الآية ١٠٢ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٠٢ من سورة الأنعام

ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ فَٱعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ ١٠٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٢ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٢ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( ذلكم الله ربكم ) أي : الذي خلق كل شيء ولا ولد له ولا صاحبة ، ( لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ) فاعبدوه وحده لا شريك له ، وأقروا له بالوحدانية ، وأنه لا إله إلا هو ، وأنه لا ولد له ولا والد ، ولا صاحبة له ولا نظير ولا عديل ( وهو على كل شيء وكيل ) أي : حفيظ ورقيب يدبر كل ما سواه ، ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذي خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم, هو الله ربكم، أيها العادلون بالله الآلهة والأوثان, والجاعلون له الجن شركاء, وآلهتكم التي لا تملك نفعًا ولا ضرًا، ولا تفعل خيرًا ولا شرًا=" لا إله إلا هو ".

وهذا تكذيبٌ من الله جل ثناؤه للذين زعموا أن الجن شركاء الله.

يقول جل ثناؤه لهم: أيها الجاهلون، إنه لا شيء له الألوهية والعبادة، إلا الذي خلق كل شيء, وهو بكل شيء عليم, فإنه لا ينبغي أن تكون عبادتكم وعبادةُ جميع من في السماوات والأرض إلا له خالصة بغير شريك تشركونه فيها, فإنه خالق كل شيء وبارئه وصانعه, وحق على المصنوع أن يفرد صانعه بالعبادة=" فاعبدوه "، يقول: فذلُّوا له بالطاعة والعبادة والخدمة, واخضعوا له بذلك .

(1) = " وهو على كل شيء وكيل "، يقول: والله على كل ما خلق من شيء رقيبٌ وحفيظ، يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته .

(2) ---------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير (( العبادة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( عبد ) .

(2) انظر تفسير (( وكيل )) فيما سلف 11 : 434 تعليق : 1 ، راجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل .قوله تعالى ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو " ذلكم " في موضع رفع بالابتداء .

الله ربكم على البدل .

خالق كل شيء خبر الابتداء .

ويجوز أن يكون " ربكم " الخبر ، و " خالق " خبرا ثانيا ، أو على إضمار مبتدأ ، أي هو خالق .

وأجاز الكسائي والفراء فيه النصب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ذلكم الذي خلق ما خلق، وقدر ما قدر.

{ اللَّهُ رَبُّكُمْ }أي: المألوه المعبود، الذي يستحق نهاية الذل، ونهاية الحب، الرب، الذي ربى جميع الخلق بالنعم، وصرف عنهم صنوف النقم.

{ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ } أي: إذا استقر وثبت، أنه الله الذي لا إله إلا هو، فاصرفوا له جميع أنواع العبادة، وأخلصوها لله، واقصدوا بها وجهه.

فإن هذا هو المقصود من الخلق، الذي خلقوا لأجله { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } أي: جميع الأشياء، تحت وكالة الله وتدبيره، خلقا، وتدبيرا، وتصريفا.

ومن المعلوم، أن الأمر المتصرف فيه يكون استقامته وتمامه، وكمال انتظامه، بحسب حال الوكيل عليه.

ووكالته تعالى على الأشياء، ليست من جنس وكالة الخلق، فإن وكالتهم، وكالة نيابة، والوكيل فيها تابع لموكله.

وأما الباري، تبارك وتعالى، فوكالته من نفسه لنفسه، متضمنة لكمال العلم، وحسن التدبير والإحسان فيه، والعدل، فلا يمكن لأحد أن يستدرك على الله، ولا يرى في خلقه خللا ولا فطورا، ولا في تدبيره نقصا وعيبا.

ومن وكالته: أنه تعالى، توكل ببيان دينه، وحفظه عن المزيلات والمغيرات، وأنه تولى حفظ المؤمنين وعصمتهم عما يزيل إيمانهم ودينهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ) فأطيعوه ، ( وهو على كل شيء وكيل ) بالحفظ له وبالتدبير فيه ، ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) الآية ، يتمسك أهل الاعتزال بظاهر هذه الآية في نفي رؤية الله عز وجل عيانا .

ومذهب أهل السنة : إثبات رؤية الله عز وجل عيانا جاء به القرآن والسنة ، قال الله تعالى : " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " ، ( القيامة ، 23 ) ، وقال : " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " ( المطففين ، 15 ) ، قال مالك رضي الله عنه : لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب ، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم : " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " ( يونس ، 26 ) ، وفسره بالنظر إلى وجه الله عز وجل .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا يوسف بن موسى ثنا عاصم بن يوسف اليربوعي أنا أبو شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنكم سترون ربكم عيانا " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالقُ كلَّ شيء فاعبدوه» وحِّدوه «وهو على كل شيء وكيل» حفيظ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ذلكم -أيها المشركون- هو ربكم جل وعلا لا معبود بحق سواه، خالق كل شيء فانقادوا واخضعوا له بالطاعة والعبادة.

وهو سبحانه على كل شيء وكيل وحفيظ، يدبر أمور خلقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن أبطل - سبحانه - الشرك ونعى على معتنقيه سوء تفكيرهم ، دعا المكلفين إلى إخلاص العبودية لله وحده فقال - تعالى - :{ ذلكم الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعبدوه } .أى ذلكم الموصوف بما سمعتم من جلائل الصفات هو الله ربكم لا من زعمتم من الشركاء ، فأخلصوا له العبادة فهو - سبحانه - الخالق لكل شىء وما عداه فهو مخلوق يجب أن يعبد خالقه .وقوله { وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } أى وهو مع تلك الصفات الجليلة رقيب على عباده حفيظ عليهم ، يدبر أمرهم ، ويتولى جميع شئونهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أقام الحجة على وجود الإله القادر المختار الحكيم الرحيم وبين فساد قول من ذهب إلى الإشراك بالله، وفصل مذاهبهم على أحسن الوجوه وبين فساد كل واحد منها بالدلائل اللائقة به.

ثم حكى مذهب من أثبت لله البنين والبنات، وبين بالدلائل القاطعة فساد القول بها فعند هذا ثبت أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والضد والند، ومنزه عن الأولاد والبنين والبنات، فعند هذا صرح بالنتيجة فقال: ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل ما سواه فاعبدوه ولا تعبدوا غيره أحداً فإنه هو المصلح لمهمات جميع العباد، وهو الذي يسمع دعاءهم ويرى ذلهم وخضوعهم، ويعلم حاجتهم، وهو الوكيل لكل أحد على حصول مهماته، ومن تأمل في هذا النظم والترتيب في تقرير الدعوة إلى التوحيد والتنزيه، وإظهار فساد الشرك، علم أنه لا طريق أوضح ولا أصلح منه.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: ذلكم إشارة إلى الموصوف بما تقدم من الصفات وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة، وهي: ﴿ الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شَيء ﴾ أي ذلك الجامع لهذه الصفات فاعبدوه، على معنى أن من حصلت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة فاعبدوه، ولا تعبدوا أحداً سواء.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى بين في هذه السورة بالدلائل الكثيرة افتقار الخلق إلى خالق وموجد، ومحدث، ومبدع، ومدبر، ولم يذكر دليلاً منفصلاً يدل على نفي الشركاء، والأضداد والأنداد، ثم إنه اتبع الدلائل الدالة على وجود الصانع بأن نقل قول من أثبت لله شريكاً، فهذا القدر يكون أوجب الجزم بالتشريك من الجن، ثم أبطله، ثم إنه تعالى بعد ذلك أتى بالتوحيد المحض حيث قال: ﴿ ذلكم الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شَيء فاعبدوه ﴾ وعند هذا يتوجه السؤال وهو أن حاصل ما تقدم إقامة الدليل على وجود الخالق، وتزييف دليل من أثبت لله شريكاً، فهذا القدر كيف أوجب الجزم بالتوحيد المحض؟

فنقول: للعلماء في إثبات التوحيد طرق كثيرة، ومن جملتها هذه الطريقة.

وتقريرها من وجوه: الأول: قال المتقدمون الصانع الواحد كاف وما زاد على الواحد فالقول فيه متكافئ، فوجب القول بالتوحيد أما قولنا: الصانع الواحد كاف فلأن الإله القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات كاف في كونه إلهاً للعالم، ومدبراً له.

وأما أن الزائد على الواحد، فالقول فيه متكافئ، فلأن الزائد على الواحد لم يدل الدليل على ثبوته، فلم يكن إثبات عدد أولى من إثبات عدد آخر، فيلزم إما إثبات آلهة لا نهاية لها، وهو محال، أو إثبات عدد معين مع أنه ليس ذلك العدد أولى من سائر الأعداد، وهو أيضاً محال، وإذا كان القسمان باطلين لم يبق إلا القول بالتوحيد.

الوجه الثاني: في تقرير هذه الطريقة أن الإله القادر على كل الممكنات العالم بكل المعلومات كاف في تدبير العالم، فلو قدرنا إلهاً ثانياً لكان ذلك الثاني إما أن يكون فاعلاً وموجوداً لشيء من حوادث هذا العالم أو لا يكون، والأول باطل، لأنه لما كان كل واحد منهما قادراً على جميع الممكنات فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلاً لذلك الفعل مانعاً للآخر عن تحصيل مقدوره، وذلك يوجب كون كل واحد منهما سبباً لعجز الآخر وهو محال.

وإن كان الثاني لا يفعل فعلاً ولا يوجد شيئاً كان ناقصاً معطلاً، وذلك لا يصلح للإلهية.

والوجه الثالث: في تقرير هذه الطريقة أن نقول: إن هذا الإله الواحد لابد وأن يكون كاملاً في صفات الإلهية، فلو فرضنا إلهاً ثانياً لكان ذلك الثاني إما أن يكون مشاركاً للأول في جميع صفات الكمال أو لا يكون، فإن كان مشاركاً للأول في جميع صفات الكمال فلابد وأن يكون متميزاً عن الأول بأمر ما، إذ لو لم يحصل الامتياز بأمر من الأمور لم يحصل التعدد والإثنينية، وإذا حصل الامتياز بأمر ما فذلك الأمر المميز إما أن يكون من صفات الكمال أو لا يكون.

فإن كان من صفات الكمال مع أنه حصل الامتياز به لم يكن جميع صفات الكمال مشتركاً فيه بينهما، وإن لم يكن ذلك المميز من صفات الكمال، فالموصوف به يكون موصوفاً بصفة ليست من صفات الكمال، وذلك نفصان، فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الإله الواحد كاف في تدبير العالم والإيجاد، وأن الزائد يجب نفيه فهذه الطريقة هي التي ذكرها الله تعالى هاهنا في تقرير التوحيد.

وأما التمسك بدليل التمانع فقد ذكرناه في سورة البقرة.

المسألة الثالثة: تمسك أصحابنا بقوله: ﴿ خالق كُلّ شَيء ﴾ على أنه تعالى هو الخالق لأعمال العباد قالوا: أعمال العباد أشياء، والله تعالى خالق كل شيء بحكم هذه الآية فوجب كونه تعالى خالقاً لها واعلم أنا أطنبنا الكلام في هذا الدليل في كتاب الجبر والقدر، ونكتفي هاهنا من تلك الكلمات بنكت قليلة.

قالت المعتزلة: هذا اللفظ وإن كان عاماً إلا أنه حصل مع هذه الآية وجوه تدل على أن أعمال العباد خارجة عن هذا العموم.

فأحدهما: أنه تعالى قال: ﴿ خالق كُلّ شَيء فاعبدوه ﴾ فلو دخلت أعمال العباد تحت قوله: ﴿ خالق كُلّ شَيء ﴾ لصار تقدير الآية: أنا خلقت أعمالكم فافعلوها بأعيانها أنتم مرة أخرى.

ومعلوم أن ذلك فاسد.

وثانيها: أنه تعالى إنما ذكر قوله: ﴿ خالق كُلّ شَيء ﴾ في معرض المدح والثناء على نفسه، فلو دخل تحته أعمال العباد لخرج عن كونه مدحاً وثناء لأنه لا يليق به سبحانه أن يتمدح بخلق الزنا واللواط والسرقة والكفر.

وثالثها: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: ﴿ قَدْ جَاءكُم بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا  ﴾ ، وهذا تصريح بكون العبد مستقلاً بالفعل والترك، وأنه لا مانع له ألبتة من الفعل والترك، وذلك يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى إذ لو كان مخلوقاً لله تعالى لما كان العبد مستقلاً به، لأنه إذا أوجده الله تعالى امتنع منه الدفع، وإذا لم يوجده الله تعالى امتنع منه التحصيل.

فلما دلت هذه الآية على كون العبد مستقلاً بالفعل والترك وثبت أن كونه كذلك يمنع أن يقال فعل العبد مخلوق لله تعالى، ثبت أن ذكر قوله: ﴿ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ﴾ يوجب تخصيص ذلك العموم.

ورابعها: أن هذه الآية مذكورة عقيب قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن ﴾ وقد بينا أن المراد منه رواية مذهب المجوس في إثبات إلهين للعالم.

أحدهما يفعل اللذات والخيرات، والآخر يفعل الآلام والآفات فقوله بعد ذلك: ﴿ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شَيء ﴾ يجب أن يكون محمولاً على إبطال ذلك المذهب، وذلك إنما يكون إذا قلنا إنه تعالى هو الخالق لكل ما في هذا العالم من السباع والحشرات والأمراض والآلام، فإذا حملنا قوله: ﴿ خالق كُلّ شَيء ﴾ على هذا الوجه لم يدخل تحت أعمال العباد.

قالوا: فثبت أن هذه الدلائل الأربعة توجب خروج أعمال العباد عن عموم قوله تعالى: ﴿ خالق كُلّ شَيء ﴾ .

والجواب: أنا نقول الدليل العقلي القاطع قد ساعد على صحة ظاهر هذه الآية.

وتقريره أن الفعل موقوف على الداعي وخالق الداعي هو الله تعالى، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل وذلك يقتضي كونه تعالى خالقاً لأفعال العباد، وإذا تأكد هذا الظاهر بهذا البرهان العقلي القاطع زالت الشكوك والشبهات.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ خالق كُلّ شَيء فاعبدوه ﴾ يدل على ترتيب الأمر بالعبادة على كونه تعالى خالقاً لكل الأشياء بفاء التعقيب وترتيب الحكم على الوصف بحرف الفاء مشعر بالسببية، فهذا يقتضي أن يكون كونه تعالى خالقاً للأشياء هو الموجب لكونه معبوداً على الإطلاق، والإله هو المستحق للمعبودية، فهذا يشعر بصحة ما يذكره بعض أصحابنا من أن الإله عبارة عن القادر على الخلق والإبداع والإيجاد والاختراع.

المسألة الخامسة: احتج كثير من المعتزلة بقوله: ﴿ خالق كُلّ شَيء ﴾ على نفي الصفات، وعلى كون القرآن مخلوقاً.

أما نفي الصفات فلأنهم قالوا: لو كان تعالى عالماً بالعلم قادراً بالقدرة، لكان ذلك العلم والقدرة إما أن يقال: إنهما قديمان.

أو محدثان، والأول باطل.

لأن عموم قوله: ﴿ خالق كُلّ شَيء ﴾ يقتضي كونه خالقاً لكل الأشياء أدخلنا التخصيص في هذا العموم بحسب ذاته تعالى ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقاً لنفسه، فوجب أن يبقى على عمومه فيما سواه، والقول بإثبات الصفات القديمة يقتضي مزيد التخصيص في هذا العموم، وأنه لا يجوز.

والثاني: وهو القول بحدوث علم الله وقدرته.

فهو باطل بالإجماع، ولأنه يلزم افتقار إيجاد ذلك العلم والقدرة إلى سبق علم آخر وقدرة أخرى، وأن ذلك محال.

وأما تمسكهم بهذه الآية على كون القرآن مخلوقاً.

فقالوا: القرآن شيء وكل شيء فهو مخلوق لله تعالى بحكم هذا العموم.

فلزم كون القرآن مخلوقاً لله تعالى أقصى ما في هذا الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في ذات الله تعالى، إلا أن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، ولذلك فإن دخول هذا التخصيص في هذا العموم لم يمنع أهل السنة من التمسك به في إثبات أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.

وجواب أصحابنا عنه: أنا نخصص هذا العموم بالدلائل الدالة على كونه تعالى عالماً بالعلم قادراً بالقدرة، وبالدلائل الدالة على أن كلام الله تعالى قديم.

المسألة السادسة: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ على كُلّ شَيء وَكِيلٌ ﴾ المراد منه أن يحصل للعبد كمال التوحيد وتقريره، وهو أن العبد وإن كان يعتقد أنه لا إله إلا هو، وأنه لا مدبر إلا الله تعالى، إلا أن هذا العالم عالم الأسباب.

وسمعت الشيخ الإمام الزاهد الوالد رحمه الله يقول: لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب.

وإذا كان الأمر كذلك فقد يعلق الرجل القلب بالأسباب الظاهرة، فتارة يعتمد على الأمير، وتارة يرجع في تحصيل مهماته إلى الوزير، فحينئذ لا ينال إلا الحرمان ولا يجد إلا تكثير الأحزان، والحق تعالى قال: ﴿ وَهُوَ على كُلّ شَيء وَكِيلٌ ﴾ والمقصود أن يعلم الرجل أنه لا حافظ إلا الله، ولا مصلح للمهمات إلا الله، فحينئذ ينقطع طمعه عن كل ما سواه، ولا يرجع في مهم من المهمات إلا إليه.

المسألة السابعة: أنه قال قبل هذه الآية بقليل ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيء  ﴾ وقال هاهنا ﴿ خالق كُلّ شَيء ﴾ وهذا كالتكرار.

والجواب من وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيء ﴾ إشارة إلى الماضي.

أما قوله: ﴿ خالق كُلّ شَيء ﴾ فهو اسم الفاعل، وهو يتناول الأوقات كلها، والثاني: وهو التحقيق أنه تعالى ذكر هناك قوله: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيء ﴾ ليجعله مقدمة في بيان نفي الأولاد، وهاهنا ذكر قوله: ﴿ خالق كُلّ شَيء ﴾ ليجعله مقدمة في بيان أنه لا معبود إلا هو، والحاصل أن هذه المقدمة مقدمة توجب أحكاماً كثيرة ونتائج مختلفة، فهو تعالى يذكرها مرة بعد مرة، ليفرع عليها في كل موضع ما يليق بها من النتيجة.

المسألة الثامنة: لقائل أن يقول: الإله هو الذي يستحق أن يكون معبوداً، فقوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ معناه لا يستحق العبادة إلا هو، فما الفائدة في قوله بعد ذلك ﴿ فاعبدوه ﴾ فإن هذا يوهم التكرير.

والجواب: قوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ أي لا يستحق العبادة إلا هو، وقوله: ﴿ فاعبدوه ﴾ أي لا تعبدوا غيره.

المسألة التاسعة: القوم كانوا معترفين بوجود الله تعالى كما قال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله  ﴾ وما أطلقوا لفظ الله على أحد سوى الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً  ﴾ فقال: ﴿ ذلكم الله رَبُّكُمُ  ﴾ أي الشيء الموصوف بالصفات التي تقدم ذكرها هو الله تعالى، ثم قال بعده: ﴿ رَبُّكُمْ ﴾ يعني الذي يربيكم ويحسن إليكم بأصناف التربية ووجوه الإحسان، وهي أقسام بلغت في الكثرة إلى حيث يعجز العقل عن ضبطها، كما قال: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ .

ثم قال: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ يعني أنكم لما عرفتم وجود الإله المحسن المتفضل المتكرم فاعلموا أنه لا إله سواه ولا معبود سواه.

ثم قال: ﴿ خالق كُلّ شَيء ﴾ يعني إنما صح قولنا: لا إله سواه، لأنه لا خالق للخلق سواه، ولا مدبر للعالم إلا هو.

فهذا الترتيب ترتيب مناسب مفيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ذلكم ﴾ إشارة إلى الموصوف مما تقدم من الصفات، وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة وهي ﴿ الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شَيْء ﴾ أي ذلكم الجامع لهذه الصفات ﴿ فاعبدوه ﴾ مسبب عن مضمون الجملة على معنى: أن من استجمعت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه من بعض خلقه.

ثم قال: ﴿ وَهُوَ على كُلّ شَيْء وَكِيلٌ ﴾ يعني وهو مع تلك الصفات مالك لكل شيء من الأرزاق والآجال، رقيب على الأعمال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ذَلِكُمُ ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِ بِما سَبَقَ مِنَ الصِّفاتِ وهو مُبْتَدَأٌ.

﴿ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَعْضُ بَدَلًا أوْ صِفَةً والبَعْضُ خَبَرًا.

﴿ فاعْبُدُوهُ ﴾ حُكْمُ مُسَبِّبٍ عَنْ مَضْمُونِها فَإنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ اسْتَحَقَّ العِبادَةَ.

﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ أيْ وهو مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ مُتَوَلِّي أُمُورِكم فَكُلُوها إلَيْهِ وتَوَسَّلُوا بِعِبادَتِهِ إلى إنْجاحِ مَآرِبِكم ورَقِيبٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها.

﴿ لا تُدْرِكُهُ ﴾ أيْ لا تُحِيطُ بِهِ.

﴿ الأبْصارُ ﴾ جَمْعُ بَصَرٍ وهي حاسَّةُ النَّظَرِ وقَدْ يُقالُ لِلْعَيْنِ مِن حَيْثُ إنَّها مَحَلُّها واسْتَدَلَّ بِهِ المُعْتَزِلَةُ عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ وهو ضَعِيفٌ، إذْ لَيْسَ الإدْراكُ مُطْلَقَ الرُّؤْيَةِ ولا النَّفْيُ في الآيَةِ عامًّا في الأوْقاتِ فَلَعَلَّهُ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الحالاتِ ولا في الأشْخاصِ، فَإنَّهُ في قُوَّةِ قَوْلِنا لا كُلَّ بَصَرٍ يُدْرِكُهُ مَعَ أنَّ النَّفْيَ لا يُوجِبُ الِامْتِناعَ.

﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ ﴾ يُحِيطُ عِلْمُهُ بِها.

﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ فَيُدْرِكُ ما لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ كالأبْصارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ اللَّفِّ أيْ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ لِأنَّهُ اللَّطِيفُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ لِأنَّهُ الخَبِيرُ، فَيَكُونُ اللَّطِيفُ مُسْتَعارًا مِن مُقابِلِ الكَثِيفِ لِما لا يُدْرَكُ بِالحاسَّةِ ولا يَنْطَبِعُ فِيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذلكم} إشارة إلى الموصوف بما تقدم من الصفات وهو

مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة وهي {الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلِّ شَيْءٍ} وقوله {فاعبدوه} مسبب عن مضمون الجملة أي من استجمعت له هذه الصفات كان هوالحقيقى بالعبادة فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه من بعض خلقه {وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي هو مع تلك الصفات مالك لكل شيء من الأَرزاق والآجال رقيب على الأعمال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكُمُ ﴾ إشارَةٌ إلى المَنعُوتِ بِما ذُكِرَ مِن جَلائِلِ النُّعُوتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا، والخِطابُ لِلْمُشْرِكَيْنِ المَعْهُودِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ وذَهَبَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ لِجَمِيعِ النّاسِ وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أخْبارٌ أرْبَعَةٌ مُتَرادِفَةٌ أيْ ذَلِكَ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ الشَّأْنِ هو اللَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ خاصَّةً مالِكُ أمْرِكم لا شَرِيكَ لَهُ أصْلًا خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِمّا كانَ وسَيَكُونُ، والمُعْتَبَرُ في عُنْوانِ المَوْضُوعِ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الإشارَةُ إنَّما هو خالِقِيَّتُهُ سُبْحانَهُ لِما كانَ فَقَطْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ الماضِي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ و(رَبُّكُمْ) صِفَتُهُ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ، وأنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ هو الخَبَرُ وما بَعْدَهُ إبْدالٌ مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا والبَواقِي أخْبارٌ، وأنْ يُقَدَّرَ لِكُلِّ خَبَرٍ مِنَ الأخْبارِ الثَّلاثَةِ مُبْتَدَأٌ، وأنْ يُجْعَلَ الكُلُّ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ، وجُوِّزَ غَيْرُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْبُدُوهُ ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ فَإنَّ مَن جَمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ كَما هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ خاصَّةً، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ العِبادَةَ المَأْمُورَ بِها هي نِهايَةُ الخُضُوعِ وهي لا تَتَأتّى مَعَ التَّشْرِيكِ فَلِذا اسْتُغْنِيَ عَنْ أنْ يُقالَ: فَلا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ مُجَرَّدَ مَفْهُومِ العِبادَةِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، ولا يَأْباهُ دَعْوى إفادَةِ تَقْدِيمِ المَفْعُولِ في ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ إيّاهُ لِأنَّ إفادَةَ الحَصْرِ بِوَجْهَيْنِ مانِعٌ مِنها كَما في لِلَّهِ الحَمْدُ ونَحْوِهِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ هُنا ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ ﴾ وفي سُورَةِ المُؤْمِنِ: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ فَقَدَّمَ سُبْحانَهُ هُنا لا إلَهَ إلّا هو عَلى خالِقِ كُلِّ شَيْءٍ وعَكَسَ هُناكَ؛ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ جاءَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ إلَخْ فَلَمّا قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ أتى بَعْدَهُ بِما يَدْفَعُ الشَّرِكَةَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ ثُمَّ ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ وتِلْكَ جاءَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَكانَ الكَلامُ عَلى تَثْبِيتِ خَلْقِ النّاسِ وتَقْرِيرِهِ لا عَلى نَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ كَما كانَ في الآيَةِ الأوْلى؛ فَكّانِ تَقْدِيمُ ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ هُناكَ أوْلى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ ﴿ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ 102 - عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أيْ وهو مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ مُتَوَلِّي جَمِيعَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يُوكَلَ أمْرٌ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لا يُتَوَلّى وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ وقَيْدًا لِلْعِبادَةِ ويُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ ما تَقَدَّمَ مُتَوَلِّي أُمُورَكم فَكِلُوها إلَيْهِ وتَوَسَّلُوا بِعِبادَتِهِ إلى إنْجاحِ مَأْرَبِكُمْ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الوَكِيلَ بِالرَّقِيبِ أيْ أنَّهُ تَعالى رَقِيبٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيَكم عَلَيْها.

واسْتَدَلَّ أصْحابُنا بِعُمُومِ ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى الخالِقُ لِأعْمالِ العِبادِ والمُعْتَزِلَةُ قالُوا عِنْدَنا هُنا أشْياءَ تُخْرِجُ أعْمالَ العِبادِ مِنَ البَيْنِ: أحَدُها تَعْقِيبُ ذَلِكَ العُمُومِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاعْبُدُوهُ ﴾ فَإنَّهُ لَوْ دَخَلَتْ أعْمالُ العِبادِ هُناكَ لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ إنّا خَلَقْنا أعْمالَكم فافْعَلُوها بِأعْيانِها مَرَّةً أُخْرى؛ وفَسادُهُ ظاهِرٌ.

ثانِيها أنَّ ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ذُكِرَ في مَعْرِضِ المَدْحِ والثَّناءِ؛ ولا تُمْدَحُ بِخُلُقِ الزِّنا واللِّواطِ والسَّرِقَةِ والكُفْرِ مَثَلًا.

ثالِثُها أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدُ: ﴿ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكم فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها ﴾ وهو تَصْرِيحٌ بِكَوْنِ العَبْدِ مُسْتَقِلًّا بِالفِعْلِ والتَّرْكِ وأنَّهُ لا مانِعَ لَهُ.

رابِعُها أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُتِيَ بِها بَعْدَ: ﴿ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ ﴾ والمُرادُ مِنهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ الرَّدُّ عَلى المَجُوسِ في إثْباتِ إلَهَيْنِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مَحْمُولًا عَلى إبْطالِ ذَلِكَ وهو إنَّما يَكُونُ إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِما في هَذا العالَمِ مِنَ السِّباعِ والآلامِ ونَحْوِها وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ أعْمالُ العِبادِ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ ومِثْلُهُ اسْتِدْلالُهم بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ الصِّفاتِ وكَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا، فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ يعني: وضعوا لله شركاء.

وقال مقاتل: وذلك أن بني جهينة قالوا: إن صنفاً من الملائكة يقال لهم الجن بنات الرحمن وذلك قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ.

وقال الكلبي: وجعلوا الجن شركاء لله نزلت هذه الآية في الزنادقة، قالوا: إن الله تعالى وإبليس- لعنه الله ولعنهم- أخوان.

قالوا: إن الله تعالى خالق الناس والدواب، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب كقوله: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [الصافات: 158] قال الزجاج: معناه أطاعوا الجن فيما سوّلت لهم من شركهم، فجعلوهم شركاء الله وهذا قريب مما قاله الكلبي.

ثم قال: وَخَلَقَهُمْ يعني: جعلوا لله الذي خلقهم شركاء، ويقال: وخلقهم يعني خلق الجن، ويقال: وخلقهم يعني: الذين تكلموا به وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ يعني: وصفوا له بنين وبنات.

بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بلا علم يعلمونه، ويقال بلا حجة وبيان.

وروى عبد الله بن موسى عن جويرية قال: سمعت رجلاً سأل الحسن عن قوله: وَخَرَقُوا لَهُ قال: كلمة عربية كانت العرب تقولها، كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول بعض القوم: خرقها.

ثم نزه نفسه فقال: سُبْحانَهُ يعني: تنزيهاً له.

وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ يعني: هو أعلى وأجل مما يصف الكفار بأن له ولداً.

قرأ نافع وَخَرَقُوا بالتشديد على معنى المبالغة.

قوله تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خالق السموات والأرض يعني مبدعهما، وهو أن يبتدئ شيئاً لم يكن يعني ابتدعهما ولم يكونا شيئاً.

أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ قال القتبي: أَنَّى على وجهين يكون بمعنى كيف كقوله فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: 223] وكقوله: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها [البقرة: 259] ، ويكون بمعنى من أين كقوله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة: 38] وكقوله: أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ يعني: زوجة.

وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ يعني: الملائكة وعيسى وغيرهم وهم خلقه وعبيده.

وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ مما خلق.

ثم قال: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: الذي فعل هذا فهو ربكم لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق غيره.

خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ يعني: وحدوه وأطيعوه.

وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ يعني: كفيل بأرزاقهم، ويقال وكيل يعني: حفيظ.

ثم عظم نفسه فقال: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ قال مقاتل: يعني لا يراه الخلق في الدنيا.

وروى الشعبي عن مسروق قال قلت لعائشة هل رأى محمد  ربه؟

فقالت: لقد اقْشَعَرَّ قلبي مما قلت أين أنت من ثلاثة من حدثك بهن فقد كذّب: من حدثك أن النبي  رأى ربه فقد كذب ثم قرأت لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ومن حدثك أنه قد علم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً [سورة لقمان: 34] ومن حدثك أنه كتم شيئاً من الوحي فقد كذب.

ثم قرأت يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: 67] .

ثم قال: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ يعني: لا يخفى عليه شيء ولا يفوته.

قال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الخلق لا يدركون الأبصار أي لا يعرفون كيف حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه فاعلم أنهم لا يحيطون بعلمه فكيف به.

ثم قال: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ بخلقه وبأعمالهم وقال أبو العالية لا تدركه الأبصار في الدنيا وتدركه أبصار المؤمنين في الآخرة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بالاعتبار في أنواع الثمرات.

وقوله سبحانه: انْظُرُوا، وهو نظرُ بَصَرٍ تتركَّب عليه فكرةُ قَلْبٍ، «والثمر» في اللغة: جَنَى الشجر وما يطلع، وإن سمي الشجر: ثماراً، فبتجوُّز، وقرأ جمهور «١» الناس:

وَيَنْعِهِ- بفتح الياء-، وهو مصدر يَنَعَ يَيْنَعُ إذا نَضِجَ، وبالنُّضْج فسره ابن «٢» عباس، وقد يستعمل «يَنَعَ» بمعنى استقل واخضر ناضراً، قال الفخر «٣» : وقدَّم سبحانه الزَّرع لأنه غذاء، والثِّمار فواكهٌ وإنما قدَّم النخل على الفواكِهِ لأن التمر يجرِي مجرى الغذاءِ/ بالنسبة إلى العرب.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ: جَعَلُوا: بمعنى صيّروا، والْجِنَّ: مفعول، وشُرَكاءَ مفعولٌ ثانٍ.

قال ص: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ: جَعَلُوا: بمعنى: صَيَّروا، والجمهورُ على نَصْب «الجنِّ» ، فقال ابن عطيَّة «٤» وغيره: هو مفعولٌ أول ل جَعَلُوا، وشُرَكاءَ الثاني، وجوَّزوا فيه أن يكون بدلاً من شُرَكاءَ، ولِلَّهِ في موضع المفعول الثاني، وشُرَكاءَ الأول، وردَّه أبو حَيَّان «٥» بأن البدل حينئذ لا يَصحُّ أن يحل محلَّ المبدل منه إذ لو قلْتَ: وجعلوا للَّه الجنَّ، لم يصحَّ، وشرط البدل أنْ يكون على نيَّة تكرار العامل على الأشهر، أو معمولاً للعاملِ، في المُبْدَلِ منه على قول، وهذا لا يصحُّ كما ذكرنا، قلْتُ: وفيه نظر.

انتهى، قلتُ: وما قاله الشيخُ أبو حَيَّان عندي ظاهرٌ، وفي نظر الصَّفَاقُسِيِّ نَظَرٌ، وهذه الآية مشيرة إلى العادِلِينَ باللَّه تعالى، والقائلين: إن الجنَّ تعلم الغيْبَ، العابدين للجنِّ، وكانت طوائفُ من العرب تفعَلُ ذلك، وتستجير بجِنِّ الوادِي

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِن أيْنَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ، والوَلَدُ لا يَكُونُ إلّا مِن صاحِبَةٍ؟!

واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ في نَفْيِ الوَلَدِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ فَلَيْسَ مِثْلُ خالِقِ الأشْياءِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الوَلَدُ لِمَن لا مِثْلَ لَهُ؟!

فَإذا نُسِبَ إلَيْهِ الوَلَدُ، فَقَدْ جُعِلَ لَهُ مِثْلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهم وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ ﴾ ﴿ بَدِيعُ السَماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ "جَعَلُوا"؛ بِمَعْنى: "صَيَّرُوا"؛ و"اَلْجِنَّ"؛ مَفْعُولٌ؛ و"شُرَكاءَ"؛ مَفْعُولٌ ثانٍ مُقَدَّمٌ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى "شُرَكاءَ"؛ مَفْعُولًا أوَّلَ؛ و"لِلَّهِ"؛ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي؛ و"اَلْجِنَّ"؛ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "شُرَكاءَ"؛ ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى العادِلِينَ بِاللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ والقائِلِينَ: إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ؛ العابِدِينَ لِلْجِنِّ؛ وكانَتْ طَوائِفُ مِنَ العَرَبِ تَفْعَلُ ذَلِكَ؛ وتَسْتَجِيرُ بِجِنِّ الأودِيَةِ في أسْفارِها؛ ونَحْوِ هَذا.

أمّا الَّذِينَ خَرَقُوا البَنِينَ فاليَهُودُ؛ في ذِكْرِ عُزَيْرٍ؛ والنَصارى؛ في ذِكْرِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأمّا ذاكِرُو البَناتِ فالعَرَبُ الَّذِينَ قالُوا لِلْمَلائِكَةِ: بَناتُ اللهِ تَعالى ؛ فَكَأنَّ الضَمِيرَ في "جَعَلُوا"؛ و"خَرَقُوا"؛ لِجَمِيعِ الكُفّارِ؛ إذْ فَعَلَ بَعْضُهم هَذا؛ وبَعْضُهم هَذا؛ وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ السُدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: "شُرَكاءَ الجِنِّ"؛ بِخَفْضِ النُونِ؛ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ؛ وأبُو حَيْوَةَ "اَلْجِنِّ"؛ و"اَلْجِنُّ"؛ بِالخَفْضِ؛ والرَفْعِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "هُمُ الجِنُّ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَخَلَقَهُمْ"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ عَلى مَعْنى: "وَهُوَ خَلَقَهُمْ"؛ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَهُوَ خَلَقَهُمْ"؛ والضَمِيرُ في "وَخَلَقَهُمْ"؛ يَحْتَمِلُ العَوْدَةَ عَلى الجاعِلِينَ؛ ويَحْتَمِلُها عَلى المَجْعُولِينَ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "وَخَلْقَهُمْ"؛ بِسُكُونِ اللامِ؛ عَطْفًا عَلى "اَلْجِنَّ"؛ أيْ: "جَعَلُوا خَلْقَهُمُ الَّذِي يَنْحِتُونَهُ أصْنامًا شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى.

وقَرَأ السَبْعَةُ - سِوى نافِعٍ -: ﴿ "وَخَرَقُوا"؛ ﴾ بِتَخْفِيفِ الراءِ؛ وهو بِمَعْنى: "اِخْتَلَقُوا وافْتَرَوْا"؛ وقَرَأ نافِعٌ: "وَخَرَّقُوا"؛ بِتَشْدِيدِ الراءِ؛ عَلى المُبالَغَةِ؛ وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "وَحَرَّفُوا"؛ مِن "اَلتَّحْرِيفُ"؛ كَذا قالَ أبُو الفَتْحِ؛ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "حَرَفُوا"؛ خَفِيفَةَ الراءِ؛ وابْنُ عُمَرَ "حَرَّفُوا"؛ مُشَدَّدَةَ الراءِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى "بِغَيْرِ عِلْمٍ"؛ نَصٌّ عَلى قُبْحِ تَقَحُّمِهِمُ المَجْهَلَةَ؛ وافْتِرائِهِمُ الباطِلَ عَلى عَمًى؛ "سُبْحانَهُ"؛ أيْ: "تَنَزَّهَ عن وصْفِهِمُ الفاسِدِ المُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ و"بَدِيعُ"؛ بِمَعْنى: "مُبْدِعٌ؛ ومُخْتَرِعٌ؛ وخالِقٌ"؛ فَهو بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ؛ كَما جاءَ "سَمِيعٌ"؛ بِمَعْنى "مُسْمِعٌ"؛ و"أنّى"؛ بِمَعْنى: "كَيْفَ؟"؛ و"مِن أيْنَ؟"؛ فَهي اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَوْقِيفِ والتَقْرِيرِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلَمْ تَكُنْ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى تَأْنِيثِ عَلامَةِ الفِعْلِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ بِالياءِ؛ عَلى تَذْكِيرِها؛ وتَذْكِيرُ "كانَ"؛ وأخَواتِها؛ مَعَ تَأْنِيثِ اسْمِها؛ أسْهَلُ مِن ذَلِكَ في سائِرِ الأفْعالِ؛ فَقَوْلُكَ: "كانَ في الدارِ هِنْدٌ"؛ أسْوَغُ مِن: "قامَ في الدارِ هِنْدٌ"؛ وحَسَّنَ القِراءَةَ الفَصْلُ بِالظَرْفِ؛ الَّذِي هو الخَبَرُ؛ ويُتَّجَهُ في القِراءَةِ المَذْكُورَةِ أنْ يَكُونَ في "يَكُنْ"؛ ضَمِيرُ اسْمِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وتَكُونَ الجُمْلَةُ - الَّتِي هي "لَهُ صاحِبَةٌ" - خَبَرَ "كانَ"؛ ويُتَّجَهُ أنْ يَكُونَ في "يَكُنْ"؛ ضَمِيرُ أمْرٍ وشَأْنٍ؛ وتَكُونَ الجُمْلَةُ بَعْدُ تَفْسِيرًا لَهُ؛ وخَبَرًا؛ وهَذِهِ الآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ؛ بِقِياسِ الغائِبِ عَلى الشاهِدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ لِكُلِّ ما يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ؛ ولا يَجُوزَ أنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ صِفاتُ اللهِ تَعالى وكَلامُهُ؛ فَلَيْسَ هو عُمُومًا مُخَصَّصًا؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ؛ لِأنَّ العُمُومَ المُخَصَّصَ هو أنْ يَتَناوَلَ العُمُومُ شَيْئًا؛ ثُمَّ يُخْرِجُهُ التَخْصِيصُ؛ وهَذا لَمْ يَتَناوَلْ قَطُّ هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْناها؛ وإنَّما هَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِ الإنْسانِ: "قَتَلْتُ كُلَّ فارِسٍ؛ وأفْحَمْتُ كُلَّ خَصْمٍ"؛ فَلَمْ يُدْخِلِ القائِلُ قَطُّ في هَذا العُمُومِ الظاهِرَ مِن لَفْظِهِ؛ وأمّا قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ؛ فَهَذا عُمُومٌ عَلى الإطْلاقِ؛ ولِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ؛ ولا مَعْبُودَ سِواهُ.

ولَمّا تَقَرَّرَتِ الحُجَجُ وبانَتِ الوَحْدانِيَّةُ؛ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ تَقْرِيرًا؛ وحُكْمًا؛ إخْلاصًا؛ وأمْرًا بِالعِبادَةِ؛ وإعْلامًا بِأنَّهُ حَفِيظٌ رَقِيبٌ عَلى كُلِّ فِعْلٍ وقَوْلٍ؛ وفي هَذا الإعْلامِ تَخْوِيفٌ؛ وتَحْذِيرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

وقوع اسم الإشارة بعد إجراء الصّفات والأخبار المتقدّمة، للتّنبيه على أنّ المشار إليه حقيق بالأخبار والأوصاف الّتي تَرد بعد اسم الإشارة، كما تقدّم عند قوله: ﴿ ذلكم الله فأنَّى تؤفكون ﴾ [الأنعام: 95] قبل هذا، وقوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربّهم ﴾ في سورة [البقرة: 5].

والمشار إليه هو الموصوف بالصّفات المضمّنة بالأخبار المتقدّمة، ولذلك استغنى عن اتباع اسم الإشارة ببياننٍ أو بدل، والمعنى: ذلكم المبدع للسّماوات والأرض والخالق كلّ شيء والعليم بكلّ شيء هو الله، أي هو الّذي تعلمُونه.

وقوله: ربّكم } صفة لاسم الجلالة.

وجملة: ﴿ لا إله إلاّ هو ﴾ حال من ﴿ ربّكم ﴾ أو صفة.

وقوله: ﴿ خالق كلّ شيء ﴾ صفة ل ﴿ ربّكم ﴾ أو لاسم الجلالة، وإنّما لم نجعله خبراً لأنّ الإخبار قد تقدّم بنظائره في قوله: ﴿ وخلق كلّ شيء ﴾ .

وجملة: ﴿ فاعبدوه ﴾ مفرّعة على قوله: ﴿ ربّكم لا إله إلاّ هو ﴾ وقد جعل الأمر بعبادته مفرّعاً على وصفه بالرّبوبيّة والوحدانيّة لأنّ الربوبيّة مقتضية استحقاق العبادة، والانفرادُ بالربوبيّة يقتضي تخصيصه بالعبادة، وقدْ فهم هذا التّخصيص من التّفريع.

ووجه أمرهم بعبادته أنّ المشركين كانوا معرضين عن عبادة الله تعالى بحيث لا يتوجّهون بأعمال البرّ في اعتقادهم إلاّ إلى الأصنام فهم يزورونها ويقرّبون إليها القرابين وينذرون لها النّذور ويستعينون بها ويستنجدون بنصرتها، وما كانوا يذكرون الله إلاّ في موسم الحجّ، على أنّهم قد خلطوه بالتّقرّب إلى الأصنام إذ جعلوا فوق الكعبة (هُبَل)، وجعلوا فوق الصّفا والمروة (أسافاً ونائلة).

وكان كثير منهم يُهلّ (لمناة) في منتهى الحجّ، فكانوا معرضين عن عبادة الله تعالى، فلذلك أمروا بها صريحاً، وأمروا بالاقتصار عليها بطريق الإيماء بالتّفريع.

وجملة: ﴿ وهو على كلّ شيء وكيل ﴾ يجوز أن تكون معطوفة على الصّفات المتقدّمة فتكون جملة ﴿ فاعبدوه ﴾ معترضة، ويجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ فاعبدوه ﴾ بناء على جواز عطف الخبر على الإنشاء والعكس (وهو الحقّ)، على وجه تكميل التّعليل للأمر بعبادته دون غيره، بأنّه متكفّل بالأشياء كلّها من الخلق والرّزق والإنعام وكلّ ما يطلب المَرْءُ حفظه له، فالوجه عبادته ولا وجه لِعبادة غيره، فإنّ اسم الوكيل جامع لمعنى الحفظ والرّقابة، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ في سورة [آل عمران: 173].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ ﴾ فِيهِ لِأهْلِ التَّأْوِيلِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ لا تُحِيطُ بِهِ الأبْصارُ، وهو يُحِيطُ بِالأبْصارِ، واعْتَلَّ قائِلُ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ ﴾ فَوَصَفَ اللَّهُ الغَرَقَ بِأنَّهُ أدْرَكَ فِرْعَوْنَ، ولَيْسَ الغَرَقُ مَوْصُوفًا بِالرُّؤْيَةِ، كَذَلِكَ الإدْراكُ هُنا، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمانِعٍ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِالإبْصارِ، غَيْرَ أنَّ هَذا اللَّفْظَ لا يَقْتَضِيهِ وإنْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ﴾ ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ والقَوْلُ الثّانِي: مَعْناهُ لا تَراهُ الأبْصارُ وهو يَرى الأبْصارَ، واعْتَلَّ قائِلُو ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الأبْصارَ تَرى ما بَيْنَها ولا تَرى ما لاصَقَها، وما بَيْنَ البَصَرِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما فَضاءٌ، فَلَوْ رَأتْهُ الأبْصارُ لَكانَ مَحْدُودًا ولَخَلا مِنهُ مَكانٌ، وهَذِهِ صِفاتُ الأجْسامِ الَّتِي يَجُوزُ عَلَيْها الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ.

والثّانِي: أنَّ الأبْصارَ تُدْرِكُ الألْوانَ كَما أنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ الأصْواتَ، فَلَمّا امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ ذا لَوْنٍ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا، كَما أنَّ ما امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ ذا صَوْتٍ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا.

والقَوْلُ الثّالِثُ: لا تُدْرِكُهُ أبْصارُ الخَلْقِ في الدُّنْيا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ وتُدْرِكُهُ في الآخِرَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ  ﴾ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والرّابِعُ: لا تُدْرِكُهُ أبْصارُ الظّالِمِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتُدْرِكُهُ أبْصارُ المُؤْمِنِينَ، وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لِأنَّ الإدْراكَ لَهُ كَرامَةٌ تَنْتَفِي عَنْ أهْلِ المَعاصِي.

والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّ الأبْصارَ لا تُدْرِكُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ لِأوْلِيائِهِ حاسَّةً سادِسَةً سِوى حَواسِّهِمُ الخَمْسِ يَرَوْنَهُ بِها، اعْتِلالًا بِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ بِرُؤْيَتِهِ، فَلَوْ جازَ أنْ يُرى في الآخِرَةِ بِهَذِهِ الأبْصارِ وإنْ زِيدَ في قُواها جازَ أنْ يَرى بِها في الدُّنْيا وإنْ ضَعُفَتْ قُواها بِأضْعَفَ مِن رُؤْيَةِ الآخِرَةِ، لِأنَّ ما خُلِقَ لِإدْراكِ شَيْءٍ لا يُعْدَمُ إدْراكُهُ، وإنَّما يَخْتَلِفُ الإدْراكُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القُوَّةِ والضَّعْفِ، فَلَمّا كانَ هَذا مانِعًا مِنَ الإدْراكِ - وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِإدْراكِهِ - اقْتَضى أنْ يَكُونَ ما أخْبَرَ بِهِ حَقًّا لا يُدْفَعُ بِالشَّبَهِ، وذَلِكَ بِخَلْقِ حاسَّةٍ أُخْرى يَقَعُ بِها الإدْراكُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ فاحْتَمَلَ وجْهَيْنِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أحَدُهُما: لَطِيفٌ بِعِبادِهِ في الإنْعامِ عَلَيْهِمْ، خَبِيرٌ بِمَصالِحِهِمْ.

والثّانِي: لَطِيفٌ في التَّدْبِيرِ خَبِيرٌ بِالحِكْمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم ﴾ قال: والله خلقهم ﴿ وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ﴾ قال: تخرصوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وخرقوا له بنين وبنات ﴾ قال: عباس في قوله: ﴿ وخرقوا له بنين وبنات ﴾ قال: جعلوا له بنين وبنات.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وخرقوا ﴾ قال: كذبوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وخرقوا له بنين وبنات ﴾ قال: قالت العرب: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود والنصارى: المسيح وعُزير ابنا الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وخرقوا له بنين وبنات ﴾ قال: كذبوا له، أما اليهود والنصارى فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وأما مشركو العرب فكانوا يعبدون اللات والعزى فيقولون العزى بنات الله ﴿ سبحانه وتعالى عما يصفون ﴾ أي عما يكذبون.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وخرقوا له بنين وبنات ﴾ قال: وصفوا لله بنين وبنات افتراء عليه.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت حسان بن ثابت يقول: اخترق القول بها لاهيا ** مستقبلاً أشعث عذب الكلام وأخرج أبو الشيخ عن يحيى بن يعمر.

أنه كان يقرأها ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم ﴾ خفيفة، يقول جعلوا لله خلقهم.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن.

أنه قرأ ﴿ وخلقهم ﴾ مثقلة.

يقول: هو خلقهم.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: خرقوا ما هو إنما خرقوا خفيفة، كان الرجل إذا كذب الكذبة فينادي القوم قيل: خرقها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ارتفع ﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ على أنه خبر ابتداء محذوف، كأنه قيل: هو خالق كل شيء؛ لأنه لما تقدم ذكره استغنى عن هو (١) وقوله تعالى: ﴿ فَاعْبُدُوهُ ﴾ قال ابن عباس: (فأطيعوه) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ قد ذكرنا معنى الوكيل (٤) (٥) (١) انظر: "معاني الفراء" 1/ 348، و"إعراب النحاس" 1/ 571، و"الكشاف" 2/ 41، و"التبيان" 1/ 352، و"الفريد" 2/ 206، و"الدر المصون" 5/ 91.

(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 93، والبغوي في "تفسيره" 3/ 173 بدون نسبة.

(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1362 عن ابن عباس، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 582، وقال السمرقندي في "تفسيره" 1/ 505: (يعني: وحدوه وأطيعوه) ا.

هـ.

(٤) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 206/ أ، و215 أ، 218 أ، و219 أ.

(٥) لم أقف عليه بعد طول بحث في كتب المعاني والتفسير.

وانظر: "المقصد الأسنى" للغزالي ص 114، و"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي ص 293، و"اللسان" 8/ 4909 مادة (وكل).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بَدِيعُ ﴾ ذكر معناه في [البقرة: 117] ورفعه على أنه خبر ابتداء ممر أو مبتدأ وخبره: أنى يكون، وفاعل تعالى، والقصد به الرد على من نسب لله البنين والبنات، وذلك من وجهين: أحدهما أن الولد لا يكون إلا من جنس والده، والله تعالى متعال عن الأجناس، لأنه مبدعها، فلا يصح أن يكون له ولد والآخر: أن الله خلق السموات والأرض ومن كان هكذا فهو غني عن الولد وعن كل شيء ﴿ فاعبدوه ﴾ مسبب عن مضمون الجملة أي من كن هكذا فهو المستحق للعبادة وحده.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولم يكن ﴾ بياء الغيبة: قتيبة ﴿ درست ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ دارست ﴾ بتاء الخطاب من المدارسة: ابن كثير وابو عمرو.

والباقون بتاء الخطاب ﴿ درست ﴾ من الدرس.

﴿ عدوّاً ﴾ على فعول بالضم: يعقوب.

الباقون ﴿ عدوا ﴾ على فعل.

﴿ إنها إذا جاءت ﴾ بالكسر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف وقتيبة ونصير وأبو بكر وحماد.

الباقون: بالفتح.

﴿ لا تؤمنون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة.

الباقون: على الغيبة.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ صاحبة ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ ربكم ﴾ ط لاحتمال الجملة الاستئناف والحال والعامل معنى الإشارة ﴿ إلا هو ﴾ ط لأن قوله ﴿ خالق ﴾ بدل من الضمير المستثنى أو خبر ضمير محذوف ﴿ فاعبدوه ﴾ ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع أن الثانية من تمام المقصود ﴿ يدرك الأبصار ﴾ ط لاحتمال الواو الاستئناف والحال أي يدرك الأبصار لطيفاً خبيراً.

﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ فلنفسه ﴾ ط كذلك مع الواو.

﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من ربك ﴾ ط لاحتمال الجملة الحال والاستئناف على أنها جملة معترضة ﴿ إلا هو ﴾ ط للعطف مع العارض ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ما أشركوا ﴾ ط ﴿ حفيظاً ﴾ ط للابتداء بالنفي مع اتحاد المعنى ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ليؤمنن بها ﴾ ط ﴿ وما يشعركم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنها ﴾ بكسر الألف.

﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه.

التفسير: لما نبه إجمالاً بغير علم على الدليل على إبطال قول من خرق له بنين وبنات، فصل ذلك بقوله ﴿ بديع السموات والأرض ﴾ الآية.

والمراد هو بديع السموات، ويجوز أن يكون ﴿ بديع ﴾ مبتدأ والجملة بعده خبره.

وتقرير الدليل أنكم إما أن تريدوا بكون عيسى ولداً له أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غيره تقدم نطفة و لا أب وحينئذ يلزمكم القول بأنه والد السموات والأرض بكونه مبدعاً لهما وهذا باطل بالاتفاق، وإما أن تريدوا به الولادة كما هو المألوف في الحيوانات وهذا أيضاً محال لأن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة من جنسه وينفصل منه جزء يحتبس في رحمها، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والحد والنهاية والشهوة واللذة، وكل ذلك على الله محال وأشار إلى هذا بقوله ﴿ أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ﴾ وأيضاً الولد بهذا الطريق إنما يتصور في حق من لا يقدر على خلق الأشياء دفعة واحدة، أما الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون فذلك في حقه مستحيل، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ خلق كل شيء ﴾ وأيضاً هذا الولد لا يكون أزلياً وإلا كان واجباً لذاته غنياً عن غيره فبقي أن يكون حادثاً فنقول: إنه  عالم بكل المعلومات أزلاً وأبداً كما قال ﴿ وهو بكل شيء عليم ﴾ فإن كان قد علم أن له في تحصيل ذلك الولد كمالاً أو نفعاً أو لذة لتعلقت إرادته بإيجاده في الأزل دفعاً لذلك الاحتياج والنقصان، فيكون الولد أزلياً على تقدير كونه حادثاً هذا خلف، فتبين أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والأضداد والأنداد والأولاد، فلهذا صرح بالنتيجة فقال ﴿ ذلكم الله ﴾ فاسم الإشارة مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة أي ذلكم الموصوف الجامع لتلك الصفات المقدسة هو الله إلى آخره.

وإنما قال ههنا ﴿ لا إله إلا هو خالق كل شيء ﴾ وفي "المؤمن" بالعكس لأنه وقع ههنا بعد ذكر الشركاء والبنين والبنات فكان رفع الشرك أهم، وهنالك وقع بعد ذكر خلق السموات والأرض فكان تقديم الخالقية أهم.

ثم قال ﴿ فاعبدوه ﴾ وهو مسبب عن مضمون الجملة المقتدمة يعني أن من استجمعت له هذه الكمالات كان حقيقاً بالعبادة ﴿ وهو ﴾ مع تلك الصفات ﴿ على كل شيء وكيل ﴾ يحفظه ويرزقه ويراقبه.

قال في التفسير الكبير: إنه  أقام الدليل على وجود الخالق، ثم زيف طريق من أثبت له شريكاً وهذا القدر لا يوجب التوحيد المحض لكن للعلماء في إثبات التوحيد طرق منها: أن الدليل قد دل على وجود صانع، والزائد على الواحد لم يدل دليل على ثبوته فليس عدد أولي من عدد آخر فيلزم آلهة لا نهاية لها، أو القول بعدد معين بلا ترجيح وكلاهما محال فلم يبق إلا الإكتفاء بواحد وهو المطلوب.

ومنها أنا لو قدّرنا إلهين قادرين على كل المقدورات عالمين بكل المعلومات، فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلاً لذلك الفعل مانعاً للآخر من تحصيل مقدوره وذلك يوجب أن يكون كل واحد يعجز الآخر وهو محال، وإن كان في أحدهما عجز ونقص لم يصلح للإلهية.

ومنها أنا لو فرضنا إلهاً ثانياً فكان إما أن يكون الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال أولا.

وعلى الأول لا بد أن يحصل الامتياز بأمر وإلا لم يحصل التعدد، فذلك المميز إن كان من صفات الكمال لم يكن جميع صفات الكمال مشتركة بينهما، وإن كان من صفات النقص فالموصوف به لا يصلح للإلهية وكذا إن لم يكن الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال فثبت التوحيد بهذه الدلائل، مع أن الدليل النقلي في التوحيد كاف والله أعلم.

قالت الأشاعرة: عموم قوله ﴿ خالق كل شيء ﴾ يدل على أنه خالق أفعال العباد.

وقالت المعتزلة: إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح ولكنه لا يتمدح بخلق الزنا والكفر واللواط، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

وأيضاً احتج كثير من المعتزلة به على نفي الصفات وعلى أن القرآن مخلوق.

أما الثاني فلأن القرآن شيء فيدخل تحت العموم.

وأما الأوّل فلأن الصفات لو كانت موجودة له  لزم أن تكون مخلوقة له.

وأجيب بأنكم تخصصون هذا العام بحسب ذاته ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقاً لنفسه وبحسب أفعال العباد، فنحن أيضاً نخصصه بحسب الصفات وبحسب القرآن.

وأما الفرق بين قوله ﴿ وخلق كل شيء ﴾ وقوله ﴿ خالق كل شيء ﴾ فذلك لأن الأول يتعلق بالزمان الماضي، والثاني يتناول الأوقات كلها على سبيل الاستمرار.

ثم بين أن شيئاً من القوى المدركة لا يحيط بحقيقته وأن عقلاً من العقول لا يقف على كونه صمديته فقال ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ هذه الآية من مشهورات استدلالات المعتزلة على نفي رؤيته  .

قالوا: الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية بدليل أن قول القائل: أدركته ببصري وما رأيته متناقضان.

ثم إن قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال بدليل صحة الاستثناء.

وأيضاً أنه ذكر الآية في معرض المدح والثناء، وكل ما كان عدمه مدحاً ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصاً كقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ ﴿ لم يلد ولم يولد  ﴾ فوجب كون الرؤية نقصاً في حقه  .

وإنما قيدوا بما لا يكون من باب الفعل لأنه  يمتدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد  ﴾ مع أنه  قادر على الظلم عندهم.

وأجيب بالمنع من أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لأنه في أصل اللغة موضوع للوصول واللحوق ومنه ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون  ﴾ أي لملحقون وقوله  ﴿ حتى إذا أدركه الغرق  ﴾ أي لحقه.

وأدرك الغلام أي بلغ، وأدركت الثمرة إذا نضجت.

وإذ قد ثبت ذلك فنقول: الرؤية جنس والإدراك أي إدراك البصر رؤية مع الإحاطة.

ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام، فلا يلزم من نفي إدراك البصر نفي الرؤية.

سلمنا أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لكن قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ لا يفيد إلا نفي العموم وأنتم تدعون عموم النفي فأين ذاك من هذا.

وإنما قلنا إنه لا يفيد إلا نفي العموم لأن صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضاً.

فقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يفيد أنها لا تدركه في الدنيا وأنها تركه إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها في الآخرة، أو نقول قول القائل: لا يدركه جميع الأبصار يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب، فلم لا يجوز أن يفيد أنه يدركه بعض الأبصار كما لو قيل إن محمداً ما آمن به كل الناس فإنه يفيد أنه آمن به بعض الناس، سلمنا أن الأبصار لا تدركه البتة فلم لا يجوز حصول إدراك الله  بحاسة سادسة يخلقها الله  يوم القيامة كما هو مذهب ضرار بن عمرو الكوفي.

أو نقول: سلمنا أن الأبصار لا تدركه فلم قلتم إن المبصرين لا يدركونه، أما قولهم إن الآية مذكورة في معرض المدح فنقول: لو لم يكن الله  جائز الرؤية لما حصل المدح بقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ وإنما يحصل التمدح لو كان بحيث نصح رؤيته.

ثم إنه  يحجب الأبصار عن رؤيتهلغاية جلاله ونهاية جماله.

والتحقيق فيه أن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجباً للمدح والعلم به ضروري، بل إذا كان النفي دليلاً على حصول صفة ثابتة من صفات المدح قيل: إن ذلك النفي يوجب التمدح كقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ فإنه لا يفيد المدح نظراً إلى هذا النفي، فإن الجماد أيضاً لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري  يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات من غير تبدل ولا زوال.

فقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يمتنع أن يفيد المدح إلا إذا دل على معنى موجود وذلك ما قلناه من كونه قادراً على حجب الأبصار ومنعها عن الإحاطة به، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية عليكم لا لكم لأنها أفادت أنه  جائز الرؤية بحسب ذاته.

ثم نقول: إذا ثبت ذلك يجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة لأن القائل قائلان: قائل بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل لا يرونه ولا تجوز رؤيته، وإذا بطل هذا القول يبقى الأول حقاً لأن القول بجواز رؤيته مع أنه لا يراه أحد قول لم يقل به أحد وهذا استدلال لطيف.

ثم إن القاضي استدل ههنا على نفي الرؤية بوجوه أخر خارجة عن التفسير لائقة بالأصول.

فأولها أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان المرئي حاضراً وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة - وهو أن لا يحصل القرب القريب والبعد البعيد وارتفع الحجاب وكان المرئي مقابلاً أو في حكم المقابل - فإنه يجب حصول الرؤية وإلا لجاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبول ونحن لا نسمعها ولا نراها، وهذا يوجب السفسطة إذا ثبت هذا فنقول: القرب القريب والبعد البعيد والحجاب والمقابلة في حقه  ممتنع، فلو صحت رؤيته كان المقتضي لحصول تلك الرؤية سلامة الحاسة وكون المرئي بحيث يصح رؤيته، وهذان المعنيان حصلان في هذا الوقت فوجب أن تحصل رؤيته، وحيث لم تحصل علمنا أن رؤيته ممتنعة في نفسها.

وأجيب بأن ذاته  مخالفة لسائر الذوات ولا يلزم من ثبوت حكم لشيء ثبوت مثله فيما يخالفه.

وثانيها لو صحت رؤيته لأهل الجنة لرآه أهل النار أيضاً لأن القرب والبعد والحجاب ممتنع في حقه  .

وأجيب لأنه لم لا يجوز أن يخلق الله  الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها في عيون أهل النار؟

وثالثها أن كل ما كان مرئياً كان مقابلاً أو في حكم المقابل، والله  منزه عن ذلك.

وأجيب بمنع الكلية وبأنه إعادة لعين الدعوى لأن النزاع واقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا.

ورابعها أن أهل الجنة يلزم أن يروه في كل حال حتى عند الجماع لأن القرب والبعد عليه  محال، ولأن رؤيته أعظم اللذات وفوات ذلك يوجب الغم والحزن وذلك لا يليق بحال أهل الجنة.

وأجيب بأنهم لعلهم يشتهون الرؤية في حال دون حال كسائر الملاذ والمنافع.

(في تعديد الوجوه الدالة على جواز الرؤية): منها هذه الآية كما بينا.

ومنها أن موسى  طلب الرؤية فدل ذلك على جوازها.

ومنها أنه  علق الرؤية على استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.

ومنها قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ قد اتفق الجمهور على أن النبي  وآله فسر الحسنى بالجنة والزيادة بالرؤية، ومنها قوله ﴿ فمن كان يرجوا لقاء ربه  ﴾ ونحو ذلك من الآيات الدالة على اللقاء، ومنها قوله ﴿ كانت لهم جنات الفروس نزلاً  ﴾ والاقتصار على النزل لا يجوز فالزائد على جنات الفردوس لا يكون إلا اللقاء.

ومنها قوله ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى  ﴾ وسوف يأتي في سورة النجم إن شاء الله  .

ومنها قوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ ومنها قوله ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون  ﴾ فيكون المؤمنون غير محجوبين.

ومنها قوله ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس  ﴾ ولا شك أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله على كل الوجوه وأكمل طرق المعرفة هو العيان.

ومنها قوله ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً  ﴾ فيمن قرأ بفتح الميم وكسر اللام.

وأما الأخبار فكثيرة منها: الحديث المشهور "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته" والمراد تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا تشبيه المرئي بالمرئي.

ومنها أن الصحابة اختلفوا في أن النبي  وآله هل رأى الله تعالى ليلة المعراج ولم يكفر بعضهم بعضاً بهذا السبب فدل ذلك على أنهم كانوا يجمعون على إمكان الرؤية.

أما قوله  ﴿ وهو يدرك الأبصار ﴾ ففيه دليل على أنه  مبصر للمبصرات، راء للمرئيات، مطلع على ماهياتها، عليم بعوارضها وذاتياتها.

ثم قال ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ وليس المراد باللطافة ضد الكثافة وهو رقة القوام فإن ذلك من صفات الأجسام، بل المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها إلا مبدعها.

أو المراد أنه لطيف في الإنعام والرحمة لا يأمرهم فوق طاقتهم وينعم عليهم فوق استحقاقهم.

أو الغرض أنه يثني عليهم بالطاعة، ولا يقطع موادّ إحسانه عنهم بالمعصية.

أو المراد أنه يلطف عن أن يدركه الأبصار الخبير بكل لطيف ولا يلطف شيء عن إدراكه، ثم عاد إلى تقرير أمر الدعوة والرسالة فقال ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ أي موجباتها والبصيرة للقلب بمنزلة البصر للعين.

﴿ فمن أبصر ﴾ الحق وآمن ﴿ فلنفسه ﴾ أبصر وإياها نفع.

﴿ ومن عمي ﴾ عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر.

قالت المعتزلة: فيه تصريح بأن العبد يتمكن من الأمرين: الفعل والترك.

وعورض بالعلم والداعي ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم.

ثم حكى شبه المنكرين بقوله ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التقرير البليغ ﴿ نصرف الآيات ﴾ نأتي بها متواترة حالاً بعد حال ﴿ وليقولوا ﴾ عطف على محذوف أي لتلزمهم الحجة وليقولوا أو متعلق بما بعده أي وليقولوا درست نصرفها.

ومعنى ﴿ درست ﴾ قرأت وتعلمت من الدرس، ومن قرأ ﴿ دارست ﴾ أي قرأت على اليهود وقرؤا عليك وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة.

وأما قراءة ابن عامر ﴿ درست ﴾ فهي من الدروس بمعنى أن هذه الآيات قد درست وعفت أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا من جملة أساطير القرون الخالية، قالت العلماء: التركيب يدل على التذليل والتليين لأن من درس الكتاب فقد ذلـله بكثرة القراءة، ومنه قيل للثوب الخلق "دريس"، لأنه قد لان فكأنه  ذكر الوجه الذي لأجله صرف الآيات وهو أمران: أحدهما قوله ﴿ وليقولوا دارست ﴾ والثاني قوله ﴿ ولنبينه ﴾ أما الثاني فلا إشكال فيه لأنه بيّن أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه البيان والعلم والضمير في ﴿ لنبينه ﴾ للآيات لأنها في معنى القرآن، أو يعود إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به، أو إلى التبيين الذي هو مصدر الفعل نحو: ضربته زيداً أي ضربت الضرب زيداً.

وأما الأول فقد أورد عليه أن قولهم للرسول ﴿ دارست ﴾ كفر منهم بالقرآن والرسول، وعلى هذا فتعود مسألة الجبر والقدر، أما الأشاعرة فأجروا الكلام على ظاهره وقالوا: معناه أنا ذكرنا هذه الدلائل حالاً بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزدادوا كفراً على كفر، ونبينه لبعض فيزدادوا إيماناً على إيمان كقوله ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً  ﴾ وأما المعتزلة فقال الجبائي منهم والقاضي: إن هذا الإثبات محمول على النفي والتقدير: نصرف الآيات لئلا يقولوا كقوله ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ أي لئلا تضلوا.

أو المراد لام العاقبة، وزيف بأن حمل الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وفتح هذا الباب يخرج الكتاب عن أن يكون حجة.

وأيضاً إنه مناف للمقصود لأن إنزال الآيات نجماً فنجماً هو الذي أوقع الشبهة للقوم في أن محمداً  إنما أتى بالقرآن على سبيل المدارسة والمذاكرة مع أقوام آخرين، ولهذا كانوا يقولون لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة.

فالجواب الذي ذكره إنما يصح لو كان التصريف علة لأن يمتنعوا من هذا القول لكنه موجب له فسقط كلامهم، وأيضاً حمل اللام على لام العاقبة مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى.

ثم إنه لما حكى عن الكفار أنهم نسبوه في شأن القرآن إلى الافتراء وإلى أنه دارس أقواماً واستفاد هذه العلوم منهم ثم نظمها قرآناً وادّعى أنه نزل عليه من الله أتبعه قوله ﴿ اتبع ما أوحي إليك من ربك ﴾ لئلا يصير ذلك القول سبباً لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي يعتريه بسماع تلك الشبهة، ونبه بالجملة المعترضة أو الحال المؤكدة وهي قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ على أنه  لما كان واحداً في الإلهية فإنه يجب طاعته ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ وحمله بعضهم على أنها منسوخة بآية القتال.

وضعف بأن المراد واترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه، وأن يعدل صلوات الله عليه إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التنفير والتغيظ.

﴿ ولو شاء الله ما أشركوا ﴾ مذهب الأشاعرة فيه ظاهر.

وحمله المعتزلة على مشيئة الإلجاء والقسر.

وأجيب بعد المعارضة بالعلم والداعي بأن الإيمان الاختياري هب أنه أنفع وأفضل من الإيمان القهري إلا أنه  لما علم أن ذلك لا يقع ولا يحصل فقد كان يجب في حكمته أن يخلق الله فيه الإيمان القهري كي يخلص من العقاب، وإن لم يجب له الثواب كما أن الأب المشفق إذا علم أن ابنه لا يحسن الغوص يقول له: اترك الغوص في البحر ولا تطلب اللآلىء فإنك لا تجدها واكتف بالرزق القليل مع السلامة، فأما أن يأمره بالغوص في البحر مع اليقين التام بأنه لا يستفيد منه إلا الهلاك فإن ذلك من الرحمة والشفقة بمعزل.

ثم ختم الكلام بما يكمل به بصيرة الرسول  وآله، وذلك أن بيّن له قدر ما جعل إليه فذكر أنه ما جعله حفيظاً ولا وكيلاً عليهم وإنما فوض إليه الإبلاغ والإنذار.

ثم إنهم لما نسبوا الرسول  إلى أنه جمع القرآن بطريق المداومة وكان لا يبعد أن يغضب له المسلمون لسبب ذلك فيسبوا آلهتهم نهى الله  عن ذلك فقال ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ﴾ وذلك أن المسلمين إذا شتموا آلهتهم فربما غضبوا وذكروا الله بما لا ينبغي من القول.

وفيه تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والمسافهة وإنه لا يليق بالعقلاء.

قال ابن عباس: لما نزل ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ قال المشركون: لئن لم تنته عن سب آلهتنا وعيبها لنهجونّ إلهك فنزلت.

وقال السدي: " لما حضر أبا طالب الوفاة قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهي عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب كان يمنعه فلما مات قتلوه.

فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة ابن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود بن البختري إلى أبي طالب فقالوا: أنت كبيرنا وسيدنا، وأن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه.

فدعاه فجاء النبي  وآله فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك.

فقال رسول الله  : ماذا تريدون؟

قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك.

فقال أبو طالب: قد أنصفك قومك وبنو عمك.

فقال رسول الله  : أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم؟

قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها فما هي؟

قال: قولوا لا إله إلا الله فأبوا واشمأزوا فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي فإن قومك قد فزعوا منها.

فقال: يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها.

فقالوا: لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك فأنزل الله  هذه الآية" .

قالت العلماء: إن القوم كانوا مقرين بوجود الإله  فكيف يتصور إقدامهم على شتم الله؟

وأجيب بأنه ربما كان بعضهم قائلاً بالدهر ونفي الصانع فما كان يبالي هذا النوع من السفاهة، أو لعل مرادهم شتم الرسول  وآله فأجرى الله  شتمه مجرى شتم الله كما في قوله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ أو لعلهم من جهالتهم اعتقدوا أن الشيطان يحمله على ادعاء الرسالة ثم إنهم سموا ذلك الشيطان بأنه إله محمد  وآله.

وههنا سؤال وهو أن شتم الأصنام من أصول الطاعات فكيف يحسن من الله  أن ينهى عنه؟

والجواب أن هذا الشتم وإن كان طاعة إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم منكراً وجب الاحتراز عنه، لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله  وشتم رسوله وفتح باب السفاهة ويقتضي تنفيرهم عن قبول الدين وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم.

وفيه أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر وغلبة الظن قائمة مقام اليقين في هذا الباب.

وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدين كيلا يتشاغل بما لا يفيد في المطلوب، فإن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها، يقال: عدا فلان عدواً وعدواناً وعداء إذا ظلم ظلماً يتجاوز القدر.

قال الزجاج ﴿ عدواً ﴾ منصوب على المصدر لأن المعنى فيعدو عدواً وقرىء ﴿ عدوّاً ﴾ بفتح العين والتشديد أي في حال كونهم أعداء.

ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التزيين ﴿ زينا لكل أمة عملهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على أنه  هو الذي زين للكافر الكفر وللمؤمن الإيمان وللعاصي المعصية، وزيفه الكعبي بقوله  ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم  ﴾ [العنكبوت: 38] وبقوله ﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت  ﴾ فإذا المراد أنه  زين لهم ما لهم أن يعملوا وهم لا يفقهون، أو المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا الشيطان حتى زين لهم أو زينا في زعمهم وقولهم أن الله أمرنا بهذا وزينه لنا، وضعف بعد المعارضة بالعلم وخلق الداعي بأن قوله  ﴿ كذلك زينا ﴾ بعد قوله ﴿ فيسبوا الله ﴾ مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله  .

وأيضاً الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفراً وجهلاً والعلم بذلك ضروري، بل إنما يختاره لأنه اعتقد كونه إيماناً وعلماً وحقاً وصدقاً، ولولا سابقة الجهل الأول لما اختار الجهل الثاني ولا تذهب الجهالات إلى غير النهاية، فلا بد أن ينتهي إلى جهل أول يخلقه الله  فيه وهو بسبب ذلك الجهل ظن الكفر إيماناً والجهل علماً.

قال: ﴿ وأقسموا بالله جهد إيمانهم ﴾ والغرض حكاية شبهة أخرى لهم وهي أن هذا القرآن كيفما كان أمره فليس من جنس المعجزات البتة،ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة باهرة وبينه قاهرة لآمنا بك وأكدوا هذا المعنى بالأيمان والأقسام.

قال الواحدي: إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضعة لتوكيد الخبر وكانت الحاجة إلى ذكر الحلف عند انقسام الناس وقت سماع الخبر إلى مصدق ومكذب، فمعنى الأقسام إزالة القسمة وجعل الناس كلهم مصدقين بواسطة الحلف واليمين.

عن محمد بن كعب قال: " كلمت رسول الله  وآله قريش فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كانت معه عصا فضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وأن عيسى كان يحيى الموتى، وأن صالحاً كانت له ناقة، فأتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك.

فقال رسول الله  : أي شيء تحبون أن آتيكم به؟

قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً.

قال: فأن فعلت تصدقوني؟

قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون.

فقام رسول الله  يدعو فجاءه جبريل  فقال: إن شئت أصبح الصفا ذهباً ولكن لم أرسل بآية فلم يصدق بها إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم.

فقال رسول الله  : أتركهم حتى يتوب تائبهم " وأنزل الله الآيات إلى قوله ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه.

وقال الزجاج: معناه بالغوا في الإيمان.

والمراد بقوله ﴿ لئن جاءتهم آية ﴾ ما روينا من جعل الصفا ذهباً.

وقيل: هي الأشياء المذكورة في قوله ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا  ﴾ الآيات.

وقيل: كان النبي  وآله يخبرهم بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين المكذبين فالمشركون طلبوا مثلها.

﴿ قل إنما الآيات عند الله ﴾ أي هو مختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات لأن المعجزات لا تحصل إلا بتخليق الله  ، أو المراد بالعندية هو العلم بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي إيمانهم أم لا كقوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب  ﴾ أو المراد أنها وإن كانت معدومة في الحال إلا أنه  متى شاء أحدثها وليس لكم أن تتحكموا في طلبها كقوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه  ﴾ ﴿ وما يشعركم ﴾ ما استفهام والجملة خبره، ثم من قرأ ﴿ انها ﴾ بكسر الهمزة على الابتداء - وهي القراءة الجيدة - فالتقدير وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال ﴿ إنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وأما قراءة الفتح فقال سيبويه: سألت الخليل عن ذلك فقال: لا تحسن لأنها تصير عذراً للكفار، لأن معنى قول القائل: ما يدريك أنه لا يفعل هو أنه يفعل.

فمعنى الآية أنها إذا جاءت آمنوا وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذراً لهم في طلبها، لكن القراءة لما كانت متواترة فلا جرم ذكر العلماء فيه وجوها: قال الخليل: "أن" بمعنى "لعل" تقول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شياً أي لعلك.

ويقوي هذا الوجه قراءة أبي ﴿ لعلها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وثانيها "أن" تجعل "لا" صلة كما في قوله ﴿ ما منعك أن لا تسجد  ﴾ ﴿ وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون  ﴾ وثالثها أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها فقال الله: وما يدريكم أيها المؤمنون أنهم لا يؤمنون على معنى أنكم لا تدرون ما سبق به على من أنهم لا يؤمنون.

وأما من قرأ ﴿ لا تؤمنون ﴾ بتاء الخطاب فالمراد وما يشعركم أيها الكفار.

قال القاضي والجبائي: في الآية دلالة على أنه  يجب أن يفعل كل ما في مقدوره من الألطاف إذ لو كان في المعلوم لطف يؤمنون عنده، ثم إنه لا يفعل ذلك لم يكن لتعليل ترك الإجابة بأنهم لا يؤمنون وجه.

وأيضاً لو كان الإيمان بخلق الله  ولم يكن لفعل الألطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات لم يكن لإظهار تلك المعجزات أثر.

وأجيب بأن تأثير المعجزات عندهم مبني على وجوب اللطف، فلو أثبت اللطف به لزم الدور، وبأن الآية التي بعد هذه وهي قوله ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴾ تدل على أن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره.

ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار هو أنهم إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها عرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول إلا إنه  إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات.

والتقليب تحريك الشيء عن وجهه.

وكان  وآله يقول "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك" والمراد أنه  يقلب القلوب تارة من داعي الخير إلى داعي الشر وبالعكس.

وإنما قدم ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار، لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر عنه، والحاصل أن السمع والبصر آلتان للقلب فلهذا السبب وقع الابتداء بتقليب القلب.

قال الجبائي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وحرها لتعذيبهم.

وزيف بأن قوله ﴿ ونذرهم ﴾ إنما يحصل في الدنيا وهذا يستلزم سوء النظم.

وقال الكعبي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم بأنا لا نفعل بهم ما نفعل بالمؤمنين من الفوائد والألطاف حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم.

وضعف بأنه إنما استحق الحرمان من تلك الألطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر وهو الذي أوقع نفسه في ذلك الحرمان فكيف يحسن إضافته إلى الله  في قوله ﴿ ونقلب ﴾ وقال القاضي: القلب باقٍ على حالة واحدة إلا أنه  أدخل التقليب والتبديل في الدلائل.

واعترض بأن تقليب القلب نقله من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة.

وأما قوله ﴿ كما لم يؤمنوا به أول مرة ﴾ فقال الواحدي: فيه حذف والتقدير ولا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة يعني أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره.

والكناية في ﴿ به ﴾ إما عائدة إلى القرآن، أو إلى محمد  وآله، أو إلى ما طلبوا من الآيات وقيل: الكاف للجزاء أي كما لم يؤمنوا أول مرة فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم.

قال الجبائي: ﴿ ونذرهم ﴾ أي لا نحول بينهم وبين اختيارهم ولا نمنعهم بمعاجلة الهلاك وغيره لكنا نمهلهم، فإن أقاموا على طغيانهم فذلك من قبلهم وأنه يوجب تأكيد الحجة عليهم.

وقالت الأشاعرة: نقلب أفئدتهم من الحق إلى الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان والضلال والعمى.

التأويل: ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ دلالات السعادات الباقية، فمن أبصرها بنظر البصيرة فاشتغل بتحصيلها وأقبل على الله لسلوك سبيلها فذلك تحصيل لنفسه ﴿ فإن الله غني عن العالمين ﴾ ﴿ ومن عمي ﴾ فبالعكس.

﴿ ولا تسبوا الذين يدعون ﴾ لا تخاطبوا أهل الضلال على مواجب نوازع النفس والطبيعة فيحملهم ذلك على ترك الإجلال وإظهار الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة والتزام الحجة ونفي الشبهة.

﴿ وأقسموا بالله ﴾ حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، وما يغني وضوح الأدلة لمن لم تدركه سوابق الرحمة ﴿ ونقلب أفئدتهم ﴾ عن الآخرة إلى الدنيا ﴿ وأبصارهم ﴾ عن شواهد المولى إلى مشاهدة النفس والهوى كأنهم لم يؤمنوا يوم الميثاق إذ قلت ألست بربكم؟

قالوا بلى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ ﴾ أي: قالوا لله شركاء؛ وكذلك قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ  ﴾ أي: يقولون لله البنات، أو وصفوا لله، دليله ما ذكر في آخره: ﴿ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ دل هذا أن قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ أي: وصفوه بالشركاء والولد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ ﴾ .

قال بعضهم: هذا كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً  ﴾ .

وقيل: إنهم لم يعبدوا الجن، ولا قصدوا قصد عبادة الشيطان؛ حيث قال: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ  ﴾ ؛ لأن جميع أهل الكفر على اختلاف مذاهبهم يبغضون الشيطان، ويلعنون عليه، ولكن معناه: أن الشيطان هو الذي دعاهم إلى عبادة الأصنام والأوثان، فإذا عبدوا الأصنام بدعائه فكأنهم عبدوه إذ بأمره وبدعائه يعبدونها.

أو أن يكون كما روي في الخبر "أن الشمس إذا طلعت تطلع بين قرني شيطان" ، فإذا عبدوها فكأنهم عبدوا الشيطان مثل هذا يحتمل، والله أعلم.

فإن قيل: فإذا صاروا كأنهم عبدوا الشيطان، ومن ذكر من الجن بدعائهم إلى ذلك، وبأمرهم بذلك حتى نسب وأضاف العبادة إليهم، كيف لا صار المؤمنون كأنهم عبدوا الرسل؛ لأنهم إنما عبدوا الله بدعاء الرسل وبأمرهم؟

قيل: لأن الرسل إنما دعوهم إلى عبادة الله وأمروهم بذلك؛ لأن الله -  - أمرهم بذلك، وأما أولئك إنما دعوهم إلى عبادة من ذكر بذات أنفسهم.

وفي قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ ﴾ إخبار لأوليائه وتذكير لهم حسن صنيعه إلى أعدائه من الإنعام عليهم، والإحسان إليهم، وقبح صنيع أولئك إليه من وصفهم إياه بالولد والشركاء؛ ليعاملوهم معاملة الأعداء أو معاملة أمثالهم ﴿ وَخَلَقَهُمْ ﴾ أي: يعلمون أنه هو خلقهم، ثم يشركون غيره في ألوهيته وعبادته، لا يوجهون شكر نعمه إليه.

والثاني: قوله: ﴿ وَخَلَقَهُمْ ﴾ ، أي: خلق هذه الأصنام التي يعبدونها، ويعلمون أنها مخلوقة مسخرة مذللة، فمع ما يعلمون هذا يشركون في ألوهيته وعبادته، فكيف يكون المخلوق المسخر شريكاً له؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

هم كانوا فرقاً وأصنافاً؛ منهم من يقول بأن عيسى ابنه وهم النصارى، ومنهم من يقول بأن عزيراً ابنه وهم اليهود، وقال مشركو العرب: الملائكة بنات الله، فقال: ﴿ أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ  تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ  ﴾ ، وقال: ﴿ أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ  ﴾ .

قال: أَنِفْتُم أنتم من البنات؛ كيف نسبتم البنات إليه؟!

في هذه الآية تصبير لرسول الله  على أذاهم بقوله، مع كثرة ما كان لهم من الله من النعم والمنن يشركون في عبادته غيره؛ فأنت إذا لم يكن منك إليهم شيء من ذلك [فأولى] أن تصبر على أذاهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ .

أي: يعلمون هم أن ليس له ولد ولا شريك؛ ولكن كانوا يكابرون، ويحتمل ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ : على جهل يقولون ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ .

هو حرف تعظيم وتنزيه جعل فيما بين الخلق: به يعظمون، وبه ينزهون، وبه ينفون كل عيب فيهم؛ فعلى ذلك ذكر عند وصف الكفرة بالولد والشريك والعيوب؛ تنزيهاً وتبرئة عن كل عيب وصفة، وتعالياً عن جميع ما قالوا فيه، وهو - والله أعلم - كما يقولون: معاذ الله؛ تعظيماً وتبريئاً من ذلك.

وفي قوله: ﴿ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ نقض قول المعتزلة؛ [لقولهم]: إن صفات الله ليست إلا وصف الواصفين، فلو لم يكن [إلا وصف الواصف] لا غير لكان لا معنى لذم بعض الواصفين وحمد بعضهم؛ فثبت أن في ذلك صفة سوى وصف الواصفين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ﴾ .

قوله: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: أنشأهما بلا احتذاء ولا امتثال بغير، وقوله هذا يرد على القرامطة قولهم؛ [لأنهم يقولون: خالق، [ولا يقولون مبدع]، ويقولون: المبدع الثاني هو أول مخلوق خلق منه جميع العالم، فلو كان أول خلق خلق مبدعاً فهو مبدع، والإبداع: هو إحداث شيء لم يسبق له أصل ولا مثال؛ ولهذا يقال لمن أحدث في دينه شيئاً: مبتدع؛ لأنه أحدث فيه شيئاً لم يسبق له أصل ولا مثال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ﴾ .

أي: من قدر على إبداع السماوات والأرض، لا عن أصل سبق ولا عن مثال تقدم؛ فأنى يقع له الحاجة إلى الولد؟!

والولد في الشاهد إنما يتخذ؛ [لإحدى] خصال ثلاث: إما للانتصار على الأعداء والانتقام منهم، وإمّا لوحشة تأخذهم، وإما لحاجة تمسّهم؛ فالله -  وتعالى - يتعالى عن ذلك كله فأنى يتخذ ولداً؟!

والثاني: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ ﴾ ، أي: تعرفون أن الولد لا يكون في الشاهد إلا عن صاحبة [وليست له صاحبة] فأنى يكون له ولد؛ كأن الخطاب كان في قوم ينفون عنه الصاحبة، وإنما الحاجة إلى الصاحبة؛ للشهوات التي مكنت فيهم؛ فالشهوة هي التي تقهر المرء وتحمله على الحاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .

فيه نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أنه خلق كل شيء، وعلى قولهم: لم يخلق جزءاً من ألف جزء من الأشياء؛ لأنهم يقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد، ولا حركاتهم، ولا سكناتهم، ولا قيامهم، ولا قعودهم، ولا شيئاً من ذلك، ثم لا يجوز أن تصرف الآية إلى الخصوص، وهو يخرج مخرج الامتداح، ولو جاز أن يصرف هذا على شيء دون شيء لجاز لغيرهم أن يصرفوا قوله: ﴿ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ إلى شيء دون شيء وكذلك قوله: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ على قول المعتزلة هو خالق بعض الأشياء ليس هو بخالق الأشياء كلها؛ على ما أخبر فلئن جاز صرفه إلى بعض الأشياء دون بعض؛ لجاز - أيضاً - صرف قوله ﴿ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ .

وقيل: إلى بعض دون بعض، حفظ بعض الأشياء ولم يحفظ الكل، فإن لم يجز هذا؛ لأنه خرج مخرج الامتداح؛ فعلى ذلك لا يجوز صرف الأول إلى بعض دون بعض؛ لأنه امتداح، ولئن جاز أن يقال بأن العبد هو خالق ذلك، جاز أن يقال: هو خالق الكل، والقادر عليه؛ فهذا سمج بيّن، نسأل الله العصمة عن السرف في القول، والزيغ عن الحق؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ .

أي: ابتدع خلق السماوات والأرض، وما ذكر من أنواع المنن والنعم التي أنعمها عليهم؛ من نحو: ما جعل لهم من النجوم؛ ليهتدوا بها في الظلمات، وما ذكر أنه أنشأهم من نفس واحدة، وما ذكر من إنزال الماء من السماء، وإخراج ما أخرج به من النبات والثمار والحبوب والأعناب، وغير ذلك من عجيب حكمته، ذلك كله بالله الذي ﴿ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ ، منشئ ذلك كله.

﴿ فَٱعْبُدُوهُ ﴾ .

أي: إليه وجهوا شكر نعمه، ولا توجهوا إلى غيره، قال الكيساني: بديع السماوات [والأرض]، وبادع السماوات [والأرض] واحد؛ كما يقال: عليم وعالم، و (بدع) و (ابتدع): بمعنى واحد.

وقال بعضهم: هو مثل قوله: ﴿ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ ﴾ .

قيل: كنى بالأبصار عن الخلق؛ كأنه قال: لا يدركه الخلق، وهو يدرك الخلق، وإنما كنى بالأبصار عن الخلق؛ لما بالأبصار تدرك الأشياء ويحاط بها؛ لذلك كان معنى الكناية، والله أعلم.

وقيل: هو [على] حقيقة الأبصار، [و] كذلك بصر القلب؛ لما به نفع المعارف، فإن كان بصر الوجه، ففيه دليل إثبات الرؤية؛ لأنه نفى عنه الإدراك، فلو [لم يكن يحتمل الرؤية] لم يكن لنفي الإدراك معنى؛ لأنه لا يدرك ما لا يرى؛ فدل نفي الإدراك على أن هنالك رؤية، لكنه لا يدرك ولا يحاط بها؛ على ما ذكر: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً  ﴾ ؛ إذ من الأشياء الظاهرة مما يقع عليها البصر يكون لها سر، وفيها خفاء؛ من نحو: البصر، والسمع [واللسان]، والأنف، واليد، وغير ذلك من الأشياء: مما لا يدرك حقيقة ماهيتها وكيفيتها ولا تقديرها: [يبصر] بالبصر أشياء لا يعرف حقيقة كيفية البصر ولا ماهيته، وكذلك السمع: لا يدري أنه كيف هو؟

ولا بم يسمع؟

وكذلك هذا في كل جارحة وحاسة: تجد اليوم خشونة الشيء الذي تمسه ولينه، لا تعرف: بم تجد ذلك وتعرفه؟

وكذلك الكلام من اللسان، والشم من الأنف لا يدري ما هو؟

وكيف؟

وبم يجد تلك الرائحة والنتن؟

فإذا كانت معارف الخلق في الأشياء الظاهرة التي يقع عليها البصر لا يدرك حقيقة ماهيتها، ولا يعرف كيفيتها، ولا يحاط بها علما؛ فالله -  - الذي بحكمته وضع ذلك، وبلطفه ركب - أبعد عن الإدراك، وأحرى ألا يحاط به، ولا يدرك.

وهذا يرد على المجسمة مذهبهم؛ لأنهم يصورون ربهم في قلوبهم، ويمثلونه، فعلى ذلك يعبدونه، فهم مشبهة.

وأصله أن الله - تبارك وتعالى - يعرف بالآيات والدلائل، لا بالمحسوسات والمشاهدات، وكل شيء سبيل معرفته الآيات والدلائل: فهو غير محاط به ولا يدرك؛ فهو على ما وصف نفسه: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً  ﴾ ، ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ ﴾ ؛ لأن الإدراك والإحاطة إنما يقعان بالمحسوسات، لا بما يعرف بالآيات والدلائل، وعلى ذلك جاءت دلائل الرسل [به]؛ نحو ما قال موسى - حين سأله فرعون -: ﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ  قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ  ﴾ ، وقال إبراهيم: ﴿ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ  ﴾ ، وقال: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ  ﴾ دلالة على ألوهيته ووحدانيته من جهة الآيات والدلائل، لا من غيره.

وعلى ذلك دل الله الخلق على معرفة وحدانيته وربوبيته، بقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا  ﴾ ، وقال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ إلى آخر ما ذكر، دلهم على ما به يعرفون ألوهيته ووحدانيته من جهة الآيات والدلائل، لا من جهة ما تقع به الإحاطة والإدراك، وبالله الهداية والرشاد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ .

قيل: اللطيف: في أفعاله، الخبير بخلقه وبأعمالهم.

وقيل: اللطيف: البار الرحيم.

وقيل: اللطيف: هو العليم بخفيات الأشياء.

والخبير بظواهر الأشياء.

ثم هو اللطيف: العظيم، والعظيم في الشاهد: غير اللطيف، واللطيف: غير العظيم؛ لأن العظيم في الشاهد هو الذي به كثافة، واللطيف: ما يلطف في نفسه ويرق، وكل واحد منهما مما يناقض الآخر؛ ليعلم أنه لطيف عظيم، لا من الوجوه التي تعرف في الخلق؛ وكذلك قوله: ﴿ هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ  ﴾ هو أول وآخر وظاهر وباطن، وفي الخلق: من كان أولا لم يكن آخراً، ومن كان ظاهراً لم يكن باطناً؛ ليعلم أنه أول وآخر وظاهر وباطن، لا من الوجه الذي يعرف ويفهم من الخلق؛ ولكن مما وصف نفسه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلكم -أيها الناس- المتصف بتلك الصفات هو ربكم، فلا رب لكم غيره، ولا معبود بحق غيره، وهو موجد كل شيء، فاعبدوه, وحده، فهو المستحق للعبادة، وهو على كل شيء حفيظ.

<div class="verse-tafsir" id="91.yb3JK"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله