الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١١٨ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 68 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٨ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذا إباحة من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه ، ومفهومه : أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه ، كما كان يستبيحه كفار المشركين من أكل الميتات ، وأكل ما ذبح على النصب وغيرها .
ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه
القول في تأويل قوله : فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين به وبآياته: " فكلوا "، أيها المؤمنون، مما ذكّيتم من ذبائحكم وذبحتموه الذبح الذي بينت لكم أنه تحلّ به الذبيحة لكم, وذلك ما ذبحه المؤمنون بي من أهل دينكم دين الحق, أو ذبحه مَنْ دان بتوحيدي من أهل الكتاب, دون ما ذبحه أهل الأوثان ومَنْ لا كتاب له من المجوس =(إن كنتم بآياته مؤمنين)، يقول: إن كنتم بحجج الله التي أتتكم وأعلامه، بإحلال ما أحللت لكم، وتحريم ما حرمت عليكم من المطاعم والمآكل، مصدّقين, ودَعوا عنكم زخرف ما توحيه الشياطين بعضها إلى بعض من زخرف القول لكم، وتلبيس دينكم عليكم غرورًا .
* * * وكان عطاء يقول في ذلك ما:- 13790- حدثنا به محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، قلت لعطاء قوله: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه)، قال: يأمر بذكر اسمه على الشراب والطعام والذبح.
وكل شيء يدلّ على ذكره يأمر به .
قوله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنينفكلوا مما ذكر اسم الله عليه نزلت بسبب أناس أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، إنا نأكل ما نقتل ولا نأكل ما قتل الله ؟
فنزلت فكلوا إلى قوله : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون خرجه الترمذي وغيره .
قال عطاء : هذه الآية أمر بذكر اسم الله على الشراب والذبح وكل مطعوم .إن كنتم بآياته مؤمنين أي بأحكامه وأوامره آخذين ; فإن الإيمان بها يتضمن ويقتضي الأخذ بها والانقياد لها .
يأمر تعالى عباده المؤمنين، بمقتضى الإيمان، وأنهم إن كانوا مؤمنين، فليأكلوا مما ذكر اسم الله عليه من بهيمة الأنعام، وغيرها من الحيوانات المحللة، ويعتقدوا حلها، ولا يفعلوا كما يفعل أهل الجاهلية من تحريم كثير من الحلال، ابتداعا من عند أنفسهم، وإضلالا من شياطينهم، فذكر الله أن علامة المؤمن مخالفة أهل الجاهلية، في هذه العادة الذميمة، المتضمنة لتغيير شرع الله.
قوله عز وجل : ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ) أي : كلوا مما ذبح على اسم الله ، ( إن كنتم بآياته مؤمنين ) وذلك أنهم كانوا يحرمون أصنافا من النعم ويحلون الأموات ، فقيل لهم : أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله .
«فكلوا مما ذكر اسم الله عليه» أي ذبح على اسمه «إن كنتم بآياته مؤمنين».
فكلوا من الذبائح التي ذُكِرَ اسم الله عليها، إن كنتم ببراهين الله تعالى الواضحة مصدقين.
روى أبو داود بسنده عن ابن عباس قال : أتى ناس إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالوا يا رسول الله إنا نأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل الله - فأنزل الله - { فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } .
إلى قوله { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } .وذكر الواحدى أن المشركين قالوا : يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها فقال الله قتلها .
قالوا : فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الصقر أو الكلاب حلال وما قتله الله حرام فأنزل الله - تعالى - قوله : { فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } الآية .والخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين الذين ضايقهم جدال المشركين لهم فى شأن الذبائح .والمعنى كلوا أيها المؤمنون مما ذكر اسم الله عليه عند ذبحه واتركوا ما ذكر عليه اسم غيره كالأوثان أو ما ذبح على النصب ، أو ما ذكر اسم مع اسمه - تعالى - أو ما مات حتف أنفه ، ولا تضرنكم مخالفتكم للمشركين فى ذلك فإنهم ما يتبعون فى عقائدهم ومآكلهم وأعمالهم إلا تقاليد الجاهلية وأوهامها التى لا ترتكز على شىء من الحق .والفاء فى قوله : { فَكُلُواْ } يرى الزمخشرى أنها جواب لشرط مقدر والتقدير : إن كنتم محقين فى الإيمان فكلوا ، ويرى غيره أنها معطوفة على محذوف والتقدير " كونوا على الهدى فكلوا " .وقوله : { إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ } أى : إن كنتم بآياته التى من جملتها الآيات الواردة فى هذا الشأن مؤمنين ، فإن الإيمان بها يقتضى استباحة ما أحله سبحانه واجتناب ما حرمه .
في الآية مباحث نذكرها في معرض السؤال والجواب.
السؤال الأول: الفاء في قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ ﴾ يقتضي تعلقاً بما تقدم، فما ذلك الشيء؟
والجواب: قوله: ﴿ فَكُلُواْ ﴾ مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحللون الحرام ويحرمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوه مما قتلتموه أنتم.
فقال الله للمسلمين إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا مما ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله.
السؤال الثاني: القوم كانوا يبيحون أكل ما ذبح على اسم الله ولا ينازعون فيه، وإنما النزاع في أنهم أيضاً كانوا يبيحون أكل الميتة، والمسلمون كانوا يحرمونها، وإذا كان كذلك كان ورود الأمر بإباحة ما ذكر اسم الله عليه عبثاً لأنه يقتضي إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه.
والجواب: فيه وجهان: الأول: لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل الميتة، فالله تعالى رد عليهم في الأمرين، فحكم بحل المذكاة بقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ ﴾ وبتحريم الميتة بقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ ﴾ الثاني: أن نحمل قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ ﴾ على أن المراد اجعلوا أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه، فيكون المعنى على هذا الوجه تحريم أكل الميتة فقط.
السؤال الثالث: قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ ﴾ صيغة الأمر، وهي للإباحة.
وهذه الإباحة حاصلة في حق المؤمن وغير المؤمن، وكلمة ﴿ إن ﴾ في قوله: ﴿ إِن كُنتُم بآياته مُؤْمِنِينَ ﴾ تفيد الاشتراط.
والجواب: التقدير ليكن أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين والمراد أنه لو حكم بإباحة أكل الميتة لقدح ذلك في كونه مؤمناً.
<div class="verse-tafsir"
وقرئ: ﴿ من يضل ﴾ بضم الياء أي يضله الله ﴿ فَكُلُواْ ﴾ مسبب عن إنكار اتباع المضلين، الذي يحلون الحرام ويحرّمون الحلال.
وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله أحقّ أن تأكلوا مما قتلتم أنتم، فقيل للمسلمين: إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا ﴿ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ ﴾ خاصة دون ما ذكر عليه اسم غيره من آلهتهم أو مات حتف أنفه، وما ذكر اسم الله عليه هو المذكى ببسم الله ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ ﴾ وأي غرض لكم في أن لا تأكلوا ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم ﴾ وقد بين لكم ما حرّم عليكم مما لم يحرّم وهو قوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ [المائدة: 3] وقرئ: ﴿ فصل لكم ما حرّم عليكم ﴾ على تسمية الفاعل، وهو الله عزّ وجلّ ﴿ إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ ﴾ مما حرّم عليكم فإنه حلال لكم في حال الضرورة ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ ﴾ قرئ بفتح الياء وضمها، أي يضلون فيحرّمون ويحللون ﴿ بِأَهْوَآئِهِم ﴾ وشهواتهم من غير تعلق بشريعة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ إنْكارِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ الحَلالَ ويُحَلِّلُونَ الحَرامَ، والمَعْنى كُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلى ذَبْحِهِ لا مِمّا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ فَإنَّ الإيمانَ بِها يَقْتَضِي اسْتِباحَةَ ما أحَلَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى واجْتِنابَ ما حَرَّمَهُ.
﴿ وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ وأيُّ غَرَضٍ لَكم في أنْ تَتَحَرَّجُوا عَنْ أكْلِهِ وما يَمْنَعُكم عَنْهُ.
﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ مِمّا لَمْ يُحَرِّمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ فُصِّلَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ونافِعٌ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ حَرَّمَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.
﴿ إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ ﴾ مِمّا حَرَّمَ عَلَيْكم فَإنَّهُ أيْضًا حَلالٌ حالَ الضَّرُورَةِ.
﴿ وَإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ ﴾ بِتَحْلِيلِ الحَرامِ وتَحْرِيمِ الحَلالِ.
قَرَأ الكُوفِيُّونَ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِالفَتْحِ.
﴿ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ بِتَشْبِيهِهِمْ مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِدَلِيلٍ يُفِيدُ العِلْمَ.
﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ ﴾ بِالمُجاوِزِينَ الحَقَّ إلى الباطِلِ والحَلالَ إلى الحَرامِ.
<div class="verse-tafsir"
{فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ إِن كنتم بآياته مؤمنين} هو مسبب على إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرمون الحلال وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتل الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم فقيل للمسليمن إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا مما ذكر اسم
الله عليه خاصة أي على ذبحه دون ما ذكر عليه اسم غيره من آلهتم أو مات حتف أنفه
﴿ فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ أمْرٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَةِ إضْلالِهِمْ تَحْلِيلُ الحَرامِ وتَحْرِيمُ الحَلالِ فَقَدْ ذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا عَنِ الشّاةِ إذا ماتَتْ مَن قَتَلَها فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اللَّهُ تَعالى قَتَلَها قالُوا: فَتَزْعُمُ أنَّ ما قَتَلْتَ أنْتَ وأصْحابُكَ حَلالٌ وما قَتَلَ الصَّقْرُ والكَلْبُ حَلالٌ وما قَتَلَهُ اللَّهُ تَعالى حَرامٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المَجُوسَ مِن أهْلِ فارِسَ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَحْرِيمَ المَيْتَةِ كَتَبُوا إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وكانُوا أوْلِياءَهم في الجاهِلِيَّةِ وكانَتْ بَيْنَهم مُكاتَبَةٌ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ ما ذَبَحُوا فَهو حَلالٌ وما ذَبَحَ اللَّهُ تَعالى فَهو حَرامٌ فَوَقَعَ في أنْفُسِ ناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «جاءَتِ اليَهُودُ إلى النَّبِيِّ فَقالُوا: أنَأْكَلُ مِمّا قَتَلْنا ولا نَأْكُلُ مِمّا يَقْتُلُ اللَّهُ تَعالى فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ» والمَعْنى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ كُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَبْحِهِ لا مِمّا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ خاصَّةً أوْ مَعَ اسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ والحَصْرُ كَما قِيلَ مُسْتَفادٌ مِن عَدَمِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ ومِنَ الشَّرْطِ ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ هَذا الكَلامُ مُتَعَرِّضًا لِما لا يُحْتاجُ إلَيْهِ ساكِتًا عَمّا يُحْتاجُ إلَيْهِ وادَّعى بَعْضُهم أنْ لا حَصْرَ واسْتِفادَةُ عَدَمِ حِلِّ ما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ مِن صَرِيحِ النَّظْمِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولا تَأْكُلُوا مِمّا ﴾ ..
إلَخْ.
وهو مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ ﴿ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ الوارِدَةُ في هَذا الشَّأْنِ ﴿ مُؤْمِنِينَ ﴾ (118) فَإنَّ الإيمانَ بِها يَقْتَضِي اسْتِباحَةَ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى واجْتِنابَ ما حَرَّمَ وقِيلَ: المَعْنى إنْ صِرْتُمْ عالِمِينَ حَقائِقَ الأُمُورِ الَّتِي هَذا الأمْرُ مِن جُمْلَتِها بِسَبَبِ إيمانِكم وقِيلَ: المُرادُ إنْ كُنْتُمْ مُتَّصِفِينَ بِالإيمانِ وعَلى يَقِينٍ مِنهُ فَإنَّ التَّصْدِيقَ يَخْتَلِفُ ظَنًّا وتَقْلِيدًا وتَحْقِيقًا والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وقُدِّمَ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ من الذبائح إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ يعني: مصدقين.
فقد بيّن الله تعالى أنه لا يجوز أكل الميتة وإنما يحل أكله إذا ذُبح وذكر اسم الله عليه.
ثم قال: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مما ذبح وذكر اسم الله عليه وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ يعني: بيّن لكم تحريمه في سورة المائدة وغيره من مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ يعني: الميتة وغيرها إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ يقول: ما اجتهدتم إلى أكل الميتة عند الجوع.
قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو فَصَّلَ لَكُمْ بضم الفاء مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ بضم الحاء على معنى فعل ما لم يسم فاعله وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وَقَدْ فَصَّلَ بالنصب وَمَا حَرَّمَ بالضم وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص كلاهما بالنصب يعني: بيَّن الله لكم ما حرم عليكم.
ثم قال: وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ يقول: يدعون إلى أكل الميتة بغير علم إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ من الحلال إلى الحرام.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ...
الآية: المعنى: فامض، يا محمَّد لما أُمِرْتَ به، وبلِّغ ما أُرْسِلْتَ به، فإنك إنْ تطع أكثر من في الأرض يضلُّوك، قال ابنُ عباس «١» : الأرض هنا: الدنيا، وحُكِي أنَّ سبب هذه الآية أنَّ المشركين جادلوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أمر الذبائحِ، وقالوا: أتأكُلُ ما تقتُلُ، وتترُكُ ما قَتَلَ اللَّه، فنزلَتِ الآية، ثم وصفهم تعالى بأنهم إنما يقتدون بظنونهم ويتَّبعون تخرُّصهم، والخَرْصُ: الحَرْز والظنُّ، وهذه الآية/ خبر في ضمْنه وعيدٌ للضالِّين، ووعدٌ للمهتدين، وقوله سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ...
الآية: القصْد بهذه الآية النهْيُ عما ذبح للنُّصُب وغيرها، وعن الميتة وأنواعها، ولا قصد في الآية إلى ما نَسِيَ المؤمن فيه التسميَة أو تعمّدها بالترك.
وقوله سبحانه: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا ...
الآية: «ما» : استفهام يتضمَّن التقريرَ، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، أي: فصَّل الحرامَ من الحلالِ، وانتزعه بالبيانِ، و «ما» في قوله: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ، يريد بها: مِنْ جميع ما حَرَّم كالميتة وغيرها، وهي في موضع نَصْب بالاستثناء، والاستثناءُ منقطعٌ.
وقوله سبحانه: وَإِنَّ كَثِيراً يريد الكفرة المحادِّين المجادلين، ثم توعَّدهم سبحانه بقوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ.
وقوله جلَّت عظمته: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ- نهْيٌ عامٌّ، والظاهرُ والباطنُ:
يستوفيان جميع المعاصي، وقال قوم: الظاهر: الأعمالُ، والباطنُ: المعتَقَد، وهذا أيضاً حسن لأنه عامٌّ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي أُمَامة، قال: سأل رجل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: مَا الإثْمُ؟
قَالَ: «مَا حَكَّ فِي صَدْرِكَ، فَدَعْهُ» «٢» ، وروى ابن المبارك أيضاً بسنده أنَّ رجلاً قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَحِلُّ لِي مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيَّ؟
فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم
فَرَدَّ عَلَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَسْكُتُ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ» فَقَالَ: أَنَا ذَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَا أَنْكَرَ قَلْبُكَ، فَدَعْهُ» «١» .
انتهى، وقد ذكرنا معناه مِنْ طرُقٍ في غير هذا الموضعِ، فأغنى عن إعادته.
ثم توعَّد تعالى كَسَبَةَ الإثمِ بالمجازاةِ على ما اكتسبوه من ذلك، والاقتراف:
الاكتساب.
وقوله سبحانه: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ...
الآية:
مقصد الآية النهْيُ عن الميتة إذ هي جواب لقول المشركين: تَتْرُكُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ، ومع ذلك، فلفظها يعمُّ ما تُرِكَتِ التسميةُ عليه من ذبائِحِ الإسلام «٢» ، وبهذا العمومِ تعلَّق ابن عمر وابنُ سيرينَ والشَّعْبِيُّ وغيرهم فقالوا: ما تُرِكَتِ التسميةُ علَيْه، لم يؤكَلْ، عمدا كان أو نسيانا «٣» ، وجمهورُ العلماء على أنه يؤكل إن كان تركُها نسياناً بخلاف العَمْدِ، وقيل:
يؤكل، سواءٌ تركَتْ عمداً أو نسياناً، إلا أنْ يكون مستخِفًّا.
وقوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ ...
الآية: قال عكرمة: هم مردة الإنس من مجوس
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَرَّمَ المَيْتَةَ، قالَ المُشْرِكُونَ لَلْمُؤْمِنِينَ: إنَّكم تَزْعُمُونَ أنَّكم تَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَما قَتَلَ اللَّهُ لَكم أحَقُّ أنَّ تَأْكُلُوهُ مِمّا قَتَلْتُمْ أنْتُمْ، يُرِيدُونَ المَيْتَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ ﴾ اَلْقَصْدُ بِهَذِهِ الآيَةِ النَهْيُ عَمّا ذُبِحَ لِلنُّصُبِ وغَيْرِها؛ وعَنِ المَيْتَةِ وأنْواعِها؛ فَجاءَتِ العِبارَةُ أمْرًا بِما يُضادُّ ما قُصِدَ النَهْيُ عنهُ؛ ولا قَصْدَ في الآيَةِ إلى ما نَسِيَ فِيهِ المُؤْمِنَ التَسْمِيَةَ؛ أو تَعَمَّدَها بِالتَرْكِ؛ وقالَ عَطاءٌ: هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ تَعالى عَلى الشَرابِ؛ والطَعامِ؛ والذَبْحِ؛ وكُلِّ مَطْعُومٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ أيْ: "إنْ كُنْتُمْ بِأحْكامِهِ؛ وأوامِرِهِ آخِذِينَ"؛ فَإنَّ الإيمانَ بِها يَتَضَمَّنُ ويَقْتَضِي الأخْذَ بِها؛ والِانْقِيادَ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ "وَما"؛ اِسْتِفْهامٌ يَتَضَمَّنُ التَقْرِيرَ؛ وَتَقْدِيرُ هَذا الكَلامِ: "وَأيُّ شَيْءٍ لَكم في ألّا تَأْكُلُوا؟"؛ فَـ "أنْ"؛ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ عَلى ألّا يُقَدَّرَ حَرْفُ جَرٍّ؛ ويَكُونَ الناصِبُ مَعْنى الفِعْلِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَما لَكُمْ"؛ ﴾ تَقْدِيرُهُ: "ما يَجْعَلُكُمْ؛ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ؛ أيْ: قَدْ بُيِّنَ لَكُمُ الحَرامُ مِنَ الحَلالِ؛ وأُزِيلُ عنكُمُ اللَبْسُ والشَكُّ؟".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "وَقَدْ فُصِّلَ لَكم ما حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ في الفِعْلَيْنِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَقَدْ فَصَّلَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ في الفِعْلَيْنِ؛ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "وَقَدْ فَصَّلَ"؛ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ؛ "لَكم ما حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"؛ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ"؛ وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: "وَقَدْ فَصَلَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ وفَتْحِ الصادِ؛ وتَخْفِيفِها؛ "ما حُرِّمَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ والمَعْنى: قَدْ فَصَّلَ الحَرامَ مِنَ الحَلالِ؛ وانْتَزَعَهُ بِالتَبْيِينِ؛ و"وَما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إلا ما اضْطُرِرْتُمْ ﴾ ؛ يُرِيدُ بِها: مِن جَمِيعِ ما حُرِّمَ؛ كالمَيْتَةِ وغَيْرِها؛ وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ؛ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَإنَّ كَثِيرًا"؛ ﴾ يُرِيدُ الكَفَرَةَ المُحادِّينَ؛ المُجادِلِينَ في المَطاعِمِ؛ بِما ذَكَرْناهُ مِن قَوْلِهِمْ: "تَأْكُلُونَ ما تَذْبَحُونَ؛ ولا تَأْكُلُونَ ما ذَبَحَ اللهُ؟"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "لَيَضِلُّونَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ عَلى مَعْنى إسْنادِ الضَلالِ إلَيْهِمْ في هَذِهِ السُورَةِ؛ وفي "يُونُسَ": ﴿ رَبَّنا لِيُضِلُّوا ﴾ ؛ وفي سُورَةِ "إبْراهِيمَ": ﴿ أنْدادًا لِيُضِلُّوا ﴾ ؛ وفي "اَلْحَجِّ": ﴿ ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ ﴾ ؛ وفي "لُقْمانَ": ﴿ لِيُضِلَّ عن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ؛ وفي "اَلزَّمَرِ": ﴿ أنْدادًا لِيُضِلَّ ﴾ ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ في هَذِهِ؛ وفي "يُونُسَ"؛ وفي الأرْبَعَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ يَضُمّانِ الياءَ؛ عَلى مَعْنى إسْنادِ إضْلالِ غَيْرِهِمْ إلَيْهِمْ؛ وهَذِهِ أبْلَغُ في ذَمِّهِمْ؛ لِأنَّ كُلَّ مُضِلٍّ ضالٌّ؛ ولَيْسَ كُلُّ ضالٍّ مُضِلًّا؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ في المَواضِعِ السِتَّةِ: "لَيُضِلُّونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ عَلى مَعْنى إسْنادِ إضْلالِ غَيْرِهِمْ إلَيْهِمْ؛ ثُمَّ بَيَّنَ - عَزَّ وجَلَّ - في ضَلالِهِمْ أنَّهُ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ؛ وأنَّهُ بِالهَوى؛ لا بِالنَظَرِ؛ والتَأمُّلِ؛ و"بِغَيْرِ عِلْمٍ"؛ مَعْناهُ: في غَيْرِ نَظَرٍ؛ فَإنَّ لِمَن يَضِلُّ بِنَظَرٍ ما بَعْضَ عُذْرٍ؛ لا يَنْفَعُ في أنَّهُ اجْتَهَدَ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
هذا تخلّص من محاجّة المشركين وبيان ضلالهم، المذيَّل بقوله: ﴿ إنّ ربّك هو أعلم من يضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ [الأنعام: 117].
انتقل الكلام من ذلك إلى تبيين شرائع هدى للمهتدين، وإبطاللِ شرائع شَرَعها المضلّون، تبيينا يزيل التّشابه والاختلاط.
ولذلك خللت الأحكام المشروعة للمسلمين، بأضدادها الّتي كان شرعها المشركون وسلَفُهم.
وما تُشعر به الفاء من التفريع يقضي باتّصال هذه الجملة بالَّتي قبلها، ووجه ذلك: أنّ قوله تعالى: ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله ﴾ [الأنعام: 116] تضمّن إبطال ما ألقاه المشركون من الشّبهة على المسلمين: في تحريم الميتة، إذ قالوا للنّبيء صلى الله عليه وسلم «تزعم أن ما قتلتَ أنت وأصحابك وما قتل الكلب والصّقر حلال أكلُه، وأنّ ما قتل اللَّهُ حرام» وأنّ ذلك ممّا شمله قوله تعالى: ﴿ وإن هم إلاّ يَخْرصون ﴾ [الأنعام: 116]، فلمّا نهى الله عن اتِّباعهم، وسمّى شرائعهم خرصاً، فرّع عليه هنا الأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه، أي عند قتله، أي ما نُحر أو ذُبح وذُكر اسم الله عليه، والنّهيَ عن أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه، ومنه الميتة، فإنّ الميتة لا يذكر اسم الله عليها، ولذلك عقبت هذه الآية بآية: ﴿ وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائِهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنَّكم لمشركون ﴾ [الأنعام: 121].
فتبيّن أنّ الفاء للتّفريع على معلوم من المراد من الآية السّابقة.
والأمر في قوله: ﴿ فكلوا ﴾ للإباحة.
ولمّا لم يكن يخطر ببال أحد أنّ ما ذُكر اسم الله عليه يحرم أكلُه، لأنّ هذا لم يكن معروفاً عند المسلمين، ولا عند المشركين، علم أنّ المقصود من الإباحة ليس رفع الحرج، ولكن بيان ما هو المباح، وتمييزه عن ضدّه من الميتة وما ذبح على النُّصُّب.
والخطاب للمسلمين.
وقوله: ﴿ مما ذكر اسم الله عليه ﴾ دلّ على أنّ الموصول صادق على الذّبيحة، لأنّ العرب كانوا يذكرون عند الذّبح أو النّحر اسم المقصود بتلك الذكاة، يجهرون بذكر اسمه، ولذلك قيل فيه: أُهِلّ به لغير الله، أي أُعلن.
والمعنى كلوا المذكّى ولا تأكلوا الميتة.
فما ذُكر اسم الله عليه كناية عن المذبوح لأنّ التّسمية إنَّما تكون عند الذّبح.
وتعليق فعل الإباحة بما ذكر اسم الله عليه؛ أفهم أنّ غير ما ذكر اسم الله عليه لا يأكله المسلمون، وهذا الغير يساوي معناه معنى ما ذكر اسمُ غير الله عليه، لأنّ عادتهم أن لا يذبحوا ذبيحة إلاّ ذكروا عليها اسم الله، إن كانت هديا في الحجّ، أو ذبيحة للكعبة، وإن كانت قرباناً للأصنام أو للجنّ ذكروا عليها اسم المتقرّب إليه.
فصار قوله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ مفيداً النّهي عن أكل ما ذُكر اسم غير الله عليه، والنّهي عمّا لم يذكر عليه اسم الله ولا اسم غير الله، لأنّ ترك ذكر اسم الله بينهم لا يكون إلاّ لقصد تجنّب ذكره.
وعلم من ذلك أيضاً النّهي عن أكل الميتة ونحوها، ممّا لم تقصد ذكاته، لأنّ ذكر اسم الله أو اسم غيره إنَّما يكون عند إرادة ذبح الحيوان.
كما هو معروف لديهم، فدلت هذه الجملة على تعيين أكل ما ذكّي دون الميتة، بناء على عرف المسلمين لأنّ النّهي موجّه إليهم.
وممّا يؤيّد ذلك: ما في «الكشاف»، أنّ الفقهاء تأوّلوا قوله الآتي: " ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم الله عليه " بأنَّه أراد به الميتة، وبناء على فهم أن يَكون قد ذُكر اسم الله عليه عند ذكاته دون ما ذكر عليه اسم غير الله، أخذا من مقام الإباحة والاقتصارِ فيه على هذا دون غيره، وليس في الآية صيغة قصر، ولا مفهوم مخالفة، ولكن بعضها من دلالة صريح اللّفظ، وبعضها من سياقه، وهذه الدّلالة الأخيرة من مستتبعات التّراكيب المستفادة بالعقل الّتي لا توصف بحقيقة ولا مجاز.
وبهذا يُعلم أن لا علاقة للآية بحكم نسيان التّسمية عند الذّبح، فإنّ تلك مسألة أخرى لها أدلَّتها وليس من شأن التّشريع القرآني التعرّض للأحوال النّادرة.
و«على» للاستعلاء المجازي، تدلّ على شدّة اتَّصال فعل الذّكر بذات الذّبيحة، بمعنى أن يذكر اسم الله عليها عند مباشرة الذّبح لا قبله أو بعده.
وقوله: ﴿ إن كنتم بآياته مؤمنين ﴾ تقييد للاقتصار المفهوم: من فعل الإباحة، وتعليققِ المجرور به، وهو تحريض على التزام ذلك، وعدم التّساهل فيه، حتّى جعل من علامات كون فاعله مؤمناً، وذلك حيث كان شعارُ أهل الشّرك ذكرَ اسم غير الله على معظم الذّبائح.
فأمّا ترك التّسمية: فإن كان لقصد تجنّب ذكر اسم الله فهو مساو لذكر اسم غير الله، وإن كان لسهو فحكمه يُعرف من أدلّة غير هذه الآية، منها قوله تعالى: ﴿ ربَّنا لا تؤاخذنا إن نسينا ﴾ [البقرة: 286] وأدلّة أخرى من كلام النّبيء صلى الله عليه وسلم <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سِرُّهُ وعَلانِيَتُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: ظاهِرُ الإثْمِ: ما حُرِّمَ مِن نِكاحِ ذَواتِ المَحارِمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ ﴾ الآيَةَ.
وَباطِنُهُ الزِّنى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّ ظاهِرَ الإثْمِ أُولاتُ الرّاياتِ مِنَ الزَّوانِي، والباطِنُ ذَواتُ الأخْدانِ، لِأنَّهُنَّ كُنَّ يَسْتَحْلِلْنَهُ سِرًّا، قالَهُ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: أنَّ ظاهِرَ الإثْمِ العِرْيَةُ الَّتِي كانُّو يَعْمَلُونَ بِها حِينَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، وباطِنُهُ الزِّنى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّ ظاهِرَ الإثْمِ ما يَفْعَلُهُ بِالجَوارِحِ، وباطِنُهُ ما يَعْتَقِدُهُ بِالقَلْبِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنأكل مما قتلنا ولا نأكل مما يقتل الله؟
فأنزل الله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين ﴾ إلى قوله: ﴿ وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ فإنه حلال ﴿ إن كنتم بآياته مؤمنين ﴾ يعني بالقرآن مصدقين ﴿ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ يعني الذبائح ﴿ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ﴾ يعني ما حرم عليكم من الميتة ﴿ وإن كثيراً ﴾ من مشركي العرب ﴿ ليضلون بأهوائهم بغير علم ﴾ يعني في أمر الذبائح وغيره ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وقد فصل لكم ﴾ يقول: بين لكم ﴿ ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ﴾ أي من الميتة والدم ولحم الخنزير.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وقد فصل لكم ﴾ مثقلة بنصب الفاء ﴿ ما حرم عليكم ﴾ برفع الحاء وكسر الراء ﴿ وإن كثيراً ليضلون ﴾ برفع الياء.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وذروا ظاهر الإثم ﴾ قال: هو نكاح الأمهات والبنات ﴿ وباطنه ﴾ قال: هو الزنا.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ قال: الظاهر منه ﴿ لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ [ النساء: 22] و ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ﴾ [ النساء: 23] الآية، والباطن الزنا.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ قال: علانيته وسره.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ قال: ما يحدث به الإنسان نفسه مما هو عامله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ قال: نهى الله عن ظاهر الاثم وباطنه أن يعمل به.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ الآية.
هذا جواب لقول المشركين: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟
(١) ﴿ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: مما ذُكي على اسم الله تعالى (٢) (٣) (٤) ﴿ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ إن التسمية لا تجب وأنها سنّة مستحبة (٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ ترغيب في اعتقاد صحة الإذن في أكل المذكاة على اسم الله تعالى، وتأكيد أن ما أباحه الشرع فهو طيب يحل تناوله، ولا يجوز استقذاره حتى لو استقذره إنسان كان غير مؤمن بظاهر هذه الآية، فإن عافت نفسه شيئًا بعد صحة عقيدته بكونه مباحاً غير مستقذر لم يضره ذلك (٦) (١) أخرجه أبو داود رقم (2818 - 2819)، وابن ماجه رقم (3173) ، والترمذي == رقم (3036)، وقال: حسن غريب، والنسائي في "سننه" 7/ 237 كتاب: "الضحايا"، باب: تأويل قول الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ، وفي "التفسير" 1/ 479، والطبري 8/ 11 - 13، والحاكم 4/ 113 - 231، 233، وصححه ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وأخرجه البيهقي في "سننه" 9/ 240، كلهم من طرق جيدة، وبألفاظ متقاربة، وأخرجه النحاس في ناسخه 2/ 354، وقال: (هذا من أصح ما مر، وهو داخل في المسند).
اهـ.
وجاء في بعض الروايات أن الآية نزلت في اليهود، ويمكن الجمع بينهما بأن قول المشركين مبني على إيحاء اليهود، وذكر ابن كثير 2/ 188، عدة طرق، وقال: (إسناده صحيح، وروي من طرق متعددة ليس فيها ذكر اليهود، وهذا هو المحفوظ؛ لأن الآية مكية، واليهود لا يحبون الميتة).
اهـ.
(٢) ذكره السمين في "الدر" 5/ 128، عن الواحدي، وقال: (الظاهر أنها عاطفة على ما تقدم من مضمون الجمل المتقدمة، كأنه قيل: اتبعوا ما أمركم الله من أكل المذكى دون الميتة فكلوا) اهـ.
(٣) "معاني الزجاج" 2/ 286.
(٤) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 105 ب.
(٥) هذا قول الشافعي، ورواية عن مالك وأحمد، فمن تركها عندهم عمدًا أو سهوًا لم يقدح في حل الأكل، وذهب الجمهور إلى أنها شرط للإباحة مع الذكر دون النسيان، فيجوز أكل ما تركت عليه التسمية سهوًا لا عمدًا، وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد ومالك، وذهب أحمد في رواية إلى أنها شرط مطلقًا، وهذا القول هو الظاهر من نصوص الكتاب والسنة؛ لأن الأدلة لم تفصل، ولأنه علق الحل بذكر اسم الله تعالى، وهو اختيار شيخ الإسلام "الفتاوي" 35/ 239،== والشيخ صالح بن فوزان الفوزان في كتاب "الذكاة الشرعية" ص 14 - 15، والشيخ محمد بن صالح العثيمين في "رسالة في أحكام الأضحية والذكاة" ص 82 - 86، وانظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 350 - 355، و"أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 746، و"المغني" لابن قدامة 12/ 257، 390، والقرطبي 7/ 75، و"المجموع" للنووي 8/ 410، و"تفسير ابن كثير" 2/ 189 - 190، و"نيل الأوطار" 8/ 152.
(٦) انظر: "الفتاوى" 21/ 534.
<div class="verse-tafsir"
[المائدة: 4] القصد بهذا الأمر إباحة ما ذكر اسم الله عليه، والنهي عما ذبح للنصب وغيرها، وعن الميتة وهذا النهي يقتضيه دليل الخطاب من الأمر ثم صرح به في قوله الآتي: ﴿ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ ﴾ ؛ وقد استدل بذلك من أوجب التسمية على الذبيحة، وإنما جاء الكلام في سياق تحريم الميتة وغيرها، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليل على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك، وقال عطاء: وهذه الآية أمر بذكر الله على الذبح والأكل والشرب ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ ﴾ المعنى أي غرض لكم في ترك الأكل، مما ذكر اسم الله عليه، وقد بين لكم الحلال من الحرام ﴿ إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ ﴾ استثناء بما حرم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ قبلاً ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون: بضمتين.
﴿ منزل ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحفص والمفضل.
﴿ كلمة ربك ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.
الباقون ﴿ كلمات ﴾ ﴿ من يضل ﴾ من الإضلال: الأصبهاني عن نصير، فصل على البناء للفاعل و ﴿ حرم ﴾ على البناء للمفعول: حمزة وخلف وعاصم غير حفص والمفضل، وقرأ أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وحفص جميعاً بالفتح الباقون: على البناء للمفعول فيهما ﴿ ليضلون ﴾ بضم الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون: بالفتح.
الوقوف: ﴿ يجهلون ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ مفصلاً ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه ﴿ وعدلاً ﴾ ه ﴿ لكلماته ﴾ ج لابتداء الضمير المنفصل مع احتمال الواو الحال أي لا تبديل لكلماته وهو يسمع ويعلم، ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ج ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ بالمعتدين ﴾ ه ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ يقترفون ﴾ ه ﴿ لفسق ﴾ ط ﴿ ليجادلوكم ﴾ ج ﴿ لمشركون ﴾ ه.
التفسير: هذا شروع في تفصيل ما أجمله قوله ﴿ أنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وكان المستهزؤن بالقرآن خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب والحرث بن حنظلة، أتوا الرسول صلى الله عليه وآله في رهط من أهل مكة فقالوا: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله ، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقول أم باطل، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً على ما تدعيه، فنفى الله عنهم الإيمان وإن أوتوا هذه المقترحات.
قال أبو زيد: يقال لقيت فلاناً قبلاً وقبلاً ومقابلة كلها بمعنى واحد وهو المواجهة رواه الواحدي، وقال أبو عبيدة والفراء والزجاج: قبلاً بكسر القاف معناه معاينة.
روي عن أبي ذر قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله: أكان آدم نبياً؟
قال: نعم، كان نبياً كلمه الله قبلاً، وأما قبلاً بضمتين فقيل: إنه جمع قبيل ومعناه الجماعة تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى مثل الروم والزنج والعرب ولهذا قال الأخفش في تفسيره أي قبيلاً قبيلاً.
أو معناه الكفيل والعريف من قبل به يقبل قبالة، والمعنى لو حشرنا عليهم كل شيء فكفلوا بصحة ما يقول ما آمنوا، وموضع الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق، ومنها حي ومنها ميت، فإذا حشرها الله على اختلاف طبائعها مجتمعة في موقف واحد ثم أنطقها وأطبقوا على قبول هذه الكفارة كان ذلك من أعظم المعجزات، أما قوله : ﴿ ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ﴾ إيمانهم، فقد قالت الأشاعرة: فلما لم يؤمنوا دل على أنه ما شاء إيمانهم، وقالت المعتزلة: لو لم يرد منهم الإيمان لما وجب عليهم الإيمان كما لو لم يأمرهم به لم يجب، ولو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر في كفره مطيعاً لله لأنه لا معنى للطاعة إلا فعل المراد، ولو جاز من الله أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به، ولجاز أن يأمرنا بأن نريد الكفر.
فالمراد من الآية أنه شاء من الكل الإيمان الاختياري وما شاء الإيمان القهري.
والمعنى: ما كانوا ليؤمنوا إيماناً اختيارياً إلا أن يشاء الله مشيئة إكراه واضطرار فحينئذ يؤمنون، وزيف بأن الاختيار لا بد معه من حصول داعية يترجح بها أحد طرفي الممكن، ولا تحصل تلك الداعية إلا بتخليق الله فكأنه لا اختيار.
قال الجبائي: قوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ يدل على حدوث المشيئة إذ لو كانت قديمة وهي الشرط لزم من حصولها حصول المشروط.
وأجيب بأنها قديمة إلا أن تعلقها بأحداث المحدث في الحال إضافة حادثة.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قالت الأشاعرة: أي لا يعلمون أن الكل بقضاء الله وبقدره.
وقالت المعتزلة: إنهم لا يدرون أنهم يبقون كفاراً عند ظهور الآية التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم، أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرهم فيطمعون في إيمانهم الاختياري بمجيء الآيات المقترحات.
ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ قيل: إنه منسوق على قوله: ﴿ وكذلك زينا ﴾ أي وكما زينا لكل أمة عملهم ﴿ جعلنا ﴾ وقيل: إن المشار إليه محذوف أي وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم نمنعهم من العداوة لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر.
قالت الأشاعرة: لا شك أن تلك العداوة معصية وكفر، وأن جعلها شرفاً لآية تدل على أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله.
قال الجبائي: المراد بهذا الجعل أنه حكم وبين فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل إنه كفره، وإذا أخبر عن عدالته قيل عدله.
وقال الكعبي: إنه أمر الأنبياء.
لأن العداوة تكون من الجانبين.
أجاب أبو بكر الأصم بأنه لما أرسل محمداً إلى العالمين وخصه بتلك المعجزات صار ذلك التخصيص سبباً للحسد والعداوة أو للبغضاء فهذا هو المراد بجعلهم أعداء له.
وزيف بأن الأفعال مستندة إلى الدواعي وهي من الله ، وبأن العداوة والمحبة متعلقة بالطبع لا بالإرادة والتكلف فلا يقدر عليها إلا الله ، وانتصاب ﴿ الشياطين ﴾ كما مر في قوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن ﴾ قال الزجاج وابن الأنباري: ﴿ عدوّا ﴾ في معنى الجمع، ولقائل أن يقول: لا حاجة إلى هذا التكلف لصحة قولنا: وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوّاً واحداً: إذ ليس يجب أن يحصل لكل واحدة من الأنبياء أكثر من عدو واحد.
عن ابن عباس: كل عات متمرد من الجن والإنس فهو شيطان.
وقال مجاهد وقتادة والحسن: إن من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، وإن شيطان الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليعينه عليه.
"روي أن النبي وآله قال لأبي ذر: هل تعوّذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟
قال: قلت: وهل للإنس من شياطين؟
قال: نعم، هم شر من شياطين الجن" .
وقيل: إن الجميع من ولد إبليس إلا أن الذي يوسوس للإنس يسمى شيطان الإنس، والذي يوسوس للجن يسمى شيطان الجن.
وزيف بأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين.
وعن مالك بن دينار أن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجن لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجن عني وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً.
ومعنى الإيحاء الإيمان أو القول السريع أي يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، وكذلك بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض، وكأنه لا يتصوّر وسوسة الإنس إلى الجن إلا على تقدير القول بالتسخير.
و ﴿ زخرف القول ﴾ ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي، والتحقيق فيه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور خيرية أو نفعاً لم يرغب فيه.
ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقاً للواقع فهو الحق والصدق والإلهام وكان صادراً من الملك وإلا كان مزخرفاً أي يكون باطنه فاسداً وظاهره مزيناً، قال الواحدي: ﴿ غروراً ﴾ نصب على المصدر لأن إيحاء الزخرف من القول في معنى الغرور.
﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ استدلال الأشاعرة به ظاهر والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء.
﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ منصوب على أنه مفعول معه أو مفعول به أي وافتراءهم أو ما يفترونه.
قال ابن عباس: يريد ما زين لهم إبليس وغرهم به، وفيه تحذير من الكفر وترغيب في الإيمان وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتنبيه له على ما أعد للكفرة من العقاب وله من الثواب بسبب صبره على سفاهتهم وتلطفه بهم.
الصغو في اللغة الميل.
يقال في المستمع إنه مصغ إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت.
وأصغى الإناء إذا أماله حتى انصب بعضه في بعض.
ويقال للقمر إذا مال إلى الغروب صغا وأصغى.
قال الجوهري: صغا يصغو ويصغي صغواً أي مال، وكذلك صغى بالكسر يصغي بالفتح صغى وصغياً، واللام في ﴿ ولتصغي ﴾ لا بد لها من متعلق فقالت الأشاعرة: التقدير وإنما جعلنا مثل ذلك الشخص عدوّاً للنبي لتميل ﴿ إليه ﴾ أو إلى قوله المزخرف ﴿ أفئدة ﴾ الكفار فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة النبي ﴿ وليرضوه ﴾ وليختاروه على أنفسهم ﴿ وليقترفوا ﴾ وليكتسبوا من الآثام ﴿ ما هم مقترفون ﴾ وقال الجبائي: إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ .
وزيف بأن حمل لام كي على لام الأمر تحريف.
وقال الكعبي: هي لام العاقبة تقديره: ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين أفئدة الكفار جعلنا لكل نبي عدواً.
وعن أبي مسلم أنها معطوفة على موضع ﴿ غرور ﴾ والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغتروا بذلك ولتميل قلوب الكفار إلى المذاهب الباطلة.
وأورد عليه أن ميل القلوب إلى الآراء الفاسدة هو عين الاغترار فيلزم عطف الشيء على نفسه.
وههنا بحث وهو أن الأشاعرة قالوا: البنية ليست شرطاً للحياة، فالحي هو الجزء الذي قامت الحياة به، والعالم هو الجزء الذي قام العلم به.
وقالت المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة لا ذلك الجزء.
حجة الأشاعرة أنه جعل الموصوف بالميل والرغبة في الآية هو القلب لا جملة الحي، وبمثله استدل من جعل المتعلق الأول للنفس هو القلب لا مجموع البدن.
ثم إنه لما ذكر أنه لا فائدة لهم في إظهار الآيات التي اقترحوها بين بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل والزائد على ذلك لا يجب الالتفات إليه، وإنما قلنا إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين: الأول: أن الله قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل عليه الكتاب المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته وأشار إلى هذا الوجه بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ يعني قل يا محمد إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكماً فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز.
الوجه الثاني: اشتمال التوراة والإنجيل على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله حقاً، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله وأشار إليه بقوله: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ﴾ ثم قال: ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ والخطاب لكل أحد أي إذا ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيه أحد.
وقيل: الخطاب للرسول في الظاهر والمراد به الأمة.
وقيل: الخطاب للرسول في الحقيقة والمراد التهييج والإلهاب كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ والمراد فلا تكونن من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق، ولا يريبك جحود أكثرهم.
قال الواحدي: الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة.
وقال بعض أهل التأويل: الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم والحكم هو الذي لا يحكم إلا بالحق.
ثم لما بين أن القرآن معجز قال: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي القرآن.
وقوله: ﴿ صدقاً وعدلاً ﴾ مصدران منتصبان على الحال من الكلمة، ومعنى تمامها أنها وافية كافية في كونها معجزة دالة على صدق محمد، أو كافية في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى القيامة علماً وعملاً، أو المراد بالتمام أنها أزلية ولا يحدث بعد ذلك شيء.
واعلم أن كل ما حصل في القرآن نوعان: الخبر والتكليف؛ فالخبر كل ما أخبر الله عن وجوده أو عن عدمه كالخبر عن وجود ذاته وحصول صفاته أعني كونه قادراً سميعاً بصيراً ويدخل فيه الخبر عن صفات التقديس والتنزيه كقوله : ﴿ لم يلد ولم يولد ﴾ ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله وكيفية تدبيره لملكوته في السموات والأرض وفي عالم الأرواح والأجسام، ويدخل فيه الخبر عن أحكام الله في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، ويدخل فيه الخبر عن أقسام أسماء الله والخبر عن النبوات وأقسام المعجزات، والخبر عن أحوال النشر والقيامة وصفات أهل الجنة والنار.
والخبر عن أحوال المتقدمين والخبر عن المغيبات.
وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه على عبيده سواء كان ملكاً أو بشراً أو شيطاناً، وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء المتقدمين أو في مراسيم الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله .
فإذن المراد وتمت كلمات ربك صدقاً إن كان من باب الخبر وعدلاً إن كان من باب التكاليف وهذا ضبط حسن.
وقيل: إن كل ما أخبر الله عنه من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد أن يكون واقعاً، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون بصفة الظلم.
ثم قال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبه في كون القرآن دالاً على صدق محمد إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلالة ألبته لجلاء الدلالة ووضوحها.
أو المراد أن كلماته تبقى موصوفة بصفتها مصونة عن التحريف والتغيير كما قال: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ أو الغرض أنها بريئة عن التناقض كما قال: ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ﴾ أو المعنى أن أحكام الله لا تتغير ولا تتبدل لأنها أزلية والأزلي لا يزول، وهذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر إذ يلزم منه أن لا ينقلب السعيد شقياً وبالضد.
ثم لما أجاب عن شبه الكفار بيّن أن عند ظهور الحجة وتبين المحجة لا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى كلمات الجهال فقال: ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ﴾ والمضل لا بد أن يكون ضالاً ويعني بهم الذين ينازعون النبي في الدين غير قاطعين بصحة مذاهبهم كالزنادقة وعبدة الكواكب والأصنام، وكالذين يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة فيحكمون على الحق بأنه باطل وعلى الباطل بأنه حق.
ثم قال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ يقدرون على أنهم على شيء أو يكذبون في أن الله أحل كذا وحرم كذا.
وأصل الخرص حزر ما على النخل من الرطب تمراً.
وليس لنفاة القياس تمسك بالآية من قبل توجه الذم على متبع الظن، لأن المذموم من اتباع الظن هو الذي لا يستند إلى أمارة كظن الكفار المستند إلى تقليد أسلافهم فقط، أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إلى إمارة فلم يتم أنه كذلك.
ثم قال: ﴿ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ والمراد أنك بعدما عرفت أن الحق ما هو والباطل ما هو فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم لأن الله عالم بأن المهتدي من هو والضال من هو فيجازي كل أحد بما يليق بعمله، أو المراد أن هؤلاء الكفار وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون والله عالم بأحوال قلوبهم وبواطنهم، ومطلع على تحيرهم في أودية الجهالة وتيه الضلال، قال النحويون: إن أفعل التفضيل لا يعمل في مظهر، ففي الكلام محذوف أي يعلم من يضل عن سبيله، فإن لم يقدر محذوف قوي بالباء كما في القلم { ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ وهذا هو الأصل، وإنما خص هذه السورة بالحذف موافقة لقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ وعدل إلى لفظ المستقبل تنبيهاً على قطع الإضافة لأن أكثر ما يستعمل "أفعل من" يستعمل مع الماضي نحو "أعلم من دب ودرج" و "أحسن من قام وقعد" و "أفضل من حج واعتمر".
فلو لم يعدل إلى لفظ المستقبل التبس بالإضافة عن ذلك.
وجوّز بعضهم أن يكون "من" للاستفهام كقوله: ﴿ لنعلم أي الحزبين أحصى ﴾ ثم قال: ﴿ فكلوا ﴾ والفاء مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرّمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم.
فقال الله للمسلمين: إن كنتم محققين بالإيمان فكلوامما ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله.
فإن قيل: إن القوم كانوا يبيحون ما ذبح على اسم الله ولا ينازعون فيه، وإنما النزاع في أكل الميتة فإنهم كانوا يبيحونها والمسلمون يحرمونها، فما الحكمة في إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه؟
فالجواب لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل الميتة فرد الله عليهم في الأمرين بقوله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ وبقوله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ أو نقول: المراد اجعلوا أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه، وعلى هذا فيكون المراد تحريم الميتة فقط والله أعلم.
أما قوله: ﴿ وقد فصل لكم ﴾ فأكثر المفسرين قالوا: المراد به ما فصل في أول المائدة من قوله: ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ إلى آخر الآية، واعترض عليه بأن سورة الأنعام مكية والمائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والآية تقتضي أن يكون المفصل مقدماً على هذا المجمل بل الأولى أن يقال: المراد قوله بعد هذه الآية: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ﴾ إلى آخرها.
فإن هذا القدر من التأخر غير ضائر.
وقوله: ﴿ إلا ما اضطررتم ﴾ أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدّة المجاعة ﴿ وإن كثيراً ليضلون ﴾ المبالغة في قراءة ضم الياء أكثر لأن كل مضل فإنه يكون ضالاً، وقد يكون الضال غير مضل، قيل: إنه عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أول من غير دين إسماعيل واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة.
وقوله: ﴿ بأهوائهم بغير علم ﴾ يريد أن عمرو بن لحي أقدم على هذه المذاهب عن الجهالة الصرفة، وقال الزجاج: المراد منه الذين يحللون الميتة ويناظرون في إحلالها، أو يحتجون عليها بقولهم إذ حل ما تذبحونه أنتم فلأن يحل ما يذبحه الله أولى، وكذلك كل ما يضلون فيه من عبادة الأوثان والطعن في نبوّة محمد صلى الله عليه وآله.
وفي الآية دلالة على أن النزاع في الدين بمجرد التقليد حرام ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ فيجازيهم عليها وفيه من التهديد ما فيه.
ثم ذكر آية جامعة فقال: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ فقيل: ظاهره الزنا في الحوانيت وباطنه الصديقة في السر.
قال الضحاك: كان أهل الجاهلية يرون الزنا حلالاً ما كان سراً.
والأصح أن النهي عام إذ لا دليل على تخصيصه.
ثم قيل: المراد ما أعلنتم وما أسررتم.
وقيل: ما عملتم وما نويتم.
وقال ابن الأنباري: يريد وذروا الإثم من جميع جهاته كما تقول: ما أخذت من هذا المال قليلاً ولا كثيراً أي ما أخذته بوجه من الوجوه.
وقريب منه قول من قال: المراد النهي عن الإثم مع بيان أنه لا يخرج عن كونه إنما بسبب إخفائه وكتمانه.
وقيل: المراد النهي عن الإقدام على الإثم.
ثم قال: ﴿ وباطنه ﴾ ليظهر بذلك أن الداعي له إلى ترك ذلك الإثم خوف الله لا خوف الناس.
وقيل: ظاهر الإثم أفعال الجوارح، وباطنه أفعال القلوب من الكبر والحسد والعجب وإرادة الشر للمسلمين، ويدخل فيه الاعتقاد والعزم والنظر والظن والتمني والندم على أفعال الخيرات، ومنه يعلم أن ما يوجد في القلب قد يؤاخذ به وإن لم يقترن به عمل ﴿ إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ أي يكتسبون من الآثام ومنه الاعتراف يمحو الاقتراف كما يقال: التوبة تمحو الحوبة.
وظاهر النص يدل على أنه يعاقب المذنب ألبتة إلا أن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب.
وأهل السنة على أنه إذا لم يتب احتمل العفو ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام أو شراب فهو حرام تمسكاً بعموم الآية.
وأجمع سائر الفقهاء على تخصيص هذا العموم بالذبح، ثم اختلفوا فمالك: كل ذبح لم يذكر اسم الله عليه فهو حرام، ترك الذكر عمداً أو نسياناً وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين.
أبو حنيفة: إن ترك عمداً حرام وإن ترك نسياناً حل.
الشافعي: متروك التسمية عمداً وسهواً حلال إذا كان الذابح مسلماً لقوله : ﴿ وإنه لفسق ﴾ والضمير عائد إلى الأكل الذي دل عليه الفعل أو إلى الموصول على أنه في نفسه فسق مثل "رجل عدل" أو على تقدير حذف المضاف أي وإن أكله لفسق.
وقد أجمع المسلمون على أنه لا يفسق بأكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية ولقوله : ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ﴾ وهذه المناظرة كانت في مسألة الميتة؛ وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة من قتلها إذا ماتت؟
قال: الله قتلها، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟
فأنزل الله الآية، فالمراد من الشياطين ههنا إبليس وجنوده وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليخاصموا محمداً وأصحابه في أكل الميتة.
وقال عكرمة: وإن الشياطين - يعني مردة المجوس - ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش.
وذلك أنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة أن محمداً وأصحابه يزعمون أن ما يذبحونه حلال وأن ما يذبحه الله حرام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين شيء فنزلت الآية.
ثم قال: ﴿ وإن أطعتموهم ﴾ يعني في استحلال الميتة ﴿ إنكم لمشركون ﴾ قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله أو حرم شيئاً مما أحل الله فهو مشرك لأنه أثبت حاكماً سوى الله .
ثم قال الشافعي: الفسق في آية أخرى وهي، قوله: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ﴾ إلى قوله: ﴿ أو فسقاً أهل لغير الله ﴾ مفسر بما أهل به لغير الله فعلمنا أن الفسق في هذه الآية أيضاً مفسر به نزلنا عن هذا المقام وهو التمسك بالمخصصات، فلم قلتم إنه لم يوجد ذكر الله ههنا لما روي أنه صلى الله عليه وآله قال: "ذكر الله مع المسلم سواء قال أو لم يقل" فيحمل هذا الذكر على ذكر القلب.
أو نقول: هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن معنا ما يدل على الحل، وإذا تعارض الحل والحرمة فالحل راجح لأن الأصل في الأشياء الإباحة وللعمومات الدالة على الحل كقوله: ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ ولأنه مستطاب وقد قال: ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ ، ولأن الطبع يميل إليه وقد نهى عن إضاعة المال، هذا تقرير مذهب الشافعي ومع ذلك فالأولى بالمسلم أن يحترز عنه لقوة ظاهر النص.
قال الكعبي: في الآية دلالة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات لأنه سمى مخالفته شركاً.
وأجيب بأنه لم لا يجوز أن يراد بالشرك ههنا اعتقاد أن لله شريكاً في الحكم.
التأويل: ﴿ وكلمهم الموتى ﴾ أي: قلوبهم الميتة ﴿ وحشرنا ﴾ أي أريناهم جميع الآيات المودعة في المكونات ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فإن المشيئة تغير السجية والعناية الأزلية كفاية الأبدية ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ أن الهدى ليس بالمنى وأنه بمشيئة المولى، ثم أخبر أن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا فقال: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس ﴾ هي النفس الأمارة التي هي أعدى الأعداء.
﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هديناهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال ﴿ فلا تكونن ﴾ نهى التكوين في الأزل ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ كلامه وقضاؤه في الأزل ﴿ صدقاً ﴾ فيما قال ﴿ وعدلاً ﴾ فيما حكم بالوجود والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن والقبح والإيمان والكفر، وأحسن شيء خلقه هو الإنسان ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ وكذلك شر شيء هو الإنسان عند فساد استعداده ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ ولأهل الكمال ترقٍ في كمال الحسن إلى الأبد، ولأهل النقصان تسفل في القبح إلى الأبد أيضاً إظهاراً للقدرة الكاملة غير المتناهية ﴿ وهو السميع ﴾ لحاجة كل ذي حاجة ﴿ العليم ﴾ بما يستأهله كل موجود ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض ﴾ وهم أهل الأهواء وأقلهم أهل الحق ﴿ وإن هم إلا يخرصون ﴾ في دعوى طلب الحق.
فإن سبيل الحق لا يسلك بالهوى وإنما يسلك بالصدق والهدى.
﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ فمن أمارات الإيمان أن يأكلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع ويذيبوه بذكر الله كما قال صلى الله عليه وآله "أذيبوا طعامكم بذكر الله" فالأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة به على العصيان يورث موت الجنان والحرمان من الجنان.
﴿ وقد فصل لكم ﴾ يا أهل الله ﴿ ما حرم عليكم ﴾ وهو الدنيا وما فيها والآخرة ونعيمها ﴿ إلا ما اضطررتم إليه ﴾ من ضروريات البشر في الدارين بأمر المولى لا بالطبع والهوى ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ الذين جاوزوا المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى ﴿ وذروا ظاهر الإثم ﴾ يعني الأعمال الطبيعية ﴿ وباطنه ﴾ يعني الأخلاق، الذميمة الردية ﴿ سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ لأن الأخلاق الظلمانية توجب صدأ مرآة القلب وتزيدها ريناً إلى أن يصير حجاباً بين العبد وبين الله : ولا تأكلوا طعاماً إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، ﴿ وإنه ﴾ يعني ظلام الطعام يؤدي إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الكلمة النّفسانية.
﴿ وإن الشياطين ليوحون ﴾ فإن للشيطان مجالاً في الوسوسة إذا كانت النفوس في المجادلة مع القلوب لتدعوها إلى متابعة الهوى الله حسبي.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ صرف أهل التأويل الآية إلى أهل الكفر وقالوا: ما بالكم تأكلون ذبائحكم التي ذبحتم ولا تأكلوا ما ذبح الله وذكاه صرفوا الخطاب به إلى أهل الشرك.
والأشبه أن يصرف الخطاب [به] إلى أهل الإسلام؛ لأنه ذكر في آخره ﴿ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ومثل هذا لا يذكر في أهل الشرك إنما ذكر لخطاب أهل الإسلام، كقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ وقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ ونحوه من الآيات.
فعلى ذلك: الأشبه أن يصرف الخطاب بها إلى أهل الإسلام؛ كأنَّ قوماً من أهل الإسلام منعوا أنفسهم عن التناول من هذه الذبائح واللحوم، فنهوا عن ذلك؛ [من] نحو ما روي في بعض القصة: "أن نفرا من أصحاب رسول الله هموا أن يخصوا أنفسهم وألا يعطوا أنفسهم شهواتهم وألا [يتناولوا شيئاً] من الطيبات، فنهوا عن ذلك.
وقيل: فيهم نزل قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ فيشبه أن يكون قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ فيهم أو لما علم أن قوماً من المتقشفة والمتزهدة يحرمون ذلك على أنفسهم، فنهوا عن ذلك.
فإن كان ما قال أهل التأويل فهو - والله أعلم - كأنه قال: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين، بما تعلمون [أن] الخلق والأمر له، وقد أنشأ لكم من الآيات ما تعلمون [به] ذلك، فكيف تحرمون ما ذكر اسم الله عليه، ثم أمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه، وعاتب من ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه بقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ولم يبين بم وبأي وجه بالذبح أو بغيره؟
وكذلك قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ ﴾ ولم يبين من أي وجه، لكن الناس اتفقوا على صرف ذلك إلى الذبح، فكان الذبح مضمرا فيه؛ كأنه قال: كلوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه، وما لكم ألا تأكلوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه.
ثم لا يخلو اتفاقهم بمعرفة ذلك: إما أن عرفوا ذلك بالسماع من رسول الله، أو عرفوا ذلك بنوازل [الأحكام]؛ إذ ليس في الآية بيانُ ذلك.
فكيفَما كان، ففيه دلالة نقض قول من يقول بأن من عرف نوازل الأحكام أو كان عنده رواية، فتركَ [روايته] يفسَّق؛ لأنه لما لم يذكر هاهنا النوازل ولا السماع دل أنه لا يفسق؛ إذ كان قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ذكر لمكان قول الثنوية؛ لأنهم يحرمون الذبائح ويقولون: ليس من الحكمة إيلام من لا ذنب له.
أو ذكر لمكان قول من يقول: إنكم أكلتم ما تذبحون بأيديكم ولا تأكلون ما تولى الله قتله.
ثم قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ أباح - عز وجل - من الأنعام ما ذكر اسم الله عليه، وحظر ما لم يذكر اسم الله عليه، ونهى عن أكله بقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ وبقوله: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ﴾ جعل المهَلّ لغير الله ميتةً حراما، وجعل المذكور اسم الله [عليه] ذكيّاً حلالا؛ فدل أن التسمية شرطٌ في أكل الذبيحة؛ لأنها لو لم تكن شرطا في حل الذبيحة لم يكن المُهلُّ به لغير اسم الله ميتة حراما، ولأنه سمى ما لم يذكر اسم الله عليه فسقاً، والفسقُ هو الخروج عن أمر الله؛ كقوله: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ أي: خرج؛ فدل أن التسمية شرط فيها.
ولهذا يحل لنا ذبائح أهل الكتاب إذا سمعناهم يذكرون اسم الله عليه، وإن كانوا ما يذكرون في الحقيقة غير الله؛ لأنهم لا يعرفون الله حقيقة، ولكن إذا ذكروا اسم الله عليه تحل لنا.
ولا يحل ذبائح أهل الشرك؛ لأن أهل الشرك لا يرون الذبائح رأساً؛ يذهبون مذهب الزنادقة، والزنادقة لا يرون الذبائح؛ يقولون لنا: إنكم تقولون: إن ربكم رحيم حكيم، وليس من الحكمة والرحمة أن يأمر أحداً بذبح آخر ويقتله؛ فيأكلون الميتة ولا يرون أكل الذبيحة، ويقولون: ليس هذا أمرَ مَن كان موصوفاً بالرحمة أو بالحكمة.
[لكنا نقول: إن كراهة الذبح والنفور عنه نفور طبع وكراهته كراهة طبع لا كراهة العقل.
فما يكرهه الطبع وينفر عنه يجوز أن يباح لما يعقب نفعاً في المتعقب نحو ما يباح الافتصاد والحجامة والتداوي بأدوية كريهة لنفع يعقب ويتأمل، وإن كان الطبع يكرهه وينفر عنه وليس هو مما يقبحه العقل إنما لا يجوز أن يباح بفعل ويؤمر به مما يقبحه العقل ويكرهه.
وأما كراهة الطبع ونفوره فإنه يجوز أن يباح لما ذكرنا ويرتفع ذلك بالعادة؛ فعلى ذلك الذبح كراهته كراهة الطبع لا كراهة العقل ونفوره].
والثاني: أن هذه الأشياء كلها إنما خلقت لنا وسخرت لمنافعنا لم تخلق لأنفسها، فإذا كان كذلك يحل لنا ذبحها والتناول منها بأمر الذي أنشأها لنا وسخرها لنا.
وبعد، فإن [من] مذهبهم أن العالم إنما كان بامتزاج النور والظلمة، والروحُ من النوراني والجسم من الظلماني ففي الذبح استخراج الروح ورده إلى أصله؛ إذ من قولهم: إنه يرجع كل إلى أصله في العاقبة، على ما كان في الأول.
[وأما الجواب عما] قاله أهل الشرك: "أكلتم ما ذبحتم أنتم وتركتم ذبيحة الله" فوجهان: أحدهما: ما قاله أهل التأويل: أن الخلق له وله الحكم عليهم؛ فأحل لهم هذا وحرم عليهم هذا.
والثاني: تعبدنا بذكر اسمه عليها؛ فصار [فيما ذكر] اسم الله إقامة عبادة تعبدنا بها، وفيما لم يذكر لم يكن عبادة؛ لذلك حل لنا ما كان في ذلك إقامة عبادة، ولم يحل لنا ما لم يكن فيها إقامة عبادة والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ هو في الظاهر أمر، لكن الأمر الذي يرجع إلى شهوات النفس ولذاتها فإنه يخرج على وجهين: إما أن يخرج على بيان ما يحل، أو النهي عما لا يحل؛ فهاهنا خرج على بيان ما يحل وتحريم ما لا يحل؛ كأنه قال: كلوا مما ذكر اسم الله عليه، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ .
هو صلة قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: ما لكم ألا تأكلوا وقد بيَّن لكم ما حرم عليكم من الميتة والدّم ولحم الخنزير.
﴿ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ [لأن أهل الشرك والزنادقة كانوا لا يرون أكل الذبيح، ويأكلون الميتة والدم فلهم خرج الخطاب ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ وقد بين لكم ما حرم عليكم، وهو الميتة والدم: ﴿ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ ].
قال الحسن: له أن يتناول من الميتة حتى يشبع؛ لأنه أحل له التناول، وعلى قولنا: لا يحل له الشبع؛ لأنه إنما أحل عند الاضطرار [وهو غير مضطر إلى] الشبع.
ويقول الحسن: لو ترك التناول منها حتى هلك لا شيء عليه؛ يقول: لأنه إنما أحلت له رخصة ورحمة، وليس على من لم يعلم بالرخص إثم، ولكن عندنا أنها أبيحت في حال الاضطرار؛ فإذا ترك التناول منها حتى هلك صار ملقيا نفسه في التهلكة، وقد حرم الله علينا أن نهلك أنفسنا أو نلقيها في التهلكة بقوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ﴾ ، ولا فرق بين ترك التناول من الميتة - وقد أحل لنا التناول [منها - حتى مات وبين ترك التناول] من غيرها من الأطعمة المحللة، أو يأتي بأسباب إتلاف النفس؛ فهما سواء.
ويقول - أيضاً -: له أن يتناول عند الاضطرار من مال غيره بلا بدل، وإذا نهى صاحبه عن ذلك يضمن بدل ذلك بالغاً ما بلغ فهذا بعيد.
لا يجوز أن يتناول من مال غيره ولا يلزمه البدل، وإذا نهاه عن ذلك يلزمه البدل؛ لأن من كان له حق التناول من مال آخر بغير بدل، ثم إذا نهى أو منع يلزمه البدل دل أنه ليس له التناول إلا ببدل، وقد ذكرنا هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ، دل هذا على أن الكل منهم لم يكونوا يضلون؛ ولكن البعض، هم الأئمة منهم والرؤساء؛ لأن الأتباع منهم كانوا لا يضلون الناس؛ إنما كانوا يضلون الكبراء منهم والعظماء، ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ .
وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾ .
اختلف فيه: فقيل: وذروا [ظاهر] الإثم بظاهر الجوارح وباطنها، ظاهر الجوارح من نحو: اليد، والرجل، واللسان، والعين.
وباطن الجوارح: القلوب، والضمائر.
وقيل: ذروا الإثم في ملأ من الخلق، وفي الخلاء منهم.
وقيل: ظاهر الإثم: ما ذكرنا، وباطنه: الزنا.
قال أبو بكر الكيساني: الزنا [هاهنا لا يحتمل]؛ لأنه الآية في ذكر [ما يحل من الأطعمة وما لا يحل، ولكن يجوز أن ابتدأ النهي عن الزنا، وإن كان أول الآية في ذكر الأطعمة]؛ ويصير قوله: ﴿ وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾ كأنه قال: وذروا المآثم [كلها] ما ظهر منها وما بطن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ ﴾ .
لا يتركون وما عملوا؛ ولكن [يجزون] جزاء ما عملوا من الإثم، وهو وعيد [لمن]، ﴿ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ ﴾ ويصرّون عليه ولا يتوبون ولا ينقلعون عنه [حتى ماتوا على ذلك بما ذكر.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ .
قال بعضهم: هو الميتة]، وهو قول ابن عباس، .
وقال بعضهم: ما أهل به لغير الله.
وقلنا نحن: هو ما لم يذكر اسم الله عليه؛ لأن الله قد صرح بتحريم الميتة بقوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ ﴾ .
[و] صرح بتحريم ما أهل لغير الله به بقوله: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ﴾ : [فإذا كان الميتة، وما أهل لغير الله به] تصريح [وتحريم] في غير هذا الموضع؛ رجع هذا الخطاب إلى تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه وكذلك صرح بتحريم الميتة وما أهل لغير الله به بقوله: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً...
﴾ الآية [الأنعام: 145]؛ فقوله - -: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ﴾ كان لا يجد في ذلك الوقت ثم وجد ما لم يذكر اسم الله عليه محرماً في حادث الوقت، وكذلك وجد كلَّ ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير محرماً في حادث الأوقات، كان لا يجد في [ذلك الوقت] محرماً إلا ما ذكر، ثم وجد أشياء محرمة من بعد.
وقال بعضهم من أهل التأويل قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ : حين قالوا: ما قتلتم وذبحتم أنتم فتأكلونه، وما قتل ربكم فتحرمونه، وأنتم تعظمون ربكم؟!
وهو من زخرف القول الذي يوحي بعضهم إلى بعض ما ذكر ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ﴾ .
لكنا نقول إن ما ذبح وقتل [هو ذبيح بالله] وقتيل به أيضاً؛ فقد أذن لنا بأكل بعض الذبيح وحرم أكل بعض، ولله أن يفعل ذلك، له أن يأذن في أكل بعض وتحريم أكل بعض، على ما أذن لنا في أكل بعض ما خلق الله من الأنعام ولم يأذن في أكل بعض؛ فعلى ذلك قد أذن في أكل بعض ما ذبح به وقتل ولم يأذن في بعض، وهو كله ذبيح بالله وقتيل به، وله ذلك.
والثاني: أن الخلق كله له ملكه، ولا يقال لأحد في ملكه: لم فعلت ذا؟
ولم تفعل ذا؟
إنما يقال ذلك في غير ملكه: كشريك يقول لشريكه: لم تعطني حقي، ولم توفر على نصيبي، فأما أن يقول في ذي ملك في ملكه فلا.
والثالث: ما ذكرنا: أنه تعبدنا بذكر اسم الله عليه [فكان في ذكر اسم الله عليه] إقامة عبادة؛ لذلك لم يجز هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ ، أخبر أنه ما لم يذكر اسم الله عليه فسق، كما أخبر أن التناول من الميتة وما أهل لغير الله به فسق، والفسق: هو الخروج عن أمر الله، والذي ترك ذكر اسم الله عليه: خارج عن أمر الله - - كالميتة التي ذكرنا، فإن قال قائل: إن قول الله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ؛ فكيف يجوز لكم أن تطلقوا أكل الذبيحة إذا ترك اسم الله ناسياً؟!
[قيل الخطاب بهذا لم يرجع إلى الذبيحة التي ترك ذكر اسم الله عليها ناسياً] لأن الذبائح إنما هي من عمل القصّابين والصبيان؛ فهم لم يعودوا أنفسهم ذكر اسم الله حتى يؤاخذوا بها على حفظ ذلك.
وهذا أصلنا: أن من لم يعود نفسه فعلاً يعذر في تركه وارتكابه في حال السهو والنسيان؟!
كالأكل في شهر رمضان ناسياً؛ لأنه عود نفسه الأكل والشرب، والصوم هو الكف عما اعتاد؛ فعذر في التناول منه والعود إلى العادة على السهو؛ لأنه يشتد على الناس حفظ النفس على خلاف العادة؛ ولأن الله - - قال: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ ، ولا خلاف في أن من نسي أن يسمي الله على ذبيحة - فليس بفاسق؛ وإنما يفسق من تركها عامداً؛ فدل أن الخطاب بالآية رجع إلى الذبيحة التي تركت التسمية [عليها] عمداً.
فإن قيل: ليس يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ : يريد به أن الذي يأكل منها إذا لم يسم الله عليها عامداً أو ساهياً - فاسق، وإن كان هذا هو التأويل؛ فالآية على الأكل، [الدليل] على [أن] قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ \[إشارة إلى الذبيح الذي ترك ذكر اسم الله عليه عمداً، دون أن يكون ذلك\] إشارة إلى أن الأكل من تلك الذبيحة فسق - قول الله - - ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ﴾ : فكان الإهلال بالذبيحة لغير الله فسقاً لمن فعله؛ فوجب أن يكون ترك اسم الله على الذبيحة فسقاً ممن تعمده، وذلك يوجب أن يكون قول الله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ خاصّاً في المتعمد لترك التسمية.
فإن قيل: كيف لم تجعلوا تارك التسمية ناسياً كتاركها عمداً؛ كما قلتم في التكبيرة الأولى في الصلاة: إن عمده وسهوه سواء؟
قيل: من قبيل أن الذبيحة إذا تعمد صاحبها ترك التسمية عليها إنما حرمت بنص القرآن؛ لأنه فسق فقلنا: متى زال الفسق عن الذابح زال التحريم عن الذبيحة؛ لأن التحريم إذا وقع لعلة، فزالت العلة - زال التحريم، ولم نقل: إن صلاة التارك للتكبيرة الأولى فسدت صلاته؛ لأنه فسق بتركه التكبيرة عمداً؛ فيلزمنا أن نفرق بين سهوها وعمدها؛ بل فسدت صلاته لأنه صلى بغير تكبير؛ فالتارك للتكبير عامداً أو ساهياً: تارك؛ فهما سواء، وروي في الخبر ما يؤيد ما قلنا: روي عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله : "ذبيحةُ المسلم حلالٌ سمى أو لم يسم ما لم يتعمد" وعن ابن عباس - - في رجل ذبح ونسي أن يذكر اسم الله، قال: "اسم الله في قلب كل مسلم؛ فليأكل" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ﴾ .
أهل التأويل صرفوا تأويل هذا إلى أن زخرف القول الذي يوحي بعضهم [إلى بعض] في الآية الأولى هو مجادلتهم في الذبيحة؛ حيث قالوا: ما قتلتم بأيديكم فتأكلونه، وما قتل الله فلا تأكلونه؟!
يعنون: فتلك مجادلتهم إياهم، ولكن يجادلون في هذا [في] وحدانية الله - - وفي إثبات الرسالة، والبعث بعد الموت، وفي كل شيء؛ حيث قالوا: ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ \[المؤمنون: 82\]: فأخبر أنهم لو أطاعوهم إنهم لمشركون أي: لو أطعتموهم فيما يجادلونكم ويوحون إليكم ﴿ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
فكلوا -أيها الناس- مما ذُكِر اسم الله عليه عند الذبح، إن كنتم مؤمنين حقًّا ببراهينه الواضحة.
من فوائد الآيات الهدف الأعظم للعبد اتباع الحق، ويطلبه بالطرق التي بينها الله، ويعمل بذلك، ويرجو عون ربه في اتباعه، ولا يتكل على نفسه وحوله وقوته.
من إنصاف القرآن للقلة المؤمنة العالمة إسناده الجهل والضلال إلى أكثر الخلق.
من سنّته تعالى في الخلق ظهور أعداء من الإنس والجنّ للأنبياء وأتباعهم؛ لأنّ الحقّ يعرف بضدّه من الباطل.
القرآن صادق في أخباره، عادل في أحكامه، يُعْثَر في أخباره على ما يخالف الواقع، ولا في أحكامه على ما يخالف الحق.
<div class="verse-tafsir" id="91.0vROy"