جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه  وعد إنزالها بقوله ﴿ إني منزلها عليكم ﴾ ثم إن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.

روي أن عيسى  لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى  وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.

ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك.

فقام عيسى  فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين.

فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.

فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟

قال:ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله.

فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية.

ثم طارت المائدة ثم عصوا الله بعدها فمسخوا قردة وخنازير.

وقيل إن عيسى  كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، ﴿ وإذ قال الله ﴾ معطوف على مثله.

والصحيح أن هذا القول أيضاً يوم القيامة لقوله عقيب ذلك ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وقيل: هذا عند رفع عيسى  نظراً إلى أن "إذ" للماضي وقد مر توجيه ذلك.

﴿ أأنت قلت ﴾ استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى.

قال بعض المشككين: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى  وأمه مع القول بنفي إلهية الله  .

وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله  في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم.

وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله ﴿ من دون الله ﴾ أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث.

أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق  عن ذلك ولهذا قال عيسى ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك.

ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله ﴿ ما يكون ﴾ أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة.

ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال ﴿ أن كنت قلته فقد علمته ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك.

وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ "أن" في قوله ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما.

أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا "أن" فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط "أن".

وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ ﴿ اعبدوا الله ﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلاً من ﴿ ما أمرتني ﴾ والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلاً من الهاء في ﴿ به ﴾ لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد.

فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر"أن" المفسرة.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون "أن " مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلاً، وحينئذ يبقى العائد بحاله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ﴾ كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير ﴿ ما دمت فيهم ﴾ مدة دوامي فيما بينهم ﴿ فلما توفيتني ﴾ بالرفع إلى السماء ﴿ كنت أنت الرقيب ﴾ الحافظ ﴿ عليهم ﴾ المراقب لأحوالهم ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور.

﴿ وإن تغفر لهم ﴾ فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله  لا يغفر الشرك؟

والجواب أن قوله لعيسى  ﴿ أأنت قلت الناس ﴾ مبني على أن قوماً من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله  مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجوداً في شرع عيسى  ، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه.

أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلاً لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم ﴿ فإنك أنت العزيز ﴾ القادر على ما تريد ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله ﴿ فإنك أنت الغفور الرحيم ﴾ وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعاً لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه  ، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة.

قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى  لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد  لفساق أمته أولى ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ ﴿ قال ﴾ ، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت.

وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في "يومئذ" وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا *** أو مثل "لا" في قوله  ﴿ يوم لا تملك  ﴾ وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة.

والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق  ﴾ فصدق وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقاً في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه.

وفي هذا الكلام تصديق من الله  لعيسى في قوله ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ {  م ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه.

﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان ﴿ ما فيهن ﴾ لم يقل "ومن فيهن" ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء.

واعلم أنه  افتتح السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق!

وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن  مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد  ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا.

وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله  أعلم بأسرار كتابه.

التأويل: أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿ وكذلك نرى إبراهيم  ﴾ ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ وقال  : "أرنا الأشياء كما هي" .

وقال الخضر لموسى  ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء  ﴾ وقال موسى في الثالثة ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني  ﴾ فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم.

وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم.

﴿ والله غفور ﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿ حليم ﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين: المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويحلقون لحيتهم ﴿ ولا سائبة ﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ ولا وصيلة ﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ ولا حام ﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة.

﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ﴾ من الأحكام ﴿ وإلى الرسول ﴾ لمتابعته ﴿ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ ولا يهتدون ﴾ إلى الحقيقة.

﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿ أو آخران ﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات.

فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب.

﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿ تحبسونهما ﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿ من بعد الصلاة ﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً.

﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿ فآخران ﴾ من صفات القلب هما: التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ.

﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة.

﴿ ماذا أجبتم قالوا ﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود.

﴿ لا علم لنا ﴾ اي ببواطن الأمور وحقائقها.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين ﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا.

إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿ يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقوموا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته.

ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة ﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿ تكون لنا ﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿ عيداً ﴾ نفرح بها ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة.

﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال  "يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه" ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته  أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم؟

﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ الغيب ما غاب عن الخلق.

ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ \[الآية\].

يحتمل هذا القول أوجهاً ثلاثة: أحدها: أن كان هذا القول منه في الوقت الذي كان عيسى بين أظهرهم؛ ليكون ذلك آية وحجة لمن تبعه على من زاغ عن طريقه، وضل عن سبيل الهدى؛ لأنه تبرأ أن يكون قال لهم ذلك.

ويحتمل: أن يكون قال ذلك له وقت رفعه إلى السماء: قرر عنده أن قومه يقولون ذلك القول بعد مفارقته قومه.

وقيل: إنه يقول ذلك له يوم القيامة ويكون "قال" بمعنى: "يقول"؛ كقوله -  -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ  ﴾ أي: يقولون، وذلك جائز "قال" بمعنى: "يقول"، وذلك في القرآن كثير.

واتخاذهم عيسى وأمه إلهين قول متناقض؛ لأنهم سمَّوها: أم عيسى؛ فإذا ثبتت لها الأمومة بطل أن تكون إلهاً؛ وكذلك عيسى: إذا ظهر أنه كان ابنا لها، بطل أن يكون إلها؛ لأنه لا يكون ابن غيره إلهاً، لكنهم قوم سفهاء، يقولون ذلك عن سفه.

﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾ .

أي: لا ينبغي لي أن أقول ما ليس ذلك بحق.

﴿ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ .

يتكلم في النفس على وجهين: أحدهما: يراد ما يضمر.

والثاني: على إرادة الذات؛ فإن كان الله يتعالى عن أن يوصف بالذات كما يوصف الخلق؛ دل أنه إنما يراد بذلك غيره، وهو أن يقال: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو يقول: تعلم ما كان مني ولا أطلع على غيبك.

﴿ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .

أي: إنك أنت علام ما غاب عن الخلق.

قوله  : ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ ﴾ .

أي: ما دعوتهم إلا إلى ما أمرتني أن أدعوهم إليه من التوحيد والعبادة لك.

وقوله: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ .

أي: شاهداً عليهم.

هذا يدل على أن ذلك القول كان منه وقت رفعه إلى السماء، أو يكون يوم القيامة.

ويقال: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ أي: كنت عليهم حفيظاً ما كنتُ بين أظهرهم.

﴿ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ .

أي: الحفيظ عليهم.

﴿ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .

بما أمرتهم من التوحيد والعبادة لك، وشاهداً عليهم بما قالوا من البهتان.

وذكر في بعض القصة: لما قال الله -  - لعيسى: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ - قيل: فَأُرْعِدَتْ مفاصله، وخشي أن يكون قالها؛ فقال: ﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ...

﴾ الآية.

وذكر - أيضاً - متكلمان يتكلمان يوم القيام: نبي الله عيسى ابن مريم -  - وعدو الله إبليس - لعنه الله -: فأما كلام عيسى -  - يقول الله: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فقال عيسى ابن مريم -  -: ﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ...

﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

وأما كلام اللعين: فيقول: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ...

﴾ الآية [إبراهيم: 22].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

اختلف فيه: عن الحسن قال: يقول ذلك في الآخرة: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ ﴾ إن تعذب من مات على ما كان منه من القول الوخش في الله، ﴿ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ أي: وإن تغفر لمن أكرمت له بالإسلام والهدى ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ ؛ لأن منهم من قد آمن بعد هذا القول الوخش في الله.

وقال آخرون: هذا القول كان من عيسى في الدنيا: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ ﴾ ، يقول: إن تعذب من مات على الكفر الذي كان منهم ﴿ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ ﴾ من أكرمت له الهدى ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ أي: أنت العزيز وهم عبادك أذلاء.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (فإنك أنت الغفور الرحيم) [و] هو ظاهر؛ لأنه ذكر أنه غفور على إثر المغفرة.

وروي في الخبر أن نبي الله -  - كان أحيا ليله بقوله: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ به قام، وبه سجد، وبه قعد، فهو - والله أعلم - على التشفع والتضرع إليه، كأنه قال: إن خذلتهم فمن الذي ينصرهم ويدفع ذلك عنهم دونك، وهم عبادك أذلاء؟!

وإن أكرمتهم فمن الذي يمنعك عن إكرامهم؟!.

والثاني: إن تعذبهم فلك سلطان عليهم، ولست أنت في تعذيبك إياهم جائرا؛ لأنهم عبادك؛ لأن الجور هو المجاوزة عن الحد الذي له إلى الحد الذي ليس له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا ﴾ .

قيل: "قال..." بمعنى: "يقول الله يوم القيامة" ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ ، أي: اليوم ينفع الصادقين صدقهم في الدنيا، وينفع صدق الصادق - أيضاً - في الدنيا؛ لأنه إذا عرف بالصدق قُبِلَ قوله، وإن لم يظهر صدقه في قوله.

ثمَّ اختلف في الصادقين من هم؟: قال بعضهم: هم المؤمنون جملة، أي: يومئذ ينفع إيمان المؤمنين، وتوحيد الموحدين في الدنيا؛ كقوله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ  ﴾ .

وقال بعضهم: الصادقون: هم الأنبياء، عليهم السلام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .

قد ذكرناه فيما تقدم.

﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾ .

و"خالدين" و"أبداً" واحد؛ لكنه يذكر على التأكيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ .

لسعيهم في الدنيا.

﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ .

بالثواب لسعيهم.

ويحتمل: ﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ بما وفقهم على سعيهم المحمود في الدنيا ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .

لأنه ليس بعده خوف الهلاك، ولا خوف الفوت؛ فهو الفوز العظيم، ليس كفوز الدنيا؛ لأنه لا يذهب عنه خوف الهلاك، ولا خوف الفوت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ﴾ .

[كأن] هذا خرج على إثر قوله: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: كيف يتخذ أرباباً وولداً وله ملك السماوات والأرض وملك ما فيهن من الخلق، كلهم عبيده وإماؤه؟!.

﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

لا يعجزه شيء، [ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لله وحده ملك السماوات والأرض، فهو خالقهما ومدبر أمرهما، وله ملك ما فيهن من جميع المخلوقات، وهو على كل شيء قدير، فلا يعجزه شيء.

من فوائد الآيات توعد الله تعالى كل من أصرَّ على كفره وعناده بعد قيام الحجة الواضحة عليه.

تَبْرئة المسيح -  - من ادعاء النصارى بأنه أبلغهم أنه الله أو أنه ابن الله أو أنه ادعى الربوبية أو الألوهية.

أن الله تعالى يسأل يوم القيامة عظماء الناس وأشرافهم من الرسل، فكيف بمن دونهم درجة؟!

علو منزلة الصدق، وثناء الله تعالى على أهله، وبيان نفع الصدق لأهله يوم القيامة.

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله