الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٠٣ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 153 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٣ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار ) فيه أقوال للأئمة من السلف : أحدها : لا تدركه في الدنيا ، وإن كانت تراه في الآخرة كما تواترت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ما طريق ثابت في الصحاح والمسانيد والسنن ، كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت : من زعم أن محمدا أبصر ربه فقد كذب .
وفي رواية : على الله فإن الله يقول : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) .
رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن أبي الضحى ، عن مسروق .
ورواه غير واحد عن مسروق ، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة من غير وجه .
وقد خالفها ابن عباس ، فعنه إطلاق الرؤية ، وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين .
والمسألة تذكر في أول " سورة النجم " إن شاء الله تعالى .
وقال ابن أبي حاتم : ذكر محمد بن مسلم ، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، حدثنا يحيى بن معين قال : سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله تعالى : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) قال : هذا في الدنيا .
قال : وذكر أبي ، عن هشام بن عبيد الله أنه قال نحو ذلك .
وقال آخرون : ( لا تدركه الأبصار ) أي : جميعها ، وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة .
وقال آخرون ، من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من الآية : إنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة .
فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك ، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله .
أما الكتاب ، فقوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) [ القيامة : 22 ، 23 ] ، وقال تعالى عن الكافرين : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) [ المطففين : 15 ] .
قال الإمام الشافعي : فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى .
وأما السنة ، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد ، وأبي هريرة ، وأنس ، وجرير ، وصهيب ، وبلال ، وغير واحد من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات ، وفي روضات الجنات ، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين .
وقيل : المراد بقوله : ( لا تدركه الأبصار ) أي : العقول .
رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين ، عن الفلاس ، عن ابن مهدي ، عن أبي الحصين يحيى بن الحصين قارئ أهل مكة أنه قال ذلك .
وهذا غريب جدا ، وخلاف ظاهر الآية ، وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
وقال آخرون : لا منافاة بين إثبات الرؤية لله تعالى في الآخرة ونفي الإدراك ، فإن الإدراك أخص من الرؤية ، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم .
ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ، ما هو؟
فقيل : معرفة الحقيقة ، فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون ، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته ، فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى .
وقال آخرون : المراد بالإدراك الإحاطة .
قالوا : ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم ، قال الله تعالى : ( ولا يحيطون به علما ) [ طه : 110 ] ، وفي صحيح مسلم : " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " ولا يلزم من هذا عدم الثناء ، فكذلك هذا .
قال العوفي ، عن ابن عباس في قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) قال : لا يحيط بصر أحد بالملك .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد ، حدثنا أسباط عن سماك ، عن عكرمة ، أنه قيل له : ( لا تدركه الأبصار ) ؟
قال : ألست ترى السماء؟
قال : بلى .
قال : فكلها ترى؟
وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) هو أعظم من أن تدركه الأبصار .
وقال ابن جرير : حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدثنا خالد بن عبد الرحمن ، حدثنا أبو عرفجة ، عن عطية العوفي في قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) [ القيامة : 22 ، 23 ] ، قال : هم ينظرون إلى الله ، لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، وبصره محيط بهم .
فذلك قوله : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) .
وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث رواه ابن أبي حاتم هاهنا ، فقال : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا منجاب بن الحارث السهمي حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) قال : " لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا ، ما أحاطوا بالله أبدا " غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه ، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة والله أعلم .
وقال آخرون في قوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ) بما رواه الترمذي في جامعه ، وابن أبي عاصم في كتاب " السنة " له ، وابن أبي حاتم في تفسيره ، وابن مردويه أيضا ، والحاكم في مستدركه ، من حديث الحكم بن أبان قال : سمعت عكرمة يقول : سمعت ابن عباس يقول : رأى محمد ربه تبارك وتعالى .
فقلت : أليس الله يقول : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) الآية؟
فقال لي : " لا أم لك ذلك نوره ، الذي هو نوره ، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء " وفي رواية : " لا يقوم له شيء " قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .
وفي معنى هذا الأثر ما ثبت في الصحيحين ، عن أبي موسى الأشعري ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور - أو : النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " وفي الكتب المتقدمة : إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية : يا موسى ، إنه لا يراني حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده .
أي : تدعثر .
وقال تعالى : ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) [ الأعراف : 143 ] ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة .
يتجلى لعباده المؤمنين كما يشاء .
فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه - تعالى وتقدس وتنزه - فلا تدركه الأبصار; ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، تثبت الرؤية في الدار الآخرة وتنفيها في الدنيا ، وتحتج بهذه الآية : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) فالذي نفته الإدراك الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه ، فإن ذلك غير ممكن للبشر ، ولا للملائكة ولا لشيء .
وقوله : ( وهو يدرك الأبصار ) أي : يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه; لأنه خلقها كما قال تعالى : ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) [ الملك : 14 ] .
وقد يكون عبر بالأبصار عن المبصرين ، كما قال السدي في قوله : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) لا يراه شيء وهو يرى الخلائق .
وقال أبو العالية في قوله تعالى ( وهو اللطيف الخبير ) اللطيف باستخراجها ، الخبير بمكانها .
والله أعلم .
وهذا كما قال تعالى إخبارا عن لقمان فيما وعظ به ابنه : ( يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ) [ لقمان : 16 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ".
فقال بعضهم: معناه لا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها .
* ذكر من قال ذلك: 13694- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار "، يقول: لا يحيط بصر أحدٍ بالملك .
13695- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار "، وهو أعظم من أن تدركه الأبصار .
13696- حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا خالد بن عبد الرحمن قال، حدثنا أبو عرفجة, عن عطية العوفي في قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [سورة القيامة: 22-23]، قال: هم ينظرون إلى الله, لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم, فذلك قوله: " لا تدركه الأبصار "، الآية .
(3) * * * قال أبو جعفر: واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم هذا، بأن قالوا: إن الله قال: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ ، (4) [يونس: 90] قالوا: فوصف الله تعالى ذكره الغرق بأنه أدرك فرعون, ولا شك أن الغرق غير موصوف بأنه رآه, ولا هو مما يجوز وصفه بأنه يرى شيئًا .
قالوا: فمعنى قوله: " لا تدركه الأبصار " بمعنى: لا تراه، بعيد.
لأن الشيء قد يدرك الشيء ولا يراه, كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قيل أصحاب موسى صلى الله عليه وسلم لموسى حين قرُب منهم أصحاب فرعون: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، [سورة الشعراء: 61]، لأن الله قد كان وعد نبيه موسى صلى الله عليه وسلم أنهم لا يُدْرَكون، لقوله: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى ، [61، طه: 77] .
قالوا: فإن كان الشيء قد يرى الشيء ولا يدركه، ويدركه ولا يراه, فكان معلومًا بذلك أن قوله: " لا تدركه الأبصار "، من معنى: لا تراه الأبصار، بمعزل= وأن معنى ذلك: لا تحيط به الأبصار، لأن الإحاطة به غير جائزة .
قالوا: فالمؤمنون وأهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم، ولا تدركه أبصارهم, بمعنى: أنها لا تحيط به، إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئًا يحيط به .
قالوا: ونظير جواز وصفه بأنه يُرَى ولا يُدْرَك، جوازُ وصفه بأنه يعلم ولا يحاط بعلمه, (5) وكما قال جل ثناؤه: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ [سورة البقرة: 255] .
قالوا: فنفى جل ثناؤه عن خلقه أن يكونوا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء .
قالوا: ومعنى " العلم " في هذا الموضع، المعلوم.
قالوا: فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء، نَفْيٌ عن أن يعلموه .
قالوا: فإذا لم يكن في نفي الإحاطة بالشيء علمًا نَفْيٌ للعلم به, كان كذلك، لم يكن في نفي إدراك الله عن البصر، نفيُ رؤيته له .
قالوا: وكما جاز أن يعلم الخلق أشياءَ ولا يحيطون بها علمًا, كذلك جائزٌ أن يروا ربَّهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم, إذ كان معنى " الرؤية " غير معنى " الإدراك ", ومعنى " الإدراك " غير معنى " الرؤية ", وأن معنى " الإدراك "، إنما هو الإحاطة, كما قال ابن عباس في الخبر الذي ذكرناه قبل .
قالوا: فإن قال لنا قائل: وما أنكرتم أن يكون معنى قوله: " لا تدركه الأبصار "، لا تراه الأبصار؟
قلنا له: أنكرنا ذلك, لأن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أن وجوهًا في القيامة إليه ناظرة, (6) وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة، كما يُرَى القمر ليلة البدر، وكما ترونَ الشمس ليسَ دونها سحاب .
(7) قالوا: فإذ كان الله قد أخبر في كتابه بما أخبر، وحققتْ أخبارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا عنه من قيله صلى الله عليه وسلم: إن تأويل قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [سورة القيامة: 22-23]، أنه نظر أبصار العيون لله جل جلاله, (8) وكان كتاب الله يصدق بعضه بعضًا, وكان مع ذلك غير جائز أن يكون أحدُ هذين الخبرين ناسخًا للآخر, إذ كان غير جائز في الأخبار= لما قد بينا في كتابنا: " كتاب لطيف البيان، عن أصول الأحكام "، وغيره= (9) علم، أن معنى قوله: " لا تدركه الأبصار "، غير معنى قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ، فإن أهل الجنة ينظرون بأبصارهم يوم القيامة إلى الله، ولا يدركونه بها, تصديقًا لله في كلا الخبرين، وتسليمًا لما جاء به تنـزيله على ما جاء به في السورتين .
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: لا تراه الأبصار، وهو يرى الأبصار .
* ذكر من قال ذلك: 13697- حدثنا محمد بن الحسين قال, حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط , عن السدي: " لا تدركه الأبصار "، لا يراه شيء, وهو يرى الخلائق .
13698- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن عامر, عن مسروق, عن عائشة قالت: من حدَّثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه فقد كذب!" لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار "، وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، [سورة الشورى: 51]، ولكن قد رأى جبريل في صورته مرتين .
13699- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن عامر, عن مسروق قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، هل رأى محمد ربه؟
فقالت: سبحان الله, لقد قَفَّ شعري مما قلت !
ثم قرأت: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير " .
(10) 13700- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى وابن علية, عن داود, عن الشعبي, عن مسروق, عن عائشة بنحوه .
(11) 13701- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن الشعبي قال، قالت عائشة: من قال إن أحدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله!
قال الله: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " .
* * * فقال قائلو هذه المقالة: معنى " الإدراك " في هذا الموضع، الرؤية= وأنكروا أن يكون الله يُرَى بالأبصار في الدنيا والآخرة= وتأوّلوا قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ، بمعنى انتظارها رحمة الله وثوابَه .
* * * قال أبو جعفر: وتأول بعضهم في الأخبار التي رُويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح القول برؤية أهل الجنة ربَّهم يوم القيامة تأويلات، وأنكر بعضهم مجيئها, ودافعوا أن يكون ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم, وردُّوا القول فيه إلى عقولهم, فزعموا أن عقولهم تُحِيل جواز الرؤية على الله عز وجل بالأبصار، وأتوا في ذلك بضرُوب من التمويهات, وأكثروا القول فيه من جهة الاستخراجات .
وكان من أجلّ ما زعموا أنهم علموا به صحة قولهم ذلك من الدليل، أنهم لم يجدوا أبصارهم ترى شيئًا إلا ما باينها دون ما لاصقها, فإنها لا ترى ما لاصقها .
قالوا: فما كان للأبصار مباينًا مما عاينته, فإن بينه وبينها فضاءً وفرجةً .
قالوا: فإن كانت الأبصار ترى ربها يوم القيامة على نحو ما ترى الأشخاص اليوم, فقد وجب أن يكون الصانع محدودًا .
قالوا: ومن وصفه بذلك, فقد وصفه بصفات الأجسام التي يجوز عليها الزيادة والنقصان .
قالوا: وأخرى, أن من شأن الأبصار أن تدرك الألوان، كما من شأن الأسماع أن تدرك الأصوات, ومن شأن المتنسِّم أن يدرك الأعراف .
(12) قالوا: فمن الوجه الذي فسد أن يكون جائزًا أن يُقْضَى للسمع بغير إدراك الأصوات، وللمتنسِّم إلا بإدراك الأعراف, فسد أن يكون جائزًا القضاءُ للبصر إلا بإدراك الألوان .
(13) قالوا: ولما كان غير جائز أن يكون الله تعالى ذكره موصوفًا بأنه ذو لون, صح أنه غير جائز أن يكون موصوفًا بأنه مرئيٌّ .
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: لا تدركه أبصار الخلائق في الدنيا, وأما في الآخرة فإنها تدركه .
وقال أهل هذه المقالة: " الإدراك "، في هذا الموضع، الرؤية .
واعتلّ أهل هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا: " الإدراك "، وإن كان قد يكون في بعض الأحوال بغير معنى الرؤية, فإن الرؤية من أحد معانيه.
وذلك أنه غير جائز أن يلحق بصرُه شيئًا فيراه، وهو لما أبصره وعاينه غير مدرك، وإن لم يحط بأجزائه كلها رؤية .
قالوا: فرؤية ما عاينه الرائي إدراك له، دون ما لم يره .
قالوا: وقد أخبر الله أن وجوهًا يوم القيامة إليه ناظرة.
قالوا، فمحالٌ أن تكون إليه ناظرة وهي له غير مدركة رؤيةً .
قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز أن يكون في أخبار الله تضادٌّ وتعارض, وجب وصحّ أن قوله: " لا تدركه الأبصار "، على الخصوص لا على العموم, وأن معناه: لا تدركه الأبصار في الدنيا، وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة, إذ كان الله قد استثنى ما استثنى منه بقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ .
* * * وقال آخرون من أهل هذه المقالة: الآية على الخصوص, إلا أنه جائز أن يكون معنى الآية: لا تدركه أبصارُ الظالمين في الدنيا والآخرة, وتدركه أبصار المؤمنين وأولياء الله .
قالوا: وجائز أن يكون معناها: لا تدركه الأبصار بالنهاية والإحاطة، وأما بالرؤية فَبَلَى .
(14) قالوا: وجائز أن يكون معناها: لا تدركه الأبصار في الدنيا وتدركه في الآخرة= وجائز أن يكون معناها: لا تدركه أبصارُ من يراه بالمعنى الذي يدرك به القديم أبصارَ خلقه= فيكون الذي نفى عن خلقه من إدراك أبصارهم إياه, هو الذي أثبته لنفسه, إذ كانت أبصارهم ضعيفة لا تنفذ إلا فيما قوَّاها جل ثناؤه على النفوذ فيه, وكانت كلها متجلية لبصره لا يخفى عليه منها شيء .
قالوا: ولا شك في خصوص قوله: " لا تدركه الأبصار "، وأن أولياء الله سيرونه يوم القيامة بأبصارهم, غير أنا لا ندري أيَّ معاني الخصوص الأربعة أريد بالآية .
واعتلُّوا لتصحيح القول بأن الله يرى في الآخرة، بنحو علل الذين ذكرنا قبل .
* * * وقال آخرون: الآية على العموم, ولن يدرك الله بصرُ أحد في الدنيا والآخرة; ولكن الله يُحدث لأوليائه يوم القيامة حاسّة سادسة سوى حواسِّهم الخمس، فيرونه بها .
واعتلوا لقولهم هذا بأنّ الله تعالى ذكره نفى عن الأبصار أن تدركه، من غير أن يدلّ فيها أو بآية غيرها على خصوصها .
قالوا: وكذلك أخبرَ في آية أخرى أن وجوهًا إليه يوم القيامة ناظرة .
قالوا: فأخبار الله لا تتنافى ولا تتعارض, (15) وكلا الخبرين صحيح معناه على ما جاء به التنـزيل .
واعتلُّوا أيضًا من جهة العقل بأن قالوا: إن كان جائزًا أن نراه في الآخرة بأبصارنا هذه و إن زيد في قواها، وجب أن نراه في الدنيا وإن ضعفت, لأن كل حاسة خلقت لإدراك معنًى من المعاني، فهي وإن ضعفت كل الضعف، فقد تدرك مع ضعفها ما خلقت لإدراكه وإن ضعف إدراكها إياه، ما لم تُعْدم .
قالوا: فلو كان في البصر أن يُدرك صانعه في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات ويراه, وجب أن يكون يدركه في الدنيا ويراه فيها و إن ضعف إدراكه إياه .
قالوا: فلما كان ذلك غير موجود من أبصارنا في الدنيا, كان غير جائز أن تكون في الآخرة إلا بهيئتها في الدنيا في أنها لا تدرك إلا ما كان من شأنها إدراكه في الدنيا .
قالوا: فلما كان ذلك كذلك, وكان الله تعالى ذكره قد أخبر أنّ وجوهًا في الآخرة تراه, علم أنها تراه بغير حاسة البصر, إذ كان غير جائز أن يكون خبرُه إلا حقًّا .
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر "=" وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب "، (16) فالمؤمنون يرونه, والكافرون عنه يومئذ محجوبون، كما قال جل ثناؤه: كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [سورة المطففين: 15] .
فأما ما اعتلَّ به منكرُو رؤية الله يوم القيامة بالأبصار, لما كانت لا ترى إلا ما باينها, وكان بينها وبينه فضاءٌ وفرجة, وكان ذلك عندهم غير جائز أن تكون رؤية الله بالأبصار كذلك، لأن في ذلك إثبات حدٍّ له ونهايةٍ, فبطل عندهم لذلك جواز الرؤية عليه= فإنه يقال لهم: (17) هل علمتم موصوفًا بالتدبير سوى صانعكم، إلا مماسًّا لكم أو مباينًا؟
فإن زعموا أنهم يعلمون ذلك، كُلِّفوا تبيينه, ولا سبيل إلى ذلك .
وإن قالوا: لا نعلم ذلك.
قيل لهم: أو ليس قد علمتموه لا مماسًّا لكم ولا مباينًا, وهو موصوف بالتدبير والفعل, ولم يجب عندكم إذْ كنتم لم تعلموا موصوفًا بالتدبير والفعل غيره إلا مماسًّا لكم أو مباينًا، أن يكون مستحيلا العلم به، وهو موصوف بالتدبير والفعل, لا مماس ولا مباين؟
فإن قالوا: ذلك كذلك.
قيل لهم: فما تنكرون أن تكون الأبصار كذلك لا ترى إلا ما باينها وكانت بينه وبينها فرجة، قد تراه وهو غير مباين لها ولا فرجة بينها وبينه ولا فضاء, كما لا تعلم القلوب موصوفًا بالتدبير إلا مماسًّا لها أو مباينًا، وقد علمتْه عندكم لا كذلك؟
وهل بينكم وبين من أنكر أن يكون موصوفًا بالتدبير والفعل معلومًا، لا مماسًّا للعالم به أو مباينًا= وأجاز أن يكون موصوفًا برؤية الأبصار، لا مماسًّا لها ولا مباينًا، فرق؟
ثم يسألون الفرقَ بين ذلك, فلن يقولوا في شيء من ذلك قولا إلا ألزموا في الآخر مثله .
وكذلك يسألون فيما اعتلوا به في ذلك: أن من شأن الأبصار إدراك الألوان, كما أن من شأن الأسماع إدراك الأصوات, ومن شأن المتنسِّم درَك الأعراف, فمن الوجه الذي فسد أن يُقضى للسمع بغير درك الأصوات، فسد أن يُقضى للأبصار لغير درك الألوان .
(18) فيقال لهم: ألستم لم تعلموا فيما شاهدتم وعاينتم، موصوفًا بالتدبير والفعل إلا ذا لونٍ, وقد علمتموه موصوفًا بالتدبير لا ذا لونٍ؟
فإن قالوا: " نعم "= لا يجدون من الإقرار بذلك بدًّا، إلا أن يكذبوا فيزعموا أنهم قد رأوا وعاينوا موصوفًا بالتدبير والفعل غير ذي لون, فيكلفون بيان ذلك, ولا سبيل إليه.
(19) فيقال لهم: فإذ كان ذلك كذلك، فما أنكرتم أن تكون الأبصار فيما شاهدتم وعاينتم لم تجدوها تدرك إلا الألوان, كما لم تجدوا أنفسكم تعلم موصوفًا بالتدبير إلا ذا لون، وقد وجدتموها علمته موصوفًا بالتدبير غير ذي لون.
ثم يسألون الفرق بين ذلك, فلن يقولوا في أحدهما شيئًا إلا ألزموا في الآخر مثله .
ولأهل هذه المقالة مسائل فيها تلبيس، كرهنا ذكرها وإطالة الكتاب بها وبالجواب عنها, إذ لم يكن قصدنا في كتابنا هذا قصدَ الكشف عن تمويهاتهم, بل قصدنا فيه البيان عن تأويل آي الفرقان .
ولكنا ذكرنا القدرَ الذي ذكرنا, ليعلم الناظرُ في كتابنا هذا أنهم لا يرجعون من قولهم إلا إلى ما لبَّس عليهم الشيطان، مما يسهل على أهل الحق البيانُ عن فساده, وأنهم لا يرجعون في قولهم إلى آية من التنـزيل محكمة، ولا رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة ولا سقيمة, فهم في الظلمات يخبطون, وفي العمياء يتردّدون, نعوذ بالله من الحيرة والضلالة.
* * * وأما قوله: " وهو اللطيف الخبير "، فإنه يقول: والله تعالى ذكره المتيسر له من إدراك الأبصار, (20) والمتأتِّي له من الإحاطة بها رؤيةُ ما يعسر على الأبصار من إدراكها إياه وإحاطتها به ويتعذر عليها=" الخبير "، يقول: العليم بخلقه وأبصارهم، والسبب الذي له تعذر عليها إدراكه، فلطف بقدرته فهيأ أبصار خلقه هيئة لا تدركه, وخبرَ بعلمه كيف تدبيرها وشؤونها وما هو أصلح بخلقه، (21) كالذي: 13702- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية في قوله: " اللطيف الخبير "، قال: " اللطيف " باستخراجها=" الخبير "، بمكانها .
------------------------- الهوامش : (3) الأثر : 13696 - (( سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري )) ثقة ، روي عنه آنفًا برقم : 436 .
وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا (( يونس بن عبد الله بن الحكم )) ، وهو خطأ ، والصواب ما سيأتي في التفسير 29 : 120 ( بولاق ) ، حيث روى هذا الخبر نفسه ، بإسناده عن (( سعد بن عبد الله بن عبد الحكم )) .
و(( خالد بن عبد الرحمن الخراساني المروروذي )) روى عنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، وأخوه (( سعد )) .
قال أبو حاتم : (( شيخ ، ليس به بأس )) .
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 2 /341 .
وأما (( أبو عرفجة )) ، فلم أعرف من يكون .
و (( عطية العوفي )) ، هو (( عطية بن سعد بن جنادة العوفي )) ، وهو ضعيف ، مضى مرارًا ، واستوفى أخي السيد أحمد الكلام فيه في رقم : 305 .
وهذا الخبر سيرويه أبو جعفر مرة أخرى في التفسير 29 : 120 ( بولاق ) .
(4) في المطبوعة والمخطوطة : (( فلما أدركه الغرق )) ، وهو سهو ، فإن نص التلاوة ما أثبت .
(5) في المطبوعة : (( ولا يحاط به )) ، وصواب السياق ما أثبت .
(6) يعني آيتي سورة القيامة : 22 ، 23 .
(7) في المخطوطة ، أسقط (( البدر )) ، والصواب إثباتها .
(8) انظر الأحاديث الصحاح في رؤية ربنا سبحانه يوم القيامة في صحيح البخاري ( الفتح 13 : 356 ، وما بعدها ) ، وصحيح مسلم 3 : 25 ، وما بعدها .
والخبران اللذان ذكرهما أبو جعفر خبران صحيحان .
(9) قوله : (( علم )) جواب قوله آنفًا : (( فإذ كان الله قد أخبر في كتابه ...
)) (10) الأثران : 13698 ، 13699 - حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، رواه مسلم في صحيحه 3 : 10 ، مختصرًا .
(( قف شعري )) : إذا وقف من الفزع .
(11) الأثر : 13700 - حديث داود ، عن الشعبي ، رواه مسلم مطولا 3 : 8 - 10 ، وقد مضى جزء من هذا الخبر المطول فيما سلف برقم : 12280 - 12283 .
فانظر تخريجه هناك .
(12) في المطبوعة : (( المتنشم )) بالشين ، وهو خطأ صرف ، والصواب بالسين كما في المخطوطة .
يقال (( تنسيم النسيم )) ، إذا تشممه .
و (( الأعراف )) جمع (( عرف )) ( بفتح فسكون ) : الرائحة ، طيبة كانت أو خبيثة .
يقال : (( ما أطيب عرفها )) ، أي : رائحتها .
(13) في المخطوطة : (( انقضاء البصر )) ، والصواب ما في المطبوعة .
(14) (( بلى )) استعمالها مع غير الجحد ، قد سلف بيانه ودليله 2 : 280 ، 510 ، ثم 10 : 98 ، تعليق : 4 .
(15) في المطبوعة : (( لا تتباين )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب قراءتها .
(16) انظر ص : 16 ، تعليق : 1 .
(17) في المطبوعة والمخطوطة : (( وإنه يقال لهم )) بالواو ، وصواب السياق ما أثبت .
(18) في المطبوعة : (( أن يقتضي السمع لغير )) ، و (( أن تقتضي الأبصار لغير )) ، وأما المخطوطة ، ففيها (( أن يقضي السمع ...
)) ، و (( أن يقضي للأبصار )) ، والصواب ما أثبت .
(19) في المطبوعة : (( فيكلفوا بيان ذلك )) ، وفي المخطوطة : (( فدلقوا بيان ذلك )) ، وهي غير مقروءة ، ولعل الصواب ما أثبت .
(20) في المطبوعة : (( الميسر له )) ، والصواب من المخطوطة ، ولم يحسن قراءتها .
(21) انظر تفسير (( الخبير )) فيما سلف من فهارس اللغة ( خبر ) .
قوله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير قوله تعالى : لا تدركه الأبصار بين سبحانه أنه منزه عن سمات الحدوث ، ومنها الإدراك بمعنى الإحاطة والتحديد ، كما تدرك سائر المخلوقات ، والرؤية ثابتة .
فقال الزجاج : أي لا يبلغ كنه حقيقته ; كما تقول : أدركت كذا وكذا ; لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث في الرؤية يوم القيامة .
وقال ابن عباس : لا تدركه الأبصار في الدنيا ، ويراه المؤمنون في الآخرة ; لإخبار الله بها في قوله : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة .
وقال السدي .
وهو أحسن ما قيل لدلالة التنزيل والأخبار الواردة برؤية الله في الجنة .
وسيأتي بيانه في " يونس " .
وقيل : لا تدركه الأبصار لا تحيط به وهو يحيط بها ; عن ابن عباس أيضا .
وقيل : المعنى لا تدركه أبصار القلوب ، أي لا تدركه العقول فتتوهمه ; إذ ليس كمثله شيء وقيل : المعنى لا تدركه الأبصار المخلوقة في الدنيا ، لكنه يخلق لمن يريد كرامته بصرا وإدراكا يراه فيه كمحمد عليه السلام ; إذ رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلا ، إذ لو لم تكن جائزة لكان سؤال موسى عليه السلام مستحيلا ، ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على الله وما لا يجوز ، بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل .
واختلف السلف في رؤية نبينا عليه السلام ربه ، ففي صحيح مسلم عن مسروق قال : كنت متكئا عند عائشة ، فقالت : يا أبا عائشة ، ثلاث [ ص: 51 ] من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية .
قلت : ما هن ؟
قالت : من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية .
قال : وكنت متكئا فجلست فقلت : يا أم المؤمنين ، أنظريني ولا تعجليني ، ألم يقل الله عز وجل ولقد رآه بالأفق المبين .
ولقد رآه نزلة أخرى ؟
فقالت : أنا أول هذه الأمة من سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض .
فقالت : أولم تسمع أن الله عز وجل يقول : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ؟
أولم تسمع أن الله عز وجل يقول : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا إلى قوله علي حكيم ؟
قالت : ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية ، والله تعالى يقول : ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته قالت : ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية ، والله تعالى يقول : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله .
وإلى ما ذهبت إليه عائشة رضي الله عنها من عدم الرؤية ، وأنه إنما رأى جبريل : ابن مسعود ، ومثله عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وأنه رأى جبريل ، واختلف عنهما .
وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين .
وعن ابن عباس أنه رآه بعينه ; هذا هو المشهور عنه .
وحجته قوله تعالى : ما كذب الفؤاد ما رأى .
وقال عبد الله بن الحارث : اجتمع ابن عباس وأبي بن كعب ، فقال ابن عباس : أما نحن بنو هاشم فنقول إن محمدا رأى ربه مرتين .
ثم قال ابن عباس : أتعجبون أن الخلة تكون لإبراهيم والكلام لموسى ، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين .
قال : فكبر كعب حتى جاوبته الجبال ، ثم قال : إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى عليهما السلام ، فكلم موسى ورآه محمد صلى الله عليه وسلم .
وحكى عبد الرزاق أن الحسن كان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه .
وحكاه أبو عمر الطلمنكي عن عكرمة ، وحكاه بعض المتكلمين عن ابن مسعود ، والأول عنه أشهر .
وحكى ابن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة : هل رأى محمد ربه ؟
فقال نعم وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال : أنا أقول بحديث ابن عباس : بعينه رآه رآه !
حتى انقطع نفسه ، [ ص: 52 ] يعني نفس أحمد .
وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى الله ببصره وعيني رأسه .
وقاله أنس وابن عباس وعكرمة والربيع والحسن .
وكان الحسن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأى محمد ربه .
وقال جماعة ، منهم أبو العالية والقرظي والربيع بن أنس : إنه إنما رأى ربه بقلبه وفؤاده ; وحكي عن ابن عباس أيضا وعكرمة .
وقال أبو عمر : قال أحمد بن حنبل رآه بقلبه ، وجبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار .
وعن مالك بن أنس قال : لم ير في الدنيا ; لأنه باق ولا يرى الباقي بالفاني ، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رأوا الباقي بالباقي .
قال القاضي عياض : وهذا كلام حسن مليح ، وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعف القدرة ; فإذا قوى الله تعالى من شاء من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم يمتنع في حقه .
وسيأتي شيء من هذا في حق موسى عليه السلام في " الأعراف " إن شاء الله .قوله تعالى : وهو يدرك الأبصار أي لا يخفى عليه شيء إلا يراه ويعلمه .
وإنما خص الأبصار ; لتجنيس الكلام .
وقال الزجاج : وفي هذا الكلام دليل على أن الخلق لا يدركون الأبصار ; أي لا يعرفون كيفية حقيقة البصر ، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه .
ثم قال : وهو اللطيف الخبير أي الرفيق بعباده ; يقال : لطف فلان بفلان يلطف ، أي رفق به .
واللطف في الفعل الرفق فيه .
واللطف من الله تعالى التوفيق والعصمة .
وألطفه بكذا ، أي بره به .
والاسم اللطف بالتحريك .
يقال : جاءتنا من فلان لطفة ; أي هدية .
والملاطفة المبارة ; عن الجوهري وابن فارس .
قال أبو العالية : المعنى لطيف باستخراج الأشياء خبير بمكانها .
وقال الجنيد : اللطيف من نور قلبك بالهدى ، وربى جسمك بالغذا ، وجعل لك الولاية في البلوى ، ويحرسك وأنت في لظى ، ويدخلك جنة المأوى .
وقيل غير هذا ، مما معناه راجع إلى معنى الرفق وغيره .
وسيأتي ما للعلماء من الأقوال في ذلك في " الشورى " إن شاء الله تعالى .
{ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } لعظمته، وجلاله وكماله، أي: لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه، وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم، فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية، بل يثبتها بالمفهوم.
فإنه إذا نفى الإدراك، الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة.
فإنه لو أراد نفي الرؤية، لقال \"لا تراه الأبصار\" ونحو ذلك، فعلم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة، الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة، بل فيها ما يدل على نقيض قولهم.
{ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ } أي: هو الذي أحاط علمه، بالظواهر والبواطن، وسمعه بجميع الأصوات الظاهرة، والخفية، وبصره بجميع المبصرات، صغارها، وكبارها، ولهذا قال: { وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } الذي لطف علمه وخبرته، ودق حتى أدرك السرائر والخفايا، والخبايا والبواطن.
ومن لطفه، أنه يسوق عبده إلى مصالح دينه، ويوصلها إليه بالطرق التي لا يشعر بها العبد، ولا يسعى فيها، ويوصله إلى السعادة الأبدية، والفلاح السرمدي، من حيث لا يحتسب، حتى أنه يقدر عليه الأمور، التي يكرهها العبد، ويتألم منها، ويدعو الله أن يزيلها، لعلمه أن دينه أصلح، وأن كماله متوقف عليها، فسبحان اللطيف لما يشاء، الرحيم بالمؤمنين.
وأما قوله : ( لا تدركه الأبصار ) علم أن الإدراك غير الرؤية لأن الإدراك هو : الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به ، والرؤية : المعاينة ، وقد تكون الرؤية بلا إدراك ، قال الله تعالى في قصة موسى " فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال : كلا " ( سورة الشعراء ، 61 ) ، وقال " لا تخاف دركا ولا تخشى " ( سورة طه ، 77 ) ، فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية ، فالله عز وجل يجوز أن يرى من غير إدراك وإحاطة كما يعرف في الدنيا ولا يحاط به ، قال الله تعالى : ( ولا يحيطون به علما ) ، ( سورة طه ، 110 ) ، فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم ، قال سعيد بن المسيب : لا تحيط به الأبصار ، وقال عطاء : كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به ، وقال ابن عباس ومقاتل : لا تدركه الأبصار في الدنيا ، وهو يرى في الآخرة ، قوله تعالى : ( وهو يدرك الأبصار ) لا يخفى عليه شيء ولا يفوته ، ( وهو اللطيف الخبير ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : اللطيف بأوليائه [ الخبير بهم ، وقال الأزهري : معنى ( اللطيف ) ] الرفيق بعباده ، وقيل : اللطيف الموصل الشيء باللين والرفق ، وقيل : اللطيف الذي ينسي العباد ذنوبهم لئلا يخجلوا ، وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء .
«لا تدركه الأبصار» أي لا تراه وهذا مخصوص لرؤية المؤمنين له في الآخرة لقوله تعالى: «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة» وحديث الشيخين «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» وقيل المراد لا تحيط به «وهو يدرك الأبصار» أي يراها ولا تراه ولا يجوز في غيره أن يدرك البصر وهو لا يدركه أويحيط به علمًا «وهو اللطيف» بأوليائه «الخبير» بهم.
لا ترى اللهَ الأبصارُ في الدنيا، أما في الدار الآخرة فإن المؤمنين يرون ربهم بغير إحاطة، وهو سبحانه يدرك الأبصار ويحيط بها، ويعلمها على ما هي عليه، وهو اللطيف بأوليائه الذي يعلم دقائق الأشياء، الخبير الذي يعلم بواطنها.
وقوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } جملة مستأنفة إما مؤكدة لقوله { وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } ذكرت للتخويف بأنه رقيب من حيث لا يرى فيجب أن يخاف ويحذر ، وأما مؤكدة أعظم تأكيد لما تقرر قبل من تنزهه وتعاليمه عما وصفه به المشركون ، ببيان أنه لا تراه الأبصار المعبودة وهى أبصار أهل الدنيا لجلاله وكبريائه وعظمته .
فكيف يكون له ولد؟والإدراك : اللحاق والوصل إلى الشىء والإحاطة به .
والأبصار جمع بصر يطلق - كما قال الراغب - على الجارحة الناظرة وعلى القوة التى فيها .والمعنى : لا تحيط بعظمته وجلاله على ما هو عليه - سبحانه - أبصار الخلائق ، أو لا تدركه الأبصار إدراك إحاطة بكنهه وحقيقته فإن ذلك محال والإدراك بهذا المعنى أخص من الرؤية التى هى مجرد المعاينة ، فنفيه لا يقتضى نفى الرؤية ، لأن نفى الأخص لا يقتضى نفى الأعم فأنت ترى الشمس والقمر ولكنك لا تدرك كنههما وحقيقتهما .هذا : وهناك خلاف مشهور بين أهل السنة والمعتزلة فى مسألة رؤية الله - تعالى - فى الآخرة .أما أهل السنة فيجيزن ذلك ويستشهدون بالكتاب والسنة ، فمن الكتاب قوله - تعالى - { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } ومن السنة ما رواه الشيخان عن جرير بن عبد الله البجلى قال : كنا جلوساً عند النبى صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر وقال : " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، لا تضامون فى رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ) " .قال الإمام ابن كثير : تواترت الأخبار عن النبى صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين يرون الله فى الدار الآخرة فى العرصات وفى روضات الجنات " .أما المعتزلة فيمنعون رؤية المؤمنين لله - تعالى - فى الآخرة ، واستدلوا فيما استدلوا بهذه الآية ، وقالوا : إن الإدراك المضاف إلى الأبصار إنما هو الرؤية ولا فرق بين ما أدركته ببصرى ورأيته إلا فى اللفظ .والذى نراه أن رأى أهل السنة أقوة لأن ظواهر النصوص تؤيدهم ولا مجال هنا لبسط حجج كل فريق ، فقد تكفلت بذلك كتب علم الكلام .وقوله { وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار } أى : وهو يدرك القوة التى تدرك بها المبصرات .
ويحيط بها علما ، إذ هو خالق القوى والحواس .وقوله { وَهُوَ اللطيف الخبير } أى : هو الذى يعامل عباده باللطف والرأفة وهو العليم بدقائق الأمور وجلياتها .
في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى تجوز رؤيته والمؤمنين يرونه يوم القيامة من وجوه: الأول: في تقرير هذا المطلوب أن نقول: هذه الآية تدل على أنه تعالى تجوز رؤيته.
وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة.
أما المقام الأول: فتقريره: أنه تعالى تمدح بقوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ وذلك مما يساعد الخصم عليه، وعليه بنوا استدلالهم في إثبات مذهبهم في نفي الرؤية.
وإذا ثبت هذا فنقول: لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته.
والعلوم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها، فثبت أن قوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ يفيد المدح، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية، وهذا يدل على أن قوله تعالى: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ يفيد كونه تعالى جائز الرؤية، وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته، فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء.
أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية، ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة.
فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته.
وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة، والدليل عليه أن القائل قائلان: قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته.
فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلاً.
فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك، وجب القطع بأن المؤمنين يرونه، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية وهذا استدلال لطيف من هذه الآية.
الوجه الثاني: أن نقول المراد بالأبصار في قوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ ليس هو نفس الإبصار فإن البصر لا يدرك شيئاً ألبتة في موضع من المواضع.
بل المدرك هو المبصر فوجب القطع بأن المراد من قوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ هو أنه لا يدركه المبصرون وإذا كان كذلك كان قوله: ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار ﴾ المراد منه وهو يدرك المبصرين، ومعتزلة البصرة يوافقوننا على أنه تعالى يبصر الأشياء فكان هو تعالى من جملة المبصرين فقوله: ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار ﴾ يقتضي كونه تعالى مبصراً لنفسه، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى جائز الرؤية في ذاته، وكان تعالى يرى نفسه.
وكل من قال إنه تعالى جائز الرؤية في نفسه، قال: إن المؤمنين يرونه يوم القيامة فصارت هذه الآية دالة على أنه جائز الرؤية وعلى أن المؤمنين يرونه يوم القيامة، وإن أردنا أن نزيد هذا الاستدلال اختصاراً قلنا: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار ﴾ المراد منه إما نفس البصر أو المبصر، وعلى التقديرين: فيلزم كونه تعالى مبصراً لأبصار نفسه، وكونه مبصراً لذات نفسه.
وإذا ثبت هذا وجب أن يراه المؤمنون يوم القيامة ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
الوجه الثالث: في الاستدلال بالآية أن لفظ ﴿ الأبصار ﴾ صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق فقوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ يفيد أنه لا يراه جميع الأبصار، فهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب.
إذا عرفت هذا فنقول: تخصيص هذا السلب بالمجموع يدل على ثبوت الحكم في بعض أفراد المجموع، ألا ترى أن الرجل إذا قال إن زيداً ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضربه بعضهم.
فإذا قيل: إن محمداً صلى الله عليه وسلم ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس، وكذا قوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ معناه: أنه لا تدركه جميع الأبصار، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض الأبصار.
أقصى ما في الباب أن يقال: هذا تمسك بدليل الخطاب.
فنقول: هب أنه كذلك إلا أنه دليل صحيح لأن بتقدير أن لا يحصل الإدراك لأحد ألبتة كان تخصيص هذا السلب بالمجموع من حيث هو مجموع عبثاً، وصون كلام الله تعالى عن العبث واجب.
الوجه الرابع: في التمسك بهذه الآية ما نقل أن ضرار بن عمرو الكوفي كان يقول: إن الله تعالى لا يرى بالعين، وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة، واحتج عليه بهذه الآية فقال: دلت هذه الآية على تخصيص نفي إدراك الله تعالى بالبصر، وتخصيص الحكم بالشيء يدل على أن الحال في غيره بخلافه، فوجب أن يكون إدراك الله بغير البصر جائزاً في الجملة، ولما ثبت أن سائر الحواس الموجودة الآن لا تصلح لذلك ثبت أن يقال: إنه تعالى يخلق يوم القيامة حاسة سادسة بها تحصل رؤية الله تعالى وإدراكه، فهذه وجوه أربعة مستنبطة من هذه الآية يمكن العويل عليها في إثبات أن المؤمنين يرون الله في القيامة.
المسألة الثانية: في حكاية استدلال المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية.
اعلم أنهم يحتجون بهذه الآية من وجهين: الأول: أنهم قالوا: الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية، بدليل أن قائلاً لو قال أدركته ببصري وما رأيته، أو قال رأيته وما أدركته ببصري فإنه يكون كلامه متناقضاً، فثبت أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية.
إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال، والدليل على صحة هذا العموم وجهان: الأول: يصح استثناء جميع الأشخاص وجميع الأحوال عنه فيقال: لا تدركه الأبصار إلا بصر فلان، وإلا في الحالة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله.
فثبت أن عموم هذه الآية يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص في جميع الأحوال.
وذلك يدل على أن أحداً لا يرى الله تعالى في شيء من الأحوال.
الوجه الثاني: في بيان أن هذه الآية تفيد العموم أن عائشة رضي الله عنها لما أنكرت قول ابن عباس في أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج تمسكت في نصرة مذهب نفسها بهذه الآية، ولو لم تكن هذه الآية مفيدة للعموم بالنسبة إلى كل الأشخاص وكل الأحوال لما تم ذلك الاستدلال، ولا شك أنها كانت من أشد الناس علماً بلغة العرب.
فثبت أن هذه الآية دالة على النفي بالنسبة إلى كل الأشخاص وذلك يفيد المطلوب.
الوجه الثاني: في تقرير استدلال المعتزلة بهذه الآية أنهم قالوا: إن ما قبل هذه الآية إلى هذا الموضع مشتمل على المدح والثناء، وقوله بعد ذلك: ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار ﴾ أيضاً مدح وثناء فوجب أن يكون قوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ مدحاً وثناء، وإلا لزم أن يقال: إن ما ليس بمدح وثناء وقع في خلال ما هو مدح وثناء، وذلك يوجب الركاكة وهي غير لائقة بكلام الله.
إذا ثبت هذا فنقول: كل ما كان عدمه مدحاً ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصاً في حق الله تعالى، والنقص على الله تعالى محال، لقوله: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ وقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء ﴾ وقوله: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ إلى غير ذلك.
فوجب أن يقال كونه تعالى مرئياً محال.
واعلم أن القوم إنما قيدوا ذلك بما لا يكون من باب الفعل لأنه تعالى تمدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله: ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ مع أنه تعالى قادر على الظلم عندهم، فذكروا هذا القيد دفعاً لهذا النقض عن كلامهم.
فهذا غاية تقرير كلامهم في هذا الباب.
والجواب عن الوجه الأول من وجوه: الأول: لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية والدليل عليه: أن لفظ الإدراك في أصل اللغة عبارة عن اللحوق والوصول قال تعالى: ﴿ قَالَ أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ أي لملحقون وقال: ﴿ حتى إِذَا أَدْرَكَهُ الغرق ﴾ أي لحقه، ويقال: أدرك فلان فلاناً، وأدرك الغلام أي بلغ الحلم، وأدركت الثمرة أي نضجت.
فثبت أن الإدراك هو الوصول إلى الشيء.
إذا عرفت هذا فنقول: المرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته.
صار كأن ذلك الإبصار أحاط به فتسمى هذه الرؤية إدراكاً، أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسم تلك الرؤية إدراكاً.
فالحاصل أن الرؤية جنس تحتها نوعان: رؤية مع الإحاطة.
ورؤية لا مع الإحاطة.
والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك فنفي الإدراك يفيد نفي نوع واحد من نوعي الرؤية، ونفي النوع لا يوجب نفي الجنس.
فلم يلزم من نفي الإدراك عن الله تعالى نفي الرؤية عن الله تعالى، فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على كلام الخصم.
فإن قالوا لما بينتم أن الإدراك أمر مغاير للرؤية فقد أفسدتم على أنفسكم الوجوه الأربعة التي تمسكتم بها في هذه الآية في إثبات الرؤية على الله تعالى.
قلنا: هذا بعيد لأن الإدراك أخص من الرؤية وإثبات الأخص يوجب إثبات الأعم.
وأما نفي الأخص لا يوجب نفي الأعم.
فثبت أن البيان الذي ذكرناه يبطل كلامكم ولا يبطل كلامنا.
الوجه الثاني: في الاعتراض أن نقول: هب أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية، لكن لم قلتم أن قوله لا تدركه الأبصار يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص وعن كل الأحوال وفي كل الأوقات؟
وأما الاستدلال بصحة الاستثناء على عموم النفي فمعارض بصحة الاستثناء عن جمع القلة مع أنها لا تفيد عموم النفي بل نسلم أنه يفيد العموم إلا أن نفي العموم غير، وعموم النفي غير، وقد دللنا على أن هذا اللفظ لا يفيد إلا نفي العموم، وبينا أن نفي العموم يوجب ثبوت الخصوص، وهذا هو الذي قررناه في وجه الاستدلال.
وأما قوله إن عائشة رضي الله عنها تمسكت بهذه الآية في نفي الرؤية فنقول: معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة، فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع فيه إلى التقليد، وبالجملة فالدليل العقلي دل على أن قوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ يفيد نفي العموم.
وثبت بصريح العقل أن نفي العموم مغاير لعموم النفي ومقصودهم إنما يتم لو دلت الآية على عموم النفي، فسقط كلامهم.
الوجه الثالث: أن نقول صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضاً، وإذا كان كذلك فقوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ يفيد أن الأبصار المعهودة في الدنيا لا تدركه، ونحن نقول بموجبه فإن هذه الأبصار وهذه الأحداق ما دامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك الله تعالى، وإنما تدرك الله تعالى إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها فلم قلتم أن عند حصول هذه التغيرات لا تدرك الله؟
الوجه الرابع: سلمنا أن الأبصار البتة لا تدرك الله تعالى فلم لا يجوز حصول إدراك الله تعالى بحاسة سادسة مغايرة لهذه الحواس كما كان ضرار بن عمرو يقول به؟
وعلى هذا التقدير فلا يبقى في التمسك بهذه الآية فائدة.
الوجه الخامس: هب أن هذه الآية عامة إلا أن الآيات الدالة على إثبات رؤية الله تعالى خاصة والخاص مقدم على العام، وحينئذ ينتقل الكلام من هذا المقام إلى بيان أن تلك الآيات هل تدل على حصول رؤية الله تعالى أم لا؟
الوجه السادس: أن نقول بموجب الآية فنقول: سلمنا أن الأبصار لا تدرك الله تعالى، فلم قلتم إن المبصرين لا يدركون الله تعالى؟
فهذا مجموع الأسئلة على الوجه الأول، وأما الوجه الثاني فقد بينا أنه يمتنع حصول التمدح بنفي الرؤية لو كان تعالى في ذاته بحيث تمتنع رؤيته، بل إنما يحصل التمدح لو كان بحيث تصح رؤيته، ثم إنه تعالى يحجب الأبصار عن رؤيته، وبهذا الطريق يسقط كلامهم بالكلية، ثم نقول: إن النفي يمتنع أن يكون سبباً لحصول المدح والثناء، وذلك لأن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجباً للمدح والثناء والعلم به ضروري، بل إذا كان النفي دليلاً على حصول صفة ثابتة من صفات المدح والثناء.
قيل: بأن ذلك النفي يوجب المدح.
ومثاله أن قوله: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ لا يفيد المدح نظراً إلى هذا النفي.
فإن الجماد لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري تعالى يدل على كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات أبداً من غير تبدل ولا زوال وكذلك قوله: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ يدل على كونه قائماً بنفسه غنياً في ذاته لأن الجماد أيضاً لا يأكل ولا يطعم.
إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الابصار ﴾ يمتنع أن يفيد المدح والثناء إلا إذا دل على معنى موجود يفيد المدح والثناء، وذلك هو الذي قلناه، فإنه يفيد كونه تعالى قادراً على حجب الأبصار ومنعها عن إدراكه ورؤيته.
وبهذا التقرير فإن الكلام ينقلب عليهم حجة فسقط استدلال المعتزلة بهذه الآية من كل الوجوه.
المسألة الثالثة: اعلم أن القاضي ذكر في تفسيره وجوهاً أخرى تدل على نفي الرؤية وهي في الحقيقة خارجة عن التمسك بهذه الآية ومنفصلة عن علم التفسير وخوض في علم الأصول، ولما فعل القاضي ذلك فنحن ننقلها ونجيب عنها ثم نذكر لأصحابنا وجوهاً دالة على صحة الرؤية.
أما القاضي فقد تمسك بوجوه عقلية أولها: أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان المرئي حاضراً وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة وهي أن لا يحصل القرب القريب ولا البعد البعيد ولا يحصل الحجاب ويكون المرئي مقابلاً أو في حكم المقابل فإنه يجب حصول الرؤية، إذ لو جاز مع حصول هذه الأمور أن لا تحصل الرؤية جاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبلات ولا نسمعها ولا نراها وذلك يوجب السفسطة.
قالوا إذا ثبت هذا فنقول: إن انتفاء القرب القريب والبعد البعيد والحجاب وحصول المقابلة في حق الله تعالى ممتنع، فلو صحت رؤيته لوجب أن يكون المقتضي لحصول تلك الرؤية هو سلامة الحاسة وكون المرئي تصح رؤيته.
وهذان المعنيان حاصلان في هذا الوقت.
فلو كان بحيث تصح رؤيته لوجب أن تحصل رؤيته في هذا الوقت.
وحيث لم تحصل هذه الرؤية علمنا أنه ممتنع الرؤية.
والحجة الثانية: أن كل ما كان مرئياً كان مقابلاً أو في حكم المقابل والله تعالى ليس كذلك، فوجب أن تمتنع رؤيته.
والحجة الثالثة: قال القاضي: ويقال لهم كيف يراه أهل الجنة دون أهل النار؟
إما أن يقرب منهم أو يقابلهم فيكون حالهم معه بخلاف أهل النار وهذا يوجب أنه جسم يجوز عليه القرب والبعد والحجاب.
والحجة الرابعة: قال القاضي: إن قلتم إن أهل الجنة يرونه في كل حال حتى عند الجماع وغيره فهو باطل، أو يرونه في حال دون حال وهذا أيضاً باطل، لأن ذلك يوجب أنه تعالى مرة يقرب وأخرى يبعد.
وأيضاً فرؤيته أعظم اللذات، وإذا كان كذلك وجب أن يكونوا مشتهين لتلك الرؤية أبداً.
فإذا لم يروه في بعض الأوقات وقعوا في الغم والحزن وذلك لا يليق بصفات أهل الجنة.
فهذا مجموع ما ذكره في كتاب التفسير.
واعلم أن هذه الوجوه في غاية الضعف.
أما الوجه الأول: فيقال له هب أن رؤية الأجسام والأعراض عند حصول سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول سائر الشرائط واجبة، فلم قلتم إنه يلزم منه أن يكون رؤية الله تعالى عند سلامة الحاسة وعند كون المرئي بحيث يصح رؤيته واجبة؟
ألم تعلموا أن ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات، ولا يلزم من ثبوت حكم في شيء ثبوت مثل ذلك الحكم فيما يخالفه، والعجب من هؤلاء المعتزلة أن أولهم وآخرهم عولوا على هذا الدليل وهم يدعون الفطنة التامة والكياسة الشديدة ولم يتنبه أحد منهم لهذا السؤال ولم يخطر بباله ركاكة هذا الكلام.
وأما الوجه الثاني: فيقال له إن النزاع بيننا وبينك وقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا؟
فإما أن تدعوا أن العلم بامتناع رؤية هذا الموجود الموصوف بهذه الصفة علم بديهي أو تقولوا أنه علم استدلالي، والأول باطل لأنه لو كان العلم به بديهياً لما وقع الخلاف فيه بين العقلاء.
وأيضاً فبتقدير أن يكون هذا العلم بديهياً كان الاشتغال بذكر الدليل عبثاً فاتركوا الاستدلال واكتفوا بادعاء البديهة.
وإن كان الثاني فنقول: قولكم المرئي يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل إعادة لعين الدعوى، لأن حاصل الكلام أنكم قلتم: الدليل على أن ما لا يكون مقابلاً ولا في حكم المقابل لا تجوز رؤيته، أن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل، ومعلوم أنه لا فائدة في هذا الكلام إلا إعادة الدعوى.
وأما الوجه الثالث: فيقال له لم لا يجوز أن يقال إن أهل الجنة يرونه وأهل النار لا يرونه؟
لا لأجل القرب والبعد كما ذكرت، بل لأنه تعالى يخلق الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها في عيون أهل النار فلو رجعت في إبطال هذا الكلام إلى أن تجويزه يفضي إلى تجويز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبلات ولا نراها ولا نسمعها، كان هذا رجوعاً إلى الطريقة الأولى، وقد سبق جوابها.
وأما الوجه الرابع: فيقال لم لا يجوز أن يقال: إن المؤمنين يرون الله تعالى في حال دون حال.
أما قوله فهذا يقتضي أن يقال: إنه تعالى مرة يقرب ومرة يبعد، فيقال هذا عود إلى أن الإبصار لا يحصل إلا عند الشرائط المذكورة، وهو عود إلى الطريق الأول، وقد سبق جوابه، وقوله ثانياً: الرؤية أعظم اللذات، فيقال له إنها وإن كانت كذلك إلا أنه لا يبعد أن يقال إنهم يشتهونها في حال دون حال، بدليل أن سائر لذات الجنة ومنافعها طيبة ولذيذة ثم إنها تحصل في حال دون حال فكذا هاهنا.
فهذا تمام الكلام في الجواب عن الوجوه التي ذكرها في هذا الباب.
المسألة الرابعة: في تقرير الوجوه الدالة على أن المؤمنين يرون الله تعالى ونحن نعدها هنا عدا، ونحيل تقريرها إلى المواضع اللائقة بها.
فالأول: أن موسى عليه السلام طلب الرؤية من الله تعالى، وذلك يدل على جواز رؤية الله تعالى.
والثاني: أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل حيث قال: ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى ﴾ واستقرار الجبل جائز والمعلق على الجائز جائز، وهذان الدليلان سيأتي تقريرهما إن شاء الله تعالى في سورة الأعراف.
الحجة الثالثة: التمسك بقوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ من الوجوه المذكورة.
الحجة الرابعة: التمسك بقوله تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى ﴾ وزيادة وتقريره قد ذكرناه في سورة يونس.
الحجة الخامسة: التمسك بقوله تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ ﴾ وكذا القول في جميع الآيات المشتملة على اللقاء وتقريره قد مر في هذا التفسير مراراً وأطواراً.
الحجة السادسة: التمسك بقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ﴾ فإن إحدى القراآت في هذه الآية: ﴿ ملكاً ﴾ بفتح الميم وكسر اللام، وأجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله تعالى.
وعندي التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها.
الحجة السابعة: التمسك بقوله تعالى: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ وتخصيص الكفار بالحجب يدل على أن المؤمنين لا يكونون محجوبين عن رؤية الله عز وجل.
الحجة الثامنة: التمسك بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ ﴾ وتقرير هذه الحجة سيأتي في تفسير سورة النجم.
الحجة التاسعة: أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله تعالى على أكمل الوجوه، وأكمل طرق المعرفة هو الرؤية.
فوجب أن تكون رؤية الله تعالى مطلوبة لكل أحد، وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها لقوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ ﴾ .
الحجة العاشرة: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ جنات الفردوس نُزُلاً ﴾ دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل جميع جنات الفردوس نزلاً للمؤمنين، والاقتصار فيها على النزل لا يجوز، بل لابد وأن يحصل عقيب النزل تشريف أعظم حالاً من ذلك النزل، وما ذاك إلا الرؤية.
الحجة الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ وتقرير كل واحد من هذه الوجوه سيأتي في الموضع اللائق به من هذا الكتاب.
وأما الأخبار فكثيرة منها الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام: «سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته».
واعلم أن التشبيه وقع في تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا في تشبيه المرئي بالمرئي، ومنها ما اتفق الجمهور عليه من أنه صلى الله عليه وسلم قرأ قوله تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ فقال الحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، ومنها أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل رأى الله ليلة المعراج، ولم يكفر بعضهم بعضاً بهذا السبب؟
وما نسبه إلى البدعة والضلالة، وهذا يدل على أنهم كانوا مجمعين على أنه لا امتناع عقلاً في رؤية الله تعالى، فهذا جملة الكلام في سمعيات مسألة الرؤية.
المسألة الخامسة: دل قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار ﴾ على أنه تعالى يرى الأشياء ويبصرها ويدركها.
وذلك لأنه إما أن يكون المراد من الأبصار عين الأبصار.
أو المراد منه المبصرين، فإن كان الأول وجب الحكم بكونه تعالى رائياً لرؤية الرائين ولأبصار المبصرين، وكل من قال ذلك قال إنه تعالى يرى جميع المرئيات والمبصرات.
وإن كان الثاني وجب الحكم بكونه تعالى رائياً للمبصرين، فعلى كلا التقديرين تدل هذه الآية على كونه تعالى مبصراً للمبصرات رائياً للمرئيات.
المسألة السادسة: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار ﴾ يفيد الحصر معناه أنه تعالى هو يدرك الأبصار ولا يدركها غير الله تعالى، والمعنى أن الأمر الذي به يصير الحي رائياً للمرئيات ومبصراً للمبصرات ومدركاً للمدركات، أمر عجيب وماهية شريفة، لا يحيط العقل بكنهها.
ومع ذلك فإن الله تعالى مدرك لحقيقتها مطلع على ماهيتها، فيكون المعنى من قوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ هو أن شيئاً من القوى المدركة لا تحيط بحقيقته، وأن عقلاً من العقول لا يقف على كنه صمديته، فكلت الأبصار عن إدراكه، وارتدعت العقول عن الوصول إلى ميادين عزته، وكما أن شيئاً لا يحيط به، فعلمه محيط بالكل، وإدراكه متناول للكل، فهذا كيفية نظم هذه الآية.
المسألة السابعة: قوله: ﴿ وَهُوَ اللطيف الخبير ﴾ اللطافة ضد الكثافة، والمراد منه الرقة، وذلك في حق الله ممتنع، فوجب المصير فيه إلى التأويل، وهو من وجوه: الوجه الأول: المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة، والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها أحد إلا الله تعالى.
الوجه الثاني: أنه سبحانه لطيف في الإنعام والرأفة والرحمة.
والوجه الثالث: أنه لطيف بعباده، حيث يثني عليهم عند الطاعة، ويأمرهم بالتوبة عند المعصية، ولا يقطع عنهم سواد رحمته سواء كانوا مطيعين أو كانوا عصاة.
الوجه الرابع: أنه لطيف بهم حيث لا يأمرهم فوق طاقتهم، وينعم عليهم بما هو فوق استحقاقهم.
وأما الخبير: فهو من الخبر وهو العلم، والمعنى أنه لطيف بعباده مع كونه عالماً بما هم عليه من ارتكاب المعاصي والإقدام على القبائح، وقال صاحب الكشاف ﴿ اللطيف ﴾ معناه: أنه يلطف عن أن تدركه الأبصار ﴿ الخبير ﴾ بكل لطيف، فهو يدرك الأبصار، ولا يلطف شيء عن إدراكه، وهذا وجه حسن.
<div class="verse-tafsir"
البصر: هو الجهر اللطيف الذي ركبه الله في حاسة النظر، به تدرك المبصرات، فالمعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه؛ لأنه متعال أن يكون مبصراً في ذاته، لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلاً أو تابعاً، كالأجسام والهيآت ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الابصار ﴾ وهو للطف إدراكه للمدركات يدرك تلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك ﴿ وَهُوَ اللطيف ﴾ يلطف عن أن تدركه الأبصار ﴿ الخبير ﴾ بكل لطيف فهو يدرك الأبصار، لا تلطف عن إدراكه وهذا من باب اللطف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكُمُ ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِ بِما سَبَقَ مِنَ الصِّفاتِ وهو مُبْتَدَأٌ.
﴿ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَعْضُ بَدَلًا أوْ صِفَةً والبَعْضُ خَبَرًا.
﴿ فاعْبُدُوهُ ﴾ حُكْمُ مُسَبِّبٍ عَنْ مَضْمُونِها فَإنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ اسْتَحَقَّ العِبادَةَ.
﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ أيْ وهو مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ مُتَوَلِّي أُمُورِكم فَكُلُوها إلَيْهِ وتَوَسَّلُوا بِعِبادَتِهِ إلى إنْجاحِ مَآرِبِكم ورَقِيبٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها.
﴿ لا تُدْرِكُهُ ﴾ أيْ لا تُحِيطُ بِهِ.
﴿ الأبْصارُ ﴾ جَمْعُ بَصَرٍ وهي حاسَّةُ النَّظَرِ وقَدْ يُقالُ لِلْعَيْنِ مِن حَيْثُ إنَّها مَحَلُّها واسْتَدَلَّ بِهِ المُعْتَزِلَةُ عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ وهو ضَعِيفٌ، إذْ لَيْسَ الإدْراكُ مُطْلَقَ الرُّؤْيَةِ ولا النَّفْيُ في الآيَةِ عامًّا في الأوْقاتِ فَلَعَلَّهُ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الحالاتِ ولا في الأشْخاصِ، فَإنَّهُ في قُوَّةِ قَوْلِنا لا كُلَّ بَصَرٍ يُدْرِكُهُ مَعَ أنَّ النَّفْيَ لا يُوجِبُ الِامْتِناعَ.
﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ ﴾ يُحِيطُ عِلْمُهُ بِها.
﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ فَيُدْرِكُ ما لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ كالأبْصارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ اللَّفِّ أيْ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ لِأنَّهُ اللَّطِيفُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ لِأنَّهُ الخَبِيرُ، فَيَكُونُ اللَّطِيفُ مُسْتَعارًا مِن مُقابِلِ الكَثِيفِ لِما لا يُدْرَكُ بِالحاسَّةِ ولا يَنْطَبِعُ فِيها.
<div class="verse-tafsir"
{لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار} لا تحيط به أو أبصار من سبق ذكرهم وتشبث المعتزلة بهذه الآية لا يستنب لأن المنفي هو الإدراك لا الرؤية والإدراك هو الوقوف على جوانب المرئي وحدوده وما يستحيل عليه الحدود والجهات يستحيل إدراكه لا رؤيته فنزل الإدراك من الرؤية منزلة الإحاطة من العلم ونفى الإحاطة التي تقتضي الوقوف على الجوانب والحدود لا يقتضى نفى
الأنعام (١٠٣ _ ١٠٧)
العلم به فهكذا هذا على أن مورد الآية وهو التمدح يوجب ثبوت الرؤية إذ نفي إدراك ما تستحيل رؤيته لا تمدح فيه لأن كل مالايرى لا يدرك وإنما التمدح بنفي الإدراك مع تحقيق الرؤية إذ انتفاؤه مع تحقق الرؤية دليل ارتفاع نقيصة التناهي والحدود عن الذات فكانت الآية حجة لنا علهيم ولو أنعموا النظر فيها لاغتنموا التقصي عن عهدتها ومن ينفي الرؤية يلزمه نفي أنه معلوم موجود والافكما يعلم موجودا بلاكيفية وجهة بخلاف كل موجود لم يجز أن يرى بلا كيفية وجهة بخلاف كل مرئي وهذا لأن الرؤية تحقق الشئ بالبصر كما هو فإن كان المرئي في الجهة يرى فيها وان كان إلا فى الجهة يرى لافيها {وَهُوَ} للطف إدراكه {يُدْرِكُ الأبصار وَهُوَ اللطيف} أي العالم بدقائق الأمور ومشكلاتها {الخبير} العليم بظواهر الأشياء وخفياتها وهو من قبيل اللف والنشر
﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ جَمْعُ بَصَرٍ يُطْلَقُ -كَما قالَ الرّاغِبُ - عَلى الجارِحَةِ النّاظِرَةِ وعَلى القُوَّةِ الَّتِي فِيها وعَلى البَصِيرَةِ.
وهي قُوَّةُ القَلْبِ المُدْرِكَةُ، وإدْراكُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلى غايَتِهِ والإحاطَةِ بِهِ، وأكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ عَلى حَمْلِ البَصَرِ هُنا عَلى الجارِحَةِ مِن حَيْثُ أنَّها مَحَلُّ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى ذَلِكَ وإلى الأوْهامِ والأفْهامِ كَما قالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: التَّوْحِيدُ لا تَتَوَهَّمُهُ، وقالَ أيْضًا: كُلُّ ما أدْرَكْتَهُ فَهو غَيْرُهُ ونَقَلَ الرّاغِبُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى البَصِيرَةِ وذَكَرَ أنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في قَوْلِهِ: يا مَن غايَةُ مَعْرِفَتِهِ القُصُورُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ إذا كانَ مَعْرِفَتُهُ تَعالى أنْ تَعْرِفَ الأشْياءَ فَتَعَلَّمْ أنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلٍ لِشَيْءٍ مِنها بَلْ هو مُوجِدُ كُلِّ ما أدْرَكْتَهُ، واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرى وتَقْرِيرُ ذَلِكَ عَلى ما في المَواقِفِ وشَرْحِها أنَّ الِادِّراكَ المُضافَ إلى الإبْصارِ إنَّما هو الرُّؤْيَةُ ولا فَرْقَ بَيْنَ أدْرَكْتُهُ بِبَصَرِي ورَأيْتُهُ إلّا في اللَّفْظِ أوْ هُما مُتَلازِمانِ لا يَصِحُّ نَفْيُ أحَدِهِما مَعَ إثْباتِ الآخَرِ فَلا يَجُوزُ رَأيْتُهُ وما أدْرَكْتُهُ بِبَصَرِي ولا عَكْسُهُ، فالآيَةُ نَفَتْ أنْ تَراهُ الأبْصارُ وذَلِكَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأبْصارِ بِواسِطَةِ اللّامِ الجِنْسِيَّةِ في مَقامِ المُبالَغَةِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ لِأنَّ قَوْلَكَ فُلانٌ تُدْرِكُهُ الأبْصارُ لا يُفِيدُ عُمُومَ الأوْقاتِ فَلا بُدَّ أنْ يُفِيدَهُ ما يُقابِلُهُ فَلا يَراهُ شَيْءٌ مِنَ الأبْصارِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ لِما ذُكِرَ ولِأنَّهُ تَعالى تُمُدِّحَ بِكَوْنِهِ لا يُرى حَيْثُ ذَكَرَهُ في أثْناءِ المَدائِحِ، وما كانَ مِنَ الصِّفاتِ عَدَمُهُ مَدْحًا كانَ وجُودُهُ نَقْصًا يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ فَظَهَرَ أنَّهُ يَمْتَنِعُ رُؤْيَتُهُ سُبْحانَهُ، وإنَّما قِيلَ: مِنَ الصِّفاتِ احْتِرازٌ عَنِ الأفْعالِ كالعَفْوِ والِانْتِقامِ فَإنَّ الأوَّلَ تَفَضُّلٌ والثّانِي عَدْلٌ وكِلاهُما كَمالٌ، انْتَهى.
وحاصِلُهُ أنَّ المُرادَ بِالِادِّراكِ الرُّؤْيَةُ المُطْلَقَةُ لا الرُّؤْيَةُ عَلى وجْهِ الإحاطَةِ وأنْ تُدْرِكَهُ الأبْصارُ سالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ دائِمَةٌ وهَذا أقْوى أدِلَّتِهِمُ النَّقْلِيَّةِ في هَذا المَطْلَبِ كَما ذَكَرَهُ شَيْخُ مَشايِخِنا الكُورانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ الأوَّلُ: أنَّ الِادِّراكَ لَيْسَ هو الرُّؤْيَةَ المُطْلَقَةَ وإنِ اخْتارَهُ عَلى ما نَقَلَهُ الآمِدِيُّ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ وإنَّما هو الرُّؤْيَةُ عَلى نَعْتِ الإحاطَةِ بِجَوانِبِ المَرْئِيِّ كَما فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِها في أحَدِ تَفْسِيرَيْهِ، فَفي الدُّرِّ المَنثُورِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ لا يُحِيطُ بَصَرُ أحَدٍ بِاللَّهِ تَعالى، انْتَهى.
وإلَيْهِ ذَهَبَ الكَثِيرُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ وغَيْرِهِمْ.
والرُّؤْيَةُ المُكَيَّفَةُ بِكَيْفِيَّةِ الإحاطَةِ أخَصُّ مُطْلَقًا مِنَ الرُّؤْيَةِ المُطْلَقَةِ ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الأخَصِّ نَفْيُ الأعَمِّ؛ فَظَهَرَ صِحَّةُ أنْ يُقالَ رَأيْتُهُ وما أدْرَكَهُ بَصَرِي أيْ ما أحاطَ بِهِ مِن جَوانِبِهِ وإنْ لَمْ يَصِحَّ عَكْسُهُ.
الثّانِي: أنْ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ كَما يُحْتَمَلُ أنْ يُلاحَظَ فِيهِ أوَّلًا دُخُولُ النَّفْيِ ثُمَّ وُرُودُ اللّامِ فَتَكُونُ سالِبَةً كُلِّيَّةً عَلى طَرْزِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ ﴾ فَيَكُونُ لِعُمُومِ السَّلْبِ، كَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ العُمُومَ أوَّلًا ثُمَّ وُرُودُ النَّفْيِ عَلَيْهِ فَتَكُونُ سالِبَةً جُزْئِيَّةً نَحْوَ: ما قامَ العَبِيدُ كُلُّهم ولَمْ آخُذِ الدّارَهِمَ كُلَّها؛ فَتَكُونُ لسَلْبِ العُمُومِ وكُلَّما احْتُمِلَ سَلْبُ العُمُومِ لَمْ يَكُنْ نَصًّا في عُمُومِ السَّلْبِ وإنْ كانَ عُمُومُ السَّلْبِ في مِثْلِ هَذا هو الأكْثَرُ، وكُلَّما كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا وهو ظاهِرٌ، هَذا إذا كانَ (ألْ) في (الأبْصارِ) لِلِاسْتِغْراقِ فَإنْ كانَ لِلْجِنْسِ كانَ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ سالِبَةً مُهْمَلَةً وهي في قُوَّةِ الجُزْئِيَّةِ فَيَكُونُ المَعْنى لا تُدْرِكُهُ بَعْضُ الأبْصارِ وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: أنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ الادِّراكَ هو الرُّؤْيَةُ المُطْلَقَةُ وأنَّ (ألْ) لِلِاسْتِغْراقِ وأنَّ الكَلامَ لِعُمُومِ السَّلْبِ؛ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ عُمُومَهُ في الأحْوالِ والأوْقاتِ أيْ لا نُسَلِّمُ أنَّها دائِمَةٌ لِجَوازَ أنْ يَكُونَ المُرادِ نَفِيَ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا كَما يُرْوى تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ ﴾ فَقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: يا مُوسى إنَّهُ لا يَرانِي حَيٌّ إلّا ماتَ ولا يابِسٌ إلّا تَدَهْدَهَ ولا رَطْبٌ إلّا تَفَرَّقَ وإنَّما يَرانِي أهْلُ الجَنَّةِ الَّذِينَ لا تَمُوتُ أعْيُنُهم ولا تَبْلى أجْسادُهم» قَوْلُهم بَلْ هي دائِمَةٌ لِأنَّ قَوْلَكَ: فَلانٌ تُدْرِكُهُ الأبْصارُ؛ لا يُفِيدُ عُمُومَ الأوْقاتِ فَلا بُدَّ أنَّ يُفِيدَهُ ما يُقابِلُهُ، قُلْنا هَذا لا يَتِمُّ إلّا إذا وجَبَ أنْ يَكُونَ التَّقابُلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تُدْرِكُهُ الأبْصارُ و ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ تَقابُلُ تَناقُضٍ ولا مُوجِبَ لِذَلِكَ لا عَقْلِيًّا ولا لُغَوِيًّا ولا شَرْعِيًّا: أمّا الأوَّلُ فَلِأنّا إذا وجَدْنا قَضِيَّةً مُوجِبَةً مُطْلَقَةً جازَ أنْ يُقابِلَها سالِبَةٌ دائِمَةٌ مُطْلَقَةٌ وأنْ يُقابِلَها سالِبَةٌ دائِمَةٌ ولا تَتَعَيَّنُ الدّائِمَةُ الصّادِقَةُ إلّا إذا كانَتِ المُطْلَقَةُ كاذِبَةً قَطْعًا لَكِنَّ كَذِبَ المُطْلَقَةِ هَهُنا أوَّلُ البَحْثِ وعَيْنُ المُتَنازَعِ فِيهِ؛ فَلا يَجُوزُ أنَّ يُبْنى كَوْنُ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ دائِمَةً عَلى كَذِبِ هَذِهِ المُطْلَقَةِ أعْنِي اللَّهَ تَعالى يُدْرِكُهُ الأبْصارُ مُرادًا بِها أبْصارُ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ والمَوْقِفِ لِأنَّهُ مُصادَرَةٌ عَلى المَطْلُوبِ المُسْتَلْزِمِ لِلدَّوْرِ.
وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ الجُمْلَةَ ثُبُوتِيَّةٌ كانَتْ أوْ مَنفِيَّةً تُسْتَعْمَلُ بِحَسْبِ المَقاماتِ تارَةً في الِإطْلاقِ وتارَةً في الدَّوامِ ولَيْسَ يَجِبُ في اللُّغَةِ أنا إذا وجَدْنا جُمْلَةً مُثْبَتَةً اسْتُعْمِلَتْ في مَقامٍ ما في مَعْنى الِإطْلاقِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المُقابِلَةُ لَها مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى الدَّوامِ البَتَّةَ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المَقاماتِ وقَصْدِ المُسْتَعْمِلِينَ لَها وهو ظاهِرٌ جِدًّا.
وأمّا الثّالِثُ: فَلِأنَّ المُطْلَقَةَ المَذْكُورَةَ بِالمَعْنى السّابِقِ عَيْنُ المُتَنازَعِ فِيهِ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ شَرَعًا؛ فَنَحْنُ نَقُولُ إنَّها صادِقَةٌ شَرْعًا ونَحْتَجُّ عَلَيْها بِالعَقْلِ والنَّقْلِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وكُلَّما كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ دائِمَةً دَفْعًا لِلتَّناقُضِ فَتَكُونُ إمّا مُطْلَقَةً عامَّةً أوْ وقْتِيَّةً مُطْلَقَةً، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا تَناقُضَ لِانْتِفاءِ اتِّحادِ الزَّمانِ فَيَصْدُقُ: اللَّهُ تَعالى تُدْرِكُهُ الأبْصارُ أيْ أبْصارُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ مَثَلًا أوْ وقْتَ تَجَلِّيهِ في نُورِهِ الَّذِي لا يَذْهَبُ بِالأبْصارِ، اللَّهُ تَعالى لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ أيْ في الدُّنْيا بِالقَيْدِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا أوْ وقْتَ تَجَلِّيهِ بِنُورِهِ الَّذِي يَذْهَبُ بِالأبْصارِ وهو النُّورُ الشَّعْشَعانِيُّ المُشارُ إلَيْهِ في الحَدِيثِ الوارِدِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: «لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ» وإلى هَذا التَّقْيِيدِ يُشِيرُ ثانِي تَفْسِيرَيِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمُ أوَّلُهُما فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ قالَ: «رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةَ: ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ فَقالَ: لا أُمَّ لَكَ ذاكَ نُورُهُ الَّذِي هو نُورُهُ إذا تَجَلّى بِنُورِهِ لا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ» الحَدِيثَ، وبِإثْباتِ هَذَيْنِ النُّورَيْنِ يُجْمَعُ بَيْنَ جَوابَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِي ذَرٍّ حَيْثُ سَألَهُ «هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟
فَقالَ في أحَدِ جَوابَيْهِ: ”نُور أنّي أراهُ“» وفي الجَوابِ الآخَرِ: «رَأيْتُ نُورًا» فَيُقالُ النُّورُ الَّذِي نَفى رُؤْيَتَهُ في الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ (أنّى) هو نُورُهُ أعْنِي النُّورَ الَّذِي يَذْهَبُ بِالأبْصارِ ولا يَقُومُ لَهُ بَصَرٌ، والنُّورُ الَّذِي أثْبَتَ رُؤْيَتَهُ هو النُّورُ الَّذِي لا يَذْهَبُ بِالأبْصارِ وكَذا يُمْكِنُ حَمْلُ «قَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الفِرْيَةَ،» واسْتِشْهادُها لِذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا بِأنْ يُقالَ: أرادَتْ مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ في نُورِهِ الَّذِي هو نُورُهُ الَّذِي يَذْهَبُ بِالأبْصارِ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الفِرْيَةَ؛ ويَكُونُ الِاسْتِشْهادُ بِالآيَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن ثانِي تَفْسِيرَيْهِ، وحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ لِلْمُعْتَزِلَةِ دَعْوى كَوْنِ (تُدْرِكُهُ الأبْصارُ) دائِمَةً إلّا إذا كانَتْ هَذِهِ المُطْلَقَةُ كاذِبَةً شَرْعًا وهو عَيْنُ المُتَنازَعِ فِيهِ كَما عَرَفْتَ فَلَمْ يَبْقَ لَهم عَلى دَعْوى الدَّوامِ دَلِيلٌ أصْلًا وقَدْ يُقالُ أيْضًا المُرادُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ وقْتَ عَدَمِ إذْنِ اللَّهِ تَعالى لِلْإبْصارِ بِالِادِّراكِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ إرادَةِ هَذا القَيْدِ هو أنْ إرادَةَ الإبْصارِ فِعْلٌ مِن أفْعالِ العَبِيدِ وكَسْبٌ مِن كَسْبِهِمْ وقَدْ ثَبَتَ بِغَيْرِ ما دَلِيلٍ أنَّ العِبادَ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ ما مِنَ المَقْدُوراتِ إلّا بِإذْنِهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ وتَمْكِينِهِ فَلا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ إلّا بِإذْنِهِ وهو المَطْلُوبُ ويُؤَيِّدُ هَذا البَيانَ ويُشَيِّدُ أرْكانَهُ أنَّ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ وقَعَ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ ووَجْهُ التَّأْيِيدِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٍ أيِّ مُتَوَلٍّ لِأُمُورِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأبْصارَ مِنَ الأشْياءِ وأنَّ ادِّراكَها مِن أُمُورِها فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى مُتَوَلِّيها ومُتَصَرِّفٌ فِيها عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ فَيَفِيضُ عَلَيْها الِادِّراكَ ويَأْذَنُ لَها إذا شاءَ كَيْفَ شاءَ وعَلى الحَدِّ الَّذِي شاءَ، ويَقْبِضُ عَنْها الِادِّراكَ قَبْضًا كُلِّيًّا أوْ جُزْئِيًّا في أيِّ وقْتٍ شاءَ كَيْفَ شاءَ، ولا يَخْفى عَلى هَذا أنَّهُ غايَةُ التَّمَدُّحِ بِالعِزَّةِ والقَهْرِ والغَلَبَةِ فَإنَّ مَن هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٍ إذا لَمْ تُدْرِكْهُ الأبْصارُ إلّا بِإذْنِهِ مَعَ كَوْنِهِ يُدْرِكُ الأبْصارَ ولا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ كانَ ذَلِكَ غايَةً في عِزَّتِهِ وقَهْرِهِ وكَوْنِهِ غالِبًا عَلى أمْرِهِ وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الآيَةَ لِمْ تُسَقْ لِلتَّمَدُّحِ وإنَّما سِيقَتْ لِلتَّخْوِيفِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ رَقِيبٌ مِن حَيْثُ لا يُرى فَلْيُحْذَرْ، وهو ظاهِرٌ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِلْوَكِيلِ.
الرّابِعُ مِنَ الوُجُوهِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ عَلى الوَجْهِ المُعْتادِ في رُؤْيَةِ المَحْسُوساتِ المَشْرُوطَةِ التِّسْعَةِ العادِيَّةِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ آخِرُ الآيَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ نَفْيَ الخاصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ العامِّ فَلا يَلْزَمُ عَلى هَذا مِنَ الآيَةِ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا.
الخامِسُ: ما قِيلَ: أنّا لَوْ سَلَّمْنا لِلْخَصْمِ ما أرادَ نَقُولُ إنَّ الآيَةَ إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّ الأبْصارَ لا تُدْرِكُهُ ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ ونَدَّعِي أنَّ ذَوِي الأبْصارِ يُدْرِكُونَهُ، والِاعْتِراضُ بِأنَّهُ كَما أنَّ الأبْصارَ لا تُدْرِكُهُ فَكَذَلِكَ لا يُدْرِكُهُ غَيْرُها فَلا فائِدَةَ لِلتَّخْصِيصِ مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ انْتِفاءُ الفائِدَةِ أنْ لَوِ انْحَصَرَتْ في نَفْيِ حُكْمِ المَنطُوقِ عَلى المَسْكُوتِ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَعَلَّهُ كانَ بِخُصُوصِ سُؤالِ سائِلٍ عَنْهُ دُونَ غَيْرِهِ أوْ لِمَعْنًى آخَرَ السّادِسُ: أنّا سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ لا يُدْرِكُهُ المُبْصِرُونَ بِأبْصارِهِمْ لَكِنَّهُ لا يُفِيدُ المَطْلُوبَ أيْضًا لِجَوازِ حُصُولِ إدْراكِ اللَّهِ تَعالى بِحاسَّةٍ سادِسَةٍ مُغايِرَةٍ لِهَذِهِ الحَواسِّ كَما يَدَّعِيهِ ضِرارُ بْنُ عَمْرٍو الكُوفِيُّ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرى بِالعَيْنِ وإنَّما بِحاسَّةٍ سادِسَةٍ يَخْلُقُها سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّها دَلَّتْ عَلى تَخْصِيصِ نَفْيِ إدْراكِ اللَّهِ تَعالى بِالبَصَرِ؛ وتَخْصِيصُ الحُكْمِ بِالشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحالَ في غَيْرِهِ بِخِلافِهِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إدْراكُ اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِ البَصَرِ جائِزًا في الجُمْلَةِ، ولِما ثَبَتَ أنَّ سائِرَ الحَواسِّ المَوْجُودَةِ الآنَ لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ يَوْمَ القِيامَةِ حاسَّةً سادِسَةً بِها تَحْصُلُ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى وإدْراكُهُ، اهـ ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى كُنْهِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعٌ بِناءً عَلى أنَّ الأبْصارَ جَمْعُ بَصَرٍ بِمَعْنى البَصِيرَةِ وقَرَّرَهُ كَما قَرَّرَ المُعْتَزِلَةُ اسْتِدْلالَهم عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ وفِيهِ ما فِيهِ.
نَعَمِ احْتِمالُ حَمْلِ البَصَرِ عَلى البَصِيرَةِ مِمّا يُوهِنُ اسْتِدْلالَ المُعْتَزِلَةِ كَما لا يَخْفى، ولَهم في هَذا المَطْلَبِ أدِلَّةٌ أُخْرى نَقْلِيَّةٌ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ عَلى بَعْضِها، وعَقْلِيَّةٌ قَدْ عَقَلَها القَوْمُ في مَعاطِنِ البُطْلانِ.
ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إلى تَسْرِيحِ بِعَمْلاتِ الأقْلامِ في رِياضِ تَحْقِيقِ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى المَلِكُ العَلّامُ فَمِنهُ التَّوْفِيقُ لِادِّراكِ أبْصارِ الأفْهامِ مَخْفِيّاتِ الأسْرارِ وفَلْقِ صَباحِ الحَقِّ بِسَواطِعِ الأنْوارِ ﴿ وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ ﴾ أيْ يَراها عَلى وجْهِ الإحاطَةِ أوْ يُحِيطُ بِها عِلْمًا أوْ عِلْمًا ورُؤْيَةً كَما قِيلَ، وذَكَرَ الآمِدِيُّ أنَّ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ ذَهَبُوا إلى أنَّ ادِّراكَ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ وأنَّ البَغْدادِيِّينَ مِنهم ذَهَبُوا إلى أنَّها بِمَعْنى العِلْمِ لا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ، والمُرادُ بِالأبْصارِ هُنا عَلى ما قَرَّرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ النُّورُ الَّذِي تُدْرَكُ بِهِ المُبْصَراتُ فَإنَّهُ لا يُدْرِكُهُ مُدْرِكٌ بِخِلافِ جِرْمِ العَيْنِ فَإنَّهُ يَرى.
ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّ كُلَّ عَيْنٍ لا تَرى نَفْسَها ﴿ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ 103 - فَيُدْرِكُ سُبْحانَهُ ما لا يُدْرِكُهُ الأبْصارُ فالجُمْلَةُ سِيقَتْ لِوَصْفِهِ تَعالى بِما يَتَضَمَّنُ تَعْلِيلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (وهُوَ) إلَخْ وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ مِن بابِ اللَّفِّ فَإنَّ اللَّطِيفَ يُناسِبُ كَوْنَهُ غَيْرَ مُدْرَكٍ بِالفَتْحِ، والخَبِيرُ يُناسِبُ كَوْنَهُ تَعالى مُدْرِكًا بِالكَسْرِ.
واللَّطِيفُ مُسْتَعارٌ مِن مُقابِلِ الكَثِيفِ لِما لا يُدْرِكُهُ بِالحاسَّةِ مِنَ الشَّيْءِ الخَفِيِّ ويُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ البَهائِيِّ -كَما قالَ الشِّهابُ- أنَّهُ لا اسْتِعارَةَ في ذَلِكَ حَيْثُ قالَ في شَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى الحُسْنى: اللَّطِيفُ الَّذِي يُعامِلُ عِبادَهُ بِاللُّطْفِ وألْطافُهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا تَتَناهى ظَواهِرُها وبَواطِنُها في الأُولى والأُخْرى ﴿ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ﴾ ، وقِيلَ: اللَّطِيفُ العَلِيمُ بِالغَوامِضِ والدَّقائِقِ مِنَ المَعانِي والحَقائِقِ؛ ولِذا يُقالُ لِلْحاذِقِ في صَنْعَتِهِ: لِطَيْفٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّطافَةِ المُقابِلَةِ لِلْكَثافَةِ وهو وإنْ كانَ في ظاهِرِ الِاسْتِعْمالِ مِن أوْصافِ الجِسْمِ لَكِنَّ اللَّطافَةَ المُطْلَقَةَ لا تُوجَدُ في الجِسْمِ لِأنَّ الجِسْمِيَّةَ يَلْزَمُها الكَثافَةُ وإنَّما لَطافَتُها بِالإضافَةِ، فاللَّطافَةُ المُطْلَقَةُ لا يَبْعُدُ أنْ يُوصَفَ بِها النُّورُ المُطْلَقُ الَّذِي يَجِلُّ عَنِ ادِّراكِ البَصائِرِ فَضْلًا عَنِ الأبْصارِ ويَعِزُّ عَنْ شُعُورِ الأسْرارِ فَضْلًا عَنِ الأفْكارِ ويَتَعالى عَنْ مُشابَهَةِ الصُّوَرِ والأمْثالِ ويُنَزَّهُ عَنْ حُلُولِ الألْوانِ والأشْكالِ فَإنَّ كَما اللَّطافَةَ إنَّما يَكُونُ لِمَن هَذا شَأْنُهُ ووَصْفُ الغَيْرِ بِها لا يَكُونُ عَلى الِإطْلاقِ بَلِ بِالقِياسِ إلى ما هو دُونَهُ في اللَّطافَةِ ويُوصَفُ إلَيْهِ بِالكَثافَةِ، انْتَهى.
والمُرَجَّحُ أنَّ إطْلاقَ اللَّطِيفِ بِمَعْنى مُقابِلِ الكَثِيفِ عَلى ما يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ عَلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ أصْلًا كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ يعني: وضعوا لله شركاء.
وقال مقاتل: وذلك أن بني جهينة قالوا: إن صنفاً من الملائكة يقال لهم الجن بنات الرحمن وذلك قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ.
وقال الكلبي: وجعلوا الجن شركاء لله نزلت هذه الآية في الزنادقة، قالوا: إن الله تعالى وإبليس- لعنه الله ولعنهم- أخوان.
قالوا: إن الله تعالى خالق الناس والدواب، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب كقوله: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [الصافات: 158] قال الزجاج: معناه أطاعوا الجن فيما سوّلت لهم من شركهم، فجعلوهم شركاء الله وهذا قريب مما قاله الكلبي.
ثم قال: وَخَلَقَهُمْ يعني: جعلوا لله الذي خلقهم شركاء، ويقال: وخلقهم يعني خلق الجن، ويقال: وخلقهم يعني: الذين تكلموا به وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ يعني: وصفوا له بنين وبنات.
بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بلا علم يعلمونه، ويقال بلا حجة وبيان.
وروى عبد الله بن موسى عن جويرية قال: سمعت رجلاً سأل الحسن عن قوله: وَخَرَقُوا لَهُ قال: كلمة عربية كانت العرب تقولها، كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول بعض القوم: خرقها.
ثم نزه نفسه فقال: سُبْحانَهُ يعني: تنزيهاً له.
وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ يعني: هو أعلى وأجل مما يصف الكفار بأن له ولداً.
قرأ نافع وَخَرَقُوا بالتشديد على معنى المبالغة.
قوله تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خالق السموات والأرض يعني مبدعهما، وهو أن يبتدئ شيئاً لم يكن يعني ابتدعهما ولم يكونا شيئاً.
أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ قال القتبي: أَنَّى على وجهين يكون بمعنى كيف كقوله فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: 223] وكقوله: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها [البقرة: 259] ، ويكون بمعنى من أين كقوله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة: 38] وكقوله: أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ يعني: زوجة.
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ يعني: الملائكة وعيسى وغيرهم وهم خلقه وعبيده.
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ مما خلق.
ثم قال: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: الذي فعل هذا فهو ربكم لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق غيره.
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ يعني: وحدوه وأطيعوه.
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ يعني: كفيل بأرزاقهم، ويقال وكيل يعني: حفيظ.
ثم عظم نفسه فقال: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ قال مقاتل: يعني لا يراه الخلق في الدنيا.
وروى الشعبي عن مسروق قال قلت لعائشة هل رأى محمد ربه؟
فقالت: لقد اقْشَعَرَّ قلبي مما قلت أين أنت من ثلاثة من حدثك بهن فقد كذّب: من حدثك أن النبي رأى ربه فقد كذب ثم قرأت لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ومن حدثك أنه قد علم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً [سورة لقمان: 34] ومن حدثك أنه كتم شيئاً من الوحي فقد كذب.
ثم قرأت يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: 67] .
ثم قال: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ يعني: لا يخفى عليه شيء ولا يفوته.
قال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الخلق لا يدركون الأبصار أي لا يعرفون كيف حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه فاعلم أنهم لا يحيطون بعلمه فكيف به.
ثم قال: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ بخلقه وبأعمالهم وقال أبو العالية لا تدركه الأبصار في الدنيا وتدركه أبصار المؤمنين في الآخرة.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
في أسفارها ونحوِ هذا، وأما الذين خَرَقُوا البنين، فاليهود في ذكر عزيز، والنصارى في ذكر المسيحِ، وأما ذاكرو البناتِ، فالعربُ الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ، تعالى اللَّه عن قولهم فكأنَّ الضمير في جَعَلُوا وخَرَقُوا لجميع الكفَّار إذ فَعَلَ بعضُهم هذا، وبعضُهم هذا، وبنحو هذا فسَّر السُّدِّيُّ وابن «١» زَيْد، وقرأ الجمهورُ «٢» : «وَخلَقَهُمْ» - بفتح اللام- على معنى: وهو خلقهم، وفي مصحف ابنِ «٣» مسعود: «وَهُوَ خَلَقَهُمْ» ، والضمير في خَلَقَهُمْ يَحْتَمِلُ العودَةَ على الجاعلين، ويحتملُها على المجْعُولِينَ، وقرأ السبعة «٤» سوى نافعٍ: «وَخَرَقُوا» - بتخفيف الراء- بمعنى اختلقوا وافتروا، وقرأ نافع: «وَخَرَّقُوا» - بتشديد الراء- على المبالغة، وقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ نصٌّ على قُبْح تقحُّم المجهلة، وافتراء الباطل على عمى، وسُبْحانَهُ: معناه: تنزَّه عن وصفهم الفاسدِ المستحيلِ عليه تبارك وتعالى، وبَدِيعُ: بمعنى: مبدع، وأَنَّى: بمعنى: كيف، وأين، فهي استفهام في معنى التوقيفِ والتقريرِ، وهذه الآيةُ ردٌّ على الكفار بقياس الغائِبِ على الشاهد.
وقوله سبحانه: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ لفظٌ عامٌّ لكلِّ ما يجوز أن يدخل تحته، ولا يجوز أن تدخل تحته صفاتُ اللَّهِ تعالى، وكلامُهُ، فليس هو عموماً مخصَّصاً على ما ذهب إليه قوم لأن العموم المخصَّص هو أن يتناول العموم شيئاً، ثم يخرجه التخصيصُ، وهذا لم يتناولْ قطُّ هذه التي ذكرناها، وإنما هذا بمنزلة قَوْلِ الإنسان: قَتَلْتُ كُلَّ فَارِسٍ، وأَفْحَمْتُ كُلَّ خَصْمٍ، فلم يدخلِ القائلُ قطُّ في هذا العمومِ الظاهرِ من لفظه، وأما قوله:
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو عمومٌ على الإطلاق لأنه سبحانه يعلم كلَّ شيء، لا ربَّ غيره، وباقي الآية بيّن.
وقوله سبحانه: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، أجمع أهلُ السنَّة على أن اللَّه عزَّ وجلَّ يرى يوم القيامة، يَرَاهُ المؤمنون، والوَجْه أنْ يبيَّن جواز ذلك عقلاً، ثم يستند إلى ورود السمعِ بوقوعِ ذلك الجائِزِ، واختصار تبْيِينِ ذلك: أنْ يعتبر بعلمنا باللَّه- عز وجل- فمن حيثُ جاز أنْ نعلمه لا في مكانٍ، ولا متحيِّزاً، ولا مُقَابَلاً، ولم يتعلَّق علمنا بأكثر من الوجودِ، جاز أن نراه غير مقابلٍ، ولا محاذًى، ولا مكيَّفاً، ولا محدَّداً، وكان الإمام أبو عبد اللَّه النحويُّ يقولُ: مسألةُ العِلْمِ حَلَقَتْ لِحَى المُعْتَزِلة، ثم ورد الشرْعُ بذلك/ كقوله عزَّ وجلَّ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ، وتعدية النَّظَر ب «إلى» إنما هو في كلام العربِ لمعنى الرؤية لا لمعنى الانتظار على ما ذهب إليه المعتزلة ومنه قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيما صحَّ عنه، وتواتر، وكثر نقله: «إنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ» «١» ، ونحوه من الأحاديث الصحيحةِ علَى اختلاف ألفاظها، واستمحل «٢» المعتزلةُ الرؤيةَ بآراءٍ مجرَّدةٍ، وتمسَّكوا بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وانفصال أهل السنَّة عن تمسُّكهم بأن الآية مخصُوصَةٌ في الدنيا «٣» ، ورؤية الآخرة ثابتةٌ بأخبارها وأيضاً فإنا نَفْرُقُ بين معنى الإدراك، ومعنى الرؤية، ونقول: إنه عز وجل تراه الأبصار، ولا تدركه وذلك أن الإدراك يتضمَّن الإحاطة بالشيء، والوصولَ إلى أعماقِهِ وحَوْزِهِ من جميع جهاتِهِ، وذلك كلُّه محالٌ في أوصافِ اللَّه عزَّ وجلَّ، والرؤيةُ لا تفتقرُ إلى أنْ يحيطَ الرائي بالمرئيِّ، ويبلغ غايته، وعلى هذا التأويل يترتَّب العَكْس في قوله: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، ويحسن معناه، ونحو هذا رُوِيَ عن ابن عباسٍ وقتادة وعطيَّة العَوْفِيِّ «٤» أنهم فرقوا بين الرؤية والإدراك، واللَّطِيفُ: المتلطّف في خلقه واختراعه،
والبَصَائِرُ: جمع بَصِيرة، فكأنه قال: قد جاءكم في القرآن والآياتِ طرائقُ إبصار الحقِّ، والبصيرةُ للقَلْبِ مستعارةٌ من إبصارِ العَيْن، والبصيرةُ أيضاً هي المعتقد.
وقوله سبحانه: فَمَنْ أَبْصَرَ، ومَنْ عَمِيَ: عبارةٌ مستعارةٌ فيمن اهتدى، ومَنْ ضَلَّ، وقوله: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ- كان في أول الأمر وقَبْلَ ظهور الإسلام، ثم بعد ذلك كان صلّى الله عليه وسلّم حفيظاً على العَالَمِ، آخذاً لهم بالإسلام أو السيفِ.
وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي: نردِّدها ونوضِّحها، وقرأ الجمهور «١» : «وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ» - بكسر اللام- على أنها لامُ كَيْ، وهي على هذا لامُ الصيرورة، أي: لَمَّا صار أمرهم إلى ذلك، وقرأ نافع وغيره: «دَرَسْتَ» ، أي: يا محمد دَرَسْتَ في الكتبِ القديمةِ ما تجيئُنا به، وقرأ ابن كثير وغيره: «دَارَسْتَ» ، أي: دارَسْتَ غيرك وناظرته، وقرأ ابن عامر: «دَرَسَتْ» - بإسناد الفعل إلى الآيات- كأنهم أشاروا إلى أنها تردَّدت على أسماعهم حتى بَلِيَتْ في نفوسهم، وامحت، واللام في قوله:
لِيَقُولُوا، وفي قوله: وَلِنُبَيِّنَهُ: متعلِّقانِ بفعلِ متأخِّر، وتقديره: «صَرَّفْنَاهَا» ، وذهب بعض الكوفيِّين إلى أنَّ «لا» : مضمرةٌ بعد «أَنِ» المقدَّرةِ في قوله: وَلِيَقُولُوا، فتقدير الكلام عندهم: وَلأنْ لاَ يَقُولُوا دَرَسْتَ كما أضمروها في قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦] .
قال ع «٢» : وهذا قَلِقٌ، ولا يجيز البصريُّون إضمار «لا» في موضعٍ من المواضعِ.
قلت: ولكنه حسن جدًّا من جهة المعنى إذ لا يعلمون أنه دَرَسَ أو دارس أحدا صلّى الله عليه وسلّم، فتأمَّله.
وقوله سبحانه: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ...
الآية: هذه الآية فيها موادعة، وهي منسوخة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ في الإدْراكِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإحاطَةِ.
والثّانِي: بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ.
وفي "الأبْصارِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها العُيُونُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّها العُقُولُ، رَواهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ أبِي حَصِينٍ القارِئِ.
فَفي مَعْنى الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا تُحِيطُ بِهِ الأبْصارُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وعَطاءٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآَيَةِ: الإحاطَةُ بِحَقِيقَتِهِ، ولَيْسَ فِيها دَفْعٌ لَلرُّؤْيَةِ، لِمّا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ والعِلْمِ والحَدِيثِ.
والثّانِي: لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ إذا تَجَلّى بِنُورِهِ، الَّذِي هو نُورُهُ رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ في الدُّنْيا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ الآَيَةَ مَخْصُوصَةً بِالدُّنْيا، قَوْلُهُ: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ﴾ ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ فَقَيَّدَ النَّظَرَ إلَيْهِ بِالقِيامَةِ، وأطْلَقَ في هَذِهِ الآَيَةِ والمُطْلَقُ يَحْمِلُ عَلى المُقَيَّدِ.
وَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ ﴾ فِيهِ القَوْلانِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وفي هَذا الإعْلامِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ خَلْقَهُ لا يُدْرِكُونَ الأبْصارَ، أيْ: لا يَعْرِفُونَ حَقِيقَةَ البَصَرِ، وما الشَّيْءُ الَّذِي صارَ بِهِ الإنْسانُ يُبْصِرُ مِن عَيْنَيْهِ، دُونَ أنْ يُبْصِرَ مِن غَيْرِهِما مِن أعْضائِهِ؛ فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ خَلْقًا مَن خَلْقِهِ لا يُدْرِكُ المَخْلُوقُونَ كُنْهَهُ، ولا يُحِيطُونَ بِعِلْمِهِ؛ فَكَيْفَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ؟!
فَأمّا "اللَّطِيفُ" فَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: هو البَرُّ بِعِبادِهِ، الَّذِي يَلْطِفُ بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ويُسَبِّبُ لَهم مَصالِحَهم مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: اللَّطِيفُ: الَّذِي يُوَصِّلُ إلَيْكَ أرَبَكَ في رِفْقٍ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: لَطَفَ اللَّهُ بِكَ؛ ويُقالُ: هو الَّذِي لَطَفَ عَنْ أنْ يُدْرَكَ بِالكَيْفِيَّةِ.
وقَدْ يَكُونُ اللُّطْفُ بِمَعْنى الدِّقَّةِ والغُمُوضِ، ويَكُونُ بِمَعْنى الصِّغَرِ في نُعُوتِ الأجْسامِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِصِفاتِ البارِي سُبْحانَهُ.
وقالَ الأزْهَرِيُّ: اللَّطِيفُ مِن أسْماءِ اللَّهِ مَعْناهُ: الرَّفِيقُ بِعِبادِهِ؛ والخَبِيرُ: العالِمُ بِكُنْهِ الشَّيْءِ، المُطَّلِعُ عَلى حَقِيقَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارُ وهو اللَطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ ﴿ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكم فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أجْمَعَ أهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - يُرى يَوْمَ القِيامَةِ؛ يَراهُ المُؤْمِنُونَ؛ وقالَهُ ابْنُ وهْبٍ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ والوَجْهُ أنْ يَبِينَ جَوازُ ذَلِكَ عَقْلًا؛ ثُمَّ يُسْنَدُ إلى وُرُودِ السَمْعِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الجائِزِ؛ واخْتِصارُ تَبْيِينِ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ بِعِلْمِنا بِاللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَمِن حَيْثُ جازَ أنْ نَعْلَمَهُ لا في مَكانٍ؛ ولا مُتَحَيَّزًا؛ ولا مُتَقابَلًا؛ ولَمْ يَتَعَلَّقْ عِلْمُنا بِأكْثَرَ مِنَ الوُجُودِ؛ جازَ أنْ نَراهُ غَيْرَ مُقابَلٍ؛ ولا مُحازٍ؛ ولا مُكَيَّفٍ؛ ولا مَحْدُودٍ؛ وكانَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللهِ النَحْوِيُّ يَقُولُ: مَسْألَةُ العِلْمِ حَلَقَتْ لِحى المُعْتَزِلَةِ؛ ثُمَّ ورَدَ الشَرْعُ بِذَلِكَ؛ وهو قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ﴾ ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ ؛ وتَعْدِيَةُ النَظَرِ بِـ "إلى"؛ إنَّما هو في كَلامِ العَرَبِ لِمَعْنى الرُؤْيَةِ؛ لا لِمَعْنى الِانْتِظارِ؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ؛ وذُكِرَ هَذا المَذْهَبَ لِمالِكٍ ؛ فَقالَ: "فَأيْنَ هم عن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كَلا إنَّهم عن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ ؟".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَقالَ بِدَلِيلِ الخِطابِ؛ ذَكَرَهُ النَقّاشُ ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيما صَحَّ عنهُ؛ وتَواتَرَ؛ وكَثُرَ نَقْلُهُ -: « "إنَّكم تَرَوْنَ رَبَّكم يَوْمَ القِيامَةِ كَما تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ"؛» ونَحْوُهُ مِنَ الأحادِيثِ؛ عَلى اخْتِلافِ تَرْتِيبِ ألْفاظِها.
وَذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إلى المَنعِ مِن جَوازِ رُؤْيَةِ اللهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ؛ واسْتَحالَةِ ذَلِكَ؛ بِآراءٍ مُجَرَّدَةٍ؛ وتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ ؛ وانْفَصَلَ أهْلُ السُنَّةِ عن تَمَسُّكِهِمْ بِأنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ في الدُنْيا؛ ورُؤْيَةَ الآخِرَةِ ثابِتَةٌ بِأخْبارِها.
وانْفِصالٌ آخَرُ؛ وهو أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَعْنى الإدْراكِ؛ ومَعْنى الرُؤْيَةِ؛ ونَقُولُ: إنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَراهُ الأبْصارُ؛ ولا تُدْرِكُهُ؛ وذَلِكَ الإدْراكُ يَتَضَمَّنُ الإحاطَةَ بِالشَيْءِ؛ والوُصُولَ إلى أعْماقِهِ؛ وحَوْزِهِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ مُحالٌ في أوصافِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ والرُؤْيَةُ لا تَفْتَقِرُ إلى أنْ يُحِيطَ الرائِي بِالمَرْئِيِّ؛ ويَبْلُغَ غايَتَهُ؛ وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَتَرَتَّبُ العَكْسُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ ﴾ ؛ ويُحَسِّنُ مَعْناهُ؛ ومِثْلُ هَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةَ ؛ وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ ؛ فَرَّقُوا بَيْنَ الرُؤْيَةِ؛ والإدْراكِ؛ وأمّا الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - فَفَرَّقَ بَيْنَ الرُؤْيَةِ؛ والإدْراكِ؛ واحْتَجَّ بِقَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: "إنّا لَمُدْرَكُونَ"؛ فَقالَ: إنَّهم رَأوهم ولَمْ يُدْرِكُوهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ هَذا الإدْراكَ لَيْسَ بِإدْراكِ البَصَرِ؛ بَلْ هو مُسْتَعارٌ مِنهُ؛ أو بِاشْتِراكٍ؛ قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللهَ تَعالى بِحاسَّةٍ سادِسَةٍ تُخْلَقُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وتَبْقى هَذِهِ الآيَةُ في مَنعِ الإدْراكِ بِالأبْصارِ عامَّةً؛ سَلِيمَةً؛ قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ في الكافِرِينَ؛ أيْ: "إنَّهُ لا تُدْرِكُهُ أبْصارُهُمْ؛ لِأنَّهم مَحْجُوبُونَ عنهُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها ضَعِيفَةٌ؛ ودَعاوى لا تَسْتَنِدُ إلى قُرْآنٍ؛ ولا إلى حَدِيثٍ.
و"اَللَّطِيفُ": اَلْمُتَلَطِّفُ في خَلْقِهِ؛ واخْتِراعِهِ؛ وإتْقانِهِ؛ وبِخَلْقِهِ وعِبادِهِ؛ و"اَلْخَبِيرُ": اَلْمُخْتَبِرُ لِباطِنِ أُمُورِهِمْ؛ وظاهِرِها.
و"اَلْبَصائِرُ": جَمْعُ "بَصِيرَةٌ"؛ وهي ما يَتَّفِقُ عن تَحْصِيلِ العَقْلِ لِلْأشْياءِ المَنظُورِ فِيها بِالِاعْتِبارِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "قَدْ جاءَكم في القُرْآنِ والآياتِ طَرائِقُ إبْصارِ الحَقِّ؛ والمُعِينَةُ عَلَيْهِ".
والبَصِيرَةُ لِلْقَلْبِ مُسْتَعارَةٌ مِن إبْصارِ العَيْنِ؛ والبَصِيرَةُ أيْضًا هي المُعْتَقَدُ المُحَصَّلُ في قَوْلِ الشاعِرِ: راحُوا بَصائِرُهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتَدٌ وأى وقالَ بَعْضُ الناسِ في هَذا البَيْتِ: اَلْبَصِيرَةُ: طَرِيقَةُ الدَمِ؛ والشاعِرُ إنَّما يَصِفُ جَماعَةً مَشَوْا بِهِ في طَلَبِ دَمٍ؛ فَفَتَرُوا؛ فَجَعَلُوا الأمْرَ وراءَ ظُهُورِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَمَن أبْصَرَ"؛ ﴾ ﴿ "وَمَن عَمِيَ"؛ ﴾ عِبارَةٌ مُسْتَعارَةٌ فِيمَنِ اهْتَدى؛ ومَن ضَلَّ؛ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ ؛ كانَ في أوَّلِ الأمْرِ؛ وقَبْلَ ظُهُورِ الإسْلامِ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَفِيظًا عَلى العالَمِ؛ آخِذًا لَهم بِالإسْلامِ؛ والسَيْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الكافُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ "وَكَذَلِكَ"؛ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "نُصَرِّفُ"؛ أيْ: ومِثْلَما بَيَّنّا البَصائِرَ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ؛ أيْ نُرَدِّدُها؛ ونُوَضِّحُها؛ وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "وَلْيَقُولُوا دَرَسْتَ"؛ بِسُكُونِ اللامِ؛ عَلى جِهَةِ الأمْرِ؛ ويَتَضَمَّنُ التَوْبِيخَ؛ والوَعِيدَ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلِيَقُولُوا"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ عَلى أنَّها لامُ "كَيْ"؛ وهي - عَلى هَذا - لامُ الصَيْرُورَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ ؛ أيْ: "لَمّا صارَ أمْرُهم إلى ذَلِكَ"؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "دَرَسْتَ"؛ أيْ: "يا مُحَمَّدُ؛ دَرَسْتَ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ ما تُجِيبُنا بِهِ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "دارَسْتَ"؛ أيْ: "أنْتَ يا مُحَمَّدُ دارَسْتَ غَيْرَكَ في هَذِهِ الأشْياءِ"؛ أيْ: "قارَأْتَهُ؛ وناظَرْتَهُ"؛ وهَذا إشارَةٌ مِنهم إلى سَلْمانَ ؛ وغَيْرِهِ مِنَ الأعاجِمِ واليَهُودِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وجَماعَةٌ مِن غَيْرِ السَبْعَةِ: "دَرَسَتْ"؛ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الآياتِ؛ كَأنَّهم أشارُوا إلى أنَّها تَرَدَّدَتْ عَلى أسْماعِهِمْ حَتّى بَلِيَتْ في نُفُوسِهِمْ؛ وامَّحَتْ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: واللامُ في "لِيَقُولُوا"؛ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ بِمَعْنى: "لِئَلّا يَقُولُوا"؛ أيْ: "صُرِّفَتِ الآياتُ وأُحْكِمَتْ؛ لِئَلّا يَقُولُوا: هَذِهِ الأساطِيرُ قَدِيمَةٌ؛ قَدْ بَلِيَتْ؛ وتَكَرَّرَتْ عَلى الأسْماعِ"؛ واللامُ عَلى سائِرِ القِراءاتِ لامُ الصَيْرُورَةِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "دارَسَتْ"؛ كَأنَّهم أرادُوا: "دارَسَتْكَ يا مُحَمَّدُ"؛ أيِ الجَماعَةَ المُشارَ إلَيْها قَبْلُ؛ مِن سَلْمانَ واليَهُودِ وغَيْرِهِمْ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "دَرُسَتْ"؛ بِضَمِّ الراءِ؛ وكَأنَّها في مَعْنى: "دَرَسَتْ"؛ أيْ: بَلِيَتْ؛ وقَرَأ قَتادَةُ: "دُرِسَتْ"؛ بِضَمِّ الدالِ؛ وكَسْرِ الراءِ؛ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ بِخِلافٍ عنهُ؛ ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: في "دُرِسَتْ"؛ ضَمِيرُ "اَلْآياتِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: "عُفِيَتْ؛ وتُنُوسِيَتْ"؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "دَرَسَ"؛ وهي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ ؛ قالَ المَهْدَوِيُّ: وفي بَعْضِ مَصاحِفِ عَبْدِ اللهِ "دَرَسْنَ"؛ ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "دَرَّسْنَ"؛ بِتَشْدِيدِ الراءِ؛ عَلى المُبالَغَةِ في "دَرَسْنَ"؛ وهَذِهِ الثَلاثَةُ الأخِيرَةُ مُخالِفَةٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ.
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "وَلِيَقُولُوا"؛ وفي قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "وَلِنُبَيِّنَهُ"؛ مُتَعَلِّقانِ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "صَرَّفْناها"؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَلِتُبَيِّنَهُ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى مُخاطَبَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلِيُبَيِّنَهُ"؛ بِياءٍ؛ أيْ: اَللَّهُ تَعالى ؛ وذَهَبَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ إلى أنَّ "لا" مُضْمَرَةٌ بَعْدَ "أنْ"؛ اَلْمُقَدَّرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى "وَلِيَقُولُوا"؛ فَتَقْدِيرُ الكَلامِ عِنْدَهُمْ: "وَلِئَلّا يَقُولُوا"؛ كَما أضْمَرُوها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَلِقٌ؛ ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ إضْمارَ "لا"؛ في مَوْضِعٍ مِنَ المَواضِعِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة ابتدائيّة لإفادة عظمته تعالى وسعة علمه، فلعظمته جلّ عن أن يحيط به شيء من أبصار المخلوقين، وذلك تعريض بانتفاء الإلهيّة عن الأصنام الّتي هي أجسام محدودة محصورة متحيّزة، فكونُها مدركة بالأبصار من سمات المحدثات لا يليق بالإلهيّة ولو كانت آلهة لكانت محتجبة عن الأبصار، وكذلك الكواكب الّتي عبدها بعض العرب، وأمّا الجنّ والملائكة وقد عبدوهما فإنّهما وإن كانا غير مدركين بالأبصار في المتعارف لكلّ النّاس ولا في كلّ الأوقات إلاّ أنّ المشركين يزعمون أنّ الجنّ تَبدو لهم تارات في الفيافي وغيرها.
قال شَمِر بن الحارث الضبي: أتَوْا ناري فقلتُ مَنُونَ أنتُم *** فقالوا الجنّ قلتُ عِمُوا ظَلامَا ويتوهّمون أنّ الملائكة يظهرون لبعض النّاس، يتلقّون ذلك عن اليهود.
والإدراك حقيقته الوصول إلى المطلوب.
ويطلق مجازاً على شعور الحاسّة بالمحسوس أو العقللِ بالمعقول يقال: أدركَ بصري وأدرك عقْلي تشبيهاً لآلة العلم بشخص أو فرس وصل إلى مطلوبه تشبيهَ المعقول بالمحسوس، ويقال: أدرك فلان ببصره وأدرك بعقله، ولا يقال: أدرك فلان بدون تقييد، واصطلح المتأخّرون من المتكلّمين والحكماء على تسمية الشعور العقلي إدراكاً، وجعلوا الإدراك جنساً في تعريف التصوّر والتّصديق، ووصفوا صاحب الفهم المستقيم بالدّراكَة.
وأمّا قوله تعالى: ﴿ وهو يدرك الأبصار ﴾ فيجوز أن يكون إسنادُ الإدراك إلى اسم الله مشاكلة لما قبله من قوله: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ .
ويجوز أن يكون الإدراك فيه مستعاراً للتصرّف لأنّ الإدراك معناه النوال.
والأبصار جمع بصر، وهو اسم للقوّة الّتي بها النّظر المنتشرة في إنسان العين الّذي في وسط الحَدقة وبه إدراك المبصرات.
والمعنى: لا تحيط به أبصار المبصرين لأنّ المدرِك في الحقيقة هو المبصِر لا الجارحة، وإنّما الجارحة وسيلة للإدراك لأنّها توصّل الصّورة إلى الحسّ المشترك في الدّماغ.
والمقصود من هذا بيان مخالفة خصوصيّة الإلهِ الحقّ عن خصوصيات آلهتهم في هذا العالم، فإنّ الله لا يُرى وأصنامهم تُرى، وتلك الخصوصيّة مناسبة لعظمته تعالى، فإنّ عدم إحاطة الأبصار بالشّيء يكون من عظمته فلا تطيقه الأبصار، فعموم النّكرة في سياق النّفي يدلّ على انتفاء أن يُدركه شيء من أبصار المبصِرين في الدّنيا كما هو السّياق.
ولا دلالة في هذه الآية على انتفاء أن يكون الله يُرى في الآخرة، كما تمسّك به نفاة الرّؤية، وهم المعتزلة لأنّ للأمور الآخرة أحوالاً لا تجري على متعارفنا، وأحرى أن لا دلالة فيها على جواز رؤيته تعالى في الآخرة.
ومن حاول ذلك فقد تكلّف ما لا يتمّ كما صنع الفخر في «تفسيره».
والخلاف في رؤية الله في الآخرة شائع بين طوائف المتكلّمين؛ فأثبته جمهور أهل السنّة لكثرة ظواهر الأدلّة من الكتاب والسنّة مع اتّفاقهم على أنّها رؤية تخالف الرّؤية المتعارفة.
وعن مالك رحمه الله «لو لم يَر المؤمنون ربّهم يوم القيامة لم يُعَيَّر الكفّار بالحجاب في قوله تعالى: ﴿ كلاّ إنّهم عن ربّهم يومئذٍ لمحجوبون ﴾ [المطففين: 15].
وعنه أيضاً «لم يُر الله في الدّنيا لأنّه باق ولا يرى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصاراً باقية رأوا الباقيَ بالباقي».
وأمّا المعتزلة فقد أحالوا رؤية الله في الآخرة لاستلزامها الانحياز في الجهة.
وقد اتّفقنا جميعاً على التّنزيه عن المقابلة والجهة، كما اتّفقنا على جواز الانكشاف العلمي التّامّ للمؤمنين في الآخرة لحقيقة الحقّ تعالى، وعلى امتناع ارتسام صورة المرْئي في العين أو اتّصال الشّعاع الخارج من العين بالمرئي تعالى لأنّ أحوال الأبصار في الآخرة غير الأحوال المتعارفة في الدّنيا.
وقد تكلّم أصحابنا بأدلّة الجواز وبأدلّة الوقوع، وهذا ممّا يجب الإيمان به مجملاً على التّحقيق.
وأدلّة المعتزلة وأجوبتنا عليها مذكورة في كتب الكلام وليست من غرض التّفسير ومرجعها جميعاً إلى إعمال الظاهر أو تأويله.
ثمّ اختلف أيمّتنا هل حصلت رؤية الله تعالى للنّبيء صلى الله عليه وسلم فنفى ذلك جمع من الصّحابة منهم عائشة وابن مسعود وأبو هريرة رضي الله عنهم وتمسّكوا بعموم هذه الآية كما ورد في حديث البخاري عن عكرمة عن عائشة.
وأثبتها الجمهور، ونقل عن أبَيّ بن كعب وابن عبّاس رضي الله عنهما، وعليه يكون العموم مخصوصاً.
وقد تعرّض لها عياض في «الشّفاء».
وقد سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاب بجواب اختلف الرّواةُ في لفظه، فحجب الله بذلك الاختلاف حقيقةَ الأمر إتماماً لمراده ولطفاً بعباده.
وقوله: ﴿ وهو يدرك الأبصار ﴾ معطوف على جملة: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ فإسناد الإدراك إلى ضمير اسمه تعالى إمّا لأنّ فعل ﴿ يُدرك ﴾ استعير لمعنى يَنال، أي لا تخرج عن تصرّفه كما يقال: لَحِقَه فأدركه، فالمعنى يَقدر على الأبصار، أي على المبصِرين، وإمّا لاستعارة فعل ﴿ يدرك ﴾ لمعنى يعلم لمشاكلة قوله: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ أي لا تعلمه الأبصار.
وذلك كناية عن العلم بالخفيّات لأنّ الأبصار هي العَدَسات الدّقيقة الّتي هي واسطة إحساس الرّؤية أو هي نفس الإحساس وهو أخفى.
وجَمعهُ باعتبار المدرِكين.
وفي قوله: ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ﴾ محسِّن الطِّباق.
وجملة: ﴿ وهو اللّطيف الخبير ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ فهي صفة أخرى.
أو هي تذييل للاحتراس دفعا لتوهّم أنّ من لا تدْركه الأبصار لا يعلم أحوال من لا يدركونه.
واللّطيف: وصف مشتقّ من اللّطف أو من اللّطافة.
يقال: لطف بفتح الطّاء بمعنى رَفق، وأكرَم، واحتفَى.
ويتعدّى بالباء وباللاّم باعتبار ملاحظة معنى رَفق أو معنى أحْسن.
ولذلك سمّيت الطُّرفة والتُّحفَة الّتي يكرَم بها المرء لَطفَا (بِالتّحريكِ)، وجمعها ألطاف.
فالوصف من هذا لاَطِف ولَطِيف؛ فيكون اللّطيف اسمَ فاعل بمعنى المبالغة يدلّ على حذف فعل من فاعله، ومنه قوله تعالى عن يوسف ﴿ إنّ ربّي لطيف لما يشاء ﴾ [يوسف: 100].
ويقال لَطُفَ بضمّ الطّاء أي دَقّ وخَفّ ضدّ ثَقُل وكَثُف.
واللّطيف: صفة مشبّهة أو اسم فاعل.
فإن اعتبرت وصفاً جارياً على لطُف بضمّ الطّاء فهي صفة مشبّهة تدلّ على صفة من صفات ذات الله تعالى، وهي صفة تنزيهه تعالى عن إحاطة العقول بماهيته أو إحاطة الحواس بذاته وصفاته، فيكون اختيارها للتّعبير عن هذا الوصف في جانب الله تعالى هو منتهى الصّراحة والرّشاقة في الكلمة لأنّها أقرب مادّة في اللّغة العربيّة تقرّب معنى وصفه تعالى بحسب ما وُضعت له اللّغة من متعارف النّاس، فيَقْرب أن تكون من المتشابه، وعليه فتكون أعمّ من مدلول جملة ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ، فتتنزّل من الجملة الّتي قبلها منزلة التّذييل أو منزلة الاستدلال على الجزئيّة بالكلّية فيزيد الوصفَ قبله تمكّناً.
وعلى هذا المعنى حملها الزمخشري في «الكشاف» لأنّه أنسب بهذا المقام وهو من معاني الكلمة المشهورة في كلام العرب، واستحسنه الفخر وجوّزه الرّاغب والبيضاوي، وهو الّذي ينبغي التّفسير به في كلّ موضع اقترن فيه وصف اللّطيف بوصف الخبير كالّذي هنا والّذي في سورة المُلك.
وإن اعتبر اللّطيف اسم فاعل من لطَف بفتح الطّاء فهو من أمثلة المبالغة يدلّ على وصفه تعالى بالرّفق والإحسان إلى مخلوقاته وإتقان صنعه في ذلك وكثرة فعله ذلك، فيدلّ على صفة من صفات الأفعال.
وعلى هذا المعنى حمله سائر المفسّرين والمبيّنين لمعنى اسمه اللّطيف في عداد الأسماء الحسنى.
وهذا المعنى هو المناسب في كلّ موضع جاء فيه وصفه تعالى به مفرداً معدّى باللاّم أو بالباء نحو ﴿ إنّ ربّي لطيف لما يشاء ﴾ [يوسف: 100]، وقوله: ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ [الشوى: 19].
وبه فسّر الزمخشري قوله تعالى: ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ فللّه درّه، فإذا حمل على هذا المحمل هنا كان وصفاً مستقلاً عمّا قبله لزيادة تقرير استحقاقه تعالى للإفراد بالعبادة دون غيره.
و«خَبير» صفة مشبّهة من خبُر بضمّ الباء في الماضي، خُبراً بضمّ الخاء وسكون الباء بمعنى عَلِم وعرَف، فالخبير الموصوف بالعلم بالأمور الّتي شأنها أن يُخبر عنها عِلماً موافقاً للواقع.
ووقوع الخبير بعد اللّطيف على المحمل الأوّل وقوعُ صفة أخرى هي أعمّ من مضموننِ ﴿ وهو يدرك الأبصار ﴾ ، فيكمل التّذييل بذلك ويكون التّذييل مشتملاً على محسِّن النشر بعد اللّف؛ وعلى المحمل الثّاني موقعه موقع الاحتراس لمعنى اللّطيف، أي هو الرّفيق المحسن الخبير بمواقع الرّفق والإحسان وبمستحقّيه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ ﴾ فِيهِ لِأهْلِ التَّأْوِيلِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ لا تُحِيطُ بِهِ الأبْصارُ، وهو يُحِيطُ بِالأبْصارِ، واعْتَلَّ قائِلُ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ ﴾ فَوَصَفَ اللَّهُ الغَرَقَ بِأنَّهُ أدْرَكَ فِرْعَوْنَ، ولَيْسَ الغَرَقُ مَوْصُوفًا بِالرُّؤْيَةِ، كَذَلِكَ الإدْراكُ هُنا، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمانِعٍ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِالإبْصارِ، غَيْرَ أنَّ هَذا اللَّفْظَ لا يَقْتَضِيهِ وإنْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ﴾ ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ والقَوْلُ الثّانِي: مَعْناهُ لا تَراهُ الأبْصارُ وهو يَرى الأبْصارَ، واعْتَلَّ قائِلُو ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الأبْصارَ تَرى ما بَيْنَها ولا تَرى ما لاصَقَها، وما بَيْنَ البَصَرِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما فَضاءٌ، فَلَوْ رَأتْهُ الأبْصارُ لَكانَ مَحْدُودًا ولَخَلا مِنهُ مَكانٌ، وهَذِهِ صِفاتُ الأجْسامِ الَّتِي يَجُوزُ عَلَيْها الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ.
والثّانِي: أنَّ الأبْصارَ تُدْرِكُ الألْوانَ كَما أنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ الأصْواتَ، فَلَمّا امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ ذا لَوْنٍ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا، كَما أنَّ ما امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ ذا صَوْتٍ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا.
والقَوْلُ الثّالِثُ: لا تُدْرِكُهُ أبْصارُ الخَلْقِ في الدُّنْيا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ وتُدْرِكُهُ في الآخِرَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
والرّابِعُ: لا تُدْرِكُهُ أبْصارُ الظّالِمِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتُدْرِكُهُ أبْصارُ المُؤْمِنِينَ، وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لِأنَّ الإدْراكَ لَهُ كَرامَةٌ تَنْتَفِي عَنْ أهْلِ المَعاصِي.
والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّ الأبْصارَ لا تُدْرِكُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ لِأوْلِيائِهِ حاسَّةً سادِسَةً سِوى حَواسِّهِمُ الخَمْسِ يَرَوْنَهُ بِها، اعْتِلالًا بِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ بِرُؤْيَتِهِ، فَلَوْ جازَ أنْ يُرى في الآخِرَةِ بِهَذِهِ الأبْصارِ وإنْ زِيدَ في قُواها جازَ أنْ يَرى بِها في الدُّنْيا وإنْ ضَعُفَتْ قُواها بِأضْعَفَ مِن رُؤْيَةِ الآخِرَةِ، لِأنَّ ما خُلِقَ لِإدْراكِ شَيْءٍ لا يُعْدَمُ إدْراكُهُ، وإنَّما يَخْتَلِفُ الإدْراكُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القُوَّةِ والضَّعْفِ، فَلَمّا كانَ هَذا مانِعًا مِنَ الإدْراكِ - وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِإدْراكِهِ - اقْتَضى أنْ يَكُونَ ما أخْبَرَ بِهِ حَقًّا لا يُدْفَعُ بِالشَّبَهِ، وذَلِكَ بِخَلْقِ حاسَّةٍ أُخْرى يَقَعُ بِها الإدْراكُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ فاحْتَمَلَ وجْهَيْنِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أحَدُهُما: لَطِيفٌ بِعِبادِهِ في الإنْعامِ عَلَيْهِمْ، خَبِيرٌ بِمَصالِحِهِمْ.
والثّانِي: لَطِيفٌ في التَّدْبِيرِ خَبِيرٌ بِالحِكْمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم والعقيلي وابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ قال: «لو أن الإِنس والجن والشياطين والملائكة منذ خُلِقُوا إلى أن فُنُوا صُفُّوا صفاً واحداً ما أحاطوا بالله أبداً.
قال الذهبي: هذا حديث منكر» .
وأخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه واللالكائي في السنة عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه.
قال عكرمة: فقلت له: أليس الله يقول ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ﴾ قال: لا أم لك.
!
ذلك نوره وإذا تجلى بنوره لا يدركه شيء.
وفي لفظ: إنما ذلك إذا تجلى بكيفيته لم يقم له بصر.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ قال: لا يحيط بصر أحد بالله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عكرمة عن ابن عباس قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه.
فقال له رجل عند ذلك: أليس قال الله: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ فقال له عكرمة: ألست ترى السماء؟
قال: بلى قال: فكلها تُرَى» .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ قال: هو أجلُّ من ذلك وأعظم أن تدركه الأبصار.
وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في كتاب الرؤية عن الحسن في قوله: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ قال: في الدنيا.
وقال الحسن: يراه أهل الجنة في الجنة، يقول الله: ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ﴾ [ القيامة: 22] قال: ينظرون إلى وجه الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ﴾ يقول: لا يراه شيء وهو يرى الخلائق.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إسماعيل بن علية في قوله: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ قال: هذا في الدنيا.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ واللالكائي من طريق عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت أبا الحصين يحيى بن الحصين قارئ أهل مكة يقول ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ قال: أبصار العقول.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ قال: قالت امرأة: استشفع لي يا رسول الله على ربك قال «هل تدرين على من تستشفعين؟
إنه ملأ كرسيه السموات والأرض ثم جلس عليه، فما يفضل منه من كل أربع أصابع، ثم قال: إن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد، فذلك قوله: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ينقطع به بصره قبل أن تبلغ أرجاء السماء زعموا أن أول من يعلم بقيام الساعة الجن، تذهب فإذا ارجاؤها قد سقطت لا تجد منفذاً تذهب في المشرق والمغرب واليمن والشام» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾ الآية.
احتج نفاة الرؤية (١) (٢) ﴿ لَا شَرِيكَ لَهُ ﴾ ، و ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾ (٣) والجواب [عن] (٤) أحدها: أن الإدراك غير الرؤية لأنه يصح أن يقال: رآه وما أدركه، ويدل على هذا قوله تعالى إخباراً عن قوم موسى ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا ﴾ وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم، [و] (٥) ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ﴾ أي: رأى أحدهما الآخر، وكان الله تعالى قد (٦) ﴿ لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ﴾ .
وقولهم: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ يريدون أنهم قد قربوا من إدراكهم إياهم، ألا ترى أن موسى نفى ذلك بقوله: (كلّا)، وهذا مذهب جماعة من المفسرين (٧) (٨) ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ قال سعيد بن المسيب في تفسير قوله تعالى: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾ : (لا تحيط به الأبصار) (٩) وقال ابن عباس في رواية عطاء: (كلت (١٠) (١١) ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾ فقال: (أعلم الله تعالى أنه يدرك الأبصار، وفي هذا الإعلام دليل أن خلقه لا يدركون الأبصار، أي ة لا [يعرفون] (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) الوجه الثاني: تخصيص الآية، وهو قول جماعة من المفسرين أيضاً، قال ابن عباس: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾ (ينقطع عنه في الدنيا) (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾ في الدنيا، قال: والدليل على أن هذه الآية مخصوصة بالدنيا قوله تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ وهذه الآية مطلقة، وقوله ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ﴾ مقيد، والمطلق يحمل على المقيد، فلما كان قوله ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾ يوجب نفي الرؤية، وقوله: ﴿ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ يوجب الرؤية، ولا يجوز التضاد، قلنا: الذي نفاه أراد به في الدنيا، والذي أثبته أراد به في الآخرة) (١٩) الوجه الثالث: ما قاله السدي وهو أنه قال: (البصر بصران، بصر معاينة، وبصر علم) (٢٠) ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾ لا يدركه علم العلماء، ونظيره ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ (٢١) (٢٢) ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾ قال: (يرى ولا يُرى، ولا يخفى عليه شيء ولا يفوته) (٢٣) (٢٤) ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ قال الأزهري: (اللطيف من أسماء الله عز وجل [ومعناه] (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) ﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ ﴾ بأوليائه ﴿ الْخَبِيرُ ﴾ بهم) (٣٤) (١) نفاة الرؤية: هم الجهمية والمعتزلة والخوارج، وبعض المرجئة، قالوا: (لا يُرى الله تعالى في الدنيا ولا في الآخرة).
انظر: "الفتاوى" لابن تيمية 2/ 336 - 337، و"تفسير الخازن" 2/ 166.
(٢) أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار عيانًا وأن أحدًا لا يراه في الدنيا بعينه، كما تواترت به الأخبار عن النبي .
انظر: "كتاب التوحيد" لابن خزيمة 1/ 437، و"الشريعة" للآجري ص 231، و"الفتاوى" لابن تيمية 2/ 336، و"تفسير ابن كثير" 2/ 180، و"شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز 1/ 207.
(٣) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 104.
(٤) في (ش): (على).
(٥) لفظ: الواو ساقط من (أ).
(٦) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 299 وما بعدها، والبغوي 3/ 174.
(٧) قال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 17/ 111، في شرح الآية: (الإدراك عند السلف والأكثرين: هو الإحاطة، وقال طائفة: هو الرؤية، وهو ضعيف؛ لأن نفي الرؤية عنه لا مدح فيه ..) ا.
هـ، وانظر: "الفتاوى" 16/ 87 - 89.
(٨) في (أ): (معنا).
(٩) ذكره الثعلبي في "الكشف" 182 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 93، والبغوي 3/ 174، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 98.
(١٠) كلت: يقال: كل بصره، بفتح الكاف، أي: ثقل.
انظر: "اللسان" 7/ 3918 مادة (كلل).
(١١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 93، وذكره الثعلبي في "الكشف" 182 أ، والبغوي في "تفسيره" 3/ 174 عن عطاء من قوله، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 299 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (لا يحيط بصر أحد بالملك) ا.
هـ.
(١٢) في (أ): (أي: لا يدركون).
(١٣) في (ش): (عنه).
(١٤) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 278، وفيه: (فأما ما جاء من الأخبار في الرؤية وصح عن رسول الله فغير مدفوع، وليس في هذه دليل على دفعه؛ لأن معنى هذه الآية معنى إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته، وهذا مذهب أهل السنة والعلم والحديث) ا.
هـ.
وانظر: "معاني النحاس" 2/ 446 - 467.
(١٥) أسماء الله توقيفية، ولفظ القديم لا يرتضي السلف تسمية الله تعالى به؛ لعدم ورود النص به، لكن يصح الإخبار به عن الله تعالى، لأن باب الإخبار والصفات أوسع من باب الإنشاء والأسماء، والله أعلم.
انظر: "منهاج السنة" 2/ 123 - 131، == و"الفتاوى" 1/ 245 - 17/ 168، 9/ 300 "معجم المناهي اللفظية" لبكر بن عبد الله أبو زيد ص 436.
(١٦) ذكره الثعلبي في "الكشف" 182 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 93، والبغوي 3/ 173، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 98.
(١٧) ذكره الثعلبي في "الكشف" 182 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 94، والبغوي في "تفسيره" 3/ 174، وفي "تفسير مقاتل" 1/ 582: (يقول: لا يراه الخلق في الدنيا) ا.
هـ.
وأخرج الواحدي في "الوسيط" 1/ 94، هذا القول عن الحسن البصري.
(١٨) أبو الحسن شيخ الواحدي، لم أستطع تحديده، وفي "مقدمة البسيط" ذكر من شيوخ الواحدي: علي بن محمد بن إبراهيم الضرير أبو الحسن النحوي، وعمران ابن موسى المغربي أبو الحسن، وعلي بن محمد الفارسي أبو الحسن.
(١٩) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 302، وابن الجوزي 3/ 98 - 99، وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 2/ 335.
(وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحدًا من المؤمنين == لا يرى الله بعينه في الدنيا ، ولم يتنازعوا إلا في النبي خاصة مع أن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دلت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي والصحابة وأئمة المسلمين ..) ا.
هـ، وانظر: "مرويات الإمام أحمد في التفسير" 2/ 121.
(٢٠) لم أقف عليه (٢١) "تهذيب اللغة" 1/ 340، وفيه: (قال الليث: البَصَرُ: العَيْن، إلا أنه مذكر.
والبَصَر: نفاذ في القلب).
وانظر: "العين" 7/ 117، و"اللسان" 1/ 290 مادة (بصر).
(٢٢) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 125 وما بعدها، و"الفتاوى" لابن تيمية 16/ 87 - 88، 17/ 111.
(٢٣) لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" 2/ 49: (يرى ما لم ير الخلق ولا يخفى عليه شيء ولا يفوته) اهـ.
(٢٤) انظر: مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة في: "الإبانة" للأشعري 13/ 21، و"تفسير الماوردي" 2/ 152، والقرطبي 7/ 54 - 57، و"بدائع التفسير" 2/ 167.
(٢٥) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).
(٢٦) "تهذيب اللغة" 4/ 3267.
وانظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 44، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 138، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص 83، و"المقصد الأسنى" للغزالي ص 92، و"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي ص 246.
(٢٧) عمرو بن أبي عمرو: هو عمرو بن إسحاق بن مرار الشيباني إمام لغوي ثقة، واسع الرواية، أخذ علم أبيه، سمع منه ثعلب وأبو إسحاق الحربي.
توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين 231هـ أو بعدها.
انظر: "مقدمة تهذيب اللغة" 1/ 35، و"إنباه الرواة" 2/ 360، و"معجم الأدباء" 4/ 473.
(٢٨) هو إسحاق بن مرار الشيباني أبو عمرو الكوفي، تقدمت ترجمته.
(٢٩) "تهذيب اللغة" 4/ 3267.
(٣٠) أبو العباس هو ثعلب أحمد بن يحيى، تقدمت ترجمته.
(٣١) لفظ: (يقال) ساقط من (ش).
(٣٢) "تهذيب اللغة" 4/ 3267، و"اللسان" 7/ 4036 مادة (لطف).
(٣٣) "تهذيب اللغة" 4/ 3268، وانظر: "العين" 7/ 429، و"الصحاح" 4/ 1427، وقد جاء في "العين" و"التهذيب": (اللطف البر والتَّكرمة ..) بدل والكرامة.
(٣٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 95، والبغوي في "تفسيره" 3/ 174، و"الخازن" 2/ 168، وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 304، والسمرقندي 1/ 505، والماوردي 2/ 153.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾ يعني في الدنيا؛ وأما في الآخرة، فالحق أن المؤمنين يرون ربهم بدليل قوله: إلى ربها ناظرة، وقد جاءت في ذلك أحاديث صحيحة صريحة، لا تحتمل التأويل، وقالت الأشعرية إن رؤة الله تعالى في الدنيا جائزة عقلاً، لأن موسى سألها من الله، ولا يسأل موسى ما هو محال، وقد اختلف الناس هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء أم لا ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار ﴾ قال بعضهم: الفرق بين الرؤية والإدراك أن الإدراك يتضمن الإحاطة بالشيء والوصول إلى غايته، فلذلك نفى أن تدرك أبصار الخلق ربهم، ولا يقتضي ذلك نفي الرؤية وحسن على هذا قوله: وهو يدرك الأبصار وهو الخبير بكل شيء، وهو يدرك الأبصار لإحاطة علمه تعالى بالخفيات ﴿ اللطيف الخبير ﴾ أي لطيف عن أن تدركه الأبصار وهو الخبير بكل شيء، وهو يدرك الأبصار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولم يكن ﴾ بياء الغيبة: قتيبة ﴿ درست ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ دارست ﴾ بتاء الخطاب من المدارسة: ابن كثير وابو عمرو.
والباقون بتاء الخطاب ﴿ درست ﴾ من الدرس.
﴿ عدوّاً ﴾ على فعول بالضم: يعقوب.
الباقون ﴿ عدوا ﴾ على فعل.
﴿ إنها إذا جاءت ﴾ بالكسر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف وقتيبة ونصير وأبو بكر وحماد.
الباقون: بالفتح.
﴿ لا تؤمنون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة.
الباقون: على الغيبة.
الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ صاحبة ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ ربكم ﴾ ط لاحتمال الجملة الاستئناف والحال والعامل معنى الإشارة ﴿ إلا هو ﴾ ط لأن قوله ﴿ خالق ﴾ بدل من الضمير المستثنى أو خبر ضمير محذوف ﴿ فاعبدوه ﴾ ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع أن الثانية من تمام المقصود ﴿ يدرك الأبصار ﴾ ط لاحتمال الواو الاستئناف والحال أي يدرك الأبصار لطيفاً خبيراً.
﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ فلنفسه ﴾ ط كذلك مع الواو.
﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من ربك ﴾ ط لاحتمال الجملة الحال والاستئناف على أنها جملة معترضة ﴿ إلا هو ﴾ ط للعطف مع العارض ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ما أشركوا ﴾ ط ﴿ حفيظاً ﴾ ط للابتداء بالنفي مع اتحاد المعنى ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ليؤمنن بها ﴾ ط ﴿ وما يشعركم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنها ﴾ بكسر الألف.
﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه.
التفسير: لما نبه إجمالاً بغير علم على الدليل على إبطال قول من خرق له بنين وبنات، فصل ذلك بقوله ﴿ بديع السموات والأرض ﴾ الآية.
والمراد هو بديع السموات، ويجوز أن يكون ﴿ بديع ﴾ مبتدأ والجملة بعده خبره.
وتقرير الدليل أنكم إما أن تريدوا بكون عيسى ولداً له أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غيره تقدم نطفة و لا أب وحينئذ يلزمكم القول بأنه والد السموات والأرض بكونه مبدعاً لهما وهذا باطل بالاتفاق، وإما أن تريدوا به الولادة كما هو المألوف في الحيوانات وهذا أيضاً محال لأن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة من جنسه وينفصل منه جزء يحتبس في رحمها، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والحد والنهاية والشهوة واللذة، وكل ذلك على الله محال وأشار إلى هذا بقوله ﴿ أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ﴾ وأيضاً الولد بهذا الطريق إنما يتصور في حق من لا يقدر على خلق الأشياء دفعة واحدة، أما الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون فذلك في حقه مستحيل، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ خلق كل شيء ﴾ وأيضاً هذا الولد لا يكون أزلياً وإلا كان واجباً لذاته غنياً عن غيره فبقي أن يكون حادثاً فنقول: إنه عالم بكل المعلومات أزلاً وأبداً كما قال ﴿ وهو بكل شيء عليم ﴾ فإن كان قد علم أن له في تحصيل ذلك الولد كمالاً أو نفعاً أو لذة لتعلقت إرادته بإيجاده في الأزل دفعاً لذلك الاحتياج والنقصان، فيكون الولد أزلياً على تقدير كونه حادثاً هذا خلف، فتبين أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والأضداد والأنداد والأولاد، فلهذا صرح بالنتيجة فقال ﴿ ذلكم الله ﴾ فاسم الإشارة مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة أي ذلكم الموصوف الجامع لتلك الصفات المقدسة هو الله إلى آخره.
وإنما قال ههنا ﴿ لا إله إلا هو خالق كل شيء ﴾ وفي "المؤمن" بالعكس لأنه وقع ههنا بعد ذكر الشركاء والبنين والبنات فكان رفع الشرك أهم، وهنالك وقع بعد ذكر خلق السموات والأرض فكان تقديم الخالقية أهم.
ثم قال ﴿ فاعبدوه ﴾ وهو مسبب عن مضمون الجملة المقتدمة يعني أن من استجمعت له هذه الكمالات كان حقيقاً بالعبادة ﴿ وهو ﴾ مع تلك الصفات ﴿ على كل شيء وكيل ﴾ يحفظه ويرزقه ويراقبه.
قال في التفسير الكبير: إنه أقام الدليل على وجود الخالق، ثم زيف طريق من أثبت له شريكاً وهذا القدر لا يوجب التوحيد المحض لكن للعلماء في إثبات التوحيد طرق منها: أن الدليل قد دل على وجود صانع، والزائد على الواحد لم يدل دليل على ثبوته فليس عدد أولي من عدد آخر فيلزم آلهة لا نهاية لها، أو القول بعدد معين بلا ترجيح وكلاهما محال فلم يبق إلا الإكتفاء بواحد وهو المطلوب.
ومنها أنا لو قدّرنا إلهين قادرين على كل المقدورات عالمين بكل المعلومات، فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلاً لذلك الفعل مانعاً للآخر من تحصيل مقدوره وذلك يوجب أن يكون كل واحد يعجز الآخر وهو محال، وإن كان في أحدهما عجز ونقص لم يصلح للإلهية.
ومنها أنا لو فرضنا إلهاً ثانياً فكان إما أن يكون الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال أولا.
وعلى الأول لا بد أن يحصل الامتياز بأمر وإلا لم يحصل التعدد، فذلك المميز إن كان من صفات الكمال لم يكن جميع صفات الكمال مشتركة بينهما، وإن كان من صفات النقص فالموصوف به لا يصلح للإلهية وكذا إن لم يكن الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال فثبت التوحيد بهذه الدلائل، مع أن الدليل النقلي في التوحيد كاف والله أعلم.
قالت الأشاعرة: عموم قوله ﴿ خالق كل شيء ﴾ يدل على أنه خالق أفعال العباد.
وقالت المعتزلة: إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح ولكنه لا يتمدح بخلق الزنا والكفر واللواط، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.
وأيضاً احتج كثير من المعتزلة به على نفي الصفات وعلى أن القرآن مخلوق.
أما الثاني فلأن القرآن شيء فيدخل تحت العموم.
وأما الأوّل فلأن الصفات لو كانت موجودة له لزم أن تكون مخلوقة له.
وأجيب بأنكم تخصصون هذا العام بحسب ذاته ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقاً لنفسه وبحسب أفعال العباد، فنحن أيضاً نخصصه بحسب الصفات وبحسب القرآن.
وأما الفرق بين قوله ﴿ وخلق كل شيء ﴾ وقوله ﴿ خالق كل شيء ﴾ فذلك لأن الأول يتعلق بالزمان الماضي، والثاني يتناول الأوقات كلها على سبيل الاستمرار.
ثم بين أن شيئاً من القوى المدركة لا يحيط بحقيقته وأن عقلاً من العقول لا يقف على كونه صمديته فقال ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ هذه الآية من مشهورات استدلالات المعتزلة على نفي رؤيته .
قالوا: الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية بدليل أن قول القائل: أدركته ببصري وما رأيته متناقضان.
ثم إن قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال بدليل صحة الاستثناء.
وأيضاً أنه ذكر الآية في معرض المدح والثناء، وكل ما كان عدمه مدحاً ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصاً كقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ﴿ لم يلد ولم يولد ﴾ فوجب كون الرؤية نقصاً في حقه .
وإنما قيدوا بما لا يكون من باب الفعل لأنه يمتدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ مع أنه قادر على الظلم عندهم.
وأجيب بالمنع من أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لأنه في أصل اللغة موضوع للوصول واللحوق ومنه ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون ﴾ أي لملحقون وقوله ﴿ حتى إذا أدركه الغرق ﴾ أي لحقه.
وأدرك الغلام أي بلغ، وأدركت الثمرة إذا نضجت.
وإذ قد ثبت ذلك فنقول: الرؤية جنس والإدراك أي إدراك البصر رؤية مع الإحاطة.
ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام، فلا يلزم من نفي إدراك البصر نفي الرؤية.
سلمنا أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لكن قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ لا يفيد إلا نفي العموم وأنتم تدعون عموم النفي فأين ذاك من هذا.
وإنما قلنا إنه لا يفيد إلا نفي العموم لأن صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضاً.
فقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يفيد أنها لا تدركه في الدنيا وأنها تركه إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها في الآخرة، أو نقول قول القائل: لا يدركه جميع الأبصار يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب، فلم لا يجوز أن يفيد أنه يدركه بعض الأبصار كما لو قيل إن محمداً ما آمن به كل الناس فإنه يفيد أنه آمن به بعض الناس، سلمنا أن الأبصار لا تدركه البتة فلم لا يجوز حصول إدراك الله بحاسة سادسة يخلقها الله يوم القيامة كما هو مذهب ضرار بن عمرو الكوفي.
أو نقول: سلمنا أن الأبصار لا تدركه فلم قلتم إن المبصرين لا يدركونه، أما قولهم إن الآية مذكورة في معرض المدح فنقول: لو لم يكن الله جائز الرؤية لما حصل المدح بقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ وإنما يحصل التمدح لو كان بحيث نصح رؤيته.
ثم إنه يحجب الأبصار عن رؤيتهلغاية جلاله ونهاية جماله.
والتحقيق فيه أن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجباً للمدح والعلم به ضروري، بل إذا كان النفي دليلاً على حصول صفة ثابتة من صفات المدح قيل: إن ذلك النفي يوجب التمدح كقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ فإنه لا يفيد المدح نظراً إلى هذا النفي، فإن الجماد أيضاً لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات من غير تبدل ولا زوال.
فقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يمتنع أن يفيد المدح إلا إذا دل على معنى موجود وذلك ما قلناه من كونه قادراً على حجب الأبصار ومنعها عن الإحاطة به، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية عليكم لا لكم لأنها أفادت أنه جائز الرؤية بحسب ذاته.
ثم نقول: إذا ثبت ذلك يجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة لأن القائل قائلان: قائل بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل لا يرونه ولا تجوز رؤيته، وإذا بطل هذا القول يبقى الأول حقاً لأن القول بجواز رؤيته مع أنه لا يراه أحد قول لم يقل به أحد وهذا استدلال لطيف.
ثم إن القاضي استدل ههنا على نفي الرؤية بوجوه أخر خارجة عن التفسير لائقة بالأصول.
فأولها أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان المرئي حاضراً وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة - وهو أن لا يحصل القرب القريب والبعد البعيد وارتفع الحجاب وكان المرئي مقابلاً أو في حكم المقابل - فإنه يجب حصول الرؤية وإلا لجاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبول ونحن لا نسمعها ولا نراها، وهذا يوجب السفسطة إذا ثبت هذا فنقول: القرب القريب والبعد البعيد والحجاب والمقابلة في حقه ممتنع، فلو صحت رؤيته كان المقتضي لحصول تلك الرؤية سلامة الحاسة وكون المرئي بحيث يصح رؤيته، وهذان المعنيان حصلان في هذا الوقت فوجب أن تحصل رؤيته، وحيث لم تحصل علمنا أن رؤيته ممتنعة في نفسها.
وأجيب بأن ذاته مخالفة لسائر الذوات ولا يلزم من ثبوت حكم لشيء ثبوت مثله فيما يخالفه.
وثانيها لو صحت رؤيته لأهل الجنة لرآه أهل النار أيضاً لأن القرب والبعد والحجاب ممتنع في حقه .
وأجيب لأنه لم لا يجوز أن يخلق الله الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها في عيون أهل النار؟
وثالثها أن كل ما كان مرئياً كان مقابلاً أو في حكم المقابل، والله منزه عن ذلك.
وأجيب بمنع الكلية وبأنه إعادة لعين الدعوى لأن النزاع واقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا.
ورابعها أن أهل الجنة يلزم أن يروه في كل حال حتى عند الجماع لأن القرب والبعد عليه محال، ولأن رؤيته أعظم اللذات وفوات ذلك يوجب الغم والحزن وذلك لا يليق بحال أهل الجنة.
وأجيب بأنهم لعلهم يشتهون الرؤية في حال دون حال كسائر الملاذ والمنافع.
(في تعديد الوجوه الدالة على جواز الرؤية): منها هذه الآية كما بينا.
ومنها أن موسى طلب الرؤية فدل ذلك على جوازها.
ومنها أنه علق الرؤية على استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.
ومنها قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ قد اتفق الجمهور على أن النبي وآله فسر الحسنى بالجنة والزيادة بالرؤية، ومنها قوله ﴿ فمن كان يرجوا لقاء ربه ﴾ ونحو ذلك من الآيات الدالة على اللقاء، ومنها قوله ﴿ كانت لهم جنات الفروس نزلاً ﴾ والاقتصار على النزل لا يجوز فالزائد على جنات الفردوس لا يكون إلا اللقاء.
ومنها قوله ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ وسوف يأتي في سورة النجم إن شاء الله .
ومنها قوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ﴾ ومنها قوله ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ فيكون المؤمنون غير محجوبين.
ومنها قوله ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس ﴾ ولا شك أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله على كل الوجوه وأكمل طرق المعرفة هو العيان.
ومنها قوله ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ﴾ فيمن قرأ بفتح الميم وكسر اللام.
وأما الأخبار فكثيرة منها: الحديث المشهور "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته" والمراد تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا تشبيه المرئي بالمرئي.
ومنها أن الصحابة اختلفوا في أن النبي وآله هل رأى الله تعالى ليلة المعراج ولم يكفر بعضهم بعضاً بهذا السبب فدل ذلك على أنهم كانوا يجمعون على إمكان الرؤية.
أما قوله ﴿ وهو يدرك الأبصار ﴾ ففيه دليل على أنه مبصر للمبصرات، راء للمرئيات، مطلع على ماهياتها، عليم بعوارضها وذاتياتها.
ثم قال ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ وليس المراد باللطافة ضد الكثافة وهو رقة القوام فإن ذلك من صفات الأجسام، بل المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها إلا مبدعها.
أو المراد أنه لطيف في الإنعام والرحمة لا يأمرهم فوق طاقتهم وينعم عليهم فوق استحقاقهم.
أو الغرض أنه يثني عليهم بالطاعة، ولا يقطع موادّ إحسانه عنهم بالمعصية.
أو المراد أنه يلطف عن أن يدركه الأبصار الخبير بكل لطيف ولا يلطف شيء عن إدراكه، ثم عاد إلى تقرير أمر الدعوة والرسالة فقال ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ أي موجباتها والبصيرة للقلب بمنزلة البصر للعين.
﴿ فمن أبصر ﴾ الحق وآمن ﴿ فلنفسه ﴾ أبصر وإياها نفع.
﴿ ومن عمي ﴾ عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر.
قالت المعتزلة: فيه تصريح بأن العبد يتمكن من الأمرين: الفعل والترك.
وعورض بالعلم والداعي ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم.
ثم حكى شبه المنكرين بقوله ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التقرير البليغ ﴿ نصرف الآيات ﴾ نأتي بها متواترة حالاً بعد حال ﴿ وليقولوا ﴾ عطف على محذوف أي لتلزمهم الحجة وليقولوا أو متعلق بما بعده أي وليقولوا درست نصرفها.
ومعنى ﴿ درست ﴾ قرأت وتعلمت من الدرس، ومن قرأ ﴿ دارست ﴾ أي قرأت على اليهود وقرؤا عليك وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة.
وأما قراءة ابن عامر ﴿ درست ﴾ فهي من الدروس بمعنى أن هذه الآيات قد درست وعفت أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا من جملة أساطير القرون الخالية، قالت العلماء: التركيب يدل على التذليل والتليين لأن من درس الكتاب فقد ذلـله بكثرة القراءة، ومنه قيل للثوب الخلق "دريس"، لأنه قد لان فكأنه ذكر الوجه الذي لأجله صرف الآيات وهو أمران: أحدهما قوله ﴿ وليقولوا دارست ﴾ والثاني قوله ﴿ ولنبينه ﴾ أما الثاني فلا إشكال فيه لأنه بيّن أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه البيان والعلم والضمير في ﴿ لنبينه ﴾ للآيات لأنها في معنى القرآن، أو يعود إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به، أو إلى التبيين الذي هو مصدر الفعل نحو: ضربته زيداً أي ضربت الضرب زيداً.
وأما الأول فقد أورد عليه أن قولهم للرسول ﴿ دارست ﴾ كفر منهم بالقرآن والرسول، وعلى هذا فتعود مسألة الجبر والقدر، أما الأشاعرة فأجروا الكلام على ظاهره وقالوا: معناه أنا ذكرنا هذه الدلائل حالاً بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزدادوا كفراً على كفر، ونبينه لبعض فيزدادوا إيماناً على إيمان كقوله ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً ﴾ وأما المعتزلة فقال الجبائي منهم والقاضي: إن هذا الإثبات محمول على النفي والتقدير: نصرف الآيات لئلا يقولوا كقوله ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ أي لئلا تضلوا.
أو المراد لام العاقبة، وزيف بأن حمل الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وفتح هذا الباب يخرج الكتاب عن أن يكون حجة.
وأيضاً إنه مناف للمقصود لأن إنزال الآيات نجماً فنجماً هو الذي أوقع الشبهة للقوم في أن محمداً إنما أتى بالقرآن على سبيل المدارسة والمذاكرة مع أقوام آخرين، ولهذا كانوا يقولون لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة.
فالجواب الذي ذكره إنما يصح لو كان التصريف علة لأن يمتنعوا من هذا القول لكنه موجب له فسقط كلامهم، وأيضاً حمل اللام على لام العاقبة مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى.
ثم إنه لما حكى عن الكفار أنهم نسبوه في شأن القرآن إلى الافتراء وإلى أنه دارس أقواماً واستفاد هذه العلوم منهم ثم نظمها قرآناً وادّعى أنه نزل عليه من الله أتبعه قوله ﴿ اتبع ما أوحي إليك من ربك ﴾ لئلا يصير ذلك القول سبباً لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي يعتريه بسماع تلك الشبهة، ونبه بالجملة المعترضة أو الحال المؤكدة وهي قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ على أنه لما كان واحداً في الإلهية فإنه يجب طاعته ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ وحمله بعضهم على أنها منسوخة بآية القتال.
وضعف بأن المراد واترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه، وأن يعدل صلوات الله عليه إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التنفير والتغيظ.
﴿ ولو شاء الله ما أشركوا ﴾ مذهب الأشاعرة فيه ظاهر.
وحمله المعتزلة على مشيئة الإلجاء والقسر.
وأجيب بعد المعارضة بالعلم والداعي بأن الإيمان الاختياري هب أنه أنفع وأفضل من الإيمان القهري إلا أنه لما علم أن ذلك لا يقع ولا يحصل فقد كان يجب في حكمته أن يخلق الله فيه الإيمان القهري كي يخلص من العقاب، وإن لم يجب له الثواب كما أن الأب المشفق إذا علم أن ابنه لا يحسن الغوص يقول له: اترك الغوص في البحر ولا تطلب اللآلىء فإنك لا تجدها واكتف بالرزق القليل مع السلامة، فأما أن يأمره بالغوص في البحر مع اليقين التام بأنه لا يستفيد منه إلا الهلاك فإن ذلك من الرحمة والشفقة بمعزل.
ثم ختم الكلام بما يكمل به بصيرة الرسول وآله، وذلك أن بيّن له قدر ما جعل إليه فذكر أنه ما جعله حفيظاً ولا وكيلاً عليهم وإنما فوض إليه الإبلاغ والإنذار.
ثم إنهم لما نسبوا الرسول إلى أنه جمع القرآن بطريق المداومة وكان لا يبعد أن يغضب له المسلمون لسبب ذلك فيسبوا آلهتهم نهى الله عن ذلك فقال ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ﴾ وذلك أن المسلمين إذا شتموا آلهتهم فربما غضبوا وذكروا الله بما لا ينبغي من القول.
وفيه تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والمسافهة وإنه لا يليق بالعقلاء.
قال ابن عباس: لما نزل ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ قال المشركون: لئن لم تنته عن سب آلهتنا وعيبها لنهجونّ إلهك فنزلت.
وقال السدي: " لما حضر أبا طالب الوفاة قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهي عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب كان يمنعه فلما مات قتلوه.
فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة ابن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود بن البختري إلى أبي طالب فقالوا: أنت كبيرنا وسيدنا، وأن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه.
فدعاه فجاء النبي وآله فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك.
فقال رسول الله : ماذا تريدون؟
قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك.
فقال أبو طالب: قد أنصفك قومك وبنو عمك.
فقال رسول الله : أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم؟
قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها فما هي؟
قال: قولوا لا إله إلا الله فأبوا واشمأزوا فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي فإن قومك قد فزعوا منها.
فقال: يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها.
فقالوا: لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك فأنزل الله هذه الآية" .
قالت العلماء: إن القوم كانوا مقرين بوجود الإله فكيف يتصور إقدامهم على شتم الله؟
وأجيب بأنه ربما كان بعضهم قائلاً بالدهر ونفي الصانع فما كان يبالي هذا النوع من السفاهة، أو لعل مرادهم شتم الرسول وآله فأجرى الله شتمه مجرى شتم الله كما في قوله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ أو لعلهم من جهالتهم اعتقدوا أن الشيطان يحمله على ادعاء الرسالة ثم إنهم سموا ذلك الشيطان بأنه إله محمد وآله.
وههنا سؤال وهو أن شتم الأصنام من أصول الطاعات فكيف يحسن من الله أن ينهى عنه؟
والجواب أن هذا الشتم وإن كان طاعة إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم منكراً وجب الاحتراز عنه، لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله وشتم رسوله وفتح باب السفاهة ويقتضي تنفيرهم عن قبول الدين وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم.
وفيه أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر وغلبة الظن قائمة مقام اليقين في هذا الباب.
وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدين كيلا يتشاغل بما لا يفيد في المطلوب، فإن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها، يقال: عدا فلان عدواً وعدواناً وعداء إذا ظلم ظلماً يتجاوز القدر.
قال الزجاج ﴿ عدواً ﴾ منصوب على المصدر لأن المعنى فيعدو عدواً وقرىء ﴿ عدوّاً ﴾ بفتح العين والتشديد أي في حال كونهم أعداء.
ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التزيين ﴿ زينا لكل أمة عملهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على أنه هو الذي زين للكافر الكفر وللمؤمن الإيمان وللعاصي المعصية، وزيفه الكعبي بقوله ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ [العنكبوت: 38] وبقوله ﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ﴾ فإذا المراد أنه زين لهم ما لهم أن يعملوا وهم لا يفقهون، أو المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا الشيطان حتى زين لهم أو زينا في زعمهم وقولهم أن الله أمرنا بهذا وزينه لنا، وضعف بعد المعارضة بالعلم وخلق الداعي بأن قوله ﴿ كذلك زينا ﴾ بعد قوله ﴿ فيسبوا الله ﴾ مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله .
وأيضاً الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفراً وجهلاً والعلم بذلك ضروري، بل إنما يختاره لأنه اعتقد كونه إيماناً وعلماً وحقاً وصدقاً، ولولا سابقة الجهل الأول لما اختار الجهل الثاني ولا تذهب الجهالات إلى غير النهاية، فلا بد أن ينتهي إلى جهل أول يخلقه الله فيه وهو بسبب ذلك الجهل ظن الكفر إيماناً والجهل علماً.
قال: ﴿ وأقسموا بالله جهد إيمانهم ﴾ والغرض حكاية شبهة أخرى لهم وهي أن هذا القرآن كيفما كان أمره فليس من جنس المعجزات البتة،ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة باهرة وبينه قاهرة لآمنا بك وأكدوا هذا المعنى بالأيمان والأقسام.
قال الواحدي: إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضعة لتوكيد الخبر وكانت الحاجة إلى ذكر الحلف عند انقسام الناس وقت سماع الخبر إلى مصدق ومكذب، فمعنى الأقسام إزالة القسمة وجعل الناس كلهم مصدقين بواسطة الحلف واليمين.
عن محمد بن كعب قال: " كلمت رسول الله وآله قريش فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كانت معه عصا فضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وأن عيسى كان يحيى الموتى، وأن صالحاً كانت له ناقة، فأتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك.
فقال رسول الله : أي شيء تحبون أن آتيكم به؟
قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً.
قال: فأن فعلت تصدقوني؟
قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون.
فقام رسول الله يدعو فجاءه جبريل فقال: إن شئت أصبح الصفا ذهباً ولكن لم أرسل بآية فلم يصدق بها إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم.
فقال رسول الله : أتركهم حتى يتوب تائبهم " وأنزل الله الآيات إلى قوله ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه.
وقال الزجاج: معناه بالغوا في الإيمان.
والمراد بقوله ﴿ لئن جاءتهم آية ﴾ ما روينا من جعل الصفا ذهباً.
وقيل: هي الأشياء المذكورة في قوله ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ﴾ الآيات.
وقيل: كان النبي وآله يخبرهم بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين المكذبين فالمشركون طلبوا مثلها.
﴿ قل إنما الآيات عند الله ﴾ أي هو مختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات لأن المعجزات لا تحصل إلا بتخليق الله ، أو المراد بالعندية هو العلم بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي إيمانهم أم لا كقوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ أو المراد أنها وإن كانت معدومة في الحال إلا أنه متى شاء أحدثها وليس لكم أن تتحكموا في طلبها كقوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ ﴿ وما يشعركم ﴾ ما استفهام والجملة خبره، ثم من قرأ ﴿ انها ﴾ بكسر الهمزة على الابتداء - وهي القراءة الجيدة - فالتقدير وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال ﴿ إنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وأما قراءة الفتح فقال سيبويه: سألت الخليل عن ذلك فقال: لا تحسن لأنها تصير عذراً للكفار، لأن معنى قول القائل: ما يدريك أنه لا يفعل هو أنه يفعل.
فمعنى الآية أنها إذا جاءت آمنوا وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذراً لهم في طلبها، لكن القراءة لما كانت متواترة فلا جرم ذكر العلماء فيه وجوها: قال الخليل: "أن" بمعنى "لعل" تقول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شياً أي لعلك.
ويقوي هذا الوجه قراءة أبي ﴿ لعلها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وثانيها "أن" تجعل "لا" صلة كما في قوله ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ ﴿ وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ﴾ وثالثها أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها فقال الله: وما يدريكم أيها المؤمنون أنهم لا يؤمنون على معنى أنكم لا تدرون ما سبق به على من أنهم لا يؤمنون.
وأما من قرأ ﴿ لا تؤمنون ﴾ بتاء الخطاب فالمراد وما يشعركم أيها الكفار.
قال القاضي والجبائي: في الآية دلالة على أنه يجب أن يفعل كل ما في مقدوره من الألطاف إذ لو كان في المعلوم لطف يؤمنون عنده، ثم إنه لا يفعل ذلك لم يكن لتعليل ترك الإجابة بأنهم لا يؤمنون وجه.
وأيضاً لو كان الإيمان بخلق الله ولم يكن لفعل الألطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات لم يكن لإظهار تلك المعجزات أثر.
وأجيب بأن تأثير المعجزات عندهم مبني على وجوب اللطف، فلو أثبت اللطف به لزم الدور، وبأن الآية التي بعد هذه وهي قوله ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴾ تدل على أن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره.
ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار هو أنهم إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها عرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول إلا إنه إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات.
والتقليب تحريك الشيء عن وجهه.
وكان وآله يقول "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك" والمراد أنه يقلب القلوب تارة من داعي الخير إلى داعي الشر وبالعكس.
وإنما قدم ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار، لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر عنه، والحاصل أن السمع والبصر آلتان للقلب فلهذا السبب وقع الابتداء بتقليب القلب.
قال الجبائي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وحرها لتعذيبهم.
وزيف بأن قوله ﴿ ونذرهم ﴾ إنما يحصل في الدنيا وهذا يستلزم سوء النظم.
وقال الكعبي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم بأنا لا نفعل بهم ما نفعل بالمؤمنين من الفوائد والألطاف حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم.
وضعف بأنه إنما استحق الحرمان من تلك الألطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر وهو الذي أوقع نفسه في ذلك الحرمان فكيف يحسن إضافته إلى الله في قوله ﴿ ونقلب ﴾ وقال القاضي: القلب باقٍ على حالة واحدة إلا أنه أدخل التقليب والتبديل في الدلائل.
واعترض بأن تقليب القلب نقله من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة.
وأما قوله ﴿ كما لم يؤمنوا به أول مرة ﴾ فقال الواحدي: فيه حذف والتقدير ولا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة يعني أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره.
والكناية في ﴿ به ﴾ إما عائدة إلى القرآن، أو إلى محمد وآله، أو إلى ما طلبوا من الآيات وقيل: الكاف للجزاء أي كما لم يؤمنوا أول مرة فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم.
قال الجبائي: ﴿ ونذرهم ﴾ أي لا نحول بينهم وبين اختيارهم ولا نمنعهم بمعاجلة الهلاك وغيره لكنا نمهلهم، فإن أقاموا على طغيانهم فذلك من قبلهم وأنه يوجب تأكيد الحجة عليهم.
وقالت الأشاعرة: نقلب أفئدتهم من الحق إلى الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان والضلال والعمى.
التأويل: ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ دلالات السعادات الباقية، فمن أبصرها بنظر البصيرة فاشتغل بتحصيلها وأقبل على الله لسلوك سبيلها فذلك تحصيل لنفسه ﴿ فإن الله غني عن العالمين ﴾ ﴿ ومن عمي ﴾ فبالعكس.
﴿ ولا تسبوا الذين يدعون ﴾ لا تخاطبوا أهل الضلال على مواجب نوازع النفس والطبيعة فيحملهم ذلك على ترك الإجلال وإظهار الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة والتزام الحجة ونفي الشبهة.
﴿ وأقسموا بالله ﴾ حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، وما يغني وضوح الأدلة لمن لم تدركه سوابق الرحمة ﴿ ونقلب أفئدتهم ﴾ عن الآخرة إلى الدنيا ﴿ وأبصارهم ﴾ عن شواهد المولى إلى مشاهدة النفس والهوى كأنهم لم يؤمنوا يوم الميثاق إذ قلت ألست بربكم؟
قالوا بلى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ ﴾ أي: قالوا لله شركاء؛ وكذلك قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ ﴾ أي: يقولون لله البنات، أو وصفوا لله، دليله ما ذكر في آخره: ﴿ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ دل هذا أن قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ أي: وصفوه بالشركاء والولد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ ﴾ .
قال بعضهم: هذا كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً ﴾ .
وقيل: إنهم لم يعبدوا الجن، ولا قصدوا قصد عبادة الشيطان؛ حيث قال: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ ؛ لأن جميع أهل الكفر على اختلاف مذاهبهم يبغضون الشيطان، ويلعنون عليه، ولكن معناه: أن الشيطان هو الذي دعاهم إلى عبادة الأصنام والأوثان، فإذا عبدوا الأصنام بدعائه فكأنهم عبدوه إذ بأمره وبدعائه يعبدونها.
أو أن يكون كما روي في الخبر "أن الشمس إذا طلعت تطلع بين قرني شيطان" ، فإذا عبدوها فكأنهم عبدوا الشيطان مثل هذا يحتمل، والله أعلم.
فإن قيل: فإذا صاروا كأنهم عبدوا الشيطان، ومن ذكر من الجن بدعائهم إلى ذلك، وبأمرهم بذلك حتى نسب وأضاف العبادة إليهم، كيف لا صار المؤمنون كأنهم عبدوا الرسل؛ لأنهم إنما عبدوا الله بدعاء الرسل وبأمرهم؟
قيل: لأن الرسل إنما دعوهم إلى عبادة الله وأمروهم بذلك؛ لأن الله - - أمرهم بذلك، وأما أولئك إنما دعوهم إلى عبادة من ذكر بذات أنفسهم.
وفي قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ ﴾ إخبار لأوليائه وتذكير لهم حسن صنيعه إلى أعدائه من الإنعام عليهم، والإحسان إليهم، وقبح صنيع أولئك إليه من وصفهم إياه بالولد والشركاء؛ ليعاملوهم معاملة الأعداء أو معاملة أمثالهم ﴿ وَخَلَقَهُمْ ﴾ أي: يعلمون أنه هو خلقهم، ثم يشركون غيره في ألوهيته وعبادته، لا يوجهون شكر نعمه إليه.
والثاني: قوله: ﴿ وَخَلَقَهُمْ ﴾ ، أي: خلق هذه الأصنام التي يعبدونها، ويعلمون أنها مخلوقة مسخرة مذللة، فمع ما يعلمون هذا يشركون في ألوهيته وعبادته، فكيف يكون المخلوق المسخر شريكاً له؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .
هم كانوا فرقاً وأصنافاً؛ منهم من يقول بأن عيسى ابنه وهم النصارى، ومنهم من يقول بأن عزيراً ابنه وهم اليهود، وقال مشركو العرب: الملائكة بنات الله، فقال: ﴿ أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ ﴾ ، وقال: ﴿ أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .
قال: أَنِفْتُم أنتم من البنات؛ كيف نسبتم البنات إليه؟!
في هذه الآية تصبير لرسول الله على أذاهم بقوله، مع كثرة ما كان لهم من الله من النعم والمنن يشركون في عبادته غيره؛ فأنت إذا لم يكن منك إليهم شيء من ذلك [فأولى] أن تصبر على أذاهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ .
أي: يعلمون هم أن ليس له ولد ولا شريك؛ ولكن كانوا يكابرون، ويحتمل ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ : على جهل يقولون ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ .
هو حرف تعظيم وتنزيه جعل فيما بين الخلق: به يعظمون، وبه ينزهون، وبه ينفون كل عيب فيهم؛ فعلى ذلك ذكر عند وصف الكفرة بالولد والشريك والعيوب؛ تنزيهاً وتبرئة عن كل عيب وصفة، وتعالياً عن جميع ما قالوا فيه، وهو - والله أعلم - كما يقولون: معاذ الله؛ تعظيماً وتبريئاً من ذلك.
وفي قوله: ﴿ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ نقض قول المعتزلة؛ [لقولهم]: إن صفات الله ليست إلا وصف الواصفين، فلو لم يكن [إلا وصف الواصف] لا غير لكان لا معنى لذم بعض الواصفين وحمد بعضهم؛ فثبت أن في ذلك صفة سوى وصف الواصفين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ﴾ .
قوله: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: أنشأهما بلا احتذاء ولا امتثال بغير، وقوله هذا يرد على القرامطة قولهم؛ [لأنهم يقولون: خالق، [ولا يقولون مبدع]، ويقولون: المبدع الثاني هو أول مخلوق خلق منه جميع العالم، فلو كان أول خلق خلق مبدعاً فهو مبدع، والإبداع: هو إحداث شيء لم يسبق له أصل ولا مثال؛ ولهذا يقال لمن أحدث في دينه شيئاً: مبتدع؛ لأنه أحدث فيه شيئاً لم يسبق له أصل ولا مثال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ﴾ .
أي: من قدر على إبداع السماوات والأرض، لا عن أصل سبق ولا عن مثال تقدم؛ فأنى يقع له الحاجة إلى الولد؟!
والولد في الشاهد إنما يتخذ؛ [لإحدى] خصال ثلاث: إما للانتصار على الأعداء والانتقام منهم، وإمّا لوحشة تأخذهم، وإما لحاجة تمسّهم؛ فالله - وتعالى - يتعالى عن ذلك كله فأنى يتخذ ولداً؟!
والثاني: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ ﴾ ، أي: تعرفون أن الولد لا يكون في الشاهد إلا عن صاحبة [وليست له صاحبة] فأنى يكون له ولد؛ كأن الخطاب كان في قوم ينفون عنه الصاحبة، وإنما الحاجة إلى الصاحبة؛ للشهوات التي مكنت فيهم؛ فالشهوة هي التي تقهر المرء وتحمله على الحاجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .
فيه نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أنه خلق كل شيء، وعلى قولهم: لم يخلق جزءاً من ألف جزء من الأشياء؛ لأنهم يقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد، ولا حركاتهم، ولا سكناتهم، ولا قيامهم، ولا قعودهم، ولا شيئاً من ذلك، ثم لا يجوز أن تصرف الآية إلى الخصوص، وهو يخرج مخرج الامتداح، ولو جاز أن يصرف هذا على شيء دون شيء لجاز لغيرهم أن يصرفوا قوله: ﴿ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ إلى شيء دون شيء وكذلك قوله: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ على قول المعتزلة هو خالق بعض الأشياء ليس هو بخالق الأشياء كلها؛ على ما أخبر فلئن جاز صرفه إلى بعض الأشياء دون بعض؛ لجاز - أيضاً - صرف قوله ﴿ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ .
وقيل: إلى بعض دون بعض، حفظ بعض الأشياء ولم يحفظ الكل، فإن لم يجز هذا؛ لأنه خرج مخرج الامتداح؛ فعلى ذلك لا يجوز صرف الأول إلى بعض دون بعض؛ لأنه امتداح، ولئن جاز أن يقال بأن العبد هو خالق ذلك، جاز أن يقال: هو خالق الكل، والقادر عليه؛ فهذا سمج بيّن، نسأل الله العصمة عن السرف في القول، والزيغ عن الحق؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ .
أي: ابتدع خلق السماوات والأرض، وما ذكر من أنواع المنن والنعم التي أنعمها عليهم؛ من نحو: ما جعل لهم من النجوم؛ ليهتدوا بها في الظلمات، وما ذكر أنه أنشأهم من نفس واحدة، وما ذكر من إنزال الماء من السماء، وإخراج ما أخرج به من النبات والثمار والحبوب والأعناب، وغير ذلك من عجيب حكمته، ذلك كله بالله الذي ﴿ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ ، منشئ ذلك كله.
﴿ فَٱعْبُدُوهُ ﴾ .
أي: إليه وجهوا شكر نعمه، ولا توجهوا إلى غيره، قال الكيساني: بديع السماوات [والأرض]، وبادع السماوات [والأرض] واحد؛ كما يقال: عليم وعالم، و (بدع) و (ابتدع): بمعنى واحد.
وقال بعضهم: هو مثل قوله: ﴿ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ ﴾ .
قيل: كنى بالأبصار عن الخلق؛ كأنه قال: لا يدركه الخلق، وهو يدرك الخلق، وإنما كنى بالأبصار عن الخلق؛ لما بالأبصار تدرك الأشياء ويحاط بها؛ لذلك كان معنى الكناية، والله أعلم.
وقيل: هو [على] حقيقة الأبصار، [و] كذلك بصر القلب؛ لما به نفع المعارف، فإن كان بصر الوجه، ففيه دليل إثبات الرؤية؛ لأنه نفى عنه الإدراك، فلو [لم يكن يحتمل الرؤية] لم يكن لنفي الإدراك معنى؛ لأنه لا يدرك ما لا يرى؛ فدل نفي الإدراك على أن هنالك رؤية، لكنه لا يدرك ولا يحاط بها؛ على ما ذكر: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾ ؛ إذ من الأشياء الظاهرة مما يقع عليها البصر يكون لها سر، وفيها خفاء؛ من نحو: البصر، والسمع [واللسان]، والأنف، واليد، وغير ذلك من الأشياء: مما لا يدرك حقيقة ماهيتها وكيفيتها ولا تقديرها: [يبصر] بالبصر أشياء لا يعرف حقيقة كيفية البصر ولا ماهيته، وكذلك السمع: لا يدري أنه كيف هو؟
ولا بم يسمع؟
وكذلك هذا في كل جارحة وحاسة: تجد اليوم خشونة الشيء الذي تمسه ولينه، لا تعرف: بم تجد ذلك وتعرفه؟
وكذلك الكلام من اللسان، والشم من الأنف لا يدري ما هو؟
وكيف؟
وبم يجد تلك الرائحة والنتن؟
فإذا كانت معارف الخلق في الأشياء الظاهرة التي يقع عليها البصر لا يدرك حقيقة ماهيتها، ولا يعرف كيفيتها، ولا يحاط بها علما؛ فالله - - الذي بحكمته وضع ذلك، وبلطفه ركب - أبعد عن الإدراك، وأحرى ألا يحاط به، ولا يدرك.
وهذا يرد على المجسمة مذهبهم؛ لأنهم يصورون ربهم في قلوبهم، ويمثلونه، فعلى ذلك يعبدونه، فهم مشبهة.
وأصله أن الله - تبارك وتعالى - يعرف بالآيات والدلائل، لا بالمحسوسات والمشاهدات، وكل شيء سبيل معرفته الآيات والدلائل: فهو غير محاط به ولا يدرك؛ فهو على ما وصف نفسه: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾ ، ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ ﴾ ؛ لأن الإدراك والإحاطة إنما يقعان بالمحسوسات، لا بما يعرف بالآيات والدلائل، وعلى ذلك جاءت دلائل الرسل [به]؛ نحو ما قال موسى - حين سأله فرعون -: ﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ ، وقال إبراهيم: ﴿ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ ، وقال: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ ﴾ دلالة على ألوهيته ووحدانيته من جهة الآيات والدلائل، لا من غيره.
وعلى ذلك دل الله الخلق على معرفة وحدانيته وربوبيته، بقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا ﴾ ، وقال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ إلى آخر ما ذكر، دلهم على ما به يعرفون ألوهيته ووحدانيته من جهة الآيات والدلائل، لا من جهة ما تقع به الإحاطة والإدراك، وبالله الهداية والرشاد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ .
قيل: اللطيف: في أفعاله، الخبير بخلقه وبأعمالهم.
وقيل: اللطيف: البار الرحيم.
وقيل: اللطيف: هو العليم بخفيات الأشياء.
والخبير بظواهر الأشياء.
ثم هو اللطيف: العظيم، والعظيم في الشاهد: غير اللطيف، واللطيف: غير العظيم؛ لأن العظيم في الشاهد هو الذي به كثافة، واللطيف: ما يلطف في نفسه ويرق، وكل واحد منهما مما يناقض الآخر؛ ليعلم أنه لطيف عظيم، لا من الوجوه التي تعرف في الخلق؛ وكذلك قوله: ﴿ هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ﴾ هو أول وآخر وظاهر وباطن، وفي الخلق: من كان أولا لم يكن آخراً، ومن كان ظاهراً لم يكن باطناً؛ ليعلم أنه أول وآخر وظاهر وباطن، لا من الوجه الذي يعرف ويفهم من الخلق؛ ولكن مما وصف نفسه.
<div class="verse-tafsir"
لا تحيط به الأبصار، وهو سبحانه يدرك الأبصار، ويحيط بها، وهو اللطيف بعباده الصالحين، الخبير بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.ReZ8j"