الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١١٩ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 90 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٩ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
فقال : ( وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) أي : قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه .
وقرأ بعضهم : ( فصل ) بالتشديد ، وقرأ آخرون بالتخفيف ، والكل بمعنى البيان والوضوح .
( إلا ما اضطررتم إليه ) أي : إلا في حال الاضطرار ، فإنه يباح لكم ما وجدتم .
ثم بين تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة ، من استحلالهم الميتات ، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى : فقال ( وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ) أي : هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم .
القول في تأويل قوله : وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ قال أبو جعفر: اختلف أهل العلم بكلام العرب في تأويل قوله: (وما لكم أن لا تأكلوا).
فقال بعض نحويي البصريين: معنى ذلك: وأي شيء لكم في أن لا تأكلوا.
قال: وذلك نظير قوله: وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ ، [سورة البقرة: 246].
يقول: أيّ شيء لنا في ترك القتال؟
قال: ولو كانت " لا "، زائدة لا يقع الفعل.
(1) ولو كانت في معنى: " وما لنا وكذا ", لكانت: وما لنا وأن لا نقاتل .
* * * وقال غيره: إنما دخلت " لا " للمنع, لأن تأويل " ما لك ", و " ما منعك " واحد." ما منعك لا تفعل ذلك ", و " ما لك لا تفعل "، واحد.
فلذلك دخلت " لا " .
قال: وهذا الموضع تكون فيه " لا "، وتكون فيه " أنْ"، مثل قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ، [سورة النساء: 176]، و " أن لا تضلوا "، يمنعكم من الضلال بالبيان .
(2) * * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: معنى قوله: (وما لكم)، في هذا الموضع: وأيُّ شيء يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه؟
وذلك أنّ الله تعالى ذكره تقدّم إلى المؤمنين بتحليل ما ذكر اسم الله عليه، وإباحة أكل ما ذبح بدينه أو دين من كان يدين ببعض شرائع كتبه المعروفة, وتحريم ما أهلّ به لغيره، من الحيوان= وزجرهم عن الإصغاء لما يوحي الشياطين بعضهم إلى بعض من زخرف القول في الميتة والمنخنقة والمتردية, وسائر ما حرم الله من المطاعم .
ثم قال: وما يمنعكم من أكل ما ذبح بديني الذي ارتضيته, وقد فصّلت لكم الحلال من الحرام فيما تطعمون, وبينته لكم بقولي: (3) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْـزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ، إلى قوله: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ، [سورة المائدة: 3]، فلا لبس عليكم في حرام ذلك من حلاله, فتتمنعوا من أكل حلاله حذرًا من مواقعة حرامه .
فإذ كان ذلك معناه، فلا وجه لقول متأوِّلي ذلك: " وأي شيء لكم في أن لا تأكلوا "، لأن ذلك إنما يقال كذلك، لمن كان كفَّ عن أكله رجاء ثواب بالكفّ عن أكله, وذلك يكون ممن آمن بالكفّ فكف اتّباعًا لأمر الله وتسليمًا لحكمه.
ولا نعلم أحدًا من سلف هذه الأمة كفَّ عن أكل ما أحل الله من الذبائح رجاء ثواب الله على تركه ذلك, واعتقادًا منه أن الله حرَّمه عليه .
فبيّنٌ بذلك، إذ كان الأمر كما وصفنا، أن أولى التأويلين في ذلك بالصواب ما قلنا .
* * * وقد بينا فيما مضى قبل أن معنى قوله: " فصَّل ", و " فَصَّلْنَا " و " فُصِّل " بيَّن, أو بُيِّن, بما يغني عن إعادته في هذا الموضع (4) كما:- 13791- حدثني محمد بن عبد الأعلى, قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم)، يقول: قد بين لكم ما حرم عليكم .
13792- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب, عن ابن زيد, مثله .
* * * واختلفت القرأة في قول الله جل ثناؤه: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم).
فقرأه بعضهم بفتح أول الحرفين من " فَصَّلَ" و " حَرَّم "، أي: فصّل ما حرّمه من مطاعمكم, فبيَّنه لكم .
* * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: (وَقَدْ فَصَّلَ) بفتح فاء " فصل " وتشديد صاده," مَا حُرِّمَ"، بضم حائه وتشديد رائه, بمعنى: وقد فصل الله لكم المحرَّم عليكم من مطاعمكم .
* * * وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين: " وَقَدْ فُصِّلَ لَكَمْ"، بضم فائه وتشديد صاده،" مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"، بضم حائه وتشديد رائه, على وجه ما لم يسمَّ فاعله في الحرفين كليهما .
* * * وروي عن عطية العوفي أنه كان يقرأ ذلك: " وَقَدْ فَصَلَ"، بتخفيف الصاد وفتح الفاء, بمعنى: وقد أتاكم حكم الله فيما حَرَّم عليكم .
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن كل هذه القراءات الثلاث التي ذكرناها، سوى القراءة التي ذكرنا عن عطية، قراءات معروفات مستفيضةٌ القراءةُ بها في قرأة الأمصار, وهن متّفقات المعاني غير مختلفات, فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ فيه الصوابَ .
* * * وأما قوله: (إلا ما اضطررتم إليه)، فإنه يعني تعالى ذكره: أن ما أضطررنا إليه من المطاعم المحرّمة التي بيَّن تحريمها لنا في غير حال الضرورة، لنا حلال ما كنا إليه مضطرين, حتى تزول الضرورة .
(5) كما:- 13793- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (إلا ما اضطررتم إليه)، من الميتة .
* * * القول في تأويل قوله : وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإن كثيرًا من الناس [الذين] (6) يجادلونكم في أكل ما حرم الله عليكم، أيها المؤمنون بالله، من الميتة، ليُضلون أتباعهم بأهوائهم من غير علم منهم بصحة ما يقولون, ولا برهان عندهم بما فيه يجادلون, إلا ركوبًا منهم لأهوائهم, واتباعًا منهم لدواعي نفوسهم, اعتداءً وخلافًا لأمر الله ونهيه, وطاعة للشياطين (7) =(إن ربك هو أعلم بالمعتدين)، يقول: إن ربك، يا محمد، الذي أحلَّ لك ما أحلَّ وحرَّم عليك ما حرم, هو أعلم بمن اعتدى حدوده فتجاوزها إلى خلافها, وهو لهم بالمرصاد .
(8) * * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: (ليضلون).
فقرأته عامة أهل الكوفة: (لَيُضِلُّونَ)، بمعنى: أنهم يضلون غيرهم .
* * * وقرأ ذلك بعض البصريين والحجازيين: " لَيَضِلُّونَ"، بمعنى: أنهم هم الذين يضلون عن الحق فيجورون عنه .
* * * قال أبو جعفر: وأَولى القراءتين بالصواب في ذلك, قراءةُ من قرأ: ( وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ )، بمعنى: أنهم يضلون غيرهم.
وذلك أن الله جل ثناؤه أخبرَ نبيه صلى الله عليه وسلم عن إضلالهم من تبعهم، ونهاه عن طاعتهم واتباعهم إلى ما يدعونه إليه, فقال: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، ثم أخبر أصحابه عنهم بمثل الذي أخبره عنهم, ونهاهم من قبول قولهم عن مثل الذي نهاه عنه, فقال لهم: وإن كثيرًا منهم ليضلونكم بأهوائهم بغير علم= نظيرَ الذي قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ .
-------------- الهوامش : (1) قوله : (( لا يقع الفعل )) ، أي لا يتعدى ، (( الوقوع )) ، التعدي .
(2) استوفى أبو جعفر بحث هذا فيما سلف 5 : 300 - 305 ، والفراء في معاني القرآن 1 : 163 - 166 ، ولم يشر إلى ذلك أبو جعفر كعادته فيما سلف .
(3) في المطبوعة : (( بقوله )) ، وفي المخطوطة : (( بقول )) ، وصواب قراءتها ما أثبت .
(4) انظر تفسير (( التفصيل )) فيما سلف ص : 60 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك ، وانظر فهارس اللغة ( فصل ) .
(5) انظر تفسير (( اضطر )) فيما سلف 3 : 56 ، 322 / 9 : 532 .
(6) الزيادة بين القوسين ، يقتضيها السياق .
(7) انظر تفسير (( الأهواء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هوى ) = = وتفسير (( الضلال )) في فهارس اللغة (ضلل ) .
(8) انظر تفسير (( الاعتداء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( عدا ) .
قوله تعالى : وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين .قوله تعالى : وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه المعنى ما المانع لكم من أكل ما سميتم عليه ربكم وإن قتلتموه بأيديكم .وقد فصل لكم ما حرم عليكم أي بين لكم الحلال من الحرام ، وأزيل عنكم اللبس والشك .
ف " ما " استفهام يتضمن التقرير .
وتقدير الكلام : وأي شيء لكم في ألا تأكلوا .
ف " أن " في موضع خفض بتقدير حرف الجر .
ويصح أن تكون في موضع نصب على ألا يقدر حرف جر ، ويكون الناصب معنى الفعل الذي في قوله ما لكم تقديره أي ما يمنعكم .
ثم استثنى فقال إلا ما اضطررتم إليه يريد من جميع ما حرم كالميتة وغيرها كما تقدم في " البقرة " وهو استثناء منقطع .
وقرأ نافع ويعقوب وقد فصل لكم ما حرم بفتح الفعلين .
وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير بالضم فيهما ، والكوفيون " فصل " بالفتح " حرم " بالضم .
وقرأ عطية العوفي " فصل " بالتخفيف .
ومعناه أبان وظهر ; كما قرئ [ ص: 67 ] الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت أي استبانت .
واختار أبو عبيدة قراءة أهل المدينة .
وقيل : فصل أي بين ، وهو ما ذكره في سورة " المائدة " من قوله : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير الآية .
قلت : هذا فيه نظر ; فإن " الأنعام " مكية والمائدة مدنية فكيف يحيل بالبيان على ما لم ينزل بعد ، إلا أن يكون فصل بمعنى يفصل .
والله أعلم .وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين وقرأ الكوفيون " يضلون " من أضل .
يعني المشركين حيث قالوا : ما ذبح الله بسكينه خير مما ذبحتم بسكاكينكم بغير علم أي بغير علم يعلمونه في أمر الذبح ; إذ الحكمة فيه إخراج ما حرمه الله علينا من الدم بخلاف ما مات حتف أنفه ; ولذلك شرع الذكاة في محل مخصوص ليكون الذبح فيه سببا لجذب كل دم في الحيوان بخلاف غيره من الأعضاء .
والله أعلم .
وأنه، أي شيء يمنعهم من أكل ما ذكر اسم الله عليه، وقد فصل الله لعباده ما حرم عليهم، وبينه، ووضحه؟
فلم يبق فيه إشكال ولا شبهة، توجب أن يمتنع من أكل بعض الحلال، خوفا من الوقوع في الحرام، ودلت الآية الكريمة، على أن الأصل في الأشياء والأطعمة الإباحة، وأنه إذا لم يرد الشرع بتحريم شيء منها، فإنه باق على الإباحة، فما سكت الله عنه فهو حلال، لأن الحرام قد فصله الله، فما لم يفصله الله فليس بحرام.
ومع ذلك، فالحرام الذي قد فصله الله وأوضحه، قد أباحه عند الضرورة والمخمصة، كما قال تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ } إلى أن قال: { فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ثم حذر عن كثير من الناس، فقال: { وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ } أي: بمجرد ما تهوى أنفسهم { بِغَيْرِ عِلْمٍ } ولا حجة.
فليحذر العبد من أمثال هؤلاء، وعلامتُهم -كما وصفهم الله لعباده- أن دعوتهم غير مبنية على برهان، ولا لهم حجة شرعية، وإنما يوجد لهم شبه بحسب أهوائهم الفاسدة، وآرائهم القاصرة، فهؤلاء معتدون على شرع الله وعلى عباد الله، والله لا يحب المعتدين، بخلاف الهادين المهتدين، فإنهم يدعون إلى الحق والهدى، ويؤيدون دعوتهم بالحجج العقلية والنقلية، ولا يتبعون في دعوتهم إلا رضا ربهم والقرب منه.
ثم قال : ( وما لكم ) يعني : أي شيء لكم ، ( ألا تأكلوا ) وما يمنعكم من أن تأكلوا ( مما ذكر اسم الله عليه ) من الذبائح ، ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) قرأ أهل المدينة ويعقوب وحفص " فصل " و " حرم " بالفتح فيهما أي فصل الله ما حرمه عليكم ، لقوله ( اسم الله ) وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بضم الفاء والحاء وكسر الصاد والراء على غير تسمية الفاعل ، لقوله ( ذكر ) وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر " فصل " بالفتح و " حرم " بالضم ، وأراد بتفصيل المحرمات ما ذكر في قوله تعالى " حرمت عليكم الميتة والدم " ( المائدة ، 3 ) ، ( إلا ما اضطررتم إليه ) من هذه الأشياء فإنه حلال لكم عند الاضطرار ، ( وإن كثيرا ليضلون ) قرأ أهل الكوفة بضم الياء وكذلك قوله ( ليضلوا ) في سورة يونس ، لقوله تعالى : ( يضلوك عن سبيل الله ) ، وقيل : أراد به عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين الذين اتخذوا البحائر والسوائب ، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله : ( من يضل ( بأهوائهم بغير علم ) حين امتنعوا من أكل ما ذكر اسم الله عليه ودعوا إلى أكل الميتة ( إن ربك هو أعلم بالمعتدين ) الذين يجاوزون الحلال إلى الحرام .
«وما لكم أ» ن «لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه» من الذبائح «وقد فُصل» بالبناء للمفعول وللفاعل في الفعلين «لكم ما حُرِّمَ عليكم» في آية (حرمت عليكم الميتة) «إلا ما اضطُررتم إليه» منه فهو أيضا حلال لكم- المعنى لا مانع لكم من أكل ما ذكر وقد بين لكم المحرّم أكله، وهذا ليس منه - «وإن كثيرا لَيَضِلُّونَ» بفتح الياء وضمها «بأهوائهم» بما تهواه أنفسهم من تحليل الميتة وغيرها «بغير علم» يعتمدونه في ذلك «إن ربَّك هو أعلم بالمعتدين» المتجاوزين.
وأيُّ شيء يمنعكم أيها المسلمون من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وقد بيَّن الله سبحانه لكم جميع ما حرَّم عليكم؟
لكن ما دعت إليه الضرورة بسبب المجاعة، مما هو محرم عليكم كالميتة، فإنه مباح لكم.
وإنَّ كثيرًا من الضالين ليضلون عن سبيل الله أشياعهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال بأهوائهم؛ جهلا منهم.
إن ربك -أيها الرسول- هو أعلم بمن تجاوز حده في ذلك، وهو الذي يتولى حسابه وجزاءه.
ثم أنكر - سبحانه - عليهم ترددهم فى أكل ما أحله الله من طعام لأنهم لم يتعودوه قبل ذلك فقال : { وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } .أى : أى مانع يمنعكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ، وأى فائدة تعود عليكم من ذلك؟
فالاستفهام لإنكار أن يكون هناك شىء يدعوهم إلى اجتناب الأكل من الذبائح التى ذكر اسم الله عليها سواء أكانت تلك الذبائح من البحائر أو السوائب أو غيرها مما حرمه المشركون على أنفسهم بدون علم .وقوله { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } جملة حالية مؤكدة للإنكار السابق أى والحال أن الله - تعالى - قد فصل لكم على لسان رسلوكم صلى الله عليه وسلم ما حرمه عليكم من المطعومات ، وبين لكم ذلك فى كتابه كما فى قوله - تعالى - { قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }إذاًَ فمن الواجب عليكم أيها المسلمون أن تأكلوا وأنتم مطمئنون من جميع المطاعم التى أحلها الله لكم وذكر اسمه عليها ولو خالفتم فى ذلك المشركين وأن تتجنبوا أكل ما حرمه الله عليكم ولو كان مما يستبيحه المشركون .وقوله { إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ } استثناء مما حرم الله عليهم أكله .أى : إلا أن تدعوكم الضرورة إلى أكل شىء من هذه المحرمات بسبب شدة الجوع ففى هذه الحالة يباح لكم أن تأكلوا من هذه المحرمات ما يحفظ عليكم حياتكم .
هذا هو حكم الله الذى يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر فعليكم أن تتبعوه ، وألا تلقوا بالا إلى أوهام المتخرصين وأصحاب الظنون الباطلة .ثم نعى على المشركين جهالاتهم فقال { وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ } .قرأ الجمهور " يضلون " بضم الياء ، والمعنى عليه : وإن كثيراً من الكفار ليضلون غيرهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام بسبب أهوائهم الزائفة وشهواتهم الباطلة ، دون أن يكون عندهم أى علم مقتبس من وحى الله ومستنبط من عقل سليم .وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب " ليضلون " بفتح الياء ، والمعنى عليه : وإن كثيرا من الكفار لينحرفون عن الحق ويقعون فى الضلال بسبب اتباعهم لأهوائهم بغير علم ولا هدلا ولا كتاب منير .وقراءة الجمهور أبلغ فى الذم لأنها تتضمن قبح فعلهم حيث ضلوا فى أنفسهم وأضلوا غيرهم .وقوله : { بِغَيْرِ عِلْمٍ } متعلق بمحذوف وقع حالا أى : يضلون مصاحبين للجهل .وقوله { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بالمعتدين } أى : أعلم منك يا محمد ومن كل مخلوق بالمتجاوزين لحدود الحق إلى الباطل والحلال والحرام .ففى الجملة الكريمة التفات عن خطاب المؤمنين إلى خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم .قال الإمام الرازى : وقد دلت هذا الآية على أن القول فى الدين بمجرد التقليد حرام ، لأن القول بالتقليد قول بمحض الهوى الشهوة ، والآية دلت على أن ذلك حرام .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وحفص عن عاصم ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ بالفتح في الحرفين، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بالضم في الحرفين، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ فَصَّلَ ﴾ بالفتح ﴿ وَحَرَّمَ ﴾ بالضم، فمن قرأ بالفتح في الحرفين فقد احتج بوجهين: الأول: أنه تمسك في فتح قوله: ﴿ فَصَّلَ ﴾ بقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ وفي فتح قوله: ﴿ حَرَّمَ ﴾ بقوله: ﴿ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ﴾ .
والوجه الثاني: التمسك بقوله: ﴿ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ فيجب أن يكون الفعل مسنداً إلى الفاعل لتقدم ذكر اسم الله تعالى، وأما الذين قرؤا بالضم في الحرفين فحجتهم قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم ﴾ وقوله: ﴿ حرمات ﴾ تفصيل لما أجمل في هذه الآية، فلما وجب في التفصيل أن يقال: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ بفعل ما لم يسم فاعله وجب في الإجمال كذلك وهو قوله: ﴿ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ ولما ثبت وجوب ﴿ حَرَّمَ ﴾ بضم الحاء فكذلك يجب ﴿ فَصَّلَ ﴾ بضم الفاء لأن هذا المفصل هو ذلك المحرم المجمل بعينه.
وأيضاً فإنه تعالى قال: ﴿ وَهُوَ الذي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب مُفَصَّلاً ﴾ وقوله: ﴿ مُفَصَّلاً ﴾ يدل على فصل.
وأما من قرأ ﴿ فَصَّلَ ﴾ بالفتح وحرم بالضم فحجته في قوله: ﴿ فَصَّلَ ﴾ قوله: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الأيات ﴾ وفي قوله: ﴿ حَرَّمَ ﴾ قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ .
المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ أكثر المفسرين قالوا: المراد منه قوله تعالى في أول سورة المائدة: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير ﴾ وفيه إشكال: وهو أن سورة الأنعام مكية وسورة المائدة مدنية، وهي آخر ما أنزل الله بالمدينة.
وقوله: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ ﴾ يقتضي أن يكون ذلك المفصل مقدماً على هذا المجمل، والمدني متأخر عن المكي، والمتأخر يمتنع كونه متقدماً.
بل الأولى أن يقال المراد قوله بعد هذه الآية: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يطعمه ﴾ .
وهذه الآية وإن كانت مذكورة بعد هذه الآية بقليل إلا أن هذا القدر من التأخير لا يمنع أن يكون هو المراد والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ ﴾ أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة.
ثم قال: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ لَّيُضِلُّونَ ﴾ بفتح الياء وكذلك في يونس ﴿ رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ ﴾ وفي إبراهيم ﴿ لِيُضِلُّواْ ﴾ وفي الحج ﴿ ثَانِىَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ ﴾ وفي لقمان ﴿ لَهْوَ الحديث لِيُضِلَّ ﴾ وفي الزمر ﴿ أَندَاداً لّيُضِلَّ ﴾ وقرأ عاصم وحمزة والكسائي جميع ذلك بضم الياء.
وقرأ نافع وابن عامر هاهنا وفي يونس بفتح الياء، وفي سائر المواضع بالضم، فمن قرأ بالفتح أشار إلى كونه ضالاً، ومن قرأ بالضم أشار إلى كونه مضلاً.
قال: وهذا أقوى في الذم لأن كل مضل فإنه يجب كونه ضالاً، وقد يكون ضالاً ولا يكون مضلاً، فالمضل أكثر استحقاقاً للذم من الضال.
المسألة الثانية: المراد من قوله: ﴿ لَّيُضِلُّونَ ﴾ قيل إنه عمرو بن لحي، فمن دونه من المشركين.
لأنه أول من غير دين إسماعيل واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة.
وقوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يريد أن عمرو بن لحي أقدم على هذه المذاهب عن الجهالة الصرفة والضلالة المحضة.
وقال الزجاج: المراد منه الذين يحللون الميتة ويناظرونكم في إحلالها، ويحتجون عليها بقولهم لما حل ما تذبحونه أنتم فبأن يحل ما يذبحه الله أولى.
وكذلك كل ما يضلون فيه من عبادة الأوثان والطعن في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام فإنما يتبعون فيه الهوى والشهوة، ولا بصيرة عندهم ولا علم.
المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد حرام، لأن القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة، والآية دلت على أن ذلك حرام.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بالمعتدين ﴾ والمراد منه أنه هو العالم بما في قلوبهم وضمائرهم من التعدي وطلب نصرة الباطل والسعي في إخفاء الحق، وإذا كان عالماً بأحوالهم وكان قادراً على مجازاتهم فهو تعالى يجازيهم عليها، والمقصود من هذه الكلمة التهديد والتخويف.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقرئ: ﴿ من يضل ﴾ بضم الياء أي يضله الله ﴿ فَكُلُواْ ﴾ مسبب عن إنكار اتباع المضلين، الذي يحلون الحرام ويحرّمون الحلال.
وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله أحقّ أن تأكلوا مما قتلتم أنتم، فقيل للمسلمين: إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا ﴿ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ ﴾ خاصة دون ما ذكر عليه اسم غيره من آلهتهم أو مات حتف أنفه، وما ذكر اسم الله عليه هو المذكى ببسم الله ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ ﴾ وأي غرض لكم في أن لا تأكلوا ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم ﴾ وقد بين لكم ما حرّم عليكم مما لم يحرّم وهو قوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ [المائدة: 3] وقرئ: ﴿ فصل لكم ما حرّم عليكم ﴾ على تسمية الفاعل، وهو الله عزّ وجلّ ﴿ إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ ﴾ مما حرّم عليكم فإنه حلال لكم في حال الضرورة ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ ﴾ قرئ بفتح الياء وضمها، أي يضلون فيحرّمون ويحللون ﴿ بِأَهْوَآئِهِم ﴾ وشهواتهم من غير تعلق بشريعة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ إنْكارِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ الحَلالَ ويُحَلِّلُونَ الحَرامَ، والمَعْنى كُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلى ذَبْحِهِ لا مِمّا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ فَإنَّ الإيمانَ بِها يَقْتَضِي اسْتِباحَةَ ما أحَلَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى واجْتِنابَ ما حَرَّمَهُ.
﴿ وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ وأيُّ غَرَضٍ لَكم في أنْ تَتَحَرَّجُوا عَنْ أكْلِهِ وما يَمْنَعُكم عَنْهُ.
﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ مِمّا لَمْ يُحَرِّمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ فُصِّلَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ونافِعٌ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ حَرَّمَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.
﴿ إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ ﴾ مِمّا حَرَّمَ عَلَيْكم فَإنَّهُ أيْضًا حَلالٌ حالَ الضَّرُورَةِ.
﴿ وَإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ ﴾ بِتَحْلِيلِ الحَرامِ وتَحْرِيمِ الحَلالِ.
قَرَأ الكُوفِيُّونَ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِالفَتْحِ.
﴿ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ بِتَشْبِيهِهِمْ مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِدَلِيلٍ يُفِيدُ العِلْمَ.
﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ ﴾ بِالمُجاوِزِينَ الحَقَّ إلى الباطِلِ والحَلالَ إلى الحَرامِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ} ما استفهام في موضع رفع بالابتداء ولكم الخبر أي وأي غرض لكم في أن لا تأكلوا {مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم} بين لكم {مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} مما لم يحرم بقوله {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة} فصل وحرم كوفي غير حفص وبفتحهما مدني وحفص وبضمهما غيرهم {إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ} مما حرم عليكم فإنه حلال لكم في حال الضرورة أى شدة المجاعة إلى أكله
الأنعام (١١٩ _ ١٢٣)
{وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ} ليضلون كوفي {بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي يضلون فيحرمون ويحللون بأهوائهم وشهواتهم من غير تعلق بشريعة {إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بالمعتدين} بالمتجاوزين من الحق إلى الباطل
﴿ وما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يَدْعُوهم إلى الِاجْتِنابِ عَنْ أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ فَما لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ ولَيْسَتْ نافِيَةً كَما قِيلَ وهي مُبْتَدَأٌ ( ولَكُمُ ) الخَبَرُ وأنْ تَأْكُلُوا بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ أنْ تَأْكُلُوا والخِلافُ في مَحَلِّ المُنْسَبِكِ بَعْدَ الحَذْفِ مَشْهُورٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حالًا ورُدَّ بِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ مِن أنْ والفِعْلِ لا يَقَعُ حالًا كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ ولِأنَّهُ مُصَدَّرٌ بِعَلامَةِ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ المُنافِيَةِ لِلْحالِيَّةِ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِنَكِرَةٍ أوْ يُقَدَّرَ مُضافٌ أيْ ذَوى أنْ لا تَأْكُلُوا ومَفْعُولُ تَأْكُلُوا كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مَحْذُوفٌ أيْ شَيْئًا مِمّا ..
إلَخْ.
قِيلَ: وظاهِرُ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ يَجُوزُ الأكْلُ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وغَيْرُهُ مَعًا ولَيْسَتْ مِنِ التَّبْعِيضِيَّةَ لِإخْراجِهِ بَلْ لِإخْراجِ ما لَمْ يُؤْكَلْ كالرَّوْثِ والدَّمِ وهو خارِجٌ بِالحَصْرِ السّابِقِ فَلا تَغْفُلْ وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما قالَهُ الإمامُ أبُو مَنصُورٍ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن أكْلِ الطَّيِّباتِ تَقَشُّفًا وتَزَهُّدًا فَنَزَلَتْ ﴿ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا ﴾ الآيَةَ فَبَقِيَ ما عَدا ذَلِكَ عَلى الحِلِّ وقِيلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ﴾ واعْتَرَضَهُ الإمامُ بِأنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مِن أواخِرِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ كَما عَلِمْتَ فَلا يَتَأتّى ذَلِكَ وأمّا التَّأخُّرُ في التِّلاوَةِ فَلا يُوجِبُ التَّأخُّرَ في النُّزُولِ فَلا يَضُرُّ تَأخُّرُ ﴿ قُلْ لا أجِدُ ﴾ ..
إلَخْ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وقِيلَ: التَّفْصِيلُ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ السّابِقِ.
وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ ( فَصَّلَ ما حُرِّمَ ) بِبِناءِ الأوَّلِ لِلْفاعِلِ والثّانِي لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ ( فَصَّلَ وحَرَّمَ ) كِلَيْهِما بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأهُما الباقُونَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿ إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ ﴾ أيْ دَعَتْكُمُ الضَّرُورَةُ إلى أكْلِهِ بِسَبَبِ شِدَّةِ المَجاعَةِ وظاهِرُ تَقْرِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي يَقْتَضِي أنَّ ما مَوْصُولَةٌ فَلا يَسْتَقِيمُ غَيْرُ جَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا أيْ لَكِنَّ الَّذِي اضْطُرِرْتُمْ إلى أكْلِهِ مِمّا هو حَرامٌ عَلَيْكم حَلالٌ لَكم حالَ الضَّرُورَةِ وجُوِّزَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ جَعْلُهُ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ ( حَرَّمَ ) وما مَصْدَرِيَّةٌ في مَعْنى المُدَّةِ أيْ فَصَّلَ لَكُمُ الأشْياءَ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْكم إلّا وقْتَ الِاضْطِرارِ إلَيْها واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ حِينَئِذٍ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ بَلْ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الظَّرْفِ العامِّ المُقَدَّرِ كَأنَّهُ قِيلَ: حُرِّمَتْ عَلَيْكم كُلَّ وقْتٍ إلّا وقْتَ ..
إلَخْ.
ومِنَ النّاسِ مَن أوْرَدَ هُنا شَيْئًا لا أظُنُّهُ مِمّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ حَيْثُ قالَ بَعْدَ كَلامٍ: والمُهِمُّ في هَذا المَقامِ بَيانُ فائِدَةِ ﴿ إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ ﴾ وكَأنَّ الفائِدَةَ فِيهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنِ الِامْتِناعِ عَنِ الأكْلِ بِأنَّ ما حَرُمَ يَصِيرُ مِمّا لا يُؤْكَلُ بِخِلافِ ما حَلَّ فَإنَّهُ لا يَصِيرُ مِمّا لا يُؤْكَلُ فَكَيْفَ يُجْتَنَبُ عَمّا يُؤْكَلُ فَتَأمَّلَ ﴿ وإنَّ كَثِيرًا ﴾ مِنَ الكُفّارِ ﴿ لَيُضِلُّونَ ﴾ النّاسَ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ وتَحْلِيلِ الحَرامِ كَعَمْرِو بْنِ لِحَيٍّ وأضْرابِهِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا البَحائِرَ والسَّوائِبَ وأحَلُّوا أكْلَ المَيْتَةِ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المُرادَ بِهَذا الكَثِيرِ الَّذِينَ ناظَرُوا في المَيْتَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ﴿ لَيُضِلُّونَ ﴾ بِفَتْحِ الياءِ ﴿ بِأهْوائِهِمْ ﴾ الزّائِغَةِ وشَهَواتِهِمُ الباطِلَةِ ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ مُقْتَبَسٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ مُسْتَنِدٍ إلى الوَحْيِ أوْ بِغَيْرِ عَلَمٍ أصْلًا كَما قِيلَ وذُكِرَ ذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ مَحْضُ هَوًى وشَهْوَةٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ .
﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ ﴾ (119) المُتَجاوِزِينَ الحَقَّ إلى الباطِلِ والحَلالَ إلى الحَرامِ فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِمْ هَذا الكَثِيرُ ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِوَسْمِهِمْ بِصِفَةِ الِاعْتِداءِ.
<div class="verse-tafsir"
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ من الذبائح إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ يعني: مصدقين.
فقد بيّن الله تعالى أنه لا يجوز أكل الميتة وإنما يحل أكله إذا ذُبح وذكر اسم الله عليه.
ثم قال: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مما ذبح وذكر اسم الله عليه وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ يعني: بيّن لكم تحريمه في سورة المائدة وغيره من مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ يعني: الميتة وغيرها إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ يقول: ما اجتهدتم إلى أكل الميتة عند الجوع.
قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو فَصَّلَ لَكُمْ بضم الفاء مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ بضم الحاء على معنى فعل ما لم يسم فاعله وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وَقَدْ فَصَّلَ بالنصب وَمَا حَرَّمَ بالضم وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص كلاهما بالنصب يعني: بيَّن الله لكم ما حرم عليكم.
ثم قال: وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ يقول: يدعون إلى أكل الميتة بغير علم إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ من الحلال إلى الحرام.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ...
الآية: المعنى: فامض، يا محمَّد لما أُمِرْتَ به، وبلِّغ ما أُرْسِلْتَ به، فإنك إنْ تطع أكثر من في الأرض يضلُّوك، قال ابنُ عباس «١» : الأرض هنا: الدنيا، وحُكِي أنَّ سبب هذه الآية أنَّ المشركين جادلوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أمر الذبائحِ، وقالوا: أتأكُلُ ما تقتُلُ، وتترُكُ ما قَتَلَ اللَّه، فنزلَتِ الآية، ثم وصفهم تعالى بأنهم إنما يقتدون بظنونهم ويتَّبعون تخرُّصهم، والخَرْصُ: الحَرْز والظنُّ، وهذه الآية/ خبر في ضمْنه وعيدٌ للضالِّين، ووعدٌ للمهتدين، وقوله سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ...
الآية: القصْد بهذه الآية النهْيُ عما ذبح للنُّصُب وغيرها، وعن الميتة وأنواعها، ولا قصد في الآية إلى ما نَسِيَ المؤمن فيه التسميَة أو تعمّدها بالترك.
وقوله سبحانه: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا ...
الآية: «ما» : استفهام يتضمَّن التقريرَ، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، أي: فصَّل الحرامَ من الحلالِ، وانتزعه بالبيانِ، و «ما» في قوله: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ، يريد بها: مِنْ جميع ما حَرَّم كالميتة وغيرها، وهي في موضع نَصْب بالاستثناء، والاستثناءُ منقطعٌ.
وقوله سبحانه: وَإِنَّ كَثِيراً يريد الكفرة المحادِّين المجادلين، ثم توعَّدهم سبحانه بقوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ.
وقوله جلَّت عظمته: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ- نهْيٌ عامٌّ، والظاهرُ والباطنُ:
يستوفيان جميع المعاصي، وقال قوم: الظاهر: الأعمالُ، والباطنُ: المعتَقَد، وهذا أيضاً حسن لأنه عامٌّ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي أُمَامة، قال: سأل رجل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: مَا الإثْمُ؟
قَالَ: «مَا حَكَّ فِي صَدْرِكَ، فَدَعْهُ» «٢» ، وروى ابن المبارك أيضاً بسنده أنَّ رجلاً قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَحِلُّ لِي مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيَّ؟
فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم
فَرَدَّ عَلَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَسْكُتُ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ» فَقَالَ: أَنَا ذَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَا أَنْكَرَ قَلْبُكَ، فَدَعْهُ» «١» .
انتهى، وقد ذكرنا معناه مِنْ طرُقٍ في غير هذا الموضعِ، فأغنى عن إعادته.
ثم توعَّد تعالى كَسَبَةَ الإثمِ بالمجازاةِ على ما اكتسبوه من ذلك، والاقتراف:
الاكتساب.
وقوله سبحانه: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ...
الآية:
مقصد الآية النهْيُ عن الميتة إذ هي جواب لقول المشركين: تَتْرُكُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ، ومع ذلك، فلفظها يعمُّ ما تُرِكَتِ التسميةُ عليه من ذبائِحِ الإسلام «٢» ، وبهذا العمومِ تعلَّق ابن عمر وابنُ سيرينَ والشَّعْبِيُّ وغيرهم فقالوا: ما تُرِكَتِ التسميةُ علَيْه، لم يؤكَلْ، عمدا كان أو نسيانا «٣» ، وجمهورُ العلماء على أنه يؤكل إن كان تركُها نسياناً بخلاف العَمْدِ، وقيل:
يؤكل، سواءٌ تركَتْ عمداً أو نسياناً، إلا أنْ يكون مستخِفًّا.
وقوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ ...
الآية: قال عكرمة: هم مردة الإنس من مجوس
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ يَقَعُ لَكم في أنْ لا تَأْكُلُوا؟
ومَوْضِعُ "أنْ" نُصِبَ لِأنَّ "فِي" سَقَطَتْ، فَوُصِلَ المَعْنى إلى "أنْ" فَنَصَبَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ" مَرْفُوعَتانِ؛ وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وَيَعْقُوبُ، والقَزّازُ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: "فَصَّلَ" بِفَتْحِ الفاءِ، ما حَرَّمَ بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "فَصَّلَ" بِفَتْحِ الفاءِ، ﴿ ما حَرَّمَ ﴾ بِضَمِّ الحاءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: فَصَّلَ لَكُمُ الحَلّالَ مِنَ الحَرامِ، وأحَلَّ لَكم في الِاضْطِرارِ ما حَرَّمَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم، يَعْنِي: ما بَيَّنَ في [المائِدَةِ] مِنَ المَيْتَةِ، والدَّمِ، إلى آَخَرِ الآَيَةِ.
﴿ وَإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي العَرَبِ يَضِلُّونَ في أمْرِ الذَّبائِحِ وغَيْرِهِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " لَيَضِلُّونِ "، وفي [يُونُسَ: ٨٨]: ﴿ رَبَّنا لِيُضِلُّوا ﴾ وفي [إبْراهِيمَ: ٣٠]: ﴿ أنْدادًا لِيُضِلُّوا ﴾ وفي [الحَجِّ: ٩]: ﴿ ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ ﴾ ، وفي [لُقْمانَ: ٦]: ﴿ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ وفي [الزُّمَرِ:٨]: ﴿ أنْدادًا لِيُضِلَّ ﴾ بِفَتْحِ الياءِ في هَذِهِ المَواضِعِ السِّتَّةِ؛ وضَمَّهُنَّ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ " .
وُفي [يُونُسَ]: " لَيَضِلُّوا " بِالفَتْحِ؛ وضَمَّ الأرْبَعَةُ الباقِيَةُ.
فَمَن فَتَحَ، أرادَ: أنَّهم هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا؛ ومَن ضَمَّ، أرادَ: أنَّهم أضَلُّوا غَيْرَهم، وذَلِكَ أبْلَغُ في الضَّلالِ، لِأنَّ كُلَّ مُضِلٍّ ضالٌّ؟
ولَيْسَ كُلُّ ضالٍّ مُضِلًّا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ ﴾ اَلْقَصْدُ بِهَذِهِ الآيَةِ النَهْيُ عَمّا ذُبِحَ لِلنُّصُبِ وغَيْرِها؛ وعَنِ المَيْتَةِ وأنْواعِها؛ فَجاءَتِ العِبارَةُ أمْرًا بِما يُضادُّ ما قُصِدَ النَهْيُ عنهُ؛ ولا قَصْدَ في الآيَةِ إلى ما نَسِيَ فِيهِ المُؤْمِنَ التَسْمِيَةَ؛ أو تَعَمَّدَها بِالتَرْكِ؛ وقالَ عَطاءٌ: هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ تَعالى عَلى الشَرابِ؛ والطَعامِ؛ والذَبْحِ؛ وكُلِّ مَطْعُومٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ أيْ: "إنْ كُنْتُمْ بِأحْكامِهِ؛ وأوامِرِهِ آخِذِينَ"؛ فَإنَّ الإيمانَ بِها يَتَضَمَّنُ ويَقْتَضِي الأخْذَ بِها؛ والِانْقِيادَ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ "وَما"؛ اِسْتِفْهامٌ يَتَضَمَّنُ التَقْرِيرَ؛ وَتَقْدِيرُ هَذا الكَلامِ: "وَأيُّ شَيْءٍ لَكم في ألّا تَأْكُلُوا؟"؛ فَـ "أنْ"؛ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ عَلى ألّا يُقَدَّرَ حَرْفُ جَرٍّ؛ ويَكُونَ الناصِبُ مَعْنى الفِعْلِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَما لَكُمْ"؛ ﴾ تَقْدِيرُهُ: "ما يَجْعَلُكُمْ؛ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ؛ أيْ: قَدْ بُيِّنَ لَكُمُ الحَرامُ مِنَ الحَلالِ؛ وأُزِيلُ عنكُمُ اللَبْسُ والشَكُّ؟".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "وَقَدْ فُصِّلَ لَكم ما حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ في الفِعْلَيْنِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَقَدْ فَصَّلَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ في الفِعْلَيْنِ؛ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "وَقَدْ فَصَّلَ"؛ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ؛ "لَكم ما حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"؛ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ"؛ وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: "وَقَدْ فَصَلَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ وفَتْحِ الصادِ؛ وتَخْفِيفِها؛ "ما حُرِّمَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ والمَعْنى: قَدْ فَصَّلَ الحَرامَ مِنَ الحَلالِ؛ وانْتَزَعَهُ بِالتَبْيِينِ؛ و"وَما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إلا ما اضْطُرِرْتُمْ ﴾ ؛ يُرِيدُ بِها: مِن جَمِيعِ ما حُرِّمَ؛ كالمَيْتَةِ وغَيْرِها؛ وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ؛ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَإنَّ كَثِيرًا"؛ ﴾ يُرِيدُ الكَفَرَةَ المُحادِّينَ؛ المُجادِلِينَ في المَطاعِمِ؛ بِما ذَكَرْناهُ مِن قَوْلِهِمْ: "تَأْكُلُونَ ما تَذْبَحُونَ؛ ولا تَأْكُلُونَ ما ذَبَحَ اللهُ؟"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "لَيَضِلُّونَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ عَلى مَعْنى إسْنادِ الضَلالِ إلَيْهِمْ في هَذِهِ السُورَةِ؛ وفي "يُونُسَ": ﴿ رَبَّنا لِيُضِلُّوا ﴾ ؛ وفي سُورَةِ "إبْراهِيمَ": ﴿ أنْدادًا لِيُضِلُّوا ﴾ ؛ وفي "اَلْحَجِّ": ﴿ ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ ﴾ ؛ وفي "لُقْمانَ": ﴿ لِيُضِلَّ عن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ؛ وفي "اَلزَّمَرِ": ﴿ أنْدادًا لِيُضِلَّ ﴾ ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ في هَذِهِ؛ وفي "يُونُسَ"؛ وفي الأرْبَعَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ يَضُمّانِ الياءَ؛ عَلى مَعْنى إسْنادِ إضْلالِ غَيْرِهِمْ إلَيْهِمْ؛ وهَذِهِ أبْلَغُ في ذَمِّهِمْ؛ لِأنَّ كُلَّ مُضِلٍّ ضالٌّ؛ ولَيْسَ كُلُّ ضالٍّ مُضِلًّا؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ في المَواضِعِ السِتَّةِ: "لَيُضِلُّونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ عَلى مَعْنى إسْنادِ إضْلالِ غَيْرِهِمْ إلَيْهِمْ؛ ثُمَّ بَيَّنَ - عَزَّ وجَلَّ - في ضَلالِهِمْ أنَّهُ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ؛ وأنَّهُ بِالهَوى؛ لا بِالنَظَرِ؛ والتَأمُّلِ؛ و"بِغَيْرِ عِلْمٍ"؛ مَعْناهُ: في غَيْرِ نَظَرٍ؛ فَإنَّ لِمَن يَضِلُّ بِنَظَرٍ ما بَعْضَ عُذْرٍ؛ لا يَنْفَعُ في أنَّهُ اجْتَهَدَ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ ﴾ .
عطف على قوله: ﴿ فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه ﴾ [الأنعام: 118].
والخطاب للمسلمين.
و ﴿ مَا ﴾ للاستفهام، وهو مستعمل في معنى النّفي: أي لا يَثبت لكم عدم الأكل ممّا ذُكر اسم الله عليه، أي كلوا ممّا ذكر اسم الله عليه.
واللام للاختصاص، وهي ظرف مستقرّ خبر عن (ما)، أي ما استقرّ لكم.
و ﴿ أن لا تأكلوا ﴾ مجرور ب (في) محذوفة.
مع (أنْ).
وهي متعلّقة بما في الخبر من معنى الاستقرار، وتقدّم بيان مثل هذا التّركيب عند قوله تعالى: ﴿ قالوا وما لَنا أَلاَّ نقاتل في سبيل الله ﴾ في سورة البقرة (246).
ولم يفصح أحد من المفسّرين عن وجه عطف هذا على ما قبله، ولا عن الدّاعي إلى هذا الخطاب، سوى ما نقله الخفاجي في حاشية التّفسير } عمّن لقَّبه علم الهدى ولعلّه عنى به الشّريف المرتضى: أنّ سبب نزول هذه الآية أنّ المسلمين كانوا يتحرّجون من أكل الطيّبات، تقشّفاً وتزهّداً اه، ولعلّه يريد تزهّداً عن أكل اللّحم، فيكون قوله تعالى: ﴿ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ استطراداً بمناسبة قوله قبله: ﴿ فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه ﴾ [الأنعام: 118]، وهذا يقتضي أنّ الاستفهام مستعمل في اللّوم، ولا أحسب ما قاله هذا الملقّب بعلم الهدى صحيحاً ولا سند له أصلاً.
قال الطّبري: ولا نعلم أحداً من سلف هذه الأمّة كفّ عن أكل ما أحلّ اللَّه من الذّبائح.
والوجه عندي أنّ سبب نزول هذه الآية ما تقدّم آنفاً من أنّ المشركين قالوا للنّبيء صلى الله عليه وسلم وللمسلمين، لمّا حَرّم الله أكل الميتة: «أنأكل ما نَقتل ولا نَأكل ما يقتلُ اللَّهُ» يعنون الميتة، فوقع في أنفس بعض المسلمين شيء، فأنزل الله ﴿ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ أي فأنبأهم الله بإبطال قياس المشركين المُموّهِ بأنّ الميتة أولى بالأكل ممّا قتله الذّابح بيده، فأبدى الله للنّاس الفرق بين الميتة والمذكّى، بأنّ المذكّى ذُكر اسم الله عليه، والميتة لا يذكر اسم الله عليها، وهو فارق مؤثّر.
وأعرض عن محاجة المشركين لأنّ الخطاب مسوق إلى المسلمين لإبطال محاجّة المشركين فآل إلى الرد على المشركين بطريق التعريض.
وهو من قبيل قوله في الردّ على المشركين، في قولهم: ﴿ إنَّما البيعُ مثل الرّبا ﴾ [البقرة: 275]، إذ قال: ﴿ وأحلّ الله البيع وحرّم الرّبا ﴾ [البقرة: 275] كما تقدّم هنالك، فينقلب معنى الاستفهام في قوله: ﴿ وما لكم أن لا تأكلوا ﴾ إلى معنى: لا يسوِّلْ لكم المشركون أكل الميتة، لأنّكم تأكلون ما ذكر اسم الله عليه، هذا ما قالوه وهو تأويل بعيد عن موقع الآية.
وقوله: ﴿ وقد فصل لكم ما حرم عليكم ﴾ جملة في موضع الحال مبيّنة لما قبلها، أي لا يصدّكم شيء من كلّ ما أحلّ الله لكم، لأنّ الله قد فصّل لكم ما حرّم عليكم فلا تعدوه إلى غيره.
فظاهر هذا أنّ الله قد بيّن لهم، من قَبْلُ، ما حرّمه عليهم من المأكولات، فلعلّ ذلك كان بوحي غير القرآن، ولا يصحّ أن يكون المراد ما في آخر هذه السّورة من قوله: ﴿ قُل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّما ﴾ [الأنعام: 145] الآية، لأنّ هذه السّورة نزلت جملة واحدة على الصّحيح، كما تقدّم في ديباجة تفسيرها، فذلك يناكِد أن يكون المتأخّر في التّلاوة متقدّماً نزولهُ، ولا أن يكون المراد ما في سورة المائدة (3) في قوله: ﴿ حُرّمت عليكم الميتة ﴾ لأنّ سورة المائدة مدنيَّة بالاتّفاق، وسورة الأنعام هذه مكّيّة بالاتِّفاق.
وقوله: إلا ما اضطررتم إليه } استثناء من عائد الموصول، وهو الضّمير المنصوب ب ﴿ حرّم ﴾ ، المحذوف لكثرة الاستعمال، و ﴿ ما ﴾ موصولة، أي إلاّ الّذي اضطُررتم إليه، فإنّ المحرّمات أنواع استثني منها ما يضطرّ إليه من أفرادها فيصير حلالاً.
فهو استثناء متّصل من غير احتياج إلى جعل ﴿ ما ﴾ في قوله: ﴿ ما اضطررتم ﴾ مصدريّة.
وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وعاصم، وأبو جعفر، وخلف: ﴿ وقد فصل ﴾ ببناء الفعل للفاعل.
وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بالبناء للمجهول.
وقرأ نافع، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر: ﴿ ما حرم ﴾ بالبناء للفاعل، وقرأه الباقون: بالبناء للمجهول.
والمعنى في القراءات فيهما واحد.
والاضطرار تقدّم بيانه في سورة المائدة.
﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بالمعتدين ﴾ .
تحذير من التشبّه بالمشركين في تحريم بعض الأنعام على بعض أصناف النّاس.
وهو عطف على جملة: ﴿ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ ، ويجوز أن يكون الواو للحال، فيكون الكلام تعريضاً بالحذر من أن يكونوا من جملة من يضلّهم أهل الأهواء بغير علم.
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب: ﴿ ليَضِلُّون ﴾ بفتح الياء على أنّهم ضالّون في أنفسهم، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف: بضمّ الياء على معنى أنَّهم يُضلّلون النّاس، والمعنى واحد، لأنّ الضالّ من شأنه أن يُضلّ غيره، ولأنّ المُضلّ لا يكون في الغالب إلاّ ضالاً، إلاّ إذا قصد التّغرير بغيره.
والمقصود التّحذير منهم وذلك حاصل على القراءتين.
والباء في ﴿ بأهوائهم ﴾ للسببيّة على القراءتين.
والباء في ﴿ بغير علم ﴾ للملابسة، أي يضلّون مُنقَادِين للهوى، مُلابسين لعَدم العلم.
والمراد بالعلم: الجزم المطابق للواقع عن دليل، وهذا كقوله تعالى: ﴿ إن يتَّبعون إلاّ الظن وإن هم إلاّ يَخْرصون ﴾ [الأنعام: 116].
ومن هؤلاء قادة المشركين في القديم، مثل عَمْرو بن لُحَيّ، أوّللِ من سنّ لهم عبادة الأصنام وبَحَّر البحيرة وسيَّب السائبة وحَمَى الحامِي، ومَن بعده مثل الّذين قالوا: (ما قتل اللَّهُ أولى بأن نأكله ممّا قتلنا بأيدينا).
وقوله: ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ تذييل، وفيه إعلام للرّسول صلى الله عليه وسلم بتوعّد الله هؤلاء الضالّين المضلين، فالإخبار بعلم الله بهم كناية عن أخذه إيَّاهم بالعقوبة وأنَّه لا يفلتهم، لأنّ كونه عالماً بهم لا يُحتاج إلى الإخبار به.
وهو وعيد لهم أيضاً، لأنَّهم يسمعون القرآن ويُقرَأ عليهم حين الدّعوة.
وذِكْرُ المعتدين، عقب ذكر الضالّين، قرينة على أنَّهم المراد وإلاّ لم يكن لانتظام الكلام مناسبة، فكأنَّه قال: إنّ ربّك هو أعلم بهم وهم معتدون، وسمّاهم الله معتدين.
والاعتداء: الظلم، لأنَّهم تقلّدوا الضّلال من دون حجّة ولا نظر، فكانوا معتدين على أنفسهم، ومعتدين على كلّ من دَعوه إلى موافقتهم.
وقد أشار هذا إلى أنّ كلّ من تَكلَّم في الدّين بما لا يعلمه، أو دعا النّاس إلى شيء لا يعلم أنّه حق أو باطل، فهو معتد ظالم لنفسه وللنّاس، وكذلك كلّ ما أفتى وليس هو بكفء للإفتاء.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سِرُّهُ وعَلانِيَتُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: ظاهِرُ الإثْمِ: ما حُرِّمَ مِن نِكاحِ ذَواتِ المَحارِمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ ﴾ الآيَةَ.
وَباطِنُهُ الزِّنى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّ ظاهِرَ الإثْمِ أُولاتُ الرّاياتِ مِنَ الزَّوانِي، والباطِنُ ذَواتُ الأخْدانِ، لِأنَّهُنَّ كُنَّ يَسْتَحْلِلْنَهُ سِرًّا، قالَهُ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: أنَّ ظاهِرَ الإثْمِ العِرْيَةُ الَّتِي كانُّو يَعْمَلُونَ بِها حِينَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، وباطِنُهُ الزِّنى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّ ظاهِرَ الإثْمِ ما يَفْعَلُهُ بِالجَوارِحِ، وباطِنُهُ ما يَعْتَقِدُهُ بِالقَلْبِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنأكل مما قتلنا ولا نأكل مما يقتل الله؟
فأنزل الله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين ﴾ إلى قوله: ﴿ وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ فإنه حلال ﴿ إن كنتم بآياته مؤمنين ﴾ يعني بالقرآن مصدقين ﴿ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ يعني الذبائح ﴿ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ﴾ يعني ما حرم عليكم من الميتة ﴿ وإن كثيراً ﴾ من مشركي العرب ﴿ ليضلون بأهوائهم بغير علم ﴾ يعني في أمر الذبائح وغيره ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وقد فصل لكم ﴾ يقول: بين لكم ﴿ ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ﴾ أي من الميتة والدم ولحم الخنزير.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وقد فصل لكم ﴾ مثقلة بنصب الفاء ﴿ ما حرم عليكم ﴾ برفع الحاء وكسر الراء ﴿ وإن كثيراً ليضلون ﴾ برفع الياء.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وذروا ظاهر الإثم ﴾ قال: هو نكاح الأمهات والبنات ﴿ وباطنه ﴾ قال: هو الزنا.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ قال: الظاهر منه ﴿ لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ [ النساء: 22] و ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ﴾ [ النساء: 23] الآية، والباطن الزنا.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ قال: علانيته وسره.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ قال: ما يحدث به الإنسان نفسه مما هو عامله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ قال: نهى الله عن ظاهر الاثم وباطنه أن يعمل به.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ الآية.
هذا إبلاغ في إباحة ما ذبح باسم الله.
قال الزجاج: (وموضع أن نصب؛ لأن في سقطت فوصل المعنى إلى أن فنصبها، المعنى: وأي شيء يقع لكم في أن لا تأكلوا، وسيبويه (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ قرئ (٤) ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ وقوله] (٥) ﴿ حُرِمَتْ ﴾ تفصيل ما أجمل في هذه الآية، فكما أن الاتفاق هاهنا على ﴿ حُرِمَتْ ﴾ ، كذلك يكون الذي أجمل فيه وكما وجب (حُرِّم) بضم الحاء لقوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ كذلك ضم (فُصل) لأن هذا المفصل هو ذلك المحرم الذي قد أجمل في هذه الآية، [وأيضًا] (٦) ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ﴾ [و (مفصلًا)] (٧) ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ ﴾ وحجته في (حَرّم) قوله: ﴿ أَتْلُ مَا حَرَّمَ ﴾ ، ويؤكد الفتح قوله تعالى: ﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ (٨) ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا ﴾ ، وحجته في ضَمِّ (حُرّم)، قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] (٩) قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 12 - 13، والسمرقندي 1/ 509، و"الحجة" لأبي علي 3/ 391، ونسب هذا القول الرازي في "تفسيره" 13/ 166، إلى أكثر المفسرين، وذكره القاسمي في "تفسيره" 6/ 695 - 696، وقال: (ورد هذا بأن المائدة من آخر ما نزل بالمدينة والأنعام مكية، فالصواب أن التفصيل إما في قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ﴾ الآية [الأنعام: 145] فإنه ذكر بعدُ بيسير، وهذا القدر من التأخير لا يمنع أن يكون هو المراد، وإما على لسان الرسول ثم أنزل بعد ذلك في القرآن).
اهـ.
وانظر: "تفسير الرازي" 13/ 166، وابن عاشور 8/ 34.]].
(ومعنى قوله تعالى: ﴿وَقَدْ (١٠) ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ الآية).
وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ .
قال الزجاج: (أي: دعتكم الضرورة لشدة المجاعة إلى أكله) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ ﴾ .
قال أبو علي: (أي: يضلون باتباع أهوائهم (١٢) ﴿ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ ، أي: يضلون (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) ومن قرأ (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) ﴿ لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ ﴾ موافق لقول ابن عباس فإنه قال: (أراد عمرو بن لحي (٢١) (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ \[يريد\] (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما تعدّى عمرو بن لحيّ حيث ملك مكة واتخذ الأصنام) (٢٦) وقال المفسرون (٢٧) (١) انظر: "الكتاب" 3/ 126 - 129.
(٢) "معاني الزجاج" 2/ 286، وفيه قال: (ولا اختلاف بين الناس في أن الموضع نصب)، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 286، و"إعراب النحاس" 1/ 578، و"المشكل" 1/ 267.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) قرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو (فصل) بضم الفاء وكسر الصاد، وقرأ الباقون بفتح الفاء والصاد، وقرأ نافع وعاصم في رواية: (حرم) بفتح الحاء والراء، وقرأ الباقون بضم الحاء وكسر الراء.
انظر: "السبعة" ص 267، و"المبسوط" ص 174، و"الغاية" ص 249، و"التذكرة" 2/ 409، و"التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 262.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(٦) لفظ: (أيضًا) ساقط من (أ).
(٧) لفظ: (ومفصلًا) ساقط من (ش).
(٨) لفظ: (عليكم) ساقط عن (ش).
(٩) ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 3/ 390 - 391، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 382، و"إعراب القراءات" 1/ 168، و"الحجة" لابن خالويه ص 148، ولابن زنجلة ص 269، و"الكشف" 1/ 448.
(١٠) لفظ: (الواو) ساقط من (ش).
(١١) "معاني الزجاج" 2/ 287، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 12، و"الحجة" لأبي علي 3/ 391.
(١٢) في (أ): (هوائهم)، وهو تحريف.
(١٣) في (الحجة) لأبي علي 3/ 394 - 495: (أي: يضلون في أنفسهم من غير أن يضلوا غيرهم من اتباعهم بامتناعهم ..).
اهـ.
وهذا في توجيه قراءة فتح الياء.
(١٤) في "الحجة" 3/ 395: (من شرع ولا عقل) اهـ.
(١٥) السائبة: المهملة، كان الرجل إذا برأ من مرضه أو قدم من سفر أو نجت دابته من مشقة سيب شيئًا من الأنعام للآلهة، والبعير يدرك نتاج نتاجه فيسيب ويترك ولا يحمل عليه، والناقة التي كانت تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت، أو كان ينزع من ظهرها فقارة أو عظمًا، وكانت لا تمنع عن ماء ولا كلأ، ولا تركيب.
انظر: "اللسان" 4/ 2166 مادة (سيب).
(١٦) البحيرة: أصل البحر الشق، وشق الأذن كانوا إذا نتجت الناقة أو الشاة عشرة أبطن بحروها وتركوها ترعى وحرموا لحمها إذا ماتت على نسائهم وأكلها الرجال، أو التي خليت بلا راع، أو التي نتجت خمسة أبطن والخامس ذكر نحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كانت أنثى بحروا أذنها فكان حرامًا عليهم لحمها ولبنها وركوبها، فإذا ماتت حلت للنساء، أو هي ابنة السائبة، وحكمها حكم أمها، أو هي في الشاة خاصة إذا نتجت خمسة أبطن بحرت، وهي الغزيرة أيضًا.
انظر: "اللسان" 1/ 216 مادة (بحر).
(١٧) قرأ عاصم وحمزة والكسائي (ليضلون) بضم الياء، وقرأ الباقون بفتحها.
انظر.
"السبعة" ص 267، و"المبسوط" ص 174، و"التذكرة" 2/ 409، و"التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 262.
(١٨) في (أ): (بضم التاء)، وهو تصحيف.
(١٩) في (ش): (إذ كان).
(٢٠) هذا قول أبي علي في الحجة 3/ 396 - 397، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 383، و"إعراب القراءات" 1/ 168، و"الحجة" لابن خالويه ص 148، ولابن زنجلة ص 269، و"الكشف" 1/ 449.
(٢١) تقدمت ترجمته.
(٢٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 106، والبغوي في "تفسيره" 3/ 182، والرازي 13/ 166، بدون نسبة.
(٢٣) انظر: "البسيط" نسخة جامعة الإمام 3/ 80 ب.
(٢٤) جاء في (أ): (قال يريد) وكأن القائل هو ابن عباس ما.
(٢٥) "معاني الزجاج" 2/ 287، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 13.
(٢٦) لم أقف عليه.
(٢٧) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 13، والسمرقندي 3/ 315، والبغوي 3/ 182.
<div class="verse-tafsir"
[المائدة: 4] القصد بهذا الأمر إباحة ما ذكر اسم الله عليه، والنهي عما ذبح للنصب وغيرها، وعن الميتة وهذا النهي يقتضيه دليل الخطاب من الأمر ثم صرح به في قوله الآتي: ﴿ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ ﴾ ؛ وقد استدل بذلك من أوجب التسمية على الذبيحة، وإنما جاء الكلام في سياق تحريم الميتة وغيرها، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليل على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك، وقال عطاء: وهذه الآية أمر بذكر الله على الذبح والأكل والشرب ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ ﴾ المعنى أي غرض لكم في ترك الأكل، مما ذكر اسم الله عليه، وقد بين لكم الحلال من الحرام ﴿ إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ ﴾ استثناء بما حرم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ قبلاً ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون: بضمتين.
﴿ منزل ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحفص والمفضل.
﴿ كلمة ربك ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.
الباقون ﴿ كلمات ﴾ ﴿ من يضل ﴾ من الإضلال: الأصبهاني عن نصير، فصل على البناء للفاعل و ﴿ حرم ﴾ على البناء للمفعول: حمزة وخلف وعاصم غير حفص والمفضل، وقرأ أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وحفص جميعاً بالفتح الباقون: على البناء للمفعول فيهما ﴿ ليضلون ﴾ بضم الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون: بالفتح.
الوقوف: ﴿ يجهلون ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ مفصلاً ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه ﴿ وعدلاً ﴾ ه ﴿ لكلماته ﴾ ج لابتداء الضمير المنفصل مع احتمال الواو الحال أي لا تبديل لكلماته وهو يسمع ويعلم، ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ج ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ بالمعتدين ﴾ ه ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ يقترفون ﴾ ه ﴿ لفسق ﴾ ط ﴿ ليجادلوكم ﴾ ج ﴿ لمشركون ﴾ ه.
التفسير: هذا شروع في تفصيل ما أجمله قوله ﴿ أنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وكان المستهزؤن بالقرآن خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب والحرث بن حنظلة، أتوا الرسول صلى الله عليه وآله في رهط من أهل مكة فقالوا: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله ، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقول أم باطل، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً على ما تدعيه، فنفى الله عنهم الإيمان وإن أوتوا هذه المقترحات.
قال أبو زيد: يقال لقيت فلاناً قبلاً وقبلاً ومقابلة كلها بمعنى واحد وهو المواجهة رواه الواحدي، وقال أبو عبيدة والفراء والزجاج: قبلاً بكسر القاف معناه معاينة.
روي عن أبي ذر قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله: أكان آدم نبياً؟
قال: نعم، كان نبياً كلمه الله قبلاً، وأما قبلاً بضمتين فقيل: إنه جمع قبيل ومعناه الجماعة تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى مثل الروم والزنج والعرب ولهذا قال الأخفش في تفسيره أي قبيلاً قبيلاً.
أو معناه الكفيل والعريف من قبل به يقبل قبالة، والمعنى لو حشرنا عليهم كل شيء فكفلوا بصحة ما يقول ما آمنوا، وموضع الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق، ومنها حي ومنها ميت، فإذا حشرها الله على اختلاف طبائعها مجتمعة في موقف واحد ثم أنطقها وأطبقوا على قبول هذه الكفارة كان ذلك من أعظم المعجزات، أما قوله : ﴿ ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ﴾ إيمانهم، فقد قالت الأشاعرة: فلما لم يؤمنوا دل على أنه ما شاء إيمانهم، وقالت المعتزلة: لو لم يرد منهم الإيمان لما وجب عليهم الإيمان كما لو لم يأمرهم به لم يجب، ولو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر في كفره مطيعاً لله لأنه لا معنى للطاعة إلا فعل المراد، ولو جاز من الله أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به، ولجاز أن يأمرنا بأن نريد الكفر.
فالمراد من الآية أنه شاء من الكل الإيمان الاختياري وما شاء الإيمان القهري.
والمعنى: ما كانوا ليؤمنوا إيماناً اختيارياً إلا أن يشاء الله مشيئة إكراه واضطرار فحينئذ يؤمنون، وزيف بأن الاختيار لا بد معه من حصول داعية يترجح بها أحد طرفي الممكن، ولا تحصل تلك الداعية إلا بتخليق الله فكأنه لا اختيار.
قال الجبائي: قوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ يدل على حدوث المشيئة إذ لو كانت قديمة وهي الشرط لزم من حصولها حصول المشروط.
وأجيب بأنها قديمة إلا أن تعلقها بأحداث المحدث في الحال إضافة حادثة.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قالت الأشاعرة: أي لا يعلمون أن الكل بقضاء الله وبقدره.
وقالت المعتزلة: إنهم لا يدرون أنهم يبقون كفاراً عند ظهور الآية التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم، أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرهم فيطمعون في إيمانهم الاختياري بمجيء الآيات المقترحات.
ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ قيل: إنه منسوق على قوله: ﴿ وكذلك زينا ﴾ أي وكما زينا لكل أمة عملهم ﴿ جعلنا ﴾ وقيل: إن المشار إليه محذوف أي وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم نمنعهم من العداوة لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر.
قالت الأشاعرة: لا شك أن تلك العداوة معصية وكفر، وأن جعلها شرفاً لآية تدل على أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله.
قال الجبائي: المراد بهذا الجعل أنه حكم وبين فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل إنه كفره، وإذا أخبر عن عدالته قيل عدله.
وقال الكعبي: إنه أمر الأنبياء.
لأن العداوة تكون من الجانبين.
أجاب أبو بكر الأصم بأنه لما أرسل محمداً إلى العالمين وخصه بتلك المعجزات صار ذلك التخصيص سبباً للحسد والعداوة أو للبغضاء فهذا هو المراد بجعلهم أعداء له.
وزيف بأن الأفعال مستندة إلى الدواعي وهي من الله ، وبأن العداوة والمحبة متعلقة بالطبع لا بالإرادة والتكلف فلا يقدر عليها إلا الله ، وانتصاب ﴿ الشياطين ﴾ كما مر في قوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن ﴾ قال الزجاج وابن الأنباري: ﴿ عدوّا ﴾ في معنى الجمع، ولقائل أن يقول: لا حاجة إلى هذا التكلف لصحة قولنا: وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوّاً واحداً: إذ ليس يجب أن يحصل لكل واحدة من الأنبياء أكثر من عدو واحد.
عن ابن عباس: كل عات متمرد من الجن والإنس فهو شيطان.
وقال مجاهد وقتادة والحسن: إن من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، وإن شيطان الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليعينه عليه.
"روي أن النبي وآله قال لأبي ذر: هل تعوّذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟
قال: قلت: وهل للإنس من شياطين؟
قال: نعم، هم شر من شياطين الجن" .
وقيل: إن الجميع من ولد إبليس إلا أن الذي يوسوس للإنس يسمى شيطان الإنس، والذي يوسوس للجن يسمى شيطان الجن.
وزيف بأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين.
وعن مالك بن دينار أن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجن لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجن عني وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً.
ومعنى الإيحاء الإيمان أو القول السريع أي يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، وكذلك بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض، وكأنه لا يتصوّر وسوسة الإنس إلى الجن إلا على تقدير القول بالتسخير.
و ﴿ زخرف القول ﴾ ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي، والتحقيق فيه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور خيرية أو نفعاً لم يرغب فيه.
ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقاً للواقع فهو الحق والصدق والإلهام وكان صادراً من الملك وإلا كان مزخرفاً أي يكون باطنه فاسداً وظاهره مزيناً، قال الواحدي: ﴿ غروراً ﴾ نصب على المصدر لأن إيحاء الزخرف من القول في معنى الغرور.
﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ استدلال الأشاعرة به ظاهر والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء.
﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ منصوب على أنه مفعول معه أو مفعول به أي وافتراءهم أو ما يفترونه.
قال ابن عباس: يريد ما زين لهم إبليس وغرهم به، وفيه تحذير من الكفر وترغيب في الإيمان وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتنبيه له على ما أعد للكفرة من العقاب وله من الثواب بسبب صبره على سفاهتهم وتلطفه بهم.
الصغو في اللغة الميل.
يقال في المستمع إنه مصغ إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت.
وأصغى الإناء إذا أماله حتى انصب بعضه في بعض.
ويقال للقمر إذا مال إلى الغروب صغا وأصغى.
قال الجوهري: صغا يصغو ويصغي صغواً أي مال، وكذلك صغى بالكسر يصغي بالفتح صغى وصغياً، واللام في ﴿ ولتصغي ﴾ لا بد لها من متعلق فقالت الأشاعرة: التقدير وإنما جعلنا مثل ذلك الشخص عدوّاً للنبي لتميل ﴿ إليه ﴾ أو إلى قوله المزخرف ﴿ أفئدة ﴾ الكفار فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة النبي ﴿ وليرضوه ﴾ وليختاروه على أنفسهم ﴿ وليقترفوا ﴾ وليكتسبوا من الآثام ﴿ ما هم مقترفون ﴾ وقال الجبائي: إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ .
وزيف بأن حمل لام كي على لام الأمر تحريف.
وقال الكعبي: هي لام العاقبة تقديره: ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين أفئدة الكفار جعلنا لكل نبي عدواً.
وعن أبي مسلم أنها معطوفة على موضع ﴿ غرور ﴾ والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغتروا بذلك ولتميل قلوب الكفار إلى المذاهب الباطلة.
وأورد عليه أن ميل القلوب إلى الآراء الفاسدة هو عين الاغترار فيلزم عطف الشيء على نفسه.
وههنا بحث وهو أن الأشاعرة قالوا: البنية ليست شرطاً للحياة، فالحي هو الجزء الذي قامت الحياة به، والعالم هو الجزء الذي قام العلم به.
وقالت المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة لا ذلك الجزء.
حجة الأشاعرة أنه جعل الموصوف بالميل والرغبة في الآية هو القلب لا جملة الحي، وبمثله استدل من جعل المتعلق الأول للنفس هو القلب لا مجموع البدن.
ثم إنه لما ذكر أنه لا فائدة لهم في إظهار الآيات التي اقترحوها بين بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل والزائد على ذلك لا يجب الالتفات إليه، وإنما قلنا إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين: الأول: أن الله قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل عليه الكتاب المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته وأشار إلى هذا الوجه بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ يعني قل يا محمد إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكماً فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز.
الوجه الثاني: اشتمال التوراة والإنجيل على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله حقاً، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله وأشار إليه بقوله: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ﴾ ثم قال: ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ والخطاب لكل أحد أي إذا ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيه أحد.
وقيل: الخطاب للرسول في الظاهر والمراد به الأمة.
وقيل: الخطاب للرسول في الحقيقة والمراد التهييج والإلهاب كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ والمراد فلا تكونن من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق، ولا يريبك جحود أكثرهم.
قال الواحدي: الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة.
وقال بعض أهل التأويل: الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم والحكم هو الذي لا يحكم إلا بالحق.
ثم لما بين أن القرآن معجز قال: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي القرآن.
وقوله: ﴿ صدقاً وعدلاً ﴾ مصدران منتصبان على الحال من الكلمة، ومعنى تمامها أنها وافية كافية في كونها معجزة دالة على صدق محمد، أو كافية في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى القيامة علماً وعملاً، أو المراد بالتمام أنها أزلية ولا يحدث بعد ذلك شيء.
واعلم أن كل ما حصل في القرآن نوعان: الخبر والتكليف؛ فالخبر كل ما أخبر الله عن وجوده أو عن عدمه كالخبر عن وجود ذاته وحصول صفاته أعني كونه قادراً سميعاً بصيراً ويدخل فيه الخبر عن صفات التقديس والتنزيه كقوله : ﴿ لم يلد ولم يولد ﴾ ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله وكيفية تدبيره لملكوته في السموات والأرض وفي عالم الأرواح والأجسام، ويدخل فيه الخبر عن أحكام الله في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، ويدخل فيه الخبر عن أقسام أسماء الله والخبر عن النبوات وأقسام المعجزات، والخبر عن أحوال النشر والقيامة وصفات أهل الجنة والنار.
والخبر عن أحوال المتقدمين والخبر عن المغيبات.
وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه على عبيده سواء كان ملكاً أو بشراً أو شيطاناً، وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء المتقدمين أو في مراسيم الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله .
فإذن المراد وتمت كلمات ربك صدقاً إن كان من باب الخبر وعدلاً إن كان من باب التكاليف وهذا ضبط حسن.
وقيل: إن كل ما أخبر الله عنه من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد أن يكون واقعاً، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون بصفة الظلم.
ثم قال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبه في كون القرآن دالاً على صدق محمد إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلالة ألبته لجلاء الدلالة ووضوحها.
أو المراد أن كلماته تبقى موصوفة بصفتها مصونة عن التحريف والتغيير كما قال: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ أو الغرض أنها بريئة عن التناقض كما قال: ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ﴾ أو المعنى أن أحكام الله لا تتغير ولا تتبدل لأنها أزلية والأزلي لا يزول، وهذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر إذ يلزم منه أن لا ينقلب السعيد شقياً وبالضد.
ثم لما أجاب عن شبه الكفار بيّن أن عند ظهور الحجة وتبين المحجة لا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى كلمات الجهال فقال: ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ﴾ والمضل لا بد أن يكون ضالاً ويعني بهم الذين ينازعون النبي في الدين غير قاطعين بصحة مذاهبهم كالزنادقة وعبدة الكواكب والأصنام، وكالذين يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة فيحكمون على الحق بأنه باطل وعلى الباطل بأنه حق.
ثم قال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ يقدرون على أنهم على شيء أو يكذبون في أن الله أحل كذا وحرم كذا.
وأصل الخرص حزر ما على النخل من الرطب تمراً.
وليس لنفاة القياس تمسك بالآية من قبل توجه الذم على متبع الظن، لأن المذموم من اتباع الظن هو الذي لا يستند إلى أمارة كظن الكفار المستند إلى تقليد أسلافهم فقط، أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إلى إمارة فلم يتم أنه كذلك.
ثم قال: ﴿ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ والمراد أنك بعدما عرفت أن الحق ما هو والباطل ما هو فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم لأن الله عالم بأن المهتدي من هو والضال من هو فيجازي كل أحد بما يليق بعمله، أو المراد أن هؤلاء الكفار وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون والله عالم بأحوال قلوبهم وبواطنهم، ومطلع على تحيرهم في أودية الجهالة وتيه الضلال، قال النحويون: إن أفعل التفضيل لا يعمل في مظهر، ففي الكلام محذوف أي يعلم من يضل عن سبيله، فإن لم يقدر محذوف قوي بالباء كما في القلم { ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ وهذا هو الأصل، وإنما خص هذه السورة بالحذف موافقة لقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ وعدل إلى لفظ المستقبل تنبيهاً على قطع الإضافة لأن أكثر ما يستعمل "أفعل من" يستعمل مع الماضي نحو "أعلم من دب ودرج" و "أحسن من قام وقعد" و "أفضل من حج واعتمر".
فلو لم يعدل إلى لفظ المستقبل التبس بالإضافة عن ذلك.
وجوّز بعضهم أن يكون "من" للاستفهام كقوله: ﴿ لنعلم أي الحزبين أحصى ﴾ ثم قال: ﴿ فكلوا ﴾ والفاء مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرّمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم.
فقال الله للمسلمين: إن كنتم محققين بالإيمان فكلوامما ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله.
فإن قيل: إن القوم كانوا يبيحون ما ذبح على اسم الله ولا ينازعون فيه، وإنما النزاع في أكل الميتة فإنهم كانوا يبيحونها والمسلمون يحرمونها، فما الحكمة في إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه؟
فالجواب لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل الميتة فرد الله عليهم في الأمرين بقوله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ وبقوله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ أو نقول: المراد اجعلوا أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه، وعلى هذا فيكون المراد تحريم الميتة فقط والله أعلم.
أما قوله: ﴿ وقد فصل لكم ﴾ فأكثر المفسرين قالوا: المراد به ما فصل في أول المائدة من قوله: ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ إلى آخر الآية، واعترض عليه بأن سورة الأنعام مكية والمائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والآية تقتضي أن يكون المفصل مقدماً على هذا المجمل بل الأولى أن يقال: المراد قوله بعد هذه الآية: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ﴾ إلى آخرها.
فإن هذا القدر من التأخر غير ضائر.
وقوله: ﴿ إلا ما اضطررتم ﴾ أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدّة المجاعة ﴿ وإن كثيراً ليضلون ﴾ المبالغة في قراءة ضم الياء أكثر لأن كل مضل فإنه يكون ضالاً، وقد يكون الضال غير مضل، قيل: إنه عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أول من غير دين إسماعيل واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة.
وقوله: ﴿ بأهوائهم بغير علم ﴾ يريد أن عمرو بن لحي أقدم على هذه المذاهب عن الجهالة الصرفة، وقال الزجاج: المراد منه الذين يحللون الميتة ويناظرون في إحلالها، أو يحتجون عليها بقولهم إذ حل ما تذبحونه أنتم فلأن يحل ما يذبحه الله أولى، وكذلك كل ما يضلون فيه من عبادة الأوثان والطعن في نبوّة محمد صلى الله عليه وآله.
وفي الآية دلالة على أن النزاع في الدين بمجرد التقليد حرام ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ فيجازيهم عليها وفيه من التهديد ما فيه.
ثم ذكر آية جامعة فقال: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ فقيل: ظاهره الزنا في الحوانيت وباطنه الصديقة في السر.
قال الضحاك: كان أهل الجاهلية يرون الزنا حلالاً ما كان سراً.
والأصح أن النهي عام إذ لا دليل على تخصيصه.
ثم قيل: المراد ما أعلنتم وما أسررتم.
وقيل: ما عملتم وما نويتم.
وقال ابن الأنباري: يريد وذروا الإثم من جميع جهاته كما تقول: ما أخذت من هذا المال قليلاً ولا كثيراً أي ما أخذته بوجه من الوجوه.
وقريب منه قول من قال: المراد النهي عن الإثم مع بيان أنه لا يخرج عن كونه إنما بسبب إخفائه وكتمانه.
وقيل: المراد النهي عن الإقدام على الإثم.
ثم قال: ﴿ وباطنه ﴾ ليظهر بذلك أن الداعي له إلى ترك ذلك الإثم خوف الله لا خوف الناس.
وقيل: ظاهر الإثم أفعال الجوارح، وباطنه أفعال القلوب من الكبر والحسد والعجب وإرادة الشر للمسلمين، ويدخل فيه الاعتقاد والعزم والنظر والظن والتمني والندم على أفعال الخيرات، ومنه يعلم أن ما يوجد في القلب قد يؤاخذ به وإن لم يقترن به عمل ﴿ إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ أي يكتسبون من الآثام ومنه الاعتراف يمحو الاقتراف كما يقال: التوبة تمحو الحوبة.
وظاهر النص يدل على أنه يعاقب المذنب ألبتة إلا أن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب.
وأهل السنة على أنه إذا لم يتب احتمل العفو ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام أو شراب فهو حرام تمسكاً بعموم الآية.
وأجمع سائر الفقهاء على تخصيص هذا العموم بالذبح، ثم اختلفوا فمالك: كل ذبح لم يذكر اسم الله عليه فهو حرام، ترك الذكر عمداً أو نسياناً وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين.
أبو حنيفة: إن ترك عمداً حرام وإن ترك نسياناً حل.
الشافعي: متروك التسمية عمداً وسهواً حلال إذا كان الذابح مسلماً لقوله : ﴿ وإنه لفسق ﴾ والضمير عائد إلى الأكل الذي دل عليه الفعل أو إلى الموصول على أنه في نفسه فسق مثل "رجل عدل" أو على تقدير حذف المضاف أي وإن أكله لفسق.
وقد أجمع المسلمون على أنه لا يفسق بأكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية ولقوله : ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ﴾ وهذه المناظرة كانت في مسألة الميتة؛ وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة من قتلها إذا ماتت؟
قال: الله قتلها، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟
فأنزل الله الآية، فالمراد من الشياطين ههنا إبليس وجنوده وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليخاصموا محمداً وأصحابه في أكل الميتة.
وقال عكرمة: وإن الشياطين - يعني مردة المجوس - ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش.
وذلك أنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة أن محمداً وأصحابه يزعمون أن ما يذبحونه حلال وأن ما يذبحه الله حرام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين شيء فنزلت الآية.
ثم قال: ﴿ وإن أطعتموهم ﴾ يعني في استحلال الميتة ﴿ إنكم لمشركون ﴾ قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله أو حرم شيئاً مما أحل الله فهو مشرك لأنه أثبت حاكماً سوى الله .
ثم قال الشافعي: الفسق في آية أخرى وهي، قوله: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ﴾ إلى قوله: ﴿ أو فسقاً أهل لغير الله ﴾ مفسر بما أهل به لغير الله فعلمنا أن الفسق في هذه الآية أيضاً مفسر به نزلنا عن هذا المقام وهو التمسك بالمخصصات، فلم قلتم إنه لم يوجد ذكر الله ههنا لما روي أنه صلى الله عليه وآله قال: "ذكر الله مع المسلم سواء قال أو لم يقل" فيحمل هذا الذكر على ذكر القلب.
أو نقول: هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن معنا ما يدل على الحل، وإذا تعارض الحل والحرمة فالحل راجح لأن الأصل في الأشياء الإباحة وللعمومات الدالة على الحل كقوله: ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ ولأنه مستطاب وقد قال: ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ ، ولأن الطبع يميل إليه وقد نهى عن إضاعة المال، هذا تقرير مذهب الشافعي ومع ذلك فالأولى بالمسلم أن يحترز عنه لقوة ظاهر النص.
قال الكعبي: في الآية دلالة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات لأنه سمى مخالفته شركاً.
وأجيب بأنه لم لا يجوز أن يراد بالشرك ههنا اعتقاد أن لله شريكاً في الحكم.
التأويل: ﴿ وكلمهم الموتى ﴾ أي: قلوبهم الميتة ﴿ وحشرنا ﴾ أي أريناهم جميع الآيات المودعة في المكونات ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فإن المشيئة تغير السجية والعناية الأزلية كفاية الأبدية ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ أن الهدى ليس بالمنى وأنه بمشيئة المولى، ثم أخبر أن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا فقال: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس ﴾ هي النفس الأمارة التي هي أعدى الأعداء.
﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هديناهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال ﴿ فلا تكونن ﴾ نهى التكوين في الأزل ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ كلامه وقضاؤه في الأزل ﴿ صدقاً ﴾ فيما قال ﴿ وعدلاً ﴾ فيما حكم بالوجود والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن والقبح والإيمان والكفر، وأحسن شيء خلقه هو الإنسان ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ وكذلك شر شيء هو الإنسان عند فساد استعداده ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ ولأهل الكمال ترقٍ في كمال الحسن إلى الأبد، ولأهل النقصان تسفل في القبح إلى الأبد أيضاً إظهاراً للقدرة الكاملة غير المتناهية ﴿ وهو السميع ﴾ لحاجة كل ذي حاجة ﴿ العليم ﴾ بما يستأهله كل موجود ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض ﴾ وهم أهل الأهواء وأقلهم أهل الحق ﴿ وإن هم إلا يخرصون ﴾ في دعوى طلب الحق.
فإن سبيل الحق لا يسلك بالهوى وإنما يسلك بالصدق والهدى.
﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ فمن أمارات الإيمان أن يأكلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع ويذيبوه بذكر الله كما قال صلى الله عليه وآله "أذيبوا طعامكم بذكر الله" فالأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة به على العصيان يورث موت الجنان والحرمان من الجنان.
﴿ وقد فصل لكم ﴾ يا أهل الله ﴿ ما حرم عليكم ﴾ وهو الدنيا وما فيها والآخرة ونعيمها ﴿ إلا ما اضطررتم إليه ﴾ من ضروريات البشر في الدارين بأمر المولى لا بالطبع والهوى ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ الذين جاوزوا المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى ﴿ وذروا ظاهر الإثم ﴾ يعني الأعمال الطبيعية ﴿ وباطنه ﴾ يعني الأخلاق، الذميمة الردية ﴿ سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ لأن الأخلاق الظلمانية توجب صدأ مرآة القلب وتزيدها ريناً إلى أن يصير حجاباً بين العبد وبين الله : ولا تأكلوا طعاماً إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، ﴿ وإنه ﴾ يعني ظلام الطعام يؤدي إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الكلمة النّفسانية.
﴿ وإن الشياطين ليوحون ﴾ فإن للشيطان مجالاً في الوسوسة إذا كانت النفوس في المجادلة مع القلوب لتدعوها إلى متابعة الهوى الله حسبي.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ صرف أهل التأويل الآية إلى أهل الكفر وقالوا: ما بالكم تأكلون ذبائحكم التي ذبحتم ولا تأكلوا ما ذبح الله وذكاه صرفوا الخطاب به إلى أهل الشرك.
والأشبه أن يصرف الخطاب [به] إلى أهل الإسلام؛ لأنه ذكر في آخره ﴿ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ومثل هذا لا يذكر في أهل الشرك إنما ذكر لخطاب أهل الإسلام، كقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ وقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ ونحوه من الآيات.
فعلى ذلك: الأشبه أن يصرف الخطاب بها إلى أهل الإسلام؛ كأنَّ قوماً من أهل الإسلام منعوا أنفسهم عن التناول من هذه الذبائح واللحوم، فنهوا عن ذلك؛ [من] نحو ما روي في بعض القصة: "أن نفرا من أصحاب رسول الله هموا أن يخصوا أنفسهم وألا يعطوا أنفسهم شهواتهم وألا [يتناولوا شيئاً] من الطيبات، فنهوا عن ذلك.
وقيل: فيهم نزل قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ فيشبه أن يكون قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ فيهم أو لما علم أن قوماً من المتقشفة والمتزهدة يحرمون ذلك على أنفسهم، فنهوا عن ذلك.
فإن كان ما قال أهل التأويل فهو - والله أعلم - كأنه قال: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين، بما تعلمون [أن] الخلق والأمر له، وقد أنشأ لكم من الآيات ما تعلمون [به] ذلك، فكيف تحرمون ما ذكر اسم الله عليه، ثم أمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه، وعاتب من ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه بقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ولم يبين بم وبأي وجه بالذبح أو بغيره؟
وكذلك قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ ﴾ ولم يبين من أي وجه، لكن الناس اتفقوا على صرف ذلك إلى الذبح، فكان الذبح مضمرا فيه؛ كأنه قال: كلوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه، وما لكم ألا تأكلوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه.
ثم لا يخلو اتفاقهم بمعرفة ذلك: إما أن عرفوا ذلك بالسماع من رسول الله، أو عرفوا ذلك بنوازل [الأحكام]؛ إذ ليس في الآية بيانُ ذلك.
فكيفَما كان، ففيه دلالة نقض قول من يقول بأن من عرف نوازل الأحكام أو كان عنده رواية، فتركَ [روايته] يفسَّق؛ لأنه لما لم يذكر هاهنا النوازل ولا السماع دل أنه لا يفسق؛ إذ كان قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ذكر لمكان قول الثنوية؛ لأنهم يحرمون الذبائح ويقولون: ليس من الحكمة إيلام من لا ذنب له.
أو ذكر لمكان قول من يقول: إنكم أكلتم ما تذبحون بأيديكم ولا تأكلون ما تولى الله قتله.
ثم قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ أباح - عز وجل - من الأنعام ما ذكر اسم الله عليه، وحظر ما لم يذكر اسم الله عليه، ونهى عن أكله بقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ وبقوله: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ﴾ جعل المهَلّ لغير الله ميتةً حراما، وجعل المذكور اسم الله [عليه] ذكيّاً حلالا؛ فدل أن التسمية شرطٌ في أكل الذبيحة؛ لأنها لو لم تكن شرطا في حل الذبيحة لم يكن المُهلُّ به لغير اسم الله ميتة حراما، ولأنه سمى ما لم يذكر اسم الله عليه فسقاً، والفسقُ هو الخروج عن أمر الله؛ كقوله: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ أي: خرج؛ فدل أن التسمية شرط فيها.
ولهذا يحل لنا ذبائح أهل الكتاب إذا سمعناهم يذكرون اسم الله عليه، وإن كانوا ما يذكرون في الحقيقة غير الله؛ لأنهم لا يعرفون الله حقيقة، ولكن إذا ذكروا اسم الله عليه تحل لنا.
ولا يحل ذبائح أهل الشرك؛ لأن أهل الشرك لا يرون الذبائح رأساً؛ يذهبون مذهب الزنادقة، والزنادقة لا يرون الذبائح؛ يقولون لنا: إنكم تقولون: إن ربكم رحيم حكيم، وليس من الحكمة والرحمة أن يأمر أحداً بذبح آخر ويقتله؛ فيأكلون الميتة ولا يرون أكل الذبيحة، ويقولون: ليس هذا أمرَ مَن كان موصوفاً بالرحمة أو بالحكمة.
[لكنا نقول: إن كراهة الذبح والنفور عنه نفور طبع وكراهته كراهة طبع لا كراهة العقل.
فما يكرهه الطبع وينفر عنه يجوز أن يباح لما يعقب نفعاً في المتعقب نحو ما يباح الافتصاد والحجامة والتداوي بأدوية كريهة لنفع يعقب ويتأمل، وإن كان الطبع يكرهه وينفر عنه وليس هو مما يقبحه العقل إنما لا يجوز أن يباح بفعل ويؤمر به مما يقبحه العقل ويكرهه.
وأما كراهة الطبع ونفوره فإنه يجوز أن يباح لما ذكرنا ويرتفع ذلك بالعادة؛ فعلى ذلك الذبح كراهته كراهة الطبع لا كراهة العقل ونفوره].
والثاني: أن هذه الأشياء كلها إنما خلقت لنا وسخرت لمنافعنا لم تخلق لأنفسها، فإذا كان كذلك يحل لنا ذبحها والتناول منها بأمر الذي أنشأها لنا وسخرها لنا.
وبعد، فإن [من] مذهبهم أن العالم إنما كان بامتزاج النور والظلمة، والروحُ من النوراني والجسم من الظلماني ففي الذبح استخراج الروح ورده إلى أصله؛ إذ من قولهم: إنه يرجع كل إلى أصله في العاقبة، على ما كان في الأول.
[وأما الجواب عما] قاله أهل الشرك: "أكلتم ما ذبحتم أنتم وتركتم ذبيحة الله" فوجهان: أحدهما: ما قاله أهل التأويل: أن الخلق له وله الحكم عليهم؛ فأحل لهم هذا وحرم عليهم هذا.
والثاني: تعبدنا بذكر اسمه عليها؛ فصار [فيما ذكر] اسم الله إقامة عبادة تعبدنا بها، وفيما لم يذكر لم يكن عبادة؛ لذلك حل لنا ما كان في ذلك إقامة عبادة، ولم يحل لنا ما لم يكن فيها إقامة عبادة والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ هو في الظاهر أمر، لكن الأمر الذي يرجع إلى شهوات النفس ولذاتها فإنه يخرج على وجهين: إما أن يخرج على بيان ما يحل، أو النهي عما لا يحل؛ فهاهنا خرج على بيان ما يحل وتحريم ما لا يحل؛ كأنه قال: كلوا مما ذكر اسم الله عليه، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ .
هو صلة قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: ما لكم ألا تأكلوا وقد بيَّن لكم ما حرم عليكم من الميتة والدّم ولحم الخنزير.
﴿ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ [لأن أهل الشرك والزنادقة كانوا لا يرون أكل الذبيح، ويأكلون الميتة والدم فلهم خرج الخطاب ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ وقد بين لكم ما حرم عليكم، وهو الميتة والدم: ﴿ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ ].
قال الحسن: له أن يتناول من الميتة حتى يشبع؛ لأنه أحل له التناول، وعلى قولنا: لا يحل له الشبع؛ لأنه إنما أحل عند الاضطرار [وهو غير مضطر إلى] الشبع.
ويقول الحسن: لو ترك التناول منها حتى هلك لا شيء عليه؛ يقول: لأنه إنما أحلت له رخصة ورحمة، وليس على من لم يعلم بالرخص إثم، ولكن عندنا أنها أبيحت في حال الاضطرار؛ فإذا ترك التناول منها حتى هلك صار ملقيا نفسه في التهلكة، وقد حرم الله علينا أن نهلك أنفسنا أو نلقيها في التهلكة بقوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ﴾ ، ولا فرق بين ترك التناول من الميتة - وقد أحل لنا التناول [منها - حتى مات وبين ترك التناول] من غيرها من الأطعمة المحللة، أو يأتي بأسباب إتلاف النفس؛ فهما سواء.
ويقول - أيضاً -: له أن يتناول عند الاضطرار من مال غيره بلا بدل، وإذا نهى صاحبه عن ذلك يضمن بدل ذلك بالغاً ما بلغ فهذا بعيد.
لا يجوز أن يتناول من مال غيره ولا يلزمه البدل، وإذا نهاه عن ذلك يلزمه البدل؛ لأن من كان له حق التناول من مال آخر بغير بدل، ثم إذا نهى أو منع يلزمه البدل دل أنه ليس له التناول إلا ببدل، وقد ذكرنا هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ، دل هذا على أن الكل منهم لم يكونوا يضلون؛ ولكن البعض، هم الأئمة منهم والرؤساء؛ لأن الأتباع منهم كانوا لا يضلون الناس؛ إنما كانوا يضلون الكبراء منهم والعظماء، ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ .
وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾ .
اختلف فيه: فقيل: وذروا [ظاهر] الإثم بظاهر الجوارح وباطنها، ظاهر الجوارح من نحو: اليد، والرجل، واللسان، والعين.
وباطن الجوارح: القلوب، والضمائر.
وقيل: ذروا الإثم في ملأ من الخلق، وفي الخلاء منهم.
وقيل: ظاهر الإثم: ما ذكرنا، وباطنه: الزنا.
قال أبو بكر الكيساني: الزنا [هاهنا لا يحتمل]؛ لأنه الآية في ذكر [ما يحل من الأطعمة وما لا يحل، ولكن يجوز أن ابتدأ النهي عن الزنا، وإن كان أول الآية في ذكر الأطعمة]؛ ويصير قوله: ﴿ وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾ كأنه قال: وذروا المآثم [كلها] ما ظهر منها وما بطن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ ﴾ .
لا يتركون وما عملوا؛ ولكن [يجزون] جزاء ما عملوا من الإثم، وهو وعيد [لمن]، ﴿ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ ﴾ ويصرّون عليه ولا يتوبون ولا ينقلعون عنه [حتى ماتوا على ذلك بما ذكر.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ .
قال بعضهم: هو الميتة]، وهو قول ابن عباس، .
وقال بعضهم: ما أهل به لغير الله.
وقلنا نحن: هو ما لم يذكر اسم الله عليه؛ لأن الله قد صرح بتحريم الميتة بقوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ ﴾ .
[و] صرح بتحريم ما أهل لغير الله به بقوله: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ﴾ : [فإذا كان الميتة، وما أهل لغير الله به] تصريح [وتحريم] في غير هذا الموضع؛ رجع هذا الخطاب إلى تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه وكذلك صرح بتحريم الميتة وما أهل لغير الله به بقوله: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً...
﴾ الآية [الأنعام: 145]؛ فقوله - -: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ﴾ كان لا يجد في ذلك الوقت ثم وجد ما لم يذكر اسم الله عليه محرماً في حادث الوقت، وكذلك وجد كلَّ ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير محرماً في حادث الأوقات، كان لا يجد في [ذلك الوقت] محرماً إلا ما ذكر، ثم وجد أشياء محرمة من بعد.
وقال بعضهم من أهل التأويل قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ : حين قالوا: ما قتلتم وذبحتم أنتم فتأكلونه، وما قتل ربكم فتحرمونه، وأنتم تعظمون ربكم؟!
وهو من زخرف القول الذي يوحي بعضهم إلى بعض ما ذكر ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ﴾ .
لكنا نقول إن ما ذبح وقتل [هو ذبيح بالله] وقتيل به أيضاً؛ فقد أذن لنا بأكل بعض الذبيح وحرم أكل بعض، ولله أن يفعل ذلك، له أن يأذن في أكل بعض وتحريم أكل بعض، على ما أذن لنا في أكل بعض ما خلق الله من الأنعام ولم يأذن في أكل بعض؛ فعلى ذلك قد أذن في أكل بعض ما ذبح به وقتل ولم يأذن في بعض، وهو كله ذبيح بالله وقتيل به، وله ذلك.
والثاني: أن الخلق كله له ملكه، ولا يقال لأحد في ملكه: لم فعلت ذا؟
ولم تفعل ذا؟
إنما يقال ذلك في غير ملكه: كشريك يقول لشريكه: لم تعطني حقي، ولم توفر على نصيبي، فأما أن يقول في ذي ملك في ملكه فلا.
والثالث: ما ذكرنا: أنه تعبدنا بذكر اسم الله عليه [فكان في ذكر اسم الله عليه] إقامة عبادة؛ لذلك لم يجز هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ ، أخبر أنه ما لم يذكر اسم الله عليه فسق، كما أخبر أن التناول من الميتة وما أهل لغير الله به فسق، والفسق: هو الخروج عن أمر الله، والذي ترك ذكر اسم الله عليه: خارج عن أمر الله - - كالميتة التي ذكرنا، فإن قال قائل: إن قول الله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ؛ فكيف يجوز لكم أن تطلقوا أكل الذبيحة إذا ترك اسم الله ناسياً؟!
[قيل الخطاب بهذا لم يرجع إلى الذبيحة التي ترك ذكر اسم الله عليها ناسياً] لأن الذبائح إنما هي من عمل القصّابين والصبيان؛ فهم لم يعودوا أنفسهم ذكر اسم الله حتى يؤاخذوا بها على حفظ ذلك.
وهذا أصلنا: أن من لم يعود نفسه فعلاً يعذر في تركه وارتكابه في حال السهو والنسيان؟!
كالأكل في شهر رمضان ناسياً؛ لأنه عود نفسه الأكل والشرب، والصوم هو الكف عما اعتاد؛ فعذر في التناول منه والعود إلى العادة على السهو؛ لأنه يشتد على الناس حفظ النفس على خلاف العادة؛ ولأن الله - - قال: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ ، ولا خلاف في أن من نسي أن يسمي الله على ذبيحة - فليس بفاسق؛ وإنما يفسق من تركها عامداً؛ فدل أن الخطاب بالآية رجع إلى الذبيحة التي تركت التسمية [عليها] عمداً.
فإن قيل: ليس يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ : يريد به أن الذي يأكل منها إذا لم يسم الله عليها عامداً أو ساهياً - فاسق، وإن كان هذا هو التأويل؛ فالآية على الأكل، [الدليل] على [أن] قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ \[إشارة إلى الذبيح الذي ترك ذكر اسم الله عليه عمداً، دون أن يكون ذلك\] إشارة إلى أن الأكل من تلك الذبيحة فسق - قول الله - - ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ﴾ : فكان الإهلال بالذبيحة لغير الله فسقاً لمن فعله؛ فوجب أن يكون ترك اسم الله على الذبيحة فسقاً ممن تعمده، وذلك يوجب أن يكون قول الله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ خاصّاً في المتعمد لترك التسمية.
فإن قيل: كيف لم تجعلوا تارك التسمية ناسياً كتاركها عمداً؛ كما قلتم في التكبيرة الأولى في الصلاة: إن عمده وسهوه سواء؟
قيل: من قبيل أن الذبيحة إذا تعمد صاحبها ترك التسمية عليها إنما حرمت بنص القرآن؛ لأنه فسق فقلنا: متى زال الفسق عن الذابح زال التحريم عن الذبيحة؛ لأن التحريم إذا وقع لعلة، فزالت العلة - زال التحريم، ولم نقل: إن صلاة التارك للتكبيرة الأولى فسدت صلاته؛ لأنه فسق بتركه التكبيرة عمداً؛ فيلزمنا أن نفرق بين سهوها وعمدها؛ بل فسدت صلاته لأنه صلى بغير تكبير؛ فالتارك للتكبير عامداً أو ساهياً: تارك؛ فهما سواء، وروي في الخبر ما يؤيد ما قلنا: روي عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله : "ذبيحةُ المسلم حلالٌ سمى أو لم يسم ما لم يتعمد" وعن ابن عباس - - في رجل ذبح ونسي أن يذكر اسم الله، قال: "اسم الله في قلب كل مسلم؛ فليأكل" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ﴾ .
أهل التأويل صرفوا تأويل هذا إلى أن زخرف القول الذي يوحي بعضهم [إلى بعض] في الآية الأولى هو مجادلتهم في الذبيحة؛ حيث قالوا: ما قتلتم بأيديكم فتأكلونه، وما قتل الله فلا تأكلونه؟!
يعنون: فتلك مجادلتهم إياهم، ولكن يجادلون في هذا [في] وحدانية الله - - وفي إثبات الرسالة، والبعث بعد الموت، وفي كل شيء؛ حيث قالوا: ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ \[المؤمنون: 82\]: فأخبر أنهم لو أطاعوهم إنهم لمشركون أي: لو أطعتموهم فيما يجادلونكم ويوحون إليكم ﴿ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ما الذي يمنعكم -أيها المؤمنون- من أن تأكلوا مما ذكِر اسمُ الله عليه، وقد بيَّن لكم الله ما حرمه عليكم، فيجب عليكم تركه، إلا إذا ألجأتكم إليه الضرورة، فالضرورة تبيح المحظور، وإن كثيرًا من المشركين ليبعدون أتباعهم عن الحق بسبب آرائهم الفاسدة جهلًا منهم، حيث يُحِلُّون ما حرَّم الله عليهم من الميتة وغيرها، ويحرِّمون ما أحل الله لهم من البَحِيرة والوَصِيلة والحامي وغيرها، إن ربك -أيها الرسول- هو أعلم بالمتجاوزبن لحدود الله، وسيجازيهم على تجاوزهم لحدوده.
<div class="verse-tafsir" id="91.gBVXp"