الآية ١٢٠ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٢٠ من سورة الأنعام

وَذَرُوا۟ ظَـٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ ١٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٠ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٠ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال مجاهد : ( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) معصيته في السر والعلانية - وفي رواية عنه قال هو ما ينوي مما هو عامل .

وقال : قتادة : ( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) أي : قليله وكثيره ، سره وعلانيته .

وقال السدي : ظاهره : الزنا مع البغايا ذوات الرايات ، وباطنه : الزنا مع الخليلة والصدائق والأخدان .

وقال عكرمة : ظاهره : نكاح ذوات المحارم .

والصحيح أن الآية عامة في ذلك كله ، وهي كقوله تعالى : ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ) الآية [ الأعراف : 33 ] ; ولهذا قال تعالى : ( إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ) أي : سواء كان ظاهرا أو خفيا ، فإن الله سيجزيهم عليه .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه ، عن النواس بن سمعان قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإثم فقال : " الإثم ما حاك في صدرك ، وكرهت أن يطلع الناس عليه "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ودعوا، أيها الناس، (9) علانية الإثم، وذلك ظاهره= وسرّه، وذلك باطنه، .

كذلك:- 13794- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه)، أي: قليله وكثيره، وسرّه وعلانيته .

13795- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه)، قال: سره وعلانيته .

13796- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن أبي جعفر, عن الربيع بن أنس في قوله: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه)، يقول: سره وعلانيته= وقوله: مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، [سورة الأعراف: 33]، قال: سره وعلانيته .

13797- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس في قوله: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه)، قال: نهى الله عن ظاهر الإثم وباطنه، أن يعمل به سرًّا أو علانية, وذلك ظاهره وباطنه .

13798- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه)، معصية الله في السر والعلانية .

13799- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه)، قال: هو ما ينوي مما هو عامل .

* * * ثم اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بالظاهر من الإثم والباطن منه، في هذا الموضع.

فقال بعضهم: " الظاهر منه "، ما حرم جل ثناؤه بقوله: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ، [سورة النساء: 22 ]، وقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ الآية, و " الباطن منه "، الزنى .

* ذكر من قال ذلك: 13800- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير في قوله: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه)، قال: الظاهر منه: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ والأمهات والبنات والأخوات =" والباطن ".

الزنى .

* * * وقال آخرون: " الظاهر "، أولات الرايات من الزواني ، (10) والباطن: ذوات الأخدان .

* ذكر من قال ذلك: 13801- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) أما " ظاهره "، فالزواني في الحوانيت ، وأما " باطنه "، فالصديقة يتخذها الرجل فيأتيها سرًّا .

13802- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، [سورة الأنعام: 151].

كان أهل الجاهلية يستسرُّون بالزنى, ويرون ذلك حلالا ما كان سرًّا, فحرّم الله السر منه والعلانية =" ما ظهر منها "، يعني العلانية =" وما بطن "، يعني: السر .

13803- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي مكين وأبيه, عن خصيف, عن مجاهد: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، قال: " ما ظهر منها "، الجمع بين الأختين, وتزويج الرجل امرأة أبيه من بعده =" وما بطن "، الزنى .

* * * وقال آخرون: " الظاهر "، التعرّي والتجرد من الثياب، وما يستر العورة في الطواف =" والباطن "، الزنى .

* ذكر من قال ذلك: 13804- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، قال: ظاهره العُرْيَة التي كانوا يعملون بها حين يطوفون بالبيت ، (11) وباطنه: الزنى .

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره تقدم إلى خلقه بترك ظاهر الإثم وباطنه، وذلك سره وعلانيته.

و " الإثم " كل ما عُصِي الله به من محارمه, (12) وقد يدخل في ذلك سرُّ الزنى وعلانيته, ومعاهرة أهل الرايات وأولات الأخدان منهن, ونكاحُ حلائل الآباء والأمهات والبنات, والطواف بالبيت عريانًا, وكل معصية لله ظهرت أو بطنت .

وإذ كان ذلك كذلك, وكان جميعُ ذلك " إثمًا ", وكان الله عمّ بقوله: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه)، جميع ما ظهر من الإثم وجميع ما بطن= لم يكن لأحد أن يخصّ من ذلك شيئًا دون شيء، إلا بحجة للعذر قاطعة .

غير أنه لو جاز أن يوجَّه ذلك إلى الخصوص بغير برهان, كان توجيهه إلى أنه عنى بظاهر الإثم وباطنه في هذا الموضع، ما حرم الله من المطاعم والمآكل من الميتة والدم, وما بيَّن الله تحريمه في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ إلى آخر الآية, أولى, إذ كان ابتداء الآيات قبلها بذكر تحريم ذلك جرى، وهذه في سياقها.

ولكنه غير مستنكر أن يكون عنى بها ذلك, وأدخل فيها الأمر باجتناب كل ما جانسه من معاصي الله, فخرج الأمر عامًا بالنهي عن كل ما ظهر أو بطن من الإثم .

* * * القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين يعملون بما نَهاهم الله عنه، ويركبون معاصيَ الله ويأتون ما حرَّم الله=(سيجزون)، يقول: سيثيبهم الله يوم القيامة بما كانوا في الدنيا يعملون من معاصيه .

(13) --------------------- الهوامش : (9) انظر تفسير (( ذر )) فيما سلف ص : 57 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(10) (( أولات الرايات )) ، البغايا في الجاهلية ، كن ينصبن رايات عند خيامهن أو عند بيوتهن ، يعرفن بها .

(11) (( العرية )) ( بضم العين وسكون الراء ) ، مصدر (( عرى من ثوبه يعرى عريًا وعرية )) ، يقال : (( جارية حسنة العرية ، وحسنة المعرى والمعراة )) ، أي حسنة عند تجريدها من ثيابها .

(12) انظر تفسير (( الإثم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أثم ) .

(13) انظر تفسير (( كسب )) فيما سلف من فهارس اللغة ( كسب ) = وتفسير (( الجزاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جزا ) = وتفسير (( اقترف )) فيما سلف ص : 59 ، 60

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

للعلماء فيه أقوال كثيرة وحاصلها راجع إلى أن الظاهر ما كان عملا بالبدن مما نهى الله عنه , وباطنه ما عقد بالقلب من مخالفة أمر الله فيما أمر ونهى ; وهذه المرتبة لا يبلغها إلا من اتقى وأحسن ; كما قال : " ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا " [ المائدة : 93 ] .وهي المرتبة الثالثة حسب ما تقدم بيانه في " المائدة " .وقيل : هو ما كان عليه الجاهلية من الزنا الظاهر واتخاذ الحلائل في الباطن .وما قدمنا جامع لكل إثم وموجب لكل أمر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

المراد بالإثم: جميع المعاصي، التي تؤثم العبد، أي: توقعه في الإثم، والحرج، من الأشياء المتعلقة بحقوق الله، وحقوق عباده.

فنهى الله عباده، عن اقتراف الإثم الظاهر والباطن، أي: السر والعلانية، المتعلقة بالبدن والجوارح، والمتعلقة بالقلب، ولا يتم للعبد، ترك المعاصي الظاهرة والباطنة، إلا بعد معرفتها، والبحث عنها، فيكون البحث عنها ومعرفة معاصي القلب والبدن، والعلمُ بذلك واجبا متعينا على المكلف.

وكثير من الناس، تخفى عليه كثير من المعاصي، خصوصا معاصي القلب، كالكبر والعجب والرياء، ونحو ذلك، حتى إنه يكون به كثير منها، وهو لا يحس به ولا يشعر، وهذا من الإعراض عن العلم، وعدم البصيرة.

ثم أخبر تعالى، أن الذين يكسبون الإثم الظاهر والباطن، سيجزون على حسب كسبهم، وعلى قدر ذنوبهم، قلَّت أو كثرت، وهذا الجزاء يكون في الآخرة، وقد يكون في الدنيا، يعاقب العبد، فيخفف عنه بذلك من سيئاته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) يعني : الذنوب كلها لأنها لا تخلو من هذين الوجهين ، قال قتادة : علانيته وسره ، وقال مجاهد : ظاهر الإثم ما يعمله بالجوارح من الذنوب ، وباطنه ما ينويه ويقصده بقلبه كالمصر على الذنب القاصد له .

وقال الكلبي : ظاهره الزنا وباطنه المخالة ، وأكثر المفسرين على أن ظاهر الإثم الإعلان بالزنا ، وهم أصحاب الروايات ، وباطنه الاستسرار به ، وذلك أن العرب كانوا يحبون الزنا فكان الشريف منهم يتشرف ، فيسر به ، وغير الشريف لا يبالي به فيظهره ، فحرمهما الله عز وجل ، وقال سعيد بن جبير : ظاهر الإثم نكاح المحارم وباطنه الزنا .

وقال ابن زيد : ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعري في [ الطواف ] والباطن الزنا ، وروى حبان عن الكلبي : ظاهر الإثم طواف الرجال بالبيت نهارا عراة ، وباطنه طواف النساء بالليل عراة ، ( إن الذين يكسبون الإثم سيجزون ) في الآخرة ، ( بما كانوا يقترفون ) [ يكتسبون في الدنيا ] .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وذروا» أُتركوا «ظاهر الإثم وباطنه» علانيته وسره والإثم قيل الزنا، وقيل كل معصية «إن الذين يكسبون الإثم سيُجزون» في الآخرة «بما كانوا يقترفون» يكتسبون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واتركوا -أيها الناس- جميع المعاصي، ما كان منها علانية وما كان سرًّا.

إن الذين يفعلون المعاصي سيعاقبهم ربهم؛ بسبب ما كانوا يعملونه من السيئات.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله عباده أن يتركوا ما ظهر من الآثام وما استتر فقال :{ وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإثم وَبَاطِنَهُ } أى اتركوا جميع المعاصى ما كان منها سرا وما كان منها علانية ، أو ما كان منها بالجوارج وما كان منها بالقلوب ، لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شىء .ثم بين - سبحانه - عاقبة المرتكبين للآثام فقال : { إِنَّ الذين يَكْسِبُونَ الإثم سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ } أى : إن الذين يعملون المعاصى ويرتكبون القبائح الظاهرة والباطنة لن ينجو من المحاسبة والمؤاخذة بل سيجزون بما يستحقونه من عقوبات بسبب اجتراحهم للسيئات .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين أنه فصل المحرمات أتبعه بما يوجب تركها بالكلية بقوله: ﴿ وَذَرُواْ ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ ﴾ والمراد من الإثم ما يوجب الإثم، وذكروا في ظاهر الإثم وباطنه وجهين: الأول: أن ﴿ ظاهر الإثم ﴾ الإعلان بالزنا ﴿ وَبَاطِنَهُ ﴾ الاستسرار به.

قال الضحاك: كان أهل الجاهلية يرون الزنا حلالاً ما كان سراً، فحرم الله تعالى بهذه الآية السر منه والعلانية.

الثاني: أن هذا النهي عام في جميع المحرمات وهو الأصح، لأن تخصيص اللفظ العام بصورة معينة من غير دليل غير جائز، ثم قيل: المراد ما أعلنتم وما أسررتم، وقيل: ما عملتم وما نويتم.

وقال ابن الأنباري: يريد وذروا الإثم من جميع جهاته كما تقول: ما أخذت من هذا المال قليلاً ولا كثيراً، تريد ما أخذت منه بوجه من الوجوه، وقال آخرون: معنى الآية النهي عن الإثم مع بيان أنه لا يخرج من كونه إثماً بسبب إخفائه وكتمانه، ويمكن أن يقال: المراد من قوله: ﴿ وَذَرُواْ ظاهر الإثم ﴾ النهي عن الإقدام على الإثم، ثم قال: ﴿ وَبَاطِنَهُ ﴾ ليظهر بذلك أن الداعي له إلى ترك ذلك الإثم خوف الله لا خوف الناس.

وقال آخرون: ﴿ ظاهر الإثم ﴾ أفعال الجوارح ﴿ وَبَاطِنَهُ ﴾ أفعال القلوب من الكبر والحسد والعجب وإرادة السوء للمسلمين، ويدخل فيه الاعتقاد والعزم والنظر والظن والتمني واللوم على الخيرات، وبهذا يظهر فساد قول من يقول: إن ما يوجد في القلب لا يؤاخذ به إذا لم يقترن به عمل فإنه تعالى نهى عن كل هذه الأقسام بهذه الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَكْسِبُونَ الإثم سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ ﴾ ومعنى الاقتراف قد تقدم ذكره.

وظاهر النص يدل على أنه لابد وأن يعاقب المذنب، إلا أن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب، وأصحابنا زادوا شرطاً ثانياً، وهو أنه تعالى قد يعفو عن المذنب فيترك عقابه كما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ ﴾ ما أعلنتم منه وما أسررتم.

وقيل: ما عملتم وما نويتم.

وقيل: ظاهره الزنا في الحوانيت، وباطنه الصديقة في السرّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ ﴾ ما يُعْلَنُ وما يُسَرُّ، أوْ ما بِالجَوارِحِ وما بِالقَلْبِ.

وقِيلَ الزِّنا في الحَوانِيتِ واتِّخاذُ الأخْدانِ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ﴾ يَكْتَسِبُونَ.

﴿ وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ظاهِرٌ في تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أوْ نِسْيانًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ داوُدُ وعَنْ أحْمَدَ مِثْلُهُ، وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ بِخِلافِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ وإنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ».» وَفَرَّقَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ وأوَّلَهُ بِالمَيْتَةِ أوْ بِما ذُكِرَ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ فَإنَّ الفِسْقَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، والضَّمِيرُ لِما ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْأكْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ولا تَأْكُلُوا.

﴿ وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ ﴾ لَيُوَسْوِسُونَ.

﴿ إلى أوْلِيائِهِمْ ﴾ مِنَ الكُفّارِ.

﴿ لِيُجادِلُوكُمْ ﴾ بِقَوْلِهِمْ تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ أنْتُمْ وجَوارِحُكم وتَدَعُونَ ما قَتَلَهُ اللَّهُ، وهو يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ بِالمَيْتَةِ.

﴿ وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ ﴾ في اسْتِحْلالِ ما حَرَّمَ.

﴿ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ ﴾ فَإنَّ مَن تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى إلى طاعَةِ غَيْرِهِ واتَّبَعَهُ في دِينِهِ فَقَدْ أشْرَكَ، وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ الفاءِ فِيهِ لِأنَّ الشَّرْطَ بِلَفْظِ الماضِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَذَرُواْ ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ} علانيته وسره أو الزنا في الحوانيت والصديقة في السر أو الشرك الجلي والخفي {إِنَّ الذين يَكْسِبُونَ الإثم سَيُجْزَوْنَ} يوم القيامة {بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} يكتسبون فى الدنيا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ ﴾ أيْ ما يُعْلَنُ وما يُسَرُّ كَما قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ أوْ ما بِالجَوارِحِ وما بِالقَلْبِ كَما قالَ الجُبّائِيُّ أوْ نِكاحَ ما نَكَحَ الآباءُ ونَحْوَهُ والزِّنا بِالأجْنَبِيّاتِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أوِ الزِّنا في الحَوانِيتِ واتِّخاذِ الأخْدانِ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وقَدْ رُوِيَ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الزِّنا إذا ظَهَرَ كانَ إثْمًا وإذا اسْتَسَرَّ بِهِ صاحِبُهُ فَلا إثْمَ فِيهِ.

قالَ الطَّيِّبِيُّ وهو عَلى هَذا الوَجْهِ مَقْصُودٌ بِالعَطْفِ مُسَبَّبٌ عَنْ عَدَمِ الِاتِّباعِ وعَلى الأوَّلِ مُعْتَرِضٌ تَوْكِيدًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَكُلُوا ﴾ أوَّلًا ﴿ ولا تَأْكُلُوا ﴾ ثانِيًا وهو الوَجْهُ ولَعَلَّ الأمْرَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَبَلَهُ مِثْلُهُ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ ﴾ أيْ يَعْمَلُونَ المَعاصِيَ الَّتِي فِيها الإثْمُ ويَرْتَكِبُونَ القَبائِحَ الظّاهِرَةَ أوِ الباطِنَةَ ﴿ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ﴾ (120) أيْ يَكْسِبُونَ الإثْمَ كائِنًا ما كانَ فَلا بُدَّ مِنِ اجْتِنابِ ذَلِكَ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ يعني: زنى السر والعلانية لأن أهل الجاهلية كانوا يحرمون الزنى في العلانية، ولا يرون به بأساً في السر.

فأخبر الله تعالى أن الزنى حرام في السر والعلانية.

ويقال: ظاهر الإثم وهو الزنى وباطنه القُبْلة واللَّمس والنظر.

وقال الضحاك ظاهِرَ الْإِثْمِ الزنى وباطنه نكاح الأمهات والأخوات وقال قتادة: ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ يعني: قليله وكثيره.

ويقال: ظاهره ارتكاب المعاصي، وباطنه ترك الفرائض.

ويقال: باطنه الرياء في الأعمال.

ويقال: الكفر ويقال: جميع المعاصي.

إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ يقول: يعملون الفواحش ويتكلمون بها سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ سيعاقبون بما كانوا يكسبون من الإثم.

قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي: وإن كثيراً ليُضلون بأهوائهم بضم الياء يعني: يضلون الناس.

وقرأ الباقون لَيُضِلُّونَ بنصب الياء يعني يَضلون بأنفسهم.

قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يعني: ما لم يُذَك ولم يذبح أو ذبح بغير اسم الله وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ يعني: أكله معصية واستحلاله كفر.

وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ يعني: يوسوسون إلى أوليائهم من المشركين لِيُجادِلُوكُمْ يقول: ليخاصموكم في أكل الميتة.

وهو قولهم: ما قتله الله فهو أولى أن يؤكل.

وروي عن عبد الله بن الزبير أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ المختار يقول: يوحى إليّ فقال، صَدَق وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ.

قال الفقيه قال: حدثنا أبو الفضل بن أبي حفص قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال قال المشركون للمسلمين: ما قتل ربكم ومات فلا تأكلوه وما قتلتم أنتم وذبحتم فتأكلوه فأوحى الله تعالى إلى النبيّ  وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ...

إلى قوله: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ يعني: في أكل الميتة واستحلاله إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ مثلهم ففي الآية دليل أن من استحل شيئاً مما حرم الله تعالى صار مشركا.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ...

الآية: المعنى: فامض، يا محمَّد لما أُمِرْتَ به، وبلِّغ ما أُرْسِلْتَ به، فإنك إنْ تطع أكثر من في الأرض يضلُّوك، قال ابنُ عباس «١» : الأرض هنا: الدنيا، وحُكِي أنَّ سبب هذه الآية أنَّ المشركين جادلوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أمر الذبائحِ، وقالوا: أتأكُلُ ما تقتُلُ، وتترُكُ ما قَتَلَ اللَّه، فنزلَتِ الآية، ثم وصفهم تعالى بأنهم إنما يقتدون بظنونهم ويتَّبعون تخرُّصهم، والخَرْصُ: الحَرْز والظنُّ، وهذه الآية/ خبر في ضمْنه وعيدٌ للضالِّين، ووعدٌ للمهتدين، وقوله سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ...

الآية: القصْد بهذه الآية النهْيُ عما ذبح للنُّصُب وغيرها، وعن الميتة وأنواعها، ولا قصد في الآية إلى ما نَسِيَ المؤمن فيه التسميَة أو تعمّدها بالترك.

وقوله سبحانه: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا ...

الآية: «ما» : استفهام يتضمَّن التقريرَ، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، أي: فصَّل الحرامَ من الحلالِ، وانتزعه بالبيانِ، و «ما» في قوله: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ، يريد بها: مِنْ جميع ما حَرَّم كالميتة وغيرها، وهي في موضع نَصْب بالاستثناء، والاستثناءُ منقطعٌ.

وقوله سبحانه: وَإِنَّ كَثِيراً يريد الكفرة المحادِّين المجادلين، ثم توعَّدهم سبحانه بقوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ.

وقوله جلَّت عظمته: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ- نهْيٌ عامٌّ، والظاهرُ والباطنُ:

يستوفيان جميع المعاصي، وقال قوم: الظاهر: الأعمالُ، والباطنُ: المعتَقَد، وهذا أيضاً حسن لأنه عامٌّ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي أُمَامة، قال: سأل رجل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: مَا الإثْمُ؟

قَالَ: «مَا حَكَّ فِي صَدْرِكَ، فَدَعْهُ» «٢» ، وروى ابن المبارك أيضاً بسنده أنَّ رجلاً قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَحِلُّ لِي مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيَّ؟

فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم

فَرَدَّ عَلَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَسْكُتُ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ» فَقَالَ: أَنَا ذَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَا أَنْكَرَ قَلْبُكَ، فَدَعْهُ» «١» .

انتهى، وقد ذكرنا معناه مِنْ طرُقٍ في غير هذا الموضعِ، فأغنى عن إعادته.

ثم توعَّد تعالى كَسَبَةَ الإثمِ بالمجازاةِ على ما اكتسبوه من ذلك، والاقتراف:

الاكتساب.

وقوله سبحانه: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ...

الآية:

مقصد الآية النهْيُ عن الميتة إذ هي جواب لقول المشركين: تَتْرُكُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ، ومع ذلك، فلفظها يعمُّ ما تُرِكَتِ التسميةُ عليه من ذبائِحِ الإسلام «٢» ، وبهذا العمومِ تعلَّق ابن عمر وابنُ سيرينَ والشَّعْبِيُّ وغيرهم فقالوا: ما تُرِكَتِ التسميةُ علَيْه، لم يؤكَلْ، عمدا كان أو نسيانا «٣» ، وجمهورُ العلماء على أنه يؤكل إن كان تركُها نسياناً بخلاف العَمْدِ، وقيل:

يؤكل، سواءٌ تركَتْ عمداً أو نسياناً، إلا أنْ يكون مستخِفًّا.

وقوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ ...

الآية: قال عكرمة: هم مردة الإنس من مجوس

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ ﴾ في الإثْمِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الزِّنا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَعَلى هَذا، في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ ظاهِرَهُ: الإعْلانُ بِهِ، وباطِنَهُ: الِاسْتِسْرارُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

قالَ الضَّحّاكُ: وكانُوا يَرَوْنَ الِاسْتِسْرارَ بِالزِّنا حَلالًا.

والثّانِي: أنَّ ظاهِرَهُ نِكاحُ المُحَرَّماتِ، كالأُمَّهاتِ، والبَناتِ، وما نَكَحَ الآَباءُ.

وباطِنُهُ: الزِّنا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ إثْمٍ.

والمَعْنى: ذَرُوا المَعاصِيَ، سِرَّها وعَلانِيَتَها؛ وهَذا مَذْهَبُ أبِي العالِيَةَ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والزَّجّاجٍ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: ذَرُوا الإثْمَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ الإثْمَ: المَعْصِيَةُ، إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ هاهُنا أمْرٌ خاصٌّ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ظاهِرُهُ هاهُنا: نَزْعُ أثْوابِهِمْ، إذْ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، وباطِنُهُ: الزِّنا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمِ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ﴾ هَذا نَهْيٌ عامٌّ مِن طَرَفَيْهِ؛ لِأنَّ الإثْمَ يَعُمُّ الأحْكامَ والنِسَبَ اللاحِقَةَ لِلْعُصاةِ عن جَمِيعِ المَعاصِي؛ والظاهِرُ والباطِنُ يَسْتَوْفِيانِ جَمِيعَ المَعاصِي؛ وقَدْ ذَهَبَ المُتَأوِّلُونَ إلى أنَّ الآيَةَ مِن ذَلِكَ في مُخَصَّصٍ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: ظاهِرُهُ الزِنا الشَهِيرُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ؛ وباطِنُهُ اتِّخاذُ الأخْدانِ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اَلظّاهِرُ ما نَصَّ اللهُ تَعالى عَلى تَحْرِيمِهِ مِنَ النِساءِ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ والباطِنُ الزِنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُ التَعَرِّيَ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ في طَوافِها؛ قالَ قَوْمٌ: اَلظّاهِرُ الأعْمالُ؛ والباطِنُ المُعْتَقَدُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا حَسُنَ؛ لِأنَّهُ عامٌّ.

ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى كَسَبَةَ الإثْمِ بِالمُجازاةِ عَلى ما اكْتَسَبُوهُ مِن ذَلِكَ؛ وتَحَمَّلُوا ثِقْلَهُ؛ و"اَلِاقْتِرافُ": اَلِاكْتِسابُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَذَرُواْ ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ ﴾ .

جملة معترضة، والواو اعتراضيّة، والمعنى: إنْ أردتم الزّهد والتقرّب إلى الله فتقرّبوا إليْه بترك الإثم، لا بترك المباح.

وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿ ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البرّ من آمن بالله ﴾ [البقرة: 177] الآية.

وتقدّم القول على فعل (ذَر) عند قوله تعالى: ﴿ وذرِ الذين اتَّخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ في هذه السّورة [70].

والإثم تقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ قل فيهما إثم كبير ﴾ في سورة [البقرة: 219].

والتّعريف في الإثم: تعريف الاستغراق، لأنَّه في المعنى تعريف للظاهر وللباطن منه، والمقصود من هذين الوصفين تعميم أفراد الإثم لانحصارها في هذين الوصفين، كما يقال: المَشرق والمغرب والبَرّ والبحر، لقصد استغراق الجهات.

وظاهر الإثم ما يراه النّاس، وباطنُه ما لا يطّلع عليه النّاس ويقع في السرّ، وقد استوعب هذا الأمر ترك جميع المعاصي.

وقد كان كثير من العرب يراءون النّاس بعمل الخير، فإذا خلوا ارتكبوا الآثام، وفي بعضهم جاء قوله تعالى: ﴿ ومن النّاس مَن يعجبك قوله في الحياة الدّنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام وإذا تولَّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل والله لا يحبّ الفساد وإذا قيل له اتَّق الله أخذته العزّة بالإثم فحسبه جهنّم ولبئس المهاد ﴾ [البقرة: 204، 206].

﴿ إِنَّ الذين يَكْسِبُونَ الإثم سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ ﴾ .

تعليل للأمر بترك الإثم، وإنذارٌ وإعذار للمأمورين، ولذلك أكَّد الخبر ب (إنّ)، وهي في مثل هذا المقام، أي مقام تعقيب الأمر أو الإخبار تفيد معنى التّعليل، وتغني عن الفاء، ومثالها المشهور قول بشار: إنّ ذاك النّجاحَ في التّبكير *** وإظهار لفظ الإثم في مقام إضماره إذ لم يقل: إنّ الّذين يكسبونه لزيادة التّنديد بالإثم، وليستقرّ في ذهن السّامع أكمل استقرار، ولتكون الجملة مستقلّة فتسير مسير الأمثال والحكم.

وحرف السّين، الموضوع للخبر المستقبل، مستعمل هنا في تحقّق الوقوع واستمراره.

ولمّا جاء في المذنبين فعلُ يكسبون المتعدي إلى الإثم، جاء في صلة جَزائهم بفعل (يقترفون)، لأنّ الاقتراف إذا أطلق فالمراد به اكتساب الإثم كما تقدّم آنفاً في قوله تعالى: ﴿ وليقترفوا ما هم مقترفون ﴾ [الأنعام: 113].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سِرُّهُ وعَلانِيَتُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: ظاهِرُ الإثْمِ: ما حُرِّمَ مِن نِكاحِ ذَواتِ المَحارِمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ ﴾ الآيَةَ.

وَباطِنُهُ الزِّنى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّ ظاهِرَ الإثْمِ أُولاتُ الرّاياتِ مِنَ الزَّوانِي، والباطِنُ ذَواتُ الأخْدانِ، لِأنَّهُنَّ كُنَّ يَسْتَحْلِلْنَهُ سِرًّا، قالَهُ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّ ظاهِرَ الإثْمِ العِرْيَةُ الَّتِي كانُّو يَعْمَلُونَ بِها حِينَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، وباطِنُهُ الزِّنى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّ ظاهِرَ الإثْمِ ما يَفْعَلُهُ بِالجَوارِحِ، وباطِنُهُ ما يَعْتَقِدُهُ بِالقَلْبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنأكل مما قتلنا ولا نأكل مما يقتل الله؟

فأنزل الله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين ﴾ إلى قوله: ﴿ وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ فإنه حلال ﴿ إن كنتم بآياته مؤمنين ﴾ يعني بالقرآن مصدقين ﴿ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ يعني الذبائح ﴿ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ﴾ يعني ما حرم عليكم من الميتة ﴿ وإن كثيراً ﴾ من مشركي العرب ﴿ ليضلون بأهوائهم بغير علم ﴾ يعني في أمر الذبائح وغيره ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وقد فصل لكم ﴾ يقول: بين لكم ﴿ ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ﴾ أي من الميتة والدم ولحم الخنزير.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وقد فصل لكم ﴾ مثقلة بنصب الفاء ﴿ ما حرم عليكم ﴾ برفع الحاء وكسر الراء ﴿ وإن كثيراً ليضلون ﴾ برفع الياء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وذروا ظاهر الإثم ﴾ قال: هو نكاح الأمهات والبنات ﴿ وباطنه ﴾ قال: هو الزنا.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ قال: الظاهر منه ﴿ لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ [ النساء: 22] و ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ﴾ [ النساء: 23] الآية، والباطن الزنا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ قال: علانيته وسره.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ قال: ما يحدث به الإنسان نفسه مما هو عامله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ قال: نهى الله عن ظاهر الاثم وباطنه أن يعمل به.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾ الآية.

أكثر المفسرين (١) ﴿ ظَاهِرَ الْإِثْمِ ﴾ الإعلان بالزنا ﴿ وَبَاطِنَهُ ﴾ الاستسرار به).

فقال ابن عباس: (كانت العرب يحبون الزنا، وكان الشريف يتشرف أن يزني [فيسر (٢) ﴿ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿[وَ] (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ ظَاهِرَ الْإِثْمِ ﴾ الزنا، ﴿ وَبَاطِنَهُ ﴾ المُخالَّة (٧) ﴿ وَبَاطِنَهُ ﴾ الصديقة يزني بها سرًّا) (٨) وذهب جماعة (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقال أبو إسحاق: (الذي يدل عليه الكلام أن المعنى: اتركوا الإثم ظهر أو بطن، أي: لا تقربوا ما حرم عليكم جهرًا ولا سرًّا) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ ﴾ \[إلى آخرها\] (١٨) (١٩) (١) حكاه عن أكثر المفسرين البغوي في "تفسيره" 3/ 182، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 586، والفراء في "معانيه" 1/ 352، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 1/ 169، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 510، ومكي في "تفسير المشكل" ص 79.

(٢) في (ش): (فيستر ذلك).

(٣) لفظ: (الواو) ساقط من النسخ.

(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 107، والثعلبي في "الكشف" 183 أ، عن مرة الهمذاني، والبغوي في "تفسيره" 3/ 182، بدون نسبة، وفي "تنوير المقباس" 2/ 55، و"زاد المسير" 3/ 113، نحوه عن ابن عباس.

(٥) أخرجه الطبري 8/ 14، بسند ضعيف، وذكره الثعلبي 183 أ، وابن الجوزي 3/ 114.

(٦) "تنوير المقباس" 2/ 55.

(٧) المخالة، بالضم: المصادقة، وأصل الخُلَّة والمحبة التي تخللت القلب فصارت في باطنه.

انظر: "اللسان" 1252 مادة (خلل).

(٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 14، وابن أبي حاتم 4/ 1377 بسند جيد.

(٩) وهذا القول هو الراجح وما ذكر من باب التمثيل، وهو اختيار أكثر المفسرين.

انظر: "تفسير الطبري" 8/ 15، و"معاني النحاس" 2/ 480، و"تفسير ابن عطية" 5/ 332، وقال الرازي في "تفسيره" 13/ 167: (هذا نهي عام في جميع المحرمات، وهو الأصح؛ لأن تخصيص اللفظ العام بصورة معينة من غير دليل غير جائز).

اهـ.

وقال القرطبي في "تفسيره" 7/ 74: (للعلماء فيه أقوال كثيرة، وحاصلها راجع إلى أن الظاهر ما كان عملًا بالبدن مما نهى الله عنه، وباطنه ما عقد بالقلب من مخالفة أمر الله فيما أمر ونهى ..) اهـ.

(١٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 14 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 78.

(١١) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 217، والطبري 8/ 13، وابن أبي حاتم 4/ 1377 من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 78.

(١٢) في (أ): (قليلاً أو كثيراً).

(١٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 107، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 114، والرازي في "تفسيره" 13/ 167.

(١٤) "معاني الزجاج" 3/ 287.

(١٥) ذكره الرازي 13/ 167، وانظر: السمرقندي 1/ 510.

(١٦) في (أ): (إذا علم).

(١٧) تقدم تخريجه.

(١٨) في (أ): (إلى آخره).

(١٩) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 15، و"معاني النحاس" 2/ 481، و"تفسير السمرقندي" 1/ 510.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَذَرُواْ ظاهر الإثم وباطنه ﴾ لفظ يعم أنواع المعاصي: لأن جميعها إما باطن وإما ظاهر؛ وقيل: الظاهر الأعمال، والباطن الاعتقاد ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ الضمير لمصدر ولا تأكلوا ﴿ وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ ليجادلوكم ﴾ سببها أن قوماً من الكفار قالوا: إنا نأكل ما قتلناه، ولا نأكل ما قتل الله يعنون الميتة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ قبلاً ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون: بضمتين.

﴿ منزل ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحفص والمفضل.

﴿ كلمة ربك ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ كلمات ﴾ ﴿ من يضل ﴾ من الإضلال: الأصبهاني عن نصير، فصل على البناء للفاعل و ﴿ حرم ﴾ على البناء للمفعول: حمزة وخلف وعاصم غير حفص والمفضل، وقرأ أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وحفص جميعاً بالفتح الباقون: على البناء للمفعول فيهما ﴿ ليضلون ﴾ بضم الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون: بالفتح.

الوقوف: ﴿ يجهلون ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ مفصلاً ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه ﴿ وعدلاً ﴾ ه ﴿ لكلماته ﴾ ج لابتداء الضمير المنفصل مع احتمال الواو الحال أي لا تبديل لكلماته وهو يسمع ويعلم، ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ج ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ بالمعتدين ﴾ ه ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ يقترفون ﴾ ه ﴿ لفسق ﴾ ط ﴿ ليجادلوكم ﴾ ج ﴿ لمشركون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في تفصيل ما أجمله قوله ﴿ أنها إذا جاءت لا يؤمنون  ﴾ وكان المستهزؤن بالقرآن خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب والحرث بن حنظلة، أتوا الرسول صلى الله عليه وآله في رهط من أهل مكة فقالوا: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله  ، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقول أم باطل، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً على ما تدعيه، فنفى الله  عنهم الإيمان وإن أوتوا هذه المقترحات.

قال أبو زيد: يقال لقيت فلاناً قبلاً وقبلاً ومقابلة كلها بمعنى واحد وهو المواجهة رواه الواحدي، وقال أبو عبيدة والفراء والزجاج: قبلاً بكسر القاف معناه معاينة.

روي عن أبي ذر قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله: أكان آدم نبياً؟

قال: نعم، كان نبياً كلمه الله  قبلاً، وأما قبلاً بضمتين فقيل: إنه جمع قبيل ومعناه الجماعة تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى مثل الروم والزنج والعرب ولهذا قال الأخفش في تفسيره أي قبيلاً قبيلاً.

أو معناه الكفيل والعريف من قبل به يقبل قبالة، والمعنى لو حشرنا عليهم كل شيء فكفلوا بصحة ما يقول ما آمنوا، وموضع الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق، ومنها حي ومنها ميت، فإذا حشرها الله  على اختلاف طبائعها مجتمعة في موقف واحد ثم أنطقها وأطبقوا على قبول هذه الكفارة كان ذلك من أعظم المعجزات، أما قوله  : ﴿ ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ﴾ إيمانهم، فقد قالت الأشاعرة: فلما لم يؤمنوا دل على أنه  ما شاء إيمانهم، وقالت المعتزلة: لو لم يرد منهم الإيمان لما وجب عليهم الإيمان كما لو لم يأمرهم به لم يجب، ولو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر في كفره مطيعاً لله لأنه لا معنى للطاعة إلا فعل المراد، ولو جاز من الله  أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به، ولجاز أن يأمرنا بأن نريد الكفر.

فالمراد من الآية أنه شاء من الكل الإيمان الاختياري وما شاء الإيمان القهري.

والمعنى: ما كانوا ليؤمنوا إيماناً اختيارياً إلا أن يشاء الله مشيئة إكراه واضطرار فحينئذ يؤمنون، وزيف بأن الاختيار لا بد معه من حصول داعية يترجح بها أحد طرفي الممكن، ولا تحصل تلك الداعية إلا بتخليق الله  فكأنه لا اختيار.

قال الجبائي: قوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ يدل على حدوث المشيئة إذ لو كانت قديمة وهي الشرط لزم من حصولها حصول المشروط.

وأجيب بأنها قديمة إلا أن تعلقها بأحداث المحدث في الحال إضافة حادثة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قالت الأشاعرة: أي لا يعلمون أن الكل بقضاء الله وبقدره.

وقالت المعتزلة: إنهم لا يدرون أنهم يبقون كفاراً عند ظهور الآية التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم، أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرهم فيطمعون في إيمانهم الاختياري بمجيء الآيات المقترحات.

ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ قيل: إنه منسوق على قوله: ﴿ وكذلك زينا  ﴾ أي وكما زينا لكل أمة عملهم ﴿ جعلنا ﴾ وقيل: إن المشار إليه محذوف أي وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم نمنعهم من العداوة لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر.

قالت الأشاعرة: لا شك أن تلك العداوة معصية وكفر، وأن جعلها شرفاً لآية تدل على أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله.

قال الجبائي: المراد بهذا الجعل أنه حكم وبين فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل إنه كفره، وإذا أخبر عن عدالته قيل عدله.

وقال الكعبي: إنه أمر الأنبياء.

لأن العداوة تكون من الجانبين.

أجاب أبو بكر الأصم بأنه لما أرسل محمداً إلى العالمين وخصه بتلك المعجزات صار ذلك التخصيص سبباً للحسد والعداوة أو للبغضاء فهذا هو المراد بجعلهم أعداء له.

وزيف بأن الأفعال مستندة إلى الدواعي وهي من الله  ، وبأن العداوة والمحبة متعلقة بالطبع لا بالإرادة والتكلف فلا يقدر عليها إلا الله  ، وانتصاب ﴿ الشياطين ﴾ كما مر في قوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن  ﴾ قال الزجاج وابن الأنباري: ﴿ عدوّا ﴾ في معنى الجمع، ولقائل أن يقول: لا حاجة إلى هذا التكلف لصحة قولنا: وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوّاً واحداً: إذ ليس يجب أن يحصل لكل واحدة من الأنبياء أكثر من عدو واحد.

عن ابن عباس: كل عات متمرد من الجن والإنس فهو شيطان.

وقال مجاهد وقتادة والحسن: إن من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، وإن شيطان الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليعينه عليه.

"روي أن النبي  وآله قال لأبي ذر: هل تعوّذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟

قال: قلت: وهل للإنس من شياطين؟

قال: نعم، هم شر من شياطين الجن" .

وقيل: إن الجميع من ولد إبليس إلا أن الذي يوسوس للإنس يسمى شيطان الإنس، والذي يوسوس للجن يسمى شيطان الجن.

وزيف بأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين.

وعن مالك بن دينار أن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجن لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجن عني وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً.

ومعنى الإيحاء الإيمان أو القول السريع أي يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، وكذلك بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض، وكأنه لا يتصوّر وسوسة الإنس إلى الجن إلا على تقدير القول بالتسخير.

و ﴿ زخرف القول ﴾ ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي، والتحقيق فيه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور خيرية أو نفعاً لم يرغب فيه.

ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقاً للواقع فهو الحق والصدق والإلهام وكان صادراً من الملك وإلا كان مزخرفاً أي يكون باطنه فاسداً وظاهره مزيناً، قال الواحدي: ﴿ غروراً ﴾ نصب على المصدر لأن إيحاء الزخرف من القول في معنى الغرور.

﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ استدلال الأشاعرة به ظاهر والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء.

﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ منصوب على أنه مفعول معه أو مفعول به أي وافتراءهم أو ما يفترونه.

قال ابن عباس: يريد ما زين لهم إبليس وغرهم به، وفيه تحذير من الكفر وترغيب في الإيمان وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتنبيه له على ما أعد للكفرة من العقاب وله من الثواب بسبب صبره على سفاهتهم وتلطفه بهم.

الصغو في اللغة الميل.

يقال في المستمع إنه مصغ إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت.

وأصغى الإناء إذا أماله حتى انصب بعضه في بعض.

ويقال للقمر إذا مال إلى الغروب صغا وأصغى.

قال الجوهري: صغا يصغو ويصغي صغواً أي مال، وكذلك صغى بالكسر يصغي بالفتح صغى وصغياً، واللام في ﴿ ولتصغي ﴾ لا بد لها من متعلق فقالت الأشاعرة: التقدير وإنما جعلنا مثل ذلك الشخص عدوّاً للنبي لتميل ﴿ إليه ﴾ أو إلى قوله المزخرف ﴿ أفئدة ﴾ الكفار فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة النبي ﴿ وليرضوه ﴾ وليختاروه على أنفسهم ﴿ وليقترفوا ﴾ وليكتسبوا من الآثام ﴿ ما هم مقترفون ﴾ وقال الجبائي: إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك  ﴾ .

وزيف بأن حمل لام كي على لام الأمر تحريف.

وقال الكعبي: هي لام العاقبة تقديره: ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين أفئدة الكفار جعلنا لكل نبي عدواً.

وعن أبي مسلم أنها معطوفة على موضع ﴿ غرور ﴾ والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغتروا بذلك ولتميل قلوب الكفار إلى المذاهب الباطلة.

وأورد عليه أن ميل القلوب إلى الآراء الفاسدة هو عين الاغترار فيلزم عطف الشيء على نفسه.

وههنا بحث وهو أن الأشاعرة قالوا: البنية ليست شرطاً للحياة، فالحي هو الجزء الذي قامت الحياة به، والعالم هو الجزء الذي قام العلم به.

وقالت المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة لا ذلك الجزء.

حجة الأشاعرة أنه جعل الموصوف بالميل والرغبة في الآية هو القلب لا جملة الحي، وبمثله استدل من جعل المتعلق الأول للنفس هو القلب لا مجموع البدن.

ثم إنه  لما ذكر أنه لا فائدة لهم في إظهار الآيات التي اقترحوها بين بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل والزائد على ذلك لا يجب الالتفات إليه، وإنما قلنا إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين: الأول: أن الله  قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل عليه الكتاب المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته وأشار إلى هذا الوجه بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ يعني قل يا محمد إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكماً فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز.

الوجه الثاني: اشتمال التوراة والإنجيل على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله حقاً، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله وأشار إليه بقوله: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ﴾ ثم قال: ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ والخطاب لكل أحد أي إذا ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيه أحد.

وقيل: الخطاب للرسول في الظاهر والمراد به الأمة.

وقيل: الخطاب للرسول في الحقيقة والمراد التهييج والإلهاب كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ والمراد فلا تكونن من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق، ولا يريبك جحود أكثرهم.

قال الواحدي: الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة.

وقال بعض أهل التأويل: الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم والحكم هو الذي لا يحكم إلا بالحق.

ثم لما بين أن القرآن معجز قال: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي القرآن.

وقوله: ﴿ صدقاً وعدلاً ﴾ مصدران منتصبان على الحال من الكلمة، ومعنى تمامها أنها وافية كافية في كونها معجزة دالة على صدق محمد، أو كافية في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى القيامة علماً وعملاً، أو المراد بالتمام أنها أزلية ولا يحدث بعد ذلك شيء.

واعلم أن كل ما حصل في القرآن نوعان: الخبر والتكليف؛ فالخبر كل ما أخبر الله  عن وجوده أو عن عدمه كالخبر عن وجود ذاته وحصول صفاته أعني كونه  قادراً سميعاً بصيراً ويدخل فيه الخبر عن صفات التقديس والتنزيه كقوله  : ﴿ لم يلد ولم يولد  ﴾ ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله  وكيفية تدبيره لملكوته في السموات والأرض وفي عالم الأرواح والأجسام، ويدخل فيه الخبر عن أحكام الله  في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، ويدخل فيه الخبر عن أقسام أسماء الله  والخبر عن النبوات وأقسام المعجزات، والخبر عن أحوال النشر والقيامة وصفات أهل الجنة والنار.

والخبر عن أحوال المتقدمين والخبر عن المغيبات.

وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه  على عبيده سواء كان ملكاً أو بشراً أو شيطاناً، وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء المتقدمين أو في مراسيم الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله  .

فإذن المراد وتمت كلمات ربك صدقاً إن كان من باب الخبر وعدلاً إن كان من باب التكاليف وهذا ضبط حسن.

وقيل: إن كل ما أخبر الله  عنه من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد أن يكون واقعاً، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون بصفة الظلم.

ثم قال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبه في كون القرآن دالاً على صدق محمد إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلالة ألبته لجلاء الدلالة ووضوحها.

أو المراد أن كلماته تبقى موصوفة بصفتها مصونة عن التحريف والتغيير كما قال: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون  ﴾ أو الغرض أنها بريئة عن التناقض كما قال: ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً  ﴾ أو المعنى أن أحكام الله  لا تتغير ولا تتبدل لأنها أزلية والأزلي لا يزول، وهذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر إذ يلزم منه أن لا ينقلب السعيد شقياً وبالضد.

ثم لما أجاب عن شبه الكفار بيّن أن عند ظهور الحجة وتبين المحجة لا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى كلمات الجهال فقال: ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ﴾ والمضل لا بد أن يكون ضالاً ويعني بهم الذين ينازعون النبي في الدين غير قاطعين بصحة مذاهبهم كالزنادقة وعبدة الكواكب والأصنام، وكالذين يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة فيحكمون على الحق بأنه باطل وعلى الباطل بأنه حق.

ثم قال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ يقدرون على أنهم على شيء أو يكذبون في أن الله أحل كذا وحرم كذا.

وأصل الخرص حزر ما على النخل من الرطب تمراً.

وليس لنفاة القياس تمسك بالآية من قبل توجه الذم على متبع الظن، لأن المذموم من اتباع الظن هو الذي لا يستند إلى أمارة كظن الكفار المستند إلى تقليد أسلافهم فقط، أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إلى إمارة فلم يتم أنه كذلك.

ثم قال: ﴿ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ والمراد أنك بعدما عرفت أن الحق ما هو والباطل ما هو فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم لأن الله  عالم بأن المهتدي من هو والضال من هو فيجازي كل أحد بما يليق بعمله، أو المراد أن هؤلاء الكفار وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون والله  عالم بأحوال قلوبهم وبواطنهم، ومطلع على تحيرهم في أودية الجهالة وتيه الضلال، قال النحويون: إن أفعل التفضيل لا يعمل في مظهر، ففي الكلام محذوف أي يعلم من يضل عن سبيله، فإن لم يقدر محذوف قوي بالباء كما في القلم { ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين  ﴾ وهذا هو الأصل، وإنما خص هذه السورة بالحذف موافقة لقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ وعدل إلى لفظ المستقبل تنبيهاً على قطع الإضافة لأن أكثر ما يستعمل "أفعل من" يستعمل مع الماضي نحو "أعلم من دب ودرج" و "أحسن من قام وقعد" و "أفضل من حج واعتمر".

فلو لم يعدل إلى لفظ المستقبل التبس بالإضافة  عن ذلك.

وجوّز بعضهم أن يكون "من" للاستفهام كقوله: ﴿ لنعلم أي الحزبين أحصى  ﴾ ثم قال: ﴿ فكلوا ﴾ والفاء مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرّمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم.

فقال الله  للمسلمين: إن كنتم محققين بالإيمان فكلوامما ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله.

فإن قيل: إن القوم كانوا يبيحون ما ذبح على اسم الله  ولا ينازعون فيه، وإنما النزاع في أكل الميتة فإنهم كانوا يبيحونها والمسلمون يحرمونها، فما الحكمة في إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه؟

فالجواب لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل الميتة فرد الله  عليهم في الأمرين بقوله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ وبقوله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ أو نقول: المراد اجعلوا أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه، وعلى هذا فيكون المراد تحريم الميتة فقط والله أعلم.

أما قوله: ﴿ وقد فصل لكم ﴾ فأكثر المفسرين قالوا: المراد به ما فصل في أول المائدة من قوله: ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ إلى آخر الآية، واعترض عليه بأن سورة الأنعام مكية والمائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والآية تقتضي أن يكون المفصل مقدماً على هذا المجمل بل الأولى أن يقال: المراد قوله  بعد هذه الآية: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً  ﴾ إلى آخرها.

فإن هذا القدر من التأخر غير ضائر.

وقوله: ﴿ إلا ما اضطررتم ﴾ أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدّة المجاعة ﴿ وإن كثيراً ليضلون ﴾ المبالغة في قراءة ضم الياء أكثر لأن كل مضل فإنه يكون ضالاً، وقد يكون الضال غير مضل، قيل: إنه عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أول من غير دين إسماعيل واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة.

وقوله: ﴿ بأهوائهم بغير علم ﴾ يريد أن عمرو بن لحي أقدم على هذه المذاهب عن الجهالة الصرفة، وقال الزجاج: المراد منه الذين يحللون الميتة ويناظرون في إحلالها، أو يحتجون عليها بقولهم إذ حل ما تذبحونه أنتم فلأن يحل ما يذبحه الله  أولى، وكذلك كل ما يضلون فيه من عبادة الأوثان والطعن في نبوّة محمد صلى الله عليه وآله.

وفي الآية دلالة على أن النزاع في الدين بمجرد التقليد حرام ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ فيجازيهم عليها وفيه من التهديد ما فيه.

ثم ذكر آية جامعة فقال: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ فقيل: ظاهره الزنا في الحوانيت وباطنه الصديقة في السر.

قال الضحاك: كان أهل الجاهلية يرون الزنا حلالاً ما كان سراً.

والأصح أن النهي عام إذ لا دليل على تخصيصه.

ثم قيل: المراد ما أعلنتم وما أسررتم.

وقيل: ما عملتم وما نويتم.

وقال ابن الأنباري: يريد وذروا الإثم من جميع جهاته كما تقول: ما أخذت من هذا المال قليلاً ولا كثيراً أي ما أخذته بوجه من الوجوه.

وقريب منه قول من قال: المراد النهي عن الإثم مع بيان أنه لا يخرج عن كونه إنما بسبب إخفائه وكتمانه.

وقيل: المراد النهي عن الإقدام على الإثم.

ثم قال: ﴿ وباطنه ﴾ ليظهر بذلك أن الداعي له إلى ترك ذلك الإثم خوف الله لا خوف الناس.

وقيل: ظاهر الإثم أفعال الجوارح، وباطنه أفعال القلوب من الكبر والحسد والعجب وإرادة الشر للمسلمين، ويدخل فيه الاعتقاد والعزم والنظر والظن والتمني والندم على أفعال الخيرات، ومنه يعلم أن ما يوجد في القلب قد يؤاخذ به وإن لم يقترن به عمل ﴿ إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ أي يكتسبون من الآثام ومنه الاعتراف يمحو الاقتراف كما يقال: التوبة تمحو الحوبة.

وظاهر النص يدل على أنه يعاقب المذنب ألبتة إلا أن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب.

وأهل السنة على أنه إذا لم يتب احتمل العفو ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله  عليه من طعام أو شراب فهو حرام تمسكاً بعموم الآية.

وأجمع سائر الفقهاء على تخصيص هذا العموم بالذبح، ثم اختلفوا فمالك: كل ذبح لم يذكر اسم الله  عليه فهو حرام، ترك الذكر عمداً أو نسياناً وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين.

أبو حنيفة: إن ترك عمداً حرام وإن ترك نسياناً حل.

الشافعي: متروك التسمية عمداً وسهواً حلال إذا كان الذابح مسلماً لقوله  : ﴿ وإنه لفسق ﴾ والضمير عائد إلى الأكل الذي دل عليه الفعل أو إلى الموصول على أنه في نفسه فسق مثل "رجل عدل" أو على تقدير حذف المضاف أي وإن أكله لفسق.

وقد أجمع المسلمون على أنه لا يفسق بأكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية ولقوله  : ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ﴾ وهذه المناظرة كانت في مسألة الميتة؛ وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة من قتلها إذا ماتت؟

قال: الله قتلها، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟

فأنزل الله الآية، فالمراد من الشياطين ههنا إبليس وجنوده وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليخاصموا محمداً وأصحابه في أكل الميتة.

وقال عكرمة: وإن الشياطين - يعني مردة المجوس - ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش.

وذلك أنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة أن محمداً وأصحابه يزعمون أن ما يذبحونه حلال وأن ما يذبحه الله حرام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين شيء فنزلت الآية.

ثم قال: ﴿ وإن أطعتموهم ﴾ يعني في استحلال الميتة ﴿ إنكم لمشركون ﴾ قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله  أو حرم شيئاً مما أحل الله فهو مشرك لأنه أثبت حاكماً سوى الله  .

ثم قال الشافعي: الفسق في آية أخرى وهي، قوله: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً  ﴾ إلى قوله: ﴿ أو فسقاً أهل لغير الله  ﴾ مفسر بما أهل به لغير الله فعلمنا أن الفسق في هذه الآية أيضاً مفسر به نزلنا عن هذا المقام وهو التمسك بالمخصصات، فلم قلتم إنه لم يوجد ذكر الله ههنا لما روي أنه صلى الله عليه وآله قال: "ذكر الله مع المسلم سواء قال أو لم يقل" فيحمل هذا الذكر على ذكر القلب.

أو نقول: هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن معنا ما يدل على الحل، وإذا تعارض الحل والحرمة فالحل راجح لأن الأصل في الأشياء الإباحة وللعمومات الدالة على الحل كقوله: ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً  ﴾ ﴿ وكلوا واشربوا  ﴾ ولأنه مستطاب وقد قال: ﴿ أحل لكم الطيبات  ﴾ ، ولأن الطبع يميل إليه وقد نهى عن إضاعة المال، هذا تقرير مذهب الشافعي ومع ذلك فالأولى بالمسلم أن يحترز عنه لقوة ظاهر النص.

قال الكعبي: في الآية دلالة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات لأنه  سمى مخالفته شركاً.

وأجيب بأنه لم لا يجوز أن يراد بالشرك ههنا اعتقاد أن لله شريكاً في الحكم.

التأويل: ﴿ وكلمهم الموتى ﴾ أي: قلوبهم الميتة ﴿ وحشرنا ﴾ أي أريناهم جميع الآيات المودعة في المكونات ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فإن المشيئة تغير السجية والعناية الأزلية كفاية الأبدية ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ أن الهدى ليس بالمنى وأنه بمشيئة المولى، ثم أخبر أن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا فقال: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس ﴾ هي النفس الأمارة التي هي أعدى الأعداء.

﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هديناهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال ﴿ فلا تكونن ﴾ نهى التكوين في الأزل ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ كلامه وقضاؤه في الأزل ﴿ صدقاً ﴾ فيما قال ﴿ وعدلاً ﴾ فيما حكم بالوجود والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن والقبح والإيمان والكفر، وأحسن شيء خلقه هو الإنسان ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم  ﴾ وكذلك شر شيء هو الإنسان عند فساد استعداده ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين  ﴾ ولأهل الكمال ترقٍ في كمال الحسن إلى الأبد، ولأهل النقصان تسفل في القبح إلى الأبد أيضاً إظهاراً للقدرة الكاملة غير المتناهية ﴿ وهو السميع ﴾ لحاجة كل ذي حاجة ﴿ العليم ﴾ بما يستأهله كل موجود ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض ﴾ وهم أهل الأهواء وأقلهم أهل الحق ﴿ وإن هم إلا يخرصون ﴾ في دعوى طلب الحق.

فإن سبيل الحق لا يسلك بالهوى وإنما يسلك بالصدق والهدى.

﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ فمن أمارات الإيمان أن يأكلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع ويذيبوه بذكر الله كما قال صلى الله عليه وآله "أذيبوا طعامكم بذكر الله" فالأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة به على العصيان يورث موت الجنان والحرمان من الجنان.

﴿ وقد فصل لكم ﴾ يا أهل الله ﴿ ما حرم عليكم ﴾ وهو الدنيا وما فيها والآخرة ونعيمها ﴿ إلا ما اضطررتم إليه ﴾ من ضروريات البشر في الدارين بأمر المولى لا بالطبع والهوى ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ الذين جاوزوا المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى ﴿ وذروا ظاهر الإثم ﴾ يعني الأعمال الطبيعية ﴿ وباطنه ﴾ يعني الأخلاق، الذميمة الردية ﴿ سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ لأن الأخلاق الظلمانية توجب صدأ مرآة القلب وتزيدها ريناً إلى أن يصير حجاباً بين العبد وبين الله  : ولا تأكلوا طعاماً إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، ﴿ وإنه ﴾ يعني ظلام الطعام يؤدي إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الكلمة النّفسانية.

﴿ وإن الشياطين ليوحون ﴾ فإن للشيطان مجالاً في الوسوسة إذا كانت النفوس في المجادلة مع القلوب لتدعوها إلى متابعة الهوى الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ صرف أهل التأويل الآية إلى أهل الكفر وقالوا: ما بالكم تأكلون ذبائحكم التي ذبحتم ولا تأكلوا ما ذبح الله وذكاه صرفوا الخطاب به إلى أهل الشرك.

والأشبه أن يصرف الخطاب [به] إلى أهل الإسلام؛ لأنه ذكر في آخره ﴿ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ومثل هذا لا يذكر في أهل الشرك إنما ذكر لخطاب أهل الإسلام، كقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ  ﴾ ونحوه من الآيات.

فعلى ذلك: الأشبه أن يصرف الخطاب بها إلى أهل الإسلام؛ كأنَّ قوماً من أهل الإسلام منعوا أنفسهم عن التناول من هذه الذبائح واللحوم، فنهوا عن ذلك؛ [من] نحو ما روي في بعض القصة: "أن نفرا من أصحاب رسول الله  هموا أن يخصوا أنفسهم وألا يعطوا أنفسهم شهواتهم وألا [يتناولوا شيئاً] من الطيبات، فنهوا عن ذلك.

وقيل: فيهم نزل قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ  ﴾ فيشبه أن يكون قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ  ﴾ فيهم أو لما علم أن قوماً من المتقشفة والمتزهدة يحرمون ذلك على أنفسهم، فنهوا عن ذلك.

فإن كان ما قال أهل التأويل فهو - والله أعلم - كأنه قال: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين، بما تعلمون [أن] الخلق والأمر له، وقد أنشأ لكم من الآيات ما تعلمون [به] ذلك، فكيف تحرمون ما ذكر اسم الله عليه، ثم أمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه، وعاتب من ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه بقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ  ﴾ ولم يبين بم وبأي وجه بالذبح أو بغيره؟

وكذلك قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ  ﴾ ولم يبين من أي وجه، لكن الناس اتفقوا على صرف ذلك إلى الذبح، فكان الذبح مضمرا فيه؛ كأنه قال: كلوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه، وما لكم ألا تأكلوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه.

ثم لا يخلو اتفاقهم بمعرفة ذلك: إما أن عرفوا ذلك بالسماع من رسول الله، أو عرفوا ذلك بنوازل [الأحكام]؛ إذ ليس في الآية بيانُ ذلك.

فكيفَما كان، ففيه دلالة نقض قول من يقول بأن من عرف نوازل الأحكام أو كان عنده رواية، فتركَ [روايته] يفسَّق؛ لأنه لما لم يذكر هاهنا النوازل ولا السماع دل أنه لا يفسق؛ إذ كان قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ذكر لمكان قول الثنوية؛ لأنهم يحرمون الذبائح ويقولون: ليس من الحكمة إيلام من لا ذنب له.

أو ذكر لمكان قول من يقول: إنكم أكلتم ما تذبحون بأيديكم ولا تأكلون ما تولى الله قتله.

ثم قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ أباح - عز وجل - من الأنعام ما ذكر اسم الله عليه، وحظر ما لم يذكر اسم الله عليه، ونهى عن أكله بقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ  ﴾ وبقوله: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ  ﴾ جعل المهَلّ لغير الله ميتةً حراما، وجعل المذكور اسم الله [عليه] ذكيّاً حلالا؛ فدل أن التسمية شرطٌ في أكل الذبيحة؛ لأنها لو لم تكن شرطا في حل الذبيحة لم يكن المُهلُّ به لغير اسم الله ميتة حراما، ولأنه سمى ما لم يذكر اسم الله عليه فسقاً، والفسقُ هو الخروج عن أمر الله؛ كقوله: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  ﴾ أي: خرج؛ فدل أن التسمية شرط فيها.

ولهذا يحل لنا ذبائح أهل الكتاب إذا سمعناهم يذكرون اسم الله عليه، وإن كانوا ما يذكرون في الحقيقة غير الله؛ لأنهم لا يعرفون الله حقيقة، ولكن إذا ذكروا اسم الله عليه تحل لنا.

ولا يحل ذبائح أهل الشرك؛ لأن أهل الشرك لا يرون الذبائح رأساً؛ يذهبون مذهب الزنادقة، والزنادقة لا يرون الذبائح؛ يقولون لنا: إنكم تقولون: إن ربكم رحيم حكيم، وليس من الحكمة والرحمة أن يأمر أحداً بذبح آخر ويقتله؛ فيأكلون الميتة ولا يرون أكل الذبيحة، ويقولون: ليس هذا أمرَ مَن كان موصوفاً بالرحمة أو بالحكمة.

[لكنا نقول: إن كراهة الذبح والنفور عنه نفور طبع وكراهته كراهة طبع لا كراهة العقل.

فما يكرهه الطبع وينفر عنه يجوز أن يباح لما يعقب نفعاً في المتعقب نحو ما يباح الافتصاد والحجامة والتداوي بأدوية كريهة لنفع يعقب ويتأمل، وإن كان الطبع يكرهه وينفر عنه وليس هو مما يقبحه العقل إنما لا يجوز أن يباح بفعل ويؤمر به مما يقبحه العقل ويكرهه.

وأما كراهة الطبع ونفوره فإنه يجوز أن يباح لما ذكرنا ويرتفع ذلك بالعادة؛ فعلى ذلك الذبح كراهته كراهة الطبع لا كراهة العقل ونفوره].

والثاني: أن هذه الأشياء كلها إنما خلقت لنا وسخرت لمنافعنا لم تخلق لأنفسها، فإذا كان كذلك يحل لنا ذبحها والتناول منها بأمر الذي أنشأها لنا وسخرها لنا.

وبعد، فإن [من] مذهبهم أن العالم إنما كان بامتزاج النور والظلمة، والروحُ من النوراني والجسم من الظلماني ففي الذبح استخراج الروح ورده إلى أصله؛ إذ من قولهم: إنه يرجع كل إلى أصله في العاقبة، على ما كان في الأول.

[وأما الجواب عما] قاله أهل الشرك: "أكلتم ما ذبحتم أنتم وتركتم ذبيحة الله" فوجهان: أحدهما: ما قاله أهل التأويل: أن الخلق له وله الحكم عليهم؛ فأحل لهم هذا وحرم عليهم هذا.

والثاني: تعبدنا بذكر اسمه عليها؛ فصار [فيما ذكر] اسم الله إقامة عبادة تعبدنا بها، وفيما لم يذكر لم يكن عبادة؛ لذلك حل لنا ما كان في ذلك إقامة عبادة، ولم يحل لنا ما لم يكن فيها إقامة عبادة والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ هو في الظاهر أمر، لكن الأمر الذي يرجع إلى شهوات النفس ولذاتها فإنه يخرج على وجهين: إما أن يخرج على بيان ما يحل، أو النهي عما لا يحل؛ فهاهنا خرج على بيان ما يحل وتحريم ما لا يحل؛ كأنه قال: كلوا مما ذكر اسم الله عليه، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ .

هو صلة قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: ما لكم ألا تأكلوا وقد بيَّن لكم ما حرم عليكم من الميتة والدّم ولحم الخنزير.

﴿ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ [لأن أهل الشرك والزنادقة كانوا لا يرون أكل الذبيح، ويأكلون الميتة والدم فلهم خرج الخطاب ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ وقد بين لكم ما حرم عليكم، وهو الميتة والدم: ﴿ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ ].

قال الحسن: له أن يتناول من الميتة حتى يشبع؛ لأنه أحل له التناول، وعلى قولنا: لا يحل له الشبع؛ لأنه إنما أحل عند الاضطرار [وهو غير مضطر إلى] الشبع.

ويقول الحسن: لو ترك التناول منها حتى هلك لا شيء عليه؛ يقول: لأنه إنما أحلت له رخصة ورحمة، وليس على من لم يعلم بالرخص إثم، ولكن عندنا أنها أبيحت في حال الاضطرار؛ فإذا ترك التناول منها حتى هلك صار ملقيا نفسه في التهلكة، وقد حرم الله علينا أن نهلك أنفسنا أو نلقيها في التهلكة بقوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ  ﴾ ، ولا فرق بين ترك التناول من الميتة - وقد أحل لنا التناول [منها - حتى مات وبين ترك التناول] من غيرها من الأطعمة المحللة، أو يأتي بأسباب إتلاف النفس؛ فهما سواء.

ويقول - أيضاً -: له أن يتناول عند الاضطرار من مال غيره بلا بدل، وإذا نهى صاحبه عن ذلك يضمن بدل ذلك بالغاً ما بلغ فهذا بعيد.

لا يجوز أن يتناول من مال غيره ولا يلزمه البدل، وإذا نهاه عن ذلك يلزمه البدل؛ لأن من كان له حق التناول من مال آخر بغير بدل، ثم إذا نهى أو منع يلزمه البدل دل أنه ليس له التناول إلا ببدل، وقد ذكرنا هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ، دل هذا على أن الكل منهم لم يكونوا يضلون؛ ولكن البعض، هم الأئمة منهم والرؤساء؛ لأن الأتباع منهم كانوا لا يضلون الناس؛ إنما كانوا يضلون الكبراء منهم والعظماء، ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ .

وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾ .

اختلف فيه: فقيل: وذروا [ظاهر] الإثم بظاهر الجوارح وباطنها، ظاهر الجوارح من نحو: اليد، والرجل، واللسان، والعين.

وباطن الجوارح: القلوب، والضمائر.

وقيل: ذروا الإثم في ملأ من الخلق، وفي الخلاء منهم.

وقيل: ظاهر الإثم: ما ذكرنا، وباطنه: الزنا.

قال أبو بكر الكيساني: الزنا [هاهنا لا يحتمل]؛ لأنه الآية في ذكر [ما يحل من الأطعمة وما لا يحل، ولكن يجوز أن ابتدأ النهي عن الزنا، وإن كان أول الآية في ذكر الأطعمة]؛ ويصير قوله: ﴿ وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾ كأنه قال: وذروا المآثم [كلها] ما ظهر منها وما بطن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ ﴾ .

لا يتركون وما عملوا؛ ولكن [يجزون] جزاء ما عملوا من الإثم، وهو وعيد [لمن]، ﴿ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ ﴾ ويصرّون عليه ولا يتوبون ولا ينقلعون عنه [حتى ماتوا على ذلك بما ذكر.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ .

قال بعضهم: هو الميتة]، وهو قول ابن عباس،  .

وقال بعضهم: ما أهل به لغير الله.

وقلنا نحن: هو ما لم يذكر اسم الله عليه؛ لأن الله قد صرح بتحريم الميتة بقوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ  ﴾ .

[و] صرح بتحريم ما أهل لغير الله به بقوله: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ  ﴾ : [فإذا كان الميتة، وما أهل لغير الله به] تصريح [وتحريم] في غير هذا الموضع؛ رجع هذا الخطاب إلى تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه وكذلك صرح بتحريم الميتة وما أهل لغير الله به بقوله: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً...

﴾ الآية [الأنعام: 145]؛ فقوله -  -: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً  ﴾ كان لا يجد في ذلك الوقت ثم وجد ما لم يذكر اسم الله عليه محرماً في حادث الوقت، وكذلك وجد كلَّ ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير محرماً في حادث الأوقات، كان لا يجد في [ذلك الوقت] محرماً إلا ما ذكر، ثم وجد أشياء محرمة من بعد.

وقال بعضهم من أهل التأويل قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ : حين قالوا: ما قتلتم وذبحتم أنتم فتأكلونه، وما قتل ربكم فتحرمونه، وأنتم تعظمون ربكم؟!

وهو من زخرف القول الذي يوحي بعضهم إلى بعض ما ذكر ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ﴾ .

لكنا نقول إن ما ذبح وقتل [هو ذبيح بالله] وقتيل به أيضاً؛ فقد أذن لنا بأكل بعض الذبيح وحرم أكل بعض، ولله أن يفعل ذلك، له أن يأذن في أكل بعض وتحريم أكل بعض، على ما أذن لنا في أكل بعض ما خلق الله من الأنعام ولم يأذن في أكل بعض؛ فعلى ذلك قد أذن في أكل بعض ما ذبح به وقتل ولم يأذن في بعض، وهو كله ذبيح بالله وقتيل به، وله ذلك.

والثاني: أن الخلق كله له ملكه، ولا يقال لأحد في ملكه: لم فعلت ذا؟

ولم تفعل ذا؟

إنما يقال ذلك في غير ملكه: كشريك يقول لشريكه: لم تعطني حقي، ولم توفر على نصيبي، فأما أن يقول في ذي ملك في ملكه فلا.

والثالث: ما ذكرنا: أنه تعبدنا بذكر اسم الله عليه [فكان في ذكر اسم الله عليه] إقامة عبادة؛ لذلك لم يجز هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ ، أخبر أنه ما لم يذكر اسم الله عليه فسق، كما أخبر أن التناول من الميتة وما أهل لغير الله به فسق، والفسق: هو الخروج عن أمر الله، والذي ترك ذكر اسم الله عليه: خارج عن أمر الله -  - كالميتة التي ذكرنا، فإن قال قائل: إن قول الله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ؛ فكيف يجوز لكم أن تطلقوا أكل الذبيحة إذا ترك اسم الله ناسياً؟!

[قيل الخطاب بهذا لم يرجع إلى الذبيحة التي ترك ذكر اسم الله عليها ناسياً] لأن الذبائح إنما هي من عمل القصّابين والصبيان؛ فهم لم يعودوا أنفسهم ذكر اسم الله حتى يؤاخذوا بها على حفظ ذلك.

وهذا أصلنا: أن من لم يعود نفسه فعلاً يعذر في تركه وارتكابه في حال السهو والنسيان؟!

كالأكل في شهر رمضان ناسياً؛ لأنه عود نفسه الأكل والشرب، والصوم هو الكف عما اعتاد؛ فعذر في التناول منه والعود إلى العادة على السهو؛ لأنه يشتد على الناس حفظ النفس على خلاف العادة؛ ولأن الله -  - قال: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ ، ولا خلاف في أن من نسي أن يسمي الله على ذبيحة - فليس بفاسق؛ وإنما يفسق من تركها عامداً؛ فدل أن الخطاب بالآية رجع إلى الذبيحة التي تركت التسمية [عليها] عمداً.

فإن قيل: ليس يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ : يريد به أن الذي يأكل منها إذا لم يسم الله عليها عامداً أو ساهياً - فاسق، وإن كان هذا هو التأويل؛ فالآية على الأكل، [الدليل] على [أن] قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ \[إشارة إلى الذبيح الذي ترك ذكر اسم الله عليه عمداً، دون أن يكون ذلك\] إشارة إلى أن الأكل من تلك الذبيحة فسق - قول الله -  - ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ  ﴾ : فكان الإهلال بالذبيحة لغير الله فسقاً لمن فعله؛ فوجب أن يكون ترك اسم الله على الذبيحة فسقاً ممن تعمده، وذلك يوجب أن يكون قول الله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ خاصّاً في المتعمد لترك التسمية.

فإن قيل: كيف لم تجعلوا تارك التسمية ناسياً كتاركها عمداً؛ كما قلتم في التكبيرة الأولى في الصلاة: إن عمده وسهوه سواء؟

قيل: من قبيل أن الذبيحة إذا تعمد صاحبها ترك التسمية عليها إنما حرمت بنص القرآن؛ لأنه فسق فقلنا: متى زال الفسق عن الذابح زال التحريم عن الذبيحة؛ لأن التحريم إذا وقع لعلة، فزالت العلة - زال التحريم، ولم نقل: إن صلاة التارك للتكبيرة الأولى فسدت صلاته؛ لأنه فسق بتركه التكبيرة عمداً؛ فيلزمنا أن نفرق بين سهوها وعمدها؛ بل فسدت صلاته لأنه صلى بغير تكبير؛ فالتارك للتكبير عامداً أو ساهياً: تارك؛ فهما سواء، وروي في الخبر ما يؤيد ما قلنا: روي عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله  : "ذبيحةُ المسلم حلالٌ سمى أو لم يسم ما لم يتعمد" وعن ابن عباس -  - في رجل ذبح ونسي أن يذكر اسم الله، قال: "اسم الله في قلب كل مسلم؛ فليأكل" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ﴾ .

أهل التأويل صرفوا تأويل هذا إلى أن زخرف القول الذي يوحي بعضهم [إلى بعض] في الآية الأولى هو مجادلتهم في الذبيحة؛ حيث قالوا: ما قتلتم بأيديكم فتأكلونه، وما قتل الله فلا تأكلونه؟!

يعنون: فتلك مجادلتهم إياهم، ولكن يجادلون في هذا [في] وحدانية الله -  - وفي إثبات الرسالة، والبعث بعد الموت، وفي كل شيء؛ حيث قالوا: ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ \[المؤمنون: 82\]: فأخبر أنهم لو أطاعوهم إنهم لمشركون أي: لو أطعتموهم فيما يجادلونكم ويوحون إليكم ﴿ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واتركوا -أيها الناس- ارتكاب المعاصي في العلانية والسر، إن الذين يرتكبون المعاصي في السر أو العلانية، سيجزيهم الله على ما اكتسبوه منها.

<div class="verse-tafsir" id="91.6Pvz6"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله