الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٠٥ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 112 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٥ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وكذلك نصرف الآيات ) أي : وكما فصلنا الآيات في هذه السورة ، من بيان التوحيد وأنه لا إله إلا هو ، هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن لجهالة الجاهلين ، وليقول المشركون والكافرون المكذبون : دارست يا محمد من قبلك من أهل الكتاب وقارأتهم وتعلمت منهم .
هكذا قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وغيرهم .
وقد قال الطبراني : حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثنا أبي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عمرو بن كيسان ، سمعت ابن عباس يقرأ : ( دارست ) تلوت ، خاصمت ، جادلت .
وهذا كما قال تعالى إخبارا عن كذبهم وعنادهم : ( وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) [ الفرقان : 4 ، 5 ] ، وقال تعالى إخبارا عن زعيمهم وكاذبهم : ( إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر ) [ المدثر : 18 - 25 ] .
وقوله : ( ولنبينه لقوم يعلمون ) أي : ولنوضحه لقوم يعلمون - الحق فيتبعونه ، والباطل فيجتنبونه .
فلله تعالى الحكمة البالغة في إضلال أولئك ، وبيان الحق لهؤلاء .
كما قال تعالى : ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين ) [ البقرة : 26 ] ، وقال تعالى : ( ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ) [ الحج : 53 ] وقال تعالى : ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو ) [ المدثر : 31 ] .
وقال تعالى ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) [ الإسراء : 82 ] وقال تعالى : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ) [ فصلت : 44 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى أنزل القرآن هدى للمتقين ، وأنه يضل به من يشاء ويهدي به من يشاء ، ولهذا قال هاهنا : ( وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون ) وقرأ بعضهم : ( وليقولوا درست ) .
قال التميمي ، عن ابن عباس : " درست " أي : قرأت وتعلمت .
وكذا قال مجاهد ، والسدي والضحاك ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .
وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، قال الحسن : " وليقولوا درست " ، يقول : تقادمت وانمحت .
وقال عبد الرزاق أيضا : أنبأنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، سمعت ابن الزبير يقول : إن صبيانا يقرءون هاهنا : " درست " ، وإنما هي : " درست " وقال شعبة : حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال في قراءة ابن مسعود : " درست " بغير ألف ، بنصب السين ووقف على التاء .
وقال ابن جرير : ومعناه انمحت وتقادمت ، أي : إن هذا الذي تتلوه علينا قد مر بنا قديما ، وتطاولت مدته .
وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة أنه قرأها : " درست " أي : قرئت وتعلمت .
وقال معمر ، عن قتادة : " درست " : قرئت .
وفي حرف ابن مسعود " درس " وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : حدثنا حجاج ، عن هارون قال : هي في حرف أبي بن كعب وابن مسعود : " وليقولوا درس " قال : يعنون النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ .
وهذا غريب ، فقد روي عن أبي بن كعب خلاف هذا ، قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا الحسن بن الليث ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا أحمد بن أبي بزة المكي ، حدثنا وهب بن زمعة ، عن أبيه ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب قال : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وليقولوا درست ) .
ورواه الحاكم في مستدركه ، من حديث وهب بن زمعة ، وقال : يعني بجزم السين ، ونصب التاء ، ثم قال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كما صرفت لكم، أيها الناس، الآيات والحجج في هذه السورة، وبينتها, فعرفتكموها، (29) في توحيدي وتصديق رسولي وكتابي ووقَّفتكم عليها, (30) فكذلك أبيِّن لكم آياتي وحججي في كل ما جهلتموه فلم تعرفوه من أمري ونهيي ، كما:- 13705- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وكذلك نصرف الآيات "، لهؤلاء العادلين بربهم, كما صرفتها في هذه السورة, ولئلا يقولوا: درسْتَ .
* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قَرَأة أهل المدينة والكوفة: ( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ )، يعني: قرأت، أنت، يا محمد، بغير " ألف " .
* * * وقرأ ذلك جماعة من المتقدمين، منهم ابن عباس، على اختلاف عنه فيه, وغيرُه وجماعة من التابعين, وهو قراءة بعض قَرَأة أهل البصرة: " وَلِيَقُولُوا دَارَسْتَ"، بألف, بمعنى: قارأت وتعلمت من أهل الكتاب .
* * * وروى عن قتادة: أنه كان يقرؤه: " دُرِسَتْ"، بمعنى: قرئت وتليت .
(31) * * * وعن الحسن أنه كان يقرؤه: " دَرَسَتْ"، بمعنى: انمحت .
(32) * * * قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأه: ( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ )، بتأويل: قرأتَ وتعلمت; لأن المشركين كذلك كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر الله عن قيلهم ذلك بقوله: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [سورة النحل: 103].
فهذا خبرٌ من الله ينبئ عنهم أنهم كانوا يقولون: إنما يتعلم محمد ما يأتيكم به من غيره .
فإذ كان ذلك كذلك, فقراءة: ( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ )، يا محمد, بمعنى: تعلمت من أهل الكتاب, أشبهُ بالحق، وأولى بالصواب من قراءة من قرأه: " دارسْتَ"، بمعنى: قارأتهم وخاصمتهم, وغير ذلك من القراءات .
* * * واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، على قدر اختلاف القرأة في قراءته .
(33) * ذكر من قرأ ذلك: ( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ )، من المتقدمين, وتأويله بمعنى: تعلمت وقرأت .
13706- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح قال، حدثنا علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (وليقولوا درست)، قالوا: قرأت وتعلمت.
تقول ذلك قريش .
13707- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل, عن أبي يحيى, عن مجاهد: (وليقولوا درست) قال: قرأت وتعلمت .
13708- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل وافقه, عن أبي إسحاق, عن التميمي, عن ابن عباس: (وليقولوا درست)، قال: قرأت وتعلمت .
13709- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وليقولوا درست)، يقول: قرأت الكتب .
13710- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنى عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (درست)، يقول: تعلمت وقرأت .
13711- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن التميمي, قال: قلت لابن عباس: أرأيت قوله: (درست)؟
قال: قرأت وتعلمت .
13712- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن أبي إسحاق, عن التميمي, عن ابن عباس, مثله .
* * * * ذكر من قرأ ذلك (دَارَسْتَ)، وتأوله بمعنى: جادلت، من المتقدمين .
13713- حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث, عن حميد, عن مجاهد, عن ابن عباس: " دارست "، يقول: قارأت .
13714- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن أيوب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, أنه كان يقرؤها: " وَلِيَقُولُوا دَارَسْتَ"، أحسبه قال: قارأت أهل الكتاب .
13715- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن التميمي, عن ابن عباس: " وليقولوا دارست "، قال: قارأت وتعلمت .
13716- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة, عن أبي إسحاق قال، سمعت التميمي يقول: سألت ابن عباس عن قوله: " وليقولوا دارست "، قال: قارأت وتعلَّمت .
13717- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن علية, عن أبي المعلى, عن سعيد بن جبير قال، كان ابن عباس يقرؤها: " دَارَسْتَ" .
13718- حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو المعلى قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: كان ابن عباس يقرأ: " دَارَسْتَ"، بالألف, بجزم السين، ونصب التاء .
13719- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن عمرو بن دينار قال، أخبرني عمرو بن كيسان: أن ابن عباس كان يقرأ: " دَارَسْتَ"، تلوت, خاصمت, جادلت .
13720- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا سفيان بن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن عمرو بن كيسان, قال ابن عباس في: " دارست "، قال: تلوت, خاصمت, جادلت .
13721- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير في هذه الآية: " وليقولوا دارست "، قال: قارأت .
13722- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو بشر, عن سعيد بن جبير أنه قرأ: " دَارَسْتَ"، بالألف أيضًا، منتصبة التاء, وقال: قارأت .
13723- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا أبو عوانة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير أنه قرأ: " دَارَسْتَ"، أي: ناسخت .
13724- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " دارست "، قال: فاقهت، قرأت على يهود، وقرءوا عليك .
13725- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وليقولوا دارست "، قال: قارأت, قرأت على يهود، وقرءوا عليك .
13726- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: " دارست "، يعني، أهلَ الكتاب .
13727- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " دارست "، قال: قرأت على يهود, وقرءوا عليك .
13728- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: " وليقولوا دارست "، قال: قالوا دارستَ أهل الكتاب, وقرأت الكتب وتعلَّمتها .
* * * * ذكر من قرأ ذلك: " دُرِسَتْ" بمعنى: تُليت، وقُرِئت, (34) على وجه ما لم يسمَّ فاعله.
13729- حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا الحسين المعلم وسعيد, عن قتادة: " وكذلك نصرف الآيات وليقولوا دُرِسَتْ"، أي: قرئت وتعلمت .
13730- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال، قال قتادة: " دُرِست "، قرئت = وفي حرف ابن مسعود: " دَرَسَ" .
* * * ذكر من قال ذلك: " دَرَسَتْ" بمعنى: انمحت وتقادمت، أي هذا الذي تتلوه علينا قد مرَّ بنا قديمًا، وتطاولت مدته.
(35) 13731- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كان الحسن يقرأ: " وَلِيَقُولُوا دَرَسَتْ"، أي: انمحت .
13732- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال: في قراءة ابن مسعود: " دَرَسَتْ"، بغير ألف, بنصب السين، ووقف التاء .
(36) 13733- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن عمرو بن دينار قال، سمعت ابن الزبير يقول: إن صبيانًا ههنا يقرؤون: " دَارَسْتَ" وإنما هي" دَرَسَتْ" .
13734- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمرقال: قال الحسن: " وليقولوا دَرَسَتْ": يقول: تقادمت وانمحت .
* * * وقرأ ذلك آخرون: " دَرَسَ", من " درس الشيء "، تلاه .
13735- حدثني أحمد بن يوسف الثعلبي قال، حدثنا أبو عبيدة قال، حدثنا حجاج, عن هارون قال: هي في حرف أبي بن كعب وابن مسعود: " وَلِيَقُولُوا دَرَسَ"، قال: يعني النبي صلى الله عليه وسلم، قرَأ .
* * * وإنما جاز أن يقال مرة: " دَرَسْتَ", ومرة " دَرَسَ", فيخاطب مرة، ويخبر مرة, من أجل القول .
* * * قال أبو جعفر: وقد بينا أولى هذه القراءات في ذلك الصواب عندنا, والدلالة على صحة ما اخترنا منها .
* * * وأما تأويل قوله: " ولنبينه لقوم يعلمون "، يقول تعالى ذكره: كما صرفنا الآيات والعبر والحجج في هذه السورة لهؤلاء العادلين بربهم الآلهة والأنداد, كذلك نصرف لهم الآيات في غيرها, كيلا يقولوا لرسولنا الذي أرسلناه إليهم: " إنما تعلمت ما تأتينا به تتلوه علينا من أهل الكتاب ", فينـزجروا عن تكذيبهم إياه، وتقوُّلهم عليه الإفك والزور, ولنبين بتصريفنا الآيات الحقَّ، لقوم يعلمون الحق إذا تبيَّن لهم فيتبعوه ويقبلوه, وليسوا كمن إذا بُيِّن لهم عَمُوا عنه فلم يعقلوه، وازدادوا من الفهم به بعدًا .
(37) -------------------- الهوامش : (29) انظر تفسير (( تصريف الآيات )) فيما سلف 11 : 433 : 1 ، والمراجع هناك .
(30) في المطبوعة : (( ووصيتكم عليها )) ، وهو لا معنى له ، صوابه في المخطوطة ، وإن كانت سيئة الكتابة .
(31) في المطبوعة : (( قرأت وتليت )) ، وهو خطأ ، والصواب ما في المخطوطة .
وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 349 .
(32) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 349 ، وفسره بقوله : (( تقادمت ، أي : هذا الذي تتلوه علينا شيء قد تطاول ، ومر بنا )) .
(33) انظر تفسير (( الدرس )) فيما سلف 6 : 544 - 546 .
(34) في المخطوطة والمطبوعة : (( نبئت )) ، وهو خطأ محض ، صوابه ما أثبت ، كما سلف ، ص : 26 س : 9 .
(35) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 349 .
(36) (( الوقف )) في اصطلاحهم قديمًا ، هو (( السكون )) عند النحويين .
(37) في المطبوعة والمخطوطة : (( من الفهم به )) ، والسياق يقتضي ما أثبت .
قوله تعالى وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون قوله تعالى : وكذلك نصرف الآيات الكاف في كذلك في موضع نصب ; أي نصرف الآيات مثل ما تلونا عليك .
أي كما صرفنا الآيات في الوعد والوعيد والوعظ والتنبيه في هذه السورة نصرف في غيرها .
وليقولوا درست والواو للعطف على مضمر ; أي نصرف الآيات لتقوم الحجة وليقولوا درست .
وقيل : أي وليقولوا درست صرفناها ; فهي لام الصيرورة .
وقال الزجاج : هذا كما تقول كتب فلان هذا الكتاب لحتفه ; أي آل أمره إلى ذلك .
وكذا لما صرفت الآيات آل أمرهم إلى أن قالوا : درست وتعلمت من جبر ويسار ، وكانا غلامين نصرانيين بمكة ، فقال أهل مكة : إنما يتعلم منهما .
قال النحاس : وفي المعنى قول آخر حسن ، وهو أن يكون معنى نصرف الآيات نأتي بها آية بعد آية ليقولوا درست علينا ; فيذكرون الأول بالآخر .
فهذا حقيقة ، والذي قاله أبو إسحاق مجاز .وفي " درست " سبع قراءات .
قرأ أبو عمرو وابن كثير " دارست " بالألف بين الدال [ ص: 54 ] والراء ; كفاعلت .
وهي قراءة علي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وأهل مكة .
قال ابن عباس : معنى " دارست " تاليت .
وقرأ ابن عامر " درست " بفتح السين وإسكان التاء من غير ألف ; كخرجت .
وهي قراءة الحسن .
وقرأ الباقون " درست " كخرجت .
فعلى الأولى : دارست أهل الكتاب ودارسوك ; أي ذاكرتهم وذاكروك ; قاله سعيد بن جبير .
ودل على هذا المعنى قوله تعالى إخبارا عنهم : وأعانه عليه قوم آخرون أي أعان اليهود النبي صلى الله عليه وسلم على القرآن وذاكروه فيه .
وهذا كله قول المشركين .
ومثله قولهم : وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين .
وقيل : المعنى دارستنا ; فيكون معناه كمعنى درست ; ذكره النحاس واختاره ، والأول ذكره مكي .
وزعم النحاس أنه مجاز ; كما قال :فللموت ما تلد الوالدهومن قرأ " درست " فأحسن ما قيل في قراءته أن المعنى : ولئلا يقولوا انقطعت وامحت ، وليس يأتي محمد صلى الله عليه وسلم بغيرها .
وقرأ قتادة " درست " أي قرئت .
وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبيد عن الحسن أنه قرأ " دارست " .
وكان أبو حاتم يذهب إلى أن هذه القراءة لا تجوز ; قال : لأن الآيات لا تدارس .
وقال غيره : القراءة بهذا تجوز ، وليس المعنى على ما ذهب إليه أبو حاتم ، ولكن معناه دارست أمتك ; أي دارستك أمتك ، وإن كان لم يتقدم لها ذكر ; مثل قوله : حتى توارت بالحجاب .
وحكى الأخفش " وليقولوا درست " وهو بمعنى " درست " إلا أنه أبلغ .
وحكى أبو العباس أنه قرئ " وليقولوا درست " بإسكان اللام على الأمر .
وفيه معنى التهديد ; أي فليقولوا بما شاءوا فإن الحق بين ; كما قال عز وجل فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا فأما من كسر اللام فإنها عنده لام كي .
وهذه القراءات كلها يرجع اشتقاقها إلى شيء واحد ، إلى التليين والتذليل .
ودرست من درس يدرس دراسة ، وهي القراءة على الغير .
وقيل : درسته أي ذللته بكثرة القراءة ; وأصله درس الطعام أي داسه .
والدياس الدراس بلغة أهل الشام .
وقيل : أصله من درست الثوب أدرسه درسا أي أخلقته .
وقد درس الثوب درسا أي أخلق .
ويرجع هذا إلى التذلل أيضا .
ويقال : سمي إدريس لكثرة دراسته لكتاب الله .
ودارست الكتب وتدارستها وادارستها أي درستها .
ودرست الكتاب درسا ودراسة .
ودرست المرأة درسا أي حاضت .
ويقال إن فرج المرأة يكنى أبا أدراس ; وهو [ ص: 55 ] من الحيض .
والدرس أيضا : الطريق الخفي .
وحكى الأصمعي : بعير لم يدرس أي لم يركب ، ودرست من درس المنزل إذا عفا .
وقرأ ابن مسعود وأصحابه وأبي وطلحة والأعمش " وليقولوا درس " أي درس محمد الآيات .ولنبينه يعني القول والتصريف ، أو القرآن لقوم يعلمون .
( وكذلك نصرف الآيات ) نفصلها ونبينها في كل وجه ، ( وليقولوا ) قيل : معناه لئلا يقولوا ، ( درست ) وقيل : هذه اللام لام العاقبة أي عاقبة أمرهم أن يقولوا : درست ، أي : قرأت على غيرك ، وقيل : قرأت كتب أهل الكتاب ، كقوله تعالى : ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) ، ( القصص ، 8 ) ، ومعلوم أنهم لم يلتقطوه لذلك ، ولكن أراد أن عاقبة أمرهم أن كان عدوا لهم .
قال ابن عباس : وليقولوا يعني : أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن درست ، أي : تعلمت من يسار وجبر ، كانا عبدين من سبي الروم ، ثم قرأت علينا تزعم أنه من عند الله ، من قولهم : درست الكتاب أدرس درسا ودراسة .
وقال الفراء : يقولون تعلمت من اليهود ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : " دارست " بالألف ، [ أي : قارأت أهل الكتاب من المدارسة بين اثنين ، تقول : ] قرأت عليهم وقرأوا عليك .
وقرأ ابن عامر ويعقوب : " درست " بفتح السين وسكون التاء ، أي : هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة ، قد درست وانمحت ، من قولهم : درس الأثر يدرس دروسا .
( ولنبينه لقوم يعلمون ) قال ابن عباس : يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد ، وقيل : يعني أن تصريف الآيات ليشقى به قوم ويسعد به قوم آخرون ، فمن قال درست فهو شقي ومن تبين له الحق فهو سعيد .
«وكذلك» كما بينا ما ذكر «نصرِّف» نبين «الآيات» ليعتبروا «وليقولوا» أي الكفار في عاقبة الأمر «دارست» ذاكرت أهل الكتاب وفي قراءة دَرَسْت أي كتب الماضين وجئت بهذا منها «ولنبيِّنه لقوم يعلمون».
وكما بيَّنَّا في هذا القرآن للمشركين البراهين الظاهرة في أمر التوحيد والنبوة والمعاد نبيِّن لهم البراهين في كل ما جهلوه فيقولون عند ذلك كذبًا: تعلمت من أهل الكتاب، ولنبين -بتصريفنا الآيات- الحقَّ لقوم يعلمونه، فيقبلونه ويتبعونه، وهم المؤمنون برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه.
وقوله : { وكذلك نُصَرِّفُ الآيات } أى : وكما فصلنا الآيات الدالة على التوحيد فى هذه السورة تفصيلا بديعا محكما نفصل الايات ونبينها وننوعها فى كل موطن لتقوم على الجاحدين الحجة ، وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم .{ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } يقال درس الكتاب يدرسه دراسة إذا أكثر قراءته وذلك للحفظ .
وأصله من در الحنطة يدرسها درسا ودراسا إذا داسها ، فكأن التالى يدوس الكلام فيخفف على لسانه .والمعنى : وليقول المشركون فى الرد عليك : إنك يا محمد قد قرأت الكتب على أهل الكتاب وتعلمت منهم ، وحفظت عن طريق الدراسة أخبار من مضى ، ثم جئتنا بعد كل ذلك تزعم أن ما جئت به من عند الله ، وما هو من عند الله .وقد حكى القرآن فى مواضع كثيرة التهم الباطلة التى وجهها المشركون إلى النبى صلى الله عليه وسلم ومن ذلك قوله - تعالى - :{ وَقَالَ الذين كفروا إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } قال ابن عباس : { وَلِيَقُولُواْ } يعنى : أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن { دَرَسْتَ } يعنى : تعلمت من يسار وخير - وكانا عبدين من سبى الروم - ثم قرأت علينا تزعم أنه من عند الله .وقال الفراء : معناه ، تعلمت من اليهود لأنهم كانوا معروفين عند أهل مكة بالعلم والمعرفة .وقرىء ( دارست ) - بالألف وفتح التاء - أى : دارست غيرك ممن يعلم الأخبار الماضية كأهل الكتاب ، من المدارسة بين الإثنين ، أى : قرأت عليهم وقرءوا عليك .قال تعالى : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ } وقرىء - أيضاً - ( درست ) - بفتح الدال والراء والسين وسكون التاء - أى : وليقولوا مضت وقدمت وتكررت على الأسماع ، وقد حكى القرآن أنهم قالوا أساطير الأولين قال - تعالى - { حتى إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الذين كفروا إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين } وهذه القراءات الثلاث متواترة وهناك قراءات أخرى شاذة لا مجال لذكرها هنا .وقوله : { وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أى : ولنبين ونوضح هذا القرآن لقوم يعلمون الحق فيتبعونه والباطل ليجتنبونه ، فهم المنتفعون به دون سواهم .فالضمير فى { وَلِنُبَيِّنَهُ } يعود إلى القرآن لكونه معلوما وإن لم يجر له ذكر ، وقيل : يعود إلى الآيات لأنها فى معنى القرآن .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فرق بين اللامين فى { وَلِيَقُولُواْ } و { َلِنُبَيِّنَهُ } ؟
قلت : الفرق بينهما أن الأول مجاز والثانية حقيقة ، وذلك لأن الآيات صرفت للنبيين ولم تصرف ليقولوا درست ، ولكن لأنه حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل للنبيين شبه به فسيق مساقه .
اعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في الإلهيات إلى هذا الموضع شرع من هذا الموضع في إثبات النبوات فبدأ تعالى بحكاية شبهات المنكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
فالشبهة الأولى: قولهم يا محمد إن هذا القرآن الذي جئتنا به كلام تستفيده من مدارسة العلماء ومباحثة الفضلاء، وتنظمه من عند نفسك، ثم تقرأه علينا، وتزعم أنه وحي نزل عليك من الله تعالى، ثم أنه تعالى أجاب عنه بالوجوه الكثيرة، فهذا تقرير النظم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المراد من قوله: ﴿ وكذلك نُصَرّفُ الأيات ﴾ يعني أنه تعالى يأتي بها متواترة حالاً بعد حال، ثم قال: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: حكى الواحدي: في قوله درس الكتاب قولين: الأول: قال الأصمعي أصله من قولهم: درس الطعام إذا داسه، يدرسه دراساً والدراس الدياس بلغة أهل الشام قال: ودرس الكلام من هذا أي يدرسه فيخف على لسانه.
والثاني: قال أبو الهيثم درست الكتاب أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه، من قولهم درست الثوب أدرسه درساً فهو مدروس ودريس، أي أخلقته، ومنه قيل للثوب الخلق دريس لأنه قد لان، والدراسة الرياضة، ومنه درست السورة حتى حفظتها، ثم قال الواحدي: وهذا القول قريب مما قاله الأصمعي بل هو نفسه لأن المعنى يعود فيه إلى الدليل والتليين.
البحث الثاني: قرأ ابن كثير وأبو عمرو دارست بالألف ونصب التاء، وهو قراءة ابن عباس ومجاهد وتفسيرها قرأت على اليهود وقرؤا عليك، وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة، ويقوي هذه القراءة قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه وَأَعَانَهُ عليه قوم آخرون ﴾ وقرأ ابن عامر ﴿ دَرَسْتَ ﴾ أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا قديمة قد درست وانمحت، ومضت من الدرس الذي هو تعفي الأثر وإمحاء الرسم، قال الأزهري من قرأ ﴿ دَرَسْتَ ﴾ فمعناه تقادمت أي هذا الذي تتلوه علينا قد تقادم وتطاول وهو من قولهم درس الأثر يدرس دروساً.
واعلم أن صاحب الكشاف روى هاهنا قراآت أخرى: فإحداها: ﴿ دَرَسْتَ ﴾ بضم الراء مبالغة في ﴿ دَرَسْتَ ﴾ أي اشتد دروسها.
وثانيها: ﴿ دَرَسْتَ ﴾ على البناء للمفعول بمعنى قدمت وعفت.
وثالثها: ﴿ دارست ﴾ وفسروها بدارست اليهود محمداً.
ورابعها: ﴿ درس ﴾ أي درس محمد.
وخامسها: ﴿ دارسات ﴾ على معنى هي دارسات أي قديمات أو ذات درس كعيشة راضية.
البحث الثالث: الواو في قوله: ﴿ وَلِيَقُولُواْ ﴾ عطف على مضمر والتقدير وكذلك نصرف الآيات لنلزمهم الحجة وليقولوا فحذف المعطوف عليه لوضوح معناه.
البحث الرابع: اعلم أنه تعالى قال: ﴿ وكذلك نُصَرّفُ الأيات ﴾ ثم ذكر الوجه الذي لأجله صرف هذه الآيات وهو أمران: أحدهما قوله تعالى: ﴿ وَلِيَقُولُواْ ﴾ والثاني قوله: ﴿ دَرَسْتَ وَلِنُبَيّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أما هذا الوجه الثاني فلا إشكال فيه لأنه تعالى بين أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه البيان والفهم والعلم.
وإنما الكلام في الوجه الأول وهو قوله: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دارست ﴾ لأن قولهم للرسول دارست كفر منهم بالقرآن والرسول، وعند هذا الكلام عاد بحث مسألة الجبر والقدر.
فأما أصحابنا فإنهم أجروا الكلام على ظاهره فقالوا معناه إنا ذكرنا هذه الدلائل حالاً بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزداد كفراً على كفر، وتثبيتاً لبعضهم فيزداد إيماناً على إيمان، ونظيره قوله تعالى: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ وقوله: ﴿ وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ وأما المعتزلة فقد تحيروا.
قال الجبائي والقاضي: وليس فيه إلا أحد وجهين: الأول: أن يحمل هذا الإثبات على النفي، والتقدير: وكذلك نصرف الآيات لئلا يقولوا درست.
ونظيره قوله تعالى: ﴿ يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ ﴾ ومعناه: لئلا تضلوا.
والثاني: أن تحمل هذه اللام على لام العاقبة.
والتقدير: أن عاقبة أمرهم عند تصريفنا هذه الآيات أن يقولوا هذا القول مستندين إلى اختيارهم، عادلين عما يلزم من النظر في هذه الدلائل.
هذا غاية كلام القوم في هذا الباب.
ولقائل أن يقول: أما الجواب الأول فضعيف من وجهين: الأول: أن حمل الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وتغيير له، وفتح هذا الباب يوجب أن لا يبقى وثوق لا بنفيه ولا بإثباته، وذلك يخرجه عن كونه حجة وأنه باطل.
والثاني: أن بتقدير أن يجوز هذا النوع من التصرف في الجملة، إلا أنه غير لائق ألبتة بهذا الموضع، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظهر آيات القرآن نجماً نجما، والكفار كانوا يقولون: إن محمداً يضم هذه الآيات بعضها إلى بعض ويتفكر فيها ويصلحها آية فآية ثم يظهرها، ولو كان هذا بوحي نازل إليه من السماء، فلم لايأتي بهذا القرآن دفعة واحدة؟
كما أن موسى عليه السلام أتى بالتوراة دفعة واحدة.
إذا عرفت هذا فنقول: إن تصريف هذه الآيات حالاً فحالاً هي التي أوقعت الشبهة للقوم في أن محمداً صلى الله عليه وسلم، إنما يأتي بهذا القرآن على سبيل المدارسة مع التفكر والمذاكرة مع أقوام آخرين وعلى ما يقول الجبائي والقاضي فإنه يقتضي أن يكون تصريف هذه الآيات حالاً بعد حال يوجب أن يمتنعوا من القول بأن محمداً عليه الصلاة والسلام إنما أتى بهذا القرآن على سبيل المدارسة والمذاكرة.
فثبت أن الجواب الذي ذكره إنما يصح لو جعلنا تصريف الآيات علة لأن يمتنعوا من ذلك القول، مع أنا بينا أن تصريف الآيات، هو الموجب لذلك القول فسقط هذا الكلام.
وأما الجواب الثاني: وهو حمل اللام على لام العاقبة، فهو أيضاً بعيد لأن حمل هذه اللام على لام العاقبة مجاز، وحمله على لام الغرض حقيقة، والحقيقة أقوى من المجاز فلو قلنا: اللام في قوله: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ﴾ لام العاقبة في قوله: ﴿ وَلِنُبَيّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ للحقيقة فقد حصل تقديم المجاز على الحقيقة في الذكر وأنه لا يجوز.
فثبت بما ذكرنا ضعف هذين الجوابين وأن الحق ما ذكرنا أن المراد منه عين المذكور في قوله تعالى: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ ومما يؤكد هذا التأويل قوله: ﴿ وَلِنُبَيّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ يعني أنا ما بيناه إلا لهؤلاء، فأما الذين لا يعلمون فما بينا هذه الآيات لهم، ولما دل هذا على أنه تعالى ما جعله بياناً إلا للمؤمنين ثبت أنه جعله ضلالاً للكافرين وذلك ما قلنا.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِيَقُولُواْ ﴾ جوابه محذوف تقديره.
وليقولوا درست تصرّفها.
ومعنى ﴿ دَرَسْتَ ﴾ قرأت وتعلمت.
وقرئ: ﴿ دارست ﴾ أي دارست العلماء.
ودرست بمعنى قدّمت هذه الآيات وعفت كما قالوا: أساطير الأولين، ودرست بضم الراء، مبالغة في درست، أي اشتد دروسها.
ودرست- على البناء للمفعول- بمعنى قرئت أو عفيت.
ودارست.
وفسروها بدارست اليهود محمداً صلى الله عليه وسلم، وجاز الإضمار؛ لأن الشهرة بالدراسة كانت لليهود عندهم.
ويجوز أن يكون الفعل للآيات، وهو لأهلها، أي دارس أهل الآيات وحملتها محمداً، وهم أهل الكتاب.
ودرس أي درس محمد.
ودارسات، على: هي دارسات، أي قديمات.
أو ذات دروس، كعيشة راضية، فإن قلت: أي فرق بين اللامين في ﴿ لّيَقُولواْ ﴾ ، ﴿ وَلِنُبَيّنَهُ ﴾ ؟
قلت: الفرق بينهما أنّ الأولى مجاز والثانية حقيقة، وذلك أن الآيات صرفت للتبيين ولم تصرف ليقولوا دارست، ولكن لأنه حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل التبيين، شبه به فسيق مساقه.
وقيل: ليقولوا كما قيل لنبينه: فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: ﴿ وَلِنُبَيّنَهُ ﴾ ؟
قلت: إلى الآيات لأنها في معنى القرآن، كأنه قيل: وكذلك نصرف القرآن.
أو إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر، لكونه معلوماً إلى التبيين الذي هو مصدر الفعل، كقولهم: ضربته زيداً.
ويجوز أن يراد فيمن قرأ درست ودارست: درست الكتاب ودارسته، فيرجع إلى الكتاب المقدّر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ ﴾ البَصائِرُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ وهي لِلنَّفْسِ كالبَصَرِ لِلْبَدَنِ، سُمِّيَتْ بِها الدَّلالَةُ لِأنَّها تُجْلِي لَها الحَقَّ وتُبَصِّرُها بِهِ.
﴿ فَمَن أبْصَرَ ﴾ أيْ أبْصَرَ الحَقَّ وآمَنَ بِهِ.
﴿ فَلِنَفْسِهِ ﴾ أبْصَرَ لِأنَّ نَفْسَهُ لَها.
﴿ وَمَن عَمِيَ ﴾ عَنِ الحَقِّ وضَلَّ.
﴿ فَعَلَيْها ﴾ وبالُهُ.
﴿ وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ وإنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الحَفِيظُ عَلَيْكم يَحْفَظُ أعْمالَكم ويُجازِيكم عَلَيْها، وهَذا كَلامٌ ورَدَ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ، وهو إجْراءُ المَعْنى الدّائِرِ في المَعانِي المُتَعاقِبَةِ مِنَ الصَّرْفِ، وهو نَقْلُ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ.
﴿ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ﴾ أيْ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرْفَنا واللّامُ لامُ العاقِبَةِ، والدَّرْسُ القِراءَةُ والتَّعْلِيمُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو دارَسَتْ أيْ دارَسَتْ أهْلَ الكِتابِ وذاكَرَتْهُمْ، وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ دَرَسَتْ مِنَ الدُّرُوسِ أيْ قَدُمَتْ هَذِهِ الآياتُ وعَفَتْ كَقَوْلِهِمْ أساطِيرُ الأوَّلِينَ.
وقُرِئَ «دَرُسَتْ» بِضَمِّ الرّاءِ مُبالَغَةً في دُرِسَتْ ودُرِسَتْ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى قُرِئَتْ، أوْ عُفِيَتْ ودارَسَتْ بِمَعْنى دَرَسَتْ أوْ دارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا ، وجازَ إضْمارُهم بِلا ذِكْرٍ لِشُهْرَتِهِمْ بِالدِّراسَةِ، ودَرَسْنَ أيْ عَفَوْنَ ودَرَسَ أيْ دَرَسَ مُحَمَّدٌ ودِراساتٌ أيْ قَدِيماتٌ أوْ ذَواتُ دَرْسٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ ﴿ وَلِنُبَيِّنَهُ ﴾ اللّامُ عَلى أصْلِهِ لِأنَّ التَّبْيِينَ مَقْصُودُ التَّصْرِيفِ والضَّمِيرُ لِلْآياتِ بِاعْتِبارِ المَعْنى، أوْ لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أوْ لِلْمَصْدَرِ.
﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ فَإنَّهم المُنْتَفِعُونَ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
الكاف في {وكذلك نُصَرّفُ الآيات} في موضع نصب صفة المصدر المحذوف أي نصرف الآيات تصريفاً مثل ما تلونا عليك {وَلِيَقُولُواْ} جوابه محذوف أي وليقولوا {دَرَسْتَ} نصرفها ومعنى دَرَسْتَ قرأت كتب أهل الكتاب دارست مكي وأبو عمرو أي دارست أهل الكتاب دَرَسْتَ شامي أي قدمت هذه الآية ومضت كما قالوا أساطير الأولين {وَلِنُبَيِّنَهُ} أي القرآن وإن لم يجر له ذكر لكونه معلوماً أو الآيات لانها فى معنى القرآن قبل اللام الثاينة حقيقة والأولى لام العاقبة والصيرورة أى لنصير عاقبة أمرهم إلى أن يقولوا درست وهو كقولك فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً وهم لم يلتقطوه للعداوة وإنما التقطوه ليصير لهم قرة عين ولكن صارت عاقبة أمرهم إلى العداوة فكذلك الآيات صرفت للتبيين ولم تصرف ليقولوا درست ولكن حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل النبيين فشبه به وقيل ليقولوا لنبينه وعندنا ليس كذلك لما عرف {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} الحق من الباطل
﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ ﴿ نُصَرِّفُ الآياتِ ﴾ الدّالَّةَ عَلى المَعانِي الرّائِقَةِ الكاشِفَةِ عَنِ الحَقائِقِ الفائِقَةِ لا تَصْرِيفًا أدْنى مِنهُ وقِيلَ: المُرادُ كَما صَرَّفْنا الآياتِ قَبْلُ نُصَرِّفُ هَذِهِ الآياتِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ما هو الحَرِيُّ بِالقَبُولِ.
وأصْلُ التَّصْرِيفِ -كَما قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى - إجْراءُ المَعْنى الدّائِرِ في المَعانِي المُتَعاقِبَةِ مِنَ الصَّرْفِ وهو نَقْلُ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ وقالَ الرّاغِبُ: التَّصْرِيفُ كالصَّرْفِ إلّا في التَّكْثِيرِ وأكْثَرُهُ ما يُقالُ في صَرْفِ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ وأمْرٍ إلى أمْرٍ ﴿ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ﴾ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ أيْ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ نَفْعَلُ ما نَفْعَلُ مِنَ التَّصْرِيفِ المَذْكُورِ وبَعْضُهم قَدَّرَ الفِعْلَ ماضِيًا والأمْرُ في ذَلِكَ سَهْلٌ.
واللّامُ لامُ العاقِبَةِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ عَلى الحَقِيقَةِ لِأنَّ نُزُولَ الآياتِ لِإضْلالِ الأشْقِياءِ وهِدايَةِ السُّعَداءِ، قالَ تَعالى: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، وقِيلَ: هي عاطِفَةٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ.
واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (نُصْرِّفُ) أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ الآياتِ لِتَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ ولِيَقُولُوا إلَخْ وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ لِيُنْكِرُوا ولِيَقُولُوا إلَخْ، وقِيلَ: اللّامُ لامُ الأمْرِ ويَنْصُرُهُ القِراءَةُ بِسُكُونِ اللّامِ كَأنَّهُ قِيلَ: وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولْيَقُولُوا هم كَما يَقُولُونَ فَإنَّهم لا احْتِفالَ بِهِمْ ولا اعْتِدادَ بِقَوْلِهِمْ، وهو أمْرٌ مَعْناهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ وعَدَمُ الِاكْتِراثِ.
ورَدُّهُ في الدُّرِّ المَصُونِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ يَأْباهُ فَإنَّ اللّامَ فِيهِ نَصٌّ في أنَّها لامُ كَيْ، وتَسْكِينُ اللامِ في القِراءَةِ الشّاذَّةِ لا دَلِيلَ فِيهِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ لِلتَّخْفِيفِ.
ومَعْنى ﴿ دَرَسْتَ ﴾ قَرَأْتَ وتَعَلَّمْتَ، وأصْلُهُ -عَلى ما قالَ الأصْمَعِيُّ - مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسَ الطَّعامَ يَدْرُسُهُ دِراسًا إذا داسَهُ كَأنَّ التّالِي يَدُوسُ الكَلامَ فَيَخِفُّ عَلى لِسانِهِ وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: يُقالُ دَرَسْتُ الكِتابَ أيْ ذَلَّلْتُهُ بِكَثْرَةِ القِراءَةِ حَتّى خَفَّ حِفْظُهُ مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسْتُ الثَّوْبَ أدْرُسُهُ دَرْسًا فَهو مَدْرُوسٌ ودَرِيسٌ أيْ أخْلَقْتُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلثَّوْبِ الخَلِقِ: دَرِيسٌ لِأنَّهُ قَدْ لانَ، والدِّرْسَةُ الرِّياضَةُ، ومِنهُ دَرَسْتُ السُّورَةَ حَتّى حَفِظْتُها.
وهَذا كَما قالَ الواحِدِيُّ قَرِيبٌ مِمّا قالَهُ الأصْمَعِيُّ أوْ هو نَفْسُهُ لِأنَّ المَعْنى يَعُودُ فِيهِ إلى التَّذْلِيلِ والتَّلْيِينِ.
وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ دَرَسَ الدّارَ أيْ بَقِيَ أثَرُهُ وبَقاءُ الأثَرِ يَقْتَضِي انْمِحاءَهُ في نَفْسِهِ فَلِذَلِكَ فُسِّرَ الدُّرُوسُ بِالِانْمِحاءِ، وكَذا دَرَسَ الكِتابَ ودَرَسْتُ العِلْمَ تَناوَلْتُ أثَرَهُ بِالحِفْظِ، ولَمّا كانَ تَناوُلُ ذَلِكَ بِمُداوَمَةِ القِراءَةِ عَبَّرَ عَنْ إدامَةِ القِراءَةِ بِالدَّرْسِ، وهو بَعِيدٌ عَمّا تَقَدَّمَ كَما لا يَخْفى.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (دارَسْتَ) بِالألْفِ وفَتْحِ التّاءِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أيْ دارَسْتَ يا مُحَمَّدُ غَيْرَكَ مِمَّنْ يَعْلَمُ الأخْبارَ الماضِيَةَ وذَكَّرْتَهُ، وأرادُوا بِذَلِكَ نَحْوَ ما أرادُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ .
قالَ الإمامُ: ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿ إنْ هَذا إلا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ (دَرَسَتْ) بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ التّاءِ، ورُوِيَتْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وأُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ والمَعْنى قَدِمَتْ هَذِهِ الآياتُ وعَفَتْ وهو كَقَوْلِهِمْ: (أساطِيرُ الأوَّلِينَ) .
وقُرِئَ (دَرُسْتَ) بِضَمِّ الرّاءِ مُبالَغَةً في دَرَسْتَ لِأنَّ فِعْلَ المَضْمُومِ لِلطَّبائِعِ والغَرائِزِ أيِ اشْتَدَّ دُرُوسُها، و(دُرِسَتْ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى قُرِئَتْ أوْ عُفِيَتْ.
وقَدْ صَحَّ مَجِيءُ عَفا مُتَعَدِّيًا كَمَجِيئِهِ لازِمًا؛ و(دارَسَتْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ أيْضًا.
والضَّمِيرُ إمّا لِلْيَهُودِ لِاشْتِهارِهِمْ بِالدِّراسَةِ أيْ دارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإمّا لِلْآياتِ وهو في الحَقِيقَةِ لِأهْلِها أيْ دارَسَتْ أهْلَ الآياتِ وحَمَلَتْها مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم أهْلُ الكُتّابِ و دُرِسَتْ عَلى مَجْهُولِ فاعِلٍ ودُرِسَتْ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والإسْنادِ إلى تاءِ الخِطابِ مَعَ التَّشْدِيدِ ونُسِبَتْ إلى ابْنِ زَيْدٍ وادّارَسْتَ مُشَدَّدًا مَعْلُومًا ونُسِبَتْ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ أُبَي دَرس عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوِ الكِتابِ بِمَعْنى انْمَحى ونَحْوُهُ ودَرَسْنَ بِنُونِ الإناثِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا و دارِساتٌ بِمَعْنى قَدِيماتٍ أوْ ذاتِ دَرْسٍ أوْ دُرُوسٍ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي دارِساتٌ (ولِنُبَيِّنَهُ) عَطْفٌ عَلى (لِيَقُولُوا) واللّامُ فِيهِ لِلتَّعْلِيلِ المُفَسِّرِ بِبَيانِ ما يَدُلُّ عَلى المَصْلَحَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الفِعْلِ عِنْدَ الكَثِيرِ مِن أهْلِ السُّنَّةِ.
ولا رَيْبَ في أنَّ التَّبْيِينَ مَصْلَحَةٌ مُرَتَّبَةٌ عَلى التَّصْرِيفِ.
والخِلافُ في أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى هَلْ تُعَلَّلُ بِالأغْراضِ مَشْهُورٌ؛ وقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ.
والضَّمِيرُ لِلْآياتِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالكِتابِ أوْ لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أوْ لِمَصْدَرِ (نُصَرِّفُ) كَما قِيلَ أوْ نُبَيِّنُ أيْ ولَنَفْعَلَنَّ التَّبْيِينَ ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ 105 - فَإنَّهَمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ وهو الوَجْهُ في تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ.
وهم -عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ-: أوْلِياؤُهُ الَّذِينَ هَداهم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ ووَصَفَهم بِالعِلْمِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ جَهْلِ غَيْرِهِمْ وخُلُوِّهِمْ عَنِ العِلْمِ بِالمَرَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: بياناً من ربكم وهو القرآن الذي فيه البيان فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ يقول: من صدق بالقرآن وآمن به فثوابه لنفسه، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها يعني: من لم يصدق بالقرآن ولم يؤمن بمحمد فعليها جزاء العذاب وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ يعني: بمسلط وهذا قبل أن يؤمر بالقتال.
ثم قال: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ يعني: نبين لهم الآيات في القرآن في كل وجه.
وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ قرأ ابن كثير وأبو عمرو دَارَسْتَ يعني: ذاكرت أهل الكتاب وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ يعني: قرأت الكتب.
ويقال: تعلمت من جبر ويسار- وكانا غلامين بمكة عبرانيين- فقال أهل مكة: إنما يتعلم منهما وقرأ ابن عامر دَرَسْتَ بنصب الراء والسين يعني: هذا شيء قديم قد خلفت وقرأ بعضهم دَرَسْتَ أي قرئت.
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ لِيَقُولُوا بغير واو درس بغير تاء يعني: لكي يقولوا دَرَسَ النبيّ .
وكان نزول هذه الآيات سبباً لقولهم هذا، فأضاف قولهم إلى الآيات.
ثم قال وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يعني: أصحاب محمد- -.
ثم قال: <div class="verse-tafsir"
في أسفارها ونحوِ هذا، وأما الذين خَرَقُوا البنين، فاليهود في ذكر عزيز، والنصارى في ذكر المسيحِ، وأما ذاكرو البناتِ، فالعربُ الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ، تعالى اللَّه عن قولهم فكأنَّ الضمير في جَعَلُوا وخَرَقُوا لجميع الكفَّار إذ فَعَلَ بعضُهم هذا، وبعضُهم هذا، وبنحو هذا فسَّر السُّدِّيُّ وابن «١» زَيْد، وقرأ الجمهورُ «٢» : «وَخلَقَهُمْ» - بفتح اللام- على معنى: وهو خلقهم، وفي مصحف ابنِ «٣» مسعود: «وَهُوَ خَلَقَهُمْ» ، والضمير في خَلَقَهُمْ يَحْتَمِلُ العودَةَ على الجاعلين، ويحتملُها على المجْعُولِينَ، وقرأ السبعة «٤» سوى نافعٍ: «وَخَرَقُوا» - بتخفيف الراء- بمعنى اختلقوا وافتروا، وقرأ نافع: «وَخَرَّقُوا» - بتشديد الراء- على المبالغة، وقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ نصٌّ على قُبْح تقحُّم المجهلة، وافتراء الباطل على عمى، وسُبْحانَهُ: معناه: تنزَّه عن وصفهم الفاسدِ المستحيلِ عليه تبارك وتعالى، وبَدِيعُ: بمعنى: مبدع، وأَنَّى: بمعنى: كيف، وأين، فهي استفهام في معنى التوقيفِ والتقريرِ، وهذه الآيةُ ردٌّ على الكفار بقياس الغائِبِ على الشاهد.
وقوله سبحانه: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ لفظٌ عامٌّ لكلِّ ما يجوز أن يدخل تحته، ولا يجوز أن تدخل تحته صفاتُ اللَّهِ تعالى، وكلامُهُ، فليس هو عموماً مخصَّصاً على ما ذهب إليه قوم لأن العموم المخصَّص هو أن يتناول العموم شيئاً، ثم يخرجه التخصيصُ، وهذا لم يتناولْ قطُّ هذه التي ذكرناها، وإنما هذا بمنزلة قَوْلِ الإنسان: قَتَلْتُ كُلَّ فَارِسٍ، وأَفْحَمْتُ كُلَّ خَصْمٍ، فلم يدخلِ القائلُ قطُّ في هذا العمومِ الظاهرِ من لفظه، وأما قوله:
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو عمومٌ على الإطلاق لأنه سبحانه يعلم كلَّ شيء، لا ربَّ غيره، وباقي الآية بيّن.
وقوله سبحانه: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، أجمع أهلُ السنَّة على أن اللَّه عزَّ وجلَّ يرى يوم القيامة، يَرَاهُ المؤمنون، والوَجْه أنْ يبيَّن جواز ذلك عقلاً، ثم يستند إلى ورود السمعِ بوقوعِ ذلك الجائِزِ، واختصار تبْيِينِ ذلك: أنْ يعتبر بعلمنا باللَّه- عز وجل- فمن حيثُ جاز أنْ نعلمه لا في مكانٍ، ولا متحيِّزاً، ولا مُقَابَلاً، ولم يتعلَّق علمنا بأكثر من الوجودِ، جاز أن نراه غير مقابلٍ، ولا محاذًى، ولا مكيَّفاً، ولا محدَّداً، وكان الإمام أبو عبد اللَّه النحويُّ يقولُ: مسألةُ العِلْمِ حَلَقَتْ لِحَى المُعْتَزِلة، ثم ورد الشرْعُ بذلك/ كقوله عزَّ وجلَّ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ، وتعدية النَّظَر ب «إلى» إنما هو في كلام العربِ لمعنى الرؤية لا لمعنى الانتظار على ما ذهب إليه المعتزلة ومنه قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيما صحَّ عنه، وتواتر، وكثر نقله: «إنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ» «١» ، ونحوه من الأحاديث الصحيحةِ علَى اختلاف ألفاظها، واستمحل «٢» المعتزلةُ الرؤيةَ بآراءٍ مجرَّدةٍ، وتمسَّكوا بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وانفصال أهل السنَّة عن تمسُّكهم بأن الآية مخصُوصَةٌ في الدنيا «٣» ، ورؤية الآخرة ثابتةٌ بأخبارها وأيضاً فإنا نَفْرُقُ بين معنى الإدراك، ومعنى الرؤية، ونقول: إنه عز وجل تراه الأبصار، ولا تدركه وذلك أن الإدراك يتضمَّن الإحاطة بالشيء، والوصولَ إلى أعماقِهِ وحَوْزِهِ من جميع جهاتِهِ، وذلك كلُّه محالٌ في أوصافِ اللَّه عزَّ وجلَّ، والرؤيةُ لا تفتقرُ إلى أنْ يحيطَ الرائي بالمرئيِّ، ويبلغ غايته، وعلى هذا التأويل يترتَّب العَكْس في قوله: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، ويحسن معناه، ونحو هذا رُوِيَ عن ابن عباسٍ وقتادة وعطيَّة العَوْفِيِّ «٤» أنهم فرقوا بين الرؤية والإدراك، واللَّطِيفُ: المتلطّف في خلقه واختراعه،
والبَصَائِرُ: جمع بَصِيرة، فكأنه قال: قد جاءكم في القرآن والآياتِ طرائقُ إبصار الحقِّ، والبصيرةُ للقَلْبِ مستعارةٌ من إبصارِ العَيْن، والبصيرةُ أيضاً هي المعتقد.
وقوله سبحانه: فَمَنْ أَبْصَرَ، ومَنْ عَمِيَ: عبارةٌ مستعارةٌ فيمن اهتدى، ومَنْ ضَلَّ، وقوله: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ- كان في أول الأمر وقَبْلَ ظهور الإسلام، ثم بعد ذلك كان صلّى الله عليه وسلّم حفيظاً على العَالَمِ، آخذاً لهم بالإسلام أو السيفِ.
وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي: نردِّدها ونوضِّحها، وقرأ الجمهور «١» : «وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ» - بكسر اللام- على أنها لامُ كَيْ، وهي على هذا لامُ الصيرورة، أي: لَمَّا صار أمرهم إلى ذلك، وقرأ نافع وغيره: «دَرَسْتَ» ، أي: يا محمد دَرَسْتَ في الكتبِ القديمةِ ما تجيئُنا به، وقرأ ابن كثير وغيره: «دَارَسْتَ» ، أي: دارَسْتَ غيرك وناظرته، وقرأ ابن عامر: «دَرَسَتْ» - بإسناد الفعل إلى الآيات- كأنهم أشاروا إلى أنها تردَّدت على أسماعهم حتى بَلِيَتْ في نفوسهم، وامحت، واللام في قوله:
لِيَقُولُوا، وفي قوله: وَلِنُبَيِّنَهُ: متعلِّقانِ بفعلِ متأخِّر، وتقديره: «صَرَّفْنَاهَا» ، وذهب بعض الكوفيِّين إلى أنَّ «لا» : مضمرةٌ بعد «أَنِ» المقدَّرةِ في قوله: وَلِيَقُولُوا، فتقدير الكلام عندهم: وَلأنْ لاَ يَقُولُوا دَرَسْتَ كما أضمروها في قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦] .
قال ع «٢» : وهذا قَلِقٌ، ولا يجيز البصريُّون إضمار «لا» في موضعٍ من المواضعِ.
قلت: ولكنه حسن جدًّا من جهة المعنى إذ لا يعلمون أنه دَرَسَ أو دارس أحدا صلّى الله عليه وسلّم، فتأمَّله.
وقوله سبحانه: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ...
الآية: هذه الآية فيها موادعة، وهي منسوخة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ﴾ قالَ الأخْفَشُ وكَذَلِكَ مَعْناها: وهَكَذا.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ومِثْلُ ما بَيَّنّا فِيما تُلِي عَلَيْكَ، نُبَيِّنُ الآَياتِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُصَرِّفُ الآَياتِ، أيْ: نُبَيِّنُها في كُلِّ وجْهٍ، نَدْعُوهم بِها مَرَّةً، ونُخَوِّفُهم بِها أُخْرى.
﴿ وَلِيَقُولُوا ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ حِينَ تَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآَنَ "دارَسْتَ" .
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآَيَةِ: وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآَياتِ، لَنُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ، ولِيَقُولُوا: دارَسْتَ؛ وإنَّما صَرَفَ الآَياتِ لَيَسْعَدَ قَوْمٌ بِفَهْمِها والعَمَلِ بِها، ويَشْقى آَخَرُونَ بِالإعْراضِ عَنْها؛ فَمَن عَمِلَ بِها سَعِدَ، ومَن قالَ: دارَسْتَ، شَقِيَ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ اللّامُ في لَيَقُولُوا يُسَمِّيها أهْلُ اللُّغَةِ لامَ الصَّيْرُورَةِ.
والمَعْنى: أنَّ السَّبَبَ الَّذِي أدّاهم إلى أنْ قالُوا: دارَسْتَ، هو تِلاوَةُ الآَياتِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ وهم لَمْ يَطْلُبُوا بِأخْذِهِ أنْ يُعادِيهِمْ، ولَكِنْ كانَ عاقِبَةُ الأمْرِ أنْ صارَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا.
ومِثْلُهُ أنْ تَقُولَ: كَتَبَ فُلانٌ الكِتابَ لَحَتْفِهِ، فَهو لَمْ يَقْصِدْ أنْ يُهْلِكَ نَفْسَهُ بِالكِتابِ، ولَكِنَّ العاقِبَةَ كانَتِ الهَلاكَ.
فَأمّا "دارَسْتَ" فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: دارَسَتْ بِالألِفِ وسُكُونِ السِّينِ وفَتْحِ التّاءِ؛ ومَعْناها: ذاكَرْتَ أهْلَ الكِتابِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "دَرَسْتَ" بِسُكُونٍ وفَتْحِ التّاءِ، مِن غَيْرِ ألِفٍ، عَلى مَعْنى: قَرَأْتُ كُتُبَ أهْلِ الكِتابِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناها: تَعَلَّمْتُ مَن جَبْرٍ ويَسارٍ.
وسَنُبَيِّنُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ إنْ شاءَ اللَّهُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: "دَرَسْتَ" بِفَتْحِ الرّاءِ والسِّينِ وسُكُونِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
والمَعْنى: هَذِهِ الأخْبارُ الَّتِي تَتْلُوها عَلَيْنا قَدِيمَةٌ قَدْ دُرِسَتْ.
أيْ: قَدْ مَضَتْ وامَّحَتْ.
وجَمِيعُ مَن ذَكَرْنا فَتَحَ الدّالَ في قِراءَتِهِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قالَ: "دُرِسْتَ" بِرَفْعِ الدّالِ، وكَسْرِ الرّاءِ وتَخْفِيفِ التّاءِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ يَعْمُرَ؛ ومَعْناها: قُرِئَتْ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "دَرُسَتْ" بِفَتْحِ الدّالِ والسِّينِ وضَمِّ الرّاءِ وتَسْكِينِ التّاءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهي بِمَعْنى: "دَرَسَتْ" أيِ: امَّحَتْ؛ إلّا أنَّ المَضْمُومَةَ الرّاءَ أشَدُّ مُبالَغَةً.
وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو العالِيَةَ، ومُوَرِّقٌ: "دُرِّسْتَ" بِرَفْعِ الدّالِ، وكَسْرِ الرّاءِ وتَشْدِيدِها ساكِنَةَ السِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "دَرَسَ" بِفَتْحِ الرّاءِ والسِّينِ بِلا ألْفٍ ولا تاءٍ.
ورَوى عِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ: "دارَسَ" بِألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ولِنُبَيِّنهُ يَعْنِي التَّصْرِيفَ ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ما تَبَيَّنَ لَهم مِنَ الحَقِّ فَقَبِلُوهُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارُ وهو اللَطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ ﴿ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكم فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أجْمَعَ أهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - يُرى يَوْمَ القِيامَةِ؛ يَراهُ المُؤْمِنُونَ؛ وقالَهُ ابْنُ وهْبٍ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ والوَجْهُ أنْ يَبِينَ جَوازُ ذَلِكَ عَقْلًا؛ ثُمَّ يُسْنَدُ إلى وُرُودِ السَمْعِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الجائِزِ؛ واخْتِصارُ تَبْيِينِ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ بِعِلْمِنا بِاللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَمِن حَيْثُ جازَ أنْ نَعْلَمَهُ لا في مَكانٍ؛ ولا مُتَحَيَّزًا؛ ولا مُتَقابَلًا؛ ولَمْ يَتَعَلَّقْ عِلْمُنا بِأكْثَرَ مِنَ الوُجُودِ؛ جازَ أنْ نَراهُ غَيْرَ مُقابَلٍ؛ ولا مُحازٍ؛ ولا مُكَيَّفٍ؛ ولا مَحْدُودٍ؛ وكانَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللهِ النَحْوِيُّ يَقُولُ: مَسْألَةُ العِلْمِ حَلَقَتْ لِحى المُعْتَزِلَةِ؛ ثُمَّ ورَدَ الشَرْعُ بِذَلِكَ؛ وهو قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ﴾ ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ ؛ وتَعْدِيَةُ النَظَرِ بِـ "إلى"؛ إنَّما هو في كَلامِ العَرَبِ لِمَعْنى الرُؤْيَةِ؛ لا لِمَعْنى الِانْتِظارِ؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ؛ وذُكِرَ هَذا المَذْهَبَ لِمالِكٍ ؛ فَقالَ: "فَأيْنَ هم عن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كَلا إنَّهم عن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ ؟".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَقالَ بِدَلِيلِ الخِطابِ؛ ذَكَرَهُ النَقّاشُ ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيما صَحَّ عنهُ؛ وتَواتَرَ؛ وكَثُرَ نَقْلُهُ -: « "إنَّكم تَرَوْنَ رَبَّكم يَوْمَ القِيامَةِ كَما تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ"؛» ونَحْوُهُ مِنَ الأحادِيثِ؛ عَلى اخْتِلافِ تَرْتِيبِ ألْفاظِها.
وَذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إلى المَنعِ مِن جَوازِ رُؤْيَةِ اللهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ؛ واسْتَحالَةِ ذَلِكَ؛ بِآراءٍ مُجَرَّدَةٍ؛ وتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ ؛ وانْفَصَلَ أهْلُ السُنَّةِ عن تَمَسُّكِهِمْ بِأنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ في الدُنْيا؛ ورُؤْيَةَ الآخِرَةِ ثابِتَةٌ بِأخْبارِها.
وانْفِصالٌ آخَرُ؛ وهو أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَعْنى الإدْراكِ؛ ومَعْنى الرُؤْيَةِ؛ ونَقُولُ: إنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَراهُ الأبْصارُ؛ ولا تُدْرِكُهُ؛ وذَلِكَ الإدْراكُ يَتَضَمَّنُ الإحاطَةَ بِالشَيْءِ؛ والوُصُولَ إلى أعْماقِهِ؛ وحَوْزِهِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ مُحالٌ في أوصافِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ والرُؤْيَةُ لا تَفْتَقِرُ إلى أنْ يُحِيطَ الرائِي بِالمَرْئِيِّ؛ ويَبْلُغَ غايَتَهُ؛ وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَتَرَتَّبُ العَكْسُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ ﴾ ؛ ويُحَسِّنُ مَعْناهُ؛ ومِثْلُ هَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةَ ؛ وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ ؛ فَرَّقُوا بَيْنَ الرُؤْيَةِ؛ والإدْراكِ؛ وأمّا الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - فَفَرَّقَ بَيْنَ الرُؤْيَةِ؛ والإدْراكِ؛ واحْتَجَّ بِقَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: "إنّا لَمُدْرَكُونَ"؛ فَقالَ: إنَّهم رَأوهم ولَمْ يُدْرِكُوهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ هَذا الإدْراكَ لَيْسَ بِإدْراكِ البَصَرِ؛ بَلْ هو مُسْتَعارٌ مِنهُ؛ أو بِاشْتِراكٍ؛ قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللهَ تَعالى بِحاسَّةٍ سادِسَةٍ تُخْلَقُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وتَبْقى هَذِهِ الآيَةُ في مَنعِ الإدْراكِ بِالأبْصارِ عامَّةً؛ سَلِيمَةً؛ قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ في الكافِرِينَ؛ أيْ: "إنَّهُ لا تُدْرِكُهُ أبْصارُهُمْ؛ لِأنَّهم مَحْجُوبُونَ عنهُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها ضَعِيفَةٌ؛ ودَعاوى لا تَسْتَنِدُ إلى قُرْآنٍ؛ ولا إلى حَدِيثٍ.
و"اَللَّطِيفُ": اَلْمُتَلَطِّفُ في خَلْقِهِ؛ واخْتِراعِهِ؛ وإتْقانِهِ؛ وبِخَلْقِهِ وعِبادِهِ؛ و"اَلْخَبِيرُ": اَلْمُخْتَبِرُ لِباطِنِ أُمُورِهِمْ؛ وظاهِرِها.
و"اَلْبَصائِرُ": جَمْعُ "بَصِيرَةٌ"؛ وهي ما يَتَّفِقُ عن تَحْصِيلِ العَقْلِ لِلْأشْياءِ المَنظُورِ فِيها بِالِاعْتِبارِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "قَدْ جاءَكم في القُرْآنِ والآياتِ طَرائِقُ إبْصارِ الحَقِّ؛ والمُعِينَةُ عَلَيْهِ".
والبَصِيرَةُ لِلْقَلْبِ مُسْتَعارَةٌ مِن إبْصارِ العَيْنِ؛ والبَصِيرَةُ أيْضًا هي المُعْتَقَدُ المُحَصَّلُ في قَوْلِ الشاعِرِ: راحُوا بَصائِرُهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتَدٌ وأى وقالَ بَعْضُ الناسِ في هَذا البَيْتِ: اَلْبَصِيرَةُ: طَرِيقَةُ الدَمِ؛ والشاعِرُ إنَّما يَصِفُ جَماعَةً مَشَوْا بِهِ في طَلَبِ دَمٍ؛ فَفَتَرُوا؛ فَجَعَلُوا الأمْرَ وراءَ ظُهُورِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَمَن أبْصَرَ"؛ ﴾ ﴿ "وَمَن عَمِيَ"؛ ﴾ عِبارَةٌ مُسْتَعارَةٌ فِيمَنِ اهْتَدى؛ ومَن ضَلَّ؛ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ ؛ كانَ في أوَّلِ الأمْرِ؛ وقَبْلَ ظُهُورِ الإسْلامِ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَفِيظًا عَلى العالَمِ؛ آخِذًا لَهم بِالإسْلامِ؛ والسَيْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الكافُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ "وَكَذَلِكَ"؛ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "نُصَرِّفُ"؛ أيْ: ومِثْلَما بَيَّنّا البَصائِرَ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ؛ أيْ نُرَدِّدُها؛ ونُوَضِّحُها؛ وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "وَلْيَقُولُوا دَرَسْتَ"؛ بِسُكُونِ اللامِ؛ عَلى جِهَةِ الأمْرِ؛ ويَتَضَمَّنُ التَوْبِيخَ؛ والوَعِيدَ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلِيَقُولُوا"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ عَلى أنَّها لامُ "كَيْ"؛ وهي - عَلى هَذا - لامُ الصَيْرُورَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ ؛ أيْ: "لَمّا صارَ أمْرُهم إلى ذَلِكَ"؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "دَرَسْتَ"؛ أيْ: "يا مُحَمَّدُ؛ دَرَسْتَ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ ما تُجِيبُنا بِهِ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "دارَسْتَ"؛ أيْ: "أنْتَ يا مُحَمَّدُ دارَسْتَ غَيْرَكَ في هَذِهِ الأشْياءِ"؛ أيْ: "قارَأْتَهُ؛ وناظَرْتَهُ"؛ وهَذا إشارَةٌ مِنهم إلى سَلْمانَ ؛ وغَيْرِهِ مِنَ الأعاجِمِ واليَهُودِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وجَماعَةٌ مِن غَيْرِ السَبْعَةِ: "دَرَسَتْ"؛ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الآياتِ؛ كَأنَّهم أشارُوا إلى أنَّها تَرَدَّدَتْ عَلى أسْماعِهِمْ حَتّى بَلِيَتْ في نُفُوسِهِمْ؛ وامَّحَتْ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: واللامُ في "لِيَقُولُوا"؛ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ بِمَعْنى: "لِئَلّا يَقُولُوا"؛ أيْ: "صُرِّفَتِ الآياتُ وأُحْكِمَتْ؛ لِئَلّا يَقُولُوا: هَذِهِ الأساطِيرُ قَدِيمَةٌ؛ قَدْ بَلِيَتْ؛ وتَكَرَّرَتْ عَلى الأسْماعِ"؛ واللامُ عَلى سائِرِ القِراءاتِ لامُ الصَيْرُورَةِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "دارَسَتْ"؛ كَأنَّهم أرادُوا: "دارَسَتْكَ يا مُحَمَّدُ"؛ أيِ الجَماعَةَ المُشارَ إلَيْها قَبْلُ؛ مِن سَلْمانَ واليَهُودِ وغَيْرِهِمْ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "دَرُسَتْ"؛ بِضَمِّ الراءِ؛ وكَأنَّها في مَعْنى: "دَرَسَتْ"؛ أيْ: بَلِيَتْ؛ وقَرَأ قَتادَةُ: "دُرِسَتْ"؛ بِضَمِّ الدالِ؛ وكَسْرِ الراءِ؛ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ بِخِلافٍ عنهُ؛ ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: في "دُرِسَتْ"؛ ضَمِيرُ "اَلْآياتِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: "عُفِيَتْ؛ وتُنُوسِيَتْ"؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "دَرَسَ"؛ وهي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ ؛ قالَ المَهْدَوِيُّ: وفي بَعْضِ مَصاحِفِ عَبْدِ اللهِ "دَرَسْنَ"؛ ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "دَرَّسْنَ"؛ بِتَشْدِيدِ الراءِ؛ عَلى المُبالَغَةِ في "دَرَسْنَ"؛ وهَذِهِ الثَلاثَةُ الأخِيرَةُ مُخالِفَةٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ.
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "وَلِيَقُولُوا"؛ وفي قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "وَلِنُبَيِّنَهُ"؛ مُتَعَلِّقانِ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "صَرَّفْناها"؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَلِتُبَيِّنَهُ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى مُخاطَبَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلِيُبَيِّنَهُ"؛ بِياءٍ؛ أيْ: اَللَّهُ تَعالى ؛ وذَهَبَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ إلى أنَّ "لا" مُضْمَرَةٌ بَعْدَ "أنْ"؛ اَلْمُقَدَّرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى "وَلِيَقُولُوا"؛ فَتَقْدِيرُ الكَلامِ عِنْدَهُمْ: "وَلِئَلّا يَقُولُوا"؛ كَما أضْمَرُوها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَلِقٌ؛ ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ إضْمارَ "لا"؛ في مَوْضِعٍ مِنَ المَواضِعِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة معترضة تذييلاً لما قَبلها.
والواو اعتراضية فهو متّصل بجملة: ﴿ قد جاءكم بصائر من ربّكم ﴾ [الأنعام: 104] الّتي هي من خطاب الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتقدير «قل» كما تقدّم، والإشارة بقوله: ﴿ وكذلك ﴾ إلى التّصريف المأخوذ من قوله: ﴿ نُصرّف الآيات ﴾ .
أي ومثلَ ذلك التّصريف نُصرّف الآيات.
وتقدّم نظيره غير مرّة وأوّلها قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أمّة وسَطا ﴾ في سورة [البقرة: 143].
والقول في تصريف الآيات تقدّم في قوله تعالى: ﴿ انظر كيف نصرّف الآيات ﴾ في هذه السّورة [46].
وقوله: ﴿ وليقُولوا دَرَسْتَ ﴾ معطوف على ﴿ وكذلك نصرّف الآيات ﴾ .
وقد تقدّم بيان معنى هذا العطف في نظيره في قوله تعالى: ﴿ وكذلك نفصّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ﴾ من هذه السّورة [55].
ولكن ما هنا يخالف ما تقدّم مخالفة مَّا فإنّ قول المشركين للرّسول عليه الصلاة والسلام درستَ } لا يناسب أن يكون علّة لتصريف الآيات، فتعيَّن أن تكون اللاّم مستعارة لمعنى العاقبة والصيرورة كالّتي في قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكونَ لهم عدوّاً وحزناً ﴾ [القصص: 8].
المعنى.
فكان لهم عدوّاً.
وكذلك هنا، أي نصرّف الآيات مثلَ هذا التّصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدّراسة والتّعليم فيقولوا: دَرَسْتَ.
والمعنى: أنّا نصرّف الآيات ونبيّنها تبييناً من شأنه أن يصدر من العَالِم الَّذي دَرَس العلم فيقول المشركون دَرستَ هذا وتَلَقَّيتَه من العلماء والكُتب، لإعراضهم عن النّظر الصّحيح الموصل إلى أنّ صدور مثل هذا التَّبيين من رجل يعلمونه أمِّيّاً لا يكون إلاّ من قِبل وحي من الله إليه، وهذا كقوله: ﴿ ولقد نعلم أنّهم يقولون إنّما يعلّمه بشر ﴾ [النحل: 103] وهم قد قالوا ذلك من قَبْل ويقولونه ويزيدون بمقدار زيادة تصريف الآيات، فشُبّه ترَتُّب قولهم على التّصريف بترتّب العلّة الغائيَّة، واستعير لهذا المعنى الحرفُ الموضوع للعلّة على وجه الاستعارة التّبعيّة، ولذلك سمَّى بعض النّحويين مثل هذه اللاّم لام الصّيرورة، وليس مرادهم أنّ الصّيرورة معنى من معاني اللاّم ولكنّه إفصاح عن حاصل المعنى.
والدّراسة: القراءة بتمهّل للحفظ أو للفهم، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وبما كنتم تدرسون ﴾ في سورة [آل عمران: 79].
وفعله من باب نصر.
يقال: درس الكتاب، أي تعلّم.
وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ﴾ [آل عمران: 79]، وقال ﴿ وَدَرَسوا ما فيه ﴾ [الأعراف: 169].
وسمّي بيت تعلّم اليهود المِدْرَاسَ، وسمّي البيت الّذي يسكنه التّلامذة ويتعلّمون فيه المدرسة.
والمعنى يقولون: تعلّمت، طعْناً في أمّية الرّسول عليه الصّلاة والسّلام لئلاّ يلزمَهم أنّ ما جاء به من العلم وحي من الله تعالى.
وقرأ الجمهور ﴿ درست ﴾ بدون ألف وبفتح التّاء.
وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو «دَارسْتَ» على صيغة المفاعلة وبفتح التّاء أي يقولون: قرأت وقُرئ عليك، أي دارسْتَ أهل الكتاب وذاكرتهم في علمهم.
وقرأه ابن عامر ويعقوب «دَرَسَتْ» بصيغة الماضي وتاء التأنيث أي الآيات، أي تكرّرتْ.
وأمّا اللاّم في قوله: ﴿ ولنبيّنه لقوم يعلمون ﴾ فهي لام التّعليل الحقيقيّة.
وضمير ﴿ نبيّنه ﴾ عائد إلى القرآن لأنّه ماصْدَق ﴿ الآيات ﴾ ، ولأنّه معلوم من السّياق.
والقوم هم الّذين اهتدوا وآمنوا كما تقدّم في قوله: ﴿ قد فصّلنا الآيات لقوم يعلمون ﴾ [الأنعام: 97]، والكلام تعريض كما تقدّم.
والمعنى أنّ هذا التّصريف حصل منه هدى للموفّقين ومكابرة للمخاذيل.
كقوله تعالى: ﴿ يضلّ به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضلّ به إلاّ الفاسقين ﴾ [البقرة: 26].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَتْلُوَ بَعْضُها بَعْضًا فَلا يَنْقَطِعُ التَّنْزِيلُ.
والثّانِي: أنَّ الآيَةَ تَنْصَرِفُ في مَعانٍ مُتَغايِرَةٍ مُبالَغَةً في الإعْجازِ ومُبايَنَةً لِكَلامِ البَشَرِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اخْتِلافُ ما تَضْمَنُها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والأمْرِ والنَّهْيِ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في الزَّجْرِ، وأدْعى إلى الإجابَةِ، وأجْمَعَ لِلْمَصْلَحَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، وتَقْدِيرُهُ: ولِئَلّا يَقُولُوا دَرَسْتَ، فَحُذِفَ ذَلِكَ إيجازًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا ﴾ أيْ لِئَلّا تَضِلُّوا.
وَفي ﴿ دَرَسْتَ ﴾ خَمْسُ قِراءاتٍ يَخْتَلِفُ تَأْوِيلُها بِحَسَبِ اخْتِلافِها: إحْداهُنَّ: (دَرَسْتَ) بِمَعْنى قَرَأتْ وتَعَلَّمَتْ، تَقُولُ ذَلِكَ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ.
والثّانِيَةُ: (دارَسْتَ) بِمَعْنى ذاكَرْتَ وقارَأْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو.
وَفِيها عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَأْوِيلٌ ثانٍ، أنَّها بِمَعْنى خاصَمْتَ وجادَلْتَ.
والثّالِثَةُ: (دَرَسَتْ) بِتَسْكِينِ التّاءِ بِمَعْنى انْمَحَتْ وتَقادَمَتْ، قالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والحَسَنُ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ.
والرّابِعَةُ: (دُرِسَتْ) بِضَمِّ الدّالِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ تُلِيَتْ وقُرِئَتْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسَةُ: (دَرَسَ) بِمَعْنى قَرَأ النَّبِيُّ وتَلا، وهَذا حَرْفُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ.
﴿ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
والثّانِي: يَعْلَمُونَ وُجُوهَ البَيانِ وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا المُبِينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ أي بينة ﴿ فمن أبصر فلنفسه ﴾ أي من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ﴿ ومن عمي ﴾ أي من ضل ﴿ فعليها ﴾ الله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ وليقولوا درست ﴾ .
أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس.
أنه كان يقرأ هذا الحرف ﴿ دارست ﴾ بالألف مجزومة السين منتصبة التاء، قال: قارأت.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس درست قال: قرأت وتعلمت.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ دارست ﴾ قال: خاصمت جادلت تلوت.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ﴿ وليقولوا دارست ﴾ قال: فاقهت، وقرأت على يهود وقرأوا عليك.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عمرو بن دينار قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: إن صبياناً هاهنا يقرأون ﴿ دارست ﴾ وإنما هي ﴿ درست ﴾ يعني بفتح السين وجزم التاء، ويقرأون ﴿ وحرم على قرية ﴾ [ الأنبياء: 95] وإنما هي ﴿ وحرام ﴾ ويقرأون ﴿ في عين حمئة ﴾ وإنما هي ﴿ حامية ﴾ قال عمرو: وكان ابن عباس يخالفه فيهن كلهن.
وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي بن كعب قال: اقرأني رسول الله صلى الله وعليه وسلم ﴿ وليقولوا درست ﴾ يعني بجزم السين ونصب التاء.
وأخرج أبو الشيخ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس دارست يقول: قارأت اليهود وفاقهتهم.
وفي حرف أُبي ﴿ وليقولوا درس ﴾ أي تعلم.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير عن هرون قال: في حرف أبي بن كعب وابن مسعود ﴿ وليقولوا درس ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم قرأ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قرأ ﴿ درست ﴾ قال: علمت.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي إسحاق الهمداني قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ درست ﴾ بغير ألف بنصب السين ووقف التاء.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الحسن.
أنه كان يقرأ ﴿ وليقولوا درست ﴾ أي انمحت وذهبت.
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن.
أنه كان يقرأ ﴿ درست ﴾ مشددة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس.
أنه كان يقرأ ﴿ أدارست ﴾ ويتمثل: دارس كطعم الصاب والعلقم وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وليقولوا درست ﴾ قالوا: قرأت وتعلمت، تقول ذلك له قريش.
قوله تعالى: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ .
أخرج أبو الشيخ عن السدي ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ قال: كف عنهم، وهذا منسوخ نسخه القتال ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ﴾ ، قال الزجاج: (موضع الكاف التي في أول (كذلك) نصب، المعنى: ونصرف الآيات مثل ما صرفناها فيما تلي عليكم) (١) (٢) (٣) وقال ابن عباس في هذه الآية: (( ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ ﴾ (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ﴾ قال أبو بكر (٦) ﴿ وَلِيَقُولُوا ﴾ عطفاً على مضمر، التقدير: وكذلك نصرف الآيات لنلزمهم الحجة ﴿ وَلِيَقُولُوا ﴾ فحذف المعطوف عليه لوضوح معناه) (٧) وأما (درست) (٨) (٩) (١٠) (١١) يكفيك من بعض ازدياد الآفاق ...
سَمْرَاءَ مما دَرَسَ ابن مِخْرَاقْ (١٢) أي: داس: يعني حنطةً سمراء، قال: ودرس السورة من هذا، أي: يدرسها، فيخف على لسانه) (١٣) (١٤) (١٥) قال: الدُّرْسةُ: الرياضة، ومنه درست السورة حتى حفظتها) (١٦) (١٧) قال ابن عباس: ﴿ وَلِيَقُولُوا ﴾ (يعني: أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن ﴿ دَرَسْتَ ﴾ يقولون: تعلمت من يسار (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ دَرَسْتَ ﴾ قرأت على غيرك.
وأخبرنا سعيد بن (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ﴾ قال: (معناه وكذلك نبين لهم الآيات من هنا وهنا لكي يقولوا إنك دَرَسْت، أي: تعلمت، أي: هذا الذي جئت به [عُلِّمتَ] (٣٠) (٣١) وقرأ ابن كثير (٣٢) (٣٣) (٣٤) وقال الزجاج (٣٥) ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ ، (٣٦) (٣٧) قال الأزهري: (من قرأ (دَرسَتْ) (٣٨) (٣٩) فأما معنى اللام في قوله: ﴿ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ﴾ فقال أبو بكر: (وأما تصريف الآيات فليسعد بها قوم بفهمها والعمل بما فيها، ويشقى آخرون بالإعراض عنها، فمن يقول للنبي: ((دارست) أو (درست) فهو شقي، ومن يتبين الحق فيها ويعمل [بها] (٤٠) (٤١) ﴿ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد) (٤٢) (٤٣) ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ وهم لم يلتقطوه يطلبون بأخذه أن يعاديهم، ولكن كانت عاقبة الأمران صار ﴿ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ كما [يقول] (٤٤) (٤٥) ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ ﴾ (٤٦) (١) "معاني الزجاج" 2/ 279.
(٢) انظر: "إعراب النحاس" 1/ 571، و"المشكل" 1/ 264، و"التبيان" 1/ 352، و"الفريد" 2/ 207.
(٣) قال السمين في "الدر" 5/ 93: (الكاف في محل نصب نعتا لمصدر محذوف، فقدره الزجاج: ونصرف الآيات مثل ما صرفناها فيما تلي عليكم.
وقدره غيره: نصرف الآيات في غير هذه السورة تصريفًا مثل التصريف في هذه السورة) اهـ.
(٤) في (ش): (وكذلك نصر)، وهو تحريف واضح.
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 96، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 100.
(٦) أبو بكر: هو ابن الأنباري محمد القاسم، تقدمت ترجمته.
(٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 96، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 100، والسمين في "الدر" 5/ 95، وانظر: "تفسير القرطبي" 7/ 58.
(٨) انظر: "العين" 7/ 227، و"ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي ص 266، و"المفردات" ص 311 مادة (درس).
(٩) "الحجة" لأبي علي الفارسي 3/ 373.
(١٠) "تهذيب اللغة" 3/ 1173 بلفظ: (دَرَسْتُ الكتاب أدرُسُه دراسة) فقط.
(١١) في النسخ: ابن أبي ميادة، وهو تحريف، والصواب: ابن ميادة الشاعر المشهور الرماح بن أبرد الغطفاني.
تقدمت ترجمته.
(١٢) ديوانه ص 75، و"الحجة" لأبي على 3/ 373، و"الصحاح" 3/ 927، و"اللسان" 3/ 1360 درس، بلا نسبة في "الجمهرة" 2/ 628، و"تهذيب اللغة" 3/ 1174، و"المجمل" 2/ 322، و"مقاييس اللغة" 2/ 267 (درس).
(١٣) ذكره الرازي 13/ 135، عن الواحدي عن الأصمعي، وفي "جمهرة اللغة" 2/ 927، و"الحجة" لأبي علي 3/ 373، بعضه عن الأصمعي، وهو في "تهذيب اللغة" 3/ 1174 بلا نسبة.
(١٤) كعب بن زُهَيْر بن أبي سلمى المزني أبو المضراب، تقدمت ترجمته.
(١٥) "ديوانه" ص 252، و"تهذيب اللغة" 2/ 1174، و"اللسان" 3/ 1360 مادة (درس)، وفي الديوان: (وفي العفو دربة) بدل (درسة)، وعليه فلا شاهد فيه.
(١٦) "تهذيب اللغة" 2/ 1174.
(١٧) نقله الرازي في "تفسيره" 13/ 135 عن الواحدي.
(١٨) يسار أبو فكيهة مولى صفوان بن أمية، عبد نصراني عالم بالكتب المتقدمة أسلم بمكة وزعمت قريش أن النبي يتعلم منه.
انظر: "السيرة" لابن هشام 1/ 420، و"تفسير مبهمات القرآن" للبلنسي 1/ 116، 268، و"الإصابة" 4/ 156.
(١٩) في النسخ: (يسار بن فكيهة) ثم صحح في (أ) إلى (أبي)، وهو الصواب.
(٢٠) جبر مولى بني عبد الدار نصراني أو يهودي قرأ الكتب المتقدمة، وأسلم بمكة وزعمت قريش أن النبي يتعلم منه.
انظر: "السيرة" لابن هشام 1/ 420، و"تفسير القرطبي" 7/ 58، و"تفسير مبهمات القرآن" 1/ 116، و"الإصابة" 1/ 221.
(٢١) "تنوير المقباس" 2/ 49 - 50، وذكر الواحدي في "الوسيط" 1/ 96، والبغوي في "تفسيره" 3/ 175، و"الخازن" 2/ 169، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 305 - 308، وابن أبي حاتم 4/ 1365، من عدة طرق جيدة عن ابن عباس قال: (قرأت وتعلمت تقول ذلك قريش) ا.
هـ.
وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 70.
(٢٢) سعيد بن محمد الحيري أبو عثمان الزعفراني، إمام تقدمت ترجمته.
(٢٣) ابن مقسم: محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن العطار، إمام مقرئ تقدمت ترجمته.
(٢٤) أبو إسحاق النحوي هو الزجاج إبراهيم بن السري، تقدمت ترجمته.
(٢٥) "معاني الزجاج" 2/ 279.
(٢٦) "معاني الفراء" 1/ 349.
(٢٧) العروضي: أحمد بن محمد بن عبد الله السهلي أبو الفضل، تقدمت ترجمته.
(٢٨) المنذري: أبو الفضل محمد بن أبي جعفر الهروي إمام، تقدمت ترجمته.
(٢٩) أبو العباس ثعلب أحمد بن يحيى، تقدمت ترجمته.
(٣٠) في (ش): (علمته).
(٣١) (تهذيب اللغة) 2/ 1173، وانظر: "مجالس ثعلب" ص 117.
(٣٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (دَارَسْتَ) بألف بعد الدال وسكون السين وفتح التاء، وقرأ ابن عامر بغير ألف وفتح السين وسكون التاء، وقرأ الباقون بغير ألف وسكون السين، وفتح التاء.
انظر: "السبعة" 264، و"المبسوط" ص 173، و"التذكرة" 2/ 406، و"التيسير" ص 105، و"النشر" 2/ 261.
(٣٣) أخرجه الطبري 7/ 305، وابن أبي حاتم 4/ 1365، من طرق جيدة عن أبن عباس ومجاهد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 69، 70.
(٣٤) "تفسير مجاهد" 1/ 221، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 468: (قرأ علي بن أبي طالب (دارست)، وهو الصحيح من قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وأبي عمرو وأهل مكة) ا.
هـ وانظر: "مختصر السواد" ص40، و"المحتسب" 1/ 225.
(٣٥) "معاني الزجاج" 2/ 279 - 280، وهو قول الأخفش في "معانيه" 2/ 285، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 169، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 505، ومكي في "الكشف" 1/ 444، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 572: (أحسن ما قيل في (دارست) أن معناه: دارستنا فيكون معناه كمعنى (دَرَسْتَ) وقيل: معناه دارست أهل الكتاب، فهذا مجاز) اهـ.
(٣٦) "الحجة" لأبي علي 3/ 374، وانظر: "الحجة" لابن خالويه ص 147، و"إعراب القراءات" 1/ 166، و"الحجة" لابن زنجلة ص 264.
(٣٧) هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 385.
(٣٨) يعني: قراءة ابن عامر، بفتح السين، وسكون التاء.
(٣٩) "تهذيب اللغة" 12/ 1174، و"معاني القراءات" 1/ 377؛ وهو قول الزجاج في == "معانيه" 2/ 280، ومكي في "المشكل" 1/ 264، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 572: (أحسن ما قيل فيه أن المعنى: ولئلا يقولوا انقطعت وامحت وليس يأتي محمد بغيرها) اهـ.
(٤٠) لفظ (بها) ساقط من (أ).
(٤١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 97، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 100، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 175 بدون نسبة.
(٤٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 97، والبغوي في "تفسيره" 3/ 175.
(٤٣) أي: التحول وهو من معاني اللام عند الكوفيين، وعند البصريين تسمى لام العاقبة، ويقال لها أيضاً: لام العلة والمآل والعرض.
انظر: "البيان" لابن الأنباري 1/ 334، وما سبق من هذا البحث ص 238.
(٤٤) في (ش): (يقولون).
(٤٥) "معاني الزجاج" 2/ 280.
وانظر: "معاني النحاس" 2/ 469 - 470، وقال أبو == علي في "الحجة" 3/ 375: (من قال (درستْ): بسكون التاء، فالمعنى في (ليقولوا) لكراهة أن يقولوا ، ولأن لا يقولوا: درست، أي: فُصِّلت الآيات وأحكمت لئلا يقولوا: إنها أخبار وقد تقدمت وطال العهد بها وباد من كان يعرفها كما قالوا: ﴿ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ ، وأما من قرأ: (دارستَ) و (درستَ) أي: بفتح التاء، فاللام على قولهم كالتي في قوله: ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ ولم يلتقطوه لذلك، كما لم تفصل الآيات ليقولوا (درست) و (دارست)، ولكن لما قالوا ذلك أطلق هذا عليه في الاتساع) ا.
هـ ملخصًا.
وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 571 - 572، بعد ذكر قول الزجاج: (وفي المعنى قول آخر حسن، وهو أن يكون معنى: (نصرف الآيات) نأتي بها آية بعد آية ليقولوا: (درست) علينا، فيذكرون الأول بالآخر، فهذا حقيقة، والذي قال الزجاج مجاز) ا.
هـ.
وانظر: "المشكل" 1/ 264، و"الدر المصون" 5/ 93 - 96.
(٤٦) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 138.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ ﴾ جمع بصيرة، وهو نور القلب، والبصر نور العين، وهذا الكلام على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وما أنا عليك بحفيظ ﴿ وَلِيَقُولُواْ ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: ليقولوا صرفنا الآيات ﴿ دَرَسْتَ ﴾ بإسكان السين وفتح التاء درست العلم وقرأته، ودارَسْتَ بالألف أي دارست العلم وتعلمت منه، ودرست بفتح السين وإسكان التاء بمعنى قدمت هذه الآيات ودبرت ﴿ وَلِنُبَيِّنَهُ ﴾ الضمير للآيات وجاء مذكراً لأن المراد بها القرآن ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين ﴾ إن كان معناه: أعرض عما يدعونك إليه؛ أو عن مجادتهم فهو محكم، وإن كان عن قتالهم وعقابهم فهو منسوخ.
وكذلك ما أنا عليكم بحفيظ وبوكيل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولم يكن ﴾ بياء الغيبة: قتيبة ﴿ درست ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ دارست ﴾ بتاء الخطاب من المدارسة: ابن كثير وابو عمرو.
والباقون بتاء الخطاب ﴿ درست ﴾ من الدرس.
﴿ عدوّاً ﴾ على فعول بالضم: يعقوب.
الباقون ﴿ عدوا ﴾ على فعل.
﴿ إنها إذا جاءت ﴾ بالكسر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف وقتيبة ونصير وأبو بكر وحماد.
الباقون: بالفتح.
﴿ لا تؤمنون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة.
الباقون: على الغيبة.
الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ صاحبة ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ ربكم ﴾ ط لاحتمال الجملة الاستئناف والحال والعامل معنى الإشارة ﴿ إلا هو ﴾ ط لأن قوله ﴿ خالق ﴾ بدل من الضمير المستثنى أو خبر ضمير محذوف ﴿ فاعبدوه ﴾ ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع أن الثانية من تمام المقصود ﴿ يدرك الأبصار ﴾ ط لاحتمال الواو الاستئناف والحال أي يدرك الأبصار لطيفاً خبيراً.
﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ فلنفسه ﴾ ط كذلك مع الواو.
﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من ربك ﴾ ط لاحتمال الجملة الحال والاستئناف على أنها جملة معترضة ﴿ إلا هو ﴾ ط للعطف مع العارض ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ما أشركوا ﴾ ط ﴿ حفيظاً ﴾ ط للابتداء بالنفي مع اتحاد المعنى ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ليؤمنن بها ﴾ ط ﴿ وما يشعركم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنها ﴾ بكسر الألف.
﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه.
التفسير: لما نبه إجمالاً بغير علم على الدليل على إبطال قول من خرق له بنين وبنات، فصل ذلك بقوله ﴿ بديع السموات والأرض ﴾ الآية.
والمراد هو بديع السموات، ويجوز أن يكون ﴿ بديع ﴾ مبتدأ والجملة بعده خبره.
وتقرير الدليل أنكم إما أن تريدوا بكون عيسى ولداً له أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غيره تقدم نطفة و لا أب وحينئذ يلزمكم القول بأنه والد السموات والأرض بكونه مبدعاً لهما وهذا باطل بالاتفاق، وإما أن تريدوا به الولادة كما هو المألوف في الحيوانات وهذا أيضاً محال لأن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة من جنسه وينفصل منه جزء يحتبس في رحمها، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والحد والنهاية والشهوة واللذة، وكل ذلك على الله محال وأشار إلى هذا بقوله ﴿ أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ﴾ وأيضاً الولد بهذا الطريق إنما يتصور في حق من لا يقدر على خلق الأشياء دفعة واحدة، أما الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون فذلك في حقه مستحيل، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ خلق كل شيء ﴾ وأيضاً هذا الولد لا يكون أزلياً وإلا كان واجباً لذاته غنياً عن غيره فبقي أن يكون حادثاً فنقول: إنه عالم بكل المعلومات أزلاً وأبداً كما قال ﴿ وهو بكل شيء عليم ﴾ فإن كان قد علم أن له في تحصيل ذلك الولد كمالاً أو نفعاً أو لذة لتعلقت إرادته بإيجاده في الأزل دفعاً لذلك الاحتياج والنقصان، فيكون الولد أزلياً على تقدير كونه حادثاً هذا خلف، فتبين أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والأضداد والأنداد والأولاد، فلهذا صرح بالنتيجة فقال ﴿ ذلكم الله ﴾ فاسم الإشارة مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة أي ذلكم الموصوف الجامع لتلك الصفات المقدسة هو الله إلى آخره.
وإنما قال ههنا ﴿ لا إله إلا هو خالق كل شيء ﴾ وفي "المؤمن" بالعكس لأنه وقع ههنا بعد ذكر الشركاء والبنين والبنات فكان رفع الشرك أهم، وهنالك وقع بعد ذكر خلق السموات والأرض فكان تقديم الخالقية أهم.
ثم قال ﴿ فاعبدوه ﴾ وهو مسبب عن مضمون الجملة المقتدمة يعني أن من استجمعت له هذه الكمالات كان حقيقاً بالعبادة ﴿ وهو ﴾ مع تلك الصفات ﴿ على كل شيء وكيل ﴾ يحفظه ويرزقه ويراقبه.
قال في التفسير الكبير: إنه أقام الدليل على وجود الخالق، ثم زيف طريق من أثبت له شريكاً وهذا القدر لا يوجب التوحيد المحض لكن للعلماء في إثبات التوحيد طرق منها: أن الدليل قد دل على وجود صانع، والزائد على الواحد لم يدل دليل على ثبوته فليس عدد أولي من عدد آخر فيلزم آلهة لا نهاية لها، أو القول بعدد معين بلا ترجيح وكلاهما محال فلم يبق إلا الإكتفاء بواحد وهو المطلوب.
ومنها أنا لو قدّرنا إلهين قادرين على كل المقدورات عالمين بكل المعلومات، فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلاً لذلك الفعل مانعاً للآخر من تحصيل مقدوره وذلك يوجب أن يكون كل واحد يعجز الآخر وهو محال، وإن كان في أحدهما عجز ونقص لم يصلح للإلهية.
ومنها أنا لو فرضنا إلهاً ثانياً فكان إما أن يكون الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال أولا.
وعلى الأول لا بد أن يحصل الامتياز بأمر وإلا لم يحصل التعدد، فذلك المميز إن كان من صفات الكمال لم يكن جميع صفات الكمال مشتركة بينهما، وإن كان من صفات النقص فالموصوف به لا يصلح للإلهية وكذا إن لم يكن الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال فثبت التوحيد بهذه الدلائل، مع أن الدليل النقلي في التوحيد كاف والله أعلم.
قالت الأشاعرة: عموم قوله ﴿ خالق كل شيء ﴾ يدل على أنه خالق أفعال العباد.
وقالت المعتزلة: إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح ولكنه لا يتمدح بخلق الزنا والكفر واللواط، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.
وأيضاً احتج كثير من المعتزلة به على نفي الصفات وعلى أن القرآن مخلوق.
أما الثاني فلأن القرآن شيء فيدخل تحت العموم.
وأما الأوّل فلأن الصفات لو كانت موجودة له لزم أن تكون مخلوقة له.
وأجيب بأنكم تخصصون هذا العام بحسب ذاته ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقاً لنفسه وبحسب أفعال العباد، فنحن أيضاً نخصصه بحسب الصفات وبحسب القرآن.
وأما الفرق بين قوله ﴿ وخلق كل شيء ﴾ وقوله ﴿ خالق كل شيء ﴾ فذلك لأن الأول يتعلق بالزمان الماضي، والثاني يتناول الأوقات كلها على سبيل الاستمرار.
ثم بين أن شيئاً من القوى المدركة لا يحيط بحقيقته وأن عقلاً من العقول لا يقف على كونه صمديته فقال ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ هذه الآية من مشهورات استدلالات المعتزلة على نفي رؤيته .
قالوا: الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية بدليل أن قول القائل: أدركته ببصري وما رأيته متناقضان.
ثم إن قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال بدليل صحة الاستثناء.
وأيضاً أنه ذكر الآية في معرض المدح والثناء، وكل ما كان عدمه مدحاً ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصاً كقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ﴿ لم يلد ولم يولد ﴾ فوجب كون الرؤية نقصاً في حقه .
وإنما قيدوا بما لا يكون من باب الفعل لأنه يمتدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ مع أنه قادر على الظلم عندهم.
وأجيب بالمنع من أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لأنه في أصل اللغة موضوع للوصول واللحوق ومنه ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون ﴾ أي لملحقون وقوله ﴿ حتى إذا أدركه الغرق ﴾ أي لحقه.
وأدرك الغلام أي بلغ، وأدركت الثمرة إذا نضجت.
وإذ قد ثبت ذلك فنقول: الرؤية جنس والإدراك أي إدراك البصر رؤية مع الإحاطة.
ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام، فلا يلزم من نفي إدراك البصر نفي الرؤية.
سلمنا أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لكن قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ لا يفيد إلا نفي العموم وأنتم تدعون عموم النفي فأين ذاك من هذا.
وإنما قلنا إنه لا يفيد إلا نفي العموم لأن صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضاً.
فقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يفيد أنها لا تدركه في الدنيا وأنها تركه إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها في الآخرة، أو نقول قول القائل: لا يدركه جميع الأبصار يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب، فلم لا يجوز أن يفيد أنه يدركه بعض الأبصار كما لو قيل إن محمداً ما آمن به كل الناس فإنه يفيد أنه آمن به بعض الناس، سلمنا أن الأبصار لا تدركه البتة فلم لا يجوز حصول إدراك الله بحاسة سادسة يخلقها الله يوم القيامة كما هو مذهب ضرار بن عمرو الكوفي.
أو نقول: سلمنا أن الأبصار لا تدركه فلم قلتم إن المبصرين لا يدركونه، أما قولهم إن الآية مذكورة في معرض المدح فنقول: لو لم يكن الله جائز الرؤية لما حصل المدح بقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ وإنما يحصل التمدح لو كان بحيث نصح رؤيته.
ثم إنه يحجب الأبصار عن رؤيتهلغاية جلاله ونهاية جماله.
والتحقيق فيه أن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجباً للمدح والعلم به ضروري، بل إذا كان النفي دليلاً على حصول صفة ثابتة من صفات المدح قيل: إن ذلك النفي يوجب التمدح كقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ فإنه لا يفيد المدح نظراً إلى هذا النفي، فإن الجماد أيضاً لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات من غير تبدل ولا زوال.
فقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يمتنع أن يفيد المدح إلا إذا دل على معنى موجود وذلك ما قلناه من كونه قادراً على حجب الأبصار ومنعها عن الإحاطة به، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية عليكم لا لكم لأنها أفادت أنه جائز الرؤية بحسب ذاته.
ثم نقول: إذا ثبت ذلك يجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة لأن القائل قائلان: قائل بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل لا يرونه ولا تجوز رؤيته، وإذا بطل هذا القول يبقى الأول حقاً لأن القول بجواز رؤيته مع أنه لا يراه أحد قول لم يقل به أحد وهذا استدلال لطيف.
ثم إن القاضي استدل ههنا على نفي الرؤية بوجوه أخر خارجة عن التفسير لائقة بالأصول.
فأولها أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان المرئي حاضراً وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة - وهو أن لا يحصل القرب القريب والبعد البعيد وارتفع الحجاب وكان المرئي مقابلاً أو في حكم المقابل - فإنه يجب حصول الرؤية وإلا لجاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبول ونحن لا نسمعها ولا نراها، وهذا يوجب السفسطة إذا ثبت هذا فنقول: القرب القريب والبعد البعيد والحجاب والمقابلة في حقه ممتنع، فلو صحت رؤيته كان المقتضي لحصول تلك الرؤية سلامة الحاسة وكون المرئي بحيث يصح رؤيته، وهذان المعنيان حصلان في هذا الوقت فوجب أن تحصل رؤيته، وحيث لم تحصل علمنا أن رؤيته ممتنعة في نفسها.
وأجيب بأن ذاته مخالفة لسائر الذوات ولا يلزم من ثبوت حكم لشيء ثبوت مثله فيما يخالفه.
وثانيها لو صحت رؤيته لأهل الجنة لرآه أهل النار أيضاً لأن القرب والبعد والحجاب ممتنع في حقه .
وأجيب لأنه لم لا يجوز أن يخلق الله الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها في عيون أهل النار؟
وثالثها أن كل ما كان مرئياً كان مقابلاً أو في حكم المقابل، والله منزه عن ذلك.
وأجيب بمنع الكلية وبأنه إعادة لعين الدعوى لأن النزاع واقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا.
ورابعها أن أهل الجنة يلزم أن يروه في كل حال حتى عند الجماع لأن القرب والبعد عليه محال، ولأن رؤيته أعظم اللذات وفوات ذلك يوجب الغم والحزن وذلك لا يليق بحال أهل الجنة.
وأجيب بأنهم لعلهم يشتهون الرؤية في حال دون حال كسائر الملاذ والمنافع.
(في تعديد الوجوه الدالة على جواز الرؤية): منها هذه الآية كما بينا.
ومنها أن موسى طلب الرؤية فدل ذلك على جوازها.
ومنها أنه علق الرؤية على استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.
ومنها قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ قد اتفق الجمهور على أن النبي وآله فسر الحسنى بالجنة والزيادة بالرؤية، ومنها قوله ﴿ فمن كان يرجوا لقاء ربه ﴾ ونحو ذلك من الآيات الدالة على اللقاء، ومنها قوله ﴿ كانت لهم جنات الفروس نزلاً ﴾ والاقتصار على النزل لا يجوز فالزائد على جنات الفردوس لا يكون إلا اللقاء.
ومنها قوله ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ وسوف يأتي في سورة النجم إن شاء الله .
ومنها قوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ﴾ ومنها قوله ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ فيكون المؤمنون غير محجوبين.
ومنها قوله ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس ﴾ ولا شك أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله على كل الوجوه وأكمل طرق المعرفة هو العيان.
ومنها قوله ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ﴾ فيمن قرأ بفتح الميم وكسر اللام.
وأما الأخبار فكثيرة منها: الحديث المشهور "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته" والمراد تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا تشبيه المرئي بالمرئي.
ومنها أن الصحابة اختلفوا في أن النبي وآله هل رأى الله تعالى ليلة المعراج ولم يكفر بعضهم بعضاً بهذا السبب فدل ذلك على أنهم كانوا يجمعون على إمكان الرؤية.
أما قوله ﴿ وهو يدرك الأبصار ﴾ ففيه دليل على أنه مبصر للمبصرات، راء للمرئيات، مطلع على ماهياتها، عليم بعوارضها وذاتياتها.
ثم قال ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ وليس المراد باللطافة ضد الكثافة وهو رقة القوام فإن ذلك من صفات الأجسام، بل المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها إلا مبدعها.
أو المراد أنه لطيف في الإنعام والرحمة لا يأمرهم فوق طاقتهم وينعم عليهم فوق استحقاقهم.
أو الغرض أنه يثني عليهم بالطاعة، ولا يقطع موادّ إحسانه عنهم بالمعصية.
أو المراد أنه يلطف عن أن يدركه الأبصار الخبير بكل لطيف ولا يلطف شيء عن إدراكه، ثم عاد إلى تقرير أمر الدعوة والرسالة فقال ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ أي موجباتها والبصيرة للقلب بمنزلة البصر للعين.
﴿ فمن أبصر ﴾ الحق وآمن ﴿ فلنفسه ﴾ أبصر وإياها نفع.
﴿ ومن عمي ﴾ عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر.
قالت المعتزلة: فيه تصريح بأن العبد يتمكن من الأمرين: الفعل والترك.
وعورض بالعلم والداعي ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم.
ثم حكى شبه المنكرين بقوله ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التقرير البليغ ﴿ نصرف الآيات ﴾ نأتي بها متواترة حالاً بعد حال ﴿ وليقولوا ﴾ عطف على محذوف أي لتلزمهم الحجة وليقولوا أو متعلق بما بعده أي وليقولوا درست نصرفها.
ومعنى ﴿ درست ﴾ قرأت وتعلمت من الدرس، ومن قرأ ﴿ دارست ﴾ أي قرأت على اليهود وقرؤا عليك وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة.
وأما قراءة ابن عامر ﴿ درست ﴾ فهي من الدروس بمعنى أن هذه الآيات قد درست وعفت أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا من جملة أساطير القرون الخالية، قالت العلماء: التركيب يدل على التذليل والتليين لأن من درس الكتاب فقد ذلـله بكثرة القراءة، ومنه قيل للثوب الخلق "دريس"، لأنه قد لان فكأنه ذكر الوجه الذي لأجله صرف الآيات وهو أمران: أحدهما قوله ﴿ وليقولوا دارست ﴾ والثاني قوله ﴿ ولنبينه ﴾ أما الثاني فلا إشكال فيه لأنه بيّن أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه البيان والعلم والضمير في ﴿ لنبينه ﴾ للآيات لأنها في معنى القرآن، أو يعود إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به، أو إلى التبيين الذي هو مصدر الفعل نحو: ضربته زيداً أي ضربت الضرب زيداً.
وأما الأول فقد أورد عليه أن قولهم للرسول ﴿ دارست ﴾ كفر منهم بالقرآن والرسول، وعلى هذا فتعود مسألة الجبر والقدر، أما الأشاعرة فأجروا الكلام على ظاهره وقالوا: معناه أنا ذكرنا هذه الدلائل حالاً بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزدادوا كفراً على كفر، ونبينه لبعض فيزدادوا إيماناً على إيمان كقوله ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً ﴾ وأما المعتزلة فقال الجبائي منهم والقاضي: إن هذا الإثبات محمول على النفي والتقدير: نصرف الآيات لئلا يقولوا كقوله ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ أي لئلا تضلوا.
أو المراد لام العاقبة، وزيف بأن حمل الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وفتح هذا الباب يخرج الكتاب عن أن يكون حجة.
وأيضاً إنه مناف للمقصود لأن إنزال الآيات نجماً فنجماً هو الذي أوقع الشبهة للقوم في أن محمداً إنما أتى بالقرآن على سبيل المدارسة والمذاكرة مع أقوام آخرين، ولهذا كانوا يقولون لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة.
فالجواب الذي ذكره إنما يصح لو كان التصريف علة لأن يمتنعوا من هذا القول لكنه موجب له فسقط كلامهم، وأيضاً حمل اللام على لام العاقبة مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى.
ثم إنه لما حكى عن الكفار أنهم نسبوه في شأن القرآن إلى الافتراء وإلى أنه دارس أقواماً واستفاد هذه العلوم منهم ثم نظمها قرآناً وادّعى أنه نزل عليه من الله أتبعه قوله ﴿ اتبع ما أوحي إليك من ربك ﴾ لئلا يصير ذلك القول سبباً لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي يعتريه بسماع تلك الشبهة، ونبه بالجملة المعترضة أو الحال المؤكدة وهي قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ على أنه لما كان واحداً في الإلهية فإنه يجب طاعته ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ وحمله بعضهم على أنها منسوخة بآية القتال.
وضعف بأن المراد واترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه، وأن يعدل صلوات الله عليه إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التنفير والتغيظ.
﴿ ولو شاء الله ما أشركوا ﴾ مذهب الأشاعرة فيه ظاهر.
وحمله المعتزلة على مشيئة الإلجاء والقسر.
وأجيب بعد المعارضة بالعلم والداعي بأن الإيمان الاختياري هب أنه أنفع وأفضل من الإيمان القهري إلا أنه لما علم أن ذلك لا يقع ولا يحصل فقد كان يجب في حكمته أن يخلق الله فيه الإيمان القهري كي يخلص من العقاب، وإن لم يجب له الثواب كما أن الأب المشفق إذا علم أن ابنه لا يحسن الغوص يقول له: اترك الغوص في البحر ولا تطلب اللآلىء فإنك لا تجدها واكتف بالرزق القليل مع السلامة، فأما أن يأمره بالغوص في البحر مع اليقين التام بأنه لا يستفيد منه إلا الهلاك فإن ذلك من الرحمة والشفقة بمعزل.
ثم ختم الكلام بما يكمل به بصيرة الرسول وآله، وذلك أن بيّن له قدر ما جعل إليه فذكر أنه ما جعله حفيظاً ولا وكيلاً عليهم وإنما فوض إليه الإبلاغ والإنذار.
ثم إنهم لما نسبوا الرسول إلى أنه جمع القرآن بطريق المداومة وكان لا يبعد أن يغضب له المسلمون لسبب ذلك فيسبوا آلهتهم نهى الله عن ذلك فقال ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ﴾ وذلك أن المسلمين إذا شتموا آلهتهم فربما غضبوا وذكروا الله بما لا ينبغي من القول.
وفيه تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والمسافهة وإنه لا يليق بالعقلاء.
قال ابن عباس: لما نزل ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ قال المشركون: لئن لم تنته عن سب آلهتنا وعيبها لنهجونّ إلهك فنزلت.
وقال السدي: " لما حضر أبا طالب الوفاة قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهي عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب كان يمنعه فلما مات قتلوه.
فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة ابن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود بن البختري إلى أبي طالب فقالوا: أنت كبيرنا وسيدنا، وأن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه.
فدعاه فجاء النبي وآله فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك.
فقال رسول الله : ماذا تريدون؟
قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك.
فقال أبو طالب: قد أنصفك قومك وبنو عمك.
فقال رسول الله : أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم؟
قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها فما هي؟
قال: قولوا لا إله إلا الله فأبوا واشمأزوا فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي فإن قومك قد فزعوا منها.
فقال: يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها.
فقالوا: لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك فأنزل الله هذه الآية" .
قالت العلماء: إن القوم كانوا مقرين بوجود الإله فكيف يتصور إقدامهم على شتم الله؟
وأجيب بأنه ربما كان بعضهم قائلاً بالدهر ونفي الصانع فما كان يبالي هذا النوع من السفاهة، أو لعل مرادهم شتم الرسول وآله فأجرى الله شتمه مجرى شتم الله كما في قوله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ أو لعلهم من جهالتهم اعتقدوا أن الشيطان يحمله على ادعاء الرسالة ثم إنهم سموا ذلك الشيطان بأنه إله محمد وآله.
وههنا سؤال وهو أن شتم الأصنام من أصول الطاعات فكيف يحسن من الله أن ينهى عنه؟
والجواب أن هذا الشتم وإن كان طاعة إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم منكراً وجب الاحتراز عنه، لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله وشتم رسوله وفتح باب السفاهة ويقتضي تنفيرهم عن قبول الدين وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم.
وفيه أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر وغلبة الظن قائمة مقام اليقين في هذا الباب.
وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدين كيلا يتشاغل بما لا يفيد في المطلوب، فإن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها، يقال: عدا فلان عدواً وعدواناً وعداء إذا ظلم ظلماً يتجاوز القدر.
قال الزجاج ﴿ عدواً ﴾ منصوب على المصدر لأن المعنى فيعدو عدواً وقرىء ﴿ عدوّاً ﴾ بفتح العين والتشديد أي في حال كونهم أعداء.
ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التزيين ﴿ زينا لكل أمة عملهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على أنه هو الذي زين للكافر الكفر وللمؤمن الإيمان وللعاصي المعصية، وزيفه الكعبي بقوله ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ [العنكبوت: 38] وبقوله ﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ﴾ فإذا المراد أنه زين لهم ما لهم أن يعملوا وهم لا يفقهون، أو المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا الشيطان حتى زين لهم أو زينا في زعمهم وقولهم أن الله أمرنا بهذا وزينه لنا، وضعف بعد المعارضة بالعلم وخلق الداعي بأن قوله ﴿ كذلك زينا ﴾ بعد قوله ﴿ فيسبوا الله ﴾ مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله .
وأيضاً الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفراً وجهلاً والعلم بذلك ضروري، بل إنما يختاره لأنه اعتقد كونه إيماناً وعلماً وحقاً وصدقاً، ولولا سابقة الجهل الأول لما اختار الجهل الثاني ولا تذهب الجهالات إلى غير النهاية، فلا بد أن ينتهي إلى جهل أول يخلقه الله فيه وهو بسبب ذلك الجهل ظن الكفر إيماناً والجهل علماً.
قال: ﴿ وأقسموا بالله جهد إيمانهم ﴾ والغرض حكاية شبهة أخرى لهم وهي أن هذا القرآن كيفما كان أمره فليس من جنس المعجزات البتة،ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة باهرة وبينه قاهرة لآمنا بك وأكدوا هذا المعنى بالأيمان والأقسام.
قال الواحدي: إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضعة لتوكيد الخبر وكانت الحاجة إلى ذكر الحلف عند انقسام الناس وقت سماع الخبر إلى مصدق ومكذب، فمعنى الأقسام إزالة القسمة وجعل الناس كلهم مصدقين بواسطة الحلف واليمين.
عن محمد بن كعب قال: " كلمت رسول الله وآله قريش فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كانت معه عصا فضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وأن عيسى كان يحيى الموتى، وأن صالحاً كانت له ناقة، فأتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك.
فقال رسول الله : أي شيء تحبون أن آتيكم به؟
قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً.
قال: فأن فعلت تصدقوني؟
قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون.
فقام رسول الله يدعو فجاءه جبريل فقال: إن شئت أصبح الصفا ذهباً ولكن لم أرسل بآية فلم يصدق بها إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم.
فقال رسول الله : أتركهم حتى يتوب تائبهم " وأنزل الله الآيات إلى قوله ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه.
وقال الزجاج: معناه بالغوا في الإيمان.
والمراد بقوله ﴿ لئن جاءتهم آية ﴾ ما روينا من جعل الصفا ذهباً.
وقيل: هي الأشياء المذكورة في قوله ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ﴾ الآيات.
وقيل: كان النبي وآله يخبرهم بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين المكذبين فالمشركون طلبوا مثلها.
﴿ قل إنما الآيات عند الله ﴾ أي هو مختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات لأن المعجزات لا تحصل إلا بتخليق الله ، أو المراد بالعندية هو العلم بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي إيمانهم أم لا كقوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ أو المراد أنها وإن كانت معدومة في الحال إلا أنه متى شاء أحدثها وليس لكم أن تتحكموا في طلبها كقوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ ﴿ وما يشعركم ﴾ ما استفهام والجملة خبره، ثم من قرأ ﴿ انها ﴾ بكسر الهمزة على الابتداء - وهي القراءة الجيدة - فالتقدير وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال ﴿ إنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وأما قراءة الفتح فقال سيبويه: سألت الخليل عن ذلك فقال: لا تحسن لأنها تصير عذراً للكفار، لأن معنى قول القائل: ما يدريك أنه لا يفعل هو أنه يفعل.
فمعنى الآية أنها إذا جاءت آمنوا وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذراً لهم في طلبها، لكن القراءة لما كانت متواترة فلا جرم ذكر العلماء فيه وجوها: قال الخليل: "أن" بمعنى "لعل" تقول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شياً أي لعلك.
ويقوي هذا الوجه قراءة أبي ﴿ لعلها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وثانيها "أن" تجعل "لا" صلة كما في قوله ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ ﴿ وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ﴾ وثالثها أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها فقال الله: وما يدريكم أيها المؤمنون أنهم لا يؤمنون على معنى أنكم لا تدرون ما سبق به على من أنهم لا يؤمنون.
وأما من قرأ ﴿ لا تؤمنون ﴾ بتاء الخطاب فالمراد وما يشعركم أيها الكفار.
قال القاضي والجبائي: في الآية دلالة على أنه يجب أن يفعل كل ما في مقدوره من الألطاف إذ لو كان في المعلوم لطف يؤمنون عنده، ثم إنه لا يفعل ذلك لم يكن لتعليل ترك الإجابة بأنهم لا يؤمنون وجه.
وأيضاً لو كان الإيمان بخلق الله ولم يكن لفعل الألطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات لم يكن لإظهار تلك المعجزات أثر.
وأجيب بأن تأثير المعجزات عندهم مبني على وجوب اللطف، فلو أثبت اللطف به لزم الدور، وبأن الآية التي بعد هذه وهي قوله ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴾ تدل على أن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره.
ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار هو أنهم إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها عرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول إلا إنه إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات.
والتقليب تحريك الشيء عن وجهه.
وكان وآله يقول "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك" والمراد أنه يقلب القلوب تارة من داعي الخير إلى داعي الشر وبالعكس.
وإنما قدم ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار، لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر عنه، والحاصل أن السمع والبصر آلتان للقلب فلهذا السبب وقع الابتداء بتقليب القلب.
قال الجبائي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وحرها لتعذيبهم.
وزيف بأن قوله ﴿ ونذرهم ﴾ إنما يحصل في الدنيا وهذا يستلزم سوء النظم.
وقال الكعبي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم بأنا لا نفعل بهم ما نفعل بالمؤمنين من الفوائد والألطاف حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم.
وضعف بأنه إنما استحق الحرمان من تلك الألطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر وهو الذي أوقع نفسه في ذلك الحرمان فكيف يحسن إضافته إلى الله في قوله ﴿ ونقلب ﴾ وقال القاضي: القلب باقٍ على حالة واحدة إلا أنه أدخل التقليب والتبديل في الدلائل.
واعترض بأن تقليب القلب نقله من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة.
وأما قوله ﴿ كما لم يؤمنوا به أول مرة ﴾ فقال الواحدي: فيه حذف والتقدير ولا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة يعني أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره.
والكناية في ﴿ به ﴾ إما عائدة إلى القرآن، أو إلى محمد وآله، أو إلى ما طلبوا من الآيات وقيل: الكاف للجزاء أي كما لم يؤمنوا أول مرة فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم.
قال الجبائي: ﴿ ونذرهم ﴾ أي لا نحول بينهم وبين اختيارهم ولا نمنعهم بمعاجلة الهلاك وغيره لكنا نمهلهم، فإن أقاموا على طغيانهم فذلك من قبلهم وأنه يوجب تأكيد الحجة عليهم.
وقالت الأشاعرة: نقلب أفئدتهم من الحق إلى الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان والضلال والعمى.
التأويل: ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ دلالات السعادات الباقية، فمن أبصرها بنظر البصيرة فاشتغل بتحصيلها وأقبل على الله لسلوك سبيلها فذلك تحصيل لنفسه ﴿ فإن الله غني عن العالمين ﴾ ﴿ ومن عمي ﴾ فبالعكس.
﴿ ولا تسبوا الذين يدعون ﴾ لا تخاطبوا أهل الضلال على مواجب نوازع النفس والطبيعة فيحملهم ذلك على ترك الإجلال وإظهار الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة والتزام الحجة ونفي الشبهة.
﴿ وأقسموا بالله ﴾ حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، وما يغني وضوح الأدلة لمن لم تدركه سوابق الرحمة ﴿ ونقلب أفئدتهم ﴾ عن الآخرة إلى الدنيا ﴿ وأبصارهم ﴾ عن شواهد المولى إلى مشاهدة النفس والهوى كأنهم لم يؤمنوا يوم الميثاق إذ قلت ألست بربكم؟
قالوا بلى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ .
قيل: بينات من ربكم.
وقيل البصائر الهدى، بصائر في قلوبهم، وليست ببصائر الرءوس وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقيل: بصائر، أي: بيان، وهو واحد.
وقيل: بصائر شواهد، أي قد جاءكم من الله شواهد تدلكم على ألوهيته، وهو كقوله : ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ ، أي: بل الإنسان من نفسه بصيرة، أي: شاهدة؛ فشهدت كل جارحة منهم على وحدانية الله وألوهيته.
ألا ترى أنه قال: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ؛ هذا - والله أعلم - لأنهم كانوا يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان والأصنام، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فيقول: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ من الآيات والرسل ما لو اتبعتموهم، لكانوا لكم شفعاء عند الله.
والثاني: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ ﴾ : ما لو تفكروا وتدبروا ونظروا فيها، لعرفوا أنها بصائر من الله؛ لأن البشر أنشئوا بحيث ينظرون في العجيب من الأشياء؛ فكانوا على أمرين: منهم من نظر وتفكر وعرف أنها بصائر، لكنه عاند وكابر ولم يعمل بها، ومنهم من ترك النظر فيها؛ فعمي عنها، ما لو تفكروا ونظروا لتبين لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ﴾ .
أي: أبصر الحق والهدى وعمل به، فلنفسه عمل، ومن أبصر وعمي عنها - أي: ترك العمل - فعليها ترك؛ كقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ .
فإن قيل: ذكر في آية أخرى: ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ ، أخبر أن من هلك هلك عن بينة، ومن حي حي عن بينة، وهاهنا يقول: ﴿ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ﴾ : ذكر عمي عليها؛ فكيف وجه التوفيق [بينهما]؟!
قيل: يحتمل قوله: ﴿ عَمِيَ ﴾ بعد ما تبين له، فترك العمل به؛ فعليها ذلك؛ لأنه أبصرها، وعرف أنها من الله، لكنه عاندها وكابرها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ .
أي: قد جاءكم بصائر من ربكم، فليس علينا إلا التبليغ؛ كقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ﴾ .
أي: نردّها في الوجوه التي تتبين لقوم يطلبون البيان.
أو نقول ﴿ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ﴾ ، أي: نضع كل آية ونصرفها إلى الوجوه التي تكون بالخلق إليها حاجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ﴾ .
فيه لغات: درست، ودارست.
ودرست: قرأت، ودارست: تعلمت.
وقيل: دارست أهل الكتاب: جادلتهم، ودرست بالجزم، [قيل: تعاونت] فهذا الاختلاف فيه؛ لاختلاف قول كان من الكفرة لرسول الله؛ منهم من يقول: [ ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ فهو تأويل دارست، ومنهم من يقول: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ فهو تأويل قوله: درست، ومنه من يقول]: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ ، وهو تأويل درست؛ فعلى اختلاف أقاويلهم خرجت القراءة.
ثم اختلف في تأويل قوله - -: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ﴾ \[قال بعضهم: لئلا يقولوا درست\] فهو صلة قوله: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ \[لئلا\]؛ يقولوا: درست.
وقال الحسن قوله: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ﴾ ، أي: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ ؛ ليقولوا درست؛ لأن من قوله: إنه بعث الرسل، وأنزل الكتب؛ ليكون من الكافر قول كفر، ومن المؤمن قول إيمان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ﴾ .
يخرج - والله أعلم - على [معنى] التعجب: يعجب أصحاب النبي عن قبح صنيع الكفرة وسوء معاملتهم رسول الله وقد جاءهم بصائر من ربهم وبينات وحجج، ثم هم بعد هذا كله يستقبلونه بالرد والتكذيب.
وهو على ما قلنا: إن الله ذكر نعمه عليهم بما أنشأ لهم: من الأنعام، والجنات المعروشات، والزرع، والنخيل، وما أخبر عنه، وقد علموا ذلك كله، ثم جعلوا له بعد معرفتهم هذا ﴿ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ، ولا بينة؛ فهو على التعجب أنهم كيف جعلوا له شركاء، وقد علموا أن الذي جعل هذا كله لهم هو الله؟!
فعلى ذلك هذه الآية أنهم كيف قذفوه بالدراسة، وقد تبين لهم صدقه، وأنه من عند الله بالآيات والدلائل، وبما كان لا يخط كتابا، ولا شهدوه يختلف إلى من عنده علم ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أي: لنبينه يعني القرآن، وقيل البصائر التي ذكر لقوم ينتفعون بعلمهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ .
فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، وإنما أوحي إليه من ربّه، ويكفي قوله: ﴿ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ ﴾ ؟!
ولكن معناه على الإضمار - والله أعلم - كأنه قال للذي أوحى إليه على يديه: قل ﴿ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، ثم أمر نبيه باتباع ما أوحي إليه من ربه، أي: اعمل بما أوحى إليك.
ثم الأمر بالعمل يحتمل وجهين: يحتمل: الأمر بالاعتقاد بذلك.
ويحتمل: نفس العمل، أي: اعمل.
ويشبه أن يكون الأمر بالاتباع ما أوحى إليه صدقاً في الخبر وعدلا في الحكم؛ كقوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ .
قيل: صدقاً في الأخبار، وعدلا في الأحكام؛ فعلى ذلك أمكن أن يكون الأمر بالاتباع اتباع ما أوحي إليه صدقاً في الأخبار، وعدلا في الأحكام، ثم على ما أمر نبيه باتباع ما أوحي إليه وأنزل من ربه أمر أمته كذلك، وهو قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ أمرهم باتباع ما أنزل إليهم من ربهم، ونهاهم عن اتباع من اتخذوا من دونه أولياء؛ فعلى ما نهاهم عن اتخاذ أولياء دونه قال في الآية التي أمر رسوله باتباع ما أوحي إليه من ربه؛ فقال: ﴿ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ واحد؛ لأنه أمر باتباع ما أوحى إليه من ربه، ونهى أن يتبع دونه أولياء؛ لأنه أخبر أن لا إله إلا هو.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
يحتمل: أمره بالإعراض عن المشركين وجوهاً: يحتمل ألا تكافئهم على أذاهم؛ ولكن اصبر، ويحتمل الأمر بالإعراض عنهم: النهي عن قتالهم؛ كأنه نهى عن قتالهم في وقت.
ويحتمل أن تكون الآية في قوم خاصة، قال: أعرض عنهم؛ فإنهم لا يؤمنون، ولا تقم عليهم الآيات والحجج؛ لما علم منهم أنهم لا يؤمنون، ثم على ما أمر نبيه بالإعراض عنهم أمر المؤمنين - أيضاً - بالإعراض عنهم، وهو قوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ ﴾ .
قالت المعتزلة: المشيئة هاهنا مشيئة قهر وجبر، أي: لو شاء الله لأعجزهم ومنعهم عن الشرك على دفع الابتلاء والامتحان.
وأما عندنا: المشيئة: مشيئة اختيار، والطوع على قيام الابتلاء والامتحان، وبعد: فإن مشيئة الجبر هي خلقه، وقد كانوا جميعاً غير مشركين بالخلقة؛ فلا معنى لتأويلهم الذي تأولوا في المشيئة.
ثم لا يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ ﴾ مشيئة قهر وجبر؛ لأنه لا يكون في حال الجبر والقهر إيمان ولا كفر؛ إنما يكون ذلك في حال الاختيار والطوع؛ لأن الجبر والقهر يمنع من أن يكون له فعل حقيقة؛ بل يتحول الفعل عنه ويسقط، ويثبت للذي جبر وقهر؛ وذلك بعيد؛ فدل أنه ما ذكرنا، وبالله الرشاد.
وفي قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ ﴾ دلالة أن طريق الإسلام الإفضال والإنعام، ولله أن يخص به من كان أهلا للإفضال والإنعام باللطائف التي عنده، ويحرم [بعضاً] ذلك، وله أن يجعل بعضهم أهلا لذلك؛ إفضالا منه، ولا يجعل البعض؛ عدلا منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ .
أي: لم يؤخذ عليك حفظ أعمالهم، أو لا تسأل أنت عن صنيعهم؛ إنما عليك التبليغ، وهو كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ ، [و] كقوله - -: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ ، ونحوه.
وقيل: الحفيظ والوكيل: واحد، وقيل: الوكيل هو الكفيل، وقد ذكرناه في غير موضع فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .
نهانا الله - عز وجل - عن سبّ من يستحق السبّ؛ مخافة سبّ من لا يستحق [السبّ].
فإن قيل: كيف نهانا عن سب من يستحق السب؛ مخافة سبّ من لا يستحق، وقد أمرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهم قاتلونا، [وقتل] المؤمن بغير حق من المناكير، وكذلك أمر رسول الله بتبليغ الرسالة والتلاوة عليهم، وإن كانوا يستقبلونه بالتكذيب؟!
قيل: إن السبّ لأولئك [مباح] غير مفروض، والقتال معهم فرض، وكذلك التبليغ فرض يبلغ إليهم، وإن كانوا ينكرون ما يبلغهم، وكذلك القتال نقاتلهم، وإن كان في ذلك إهلاك أنفسنا وأصله أن ما خرج الأمر به مخرج الإباحة فإنه ينهى عما يتولد منه ويحدث، وما كان الأمر به أمر فرض ولزوم لا ينهى عن المتولد منه والحادث.
ويجوز أن يستدل بهذا على تأييد مذهب أبي حنيفة - - في قوله: إن [من] قطع يد آخر بقصاص فمات في ذلك أخذ بالدية، وإذا قطع اليد بحدّ لزمه فمات، لم يؤخذ بها؛ لأنه أبيح له قطع يده، والقصاص لم يفرض عليه، وفي الحدّ، تلزم إقامة الحد لله، فإذا كان قيامه بفعل أبيح له الفعل، ينهى عما يتولد منه، ويؤخذ به؛ وإذا كان قيامه بفعل فرض عليه، لم يؤخذ بما تولد منه؛ وعلى هذا يخرج قوله في الأمر بالختان إذا تولد من ذلك الموت؛ لأنه أمر بإقامة السنة، وكذلك الأمر بالحجامة؛ لأنه يفرض عليه الحجامة في حال إذا خاف عليه الهلاك؛ إذا لم يحتجم وأما الأمر بالدق وغيره مما يشاكله: فهو - أمر إباحة، لا أمر إلزام؛ لذلك ضمن ما تولد منه؛ فعلى ذلك السبّ الذي يسب آلهتهم إذا حملهم ذلك على سبّ الله - عز وجل - وسبّ رسوله لا يسبون، وإن كانوا مستحقين لذلك؛ لأنه قد ينهى الرجل أن يعود نفسه السبّ؛ فعلى ذلك يجوز أن ينهوا عن سبّ آلهتهم؛ مخافة الاعتياد لذلك نهوا عن سبّ آلهتهم.
ثم ذكر في القصّة أن أصحاب رسول الله كانوا يسبون آلهتهم فيسبون الله؛ عدوا بغير علم؛ وذكر أن رسول الله ذكر آلهتهم بسوء؛ فقالوا: لتنتهين عن ذلك أو لنهجون ربك.
وعن ابن عباس - - وذلك حين قال لهم رسول الله : ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ الآية، فقالوا عند ذلك ما قالوا؛ فنزل: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾ ، ولكن لا ندري كيف كانت القصة، ولكن فيه ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .
قال الكيساني وأبو عوسجة: ﴿ عَدْواً ﴾ : من الاعتداء، وهو مجاوزة الحد.
وقال أبو عمرو: (عدوٌ): بالرفع، وقال: إنما العدو من عدو الرجلين؛ وكذلك قال في يونس: ﴿ وَعَدْواً ﴾ .
وقيل: فلما نزل قوله: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ﴾ الآية، قال رسول الله [لأصحابه]: "لا تسبوا ربكم فأمسكوا عن سبّ آلهتهم".
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ .
قال أبو بكر الكيساني: إن صلة قوله: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان؛ رجاء أن تقرب عبادتهم إياها إلى الله؛ لا أنهم كانوا يعبدونها ويتخذونها آلهة دون الله؛ فإذا سبّوا معبودهم فكأنهم سبوا الله عدواً بغير علم؛ إذ العبادة في الحقيقة لله، فيرجع سبّهم إياها إلى الله؛ لذلك كان معنى السبّ فقال؛ فعلى ذلك رجع قوله: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ ؛ حتى امتنعوا عن سبّ [الله]، فذلك الذي زين عليهم.
وقال الحسن: قوله: ﴿ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ ، أي: زينا عليهم أعمالهم فيما أمروا به، وفرض ويجب عليهم أن يفعلوا، لا فيما لا يفرض ولا يحل لهم أن يفعلوا.
وكذلك يقول جعفر بن حرب والكعبي وغيرهما من المعتزلة: إنه زين عليهم عملهم الذي فرض عليهم أن يعملوا ويأتوا به، وأما ما لا ينبغي أن يقولوا فلا؛ كقوله: ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ﴾ الآية ذكر في الإيمان: التزيين، وفي الكفر: التكريه، ويقولون: إنه أضاف التزيين إلى الشيطان بقوله: ﴿ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ﴾ والشيطان يزين لهم المعاصي والفسوق؛ فلا يحتمل أن يكون الله يزين لهم ما يزين الشيطان؛ فدل أنه إنما يزين لهم ما يؤمرون به ويفرض عليهم، ولكن يضاف إليه التزيين ما أضيف إليه حرف الإضلال والإغواء.
وأما عندنا: فالتزيين على وجهين: تزيين في العقول، وهو تحسين من طريق الآيات والبراهين، فذلك لا يحتمل فعل الكفر والضلال أن يكون مزيناً من جهة الآيات والحجج.
والثاني: تزيين في الطباع: بالشهوات، والأماني، وفعل كل أحد مزين بالشهوة والحاجة التي مكنت فيه، ولا شك أن كل كافر لو سئل عن فعله الكفر والضلال؛ فيقول: هذا الذين زين لي، وليس إضافة فعل التزيين إلى الله بأكبر وأبعد من إضافة الإضلال والإغواء، وقد ذكرنا معنى إضافة الإضلال والإغواء إليه في غير موضع؛ فعلى ذلك التزيين.
ويقولون - أيضاً -: إن التزيين: تزيين وعد وثواب؛ فالكافر متى يؤمن بالوعد في الآخرة والثواب فيها، وهو ليس يؤمن [بالآخرة]، فهذا بعيد.
ولا يحتمل ما قال الكيساني - أيضاً - لأنه لا كل الكفرة كانوا يعبدون الأصنام؛ ليقربهم ذلك إلى الله زلفى؛ بل أكثرهم لا [يعرفون] أن لهم خالقاً وربّاً.
وتحتمل إضافة التزيين إلى الشيطان على جهة التمني والتشهي؛ كقوله: ﴿ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ وإضافته إلى الله على القدرة عليه والسلطان، أو أن يخلق أعمالهم مزينة عندهم مسولة.
وإضافة فعل الضلال والغواية إلى الشيطان على الدعاء إليه والترغيب فيه، وإضافته إلى الله على أن يخلق فعل الضلال منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ ﴾ .
قد ذكرناه.
﴿ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
في جزيل الثواب، أو في أليم العذاب؛ فهو على الوعيد.
<div class="verse-tafsir"
وكما نَوَّعنا الأدلة والبراهين على قدرة الله نُنوِّع الآيات في الوعد والوعيد والوعظ، وسيقول المشركون: ليس هذا وحيًا، وإنما دَرَسْتَهُ عن أهل الكتاب من قبلك.
ولنُبيِّن الحق للناس بتنويعنا لهذه الآيات للمؤمنين من أمة محمد ، فهم الذين يقبلون الحق، ويتبعونه.
<div class="verse-tafsir" id="91.xlngj"