الآية ١٠٦ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٠٦ من سورة الأنعام

ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٠٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٦ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٦ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا لرسوله صلى الله عليه وسلم ولمن اتبع طريقته : ( اتبع ما أوحي إليك من ربك ) أي : اقتد به ، واقتف أثره ، واعمل به; فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه; لأنه لا إله إلا هو .

( وأعرض عن المشركين ) أي : اعف عنهم واصفح ، واحتمل أذاهم ، حتى يفتح الله لك وينصرك ويظفرك عليهم .

واعلم أن لله حكمة في إضلالهم ، فإنه لو شاء لهدى الناس كلهم جميعا ولو شاء الله لجمعهم على الهدى .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: اتبع، يا محمد، ما أمرك به ربك في وحيه الذي أوحاه إليك, فاعمل به, وانـزجر عما زجرك عنه فيه, ودع ما يدعوك إليه مشركو قومك من عبادة الأوثان والأصنام, فإنه لا إله إلا هو.

يقول: لا معبود يستحق عليك إخلاص العبادة له إلا الله الذي هو فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح، وجاعلُ الليل سكنًا، والشمسَ والقمر حسبانًا =(وأعرض عن المشركين) , يقول: ودع عنك جدالهم وخصومتهم .

(38) ثم نسخ ذلك جل ثناؤه بقوله في براءة: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، الآية [سورة التوبة: 5] .

كما:- 13736- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: أما قوله: (وأعرض عن المشركين) ونحوه، مما أمر الله المؤمنين بالعفو عن المشركين, فإنه نسخ ذلك قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .

* * * ---------------------- الهوامش : (38) انظر تفسير (( أعرض )) فيما سلف 11 : 436 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركينقوله تعالى : اتبع ما أوحي إليك من ربك يعني القرآن ; أي لا تشغل قلبك وخاطرك بهم ، بل اشتغل بعبادة الله .

لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين منسوخ .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( اتبع ما أوحي إليك من ربك ) يعني : القرآن اعمل به ، ( لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ) فلا تجادلهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إتَّبع ما أوحي إليك من ربك» أي القرآن «لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اتبع -أيها الرسول- ما أوحيناه إليك من الأوامر والنواهي التي أعظمُها توحيد الله سبحانه والدعوة إليه، ولا تُبال بعناد المشركين، وادعائهم الباطل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستمر فى دعوته دون أن يعول على تعنت المشركين فقال - تعالى - { اتبع مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إله إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } .أى عليك يا محمد أن تداوم على تبليغ رسالتك ، متبعا فى ذلك ما أوحاه إليك ربك الذى لا إله إلا هو من آيات وهدايات ، معرضا عن المشركين الذين يفترون على الله الكذب وهم يعلمون .وجملة { لا إله إِلاَّ هُوَ } معترضة لتأكيد إيجاب الاتباع ، أو حال مؤكدة لقوله " من ربك " بمعنى : منفرداً فى الألوهية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ اتبع مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ لا إله إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم ينسبونه في إظهار هذا القرآن إلى الافتراء أو إلى أنه يدارس أقواماً ويستفيد هذه العلوم منهم ثم ينظمها قرآناً ويدعي أنه نزل عليه من الله تعالى، أتبعه بقوله: ﴿ اتبع مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ ﴾ لئلا يصير ذلك القول سبباً لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة، والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي حصل بسبب سماع تلك الشبهة، ونبه بقوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ على أنه تعالى لما كان واحداً في الإلهية فإنه يجب طاعته، ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين.

وأما قوله: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين ﴾ فقيل: المراد ترك المقابلة، فلذلك قالوا إنه منسوخ، وهذا ضعيف لأن الأمر بترك المقابلة في الحال لا يفيد الأمر بتركها دائماً، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب التزام النسخ.

وقيل المراد ترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه، وأن يعدل صلوات الله عليه إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التنفير والتغليظ.

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جعلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ .

اعلم أن هذا الكلام أيضاً متعلق بقولهم للرسول عليه السلام إنما جمعت هذا القرآن من مدارسة الناس ومذاكرتهم، فكأنه تعالى يقول له لا تلتفت إلى سفاهات هؤلاء الكفار، ولا يثقلن عليك كفرهم، فإني لو أردت إزالة الكفر عنهم لقدرت، ولكني تركتهم مع كفرهم، فلا ينبغي أن تشغل قلبك بكلماتهم.

واعلم أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكُواْ ﴾ والمعنى: ولو شاء الله أن لا يشركوا ما أشركوا، وحيث لم يحصل الجزاء علمنا أنه لم يحصل الشرط، فعلمنا أن مشيئة الله تعالى بعدم إشراكهم غير حاصلة.

قالت المعتزلة: ثبت بالدليل أنه تعالى أراد من الكل الإيمان، وما شاء من أحد الكفر والشرك، وهذه الآية تقتضي أنه تعالى ما شاء من الكل الإيمان، فوجب التوفيق بين الدليلين فيحمل مشيئة الله تعالى لإيمانهم على مشيئة الإيمان الاختياري الموجب للثواب والثناء ويحمل عدم مشيئته لإيمانهم على الإيمان الحاصل بالقهر والجبر وللإلجاء.

يعني أنه تعالى ما شاء منهم أن يحملهم على الإيمان على سبيل القهر والإلجاء، لأن ذلك يبطل التكليف ويخرج الإنسان عن استحقاق الثواب.

هذا ما عول القوم عليه في هذا الباب، وهو في غاية الضعف ويدل عليه وجوه: الأول: لا شك أنه تعالى هو الذي أقدر الكافر على الكفر فقدرة الكفر إن لم تصلح للإيمان فخالق تلك القدرة لا شك أنه كان مريداً للكفر، وإن كانت صالحة للإيمان لم يترجح جانب الكفر على جانب الإيمان إلا عند حصول داع يدعوه إلى الإيمان، وإلا لزم رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال، ومجموع القدرة مع الداعي إلى الكفر يوجب الكفر، وإذا كان خالق القدرة والداعي هو الله تعالى، وثبت أن مجموعهما يوجب الكفر.

ثبت أنه تعالى قد أراد الكفر من الكافر.

الثاني: في تقرير هذا الكلام أن نقول: إنه تعالى كان عالماً بعدم الإيمان من الكافر، ووجود الإيمان مع العلم بعدم الإيمان متضادان ومع وجود أحد الضدين كان حصول الضد الثاني محالاً، والمحال مع العلم بكونه محالاً غير مراد، فامتنع أن يقال إنه تعالى يريد الإيمان من الكافر.

الثالث: هب أن الإيمان الاختياري أفضل وأنفع من الإيمان الحاصل بالجبر والقهر إلا أنه تعالى لما علم أن ذلك الأنفع لا يحصل البتة، فقد كان يجب في حكمته ورحمته أن يحلق فيه الإيمان على سبيل الإلجاء، لأن هذا الإيمان وإن كان لا يوجب الثواب العظيم، فأقل ما فيه أن يخلصه من العقاب العظيم، فترك إيجاد هذا الإيمان فيه على سبيل الإلجاء يوجب وقوعه في أشد العذاب، وذلك لا يليق بالرحمة والإحسان ومثاله أن من كان له ولد عزيز وكان هذا الأب في غاية الشفقة وكان هذا الولد واقفاً على طرف البحر فيقول الوالد له: غص في قعر هذا البحر لتستخرج اللآلي العظيمة الرفيعة العالية منه، وعلم الوالد قطعاً أنه إذا غاص في البحر هلك وغرق، فهذا الأب إن كان ناظراً في حقه مشفقاً عليه وجب عليه أن يمنعه من الغوص في قعر البحر ويقول له: اترك طلب تلك اللآلي فإنك لا تحدها وتهلك، ولكن الأولى لك أن تكتفي بالرزق القليل مع السلامة، فأما أن يأمره بالغوص في قعر البحر مع اليقين التام بأنه لا يستفيد منه إلا الهلاك فهذا يدل على عدم الرحمة وعلى السعي في الإهلاك فكذا هاهنا والله أعلم.

واعلم أنه تعالى لما بين أنه لا قدرة لأحد على إزالة الكفر عنهم ختم الكلام بما يكمل معه تبصير الرسول عليه السلام، وذلك أنه تعالى بين له قدر ما جعل إليه فذكر أنه تعالى ما جعله عليهم حفيظاً ولا وكيلاً على سبيل المنع لهم، وإنما فوض إليه البلاغ بالأمر والنهي في العمل والعلم وفي البيان بذكر الدلائل والتنبيه عليها فإن انقادوا للقبول فنفعه عائد إليهم، وإلا فضرره عائد عليهم وعلى التقديرين فلا يخرج صلى الله عليه وسلم من الرسالة والنبوة والتبليغ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ اعتراض أكد به إيجاب اتباع الوحي لا محلّ له من الإعراب.

ويجوز أن يكون حالاً من ربك، وهي حال مؤكدة كقوله ﴿ وَهُوَ الحق مُصَدّقًا ﴾ [البقرة: 91] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ بِالتَّدَيُّنِ بِهِ.

﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ اعْتِراضٌ أُكِّدَ بِهِ إيجابُ الِاتِّباعِ، أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِن رَبِّكَ بِمَعْنى مُنْفَرِدًا في الأُلُوهِيَّةِ.

﴿ وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ ولا تَحْتَفِلْ بِأقْوالِهِمْ ولا تَلْتَفِتْ إلى آرائِهِمْ، ومَن جَعَلَهُ مَنسُوخًا بِآيَةِ السَّيْفِ حَمَلَ الإعْراضَ عَلى ما يَعُمُّ الكَفَّ عَنْهم.

﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ تَوْحِيدَهم وعَدَمَ إشْراكِهِمْ.

﴿ ما أشْرَكُوا ﴾ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُرِيدُ إيمانَ الكافِرِينَ وأنَّ مُرادَهُ واجِبُ الوُقُوعِ.

﴿ وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ رَقِيبًا.

﴿ وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ تَقُومُ بِأُمُورِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{اتبع مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} ولا تتبع أهواءهم {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} اعتراض أكد به اتباع الوحي لا محل له من الإعراب أو حال من ربكم مؤكدة {وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين} في الحال إلى أن يرد الأمر بالقتال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ التَّدَيُّنِ بِما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ الَّتِي عَمْدَتُها التَّوْحِيدُ.

والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ  مالا يَخْفى.

والجارُّ والمَجْرُورُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (أُوحِيَ)، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ المَرْفُوعِ فِيهِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن مَرْجِعِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أكَّدَ بِهِ إيجابَ الِاتِّباعِ لا سِيَّما في أمْرِ التَّوْحِيدِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ حالًا مُؤَكِّدَةً ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ مُنْفَرِدًا في الأُلُوهِيَّةِ ﴿ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ 106 - أيْ لا تَعْتَدَّ بِأقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم آنِفًا ولا تُبالِ بِها ولا تَلْتَفِتْ إلى أذاهم وعَلى هَذا فَلا نَسْخَ في الآيَةِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ فَيَكُونُ الإعْراضُ مَحْمُولًا عَلى ما يَعُمُّ الكَفَّ عَنْهُمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني: اعمل بما أنزل إليك من ربك من أمره ونهيه حين دعي إلى ملة آبائه.

ثم قال لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ يعني: اتركهم على ضلالتهم.

ثم قال وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا يقول: وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَهُمْ مؤمنين.

ويقال: لو شاء لأنزل عليهم آية يؤمنوا بها لو شاء لاستأصلهم فقطع سبب شركهم.

وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً يعني: أن لم يوحّدوا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ يعني: بمسلط وقوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وذلك أن النبيّ  وأصحابه كان يذكرون الأصنام بسوء ويذكرون عيبهم، فقال المشركون: لتنتهين عن شتم آلهتنا، أو لنسبنّ ربك.

فنهى الله تعالى المؤمنين عن شتم آلهتهم عندهم لأنهم جهلة.

فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً يعني: اعتداءً بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بلا علم منهم ويقال: عَدْواً يعني: ظلماً صار نصباً بالمصدر، وفي الآية دليل أن الإنسان إذا أراد أن يأمر بالمعروف فيقع المأمور به في أمر هو شر مما هو فيه من الضرب أو الشتم أو القتل، ينبغي أن لا يأمره ويتركه على ما هو فيه.

ثم قال: كَذلِكَ زَيَّنَّا يقول: هكذا زينا لِكُلِّ أُمَّةٍ يعني: لكل أهل دين عملهم يعني: ضلالتهم في الدنيا عقوبة ومجازاة لهم ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ في الآخرة فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: فيجازيهم بذلك.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في أسفارها ونحوِ هذا، وأما الذين خَرَقُوا البنين، فاليهود في ذكر عزيز، والنصارى في ذكر المسيحِ، وأما ذاكرو البناتِ، فالعربُ الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ، تعالى اللَّه عن قولهم فكأنَّ الضمير في جَعَلُوا وخَرَقُوا لجميع الكفَّار إذ فَعَلَ بعضُهم هذا، وبعضُهم هذا، وبنحو هذا فسَّر السُّدِّيُّ وابن «١» زَيْد، وقرأ الجمهورُ «٢» : «وَخلَقَهُمْ» - بفتح اللام- على معنى: وهو خلقهم، وفي مصحف ابنِ «٣» مسعود: «وَهُوَ خَلَقَهُمْ» ، والضمير في خَلَقَهُمْ يَحْتَمِلُ العودَةَ على الجاعلين، ويحتملُها على المجْعُولِينَ، وقرأ السبعة «٤» سوى نافعٍ: «وَخَرَقُوا» - بتخفيف الراء- بمعنى اختلقوا وافتروا، وقرأ نافع: «وَخَرَّقُوا» - بتشديد الراء- على المبالغة، وقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ نصٌّ على قُبْح تقحُّم المجهلة، وافتراء الباطل على عمى، وسُبْحانَهُ: معناه: تنزَّه عن وصفهم الفاسدِ المستحيلِ عليه تبارك وتعالى، وبَدِيعُ: بمعنى: مبدع، وأَنَّى: بمعنى: كيف، وأين، فهي استفهام في معنى التوقيفِ والتقريرِ، وهذه الآيةُ ردٌّ على الكفار بقياس الغائِبِ على الشاهد.

وقوله سبحانه: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ لفظٌ عامٌّ لكلِّ ما يجوز أن يدخل تحته، ولا يجوز أن تدخل تحته صفاتُ اللَّهِ تعالى، وكلامُهُ، فليس هو عموماً مخصَّصاً على ما ذهب إليه قوم لأن العموم المخصَّص هو أن يتناول العموم شيئاً، ثم يخرجه التخصيصُ، وهذا لم يتناولْ قطُّ هذه التي ذكرناها، وإنما هذا بمنزلة قَوْلِ الإنسان: قَتَلْتُ كُلَّ فَارِسٍ، وأَفْحَمْتُ كُلَّ خَصْمٍ، فلم يدخلِ القائلُ قطُّ في هذا العمومِ الظاهرِ من لفظه، وأما قوله:

وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو عمومٌ على الإطلاق لأنه سبحانه يعلم كلَّ شيء، لا ربَّ غيره، وباقي الآية بيّن.

وقوله سبحانه: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، أجمع أهلُ السنَّة على أن اللَّه عزَّ وجلَّ يرى يوم القيامة، يَرَاهُ المؤمنون، والوَجْه أنْ يبيَّن جواز ذلك عقلاً، ثم يستند إلى ورود السمعِ بوقوعِ ذلك الجائِزِ، واختصار تبْيِينِ ذلك: أنْ يعتبر بعلمنا باللَّه- عز وجل- فمن حيثُ جاز أنْ نعلمه لا في مكانٍ، ولا متحيِّزاً، ولا مُقَابَلاً، ولم يتعلَّق علمنا بأكثر من الوجودِ، جاز أن نراه غير مقابلٍ، ولا محاذًى، ولا مكيَّفاً، ولا محدَّداً، وكان الإمام أبو عبد اللَّه النحويُّ يقولُ: مسألةُ العِلْمِ حَلَقَتْ لِحَى المُعْتَزِلة، ثم ورد الشرْعُ بذلك/ كقوله عزَّ وجلَّ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ، وتعدية النَّظَر ب «إلى» إنما هو في كلام العربِ لمعنى الرؤية لا لمعنى الانتظار على ما ذهب إليه المعتزلة ومنه قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيما صحَّ عنه، وتواتر، وكثر نقله: «إنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ» «١» ، ونحوه من الأحاديث الصحيحةِ علَى اختلاف ألفاظها، واستمحل «٢» المعتزلةُ الرؤيةَ بآراءٍ مجرَّدةٍ، وتمسَّكوا بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وانفصال أهل السنَّة عن تمسُّكهم بأن الآية مخصُوصَةٌ في الدنيا «٣» ، ورؤية الآخرة ثابتةٌ بأخبارها وأيضاً فإنا نَفْرُقُ بين معنى الإدراك، ومعنى الرؤية، ونقول: إنه عز وجل تراه الأبصار، ولا تدركه وذلك أن الإدراك يتضمَّن الإحاطة بالشيء، والوصولَ إلى أعماقِهِ وحَوْزِهِ من جميع جهاتِهِ، وذلك كلُّه محالٌ في أوصافِ اللَّه عزَّ وجلَّ، والرؤيةُ لا تفتقرُ إلى أنْ يحيطَ الرائي بالمرئيِّ، ويبلغ غايته، وعلى هذا التأويل يترتَّب العَكْس في قوله: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، ويحسن معناه، ونحو هذا رُوِيَ عن ابن عباسٍ وقتادة وعطيَّة العَوْفِيِّ «٤» أنهم فرقوا بين الرؤية والإدراك، واللَّطِيفُ: المتلطّف في خلقه واختراعه،

والبَصَائِرُ: جمع بَصِيرة، فكأنه قال: قد جاءكم في القرآن والآياتِ طرائقُ إبصار الحقِّ، والبصيرةُ للقَلْبِ مستعارةٌ من إبصارِ العَيْن، والبصيرةُ أيضاً هي المعتقد.

وقوله سبحانه: فَمَنْ أَبْصَرَ، ومَنْ عَمِيَ: عبارةٌ مستعارةٌ فيمن اهتدى، ومَنْ ضَلَّ، وقوله: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ- كان في أول الأمر وقَبْلَ ظهور الإسلام، ثم بعد ذلك كان صلّى الله عليه وسلّم حفيظاً على العَالَمِ، آخذاً لهم بالإسلام أو السيفِ.

وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي: نردِّدها ونوضِّحها، وقرأ الجمهور «١» : «وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ» - بكسر اللام- على أنها لامُ كَيْ، وهي على هذا لامُ الصيرورة، أي: لَمَّا صار أمرهم إلى ذلك، وقرأ نافع وغيره: «دَرَسْتَ» ، أي: يا محمد دَرَسْتَ في الكتبِ القديمةِ ما تجيئُنا به، وقرأ ابن كثير وغيره: «دَارَسْتَ» ، أي: دارَسْتَ غيرك وناظرته، وقرأ ابن عامر: «دَرَسَتْ» - بإسناد الفعل إلى الآيات- كأنهم أشاروا إلى أنها تردَّدت على أسماعهم حتى بَلِيَتْ في نفوسهم، وامحت، واللام في قوله:

لِيَقُولُوا، وفي قوله: وَلِنُبَيِّنَهُ: متعلِّقانِ بفعلِ متأخِّر، وتقديره: «صَرَّفْنَاهَا» ، وذهب بعض الكوفيِّين إلى أنَّ «لا» : مضمرةٌ بعد «أَنِ» المقدَّرةِ في قوله: وَلِيَقُولُوا، فتقدير الكلام عندهم: وَلأنْ لاَ يَقُولُوا دَرَسْتَ كما أضمروها في قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦] .

قال ع «٢» : وهذا قَلِقٌ، ولا يجيز البصريُّون إضمار «لا» في موضعٍ من المواضعِ.

قلت: ولكنه حسن جدًّا من جهة المعنى إذ لا يعلمون أنه دَرَسَ أو دارس أحدا صلّى الله عليه وسلّم، فتأمَّله.

وقوله سبحانه: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ...

الآية: هذه الآية فيها موادعة، وهي منسوخة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ حَكاها الزَّجّاجُ.

أحَدُها: لَوْ شاءَ لَجَعَلَهم مُؤْمِنِينَ.

والثّانِي: لَوْ شاءَ لَأنْزَلَ آَيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ.

والثّالِثُ: لَوْ شاءَ لاسْتَأْصَلَهم، فَقَطَعَ سَبَبَ شِرْكِهِمْ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وباقِي الآَيَةِ نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكُوا وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ ﴿ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهِ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهم ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ هَذانِ أمْرانِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُضَمَّنُهُما الِاقْتِصارُ عَلى اتِّباعِ الوَحْيِ؛ ومُوادَعَةِ الكُفّارِ؛ وذَلِكَ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ؛ ثُمَّ نُسِخَ الإعْراضُ عنهم بِالقِتالِ؛ والسَوْقِ إلى الدِينِ طَوْعًا؛ أو كَرْهًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكُوا ﴾ ؛ في ظاهِرِها رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ: إنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ تَعالى لُطْفٌ يُؤْمِنُ بِهِ الكافِرُ؛ وإنَّ الكافِرَ؛ والإنْسانَ؛ في الجُمْلَةِ؛ يَخْلُقُ أفْعالَهُ؛ وهي مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ إشْراكَهم وغَيْرَهُ وقْفٌ عَلى مَشِيئَةِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ ؛ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ؛ وكَذَلِكَ: ﴿ وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ ولِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَسَبَبُها أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِأبِي طالِبٍ: إمّا أنْ يَنْتَهِيَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ عن سَبِّ آلِهَتِنا؛ والغَضِّ مِنها؛ وإمّا أنْ نَسُبَّ إلَهَهُ؛ ونَهْجُوَهُ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ"؛ وحُكْمُها عَلى كُلِّ حالٍ باقٍ في الأُمَّةِ؛ فَمَتى كانَ الكافِرُ في مَنَعَةٍ؛ وخِيفَ أنْ يَسُبَّ الإسْلامَ؛ أوِ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ أوِ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَلا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أنْ يَسُبَّ دِينَهُمْ؛ ولا صُلْبانَهُمْ؛ ولا يَتَعَرَّضَ إلى ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ؛ أو نَحْوِهِ؛ وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ - وهي لا تَعْقِلُ - بِـ "اَلَّذِينَ"؛ وذَلِكَ عَلى مُعْتَقَدِ الكَفَرَةِ فِيها؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ ضَرْبٌ مِنَ المُوادَعَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَدْوًا"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وسُكُونِ الدالِ؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ ويَعْقُوبُ؛ وسَلامٌ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: "عُدُوًّا"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ والدالِ؛ وتَشْدِيدِ الواوِ؛ وهَذا أيْضًا نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وهو مِن "اَلِاعْتِداءُ"؛ وقَرَأ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: "عَدُوًّا"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وضَمِّ الدالِ؛ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ أيْ في حالِ عَداوَةٍ لِلَّهِ تَعالى ؛ وهو لَفْظٌ مُفْرَدٌ؛ يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "بِغَيْرِ عِلْمٍ"؛ ﴾ بَيانٌ لِمَعْنى الِاعْتِداءِ المُتَقَدِّمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى ما زَيَّنَ اللهُ تَعالى لِهَؤُلاءِ؛ عَبَدَةِ الأصْنامِ؛ مِنَ التَمَسُّكِ بِها؛ والذَبِّ عنها؛ وتَزْيِينُ اللهِ تَعالى عَمَلَ الأُمَمِ هو ما يَخْلُقُهُ؛ ويَخْتَرِعُهُ في النُفُوسِ مِنَ المَحَبَّةِ لِلْخَيْرِ؛ أوِ الشَرِّ؛ والِاتِّباعُ لِطُرُقِهِ؛ وتَزْيِينُ الشَيْطانِ هو بِما يَقْذِفُهُ في النُفُوسِ مِنَ الوَسْوَسَةِ؛ وخَطَراتِ السُوءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهُمْ ﴾ ؛ يَتَضَمَّنُ وعَدًا جَمِيلًا لِلْمُحْسِنِينَ؛ ووَعِيدًا ثَقِيلًا لِلْمُسِيئِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف في خطاب النّبيء عليه الصّلاة والسّلام لأمره بالإعراض عن بهتان المشركين وأن لا يكترث بأقوالهم، فابتداؤه بالأمر باتّباع ما أوحي إليه يتنزّل منزلة المقدّمة للأمر بالإعراض عن المشركين، وليس هو المقصد الأصلي من الغرض المسوق له الكلام، لأنّ اتّباع الرّسول صلى الله عليه وسلم ما أوحي إليه أمر واقع بجميع معانيه؛ فالمقصود من الأمر الدّوام على اتّباعه.

والمعنى: أعرض عن المشركين اتّباعاً لما أنزل إليك من ربّك.

والمراد بما أوحي إليه القرآن.

والاتِّباع في الأصل اقتفاء أثر الماشِي، ثمّ استعمل في العمل بمثل عمل الغير، كما في قوله: ﴿ والّذين اتّبعوهم بإحسان ﴾ [التوبة: 100].

ثمّ استعمل في امتثال الأمر والعمل بما يأمر به المتبوع فهو الائتمار، ويتعدّى فعله إلى ذات المتَّبَع فيقال: اتَّبعت فلاناً بهذه المعاني الثّلاثة وهو على حذف مضاف في جميع ذلك لأنّ الاتّباع لا يتعلّق بالذّات.

وإطلاق الاتّباع بمعنى الائتمار شائع في القرآن لأنّه جاء بالأمر والنّهي وأمر النّاس باتّباعه، واستُعمل أيضاً في معنى الملازمة على سبيل المجاز المرسل، لأنّ من يتّبع أحداً يلازمه.

ومنه سمّي الرّئيّ من الجنّ في خرافات العرب تابعة، ومنه سمّى من لازم الصّحابي وروى عنه تابعياً.

فيجوز أن يكون الاتّباع في الآية مراداً به دوام الامتثال لما أمر به القرآن من الإعراض عن أذى المشركين وعنادهم، فالاتّباع المأمور به اتّباع في شيء مخصوص، وهذا مأمور به غير مرّة، فالأمر بالفعل مستمرّ في الأمر بالدّوام عليه.

ويجوز أن يكون أمراً بملازمة الدّعوة إلى الله والإعلان بها ودعاء المشركين إلى التّوحيد والإيمان وأن لا يعتريه في ذلك لَيْن ولا هوادة حتّى لا يكون لبذاءتهم وتكذيبهم إيّاه تأثير على نفسه يوهن دعوتهم والحرصَ على إيمانهم واعتقاد أنّ محاولة إيمانهم لا جدوى لها.

فالمراد بما أوحي إليه ما أوحي من القرآن خطاباً للمشركين، أو أمراً بدعوتهم للإسلام وعدم الانقطاع عن ذلك، فيكون الكلام شدّاً لساعد النّبيء صلى الله عليه وسلم في مقامات دعوته إلى الله، وهذا هو المناسب لقوله: ﴿ لا تسبّوا الّذين يدعون من دون الله ﴾ [الأنعام: 108] كما سنبيّنه.

وقد تقدّم شيء من هذا آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ إنْ أتَّبِعُ إلاّ ما يوحَى إليّ ﴾ [الأنعام: 50].

وليس المراد من الأمر بالاتّباع الأمرُ باتّباع أوامر القرآن ونواهيه مطلقاً، لأنّه لا مناسبة له بهذا السّياق، وفي الإتيان بلفظ: ﴿ ربّك ﴾ دون اسم الجلالة تأنيس للرّسول صلى الله عليه وسلم وتلطّف معه.

وجملة: ﴿ لا إله إلاّ هو ﴾ معترضة، والمقصود منها إدماج التّذكير بالوحدانيّة لزيادة تقرّرها وإغاظة المشركين.

والمراد بالإعراض عن المشركين الإعراض عن مكابرتهم وأذاهم لا الإعراض عن دعوتهم، فإنّ الله لم يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بقطع الدّعوة لأي صنف من النّاس، وكلّ آية فيها الأمر بالإعراض عن المشركين فإنّما هو إعراض عن أقوالهم وأذاهم، ألا ترى كلّ آية من هذه الآيات قد تلتْها آيات كثيرة تدعو المشركين إلى الإسلام والإقلاع عن الشّرك كقوله تعالى في سورة [النّساء: 63]: ﴿ فأعرض عنهم وعِظْهُم ﴾ وقد تقدّم.

وقوله: ولو شاء الله ما أشركوا } عطف على جملة ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ .

وهذا تلطّف مع الرّسول صلى الله عليه وسلم وإزالة لما يلقاه من الكَدَر من استمرارهم على الشّرك وقلّة إغناء آيات القرآن ونُذُره في قلوبهم، فذكّره الله بأنّ الله قادر على أن يحوّل قلوبهم فتقبَل الإسلام بتكوين آخر ولكنّ الله أراد أن يحصل الإيمانُ ممّن يؤمن بالأسباب المعتادة في الإرشاد والاهتداء ليَميز الله الخبيثَ من الطيّب وتَظهرَ مراتب النّفوس في ميادين التلقّي، فأراد الله أن تختلف النّفوس في الخير والشّر اختلافاً ناشئاً عن اختلاف كيفيّات الخِلقة والخُلُق والنّشأة والقبوللِ، وعن مراتب اتّصال العباد بخالقهم ورجائهم منه.

فالمشركون بلغوا إلى حَضِيض الشّرك بأسباب ووسائلَ متسلسلة مترتّبة خَلْقية، وخُلُقيّة، واجتماعيّة، تهيأت في أزمنة وأحوال هيّأتْها لهم، فلمّا بَعَث الله إليهم المرشد كان إصغاؤهم إلى إرشاده متفاوتاً على تفاوت صلابة عقولهم في الضّلال وعراقتهم فيه، وعلى تفاوت إعداد نفوسهم للخير وجموحهم عنه، ولم يجعل الله إيمان النّاس حاصلاً بخوارق العادات ولا بتبديل خَلْق العقول، وهذا هو القانون في معنى مثل هذه الآية، فهذا معنى انتفاء مشيئة الله في هذا المقام المراد به تطمين قلب الرّسول عليه الصّلاة والسّلام وتذكيره بحقائق الأحوال وليس في مثل هذا عذر لهم ولا لأمثالهم من العصاة، ولذلك ردّ الله عليهم الاعتذار بمثل هذا في قوله في الآية الآتية ﴿ سيقول الّذين أشركوا لو شاءَ الله ما أشْرَكْنا ولا آباؤنا ولا حَرّمنَا من شيء كذلك كذّب الّذين من قبلهم حتّى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ﴾ [الأنعام: 148] الآية.

وفي قوله: ﴿ وقالوا لو شاء الرّحمان ما عَبدْناهم ما لهم بذلك من علم إنْ هم إلاّ يخرصون ﴾ [الزخرف: 20] في سورة الزخرف، لأنّ هذه حقيقة كاشفة عن الواقع لا تصلح عذراً لمن طلب منهم أن لا يكونوا في عِداد الّذين لم يشأ الله أن يرشدهم، قال تعالى: ﴿ أولئك الّذين لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم ﴾ [المائدة: 41].

ومفعول المشيئة محذوف دلّ عليه جواب (لو) على الطّريقة المعروفة.

والتّقدير: ولو شاء الله عدمَ إشراكهم ما أشركوا.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ في هذه السّورة [35].

وقوله: ﴿ وما جعلناك عليهم حفيظاً ﴾ تذكير وتسلية ليزيح عنه كرب إعراضهم عن الإسلام لأنّ ما يحصل له من الكدر لإعراض قومه عن الإسلام يجعل في نفسه انكساراً كأنّه انكسار من عُهد إليه بعمل فلم يتسَنَّ له ما يريده من حسن القيام، فذكّره الله تعالى بأنّه قد أدّى الأمانة وبلّغ الرّسالة وأنّه لم يبعثه مُكرهاً لهم ليأتي بهم مسلمين، وإنّما بعثه مبلّغاً لرسالته فمن آمن فلنفسه ومن كفر فعليها.

والحفيظ: القيّم الرّقيب، أي لم نجعلك رقيباً على تحصيل إيمانهم فلا يهمّنك إعراضهم عنك وعدم تحصيل ما دعوتَهم إليه إذ لا تَبِعة عليك في ذلك، فالخبر مسوق مساق التّذكير والتسلية، لا مساقَ الإفادة لأنّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام يعلم أنّ الله ما جعله حفيظاً على تحصيل إسلامهم إذ لا يجهل الرّسولُ ما كلّف به.

وكذلك قوله: ﴿ وما أنت عليهم بوكيل ﴾ تهوين على نفس الرّسول عليه الصّلاة والسّلام بطريقة التّذكير لينتفي عنه الغمّ الحاصل له من عدم إيمانهم.

فإن أريد ما أنت بوكيل مِنَّا عليهم كان تتميماً لقوله: ﴿ وما جعلناك عليهم حفيظاً ﴾ ؛ وإنْ أريد ما أنتَ بوكيل منهم على تحصيل نفعهم كان استيعاباً لنفي أسباب التّبعة عنه في عدم إيمانهم، يقول: ما أنت بوكيل عليهم وكّلوك لتحصيل منافعهم كإيفاء الوكيل بما وكّله عليه موكّله، أي فلا تَبِعة عليك منهم ولا تقصير لانتفاء سببي التّقصير إذ ليس مقامك مقام حفيظ ولا وكيل.

فالخبر أيضاً مستعمل في التّذكير بلازمه لا في حقيقته من إفادة المخبر به، وعلى كلا المعنيين لا بدّ من تقدير مضاف في قوله: ﴿ عليهم ﴾ ، أي على نفعهم.

والجمع بين الحفيظ والوكيل هنا في خبرين يؤيّد ما قلناه آنفاً في قوله تعالى: ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ [الأنعام: 104].

من الفرق بين الوكيل والحفيظ فاذْكُره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يَعْنِي اعْتِداءً، وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ عَدُوًّا بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ عَدُوًّا.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا تَسُبُّوا الأصْنامَ فَتَسُبُّ عَبَدَةُ الأصْنامِ مَن يَسُبُّها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: لا تَسُبُّوها فَيَحْمِلُهُمُ الغَيْظُ والجَهْلُ عَلى أنْ يَسُبُّوا مَن تَعْبُدُونَ كَما سَبَبْتُمْ ما يَعْبُدُونَ.

﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كَما زَيَّنّا لَكم فِعْلَ ما أمَرْناكم بِهِ مِنَ الطّاعاتِ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِعْلَ ما أمَرْناهم بِهِ مِنَ الطّاعاتِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: كَذَلِكَ شَبَّهْنا لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ عَمَلَهم بِالشُّبُهاتِ ابْتِلاءً لَهم حَتّى قادَهُمُ الهَوى إلَيْها وعَمُوا عَنِ الرُّشْدِ فِيها.

والثّالِثُ: كَما أوْضَحْنا لَكُمُ الحُجَجَ الدّالَّةَ عَلى الحَقِّ كَذَلِكَ أوْضَحْنا لِمَن قَبْلَكم مِن حُجَجِ الحَقِّ مِثْلَ ما أوْضَحْنا لَكم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ أي بينة ﴿ فمن أبصر فلنفسه ﴾ أي من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ﴿ ومن عمي ﴾ أي من ضل ﴿ فعليها ﴾ الله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ وليقولوا درست ﴾ .

أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس.

أنه كان يقرأ هذا الحرف ﴿ دارست ﴾ بالألف مجزومة السين منتصبة التاء، قال: قارأت.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس درست قال: قرأت وتعلمت.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ دارست ﴾ قال: خاصمت جادلت تلوت.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ﴿ وليقولوا دارست ﴾ قال: فاقهت، وقرأت على يهود وقرأوا عليك.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عمرو بن دينار قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: إن صبياناً هاهنا يقرأون ﴿ دارست ﴾ وإنما هي ﴿ درست ﴾ يعني بفتح السين وجزم التاء، ويقرأون ﴿ وحرم على قرية ﴾ [ الأنبياء: 95] وإنما هي ﴿ وحرام ﴾ ويقرأون ﴿ في عين حمئة ﴾ وإنما هي ﴿ حامية ﴾ قال عمرو: وكان ابن عباس يخالفه فيهن كلهن.

وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي بن كعب قال: اقرأني رسول الله صلى الله وعليه وسلم ﴿ وليقولوا درست ﴾ يعني بجزم السين ونصب التاء.

وأخرج أبو الشيخ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس دارست يقول: قارأت اليهود وفاقهتهم.

وفي حرف أُبي ﴿ وليقولوا درس ﴾ أي تعلم.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير عن هرون قال: في حرف أبي بن كعب وابن مسعود ﴿ وليقولوا درس ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم قرأ.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قرأ ﴿ درست ﴾ قال: علمت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي إسحاق الهمداني قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ درست ﴾ بغير ألف بنصب السين ووقف التاء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الحسن.

أنه كان يقرأ ﴿ وليقولوا درست ﴾ أي انمحت وذهبت.

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن.

أنه كان يقرأ ﴿ درست ﴾ مشددة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس.

أنه كان يقرأ ﴿ أدارست ﴾ ويتمثل: دارس كطعم الصاب والعلقم وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وليقولوا درست ﴾ قالوا: قرأت وتعلمت، تقول ذلك له قريش.

قوله تعالى: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ .

أخرج أبو الشيخ عن السدي ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ قال: كف عنهم، وهذا منسوخ نسخه القتال ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ ﴾ جمع بصيرة، وهو نور القلب، والبصر نور العين، وهذا الكلام على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وما أنا عليك بحفيظ ﴿ وَلِيَقُولُواْ ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: ليقولوا صرفنا الآيات ﴿ دَرَسْتَ ﴾ بإسكان السين وفتح التاء درست العلم وقرأته، ودارَسْتَ بالألف أي دارست العلم وتعلمت منه، ودرست بفتح السين وإسكان التاء بمعنى قدمت هذه الآيات ودبرت ﴿ وَلِنُبَيِّنَهُ ﴾ الضمير للآيات وجاء مذكراً لأن المراد بها القرآن ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين ﴾ إن كان معناه: أعرض عما يدعونك إليه؛ أو عن مجادتهم فهو محكم، وإن كان عن قتالهم وعقابهم فهو منسوخ.

وكذلك ما أنا عليكم بحفيظ وبوكيل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولم يكن ﴾ بياء الغيبة: قتيبة ﴿ درست ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ دارست ﴾ بتاء الخطاب من المدارسة: ابن كثير وابو عمرو.

والباقون بتاء الخطاب ﴿ درست ﴾ من الدرس.

﴿ عدوّاً ﴾ على فعول بالضم: يعقوب.

الباقون ﴿ عدوا ﴾ على فعل.

﴿ إنها إذا جاءت ﴾ بالكسر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف وقتيبة ونصير وأبو بكر وحماد.

الباقون: بالفتح.

﴿ لا تؤمنون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة.

الباقون: على الغيبة.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ صاحبة ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ ربكم ﴾ ط لاحتمال الجملة الاستئناف والحال والعامل معنى الإشارة ﴿ إلا هو ﴾ ط لأن قوله ﴿ خالق ﴾ بدل من الضمير المستثنى أو خبر ضمير محذوف ﴿ فاعبدوه ﴾ ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع أن الثانية من تمام المقصود ﴿ يدرك الأبصار ﴾ ط لاحتمال الواو الاستئناف والحال أي يدرك الأبصار لطيفاً خبيراً.

﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ فلنفسه ﴾ ط كذلك مع الواو.

﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من ربك ﴾ ط لاحتمال الجملة الحال والاستئناف على أنها جملة معترضة ﴿ إلا هو ﴾ ط للعطف مع العارض ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ما أشركوا ﴾ ط ﴿ حفيظاً ﴾ ط للابتداء بالنفي مع اتحاد المعنى ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ليؤمنن بها ﴾ ط ﴿ وما يشعركم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنها ﴾ بكسر الألف.

﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه.

التفسير: لما نبه إجمالاً بغير علم على الدليل على إبطال قول من خرق له بنين وبنات، فصل ذلك بقوله ﴿ بديع السموات والأرض ﴾ الآية.

والمراد هو بديع السموات، ويجوز أن يكون ﴿ بديع ﴾ مبتدأ والجملة بعده خبره.

وتقرير الدليل أنكم إما أن تريدوا بكون عيسى ولداً له أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غيره تقدم نطفة و لا أب وحينئذ يلزمكم القول بأنه والد السموات والأرض بكونه مبدعاً لهما وهذا باطل بالاتفاق، وإما أن تريدوا به الولادة كما هو المألوف في الحيوانات وهذا أيضاً محال لأن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة من جنسه وينفصل منه جزء يحتبس في رحمها، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والحد والنهاية والشهوة واللذة، وكل ذلك على الله محال وأشار إلى هذا بقوله ﴿ أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ﴾ وأيضاً الولد بهذا الطريق إنما يتصور في حق من لا يقدر على خلق الأشياء دفعة واحدة، أما الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون فذلك في حقه مستحيل، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ خلق كل شيء ﴾ وأيضاً هذا الولد لا يكون أزلياً وإلا كان واجباً لذاته غنياً عن غيره فبقي أن يكون حادثاً فنقول: إنه  عالم بكل المعلومات أزلاً وأبداً كما قال ﴿ وهو بكل شيء عليم ﴾ فإن كان قد علم أن له في تحصيل ذلك الولد كمالاً أو نفعاً أو لذة لتعلقت إرادته بإيجاده في الأزل دفعاً لذلك الاحتياج والنقصان، فيكون الولد أزلياً على تقدير كونه حادثاً هذا خلف، فتبين أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والأضداد والأنداد والأولاد، فلهذا صرح بالنتيجة فقال ﴿ ذلكم الله ﴾ فاسم الإشارة مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة أي ذلكم الموصوف الجامع لتلك الصفات المقدسة هو الله إلى آخره.

وإنما قال ههنا ﴿ لا إله إلا هو خالق كل شيء ﴾ وفي "المؤمن" بالعكس لأنه وقع ههنا بعد ذكر الشركاء والبنين والبنات فكان رفع الشرك أهم، وهنالك وقع بعد ذكر خلق السموات والأرض فكان تقديم الخالقية أهم.

ثم قال ﴿ فاعبدوه ﴾ وهو مسبب عن مضمون الجملة المقتدمة يعني أن من استجمعت له هذه الكمالات كان حقيقاً بالعبادة ﴿ وهو ﴾ مع تلك الصفات ﴿ على كل شيء وكيل ﴾ يحفظه ويرزقه ويراقبه.

قال في التفسير الكبير: إنه  أقام الدليل على وجود الخالق، ثم زيف طريق من أثبت له شريكاً وهذا القدر لا يوجب التوحيد المحض لكن للعلماء في إثبات التوحيد طرق منها: أن الدليل قد دل على وجود صانع، والزائد على الواحد لم يدل دليل على ثبوته فليس عدد أولي من عدد آخر فيلزم آلهة لا نهاية لها، أو القول بعدد معين بلا ترجيح وكلاهما محال فلم يبق إلا الإكتفاء بواحد وهو المطلوب.

ومنها أنا لو قدّرنا إلهين قادرين على كل المقدورات عالمين بكل المعلومات، فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلاً لذلك الفعل مانعاً للآخر من تحصيل مقدوره وذلك يوجب أن يكون كل واحد يعجز الآخر وهو محال، وإن كان في أحدهما عجز ونقص لم يصلح للإلهية.

ومنها أنا لو فرضنا إلهاً ثانياً فكان إما أن يكون الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال أولا.

وعلى الأول لا بد أن يحصل الامتياز بأمر وإلا لم يحصل التعدد، فذلك المميز إن كان من صفات الكمال لم يكن جميع صفات الكمال مشتركة بينهما، وإن كان من صفات النقص فالموصوف به لا يصلح للإلهية وكذا إن لم يكن الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال فثبت التوحيد بهذه الدلائل، مع أن الدليل النقلي في التوحيد كاف والله أعلم.

قالت الأشاعرة: عموم قوله ﴿ خالق كل شيء ﴾ يدل على أنه خالق أفعال العباد.

وقالت المعتزلة: إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح ولكنه لا يتمدح بخلق الزنا والكفر واللواط، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

وأيضاً احتج كثير من المعتزلة به على نفي الصفات وعلى أن القرآن مخلوق.

أما الثاني فلأن القرآن شيء فيدخل تحت العموم.

وأما الأوّل فلأن الصفات لو كانت موجودة له  لزم أن تكون مخلوقة له.

وأجيب بأنكم تخصصون هذا العام بحسب ذاته ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقاً لنفسه وبحسب أفعال العباد، فنحن أيضاً نخصصه بحسب الصفات وبحسب القرآن.

وأما الفرق بين قوله ﴿ وخلق كل شيء ﴾ وقوله ﴿ خالق كل شيء ﴾ فذلك لأن الأول يتعلق بالزمان الماضي، والثاني يتناول الأوقات كلها على سبيل الاستمرار.

ثم بين أن شيئاً من القوى المدركة لا يحيط بحقيقته وأن عقلاً من العقول لا يقف على كونه صمديته فقال ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ هذه الآية من مشهورات استدلالات المعتزلة على نفي رؤيته  .

قالوا: الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية بدليل أن قول القائل: أدركته ببصري وما رأيته متناقضان.

ثم إن قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال بدليل صحة الاستثناء.

وأيضاً أنه ذكر الآية في معرض المدح والثناء، وكل ما كان عدمه مدحاً ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصاً كقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ ﴿ لم يلد ولم يولد  ﴾ فوجب كون الرؤية نقصاً في حقه  .

وإنما قيدوا بما لا يكون من باب الفعل لأنه  يمتدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد  ﴾ مع أنه  قادر على الظلم عندهم.

وأجيب بالمنع من أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لأنه في أصل اللغة موضوع للوصول واللحوق ومنه ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون  ﴾ أي لملحقون وقوله  ﴿ حتى إذا أدركه الغرق  ﴾ أي لحقه.

وأدرك الغلام أي بلغ، وأدركت الثمرة إذا نضجت.

وإذ قد ثبت ذلك فنقول: الرؤية جنس والإدراك أي إدراك البصر رؤية مع الإحاطة.

ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام، فلا يلزم من نفي إدراك البصر نفي الرؤية.

سلمنا أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لكن قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ لا يفيد إلا نفي العموم وأنتم تدعون عموم النفي فأين ذاك من هذا.

وإنما قلنا إنه لا يفيد إلا نفي العموم لأن صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضاً.

فقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يفيد أنها لا تدركه في الدنيا وأنها تركه إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها في الآخرة، أو نقول قول القائل: لا يدركه جميع الأبصار يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب، فلم لا يجوز أن يفيد أنه يدركه بعض الأبصار كما لو قيل إن محمداً ما آمن به كل الناس فإنه يفيد أنه آمن به بعض الناس، سلمنا أن الأبصار لا تدركه البتة فلم لا يجوز حصول إدراك الله  بحاسة سادسة يخلقها الله  يوم القيامة كما هو مذهب ضرار بن عمرو الكوفي.

أو نقول: سلمنا أن الأبصار لا تدركه فلم قلتم إن المبصرين لا يدركونه، أما قولهم إن الآية مذكورة في معرض المدح فنقول: لو لم يكن الله  جائز الرؤية لما حصل المدح بقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ وإنما يحصل التمدح لو كان بحيث نصح رؤيته.

ثم إنه  يحجب الأبصار عن رؤيتهلغاية جلاله ونهاية جماله.

والتحقيق فيه أن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجباً للمدح والعلم به ضروري، بل إذا كان النفي دليلاً على حصول صفة ثابتة من صفات المدح قيل: إن ذلك النفي يوجب التمدح كقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ فإنه لا يفيد المدح نظراً إلى هذا النفي، فإن الجماد أيضاً لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري  يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات من غير تبدل ولا زوال.

فقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يمتنع أن يفيد المدح إلا إذا دل على معنى موجود وذلك ما قلناه من كونه قادراً على حجب الأبصار ومنعها عن الإحاطة به، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية عليكم لا لكم لأنها أفادت أنه  جائز الرؤية بحسب ذاته.

ثم نقول: إذا ثبت ذلك يجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة لأن القائل قائلان: قائل بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل لا يرونه ولا تجوز رؤيته، وإذا بطل هذا القول يبقى الأول حقاً لأن القول بجواز رؤيته مع أنه لا يراه أحد قول لم يقل به أحد وهذا استدلال لطيف.

ثم إن القاضي استدل ههنا على نفي الرؤية بوجوه أخر خارجة عن التفسير لائقة بالأصول.

فأولها أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان المرئي حاضراً وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة - وهو أن لا يحصل القرب القريب والبعد البعيد وارتفع الحجاب وكان المرئي مقابلاً أو في حكم المقابل - فإنه يجب حصول الرؤية وإلا لجاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبول ونحن لا نسمعها ولا نراها، وهذا يوجب السفسطة إذا ثبت هذا فنقول: القرب القريب والبعد البعيد والحجاب والمقابلة في حقه  ممتنع، فلو صحت رؤيته كان المقتضي لحصول تلك الرؤية سلامة الحاسة وكون المرئي بحيث يصح رؤيته، وهذان المعنيان حصلان في هذا الوقت فوجب أن تحصل رؤيته، وحيث لم تحصل علمنا أن رؤيته ممتنعة في نفسها.

وأجيب بأن ذاته  مخالفة لسائر الذوات ولا يلزم من ثبوت حكم لشيء ثبوت مثله فيما يخالفه.

وثانيها لو صحت رؤيته لأهل الجنة لرآه أهل النار أيضاً لأن القرب والبعد والحجاب ممتنع في حقه  .

وأجيب لأنه لم لا يجوز أن يخلق الله  الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها في عيون أهل النار؟

وثالثها أن كل ما كان مرئياً كان مقابلاً أو في حكم المقابل، والله  منزه عن ذلك.

وأجيب بمنع الكلية وبأنه إعادة لعين الدعوى لأن النزاع واقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا.

ورابعها أن أهل الجنة يلزم أن يروه في كل حال حتى عند الجماع لأن القرب والبعد عليه  محال، ولأن رؤيته أعظم اللذات وفوات ذلك يوجب الغم والحزن وذلك لا يليق بحال أهل الجنة.

وأجيب بأنهم لعلهم يشتهون الرؤية في حال دون حال كسائر الملاذ والمنافع.

(في تعديد الوجوه الدالة على جواز الرؤية): منها هذه الآية كما بينا.

ومنها أن موسى  طلب الرؤية فدل ذلك على جوازها.

ومنها أنه  علق الرؤية على استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.

ومنها قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ قد اتفق الجمهور على أن النبي  وآله فسر الحسنى بالجنة والزيادة بالرؤية، ومنها قوله ﴿ فمن كان يرجوا لقاء ربه  ﴾ ونحو ذلك من الآيات الدالة على اللقاء، ومنها قوله ﴿ كانت لهم جنات الفروس نزلاً  ﴾ والاقتصار على النزل لا يجوز فالزائد على جنات الفردوس لا يكون إلا اللقاء.

ومنها قوله ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى  ﴾ وسوف يأتي في سورة النجم إن شاء الله  .

ومنها قوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ ومنها قوله ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون  ﴾ فيكون المؤمنون غير محجوبين.

ومنها قوله ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس  ﴾ ولا شك أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله على كل الوجوه وأكمل طرق المعرفة هو العيان.

ومنها قوله ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً  ﴾ فيمن قرأ بفتح الميم وكسر اللام.

وأما الأخبار فكثيرة منها: الحديث المشهور "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته" والمراد تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا تشبيه المرئي بالمرئي.

ومنها أن الصحابة اختلفوا في أن النبي  وآله هل رأى الله تعالى ليلة المعراج ولم يكفر بعضهم بعضاً بهذا السبب فدل ذلك على أنهم كانوا يجمعون على إمكان الرؤية.

أما قوله  ﴿ وهو يدرك الأبصار ﴾ ففيه دليل على أنه  مبصر للمبصرات، راء للمرئيات، مطلع على ماهياتها، عليم بعوارضها وذاتياتها.

ثم قال ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ وليس المراد باللطافة ضد الكثافة وهو رقة القوام فإن ذلك من صفات الأجسام، بل المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها إلا مبدعها.

أو المراد أنه لطيف في الإنعام والرحمة لا يأمرهم فوق طاقتهم وينعم عليهم فوق استحقاقهم.

أو الغرض أنه يثني عليهم بالطاعة، ولا يقطع موادّ إحسانه عنهم بالمعصية.

أو المراد أنه يلطف عن أن يدركه الأبصار الخبير بكل لطيف ولا يلطف شيء عن إدراكه، ثم عاد إلى تقرير أمر الدعوة والرسالة فقال ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ أي موجباتها والبصيرة للقلب بمنزلة البصر للعين.

﴿ فمن أبصر ﴾ الحق وآمن ﴿ فلنفسه ﴾ أبصر وإياها نفع.

﴿ ومن عمي ﴾ عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر.

قالت المعتزلة: فيه تصريح بأن العبد يتمكن من الأمرين: الفعل والترك.

وعورض بالعلم والداعي ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم.

ثم حكى شبه المنكرين بقوله ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التقرير البليغ ﴿ نصرف الآيات ﴾ نأتي بها متواترة حالاً بعد حال ﴿ وليقولوا ﴾ عطف على محذوف أي لتلزمهم الحجة وليقولوا أو متعلق بما بعده أي وليقولوا درست نصرفها.

ومعنى ﴿ درست ﴾ قرأت وتعلمت من الدرس، ومن قرأ ﴿ دارست ﴾ أي قرأت على اليهود وقرؤا عليك وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة.

وأما قراءة ابن عامر ﴿ درست ﴾ فهي من الدروس بمعنى أن هذه الآيات قد درست وعفت أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا من جملة أساطير القرون الخالية، قالت العلماء: التركيب يدل على التذليل والتليين لأن من درس الكتاب فقد ذلـله بكثرة القراءة، ومنه قيل للثوب الخلق "دريس"، لأنه قد لان فكأنه  ذكر الوجه الذي لأجله صرف الآيات وهو أمران: أحدهما قوله ﴿ وليقولوا دارست ﴾ والثاني قوله ﴿ ولنبينه ﴾ أما الثاني فلا إشكال فيه لأنه بيّن أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه البيان والعلم والضمير في ﴿ لنبينه ﴾ للآيات لأنها في معنى القرآن، أو يعود إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به، أو إلى التبيين الذي هو مصدر الفعل نحو: ضربته زيداً أي ضربت الضرب زيداً.

وأما الأول فقد أورد عليه أن قولهم للرسول ﴿ دارست ﴾ كفر منهم بالقرآن والرسول، وعلى هذا فتعود مسألة الجبر والقدر، أما الأشاعرة فأجروا الكلام على ظاهره وقالوا: معناه أنا ذكرنا هذه الدلائل حالاً بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزدادوا كفراً على كفر، ونبينه لبعض فيزدادوا إيماناً على إيمان كقوله ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً  ﴾ وأما المعتزلة فقال الجبائي منهم والقاضي: إن هذا الإثبات محمول على النفي والتقدير: نصرف الآيات لئلا يقولوا كقوله ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ أي لئلا تضلوا.

أو المراد لام العاقبة، وزيف بأن حمل الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وفتح هذا الباب يخرج الكتاب عن أن يكون حجة.

وأيضاً إنه مناف للمقصود لأن إنزال الآيات نجماً فنجماً هو الذي أوقع الشبهة للقوم في أن محمداً  إنما أتى بالقرآن على سبيل المدارسة والمذاكرة مع أقوام آخرين، ولهذا كانوا يقولون لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة.

فالجواب الذي ذكره إنما يصح لو كان التصريف علة لأن يمتنعوا من هذا القول لكنه موجب له فسقط كلامهم، وأيضاً حمل اللام على لام العاقبة مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى.

ثم إنه لما حكى عن الكفار أنهم نسبوه في شأن القرآن إلى الافتراء وإلى أنه دارس أقواماً واستفاد هذه العلوم منهم ثم نظمها قرآناً وادّعى أنه نزل عليه من الله أتبعه قوله ﴿ اتبع ما أوحي إليك من ربك ﴾ لئلا يصير ذلك القول سبباً لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي يعتريه بسماع تلك الشبهة، ونبه بالجملة المعترضة أو الحال المؤكدة وهي قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ على أنه  لما كان واحداً في الإلهية فإنه يجب طاعته ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ وحمله بعضهم على أنها منسوخة بآية القتال.

وضعف بأن المراد واترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه، وأن يعدل صلوات الله عليه إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التنفير والتغيظ.

﴿ ولو شاء الله ما أشركوا ﴾ مذهب الأشاعرة فيه ظاهر.

وحمله المعتزلة على مشيئة الإلجاء والقسر.

وأجيب بعد المعارضة بالعلم والداعي بأن الإيمان الاختياري هب أنه أنفع وأفضل من الإيمان القهري إلا أنه  لما علم أن ذلك لا يقع ولا يحصل فقد كان يجب في حكمته أن يخلق الله فيه الإيمان القهري كي يخلص من العقاب، وإن لم يجب له الثواب كما أن الأب المشفق إذا علم أن ابنه لا يحسن الغوص يقول له: اترك الغوص في البحر ولا تطلب اللآلىء فإنك لا تجدها واكتف بالرزق القليل مع السلامة، فأما أن يأمره بالغوص في البحر مع اليقين التام بأنه لا يستفيد منه إلا الهلاك فإن ذلك من الرحمة والشفقة بمعزل.

ثم ختم الكلام بما يكمل به بصيرة الرسول  وآله، وذلك أن بيّن له قدر ما جعل إليه فذكر أنه ما جعله حفيظاً ولا وكيلاً عليهم وإنما فوض إليه الإبلاغ والإنذار.

ثم إنهم لما نسبوا الرسول  إلى أنه جمع القرآن بطريق المداومة وكان لا يبعد أن يغضب له المسلمون لسبب ذلك فيسبوا آلهتهم نهى الله  عن ذلك فقال ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ﴾ وذلك أن المسلمين إذا شتموا آلهتهم فربما غضبوا وذكروا الله بما لا ينبغي من القول.

وفيه تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والمسافهة وإنه لا يليق بالعقلاء.

قال ابن عباس: لما نزل ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ قال المشركون: لئن لم تنته عن سب آلهتنا وعيبها لنهجونّ إلهك فنزلت.

وقال السدي: " لما حضر أبا طالب الوفاة قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهي عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب كان يمنعه فلما مات قتلوه.

فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة ابن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود بن البختري إلى أبي طالب فقالوا: أنت كبيرنا وسيدنا، وأن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه.

فدعاه فجاء النبي  وآله فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك.

فقال رسول الله  : ماذا تريدون؟

قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك.

فقال أبو طالب: قد أنصفك قومك وبنو عمك.

فقال رسول الله  : أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم؟

قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها فما هي؟

قال: قولوا لا إله إلا الله فأبوا واشمأزوا فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي فإن قومك قد فزعوا منها.

فقال: يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها.

فقالوا: لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك فأنزل الله  هذه الآية" .

قالت العلماء: إن القوم كانوا مقرين بوجود الإله  فكيف يتصور إقدامهم على شتم الله؟

وأجيب بأنه ربما كان بعضهم قائلاً بالدهر ونفي الصانع فما كان يبالي هذا النوع من السفاهة، أو لعل مرادهم شتم الرسول  وآله فأجرى الله  شتمه مجرى شتم الله كما في قوله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ أو لعلهم من جهالتهم اعتقدوا أن الشيطان يحمله على ادعاء الرسالة ثم إنهم سموا ذلك الشيطان بأنه إله محمد  وآله.

وههنا سؤال وهو أن شتم الأصنام من أصول الطاعات فكيف يحسن من الله  أن ينهى عنه؟

والجواب أن هذا الشتم وإن كان طاعة إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم منكراً وجب الاحتراز عنه، لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله  وشتم رسوله وفتح باب السفاهة ويقتضي تنفيرهم عن قبول الدين وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم.

وفيه أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر وغلبة الظن قائمة مقام اليقين في هذا الباب.

وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدين كيلا يتشاغل بما لا يفيد في المطلوب، فإن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها، يقال: عدا فلان عدواً وعدواناً وعداء إذا ظلم ظلماً يتجاوز القدر.

قال الزجاج ﴿ عدواً ﴾ منصوب على المصدر لأن المعنى فيعدو عدواً وقرىء ﴿ عدوّاً ﴾ بفتح العين والتشديد أي في حال كونهم أعداء.

ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التزيين ﴿ زينا لكل أمة عملهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على أنه  هو الذي زين للكافر الكفر وللمؤمن الإيمان وللعاصي المعصية، وزيفه الكعبي بقوله  ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم  ﴾ [العنكبوت: 38] وبقوله ﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت  ﴾ فإذا المراد أنه  زين لهم ما لهم أن يعملوا وهم لا يفقهون، أو المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا الشيطان حتى زين لهم أو زينا في زعمهم وقولهم أن الله أمرنا بهذا وزينه لنا، وضعف بعد المعارضة بالعلم وخلق الداعي بأن قوله  ﴿ كذلك زينا ﴾ بعد قوله ﴿ فيسبوا الله ﴾ مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله  .

وأيضاً الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفراً وجهلاً والعلم بذلك ضروري، بل إنما يختاره لأنه اعتقد كونه إيماناً وعلماً وحقاً وصدقاً، ولولا سابقة الجهل الأول لما اختار الجهل الثاني ولا تذهب الجهالات إلى غير النهاية، فلا بد أن ينتهي إلى جهل أول يخلقه الله  فيه وهو بسبب ذلك الجهل ظن الكفر إيماناً والجهل علماً.

قال: ﴿ وأقسموا بالله جهد إيمانهم ﴾ والغرض حكاية شبهة أخرى لهم وهي أن هذا القرآن كيفما كان أمره فليس من جنس المعجزات البتة،ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة باهرة وبينه قاهرة لآمنا بك وأكدوا هذا المعنى بالأيمان والأقسام.

قال الواحدي: إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضعة لتوكيد الخبر وكانت الحاجة إلى ذكر الحلف عند انقسام الناس وقت سماع الخبر إلى مصدق ومكذب، فمعنى الأقسام إزالة القسمة وجعل الناس كلهم مصدقين بواسطة الحلف واليمين.

عن محمد بن كعب قال: " كلمت رسول الله  وآله قريش فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كانت معه عصا فضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وأن عيسى كان يحيى الموتى، وأن صالحاً كانت له ناقة، فأتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك.

فقال رسول الله  : أي شيء تحبون أن آتيكم به؟

قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً.

قال: فأن فعلت تصدقوني؟

قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون.

فقام رسول الله  يدعو فجاءه جبريل  فقال: إن شئت أصبح الصفا ذهباً ولكن لم أرسل بآية فلم يصدق بها إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم.

فقال رسول الله  : أتركهم حتى يتوب تائبهم " وأنزل الله الآيات إلى قوله ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه.

وقال الزجاج: معناه بالغوا في الإيمان.

والمراد بقوله ﴿ لئن جاءتهم آية ﴾ ما روينا من جعل الصفا ذهباً.

وقيل: هي الأشياء المذكورة في قوله ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا  ﴾ الآيات.

وقيل: كان النبي  وآله يخبرهم بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين المكذبين فالمشركون طلبوا مثلها.

﴿ قل إنما الآيات عند الله ﴾ أي هو مختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات لأن المعجزات لا تحصل إلا بتخليق الله  ، أو المراد بالعندية هو العلم بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي إيمانهم أم لا كقوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب  ﴾ أو المراد أنها وإن كانت معدومة في الحال إلا أنه  متى شاء أحدثها وليس لكم أن تتحكموا في طلبها كقوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه  ﴾ ﴿ وما يشعركم ﴾ ما استفهام والجملة خبره، ثم من قرأ ﴿ انها ﴾ بكسر الهمزة على الابتداء - وهي القراءة الجيدة - فالتقدير وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال ﴿ إنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وأما قراءة الفتح فقال سيبويه: سألت الخليل عن ذلك فقال: لا تحسن لأنها تصير عذراً للكفار، لأن معنى قول القائل: ما يدريك أنه لا يفعل هو أنه يفعل.

فمعنى الآية أنها إذا جاءت آمنوا وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذراً لهم في طلبها، لكن القراءة لما كانت متواترة فلا جرم ذكر العلماء فيه وجوها: قال الخليل: "أن" بمعنى "لعل" تقول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شياً أي لعلك.

ويقوي هذا الوجه قراءة أبي ﴿ لعلها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وثانيها "أن" تجعل "لا" صلة كما في قوله ﴿ ما منعك أن لا تسجد  ﴾ ﴿ وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون  ﴾ وثالثها أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها فقال الله: وما يدريكم أيها المؤمنون أنهم لا يؤمنون على معنى أنكم لا تدرون ما سبق به على من أنهم لا يؤمنون.

وأما من قرأ ﴿ لا تؤمنون ﴾ بتاء الخطاب فالمراد وما يشعركم أيها الكفار.

قال القاضي والجبائي: في الآية دلالة على أنه  يجب أن يفعل كل ما في مقدوره من الألطاف إذ لو كان في المعلوم لطف يؤمنون عنده، ثم إنه لا يفعل ذلك لم يكن لتعليل ترك الإجابة بأنهم لا يؤمنون وجه.

وأيضاً لو كان الإيمان بخلق الله  ولم يكن لفعل الألطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات لم يكن لإظهار تلك المعجزات أثر.

وأجيب بأن تأثير المعجزات عندهم مبني على وجوب اللطف، فلو أثبت اللطف به لزم الدور، وبأن الآية التي بعد هذه وهي قوله ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴾ تدل على أن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره.

ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار هو أنهم إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها عرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول إلا إنه  إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات.

والتقليب تحريك الشيء عن وجهه.

وكان  وآله يقول "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك" والمراد أنه  يقلب القلوب تارة من داعي الخير إلى داعي الشر وبالعكس.

وإنما قدم ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار، لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر عنه، والحاصل أن السمع والبصر آلتان للقلب فلهذا السبب وقع الابتداء بتقليب القلب.

قال الجبائي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وحرها لتعذيبهم.

وزيف بأن قوله ﴿ ونذرهم ﴾ إنما يحصل في الدنيا وهذا يستلزم سوء النظم.

وقال الكعبي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم بأنا لا نفعل بهم ما نفعل بالمؤمنين من الفوائد والألطاف حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم.

وضعف بأنه إنما استحق الحرمان من تلك الألطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر وهو الذي أوقع نفسه في ذلك الحرمان فكيف يحسن إضافته إلى الله  في قوله ﴿ ونقلب ﴾ وقال القاضي: القلب باقٍ على حالة واحدة إلا أنه  أدخل التقليب والتبديل في الدلائل.

واعترض بأن تقليب القلب نقله من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة.

وأما قوله ﴿ كما لم يؤمنوا به أول مرة ﴾ فقال الواحدي: فيه حذف والتقدير ولا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة يعني أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره.

والكناية في ﴿ به ﴾ إما عائدة إلى القرآن، أو إلى محمد  وآله، أو إلى ما طلبوا من الآيات وقيل: الكاف للجزاء أي كما لم يؤمنوا أول مرة فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم.

قال الجبائي: ﴿ ونذرهم ﴾ أي لا نحول بينهم وبين اختيارهم ولا نمنعهم بمعاجلة الهلاك وغيره لكنا نمهلهم، فإن أقاموا على طغيانهم فذلك من قبلهم وأنه يوجب تأكيد الحجة عليهم.

وقالت الأشاعرة: نقلب أفئدتهم من الحق إلى الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان والضلال والعمى.

التأويل: ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ دلالات السعادات الباقية، فمن أبصرها بنظر البصيرة فاشتغل بتحصيلها وأقبل على الله لسلوك سبيلها فذلك تحصيل لنفسه ﴿ فإن الله غني عن العالمين ﴾ ﴿ ومن عمي ﴾ فبالعكس.

﴿ ولا تسبوا الذين يدعون ﴾ لا تخاطبوا أهل الضلال على مواجب نوازع النفس والطبيعة فيحملهم ذلك على ترك الإجلال وإظهار الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة والتزام الحجة ونفي الشبهة.

﴿ وأقسموا بالله ﴾ حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، وما يغني وضوح الأدلة لمن لم تدركه سوابق الرحمة ﴿ ونقلب أفئدتهم ﴾ عن الآخرة إلى الدنيا ﴿ وأبصارهم ﴾ عن شواهد المولى إلى مشاهدة النفس والهوى كأنهم لم يؤمنوا يوم الميثاق إذ قلت ألست بربكم؟

قالوا بلى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ .

قيل: بينات من ربكم.

وقيل البصائر الهدى، بصائر في قلوبهم، وليست ببصائر الرءوس وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وقيل: بصائر، أي: بيان، وهو واحد.

وقيل: بصائر شواهد، أي قد جاءكم من الله شواهد تدلكم على ألوهيته، وهو كقوله  : ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ  ﴾ ، أي: بل الإنسان من نفسه بصيرة، أي: شاهدة؛ فشهدت كل جارحة منهم على وحدانية الله وألوهيته.

ألا ترى أنه قال: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ ؛ هذا - والله أعلم - لأنهم كانوا يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان والأصنام، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ؛ فيقول: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ من الآيات والرسل ما لو اتبعتموهم، لكانوا لكم شفعاء عند الله.

والثاني: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ ﴾ : ما لو تفكروا وتدبروا ونظروا فيها، لعرفوا أنها بصائر من الله؛ لأن البشر أنشئوا بحيث ينظرون في العجيب من الأشياء؛ فكانوا على أمرين: منهم من نظر وتفكر وعرف أنها بصائر، لكنه عاند وكابر ولم يعمل بها، ومنهم من ترك النظر فيها؛ فعمي عنها، ما لو تفكروا ونظروا لتبين لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ﴾ .

أي: أبصر الحق والهدى وعمل به، فلنفسه عمل، ومن أبصر وعمي عنها - أي: ترك العمل - فعليها ترك؛ كقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا  ﴾ .

فإن قيل: ذكر في آية أخرى: ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ  ﴾ ، أخبر أن من هلك هلك عن بينة، ومن حي حي عن بينة، وهاهنا يقول: ﴿ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ﴾ : ذكر عمي عليها؛ فكيف وجه التوفيق [بينهما]؟!

قيل: يحتمل قوله: ﴿ عَمِيَ ﴾ بعد ما تبين له، فترك العمل به؛ فعليها ذلك؛ لأنه أبصرها، وعرف أنها من الله، لكنه عاندها وكابرها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ .

أي: قد جاءكم بصائر من ربكم، فليس علينا إلا التبليغ؛ كقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ﴾ .

أي: نردّها في الوجوه التي تتبين لقوم يطلبون البيان.

أو نقول ﴿ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ﴾ ، أي: نضع كل آية ونصرفها إلى الوجوه التي تكون بالخلق إليها حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ﴾ .

فيه لغات: درست، ودارست.

ودرست: قرأت، ودارست: تعلمت.

وقيل: دارست أهل الكتاب: جادلتهم، ودرست بالجزم، [قيل: تعاونت] فهذا الاختلاف فيه؛ لاختلاف قول كان من الكفرة لرسول الله؛ منهم من يقول: [ ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ  ﴾ فهو تأويل دارست، ومنهم من يقول: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ فهو تأويل قوله: درست، ومنه من يقول]: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ، وهو تأويل درست؛ فعلى اختلاف أقاويلهم خرجت القراءة.

ثم اختلف في تأويل قوله -  -: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ﴾ \[قال بعضهم: لئلا يقولوا درست\] فهو صلة قوله: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ \[لئلا\]؛ يقولوا: درست.

وقال الحسن قوله: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ﴾ ، أي: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ ؛ ليقولوا درست؛ لأن من قوله: إنه بعث الرسل، وأنزل الكتب؛ ليكون من الكافر قول كفر، ومن المؤمن قول إيمان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ﴾ .

يخرج - والله أعلم - على [معنى] التعجب: يعجب أصحاب النبي  عن قبح صنيع الكفرة وسوء معاملتهم رسول الله  وقد جاءهم بصائر من ربهم وبينات وحجج، ثم هم بعد هذا كله يستقبلونه بالرد والتكذيب.

وهو على ما قلنا: إن الله ذكر نعمه عليهم بما أنشأ لهم: من الأنعام، والجنات المعروشات، والزرع، والنخيل، وما أخبر عنه، وقد علموا ذلك كله، ثم جعلوا له بعد معرفتهم هذا ﴿ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ ، ولا بينة؛ فهو على التعجب أنهم كيف جعلوا له شركاء، وقد علموا أن الذي جعل هذا كله لهم هو الله؟!

فعلى ذلك هذه الآية أنهم كيف قذفوه بالدراسة، وقد تبين لهم صدقه، وأنه من عند الله بالآيات والدلائل، وبما كان لا يخط كتابا، ولا شهدوه يختلف إلى من عنده علم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: لنبينه يعني القرآن، وقيل البصائر التي ذكر لقوم ينتفعون بعلمهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ .

فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، وإنما أوحي إليه من ربّه، ويكفي قوله: ﴿ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ ﴾ ؟!

ولكن معناه على الإضمار - والله أعلم - كأنه قال للذي أوحى إليه على يديه: قل ﴿ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، ثم أمر نبيه باتباع ما أوحي إليه من ربه، أي: اعمل بما أوحى إليك.

ثم الأمر بالعمل يحتمل وجهين: يحتمل: الأمر بالاعتقاد بذلك.

ويحتمل: نفس العمل، أي: اعمل.

ويشبه أن يكون الأمر بالاتباع ما أوحى إليه صدقاً في الخبر وعدلا في الحكم؛ كقوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً  ﴾ .

قيل: صدقاً في الأخبار، وعدلا في الأحكام؛ فعلى ذلك أمكن أن يكون الأمر بالاتباع اتباع ما أوحي إليه صدقاً في الأخبار، وعدلا في الأحكام، ثم على ما أمر نبيه باتباع ما أوحي إليه وأنزل من ربه أمر أمته كذلك، وهو قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ  ﴾ أمرهم باتباع ما أنزل إليهم من ربهم، ونهاهم عن اتباع من اتخذوا من دونه أولياء؛ فعلى ما نهاهم عن اتخاذ أولياء دونه قال في الآية التي أمر رسوله باتباع ما أوحي إليه من ربه؛ فقال: ﴿ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ  ﴾ واحد؛ لأنه أمر باتباع ما أوحى إليه من ربه، ونهى أن يتبع دونه أولياء؛ لأنه أخبر أن لا إله إلا هو.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

يحتمل: أمره بالإعراض عن المشركين وجوهاً: يحتمل ألا تكافئهم على أذاهم؛ ولكن اصبر، ويحتمل الأمر بالإعراض عنهم: النهي عن قتالهم؛ كأنه نهى عن قتالهم في وقت.

ويحتمل أن تكون الآية في قوم خاصة، قال: أعرض عنهم؛ فإنهم لا يؤمنون، ولا تقم عليهم الآيات والحجج؛ لما علم منهم أنهم لا يؤمنون، ثم على ما أمر نبيه بالإعراض عنهم أمر المؤمنين - أيضاً - بالإعراض عنهم، وهو قوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ ﴾ .

قالت المعتزلة: المشيئة هاهنا مشيئة قهر وجبر، أي: لو شاء الله لأعجزهم ومنعهم عن الشرك على دفع الابتلاء والامتحان.

وأما عندنا: المشيئة: مشيئة اختيار، والطوع على قيام الابتلاء والامتحان، وبعد: فإن مشيئة الجبر هي خلقه، وقد كانوا جميعاً غير مشركين بالخلقة؛ فلا معنى لتأويلهم الذي تأولوا في المشيئة.

ثم لا يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ ﴾ مشيئة قهر وجبر؛ لأنه لا يكون في حال الجبر والقهر إيمان ولا كفر؛ إنما يكون ذلك في حال الاختيار والطوع؛ لأن الجبر والقهر يمنع من أن يكون له فعل حقيقة؛ بل يتحول الفعل عنه ويسقط، ويثبت للذي جبر وقهر؛ وذلك بعيد؛ فدل أنه ما ذكرنا، وبالله الرشاد.

وفي قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ ﴾ دلالة أن طريق الإسلام الإفضال والإنعام، ولله أن يخص به من كان أهلا للإفضال والإنعام باللطائف التي عنده، ويحرم [بعضاً] ذلك، وله أن يجعل بعضهم أهلا لذلك؛ إفضالا منه، ولا يجعل البعض؛ عدلا منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ .

أي: لم يؤخذ عليك حفظ أعمالهم، أو لا تسأل أنت عن صنيعهم؛ إنما عليك التبليغ، وهو كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، [و] كقوله -  -: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ، ونحوه.

وقيل: الحفيظ والوكيل: واحد، وقيل: الوكيل هو الكفيل، وقد ذكرناه في غير موضع فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

نهانا الله - عز وجل - عن سبّ من يستحق السبّ؛ مخافة سبّ من لا يستحق [السبّ].

فإن قيل: كيف نهانا عن سب من يستحق السب؛ مخافة سبّ من لا يستحق، وقد أمرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهم قاتلونا، [وقتل] المؤمن بغير حق من المناكير، وكذلك أمر رسول الله  بتبليغ الرسالة والتلاوة عليهم، وإن كانوا يستقبلونه بالتكذيب؟!

قيل: إن السبّ لأولئك [مباح] غير مفروض، والقتال معهم فرض، وكذلك التبليغ فرض يبلغ إليهم، وإن كانوا ينكرون ما يبلغهم، وكذلك القتال نقاتلهم، وإن كان في ذلك إهلاك أنفسنا وأصله أن ما خرج الأمر به مخرج الإباحة فإنه ينهى عما يتولد منه ويحدث، وما كان الأمر به أمر فرض ولزوم لا ينهى عن المتولد منه والحادث.

ويجوز أن يستدل بهذا على تأييد مذهب أبي حنيفة -  - في قوله: إن [من] قطع يد آخر بقصاص فمات في ذلك أخذ بالدية، وإذا قطع اليد بحدّ لزمه فمات، لم يؤخذ بها؛ لأنه أبيح له قطع يده، والقصاص لم يفرض عليه، وفي الحدّ، تلزم إقامة الحد لله، فإذا كان قيامه بفعل أبيح له الفعل، ينهى عما يتولد منه، ويؤخذ به؛ وإذا كان قيامه بفعل فرض عليه، لم يؤخذ بما تولد منه؛ وعلى هذا يخرج قوله في الأمر بالختان إذا تولد من ذلك الموت؛ لأنه أمر بإقامة السنة، وكذلك الأمر بالحجامة؛ لأنه يفرض عليه الحجامة في حال إذا خاف عليه الهلاك؛ إذا لم يحتجم وأما الأمر بالدق وغيره مما يشاكله: فهو - أمر إباحة، لا أمر إلزام؛ لذلك ضمن ما تولد منه؛ فعلى ذلك السبّ الذي يسب آلهتهم إذا حملهم ذلك على سبّ الله - عز وجل - وسبّ رسوله لا يسبون، وإن كانوا مستحقين لذلك؛ لأنه قد ينهى الرجل أن يعود نفسه السبّ؛ فعلى ذلك يجوز أن ينهوا عن سبّ آلهتهم؛ مخافة الاعتياد لذلك نهوا عن سبّ آلهتهم.

ثم ذكر في القصّة أن أصحاب رسول الله  كانوا يسبون آلهتهم فيسبون الله؛ عدوا بغير علم؛ وذكر أن رسول الله  ذكر آلهتهم بسوء؛ فقالوا: لتنتهين عن ذلك أو لنهجون ربك.

وعن ابن عباس -  - وذلك حين قال لهم رسول الله  : ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ  ﴾ الآية، فقالوا عند ذلك ما قالوا؛ فنزل: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾ ، ولكن لا ندري كيف كانت القصة، ولكن فيه ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

قال الكيساني وأبو عوسجة: ﴿ عَدْواً ﴾ : من الاعتداء، وهو مجاوزة الحد.

وقال أبو عمرو: (عدوٌ): بالرفع، وقال: إنما العدو من عدو الرجلين؛ وكذلك قال في يونس: ﴿ وَعَدْواً  ﴾ .

وقيل: فلما نزل قوله: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ﴾ الآية، قال رسول الله  [لأصحابه]: "لا تسبوا ربكم فأمسكوا عن سبّ آلهتهم".

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ .

قال أبو بكر الكيساني: إن صلة قوله: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان؛ رجاء أن تقرب عبادتهم إياها إلى الله؛ لا أنهم كانوا يعبدونها ويتخذونها آلهة دون الله؛ فإذا سبّوا معبودهم فكأنهم سبوا الله عدواً بغير علم؛ إذ العبادة في الحقيقة لله، فيرجع سبّهم إياها إلى الله؛ لذلك كان معنى السبّ فقال؛ فعلى ذلك رجع قوله: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ ؛ حتى امتنعوا عن سبّ [الله]، فذلك الذي زين عليهم.

وقال الحسن: قوله: ﴿ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ ، أي: زينا عليهم أعمالهم فيما أمروا به، وفرض ويجب عليهم أن يفعلوا، لا فيما لا يفرض ولا يحل لهم أن يفعلوا.

وكذلك يقول جعفر بن حرب والكعبي وغيرهما من المعتزلة: إنه زين عليهم عملهم الذي فرض عليهم أن يعملوا ويأتوا به، وأما ما لا ينبغي أن يقولوا فلا؛ كقوله: ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ  ﴾ الآية ذكر في الإيمان: التزيين، وفي الكفر: التكريه، ويقولون: إنه أضاف التزيين إلى الشيطان بقوله: ﴿ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ  ﴾ والشيطان يزين لهم المعاصي والفسوق؛ فلا يحتمل أن يكون الله يزين لهم ما يزين الشيطان؛ فدل أنه إنما يزين لهم ما يؤمرون به ويفرض عليهم، ولكن يضاف إليه التزيين ما أضيف إليه حرف الإضلال والإغواء.

وأما عندنا: فالتزيين على وجهين: تزيين في العقول، وهو تحسين من طريق الآيات والبراهين، فذلك لا يحتمل فعل الكفر والضلال أن يكون مزيناً من جهة الآيات والحجج.

والثاني: تزيين في الطباع: بالشهوات، والأماني، وفعل كل أحد مزين بالشهوة والحاجة التي مكنت فيه، ولا شك أن كل كافر لو سئل عن فعله الكفر والضلال؛ فيقول: هذا الذين زين لي، وليس إضافة فعل التزيين إلى الله بأكبر وأبعد من إضافة الإضلال والإغواء، وقد ذكرنا معنى إضافة الإضلال والإغواء إليه في غير موضع؛ فعلى ذلك التزيين.

ويقولون - أيضاً -: إن التزيين: تزيين وعد وثواب؛ فالكافر متى يؤمن بالوعد في الآخرة والثواب فيها، وهو ليس يؤمن [بالآخرة]، فهذا بعيد.

ولا يحتمل ما قال الكيساني - أيضاً - لأنه لا كل الكفرة كانوا يعبدون الأصنام؛ ليقربهم ذلك إلى الله زلفى؛ بل أكثرهم لا [يعرفون] أن لهم خالقاً وربّاً.

وتحتمل إضافة التزيين إلى الشيطان على جهة التمني والتشهي؛ كقوله: ﴿ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ  ﴾ وإضافته إلى الله على القدرة عليه والسلطان، أو أن يخلق أعمالهم مزينة عندهم مسولة.

وإضافة فعل الضلال والغواية إلى الشيطان على الدعاء إليه والترغيب فيه، وإضافته إلى الله على أن يخلق فعل الضلال منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ ﴾ .

قد ذكرناه.

﴿ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

في جزيل الثواب، أو في أليم العذاب؛ فهو على الوعيد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اتبع -أيها الرسول- ما يوحيه إليك ربك من الحق، فهو سبحان لا معبود بحق غيره، ولا تشغل قلبك بالكافرين وعنادهم، فأمرهم إلى الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.Wljkq"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل