الآية ١٢١ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٢١ من سورة الأنعام

وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌۭ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ١٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 140 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢١ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢١ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أنه لا تحل الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها ، ولو كان الذابح مسلما ، وقد اختلف الأئمة ، رحمهم الله ، في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : فمنهم من قال : لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة ، وسواء متروك التسمية عمدا أو سهوا .

وهو مروي عن ابن عمر ، ونافع مولاه ، وعامر الشعبي ، ومحمد بن سيرين .

وهو رواية عن الإمام مالك ، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين ، وهو اختيار أبي ثور ، وداود الظاهري ، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه " الأربعين " ، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية ، وبقوله في آية الصيد : ( فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ) [ المائدة : 4 ] .

ثم قد أكد في هذه الآية بقوله : ( وإنه لفسق ) والضمير قيل : عائد على الأكل ، وقيل : عائد على الذبح لغير الله - وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد ، كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة : " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك " وهما في الصحيحين - وحديث رافع بن خديج .

" ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه " وهو في الصحيحين أيضا ، وحديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجن : " لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه " رواه مسلم .

وحديث جندب بن سفيان البجلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله " أخرجاه وعن عائشة ، رضي الله عنها ، أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري : أذكر اسم الله عليه أم لا؟

قال : " سموا عليه أنتم وكلوا " قالت : وكانوا حديثي عهد بالكفر .

رواه البخاري .

ووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها ، وأنهم خشوا ألا تكون وجدت من أولئك ، لحداثة إسلامهم ، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل ، لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت ، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد ، والله تعالى أعلم .

والمذهب الثاني في المسألة : أنه لا يشترط التسمية ، بل هي مستحبة ، فإن تركت عمدا أو نسيانا لم تضر وهذا مذهب الإمام الشافعي ، رحمه الله ، وجميع أصحابه ، ورواية عن الإمام أحمد .

نقلها عنه حنبل .

وهو رواية عن الإمام مالك ، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه ، وحكي عن ابن عباس ، وأبي هريرة ، وعطاء بن أبي رباح ، والله أعلم .

وحمل الشافعي الآية الكريمة : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) على ما ذبح لغير الله ، كقوله تعالى ( أو فسقا أهل لغير الله به ) [ الأنعام : 145 ] .

وقال ابن جريج ، عن عطاء : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) قال : ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش عن الأوثان ، وينهى عن ذبائح المجوس ، وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي رحمه الله قوي ، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل " الواو " في قوله : ( وإنه لفسق ) حالية ، أي : لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقا ، ولا يكون فسقا حتى يكون قد أهل به لغير الله .

ثم ادعى أن هذا متعين ، ولا يجوز أن تكون " الواو " عاطفة .

لأنه يلزم منه عطف جملة إسمية خبرية على جملة فعلية طلبية .

وهذا ينتقض عليه بقوله : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ) فإنها عاطفة لا محالة ، فإن كانت " الواو " التي ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال; امتنع عطف هذه عليها ، فإن عطفت على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره ، وإن لم تكن " الواو " حالية ، بطل ما قال من أصله ، والله أعلم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن المغيرة ، أنبأنا جرير ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قوله : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) قال : هي الميتة .

ثم رواه ، عن أبي زرعة ، عن يحيى بن أبي كثير عن ابن لهيعة ، عن عطاء - وهو ابن السائب - به .

وقد استدل لهذا المذهب بما رواه أبو داود في المراسيل ، من حديث ثور بن يزيد ، عن الصلت السدوسي - مولى سويد بن منجوف أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر ، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله " وهذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال : إذا ذبح المسلم - ولم يذكر اسم الله فليأكل ، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله " واحتج البيهقي أيضا بحديث عائشة ، رضي الله عنها ، المتقدم أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، إن قوما حديثي عهد بجاهلية يأتونا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟

فقال : " سموا أنتم وكلوا " قال : فلو كان وجود التسمية شرطا لم يرخص لهم إلا مع تحققها ، والله أعلم .

المذهب الثالث في المسألة : أنه إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانا لم يضر وإن تركها عمدا لم تحل .

هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك ، وأحمد بن حنبل ، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه ، وإسحاق بن راهويه : وهو محكي عن علي ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، وطاوس ، والحسن البصري ، وأبي مالك ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وجعفر بن محمد ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن .

ونقل الإمام أبو الحسن المرغيناني في كتابه " الهداية " الإجماع - قبل الشافعي على تحريم متروك التسمية عمدا ، فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ : لو حكم حاكم بجواز بيعه لم ينفذ لمخالفة الإجماع .

وهذا الذي قاله غريب جدا ، وقد تقدم نقل الخلاف عمن قبل الشافعي ، والله أعلم .

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : من حرم ذبيحة الناسي ، فقد خرج من قول جميع الحجة ، وخالف الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك .

يعني ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس الأصم ، حدثنا أبو أمية الطرسوسي ، حدثنا محمد بن يزيد ، حدثنا معقل بن عبيد الله ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المسلم يكفيه اسمه ، إن نسي أن يسمي حين يذبح ، فليذكر اسم الله وليأكله " وهذا الحديث رفعه خطأ ، أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزيري فإنه وإن كان من رجال مسلم إلا أن سعيد بن منصور ، وعبد الله بن الزبير الحميدي روياه عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن أبي الشعثاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، من قوله .

فزادا في إسناده " أبا الشعثاء " ، ووقفا والله تعالى أعلم .

وهذا أصح ، نص عليه البيهقي وغيره من الحفاظ .

وقد نقل ابن جرير وغيره .

عن الشعبي ، ومحمد بن سيرين ، أنهما كرها متروك التسمية نسيانا ، والسلف يطلقون الكراهية على التحريم كثيرا ، والله أعلم .

إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفا لقول الجمهور ، فيعده إجماعا ، فليعلم هذا ، والله الموفق .

قال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبو أسامة ، عن جهير بن يزيد قال : سئل الحسن ، سأله رجل : أتيت بطير كرى فمنه ما قد ذبح فذكر اسم الله عليه ، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه ، واختلط الطير ، فقال الحسن : كله ، كله .

قال : وسألت محمد بن سيرين فقال : قال الله تعالى ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) .

واحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجه ، عن ابن عباس ، وأبي هريرة ، وأبي ذر وعقبة بن عامر ، وعبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه " وفيه نظر ، والله أعلم .

وقد روى الحافظ أبو أحمد بن عدي ، من حديث مروان بن سالم القرقساني ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اسم الله على كل مسلم " ولكن هذا إسناده ضعيف ، فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد الله الشامي ، ضعيف ، تكلم فيه غير واحد من الأئمة ، والله أعلم .

وقد أفردت هذه المسألة على حدة ، وذكرت مذاهب الأئمة ومآخذهم وأدلتهم ، ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات ، والله أعلم .

قال ابن جرير : وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية : هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟

فقال بعضهم : لم ينسخ منها شيء وهي محكمة فيما عنيت به .

وعلى هذا قول عامة أهل العلم .

وروي عن الحسن البصري وعكرمة .

ما حدثنا به ابن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين بن واقد ، عن عكرمة والحسن البصري قالا قال الله : ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين ) وقال ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) فنسخ واستثنى من ذلك فقال : ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ) [ المائدة : 5 ] .

وقال ابن أبي حاتم : قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد ، حدثنا محمد بن شعيب ، أخبرني النعمان - يعني ابن المنذر - عن مكحول قال : أنزل الله في القرآن : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) ثم نسخها الرب ورحم المسلمين فقال : ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ) فنسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب .

ثم قال ابن جرير : والصواب أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب ، وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه .

وهذا الذي قاله صحيح ، ومن أطلق من السلف النسخ هاهنا فإنما أراد التخصيص ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

وقوله تعالى : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق قال : قال رجل لابن عمر : إن المختار يزعم أنه يوحى إليه؟

قال : صدق ، وتلا هذه الآية : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ) .

وحدثنا أبي ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا عكرمة بن عمار ، عن أبي زميل قال : كنت قاعدا عند ابن عباس ، وحج المختار بن أبي عبيد ، فجاءه رجل فقال : يا ابن عباس ، وزعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة؟

فقال ابن عباس : صدق ، فنفرت وقلت : يقول ابن عباس صدق .

فقال ابن عباس : هما وحيان ، وحي الله ، ووحي الشيطان ، فوحي الله عز وجل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، ووحي الشيطان إلى أوليائه ، ثم قرأ : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ) .

وقد تقدم عن عكرمة في قوله : ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) نحو هذا .

وقوله تعالى : ( ليجادلوكم ) قال ابن أبي حاتم : : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا عمران بن عيينة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير قال : خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : نأكل مما قتلنا ، ولا نأكل مما قتل الله؟

فأنزل الله : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) .

هكذا رواه مرسلا ورواه أبو داود متصلا فقال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا عمران بن عيينة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟

فأنزل الله : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) .

وكذا رواه ابن جرير ، عن محمد بن عبد الأعلى - وسفيان بن وكيع ، كلاهما عن عمران بن عيينة ، به .

ورواه البزار ، عن محمد بن موسى الحرشي ، عن عمران بن عيينة ، به .

وهذا فيه نظر من وجوه ثلاثة : أحدها : أن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا .

الثاني : أن الآية من الأنعام ، وهي مكية .

الثالث : أن هذا الحديث رواه الترمذي ، عن محمد بن موسى الحرشي ، عن زياد بن عبد الله البكائي ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .

ورواه الترمذي بلفظ : أتى ناس النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وقال : حسن غريب ، روي عن سعيد بن جبير مرسلا .

وقال الطبراني : حدثنا علي بن المبارك ، حدثنا زيد بن المبارك ، حدثنا موسى بن عبد العزيز ، حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما نزلت ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) أرسلت فارس إلى قريش : أن خاصموا محمدا وقولوا له : كما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال ، وما ذبح الله ، عز وجل ، بشمشير من ذهب - يعني الميتة - فهو حرام .

فنزلت هذه الآية : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ) قال : " الشياطين " من فارس ، و " أوليائهم " من قريش .

وقال أبو داود : حدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا إسرائيل ، حدثنا سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ) يقولون : ما ذبح الله فلا تأكلوه .

وما ذبحتم أنتم فكلوه ، فأنزل الله : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) .

ورواه ابن ماجه وابن أبي حاتم ، عن عمرو بن عبد الله عن وكيع ، عن إسرائيل ، به .

وهذا إسناد صحيح .

ورواه ابن جرير من طرق متعددة ، عن ابن عباس ، وليس فيه ذكر اليهود ، فهذا هو المحفوظ ، والله أعلم .

وقال ابن جريج : قال عمرو بن دينار ، عن عكرمة : إن مشركي قريش كاتبوا فارس على الروم ، وكاتبتهم فارس ، وكتبت فارس إلى مشركي قريش : أن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله ، فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكله محمد وأصحابه - للميتة - وما ذبحوه هم يأكلون .

فكتب بذلك المشركون إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء ، فأنزل الله : ( وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) ونزلت : ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) .

وقال السدي في تفسير هذه الآية : إن المشركين قالوا للمؤمنين : كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله ، وما ذبح الله فلا تأكلونه ، وما ذبحتم أنتم أكلتموه؟

فقال الله : ( وإن أطعتموهم ) فأكلتم الميتة ( إنكم لمشركون ) .

وهكذا قاله مجاهد ، والضحاك ، وغير واحد من علماء السلف ، رحمهم الله .

وقوله تعالى : ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) أي : حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره ، فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك ، كما قال تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) [ التوبة : 31 ] .

وقد روى الترمذي في تفسيرها ، عن عدي بن حاتم أنه قال : يا رسول الله ، ما عبدوهم ، فقال : " بل إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال ، فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) ، لا تأكلوا، أيها المؤمنون، مما مات فلم تذبحوه أنتم، أو يذبحه موحِّدٌ يدين لله بشرائع شَرَعها له في كتاب منـزل، فإنه حرام عليكم= ولا ما أهلَّ به لغير الله مما ذبَحه المشركون لأوثانهم, فإن أكل ذلك " فسق ", يعني: معصية كفر .

(14) * * * فكنى بقوله: " وإنه "، عن " الأكل ", وإنما ذكر الفعل, (15) كما قال: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا ، [سورة آل عمران: 173] يراد به، فزاد قولُهم ذلك إيمانًا, فكنى عن " القول ", وإنما جرى ذكره بفعلٍ .

(16) * * * =(وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم).

(17) اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم)، فقال بعضهم: عنى بذلك شياطين فارسَ ومن على دينهم من المجوس =(إلى أوليائهم)، من مردة مشركي قريش, يوحون إليهم زخرف القول، بجدالِ نبي الله وأصحابه في أكل الميتة .

(18) * ذكر من قال ذلك: 13805- حدثني عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري قال، حدثنا موسى بن عبد العزيز القنباريّ قال، حدثنا الحكم بن أبان, عن عكرمة: لما نـزلت هذه الآية، بتحريم الميتة، قال: أوحت فارس إلى أوليائها من قريشٍ أنْ خاصموا محمدًا = وكانت أولياءهم في الجاهلية (19) = وقولوا له: أوَ ما ذبحتَ فهو حلال, وما ذَبح الله (20) = قال ابن عباس: بِشمْشَارٍ من ذهب (21) = فهو حرام !

!

فأنـزل الله هذه الآية: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم)، قال: الشياطين: فارس, وأولياؤهم قريش .

(22) 13806- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال عمرو بن دينار, عن عكرمة: " إن مشركي قريش كاتبوا فارس على الروم وكاتبتهم فارس, وكتبت فارسُ إلى مشركي قريش إن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله, فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكله محمد وأصحابه = للميتة = وأمّا ما ذبحوا هم يأكلون "!

وكتب بذلك المشركون إلى أصحاب محمد عليه السلام, فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء, فنـزلت: (وإنه لفسقٌ وإن الشياطين ليوحون) الآية, ونـزلت: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا .[سورة الأنعام: 112] * * * وقال آخرون: إنما عنى بالشياطين الذين يغرُون بني آدم: أنهم أوحوا إلى أوليائهم من قريش .

* ذكر من قال ذلك: 13807- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن سماك, عن عكرمة قال: كان مما أوحى الشياطين إلى أوليائهم من الإنس: كيف تعبدون شيئًا لا تأكلون مما قَتَل, وتأكلون أنتم ما قتلتم؟

فرُوِي الحديث حتى بلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم, فنـزلت: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) .

13808- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: قوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم)، قال: إبليسُ الذي يوحي إلى مشركي قريش = قال ابن جريج، عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس قال: شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس: " يوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم "= قال ابن جريج, عن عبد الله بن كثير قال: سمعت أنَّ الشياطين يوحون إلى أهل الشرك، يأمرونهم أن يقولوا: ما الذي يموتُ، وما الذي تذبحون إلا سواء !

يأمرونهم أن يخاصِمُوا بذلك محمدًا صلى الله عليه وسلم=(وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون)، قال: قولُ المشركين أمّا ما ذبح الله، للميتة، فلا تأكلون, وأمّا ما ذبحتم بأيديكم فحلال !

13809- حدثنا محمد بن عمار الرازي قال، حدثنا سعيد بن سليمان قال، حدثنا شريك, عن سماك بن حرب, عن عكرمة, عن ابن عباس: إن المشركين قالوا للمسلمين: ما قتل ربّكم فلا تأكلون, وما قتلتم أنتم تأكلونه !

فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) .

(23) 13810- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: لما حرم الله الميتة، أمر الشيطان أولياءَه فقال لهم: ما قتل الله لكم، خيرٌ مما تذبحون أنتم بسكاكينكم!

فقال الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) .

13811- حدثنا يحيى بن داود الواسطي قال، حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق, عن سفيان, عن هارون بن عنترة, عن أبيه, عن ابن عباس قال: جادل المشركون المسلمين فقالوا: ما بال ما قتلَ الله لا تأكلونه، وما قتلتم أنتم أكلتموه!

وأنتم تتبعون أمر الله !

فأنـزل الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق)، إلى آخر الآية .

13812- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم)، يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوه, وما ذبحتم أنتم فكلوه !

فأنـزل الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) .

13813- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد, عن يزيد, عن عكرمة: أن ناسًا من المشركين دخلُوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت، من قَتَلها؟

فقال: اللهُ قتلها .

قالوا: فتزعم أن ما قتلتَ أنت وأصحابُك حلالٌ, وما قتله الله حرام!

فأنـزل الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) .

13814- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه, عن الحضرمي: أن ناسًا من المشركين قالوا: أما ما قتل الصقر والكلب فتأكلونه, وأما ما قتل الله فلا تأكلونه !

13815- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ، قال: قالوا: يا محمد, أمّا ما قتلتم وذبحتم فتأكلونه, وأمّا ما قتل ربُّكم فتحرِّمونه !

فأنـزل الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)، وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه, إنكم إذًا لمشركون .

13816- حدثنا المثنى، قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك قال: قال المشركون: ما قتلتم فتأكلونه, وما قتل ربكم لا تأكلونه !

فنـزلت: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) .

13817- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)، قول المشركين: أما ما ذبح الله = للميتة = فلا تأكلون منه, وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلال !

13818- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

13819- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم)، قال: جادلهم المشركون في الذبيحة فقالوا: أما ما قتلتم بأيديكم فتأكلونه, وأما ما قتل الله فلا تأكلونه !

يعنون " الميتة "، فكانت هذه مجادلتهم إياهم .

13820- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) الآية, يعني عدوّ الله إبليس, أوحى إلى أوليائه من أهل الضلالة فقال لهم: خاصموا أصحاب محمد في الميتة فقولوا: " أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون, وأما ما قتل الله فلا تأكلون, وأنتم تزعمون أنكم تتبعون أمرَ الله "!

فأنـزل الله على نبيه: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)، وإنا والله ما نعلمه كان شرك قط إلا بإحدى ثلاث: أن يدعو مع الله إلهًا آخر, أو يسجد لغير الله, أو يسمي الذبائح لغير الله .

13821- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)، إن المشركين قالوا للمسلمين: كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله, وما ذبح الله فلا تأكلونه, وما ذبحتم أنتم أكلتموه؟

فقال الله: لئن أطعتموهم فأكلتم الميتة، إنكم لمشركون .

13822- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم)، قال: كانوا يقولون: ما ذكر الله عليه وما ذبحتم فكلوا !

فنـزلت: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) .

13823- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن عطاء, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) إلى قوله: (ليجادلوكم)، قال يقول: يوحي الشياطين إلى أوليائهم: تأكلون ما قتلتم, ولا تأكلون مما قتل الله!

فقال: إن الذي قتلتم يذكر اسم الله عليه, وإن الذي مات لم يذكر اسم الله عليه .

13824- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك في قوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم)، هذا في شأن الذبيحة.

قال: قال المشركون للمسلمين: تزعمون أن الله حرم عليكم الميتة, وأحل لكم ما تذبحون أنتم بأيديكم, وحرم عليكم ما ذبح هو لكم ؟

وكيف هذا وأنتم تعبدونه!

فأنـزل الله هذه الآية: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)، إلى قوله: (لمشركون) .

* * * وقال آخرون: كان الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك قومًا من اليهود .

* ذكر من قال ذلك: 13825- حدثنا محمد بن عبد الأعلى وسفيان بن وكيع قالا حدثنا عمران بن عيينة, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس = قال ابن عبد الأعلى: خاصمت اليهودُ النبي صلى الله عليه وسلم = وقال ابن وكيع: جاءت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم = فقالوا: نأكل ما قتلنا, ولا نأكل ما قتل الله !

فأنـزل الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) .

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنّ الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوا المؤمنين في تحريمهم أكل الميتة، بما ذكرنا من جدالهم إياهم = وجائز أن يكون الموحون كانوا شياطين الإنس يوحون إلى أوليائهم منهم= وجائز أن يكونوا شياطين الجن أوحوا إلى أوليائهم من الإنس= وجائز أن يكون الجنسان كلاهما تعاونا على ذلك, كما أخبر الله عنهما في الآية الأخرى التي يقول فيها: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ، [سورة الأنعام: 112].

بل ذلك الأغلب من تأويله عندي, لأن الله أخبر نبيه أنه جعل له أعداء من شياطين الجن والإنس, كما جعل لأنبيائه من قبله، يوحي بعضهم إلى بعض المزيَّنَ من الأقوال الباطلة, ثم أعلمه أن أولئك الشياطين يوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوه ومن تبعه من المؤمنين فيما حرمَ الله من الميتة عليهم .

* * * واختلف أهل التأويل في الذي عنى الله جل ثناؤه بنهيه عن أكله مما لم يذكر اسم الله عليه.

فقال بعضهم: هو ذبائح كانت العرب تذبحها لآلهتها .

* ذكر من قال ذلك: 13826- حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما قوله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؟

قال: يأمر بذكر اسمه على الشراب والطعام والذبح .

قلت لعطاء: فما قوله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) ؟

قال: ينهى عن ذبائح كانت في الجاهلية على الأوثان، كانت تذبحها العرب وقريش .

* * * وقال آخرون: هي الميتة .

(24) * ذكر من قال ذلك: 13827- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)، قال: الميتة .

* * * وقال آخرون: بل عنى بذلك كلَّ ذبيحة لم يذكر اسمُ الله عليها .

* ذكر من قال ذلك: 13828- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن جَهِير بن يزيد قال: سُئِل الحسن, سأله رجل قال له: أُتِيتُ بطيرِ كَرًى, (25) فمنه ما ذبح فذكر اسم الله عليه, ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه، واختلط الطير؟

فقال الحسن: كُلْه، كله !

قال: وسألت محمد بن سيرين فقال: قال الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) .

(26) 13829- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن أيوب وهشام, عن محمد بن سيرين, عن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: كلوا من ذبائح أهل الكتاب والمسلمين, ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه .

13830- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون, عن أشعث, عن ابن سيرين, عن عبد الله بن يزيد قال: كنت أجلس إليه في حلقة, فكان يجلس فيها ناس من الأنصار هو رأسهم, فإذا جاء سائل فإنما يسأله ويسكتون .

قال: فجاءه رجل فسأله, فقال: رجل ذبح فنسي أن يسمِّي؟

فتلا هذه الآية: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)، حتى فرغ منها .

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عنى بذلك ما ذُبح للأصنام والآلهة, وما مات أو ذبحه من لا تحلّ ذبيحته .

وأما من قال: " عنى بذلك: ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم الله ", فقول بعيد من الصواب، لشذوذه وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله, وكفى بذلك شاهدًا على فساده .

وقد بينا فساده من جهة القياس في كتابنا المسمى: " لطيف القول في أحكام شرائع الدين "، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع .

* * * وأما قوله "(وإنه لفسق)، فإنه يعني: وإنّ أكْل ما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة، وما أهل به لغير الله، لفسق " .

* * * واختلف أهل التأويل في معنى: " الفسق "، في هذا الموضع.

(27) فقال بعضهم: معناه: المعصية .

فتأويل الكلام على هذا: وإنّ أكلَ ما لم يذكر اسم الله عليه لمعصية لله وإثم .

* ذكر من قال ذلك: 13831- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وإنه لفسق)، قال: " الفسق "، المعصية .

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: الكفر .

* * * وأما قوله: (وإن الشياطين ليوحون إلي أوليائهم)، فقد ذكرنا اختلاف المختلفين في المعنيّ بقوله: (وإن الشياطين ليوحون) ، والصوابَ من القول فيه = وأما إيحاؤهم إلى أوليائهم, فهو إشارتهم إلى ما أشاروا لهم إليه: إما بقول, وإما برسالة, وإما بكتاب .

* * * وقد بينا معنى: " الوحي" فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

(28) وقد:- 13832- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا عكرمة, عن أبي زُمَيل قال: كنت قاعدًا عند ابن عباس, فجاءه رجل من أصحابه, فقال: يا ابن عباس, زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة!

= يعني المختار بن أبي عبيد = فقال ابن عباس: صدق !

فنفرت فقلت: يقول ابن عباس " صدق "!

فقال ابن عباس: هما وحيان، وحي الله, ووحي الشيطان، فوحي الله إلى محمد, ووحي الشياطين إلى أوليائهم .

ثم قرأ: (وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) .

(29) * * * وأما الأولياء: فهم النصراء والظهراء، في هذا الموضع .

(30) * * * ويعني بقوله: (ليجادلوكم)، ليخاصموكم, بالمعنى الذي قد ذكرت قبل .

(31) * * * وأما قوله: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)، فإنه يعني: وإن أطعتموهم في أكل الميتة وما حرم عليكم ربكم; كما:- 13833- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثنا معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (وإن أطعتموهم)، يقول: وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه .

13834- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وإن أطعتموهم)، فأكلتم الميتة .

* * * وأما قوله: (إنكم لمشركون)، يعني: إنكم إذًا مثلهم, إذ كان هؤلاء يأكلون الميتة استحلالا.

فإذا أنتم أكلتموها كذلك، فقد صرتم مثلهم مشركين .

* * * قال أبو جعفر: واختلف أهل العلم في هذه الآية، هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟

فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة فيما عُنيت به.

وعلى هذا قول عامة أهل العلم .

(32) * * * وروي عن الحسن البصري وعكرمة, ما:- 13835- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح, عن الحسين بن واقد, عن يزيد, عن عكرمة والحسن البصري قالا قال: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ .

ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق)، فنسخ واستثنى من ذلك فقال: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [سورة المائدة: 5] .

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا, أن هذه الآية محكمة فيما أنـزلت، لم ينسخ منها شيء, وأن طعام أهل الكتاب حلال، وذبائحهم ذكيّة .

وذلك مما حرم الله على المؤمنين أكله بقوله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)، بمعزل.

لأن الله إنما حرم علينا بهذه الآية الميْتة، وما أهلّ به للطواغيت, وذبائحُ أهل الكتاب ذكية سمُّوا عليها أو لم يسمُّوا، لأنهم أهل توحيد وأصحاب كتب لله، يدينون بأحكامها, يذبحون الذبائح بأديانهم، كما يذبح المسلم بدينه, سمى الله على ذبيحته أو لم يسمِّه, إلا أن يكون ترك من ذكر تسمية الله على ذبيحته على الدينونة بالتعطيل, أو بعبادة شيء سوى الله, فيحرم حينئذ أكل ذبيحته، سمى الله عليها أو لم يسم .

--------------------- الهوامش : (14) انظر تفسير (( الفسق )) فيما سلف 11 : 370 ؛ تعليق : 2 والمراجع هناك (15) (( الفعل )) ، هو المصدر .

(16) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 352 (17) انظر تفسير (( الوحي )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وحي ) .

(18) في المطبوعة : (( يوحون إليهم زخرف القول ليصل إلى نبي الله وأصحابه في أكل الميتة )) لم يحسن قراءة المخطوطة ، فاجتهد اجتهادًا ضرب على الجملة فسادًا لا تعرف له غاية .

وكان في المخطوطة : (( ...

زخرف القول يحد إلى نبي الله )) ، غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها .

(19) يعني : وكانت قريش أولياء فارس وأنصارهم في الجاهلية ، وهي جملة معترضة وضعتها بين خطين .

(20) في المطبوعة والمخطوطة : (( إن ما ذبحت )) ، كأنه خبر ، وهو استفهام واستنكار أن تكون ذبيحة الخلق حلالا ، وذبيحة الله - فيما يزعمون ، وهي الميتة - حرامًا .

(21) (( شمشار )) ، وفي تفسير ابن كثير 3 : 389 : (( بشمشير )) ، وتفسيره في خبر آخر يدل على أن (( الشمشار )) أو (( الشمشير )) ، هو السكين أو النصل ، انظر رقم : 13806 ، وكأن هذا كان من عقائد المجوس ، أن الميتة ذبيحة الله ، ذبحها بشمشار من ذهب !!

.

(22) الأثر : 13805 - (( عبد الرحمن بن بشر بن الحكم العبدي النيسابوري )) ثقة ، صدوق من شيوخ البخاري وأبي حاتم .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 215 .

و (( موسى بن عبد العزيز اليماني العدني القنباري )) ، لا بأس به ، متكلم فيه .

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 1 / 292 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 151 .

و (( القنباري )) نسبة إلى (( القنبار )) وهي حبال تفتل من ليف شجر النارجيل ، الذي يقال له : الجوز الهندي ، وتجر بحبال القنبار السفن لقوته .

(23) الأثر : 13809 - (( محمد بن عمار بن الحارث الرازي )) ، أبو جعفر ، روى عن إسحاق بن سليمان والسندي بن عبدويه ، ومؤمل بن إسماعيل ، وكتب عنه ابن أبي حاتم ، وقال : (( وهو صدوق ثقة )) .

مترجم في ابن أبي حاتم 4 / 1 / 43 .

(( سعيد بن سليمان )) ، لم أعرف من يكون فيمن يسمى بذلك ، وأخشى أن يكون صوابه : (( إسحاق بن سليمان الرازي )) ، الذي ذكر ابن حبان أن (( محمد بن عمار يروي عنه )) .

(24) هذه الترجمة : (( وقال آخرون : هي الميتة )) ، ليست في المخطوطة ، ولكن إثباتها كما في المطبوعة هو الصواب إن شاء الله .

(25) في المطبوعة : (( بطير كذا )) وهو خطأ لا شك فيه .

وفي المخطوطة : (( بطير كدى )) برسم الدال ، وهو خطأ لا معنى له .

والصواب ما أثبت (( كرى )) ( بفتحتين ) جمع (( الكروان )) وهو طائر بين الدجاجة والحمامة ، حسن الصوت ، يؤكل لحمه ، ذكر صاحب لسان العرب أنه يدعى الحجل والقبيح ، والصحيح أنه ضرب من الطير شبيه به .

ويقال له عند صيده (( أطرق كرى ، أطرق كرى ، إن النعام في القرى )) ، فيجبن ويلتصق بالأرض ، فيلقي عليه ثوب فيصاد .

(26) الأثر : 13828 - (( جهير بن يزيد العبدي )) ، حدث عن معاوية بن قرة ، وابن سيرين - روى عنه أبو أسامة ، وموسى بن إسماعيل ، والقعنبي .

وثقه يحيى بن معين وابن حبان ، وغيرهما .

ولم يذكر فيه البخاري جرحًا .

مترجم في تعجيل المنفعة : 74 ، والكبير 1 / 2 / 253 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 547 قال ابن حجر : (( جهير ، بصيغة التصغير ، وقيل : بوزن عظيم )) .

(27) انظر تفسير (( الفسق )) فيما سلف من فهارس اللغة ( فسق ) .

(28) انظر تفسير (( الوحي )) فيما سلف 9 : 399 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(29) الأثر : 13832 - (( أبو زميل )) هو : (( سماك بن الوليد الحنفي )) ، روى عن ابن عباس ، وابن عمر ، ومالك بن مرثد ، وعروة بن الزبير .

روى عنه شعبة ، ومسعر ، وعكرمة بن عمار .

وهو ثقة مترجم التهذيب ، والكبير 2 / 2 /174 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 280 .

و (( المختر بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي )) ، كذاب متنبئ خبيث ، فقتله الله بيد مصعب بن الزبير وأصحابه سنة 67 من الهجرة ، وله خبر طويل فيه كذبه وما فعل ، وما فعل الناس به .

(30) انظر تفسير (( الولي )) فيما سلف 10 : 497 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .

(31) انظر تفسير (( الجدال )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جدل ) .

(32) انظر (( الناسخ والمنسوخ )) ، لأبي جعفر النحاس صلى الله عليه وسلم : 144 ، قال : (( وفي هذه السورة = يعني سورة الأنعام = شيء قد ذكره قوم هو عن الناسخ والمنسوخ بمعزل ، ولكنا نذكره ليكون الكتاب عام الفائدة ...

)) ثم ذكر الآية ، وما قيل في ذلك ، إلى صلى الله عليه وسلم : 146 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركونقوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق فيه خمس مسائل[ ص: 68 ] الأولى : روى أبو داود قال : جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله ؟

فأنزل الله عز وجل : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إلى آخر الآية .

وروى النسائي عن ابن عباس في قوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه قال : خاصمهم المشركون فقالوا : ما ذبح الله فلا تأكلوه وما ذبحتم أنتم أكلتموه ; فقال الله سبحانه لهم : لا تأكلوا ; فإنكم لم تذكروا اسم الله عليها .

وتنشأ هنا مسألة أصولية ، وهي :الثانية : وذلك أن اللفظ الوارد على سبب هل يقصر عليه أم لا ; فقال علماؤنا : لا إشكال في صحة دعوى العموم فيما يذكره الشارع ابتداء من صيغ ألفاظ العموم .

أما ما ذكره جوابا لسؤال ففيه تفصيل ، على ما هو معروف في أصول الفقه ; إلا أنه إن أتى بلفظ مستقل دون السؤال لحق بالأول في صحة القصد إلى التعميم .

فقوله : لا تأكلوا ظاهر في تناول الميتة ، ويدخل فيه ما ذكر عليه غير اسم الله بعموم أنه لم يذكر عليه اسم الله ، وبزيادة ذكر غير اسم الله سبحانه عليه الذي يقتضي تحريمه نصا بقوله : وما أهل به لغير الله .

وهل يدخل فيه ما ترك المسلم التسمية عمدا عليه من الذبح ، وعند إرسال الصيد .

اختلف العلماء في ذلك على أقوال خمسة ، وهي المسألة :الثالثة : القول الأول : إن تركها سهوا أكلا جميعا ، وهو قول إسحاق ورواية عن أحمد بن حنبل .

فإن تركها عمدا لم يؤكلا ; وقاله في الكتاب مالك وابن القاسم ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي وعيسى وأصبغ ، وقاله سعيد بن جبير وعطاء ، واختاره النحاس وقال : هذا أحسن ، لأنه لا يسمى فاسقا إذا كان ناسيا .الثاني : إن تركها عامدا أو ناسيا يأكلهما .

وهو قول الشافعي والحسن ، وروي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد وعكرمة وأبي عياض وأبي رافع وطاوس وإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن أبي ليلى وقتادة .

وحكى الزهراوي عن مالك بن أنس أنه قال : تؤكل الذبيحة التي تركت التسمية عليها عمدا أو نسيانا .

وروي عن ربيعة أيضا .

قال عبد الوهاب : التسمية سنة ; فإذا تركها الذابح ناسيا أكلت الذبيحة في قول مالك وأصحابه .

الثالث : إن تركها عامدا أو ساهيا حرم أكلها ; قاله محمد بن سيرين وعبد الله بن [ ص: 69 ] عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن عمر ونافع وعبد الله بن زيد الخطمي والشعبي ; وبه قال أبو ثور وداود بن علي وأحمد في رواية .

الرابع : إن تركها عامدا كره أكلها ; قاله القاضي أبو الحسن والشيخ أبو بكر من علمائنا .

الخامس : قال أشهب : تؤكل ذبيحة تارك التسمية عمدا إلا أن يكون مستخفا ، وقال نحوه الطبري .أدلة : قال الله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقال : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه فبين الحالين وأوضح الحكمين .

فقوله : لا تأكلوا نهي على التحريم لا يجوز حمله على الكراهة ; لتناوله في بعض مقتضياته الحرام المحض ، ولا يجوز أن يتبعض ، أي يراد به التحريم والكراهة معا ; وهذا من نفيس الأصول .

وأما الناسي فلا خطاب توجه إليه إذ يستحيل خطابه ; فالشرط ليس بواجب عليه .

وأما التارك للتسمية عمدا فلا يخلو من ثلاثة أحوال : إما أن يتركها إذا أضجع الذبيحة ويقول : قلبي مملوء من أسماء الله تعالى وتوحيده فلا أفتقر إلى ذكر بلساني ; فذلك يجزئه لأنه ذكر الله جل جلاله وعظمه .

أو يقول : إن هذا ليس بموضع تسمية صريحة ، إذ ليست بقربة ; فهذا أيضا يجزئه .

أو يقول : لا أسمي ، وأي قدر للتسمية ; فهذا متهاون فاسق لا تؤكل ذبيحته .

قال ابن العربي : وأعجب لرأس المحققين إمام الحرمين حيث قال : ذكر الله تعالى إنما شرع في القرب ، والذبح ليس بقربة .

وهذا يعارض القرآن والسنة ; قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل .

فإن قيل : المراد بذكر اسم الله بالقلب ; لأن الذكر يضاد النسيان ومحل النسيان القلب فمحل الذكر القلب ، وقد روى البراء بن عازب : اسم الله على قلب كل مؤمن سمى أو لم يسم .

قلنا : الذكر باللسان وبالقلب ، والذي كانت العرب تفعله تسمية الأصنام والنصب باللسان ، فنسخ الله ذلك بذكره في الألسنة ، واشتهر ذلك في الشريعة حتى قيل لمالك : هل يسمي الله تعالى إذا توضأ فقال : أيريد أن يذبح .

وأما الحديث الذي تعلقوا به من قوله : اسم [ ص: 70 ] الله على قلب كل مؤمن فحديث ضعيف .

وقد استدل جماعة من أهل العلم على أن التسمية على الذبيحة ليست بواجبة ; لقوله عليه السلام لأناس سألوه ، قالوا : يا رسول الله ، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سموا الله عليه وكلوا .

أخرجه الدارقطني عن عائشة ومالك مرسلا عن هشام بن عروة عن أبيه ، لم يختلف عليه في إرساله .

وتأوله بأن قال في آخره : وذلك في أول الإسلام .

يريد قبل أن ينزل عليه : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه .

قال أبو عمر : وهذا ضعيف ، وفي الحديث نفسه ما يرده ، وذلك أنه أمرهم فيه بتسمية الله على الأكل ; فدل على أن الآية قد كانت نزلت عليه .

ومما يدل على صحة ما قلناه أن هذا الحديث كان بالمدينة ، ولا يختلف العلماء أن قوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه نزل في سورة " الأنعام " بمكة .وإنه لفسق أي لمعصية ; عن ابن عباس .

والفسق : الخروج .

وقد تقدم .الرابعة : قوله تعالى : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم أي يوسوسون فيلقون في قلوبهم الجدال بالباطل .

روى أبو داود عن ابن عباس في قوله : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم يقولون : ما ذبح الله فلا تأكلوه ، وما ذبحتم أنتم فكلوه ، فأنزل الله ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه قال عكرمة : عنى بالشياطين في هذه الآية مردة الإنس من مجوس فارس .

وقال ابن عباس وعبد الله بن كثير : بل الشياطين : الجن ، وكفرة الجن أولياء قريش .

وروي عن عبد الله بن الزبير أنه قيل له : إن المختار يقول : يوحى إلي ، فقال : صدق ، إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم .وقوله : ليجادلوكم .

يريد قولهم : ما قتل الله لم تأكلوه وما قتلتموه أكلتموه .

والمجادلة : دفع القول على طريق الحجة بالقوة ; مأخوذ من الأجدل ، [ ص: 71 ] طائر قوي .

وقيل : هو مأخوذ من الجدالة ، وهي الأرض ; فكأنه يغلبه بالحجة ويقهره حتى يصير كالمجدول بالأرض .

وقيل : هو مأخوذ من الجدل ، وهو شدة الفتل ; فكأن كل واحد منهما يفتل حجة صاحبه حتى يقطعها ، وتكون حقا في نصرة الحق وباطلا في نصرة الباطل .الخامسة قوله تعالى : وإن أطعتموهم أي في تحليل الميتةإنكم لمشركون فدلت الآية على أن من استحل شيئا مما حرم الله تعالى صار به مشركا .

وقد حرم الله سبحانه الميتة نصا ; فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك .

قال ابن العربي : إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركا إذا أطاعه في الاعتقاد ; فأما إذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص ; فافهموه .

وقد مضى في المائدة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ويدخل تحت هذا المنهي عنه، ما ذكر عليه اسم غير الله كالذي يذبح للأصنام، وآلهتهم، فإن هذا مما أهل لغير الله به، المحرم بالنص عليه خصوصا.

ويدخل في ذلك، متروك التسمية، مما ذبح لله، كالضحايا، والهدايا، أو للحم والأكل، إذا كان الذابح متعمدا ترك التسمية، عند كثير من العلماء.

ويخرج من هذا العموم، الناسي بالنصوص الأخر، الدالة على رفع الحرج عنه، ويدخل في هذه الآية، ما مات بغير ذكاة من الميتات، فإنها مما لم يذكر اسم الله عليه.

ونص الله عليها بخصوصها، في قوله: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } ولعلها سبب نزول الآية، لقوله { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } بغير علم.

فإن المشركين -حين سمعوا تحريم الله ورسوله الميتةَ، وتحليله للمذكاة، وكانوا يستحلون أكل الميتة- قالوا -معاندة لله ورسوله، ومجادلة بغير حجة ولا برهان- أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله؟

يعنون بذلك: الميتة.

وهذا رأي فاسد، لا يستند على حجة ولا دليل بل يستند إلى آرائهم الفاسدة التي لو كان الحق تبعا لها لفسدت السماوات والأرض، ومن فيهن.

فتبا لمن قدم هذه العقول على شرع الله وأحكامه، الموافقة للمصالح العامة والمنافع الخاصة.

ولا يستغرب هذا منهم، فإن هذه الآراء وأشباهها، صادرة عن وحي أوليائهم من الشياطين، الذين يريدون أن يضلوا الخلق عن دينهم، ويدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير.

{ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } في شركهم وتحليلهم الحرام، وتحريمهم الحلال { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } لأنكم اتخذتموهم أولياء من دون الله، ووافقتموهم على ما به فارقوا المسلمين، فلذلك كان طريقكم، طريقهم.

ودلت هذه الآية الكريمة على أن ما يقع في القلوب من الإلهامات والكشوف، التي يكثر وقوعها عند الصوفية ونحوهم، لا تدل -بمجردها على أنها حق، ولا تصدق حتى تعرض على كتاب الله وسنة رسوله.

فإن شهدا لها بالقبول قبلت، وإن ناقضتهما ردت، وإن لم يعلم شيء من ذلك، توقف فيها ولم تصدق ولم تكذب، لأن الوحي والإلهام، يكون الرحمن ويكون من الشيطان، فلا بد من التمييز بينهما والفرقان، وبعدم التفريق بين الأمرين، حصل من الغلط والضلال، ما لا يحصيه إلا الله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها .

وقال عطاء : الآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام .

واختلف أهل العلم في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله عليها : فذهب قوم إلى تحريمها سواء ترك التسمية عامدا أو ناسيا ، وهو قول ابن سيرين والشعبي ، واحتجوا بظاهر هذه الآية .

وذهب قوم إلى تحليلها ، يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول مالك والشافعي وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين .

وذهب قوم إلى أنه إن ترك التسمية عامدا لا يحل ، وإن تركها ناسيا يحل ، حكى الخرقي من أصحاب أحمد : أن هذا مذهبه ، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي .

من أباحها قال : المراد من الآية الميتات أو ما ذبح على غير اسم الله بدليل أنه قال : ( وإنه لفسق ) والفسق في ذكر اسم غير الله كما قال في آخر السورة ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ) إلى قوله ( أو فسقا أهل لغير الله به ) واحتج من أباحها بما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا يوسف بن موسى ثنا أبو خالد الأحمر قال سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قالوا : يا رسول الله إن هنا أقواما حديث عهدهم بشرك يأتونا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا؟

قال : اذكروا أنتم اسم الله وكلوا " .

ولو كانت التسمية شرطا للإباحة لكان الشك في وجودها مانعا من أكلها كالشك في أصل [ الذبح ] .

قوله تعالى : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ) أراد أن الشياطين ليوسوسون إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوكم ، وذلك أن المشركين قالوا : يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟

فقال : الله قتلها ، قالوا : أفتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال ، وما قتله الكلب والصقر حلال ، وما قتله الله حرام؟

فأنزل الله هذه الآية ، ( وإن أطعتموهم ) في أكل الميتة ، ( إنكم لمشركون ) قال الزجاج : وفيه دليل على أن من أحل شيئا مما حرم الله أو حرم ما أحل الله فهو مشرك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه» بأن مات أو ذبح على اسم غيره وإلا فما ذبحه المسلم ولم يسم فيه عمدا أو نسيانا فهو حلال قاله ابن عباس وعليه الشافعي «وإنه» أي الأكل منه «لفسق» خروج عما يحل «وإن الشياطين ليوحون» يوسوسون «إلى أوليائهم» الكفار «ليجادلوكم» في تحليل الميتة «وإن أطعتموهم» فيه «إنكم لمشركون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تأكلوا -أيها المسلمون- من الذبائح التي لم يذكر اسم الله عليها عند الذبح، كالميتة وما ذبح للأوثان والجن، وغير ذلك، وإن الأكل من تلك الذبائح لخروج عن طاعة الله تعالى.

وإن مردة الجن لَيُلْقون إلى أوليائهم من شياطين الإنس بالشبهات حول تحريم أكل الميتة، فيأمرونهم أن يقولوا للمسلمين في جدالهم معهم: إنكم بعدم أكلكم الميتة لا تأكلون ما قتله الله، بينما تأكلون مما تذبحونه، وإن أطعتموهم -أيها المسلمون في تحليل الميتة- فأنتم وهم في الشرك سواء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن أمر الله المؤمنين بالأكل مما ذكر اسم الله عليه ، نهاهم صراحة عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه لشدة العناية بهذا الأمر فقال - تعالى - :{ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } أى : لا تأكلوا أيها المسلمون من أى حيوان لم يذكر عليه اسم الله عند ذبحه ، بأن ذكر عليه اسم غيره ، أو ذكر اسم من اسمه - تعالى - ، أو غير ذلك مما سبق بيانه من المحرمات .وقوله { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } جملة حالية والضمير يعود على الأكل من الذى لم يذكر اسم الله عليه ، أى : وإن الأكل من ذلك الحيوان المذبوح الذى لم يذكر اسم الله عليه لخروج عن طاعة الله - تعالى - وابتعاد عن الفعل الحسن إلى الفعل القبيح ، وفى ذلك ما فيه من تنفيرهم من أكل ما لم يذكر اسم الله عليه .ثم كشف للمسلمين عن المصدر الذى يمد المشركين بمادة الجدل حول هذه المسألة فقال : { وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } .أى : وإن إبليس وجنوده ليوسوسون إلى أوليائهم الذين اتبعوهم من المشركين ليجادلوكم فى تحليل الميتة وفى غير ذلك من الشبهات الباطلة { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } فى استحلال ما حرمه الله عليكم { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } .قال ابن كثير : أى : حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك ، كقوله - تعالى - { اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله } الاية ، وقد ورى الترمذى فى تفسيرها عن عدى بن حاتم أنه قال : يا رسول الله ما عبدوهم فقال : " بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم " .هذا ، وقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل غذا لم يذكر اسم الله عليها وإن كان الذابح مسلما ، وقد اختلف الفقهاء فى هذه المسألة على ثلاثة أقوال .فمنهم من قال لا تحل الذبيحة التى يترك اسم الله عليها سواء كان الترك عمدا أو سهوا ، وإلى هذا الرأى ذهب ابن عمر ونافع وعامر والشعبى ومحمد بن سيرين ، وداود الظاهرى وفى رواية عن الإمامين مالك وأحمد بن حنبل .واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية التى وصفت ما ذبح ولم يذكر اسم الله عليه بأنه فسق ، كما احتجوا بقوله - تعالى - { فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذكروا اسم الله عَلَيْهِ } وبالأحاديث التى وردت فى الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد كحديث عدى بن حاتم وفيه " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل " .وحديث رافع بن خديج وفيه " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه " .أما القول الثانى فيرى أصحابه أن التسمية ليست شرطا بل هى مستحبة ، وتركها عن عمد أو نسيان لا يضر ، وقد حكى هذا المذهب عن ابن عباس وأبى هريرة وعطاء وهو مذهب الشافعى وأصحابه وفى رواية عن الإمامين مالك وأحمد بن حنبل .وحجتهم أن هذه الآية { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ ..

.

} واردة فيما ذبح لغير الله بأن يذكر على الذبيحة اسم الصنم كما كان يفعل المشركون عند ذبائحهم .واحتجوا أيضاً بما رواه الدارقطنى عن ابن عباس أنه قال : " إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله " .أما القول الثالث فيرى أصحابه أن ترك التسمية نسيانا لا يضر ، أما عمدا فلا تحل الذبيحة ، وإلى هذا المذهب ذهب على وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصرى وهو المشهور من مذهب أحمد بن حنبل وعليه أبو حنيفة وأصحابه .واحتجوا لمذهبهم بأحاديث منها ما رواه عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " .ولعل هذا المذهب أقرب المذاهب إلى الصواب ، لأن المتعمد هو الذى يؤاخذ على عمله أما الناسى فليس مؤاخذا .وقد تولت بعض كتب التفسير بسط الأقوال فى هذه المسألة فليرجع إليها من شاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين أنه يحل أكل ما ذبح على اسم الله، ذكر بعده تحريم ما لم يذكر عليه اسم الله، ويدخل فيه الميتة، ويدخل فيه ما ذبح على ذكر الأصنام، والمقصود منه إبطال ما ذكره المشركون.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر عليه اسم الله من طعام أو شراب، فهو حرام، تمسكاً بعموم هذه الآية.

وأما سائر الفقهاء فإنهم أجمعوا على تخصيص هذا العموم بالذبح، ثم اختلفوا فقال مالك: كل ذبح لم يذكر عليه اسم الله فهو حرام، سواء ترك ذلك الذكر عمداً أو نسياناً.

وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين.

وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إن ترك الذكر عمداً حرم، وإن ترك نسياناً حل.

وقال الشافعي رحمه الله تعالى: يحل متروك التسمية سواء ترك عمداً أو خطأ إذا كان الذابح أهلاً للذبح، وقد ذكرنا هذه المسألة على الاستقصاء في تفسير قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ  ﴾ فلا فائدة في الإعادة، قال الشافعي رحمه الله تعالى: هذا النهي مخصوص بما إذا ذبح على اسم النصب، ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ وأجمع المسلمون على أنه لا يفسق أكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم ﴾ وهذه المناظرة إنما كانت في مسألة الميتة، روي أن ناساً من المشركين قالوا للمسلمين: ما يقتله الصقر والكلب تأكلونه، وما يقتله الله فلا تأكلونه.

وعن ابن عباس أنهم قالوا: تأكلون ما تقتلونه ولا تأكلون ما يقتله الله، فهذه المناظرة مخصوصة بأكل الميتة.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾ وهذا مخصوص بما ذبح على اسم النصب، يعني لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم إلهية الأوثان، فقد رضيتم بإلهيتها وذلك يوجب الشرك.

قال الشافعي رحمه الله تعالى: فأول الآية وإن كان عاماً بحسب الصيغة، إلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة علمنا أن المراد من ذلك العموم هو هذا الخصوص، ومما يؤكد هذا المعنى هو أنه تعالى قال: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ فقد صار هذا النهي مخصوصاً بما إذا كان هذا الأمر فسقاً، ثم طلبنا في كتاب الله تعالى أنه متى يصير فسقاً؟

فرأينا هذا الفسق مفسراً في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لغير الله به  ﴾ فصار الفسق في هذه الآية مفسراً بما أهل به لغير الله، وإذا كان كذلك كان قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ مخصوصاً بما أهل به لغير الله.

والمقام الثاني: أن نترك التمسك بهذه المخصصات، لكن نقول لم قلتم إنه لم يوجد ذكر الله ههنا؟

والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ذكر الله مع المسلم» سواء قال أو لم يقل، ويحمل هذا الذكر على ذكر القلب.

والمقام الثالث: وهو أن نقول: هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن سائر الدلائل المذكورة في هذه المسألة توجب الحل، ومتى تعارضت وجب أن يكون الراجح هو الحل، لأن الأصل في المأكولات الحل، وأيضاً يدل عليه جميع العمومات المقتضية لحل الأكل والانتفاع كقوله تعالى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض جَمِيعاً  ﴾ وقوله: ﴿ كُلُواْ واشربوا  ﴾ لأنه مستطاب بحسب الحس فوجب أن يحل لقوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات  ﴾ ولأنه مال لأن الطبع يميل إليه، فوجب أن لا يحرم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن إضاعة المال، فهذا تقرير الكلام في هذه المسألة ومع ذلك فنقول: الأولى بالمسلم أن يحترز عنه لأن ظاهر هذا النص قوي.

المسألة الثانية: الضمير في قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ إلى ماذا يعود؟

فيه قولان: الأول: أن قوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ﴾ يدل على الأكل، لأن الفعل يدل على المصدر، فهذا الضمير عائد إلى هذا المصدر.

والثاني: كأنه جعل ما لم يذكر اسم الله عليه في نفسه فسقاً، على سبيل المبالغة.

وأما قوله: ﴿ وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم ﴾ ففيه قولان: الأول: أن المراد من الشياطين هاهنا إبليس وجنوده، وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أكل الميتة.

والثاني: قال عكرمة: وإن الشياطين، يعني مردة المجوس، ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش، وذلك لأنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس، فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة، أن محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلال وما يذبحه الله حرام.

فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

ثم قال: ﴿ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ ﴾ يعني في استحلال الميتة ﴿ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾ قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحلَّ شيئاً مما حرم الله تعالى، أو حرم شيئاً مما أحل الله تعالى فهو مشرك، وإنما سمي مشركاً لأنه أثبت حاكماً سوى الله تعالى، وهذا هو الشرك.

المسألة الثالثة: قال الكعبي: الآية حجة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات وإن كان معناه في اللغة التصديق، كما جعل تعالى الشرك اسماً لكل ما كان مخالفاً لله تعالى، وإن كان في اللغة مختصاً بمن يعتقد أن لله شريكاً، بدليل أنه تعالى سمى طاعة المؤمنين للمشركين في إباحة الميتة شركاً.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من الشرك هاهنا اعتقاد أن الله تعالى شريكاً في الحكم والتكليف؟

وبهذا التقدير يرجع معنى هذا الشرك إلى الاعتقاد فقط.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ الضمير راجع إلى مصدر الفعل الذي دخل عليه حرف النهي، يعني وإنّ الأكل منه لفسق.

أو إلى الموصول على: وإنّ أكله لفسق، أو جعل ما لم يذكر اسم الله عليه في نفسه فسقاً.

فإن قلت: قد ذهب جماعة من المجتهدين إلى جواز أكل ما لم يذكر اسم الله عليه بنسيان أو عمد.

قلت: قد تأوله هؤلاء بالميتة وبما ذكر غير اسم الله عليه: كقوله: ﴿ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ ﴾ [الأنعام: 145] ﴿ لَيُوحُونَ ﴾ ليسوسون ﴿ إلى أَوْلِيَائِهِمْ ﴾ من المشركين ﴿ ليجادلوكم ﴾ بقولهم: ولا تأكلوا مما قتله الله.

وبهذا يرجع تأويل من تأوله بالميتة ﴿ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾ لأنّ من اتبع غير الله تعالى في دينه فقد أشرك به.

ومن حق ذي البصيرة في دينه أن لا يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه كيفما كان؛ لما يرى في الآية من التشديد العظيم، وإن كان أبو حنيفة رحمة الله مرخصاً في النسيان دون العمد، ومالك والشافعي رحمهما الله فيهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ ﴾ ما يُعْلَنُ وما يُسَرُّ، أوْ ما بِالجَوارِحِ وما بِالقَلْبِ.

وقِيلَ الزِّنا في الحَوانِيتِ واتِّخاذُ الأخْدانِ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ﴾ يَكْتَسِبُونَ.

﴿ وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ظاهِرٌ في تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أوْ نِسْيانًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ داوُدُ وعَنْ أحْمَدَ مِثْلُهُ، وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ بِخِلافِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ وإنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ».» وَفَرَّقَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ وأوَّلَهُ بِالمَيْتَةِ أوْ بِما ذُكِرَ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ فَإنَّ الفِسْقَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، والضَّمِيرُ لِما ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْأكْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ولا تَأْكُلُوا.

﴿ وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ ﴾ لَيُوَسْوِسُونَ.

﴿ إلى أوْلِيائِهِمْ ﴾ مِنَ الكُفّارِ.

﴿ لِيُجادِلُوكُمْ ﴾ بِقَوْلِهِمْ تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ أنْتُمْ وجَوارِحُكم وتَدَعُونَ ما قَتَلَهُ اللَّهُ، وهو يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ بِالمَيْتَةِ.

﴿ وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ ﴾ في اسْتِحْلالِ ما حَرَّمَ.

﴿ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ ﴾ فَإنَّ مَن تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى إلى طاعَةِ غَيْرِهِ واتَّبَعَهُ في دِينِهِ فَقَدْ أشْرَكَ، وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ الفاءِ فِيهِ لِأنَّ الشَّرْطَ بِلَفْظِ الماضِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ} عند الذبح {وَأَنَّهُ} وإن أكله {لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ} ليوسوسون {إلى أَوْلِيَائِهِمْ} من المشركين {ليجادلوكم} بقولهم لا تأكلون مما قتله الله وتأكلون مما تذبحون بأيديكم والآية تحرم متروك التسمية وخصت حالة النسيان بالحديث أو يجعل الناسي ذاكراً تقديراً {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} في استحلال ماحرمه الله {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} لأن من اتبع غير الله دينه فقد أشرك به ومن حق المتدين أن لا يأكل مما لم يذكر اسم

الله عليه لما في الآية من التشديد العظيم ومن أوّل الآية بالميتة وبما ذكر غير اسم الله عليه لقوله أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ وقال إن الواو في وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ للحال لأن عطف الجملة الاسمية على الفعلية لا يحسن فيكون القتدير ولا تأكلوا منه حال كونه فسقاً والفسق مجمل فبين بقوله أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فصار التقدير ولا تأكلوا منه حال كونه مهلاً لغير الله به فيكون ما سواه حلالاً بالعمومات المحلة منها قوله قل لا أجد الآية فقد عدل عن ظاهر اللفظ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ أيْ مِنَ الحَيَوانِ كَما هو المُتَبادَرُ والآيَةُ ظاهِرَةٌ في تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا كانَ أوْ نِسْيانًا وإلَيْهِ ذَهَبَ داوُدُ.

وعَنْ أحْمَدَ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ والجُبّائِيِّ مِثْلُهُ وقالَ الشّافِعِيُّ بِخِلافِهِ لِما رَواهُ أبُو داوُدَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ راشِدِ بْنِ سَعْدٍ مُرْسَلًا «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى أوْ لَمْ يُذْكَرْ» وعَنْ مالِكٍ وهي الرِّوايَةُ المُعَوَّلُ عَلَيْها عِنْدَ أئِمَّةِ مَذْهَبِهِ أنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لا يُؤْكَلُ سَواءً كانَ تَهاوُنًا أوْ غَيْرَ تَهاوُنٍ ولِأشْهَبَ قَوْلٌ شاذٌّ بِجَوازِ غَيْرِ المُتَهاوَنِ في تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مَذْهَبَ مالِكٍ كَمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ وآخَرُونَ أنَّهُ كَمَذْهَبِ داوُدَ ومَن مَعَهُ وما ذَكَرْناهُ هو المَوْجُودُ في كُتُبِ المالِكِيَّةِ وأهْلُ مَكَّةَ أدْرى بِشِعابِها ومَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ كالصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ قالَ العَلّامَةُ الثّانِي: إنَّ النّاسِيَ عَلى مَذْهَبِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ بِتارِكٍ لِلتَّسْمِيَةِ بَلْ هي في قَلْبِهِ عَلى ما رُوِيَ «أنَّهُ  سُئِلَ عَنْ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ ناسِيًا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كُلُوهُ فَإنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ تَعالى في قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» ولَمْ يُلْحَقْ بِهِ العامِدُ إلّا لِامْتِناعِ تَخْصِيصِ الكِتابِ بِالقِياسِ وإنْ كانَ مَنصُوصَ العِلَّةِ وإمّا لِأنَّهُ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا فَكَأنَّهُ نَفى ما في قَلْبِهِ واعْتُرِضَ بِأنَّ تَخْصِيصَ العامِّ الَّذِي خُصَّ مِنهُ البَعْضُ جائِزٌ بِالقِياسِ المَنصُوصِ العِلَّةِ وِفاقًا وبِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ التّارِكَ عَمْدًا بِمَنزِلَةِ النّافِي لِما في قَلْبِهِ رُبَّما يَكُونُ لِوُثُوقِهِ بِذَلِكَ وعَدَمِ افْتِقارِهِ لِذِكْرِهِ ثُمَّ قالَ: فَذَهَبُوا إلى أنَّ النّاسِيَ خارِجٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ إذِ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَصْدَرِ المَأْخُوذِ مِن مَضْمُونِ ﴿ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ وهو التَّرْكُ لِكَوْنِهِ الأقْرَبَ ومَعْلُومٌ أنَّ التَّرْكَ نِسْيانًا لَيْسَ بِفِسْقٍ لِعَدَمِ تَكْلِيفِ النّاسِي والمُؤاخَذَةِ عَلَيْهِ فَيَتَعَيَّنُ العَمْدُ.

واعْتُرِضَ ما ذُكِرَ بِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ فِسْقًا لا سِيَّما عَلى وجْهِ التَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ خِلافُ الظّاهِرِ ولَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ ولا يُلائِمُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ مَعَ أنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا سِيَّما في حُكْمٍ واحِدٍ وبِأنَّ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَتَناوَلُ المَيْتَةَ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ عَلَيْها لَيْسَ بِفِسْقٍ وبَعْضُهم أرْجَعَ الضَّمِيرَ إلى ما بِمَعْنى الذَّبِيحَةِ وجَعَلَها عَيْنَ الفِسْقِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لَكِنْ لا بُدَّ مِن مُلاحَظَةِ كَوْنِها مَتْرُوكَةَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا إذْ لا فِسْقَ في النِّسْيانِ وحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ الحَمْلُ أيْضًا ومِمّا تَقَدَّمَ يُعْلَمُ ما فِيهِ وذَكَرَ العَلّامَةُ لِلشّافِعِيَّةِ في دَعْوى حِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أوْ نِسْيانًا وحُرْمَةِ ما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ وُجُوهًا الأوَّلُ أنَّ التَّسْمِيَةَ عَلى ذِكْرِ المُؤْمِنِ وفي قَلْبِهِ ما دامَ مُؤْمِنًا فَلا يَتَحَقَّقُ مِنهُ عَدَمُ الذِّكْرِ فَلا يَحْرُمُ مِن ذَبِيحَتِهِ إلّا ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ عَلى وجْهِ التَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ لا يَصِحُّ في حَقِّ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ عَمْدًا كانَ أوْ سَهْوًا إذْ لا فِسْقَ بِفِعْلِ ما هو مَحَلُّ الِاجْتِهادِ والثّالِثُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ في مَوْقِعِ الحالِ إذْ لا يَحْسُنُ عَطْفُ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ وقَدْ بُيِّنَ الفِسْقُ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الأكْلِ مُقَيَّدًا بِكَوْنِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ قَدْ أُهِلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَيَحِلُّ ما لَيْسَ كَذَلِكَ إمّا بِطَرِيقِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ وإمّا بِحُكْمِ الأصْلِ وإمّا بِالعُمُوَماتِ الوارِدَةِ في حِلِّ الأطْعِمَةِ وهَذا خُلاصَةُ ما ذَكَرَهُ الإمامُ في مَجْلِسِ تَذْكِيرٍ عَقَدَهُ لَهُ سُلْطانُ خَوارِزْمَ فِيها بِمَحْضَرٍ مِنهُ ومِن جُمْلَةِ الأئِمَّةِ الحَنَفِيَّةِ وعَلَيْهِ لا حاجَةَ لِلشّافِعِيَّةِ إلى دَلِيلٍ خارِجِيٍّ في تَخْصِيصِ الآيَةِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَتَناوَلَ النَّهْيُ أكْلَ المَيْتَةِ مَعَ أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ وبِأنَّ التَّأْكِيدَ بَأنْ واللّامِ يَنْفِي كَوْنَ الجُمْلَةِ حالِيَّةً لِأنَّهُ إنَّما يَحْسُنُ فِيما قُصِدَ الإعْلامُ بِتَحَقُّقِهِ البَتَّةَ والرَّدُّ عَلى مُنْكِرٍ تَحْقِيقًا أوْ تَقْدِيرًا عَلى ما بُيِّنَ في عِلْمِ المَعانِي والحالُ الواقِعُ في الأمْرِ والنَّهْيِ مَبْناهُ عَلى التَّقْدِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَأْكُلُوا مِنهُ إنْ كانَ فِسْقًا فَلا يَحْسُنُ ﴿ وإنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ بَلْ وهو فِسْقٌ ومِن هُنا ذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ دَخَلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وبِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ وإنَّ الشَّياطِينَ ﴾ ..

إلَخْ.

المَيْتَةُ فَيَتَحَقَّقُ قَوْلُهم: إنَّ النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ وأجابَ العَلّامَةُ عَنِ الثّانِي بِأنَّهُ لَمّا كانَ المُرادُ بِالفِسْقِ ها هُنا الإهْلالَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى كانَ التَّأْكِيدُ مُناسِبًا كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَأْكُلُوا مِنهُ إذا كانَ هَذا النَّوْعُ مِنَ الفِسْقِ الَّذِي الحُكْمُ بِهِ مُتَحَقَّقٌ والمُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَهُ ومِنهم مَن تَأوَّلَ الآيَةَ بِالمَيْتَةِ لِأنَّ الجِدالَ فِيها كَما سَتَعْلَمُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

واسْتَظْهِرْ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى الأكْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ ولا تَأْكُلُوا ﴾ والَّذِي يَلُوحُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عامٌّ لِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولِمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أوْ سَهْوًا ولِما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ لِأنَّهُ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ والتَّحْقِيقُ أنَّ العامَّ الظّاهِرَ مَتى ورَدَ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ كانَ نَصًّا في السَّبَبِ ظاهِرًا باقِيًا عَلى ظُهُورِهِ فِيما عَداهُ وأنَّهُ لا بُدَّ لِمُبِيحِ مَنسِيِّ التَّسْمِيَةِ مِن مُخَصِّصٍ وهو الخَبَرُ المُشْتَمِلُ عَلى السُّؤالِ والجَوابِ وادَّعى أنَّ هَذا عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ بَلْ مَنعٌ لِانْدِراجِ المَنسِيِّ في العُمُومِ مُسْتَنِدٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.

ويُؤَيِّدُ بِأنَّ العامَّ الوارِدَ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ وإنَّ قَوِيَ تَناوُلُهُ لِسَبَبٍ حَتّى يَنْتَهِضَ الظّاهِرُ فِيهِ نَصًّا إلّا أنَّهُ ضَعِيفُ التَّناوُلِ لِما عَداهُ حَتّى يَنْحَطَّ عَلى أعالِي الظّاهِرِ فِيهِ ويَكْتَفِي مِن مُعارَضَةٍ ما لا يَكْتَفِي بِهِ مِنهُ لَوْلا السَّبَبُ.

انْتَهى.

ولا يَخْفى ما فِيهِ لِمَن أحاطَ خَبَرًا بِما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ قَبْلُ وذَكَرَ كَثِيرٌ مِن أصْحابِنا أنَّ قَوْلَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ إذْ لا خِلافَ فِيمَن كانَ قَبْلَهُ في حُرْمَةِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عامِدًا وإنَّما الخِلافُ بَيْنَهم في مَتْرُوكِها ناسِيًا فَمَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ يَحْرُمُ ومَذْهَبُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ يَحِلُّ ولَمْ يَخْتَلِفُوا في حُرْمَةِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عامِدًا ولِهَذا قالَ أبُو يُوسُفَ والمَشايِخُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى: إنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عامِدًا لا يَسَعُ فِيهِ الِاجْتِهادُ ولَوْ قَضى القاضِي بِجَوازِ بَيْعِهِ لا يُنَفَّذُ لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْإجْماعِ وأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي شُمُولَها لِمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ نِسْيانًا إلّا أنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ النّاسِيَ ذاكِرًا لِعُذْرٍ مِن جِهَتِهِ وفي ذَلِكَ رَفْعٌ لِلْحَرَجِ فَإنَّ الإنْسانَ كَثِيرُ النِّسْيانِ.

وقَوْلُ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ: إنَّ التَّسْمِيَةَ لَوْ كانَتْ شَرْطًا لِلْحِلِّ لَما سَقَطَ بِعُذْرِ النِّسْيانِ كالطَّهارَةِ في بابِ الصَّلاةِ مُفْضٍ إلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ وهي مَعْهُودَةٌ فِيما إذا كانَ عَلى النّاسِي هَيْئَةٌ مُذَكِّرَةٌ كالأكْلِ في الصَّلاةِ والجِماعِ في الإحْرامِ لا فِيما إذا لَمْ يَكُنْ كالأكْلِ في الصِّيامِ وهُنا إنْ لَمْ تَكُنْ هَيْئَةٌ تُوجِبُ النِّسْيانَ وهي ما يَحْصُلُ لِلذَّبائِحِ عِنْدَ زُهُوقِ رُوحِ حَيَوانٍ مِن تَغَيُّرِ الحالِ فَلَيْسَ هَيْئَةً مُذَكِّرَةً بِمَوْجُودَةٍ.

والحَقُّ عِنْدِي أنَّ المَسْألَةَ اجْتِهادِيَّةٌ وثُبُوتَ الإجْماعِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَوْ كانَ ما كانَ خَرَقَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى واسْتِدْلالُهُ عَلى مُدَّعاهُ عَلى ما سَمِعَتَ لا يَخْلُو عَنْ مَتانَةٍ وقَوْلُ الأصْفَهانِيِّ كَما في المُسْتَصْفى أفْحَشَ الشّافِعِيَّ حَيْثُ خالَفَ سَبْعَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ثَلاثٌ مِنها في سُورَةِ الأنْعامِ الأُولى ﴿ فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ والثّانِيَةُ ﴿ وما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ والثّالِثَةُ ﴿ ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ وثَلاثٌ في سُورَةِ الحَجِّ الأُولى ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ ﴾ والثّانِيَةُ ﴿ ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ﴾ والثّالِثَةُ ﴿ والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ ﴾ وآيَةٌ في المائِدَةِ ﴿ فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكم واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ مِنَ الفُحْشِ في حَقِّ هَذا الإمامِ القُرَشِيِّ ومَثارُهُ عَدَمُ الوُقُوفِ عَلى فَضْلِهِ وسِعَةِ عِلْمِهِ ودِقَّةِ نَظَرِهِ وبِالجُمْلَةِ الكَلامُ في الآيَةِ واسِعُ المَجالِ وبِها اسْتَدَلَّ كُلٌّ مِن أصْحابِ هاتِيكِ الأقْوالِ وعَنْ عَطاءٍ وطاوُسٍ أنَّهُما اسْتَدَلّا بِظاهِرِها عَلى أنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ حَيَوانًا كانَ أوْ غَيْرَهُ حَرامٌ وسَبَبُ النُّزُولِ يُؤَيِّدُ خِلافَ ذَلِكَ كَما عَلِمْتَ والِاحْتِياطُ لا يَخْفى.

﴿ وإنَّ الشَّياطِينَ ﴾ أيْ إبْلِيسَ وجُنُودَهُ ﴿ لَيُوحُونَ ﴾ أيْ يُوَسْوِسُونَ ﴿ إلى أوْلِيائِهِمْ ﴾ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم مِنَ المُشْرِكِينَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّياطِينِ مَرَدَةُ المَجُوسِ فَإيحاؤُهم إلى أوْلِيائِهِمْ ما أنْهَوْا إلى قُرَيْشٍ حَسْبَما حَكَيْناهُ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿ لِيُجادِلُوكُمْ ﴾ أيْ بِالوَساوِسِ الشَّيْطانِيَّةِ أوْ بِما نُقِلَ مِن أباطِيلِ المَجُوسِ ﴿ وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ ﴾ في اسْتِحْلالِ الحَرامِ ﴿ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ ﴾ (121) ضَرُورَةً أنَّ مَن تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى إلى طاعَةِ غَيْرِهِ واسْتَحَلَّ الحَرامَ واتَّبَعَهُ في دِينِهِ فَقَدْ أشْرَكَهُ بِهِ تَعالى بَلْ آثَرَهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.

ونَقَلَ الإمامُ عَنِ الكَعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الطّاعاتِ وإنْ كانَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ التَّصْدِيقَ كَما جَعَلَ تَعالى الشِّرْكَ اسْمًا لِكُلِّ ما كانَ مُخالَفَةً لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإنْ كانَ في اللُّغَةِ مُخْتَصًّا بِمَن يَعْتَقِدُ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ شَرِيكًا بِدَلِيلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ سَمّى طاعَةَ المُؤْمِنِينَ لِلْمُشْرِكِينَ في إباحَةِ المَيْتَةِ شِرْكًا ثُمَّ قالَ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشِّرْكِ ها هُنا اعْتِقادَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَرِيكًا في الحُكْمِ والتَّكْلِيفِ وبِهَذا القَدْرِ يَرْجِعُ مَعْنى هَذا الشِّرْكِ إلى الِاعْتِقادِ فَقَطْ.

انْتَهى.

والظّاهِرُ أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ هَذِهِ الإطاعَةِ بِالشِّرْكِ مِن بابِ التَّغْلِيظِ ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ والكَلامُهُنا كَما قالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ عَلى تَقْدِيرِ القَسَمِ وحَذْفِ لامِ التَّوْطِئَةِ أيْ ولَئِنْ أطَعْتُمُوهم واللَّهِ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ وحُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ لِسَدِّ جَوابِ القَسَمِ مَسَدَّهُ وجَعَلَ أبُو البَقاءِ وتَبِعَهُ بَعْضُهُمُ المَذْكُورَ جَوابَ الشَّرْطِ ولا قَسَمَ وادَّعى أنَّ حَذْفَ الفاءِ مِنهُ حَسَنٌ إذا كانَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ الماضِي كَما هُنا واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا لَمْ يُوجَدْ في كُتُبِ العَرَبِيَّةِ بَلِ اتَّفَقَ الكُلُّ عَلى وُجُوبِ الفاءِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ولَمْ يُجَوِّزُوا تَرْكَها إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ وفِيهِ أنَّ المُبَرِّدَ أجازَ ذَلِكَ في الِاخْتِيارِ كَما ذَكَرَهُ المُرادِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ يعني: زنى السر والعلانية لأن أهل الجاهلية كانوا يحرمون الزنى في العلانية، ولا يرون به بأساً في السر.

فأخبر الله تعالى أن الزنى حرام في السر والعلانية.

ويقال: ظاهر الإثم وهو الزنى وباطنه القُبْلة واللَّمس والنظر.

وقال الضحاك ظاهِرَ الْإِثْمِ الزنى وباطنه نكاح الأمهات والأخوات وقال قتادة: ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ يعني: قليله وكثيره.

ويقال: ظاهره ارتكاب المعاصي، وباطنه ترك الفرائض.

ويقال: باطنه الرياء في الأعمال.

ويقال: الكفر ويقال: جميع المعاصي.

إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ يقول: يعملون الفواحش ويتكلمون بها سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ سيعاقبون بما كانوا يكسبون من الإثم.

قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي: وإن كثيراً ليُضلون بأهوائهم بضم الياء يعني: يضلون الناس.

وقرأ الباقون لَيُضِلُّونَ بنصب الياء يعني يَضلون بأنفسهم.

قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يعني: ما لم يُذَك ولم يذبح أو ذبح بغير اسم الله وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ يعني: أكله معصية واستحلاله كفر.

وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ يعني: يوسوسون إلى أوليائهم من المشركين لِيُجادِلُوكُمْ يقول: ليخاصموكم في أكل الميتة.

وهو قولهم: ما قتله الله فهو أولى أن يؤكل.

وروي عن عبد الله بن الزبير أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ المختار يقول: يوحى إليّ فقال، صَدَق وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ.

قال الفقيه قال: حدثنا أبو الفضل بن أبي حفص قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال قال المشركون للمسلمين: ما قتل ربكم ومات فلا تأكلوه وما قتلتم أنتم وذبحتم فتأكلوه فأوحى الله تعالى إلى النبيّ  وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ...

إلى قوله: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ يعني: في أكل الميتة واستحلاله إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ مثلهم ففي الآية دليل أن من استحل شيئاً مما حرم الله تعالى صار مشركا.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ...

الآية: المعنى: فامض، يا محمَّد لما أُمِرْتَ به، وبلِّغ ما أُرْسِلْتَ به، فإنك إنْ تطع أكثر من في الأرض يضلُّوك، قال ابنُ عباس «١» : الأرض هنا: الدنيا، وحُكِي أنَّ سبب هذه الآية أنَّ المشركين جادلوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أمر الذبائحِ، وقالوا: أتأكُلُ ما تقتُلُ، وتترُكُ ما قَتَلَ اللَّه، فنزلَتِ الآية، ثم وصفهم تعالى بأنهم إنما يقتدون بظنونهم ويتَّبعون تخرُّصهم، والخَرْصُ: الحَرْز والظنُّ، وهذه الآية/ خبر في ضمْنه وعيدٌ للضالِّين، ووعدٌ للمهتدين، وقوله سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ...

الآية: القصْد بهذه الآية النهْيُ عما ذبح للنُّصُب وغيرها، وعن الميتة وأنواعها، ولا قصد في الآية إلى ما نَسِيَ المؤمن فيه التسميَة أو تعمّدها بالترك.

وقوله سبحانه: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا ...

الآية: «ما» : استفهام يتضمَّن التقريرَ، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، أي: فصَّل الحرامَ من الحلالِ، وانتزعه بالبيانِ، و «ما» في قوله: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ، يريد بها: مِنْ جميع ما حَرَّم كالميتة وغيرها، وهي في موضع نَصْب بالاستثناء، والاستثناءُ منقطعٌ.

وقوله سبحانه: وَإِنَّ كَثِيراً يريد الكفرة المحادِّين المجادلين، ثم توعَّدهم سبحانه بقوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ.

وقوله جلَّت عظمته: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ- نهْيٌ عامٌّ، والظاهرُ والباطنُ:

يستوفيان جميع المعاصي، وقال قوم: الظاهر: الأعمالُ، والباطنُ: المعتَقَد، وهذا أيضاً حسن لأنه عامٌّ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي أُمَامة، قال: سأل رجل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: مَا الإثْمُ؟

قَالَ: «مَا حَكَّ فِي صَدْرِكَ، فَدَعْهُ» «٢» ، وروى ابن المبارك أيضاً بسنده أنَّ رجلاً قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَحِلُّ لِي مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيَّ؟

فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم

فَرَدَّ عَلَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَسْكُتُ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ» فَقَالَ: أَنَا ذَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَا أَنْكَرَ قَلْبُكَ، فَدَعْهُ» «١» .

انتهى، وقد ذكرنا معناه مِنْ طرُقٍ في غير هذا الموضعِ، فأغنى عن إعادته.

ثم توعَّد تعالى كَسَبَةَ الإثمِ بالمجازاةِ على ما اكتسبوه من ذلك، والاقتراف:

الاكتساب.

وقوله سبحانه: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ...

الآية:

مقصد الآية النهْيُ عن الميتة إذ هي جواب لقول المشركين: تَتْرُكُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ، ومع ذلك، فلفظها يعمُّ ما تُرِكَتِ التسميةُ عليه من ذبائِحِ الإسلام «٢» ، وبهذا العمومِ تعلَّق ابن عمر وابنُ سيرينَ والشَّعْبِيُّ وغيرهم فقالوا: ما تُرِكَتِ التسميةُ علَيْه، لم يؤكَلْ، عمدا كان أو نسيانا «٣» ، وجمهورُ العلماء على أنه يؤكل إن كان تركُها نسياناً بخلاف العَمْدِ، وقيل:

يؤكل، سواءٌ تركَتْ عمداً أو نسياناً، إلا أنْ يكون مستخِفًّا.

وقوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ ...

الآية: قال عكرمة: هم مردة الإنس من مجوس

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: مُجادَلَةُ المُشْرِكِينَ لَلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِمْ: أتَأْكُلُونَ مِمّا قَتَلْتُمْ، ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ!

عَلى ما ذَكَرْنا في سَبَبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ  ﴾ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: كَتَبَتْ فارِسٌ إلى قُرَيْشٍ: إنْ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ لا يَأْكُلُونَ ما ذَبَحَهُ اللَّهُ، ويَأْكُلُونَ ما ذَبَحُوا لِأنْفُسِهِمْ فَكَتَبَ المُشْرِكُونَ إلى أصْحابِ النَّبِيِّ  بِذَلِكَ، فَوَقَعَ في أنْفُسِ ناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ وَفِي المُرادِ بِما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المَيْتَةُ، .

رَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المَيْتَةُ والمُنْخَنِقَةُ، إلى قَوْلِهِ: "وَما ذُبِحَ" عَلى النُّصُبِ [المائِدَةِ:٣] رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها ذَبائِحٌ كانَتِ العَرَبُ تَذْبَحُها لِأوْثانِها، قالَهُ عَطاءٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ عامٌّ فِيما لَمْ يُسَمَّ اللَّهُ عِنْدَ ذَبْحِهِ؛ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الخَطْمِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ.

* فَصْلٌ فَإنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ، فَهَلْ يُباحُ؟

فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

وإنْ تَرَكَها ناسِيًا أُبِيحَتْ.

وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَحْرُمُ في الحالَيْنِ جَمِيعًا، وقالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: فَإذا قُلْنا: إنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا يَمْنَعُ الإباحَةَ، فَقَدْ نَسَخَ مِن هَذِهِ الآَيَةِ ذَبائِحُ أهْلِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ  ﴾ وعَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ: الآَيَةُ مَحْكَمَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ يَعْنِي: وإنْ أكَلَ ما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ لَفِسْقٍ، أيْ: خُرُوجٌ عَنِ الحَقِّ والدِّينِ.

وفي المُرادِ بِالشَّياطِينِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم شَياطِينُ الجِنِّ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: قَوْمٌ مِن أهْلِ فارِسٍ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ فَعَلى الأوَّلِ: وحْيُهُمُ الوَسْوَسَةُ، وعَلى الثّانِي: وحْيُهُمُ الرِّسالَةُ.

والمُرادُ بِـ "أوْلِيائِهِمْ" الكُفّارُ الَّذِينَ جادَلُوا رَسُولَ اللَّهِ  في تَرْكِ أكْلِ المَيْتَةِ.

ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ.

والثّانِي: اليَهُودُ؛ ﴿ وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ ﴾ في اسْتِحْلالِ المَيْتَةِ ﴿ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أولِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنَّ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ ﴾ اَلْمَقْصِدُ بِهَذِهِ الآيَةِ النَهْيُ عَنِ المَيْتَةِ؛ إذْ هي جَوابٌ لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: "تَتْرُكُونَ ما قَتَلَ اللهُ؟"؛ والنَهْيُ أيْضًا عَمّا ذُبِحَ لِلْأنْصابِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَلَفْظُها يَعُمُّ ما تُرِكَتِ التَسْمِيَةُ عَلَيْهِ مِن ذَبائِحِ الإسْلامِ؛ وبِهَذا العُمُومِ تَعَلَّقَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ؛ ونافِعٌ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ الخَطْمِيُّ؛ والشَعْبِيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ فَما تُرِكَتِ التَسْمِيَةُ عَلَيْهِ - نِسْيانًا؛ أو عَمْدًا - لَمْ يُؤْكَلْ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: يُؤْكَلُ ما ذُبِحَ ولَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ نِسْيانًا؛ ولا يُؤْكَلُ ما لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ عَمْدًا؛ وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: تُؤْكَلُ الذَبِيحَةُ الَّتِي تُرِكَتِ التَسْمِيَةُ عَلَيْها عَمْدًا؛ أو نِسْيانًا؛ وعن رَبِيعَةَ أيْضًا؛ قالَ عَبْدُ الوَهّابِ: اَلتَّسْمِيَةُ سُنَّةٌ؛ فَإذا تَرَكَها الذابِحُ ناسِيًا أُكِلَتِ الذَبِيحَةُ؛ في قَوْلِ مالِكٍ وأصْحابِهِ؛ وإذا تَرَكَها عَمْدًا؛ فَقالَ مالِكٌ: لا تُؤْكَلُ؛ فَحَمَلَ بَعْضُ أصْحابِهِ قَوْلَهُ: "لا تُؤْكَلُ"؛ عَلى التَحْرِيمِ؛ وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى الكَراهِيَةِ؛ وقالَ أشْهَبُ: تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ تارِكِ التَسْمِيَةِ عَمْدًا؛ إلّا أنْ يَكُونَ مُسْتَخِفًّا؛ وقالَ نَحْوَهُ الطَبَرِيُّ.

وذَبائِحُ أهْلِ الكِتابِ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ في حُكْمِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ؛ مِن حَيْثُ لَهم دِينٌ وشَرْعٌ؛ وقالَ قَوْمٌ: نُسِخَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذَبائِحُ أهْلِ الكِتابِ؛ قالَهُ عِكْرِمَةُ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ.

والضَمِيرُ في "وَإنَّهُ"؛ مِن: ﴿ وَإنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ ؛ عائِدٌ عَلى الأكْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الفِعْلُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَلا تَأْكُلُوا ﴾ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "تَرْكِ الذِكْرِ"؛ اَلَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى "لَمْ يُذْكَرِ"؛ و"اَلْفِسْقُ": اَلْخُرُوجُ عَنِ الطاعَةِ؛ هَذا عُرْفُهُ في الشَرْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإنَّ الشَياطِينَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ عِكْرِمَةُ: عَنى بِالشَياطِينِ في هَذِهِ الآيَةِ مَرَدَةَ الإنْسِ؛ مِن مَجُوسِ "فارِسَ"؛ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُوالُونَ قُرَيْشًا عَلى عَداوَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَخاطَبُوهم مُنَبِّهِينَ عَلى الحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها في أمْرِ الذَبْحِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: "تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ؛ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللهُ؟"؛ فَذَلِكَ مِن مُخاطَبَتِهِمْ هو الوَحْيُ الَّذِي عَنى؛ والأولِياءُ قَرائِنُ؛ والمُجادَلَةُ هي تِلْكَ الحُجَّةُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ: بَلِ الشَياطِينُ: اَلْجِنُّ؛ واللَفْظَةُ عَلى وجْهِها؛ وكَفَرَةُ الجِنِّ أولِياءُ لِكَفَرَةِ قُرَيْشٍ؛ ووَحْيُهم إلَيْهِمْ كانَ بِالوَسْوَسَةِ؛ حَتّى ألْهَمُوهم تِلْكَ الحُجَّةَ؛ أو عَلى ألْسِنَةِ الكُهّانِ؛ وقالَ أبُو زُمَيْلٍ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ أبا إسْحاقَ - يَعْنِي المُخْتارَ - زَعَمَ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ اللَيْلَةَ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "صَدَقَ"؛ فَنَفَرْتُ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ "وَإنَّ الشَياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أولِيائِهِمْ".

﴾ ثُمَّ نَهى اللهُ تَعالى عن طاعَتِهِمْ؛ بِلَفْظٍ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ وعَرَضَ أصْعَبَ مِثالٍ في أنْ يُشَبِّهَ المُؤْمِنَ بِمُشْرِكٍ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - قَوْلًا: إنَّ الَّذِينَ جادَلُوا بِتِلْكَ الحُجَّةِ هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ.

قالَ القاضِي أبُو سَعِيدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ اليَهُودَ لا تَأْكُلُ المَيْتَةَ؛ أما إنَّ ذَلِكَ يُتَّجَهُ مِنهم عَلى جِهَةِ المُغالَطَةِ؛ كَأنَّهم يَحْتَجُّونَ عَنِ العَرَبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه ﴾ [الأنعام: 118].

و (ما) في قوله: ﴿ مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ موصولة، وما صْدق الموصول هنا: ذَكِيَ، بقرينة السّابق الّذي ما صْدقه ذلك بقرينة المقام.

ولمّا كانت الآية السّابقة قد أفادت إباحة أكل ما ذكر اسمُ الله عليه، وأفهمت النّهيَ عمَّا لم يذكر اسم الله عليه، وهو الميتة، وتَمّ الحكم في شأن أكل الميتة والتفرقةُ بينها وبين ما ذُكّي وذُكر اسم الله عليه، ففي هذه الآية أفيد النّهي والتّحذير من أكل ما ذُكر اسم غيرِ الله عليه.

فمعنى: ﴿ لم يذكر اسم الله عليه ﴾ : أنَّه تُرِك ذكر اسم الله عليه قصداً وتجنّبا لذكره عليه، ولا يكون ذلك إلاّ لقصد أن لا يكون الذّبح لله، وهو يساوي كونه لغير الله، إذ لا واسطة عندهم في الذكاة بين أن يذكروا اسم الله أو يذكروا اسم غير الله، كما تقدّم بيانه عند قوله: ﴿ فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه ﴾ [الأنعام: 118].

وممّا يرشّح أنّ هذا هو المقصود قولُه هنا: ﴿ وإنه لفسق ﴾ وقوله في الآية الآتية: ﴿ أو فِسْقا أهِلّ لغير الله به ﴾ [الأنعام: 145]، فعلم أنّ الموصوف بالفسق هنا: هو الّذي وصف به هنالك، وقيد هنالك بأنَّه أُهلّ لغير الله به، وبقرينة تعقيبه بقوله: ﴿ وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴾ لأنّ الشّرك إنَّما يكون بذكر أسماء الأصنام على المذكَّى، ولا يكون بترك التّسمية.

وربّما كان المشركون في تَحيّلهم على المسلمين في أمر الذكاة يقتنعون بأن يسألوهم ترك التّسمية، بحيث لا يُسمّون الله ولا يسمّون للأصنام، فيكون المقصود من الآية: تحذير المسلمين من هذا التّرك المقصود به التمويه، وأن يسمّى على الذّبائح غيرُ أسماء آلهتهم.

فإن اعتددنا بالمقصد والسّياق، كان اسم الموصول مراداً به شيء معيّن، لم يذكر اسم الله عليه، فكان حكمها قاصراً على ذلك المعيّن، ولا تتعلّق بها مسألةُ وجوب التّسمية في الذكاة، ولا كونها شرطاً أو غير شرط بله حكم نسيانها.

وإن جعلنا هذا المقصد بمنزلة سبب للنّزول، واعتددنا بالموصول صادقاً على كلّ ما لم يذكر اسم الله عليه، كانت الآية من العامّ الوارد على سبب خاصّ، فلا يخصّ بصورة السّبب، وإلى هذا الاعتبار مال جمهور الفقهاء المختلفين في حكم التّسمية على الذّبيحة.

وهي مسألة مختلف فيها بين الفقهاء على أقوال: أحدها: أنّ المسلم إن نسي التّسمية على الذبح تؤكل ذبيحته، وإن تعمَّد ترك التّسمية استخفافاً أو تجنّبا لها لم تؤكل (وهذا مثل ما يفعله بعض الزّنوج من المسلمين في تونس وبعض بلاد الإسلام الّذين يزعمون أنّ الجنّ تمتلكهم، فيتفادَون من أضرارها بقرابين يذبحونها للجنّ ولا يسمّون اسم الله عليها، لأنَّهم يزعمون أنّ الجنّ تنفر من اسم الله تعالى خِيفة منه، (وهذا متفشّ بينهم في تونس ومصر) فهذه ذبيحة لا تؤكل.

ومستند هؤلاء ظاهر الآية مع تخصيصها أو تقييدها بغير النّسيان، إعمالاً لقاعدة رفع حكم النّسيان عن النّاس.

وإنْ تعمّد ترك التّسمية لا لقصد استخفاف أو تجنّب ولكنّه تثاقل عنها، فقال مالك، في المشهور، وأبو حنيفة، وجماعة، وهو رواية عن أحمد: لا تؤكل.

ولا شكّ أنّ الجهل كالنّسيان، ولعلّهم استدلّوا بالأخذ بالأحوط في احتمال الآية اقتصارا على ظاهر اللّفظ دون معونة السِياق.

الثّاني: قال الشّافعي، وجماعة، ومالك، في رواية عنه: تؤكل، وعندي أنّ دليل هذا القول أنّ التّسمية تكملة للقربة، والذكاة بعضها قربة وبعضها ليست بقربة، ولا يبلغ حكم التّسمية أن يكون مفسداً للإباحة.

وفي «الكشاف» أنَّهم تأوّلوا ما لم يذكر اسم الله عليه بأنَّه الميتة خاصّة، وبما ذُكر غيرُ اسم الله عليه.

وفي «أحكام القرآن» لابن العربي، عن إمام الحرمين: ذِكر الله إنَّما شرع في القُرَب، والذبحُ ليس بقربة.

وظاهر أنّ العامد آثم وأنّ المستخفّ أشدّ إثماً.

وأمّا تعمّد ترك التّسمية لأجل إرضاءِ غير الله فحكمه حكم من سمَّى لِغير الله تعالى.

وقيل: إنْ ترَك التّسميةَ عمداً يُكره أكلها، قاله أبو الحسن بن القصّار، وأبو بكر الأبهري من المالكيّة.

ولا يعدّ هذا خلافاً، ولكنّه بيان لقول مالك في إحدى الرّوايتين.

وقال أشهب، والطبرِي: تؤكل ذبيحة تارك التّسمية عمداً، إذا لم يتركها مستخِفاً.

وقال عبد الله بن عمر، وابن سيرين، ونافِع، وأحمد بن حنبل، وداودُ: لا تؤكل إذا لم يسمّ عليها عَمْداً أو نسياناً، أخذاً بظاهر الآية، دون تأمّل في المقصد والسّياق.

وأرجح الأقوال: هو قول الشّافعي.

والرّوايةُ الأخرى عن مالك، إنْ تعمّد ترك التّسميه تؤكل، وأنّ الآية لم يُقْصد منها إلاّ تحريم ما أهل به لغير الله بالقرائن الكثيرة التي ذكرناها آنفاً، وقد يكون تارك التّسمية عمداً آثماً، إلاّ أنّ إثمه لا يُبطل ذكاته، كالصّلاة في الأرض المغصوبة عند غير أحمد.

وجملة: ﴿ وإنه لفسق ﴾ معطوفة على جملة ﴿ ولا تأكلوا ﴾ عطف الخبر على الإنشاء، على رأي المحقّقين في جوازه، وهو الحقّ، لا سيما إذا كان العطف بالواو، وقد أجاز عطف الخبر على الإنشاء بالواو بعض من منعه بغير الواو، وهو قول أبي عليّ الفارسي، واحتجّ بهذه الآية كما في «مغنى اللّبيب».

وقد جعلها الرّازي وجماعة: حالاً ﴿ مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ بناء على منع عطف الخبر على الإنشاء.

والضّمير في قوله: ﴿ وإنه لفسق ﴾ يعود على ﴿ مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ والإخبار عنه بالمصدر وهو ﴿ فسق ﴾ مبالغة في وصف الفعل، وهو ذكرُ اسم غير الله، بالفسق حتّى تجاوز الفسق صفة الفعل أن صار صفة المفعول فهو من المصدر المراد به اسم المفعول: كالخَلق بمعنى المخلوق، وهذا نظير جعله فسقاً في قوله بعدُ: ﴿ أو فسقاً أهِلّ لغير الله به ﴾ [الأنعام: 145].

والتّأكيد بإنّ: لزيادة التّقرير، وجعل في «الكشاف» الضّمير عائداً إلى الأكل المأخوذ من ﴿ ولا تأكلوا ﴾ ، أي وإنّ أكْلَه لفسق.

وقوله: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجدلوكم ﴾ عطف على: ﴿ وإنه لفسق ﴾ ، أي: واحذروا جَدَل أولياء الشّياطين في ذلك، والمراد بأولياء الشّياطين: المشركون، وهم المشار إليهم بقوله، فيما مرّ: ﴿ يُوحي بعضهم إلى بعض ﴾ [الأنعام: 112] وقد تقدّم بيانه.

والمجادلة المنازعة بالقول للإقناع بالرأي، وتقدّم بيانها عند قوله تعالى: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ في سورة النساء (107)، والمراد هنا المجادلة في إبطال أحكام الإسلام وتحبيب الكفر وشعائره، مثل قولهم: كيف نأكل ما نقتل بأيدينا ولا نأكل ما قتله الله.

وقوله: وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } حُذف متعلّق ﴿ أطعتموهم ﴾ لدلالة المقام عليه، أي: إن أطعتموهم فيما يجادلونكم فيه، وهو الطّعن في الإسلام، والشكّ في صحّة أحكامه.

وجملة: ﴿ إنكم لمشركون ﴾ جواب الشّرط.

وتأكيد الخبر بإنّ لتحقيق التحاقهم بالمشركين إذا أطاعوا الشّياطين، وإن لم يَدْعوا لله شركاء، لأنّ تخطئة أحكام الإسلام تساوي الشرك، فلذلك احتيج إلى التّأكيد، أو أراد: إنَّكم لصائرون إلى الشّرك، فإنّ الشّياطين تستدرجكم بالمجادلة حتّى يبلغوا بكم إلى الشرك، فيكون اسم الفاعل مراداً به الاستقبال.

وليس المعنى: إن أطعتموهم في الإشراك بالله فأشركتم بالله إنَّكم لمشركون، لأنَّه لو كان كذلك لم يكن لتأكيد الخبر سبب، بل ولا للإخبار بأنّهم مشركون فائدة.

وجملة: ﴿ إنكم لمشركون ﴾ جواب الشرط، ولم يَقترن بالفاء لأنّ الشّرط إذا كان مضافاً يحسن في جوابه التّجريد عن الفاء، قاله أبو البقاء العُكبري، وتبعه البيضاوي، لأنّ تأثير الشّرط الماضي في جزائه ضعيف، فكما جاز رفع الجزاء وهو مضارع، إذا كان شرطه ماضياً، كذلك جاز كونه جملة اسميّة غير مقترنة بالفاء.

على أنّ كثيراً من محقّقي النّحويين يجيز حذف فاء الجواب في غير الضّرورة، فقد أجازه المبرّد وابن مالك في شرحه على «مشكل الجامع الصّحيح».

وجعل منه قوله صلى الله عليه وسلم " إنك إنْ تَدَعْ ورثتَك أغنياء خيرُ من أن تدعهم عالة " على رواية إنْ بكسر الهمزة دون رواية فتح الهمزة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: المُرادُ بِها ذَبائِحُ كانَتِ العَرَبُ تَذْبَحُها لِأوْثانِها، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: أنَّها المَيْتَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ صَيْدُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ، ولا هم مِن أهْلِ التَّسْمِيَةِ، يَحْرُمُ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَأْكُلُوهُ حَتّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ صادُوهُ، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ما لَمْ يُسَمَّ اللَّهُ عِنْدَ ذَبْحِهِ.

وَفي تَحْرِيمِ أكْلِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا يَحْرُمُ [سَواءٌ] تَرَكَها عامِدًا أوْ ناسِيًا، قالَهُ الحَسَنُ، والشّافِعِيُّ.

والثّانِي: يَحْرُمُ إنْ تَرَكَها عامِدًا، ولا يَحْرُمُ إنْ تَرَكَها ناسِيًا، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.

والثّالِثُ: يَحْرُمُ سَواءٌ تَرَكَها عامِدًا أوْ ناسِيًا، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وداوُدُ.

﴿ وَإنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ المَعْصِيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المُرادُ بِهِ الإثْمُ.

﴿ وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ ﴾ يَعْنِي المُجادَلَةَ في الذَّبِيحَةِ، وفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى بِالشَّياطِينِ قَوْمًا مِن أهْلِ فارِسَ كَتَبُوا إلى أوْلِيائِهِمْ مِن قُرَيْشٍ أنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أمْرَ اللَّهِ، ولا يَأْكُلُونَ ما ذَبَحَ اللَّهُ يَعْنِي المَيْتَةَ، ويَأْكُلُونَ ما ذَبَحُوهُ لِأنْفُسِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ قالُوا ذَلِكَ لِأوْلِيائِهِمْ مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ  ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفي وحْيِهِمْ إلَيْهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها إشارَتُهم.

والثّانِي: رِسالَتُهم.

﴿ وَإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ ﴾ يَعْنِي في أكْلِ المَيْتَةِ، إنَّكم لَمُشْرِكُونَ إنِ اسْتَحْلَلْتُمُوها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: المشركون.

وفي لفظ قالت اليهود: لا تأكلون مما قتل الله وتأكلون مما قتلتم أنتم، فأنزل الله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الضحاك قال: قال المشركون لأصحاب محمد: هذا الذي تذبحون أنتم تأكلونه، فهذا الذي يموت من قتله؟

قالوا: الله...

قالوا: فما قتل الله تحرمونه وما قتلتم أنتم تحلونه؟

فأنزل الله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم عليه وإنه لفسق ﴾ .

الآية.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمداً.

فقالوا له: ما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح الله بمسمار من ذهب يعني الميته فهو حرام، فنزلت هذه الآية ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ﴾ قال: الشياطين من فارس وأوليائهم من قريش.

وأخرج أبو داود في ناسخه عن عكرمة «أن المشركين ليجادلوكم» قال: الشياطين من فارس وأولياؤهم قريش.

وأخرج أبو داود في ناسخه عن عكرمة أن المشركين دخلوا على نبي الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟

قال: الله قتلها.

قالوا: فتزعم أن ما قَتَلْتَ أنت وأصحابك حلال، وما قتله الله حرام؟

فأنزل الله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ يعني الميتة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: يوحي الشياطين إلى أوليائهم من المشركين أن يقولوا تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟

فقال: إن الذي قتلتم يذكر اسم الله عليه، وإن الذي مات لم يذكر اسم الله عليه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال قالوا: يا محمد أما ما قتلتم وذبحتم فتأكلونه، وأما ما قتل ربكم فتحرمونه؟

فأنزل الله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم ﴾ في كل ما نهيتكم عن أنكم إذاً لمشركون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة قال: عمد عدو الله إبليس إلى أوليائه من أهل الضلالة فقال لهم: خاصموا أصحاب محمد في الميتة فقولوا: أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون، وأما ما قتل الله فلا تأكلون، وأنتم زعمتم أنكم تتبعون أمر الله؟

فأنزل الله: ﴿ وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴾ وأنا والله ما نعلمه كان شركاً قط إلا في إحدى ثلاث: أن يدعى مع الله إلهاً آخر، أو يسجد لغير الله، أو تسمى الذبائح لغير الله.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ﴾ قال: إبليس أوحى إلى مشركي قريش.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: من ذبح فنسي أن يسمي فليذكر اسم الله عليه وليأكل ولا يدعه للشيطان إذا ذبح على الفطرة، فإن اسم الله في قلب كل مسلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك.

في الرجل يذبح وينسى أن يسمي قال: لا بأس به.

قيل: فأين قوله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ قال: إنما ذبحت بدينك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ قال: نهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش على الأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس.

وأخرج عبد بن حميد عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذبيحة المسلم حلال سمى أو لم يسم ما لم يتعمد، والصيد كذلك» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عروة قال: كان قوم أسلموا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقدموا بلحم إلى المدينة يبيعونه، فتحنثت أنفس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منه، وقالوا: لعلهم لم يسموا.

فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «سموا أنتم وكلوا» .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: إذا ذبح المسلم ونسي أن يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله.

وأخرج ابن عدي والبيهقي وضعَّفه عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت لرجل من يذبح وينسى أن يسمي؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسم الله على كل مسلم» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن طاوس قال: مع المسلم ذكر الله، فإن ذبح ونسي أن يسمي فليسم وليأكل، فإن المجوسي لو سمى الله على ذبيحته لم تؤكل.

وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ﴾ فنسخ واستثنى من ذلك فقال: ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ﴾ [ المائدة: 5] .

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: كلوا ذبائح المسلمين وأهل الكتاب مما ذكر اسم الله عليه.

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين.

في الرجل يذبح وينسى أن يسمي.

قال: لا يأكل.

وأخرج النحاس عن الشعبي قال: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال إبليس: يا رب كل خلقك بينت رزقه ففيم رزقي؟

قال: فيما لم يذكر اسمي عليه» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن معمر قال: بلغني أن رجلاً سأل ابن عمر عن ذبيحة اليهودي والنصراني؟

فتلا عليه ﴿ أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب ﴾ [ المائدة: 5] وتلا ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ وتلا عليه ﴿ وما أهلَّ به لغير الله ﴾ [ البقرة: 173] قال: فجعل الرجل يردد عليه فقال ابن عمر: لعن الله اليهود والنصارى وكفرة الأعراب فان هذا وأصحابه يسألوني، فإذا لم أوافقهم انشأوا يخاصموني.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول قال: أنزل الله في القرآن ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ ثم نسخها الرب عز وجل ورحم المسلمين ﴿ اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ﴾ [ المائدة: 5] فنسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وإن أطعتموهم ﴾ يعني في أكل الميتة استحلالاً ﴿ إنكم لمشركون ﴾ مثلهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي أنه سئل عن قوله: ﴿ وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴾ فقيل تزعم الخوارج إنها في الأمراء؟

قال: كذبوا إنما أنزلت هذه الآية في المشركين، كانوا يخاصمون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: أما ما قتل الله فلا تأكلوا منه يعني الميتة وأما ما قلتم أنتم فتأكلون منه.

فأنزل الله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ إلى قوله: ﴿ إنكم لمشركون ﴾ قال: لئن أكلتم الميتة وأطعتموهم إنكم لمشركون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه قيل له: أن المختار يزعم أنه يوحى إليه قال: صدق ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي زميل قال: كنت قاعداً عند ابن عباس وحج المختار بن أبي عبيد، فجاء رجل فقال: يا أبا عباس زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة؟

فقال ابن عباس: صدق.

فنفرت وقلت: يقول ابن عباس صدق...

!

فقال ابن عباس: هما وحيان، وحي الله ووحي الشيطان، فَوَحَى الله إلى محمد وَوَحَى الشيطانُ إلى أوليائه، ثم قرأ ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ قال ابن عباس (١) ﴿ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ  ﴾ ) (٢) (٣) (٤) ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ الهاء تعود على الأكل المدلول عليه، يعني: وإن الأكل لفسق، أي: أكل ما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة (٥) قال [ابن عباس] (٦) (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ﴾ أي: يوسوس الشيطان لوليه فيلقي في قلبه الجدال بالباطل، وهو ما ذكرناه من أن المشركين جادلوا المؤمنين في الميتة (١٠)  وأصحابه في أكل الميتة) (١١) (١٢) ﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ ﴾ يعني: مردة المجوس ﴿ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ﴾ من مشركي قريش، قال: وذلك أن المجوس من أهل فارس لما أنزل الله تعالى تحريم الميتة كتبوا إلى مشركي قريش -وكانوا أولياءهم في الجاهلية، وكانت بينهم مكاتبة- أن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله ثم يزعمون أن ما ذبحوا فهو حلال وما ذبح الله فهو حرام، فوقع في أنفس ناس [من المسلمين] (١٣) (١٤) ثم قال: ﴿ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ ﴾ يعني: في استحلال الميتة ﴿ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾ .

قال أبو إسحاق: (وفي هذا دليل أن كل من أحل شيئًا مما حرم الله، أو حرم شيئًا مما أحل الله فهو مشرك، وإنما سمي مشركًا لأنه اتبع غير الله عز وجل، فأشرك به غيره) (١٥) فإن قال قائل: كيف أبحتم ذبيحة المسلم التارك للتسمية والآية كالنَّص في التحريم؟

قيل: إن جميع المفسرين فسروا الآية بالميتة، وأشباهها، مما ذكره ابن عباس ولم يحملها أحد على ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية، وفي الآية أشياء تدل على أن الآية في تحريم الميتة، منها قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ ولا يفسق أكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية بالإجماع، وإنما التفسيق في أكل الميتة مع اعتقاد التحريم، ومنها قوله: ﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ﴾ وهذه المناظرة إنما كانت في مسألة الميتة بإجماع من أهل التفسير، لا في هذه المسألة، ومنها قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾ ، والشرك في [استحلال الميتة لا في (١٦) (١٧) (١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 108، والبغوي 3/ 183، وابن الجوزي في 3/ 115، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 18، 19، وابن أبي حاتم 4/ 1378 بسند جيد، عن ابن عباس قال: (يريد: الميتة)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 78.

(٢) يشير إلى الآية الثالثة من سورة المائدة، والمنخنقة هي التي تموت بالخنق، والموقوذة: هي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت، والمتردية: هي التي تقع من موضع عال أو شاهق فتموت، والنطيحة: هي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، وقد كان بعض أهل الجاهلية يستحلون ذلك ويأكلونه، فحرم الله ذلك على المؤمنين.

انظر: السمرقندي 1/ 414، وابن كثير 2/ 13.

(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 108.

(٤) "معاني الزجاج" 2/ 287، ومثله ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 480.

(٥) انظر: "معاني الفراء" 1/ 352، و"تفسير الطبري" 8/ 20، السمرقندي 1/ 510، و"الدر المصون" 5/ 132.

(٦) لفظ: (ابن عباس) ساقط من (أ)، وملحق بالهامش.

(٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 20، وابن أبي حاتم 3/ 106، بسند ضعيف.

(٨) الفسق، بكسر الفاء وسكون السين: الخروج عن الطاعة إلى العصيان والترك لأمر الله عز وجل والميل إلى المعصية.

قال الراغب في "المفردات" ص 636: (وهو أعم من الكفر، والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكن تعورف فيما كان كثيراً، وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر به ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه).

اهـ.

وانظر: "العين" 5/ 82، و"الجمهرة" 2/ 847، و"تهذيب اللغة" 3/ 2788، و"الصحاح" 4/ 1543، و"المجمل" 3/ 721، و"اللسان" 6/ 3414 مادة (فسق).

(٩) هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 287، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 482.

(١٠) هذا نص كلام الزجاج في "معانيه" 2/ 287.

(١١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 23، من عدة طرق، عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعبد الله بن كثير، وقتادة والسدي والضحاك.

وانظر: "الدر المنثور" 3/ 78 - 79.

(١٢) أخرجه الطبري 8/ 20، وابن أبي حاتم 4/ 1379 بسند جيد، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 226، ورجح الطبري 8/ 23 - 24، العموم وتعاونهم في ذلك، لأن الله تعالى جعل للأنبياء أعداء من شياطين الإنس والجن، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 335.

(١٣) لفظ: (من المسلمين) مكرر في (ش).

(١٤) لفظ: (الآية) ساقط من النسخ، وملحق في (أ) بأعلى السطر.

(١٥) "معاني الزجاج" 2/ 287، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 482، عن أهل النظر، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 15 وما بعدها، والسمرقندي 1/ 510.

(١٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

(١٧) ذكر مثل هذا الواحدي في "الوسيط" 1/ 109، والرازي في "تفسيره" 13/ 138، وقال الطبري في "تفسيره" 12/ 85: (الصواب: إن الله عني بذلك ما ذبح للأصنام والآلهة، وما مات أو ذبحه من لا تحل ذبيحته، وأما من قال: عني بذلك ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم الله فقول بعيد عن الصواب؛ لشذوذه وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله، وكفى بذلك شاهدًا على فساده).

اهـ.

وانظر: البغوي 3/ 183، وابن عطية 6/ 140.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَذَرُواْ ظاهر الإثم وباطنه ﴾ لفظ يعم أنواع المعاصي: لأن جميعها إما باطن وإما ظاهر؛ وقيل: الظاهر الأعمال، والباطن الاعتقاد ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ الضمير لمصدر ولا تأكلوا ﴿ وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ ليجادلوكم ﴾ سببها أن قوماً من الكفار قالوا: إنا نأكل ما قتلناه، ولا نأكل ما قتل الله يعنون الميتة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ قبلاً ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون: بضمتين.

﴿ منزل ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحفص والمفضل.

﴿ كلمة ربك ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ كلمات ﴾ ﴿ من يضل ﴾ من الإضلال: الأصبهاني عن نصير، فصل على البناء للفاعل و ﴿ حرم ﴾ على البناء للمفعول: حمزة وخلف وعاصم غير حفص والمفضل، وقرأ أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وحفص جميعاً بالفتح الباقون: على البناء للمفعول فيهما ﴿ ليضلون ﴾ بضم الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون: بالفتح.

الوقوف: ﴿ يجهلون ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ مفصلاً ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه ﴿ وعدلاً ﴾ ه ﴿ لكلماته ﴾ ج لابتداء الضمير المنفصل مع احتمال الواو الحال أي لا تبديل لكلماته وهو يسمع ويعلم، ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ج ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ بالمعتدين ﴾ ه ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ يقترفون ﴾ ه ﴿ لفسق ﴾ ط ﴿ ليجادلوكم ﴾ ج ﴿ لمشركون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في تفصيل ما أجمله قوله ﴿ أنها إذا جاءت لا يؤمنون  ﴾ وكان المستهزؤن بالقرآن خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب والحرث بن حنظلة، أتوا الرسول صلى الله عليه وآله في رهط من أهل مكة فقالوا: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله  ، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقول أم باطل، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً على ما تدعيه، فنفى الله  عنهم الإيمان وإن أوتوا هذه المقترحات.

قال أبو زيد: يقال لقيت فلاناً قبلاً وقبلاً ومقابلة كلها بمعنى واحد وهو المواجهة رواه الواحدي، وقال أبو عبيدة والفراء والزجاج: قبلاً بكسر القاف معناه معاينة.

روي عن أبي ذر قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله: أكان آدم نبياً؟

قال: نعم، كان نبياً كلمه الله  قبلاً، وأما قبلاً بضمتين فقيل: إنه جمع قبيل ومعناه الجماعة تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى مثل الروم والزنج والعرب ولهذا قال الأخفش في تفسيره أي قبيلاً قبيلاً.

أو معناه الكفيل والعريف من قبل به يقبل قبالة، والمعنى لو حشرنا عليهم كل شيء فكفلوا بصحة ما يقول ما آمنوا، وموضع الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق، ومنها حي ومنها ميت، فإذا حشرها الله  على اختلاف طبائعها مجتمعة في موقف واحد ثم أنطقها وأطبقوا على قبول هذه الكفارة كان ذلك من أعظم المعجزات، أما قوله  : ﴿ ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ﴾ إيمانهم، فقد قالت الأشاعرة: فلما لم يؤمنوا دل على أنه  ما شاء إيمانهم، وقالت المعتزلة: لو لم يرد منهم الإيمان لما وجب عليهم الإيمان كما لو لم يأمرهم به لم يجب، ولو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر في كفره مطيعاً لله لأنه لا معنى للطاعة إلا فعل المراد، ولو جاز من الله  أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به، ولجاز أن يأمرنا بأن نريد الكفر.

فالمراد من الآية أنه شاء من الكل الإيمان الاختياري وما شاء الإيمان القهري.

والمعنى: ما كانوا ليؤمنوا إيماناً اختيارياً إلا أن يشاء الله مشيئة إكراه واضطرار فحينئذ يؤمنون، وزيف بأن الاختيار لا بد معه من حصول داعية يترجح بها أحد طرفي الممكن، ولا تحصل تلك الداعية إلا بتخليق الله  فكأنه لا اختيار.

قال الجبائي: قوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ يدل على حدوث المشيئة إذ لو كانت قديمة وهي الشرط لزم من حصولها حصول المشروط.

وأجيب بأنها قديمة إلا أن تعلقها بأحداث المحدث في الحال إضافة حادثة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قالت الأشاعرة: أي لا يعلمون أن الكل بقضاء الله وبقدره.

وقالت المعتزلة: إنهم لا يدرون أنهم يبقون كفاراً عند ظهور الآية التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم، أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرهم فيطمعون في إيمانهم الاختياري بمجيء الآيات المقترحات.

ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ قيل: إنه منسوق على قوله: ﴿ وكذلك زينا  ﴾ أي وكما زينا لكل أمة عملهم ﴿ جعلنا ﴾ وقيل: إن المشار إليه محذوف أي وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم نمنعهم من العداوة لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر.

قالت الأشاعرة: لا شك أن تلك العداوة معصية وكفر، وأن جعلها شرفاً لآية تدل على أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله.

قال الجبائي: المراد بهذا الجعل أنه حكم وبين فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل إنه كفره، وإذا أخبر عن عدالته قيل عدله.

وقال الكعبي: إنه أمر الأنبياء.

لأن العداوة تكون من الجانبين.

أجاب أبو بكر الأصم بأنه لما أرسل محمداً إلى العالمين وخصه بتلك المعجزات صار ذلك التخصيص سبباً للحسد والعداوة أو للبغضاء فهذا هو المراد بجعلهم أعداء له.

وزيف بأن الأفعال مستندة إلى الدواعي وهي من الله  ، وبأن العداوة والمحبة متعلقة بالطبع لا بالإرادة والتكلف فلا يقدر عليها إلا الله  ، وانتصاب ﴿ الشياطين ﴾ كما مر في قوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن  ﴾ قال الزجاج وابن الأنباري: ﴿ عدوّا ﴾ في معنى الجمع، ولقائل أن يقول: لا حاجة إلى هذا التكلف لصحة قولنا: وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوّاً واحداً: إذ ليس يجب أن يحصل لكل واحدة من الأنبياء أكثر من عدو واحد.

عن ابن عباس: كل عات متمرد من الجن والإنس فهو شيطان.

وقال مجاهد وقتادة والحسن: إن من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، وإن شيطان الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليعينه عليه.

"روي أن النبي  وآله قال لأبي ذر: هل تعوّذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟

قال: قلت: وهل للإنس من شياطين؟

قال: نعم، هم شر من شياطين الجن" .

وقيل: إن الجميع من ولد إبليس إلا أن الذي يوسوس للإنس يسمى شيطان الإنس، والذي يوسوس للجن يسمى شيطان الجن.

وزيف بأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين.

وعن مالك بن دينار أن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجن لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجن عني وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً.

ومعنى الإيحاء الإيمان أو القول السريع أي يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، وكذلك بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض، وكأنه لا يتصوّر وسوسة الإنس إلى الجن إلا على تقدير القول بالتسخير.

و ﴿ زخرف القول ﴾ ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي، والتحقيق فيه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور خيرية أو نفعاً لم يرغب فيه.

ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقاً للواقع فهو الحق والصدق والإلهام وكان صادراً من الملك وإلا كان مزخرفاً أي يكون باطنه فاسداً وظاهره مزيناً، قال الواحدي: ﴿ غروراً ﴾ نصب على المصدر لأن إيحاء الزخرف من القول في معنى الغرور.

﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ استدلال الأشاعرة به ظاهر والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء.

﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ منصوب على أنه مفعول معه أو مفعول به أي وافتراءهم أو ما يفترونه.

قال ابن عباس: يريد ما زين لهم إبليس وغرهم به، وفيه تحذير من الكفر وترغيب في الإيمان وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتنبيه له على ما أعد للكفرة من العقاب وله من الثواب بسبب صبره على سفاهتهم وتلطفه بهم.

الصغو في اللغة الميل.

يقال في المستمع إنه مصغ إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت.

وأصغى الإناء إذا أماله حتى انصب بعضه في بعض.

ويقال للقمر إذا مال إلى الغروب صغا وأصغى.

قال الجوهري: صغا يصغو ويصغي صغواً أي مال، وكذلك صغى بالكسر يصغي بالفتح صغى وصغياً، واللام في ﴿ ولتصغي ﴾ لا بد لها من متعلق فقالت الأشاعرة: التقدير وإنما جعلنا مثل ذلك الشخص عدوّاً للنبي لتميل ﴿ إليه ﴾ أو إلى قوله المزخرف ﴿ أفئدة ﴾ الكفار فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة النبي ﴿ وليرضوه ﴾ وليختاروه على أنفسهم ﴿ وليقترفوا ﴾ وليكتسبوا من الآثام ﴿ ما هم مقترفون ﴾ وقال الجبائي: إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك  ﴾ .

وزيف بأن حمل لام كي على لام الأمر تحريف.

وقال الكعبي: هي لام العاقبة تقديره: ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين أفئدة الكفار جعلنا لكل نبي عدواً.

وعن أبي مسلم أنها معطوفة على موضع ﴿ غرور ﴾ والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغتروا بذلك ولتميل قلوب الكفار إلى المذاهب الباطلة.

وأورد عليه أن ميل القلوب إلى الآراء الفاسدة هو عين الاغترار فيلزم عطف الشيء على نفسه.

وههنا بحث وهو أن الأشاعرة قالوا: البنية ليست شرطاً للحياة، فالحي هو الجزء الذي قامت الحياة به، والعالم هو الجزء الذي قام العلم به.

وقالت المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة لا ذلك الجزء.

حجة الأشاعرة أنه جعل الموصوف بالميل والرغبة في الآية هو القلب لا جملة الحي، وبمثله استدل من جعل المتعلق الأول للنفس هو القلب لا مجموع البدن.

ثم إنه  لما ذكر أنه لا فائدة لهم في إظهار الآيات التي اقترحوها بين بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل والزائد على ذلك لا يجب الالتفات إليه، وإنما قلنا إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين: الأول: أن الله  قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل عليه الكتاب المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته وأشار إلى هذا الوجه بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ يعني قل يا محمد إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكماً فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز.

الوجه الثاني: اشتمال التوراة والإنجيل على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله حقاً، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله وأشار إليه بقوله: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ﴾ ثم قال: ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ والخطاب لكل أحد أي إذا ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيه أحد.

وقيل: الخطاب للرسول في الظاهر والمراد به الأمة.

وقيل: الخطاب للرسول في الحقيقة والمراد التهييج والإلهاب كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ والمراد فلا تكونن من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق، ولا يريبك جحود أكثرهم.

قال الواحدي: الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة.

وقال بعض أهل التأويل: الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم والحكم هو الذي لا يحكم إلا بالحق.

ثم لما بين أن القرآن معجز قال: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي القرآن.

وقوله: ﴿ صدقاً وعدلاً ﴾ مصدران منتصبان على الحال من الكلمة، ومعنى تمامها أنها وافية كافية في كونها معجزة دالة على صدق محمد، أو كافية في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى القيامة علماً وعملاً، أو المراد بالتمام أنها أزلية ولا يحدث بعد ذلك شيء.

واعلم أن كل ما حصل في القرآن نوعان: الخبر والتكليف؛ فالخبر كل ما أخبر الله  عن وجوده أو عن عدمه كالخبر عن وجود ذاته وحصول صفاته أعني كونه  قادراً سميعاً بصيراً ويدخل فيه الخبر عن صفات التقديس والتنزيه كقوله  : ﴿ لم يلد ولم يولد  ﴾ ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله  وكيفية تدبيره لملكوته في السموات والأرض وفي عالم الأرواح والأجسام، ويدخل فيه الخبر عن أحكام الله  في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، ويدخل فيه الخبر عن أقسام أسماء الله  والخبر عن النبوات وأقسام المعجزات، والخبر عن أحوال النشر والقيامة وصفات أهل الجنة والنار.

والخبر عن أحوال المتقدمين والخبر عن المغيبات.

وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه  على عبيده سواء كان ملكاً أو بشراً أو شيطاناً، وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء المتقدمين أو في مراسيم الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله  .

فإذن المراد وتمت كلمات ربك صدقاً إن كان من باب الخبر وعدلاً إن كان من باب التكاليف وهذا ضبط حسن.

وقيل: إن كل ما أخبر الله  عنه من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد أن يكون واقعاً، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون بصفة الظلم.

ثم قال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبه في كون القرآن دالاً على صدق محمد إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلالة ألبته لجلاء الدلالة ووضوحها.

أو المراد أن كلماته تبقى موصوفة بصفتها مصونة عن التحريف والتغيير كما قال: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون  ﴾ أو الغرض أنها بريئة عن التناقض كما قال: ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً  ﴾ أو المعنى أن أحكام الله  لا تتغير ولا تتبدل لأنها أزلية والأزلي لا يزول، وهذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر إذ يلزم منه أن لا ينقلب السعيد شقياً وبالضد.

ثم لما أجاب عن شبه الكفار بيّن أن عند ظهور الحجة وتبين المحجة لا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى كلمات الجهال فقال: ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ﴾ والمضل لا بد أن يكون ضالاً ويعني بهم الذين ينازعون النبي في الدين غير قاطعين بصحة مذاهبهم كالزنادقة وعبدة الكواكب والأصنام، وكالذين يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة فيحكمون على الحق بأنه باطل وعلى الباطل بأنه حق.

ثم قال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ يقدرون على أنهم على شيء أو يكذبون في أن الله أحل كذا وحرم كذا.

وأصل الخرص حزر ما على النخل من الرطب تمراً.

وليس لنفاة القياس تمسك بالآية من قبل توجه الذم على متبع الظن، لأن المذموم من اتباع الظن هو الذي لا يستند إلى أمارة كظن الكفار المستند إلى تقليد أسلافهم فقط، أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إلى إمارة فلم يتم أنه كذلك.

ثم قال: ﴿ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ والمراد أنك بعدما عرفت أن الحق ما هو والباطل ما هو فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم لأن الله  عالم بأن المهتدي من هو والضال من هو فيجازي كل أحد بما يليق بعمله، أو المراد أن هؤلاء الكفار وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون والله  عالم بأحوال قلوبهم وبواطنهم، ومطلع على تحيرهم في أودية الجهالة وتيه الضلال، قال النحويون: إن أفعل التفضيل لا يعمل في مظهر، ففي الكلام محذوف أي يعلم من يضل عن سبيله، فإن لم يقدر محذوف قوي بالباء كما في القلم { ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين  ﴾ وهذا هو الأصل، وإنما خص هذه السورة بالحذف موافقة لقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ وعدل إلى لفظ المستقبل تنبيهاً على قطع الإضافة لأن أكثر ما يستعمل "أفعل من" يستعمل مع الماضي نحو "أعلم من دب ودرج" و "أحسن من قام وقعد" و "أفضل من حج واعتمر".

فلو لم يعدل إلى لفظ المستقبل التبس بالإضافة  عن ذلك.

وجوّز بعضهم أن يكون "من" للاستفهام كقوله: ﴿ لنعلم أي الحزبين أحصى  ﴾ ثم قال: ﴿ فكلوا ﴾ والفاء مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرّمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم.

فقال الله  للمسلمين: إن كنتم محققين بالإيمان فكلوامما ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله.

فإن قيل: إن القوم كانوا يبيحون ما ذبح على اسم الله  ولا ينازعون فيه، وإنما النزاع في أكل الميتة فإنهم كانوا يبيحونها والمسلمون يحرمونها، فما الحكمة في إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه؟

فالجواب لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل الميتة فرد الله  عليهم في الأمرين بقوله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ وبقوله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ أو نقول: المراد اجعلوا أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه، وعلى هذا فيكون المراد تحريم الميتة فقط والله أعلم.

أما قوله: ﴿ وقد فصل لكم ﴾ فأكثر المفسرين قالوا: المراد به ما فصل في أول المائدة من قوله: ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ إلى آخر الآية، واعترض عليه بأن سورة الأنعام مكية والمائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والآية تقتضي أن يكون المفصل مقدماً على هذا المجمل بل الأولى أن يقال: المراد قوله  بعد هذه الآية: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً  ﴾ إلى آخرها.

فإن هذا القدر من التأخر غير ضائر.

وقوله: ﴿ إلا ما اضطررتم ﴾ أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدّة المجاعة ﴿ وإن كثيراً ليضلون ﴾ المبالغة في قراءة ضم الياء أكثر لأن كل مضل فإنه يكون ضالاً، وقد يكون الضال غير مضل، قيل: إنه عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أول من غير دين إسماعيل واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة.

وقوله: ﴿ بأهوائهم بغير علم ﴾ يريد أن عمرو بن لحي أقدم على هذه المذاهب عن الجهالة الصرفة، وقال الزجاج: المراد منه الذين يحللون الميتة ويناظرون في إحلالها، أو يحتجون عليها بقولهم إذ حل ما تذبحونه أنتم فلأن يحل ما يذبحه الله  أولى، وكذلك كل ما يضلون فيه من عبادة الأوثان والطعن في نبوّة محمد صلى الله عليه وآله.

وفي الآية دلالة على أن النزاع في الدين بمجرد التقليد حرام ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ فيجازيهم عليها وفيه من التهديد ما فيه.

ثم ذكر آية جامعة فقال: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ فقيل: ظاهره الزنا في الحوانيت وباطنه الصديقة في السر.

قال الضحاك: كان أهل الجاهلية يرون الزنا حلالاً ما كان سراً.

والأصح أن النهي عام إذ لا دليل على تخصيصه.

ثم قيل: المراد ما أعلنتم وما أسررتم.

وقيل: ما عملتم وما نويتم.

وقال ابن الأنباري: يريد وذروا الإثم من جميع جهاته كما تقول: ما أخذت من هذا المال قليلاً ولا كثيراً أي ما أخذته بوجه من الوجوه.

وقريب منه قول من قال: المراد النهي عن الإثم مع بيان أنه لا يخرج عن كونه إنما بسبب إخفائه وكتمانه.

وقيل: المراد النهي عن الإقدام على الإثم.

ثم قال: ﴿ وباطنه ﴾ ليظهر بذلك أن الداعي له إلى ترك ذلك الإثم خوف الله لا خوف الناس.

وقيل: ظاهر الإثم أفعال الجوارح، وباطنه أفعال القلوب من الكبر والحسد والعجب وإرادة الشر للمسلمين، ويدخل فيه الاعتقاد والعزم والنظر والظن والتمني والندم على أفعال الخيرات، ومنه يعلم أن ما يوجد في القلب قد يؤاخذ به وإن لم يقترن به عمل ﴿ إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ أي يكتسبون من الآثام ومنه الاعتراف يمحو الاقتراف كما يقال: التوبة تمحو الحوبة.

وظاهر النص يدل على أنه يعاقب المذنب ألبتة إلا أن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب.

وأهل السنة على أنه إذا لم يتب احتمل العفو ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله  عليه من طعام أو شراب فهو حرام تمسكاً بعموم الآية.

وأجمع سائر الفقهاء على تخصيص هذا العموم بالذبح، ثم اختلفوا فمالك: كل ذبح لم يذكر اسم الله  عليه فهو حرام، ترك الذكر عمداً أو نسياناً وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين.

أبو حنيفة: إن ترك عمداً حرام وإن ترك نسياناً حل.

الشافعي: متروك التسمية عمداً وسهواً حلال إذا كان الذابح مسلماً لقوله  : ﴿ وإنه لفسق ﴾ والضمير عائد إلى الأكل الذي دل عليه الفعل أو إلى الموصول على أنه في نفسه فسق مثل "رجل عدل" أو على تقدير حذف المضاف أي وإن أكله لفسق.

وقد أجمع المسلمون على أنه لا يفسق بأكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية ولقوله  : ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ﴾ وهذه المناظرة كانت في مسألة الميتة؛ وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة من قتلها إذا ماتت؟

قال: الله قتلها، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟

فأنزل الله الآية، فالمراد من الشياطين ههنا إبليس وجنوده وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليخاصموا محمداً وأصحابه في أكل الميتة.

وقال عكرمة: وإن الشياطين - يعني مردة المجوس - ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش.

وذلك أنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة أن محمداً وأصحابه يزعمون أن ما يذبحونه حلال وأن ما يذبحه الله حرام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين شيء فنزلت الآية.

ثم قال: ﴿ وإن أطعتموهم ﴾ يعني في استحلال الميتة ﴿ إنكم لمشركون ﴾ قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله  أو حرم شيئاً مما أحل الله فهو مشرك لأنه أثبت حاكماً سوى الله  .

ثم قال الشافعي: الفسق في آية أخرى وهي، قوله: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً  ﴾ إلى قوله: ﴿ أو فسقاً أهل لغير الله  ﴾ مفسر بما أهل به لغير الله فعلمنا أن الفسق في هذه الآية أيضاً مفسر به نزلنا عن هذا المقام وهو التمسك بالمخصصات، فلم قلتم إنه لم يوجد ذكر الله ههنا لما روي أنه صلى الله عليه وآله قال: "ذكر الله مع المسلم سواء قال أو لم يقل" فيحمل هذا الذكر على ذكر القلب.

أو نقول: هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن معنا ما يدل على الحل، وإذا تعارض الحل والحرمة فالحل راجح لأن الأصل في الأشياء الإباحة وللعمومات الدالة على الحل كقوله: ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً  ﴾ ﴿ وكلوا واشربوا  ﴾ ولأنه مستطاب وقد قال: ﴿ أحل لكم الطيبات  ﴾ ، ولأن الطبع يميل إليه وقد نهى عن إضاعة المال، هذا تقرير مذهب الشافعي ومع ذلك فالأولى بالمسلم أن يحترز عنه لقوة ظاهر النص.

قال الكعبي: في الآية دلالة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات لأنه  سمى مخالفته شركاً.

وأجيب بأنه لم لا يجوز أن يراد بالشرك ههنا اعتقاد أن لله شريكاً في الحكم.

التأويل: ﴿ وكلمهم الموتى ﴾ أي: قلوبهم الميتة ﴿ وحشرنا ﴾ أي أريناهم جميع الآيات المودعة في المكونات ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فإن المشيئة تغير السجية والعناية الأزلية كفاية الأبدية ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ أن الهدى ليس بالمنى وأنه بمشيئة المولى، ثم أخبر أن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا فقال: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس ﴾ هي النفس الأمارة التي هي أعدى الأعداء.

﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هديناهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال ﴿ فلا تكونن ﴾ نهى التكوين في الأزل ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ كلامه وقضاؤه في الأزل ﴿ صدقاً ﴾ فيما قال ﴿ وعدلاً ﴾ فيما حكم بالوجود والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن والقبح والإيمان والكفر، وأحسن شيء خلقه هو الإنسان ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم  ﴾ وكذلك شر شيء هو الإنسان عند فساد استعداده ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين  ﴾ ولأهل الكمال ترقٍ في كمال الحسن إلى الأبد، ولأهل النقصان تسفل في القبح إلى الأبد أيضاً إظهاراً للقدرة الكاملة غير المتناهية ﴿ وهو السميع ﴾ لحاجة كل ذي حاجة ﴿ العليم ﴾ بما يستأهله كل موجود ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض ﴾ وهم أهل الأهواء وأقلهم أهل الحق ﴿ وإن هم إلا يخرصون ﴾ في دعوى طلب الحق.

فإن سبيل الحق لا يسلك بالهوى وإنما يسلك بالصدق والهدى.

﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ فمن أمارات الإيمان أن يأكلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع ويذيبوه بذكر الله كما قال صلى الله عليه وآله "أذيبوا طعامكم بذكر الله" فالأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة به على العصيان يورث موت الجنان والحرمان من الجنان.

﴿ وقد فصل لكم ﴾ يا أهل الله ﴿ ما حرم عليكم ﴾ وهو الدنيا وما فيها والآخرة ونعيمها ﴿ إلا ما اضطررتم إليه ﴾ من ضروريات البشر في الدارين بأمر المولى لا بالطبع والهوى ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ الذين جاوزوا المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى ﴿ وذروا ظاهر الإثم ﴾ يعني الأعمال الطبيعية ﴿ وباطنه ﴾ يعني الأخلاق، الذميمة الردية ﴿ سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ لأن الأخلاق الظلمانية توجب صدأ مرآة القلب وتزيدها ريناً إلى أن يصير حجاباً بين العبد وبين الله  : ولا تأكلوا طعاماً إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، ﴿ وإنه ﴾ يعني ظلام الطعام يؤدي إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الكلمة النّفسانية.

﴿ وإن الشياطين ليوحون ﴾ فإن للشيطان مجالاً في الوسوسة إذا كانت النفوس في المجادلة مع القلوب لتدعوها إلى متابعة الهوى الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ صرف أهل التأويل الآية إلى أهل الكفر وقالوا: ما بالكم تأكلون ذبائحكم التي ذبحتم ولا تأكلوا ما ذبح الله وذكاه صرفوا الخطاب به إلى أهل الشرك.

والأشبه أن يصرف الخطاب [به] إلى أهل الإسلام؛ لأنه ذكر في آخره ﴿ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ومثل هذا لا يذكر في أهل الشرك إنما ذكر لخطاب أهل الإسلام، كقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ  ﴾ ونحوه من الآيات.

فعلى ذلك: الأشبه أن يصرف الخطاب بها إلى أهل الإسلام؛ كأنَّ قوماً من أهل الإسلام منعوا أنفسهم عن التناول من هذه الذبائح واللحوم، فنهوا عن ذلك؛ [من] نحو ما روي في بعض القصة: "أن نفرا من أصحاب رسول الله  هموا أن يخصوا أنفسهم وألا يعطوا أنفسهم شهواتهم وألا [يتناولوا شيئاً] من الطيبات، فنهوا عن ذلك.

وقيل: فيهم نزل قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ  ﴾ فيشبه أن يكون قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ  ﴾ فيهم أو لما علم أن قوماً من المتقشفة والمتزهدة يحرمون ذلك على أنفسهم، فنهوا عن ذلك.

فإن كان ما قال أهل التأويل فهو - والله أعلم - كأنه قال: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين، بما تعلمون [أن] الخلق والأمر له، وقد أنشأ لكم من الآيات ما تعلمون [به] ذلك، فكيف تحرمون ما ذكر اسم الله عليه، ثم أمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه، وعاتب من ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه بقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ  ﴾ ولم يبين بم وبأي وجه بالذبح أو بغيره؟

وكذلك قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ  ﴾ ولم يبين من أي وجه، لكن الناس اتفقوا على صرف ذلك إلى الذبح، فكان الذبح مضمرا فيه؛ كأنه قال: كلوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه، وما لكم ألا تأكلوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه.

ثم لا يخلو اتفاقهم بمعرفة ذلك: إما أن عرفوا ذلك بالسماع من رسول الله، أو عرفوا ذلك بنوازل [الأحكام]؛ إذ ليس في الآية بيانُ ذلك.

فكيفَما كان، ففيه دلالة نقض قول من يقول بأن من عرف نوازل الأحكام أو كان عنده رواية، فتركَ [روايته] يفسَّق؛ لأنه لما لم يذكر هاهنا النوازل ولا السماع دل أنه لا يفسق؛ إذ كان قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ذكر لمكان قول الثنوية؛ لأنهم يحرمون الذبائح ويقولون: ليس من الحكمة إيلام من لا ذنب له.

أو ذكر لمكان قول من يقول: إنكم أكلتم ما تذبحون بأيديكم ولا تأكلون ما تولى الله قتله.

ثم قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ أباح - عز وجل - من الأنعام ما ذكر اسم الله عليه، وحظر ما لم يذكر اسم الله عليه، ونهى عن أكله بقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ  ﴾ وبقوله: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ  ﴾ جعل المهَلّ لغير الله ميتةً حراما، وجعل المذكور اسم الله [عليه] ذكيّاً حلالا؛ فدل أن التسمية شرطٌ في أكل الذبيحة؛ لأنها لو لم تكن شرطا في حل الذبيحة لم يكن المُهلُّ به لغير اسم الله ميتة حراما، ولأنه سمى ما لم يذكر اسم الله عليه فسقاً، والفسقُ هو الخروج عن أمر الله؛ كقوله: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  ﴾ أي: خرج؛ فدل أن التسمية شرط فيها.

ولهذا يحل لنا ذبائح أهل الكتاب إذا سمعناهم يذكرون اسم الله عليه، وإن كانوا ما يذكرون في الحقيقة غير الله؛ لأنهم لا يعرفون الله حقيقة، ولكن إذا ذكروا اسم الله عليه تحل لنا.

ولا يحل ذبائح أهل الشرك؛ لأن أهل الشرك لا يرون الذبائح رأساً؛ يذهبون مذهب الزنادقة، والزنادقة لا يرون الذبائح؛ يقولون لنا: إنكم تقولون: إن ربكم رحيم حكيم، وليس من الحكمة والرحمة أن يأمر أحداً بذبح آخر ويقتله؛ فيأكلون الميتة ولا يرون أكل الذبيحة، ويقولون: ليس هذا أمرَ مَن كان موصوفاً بالرحمة أو بالحكمة.

[لكنا نقول: إن كراهة الذبح والنفور عنه نفور طبع وكراهته كراهة طبع لا كراهة العقل.

فما يكرهه الطبع وينفر عنه يجوز أن يباح لما يعقب نفعاً في المتعقب نحو ما يباح الافتصاد والحجامة والتداوي بأدوية كريهة لنفع يعقب ويتأمل، وإن كان الطبع يكرهه وينفر عنه وليس هو مما يقبحه العقل إنما لا يجوز أن يباح بفعل ويؤمر به مما يقبحه العقل ويكرهه.

وأما كراهة الطبع ونفوره فإنه يجوز أن يباح لما ذكرنا ويرتفع ذلك بالعادة؛ فعلى ذلك الذبح كراهته كراهة الطبع لا كراهة العقل ونفوره].

والثاني: أن هذه الأشياء كلها إنما خلقت لنا وسخرت لمنافعنا لم تخلق لأنفسها، فإذا كان كذلك يحل لنا ذبحها والتناول منها بأمر الذي أنشأها لنا وسخرها لنا.

وبعد، فإن [من] مذهبهم أن العالم إنما كان بامتزاج النور والظلمة، والروحُ من النوراني والجسم من الظلماني ففي الذبح استخراج الروح ورده إلى أصله؛ إذ من قولهم: إنه يرجع كل إلى أصله في العاقبة، على ما كان في الأول.

[وأما الجواب عما] قاله أهل الشرك: "أكلتم ما ذبحتم أنتم وتركتم ذبيحة الله" فوجهان: أحدهما: ما قاله أهل التأويل: أن الخلق له وله الحكم عليهم؛ فأحل لهم هذا وحرم عليهم هذا.

والثاني: تعبدنا بذكر اسمه عليها؛ فصار [فيما ذكر] اسم الله إقامة عبادة تعبدنا بها، وفيما لم يذكر لم يكن عبادة؛ لذلك حل لنا ما كان في ذلك إقامة عبادة، ولم يحل لنا ما لم يكن فيها إقامة عبادة والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ هو في الظاهر أمر، لكن الأمر الذي يرجع إلى شهوات النفس ولذاتها فإنه يخرج على وجهين: إما أن يخرج على بيان ما يحل، أو النهي عما لا يحل؛ فهاهنا خرج على بيان ما يحل وتحريم ما لا يحل؛ كأنه قال: كلوا مما ذكر اسم الله عليه، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ .

هو صلة قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: ما لكم ألا تأكلوا وقد بيَّن لكم ما حرم عليكم من الميتة والدّم ولحم الخنزير.

﴿ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ [لأن أهل الشرك والزنادقة كانوا لا يرون أكل الذبيح، ويأكلون الميتة والدم فلهم خرج الخطاب ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ وقد بين لكم ما حرم عليكم، وهو الميتة والدم: ﴿ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ ].

قال الحسن: له أن يتناول من الميتة حتى يشبع؛ لأنه أحل له التناول، وعلى قولنا: لا يحل له الشبع؛ لأنه إنما أحل عند الاضطرار [وهو غير مضطر إلى] الشبع.

ويقول الحسن: لو ترك التناول منها حتى هلك لا شيء عليه؛ يقول: لأنه إنما أحلت له رخصة ورحمة، وليس على من لم يعلم بالرخص إثم، ولكن عندنا أنها أبيحت في حال الاضطرار؛ فإذا ترك التناول منها حتى هلك صار ملقيا نفسه في التهلكة، وقد حرم الله علينا أن نهلك أنفسنا أو نلقيها في التهلكة بقوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ  ﴾ ، ولا فرق بين ترك التناول من الميتة - وقد أحل لنا التناول [منها - حتى مات وبين ترك التناول] من غيرها من الأطعمة المحللة، أو يأتي بأسباب إتلاف النفس؛ فهما سواء.

ويقول - أيضاً -: له أن يتناول عند الاضطرار من مال غيره بلا بدل، وإذا نهى صاحبه عن ذلك يضمن بدل ذلك بالغاً ما بلغ فهذا بعيد.

لا يجوز أن يتناول من مال غيره ولا يلزمه البدل، وإذا نهاه عن ذلك يلزمه البدل؛ لأن من كان له حق التناول من مال آخر بغير بدل، ثم إذا نهى أو منع يلزمه البدل دل أنه ليس له التناول إلا ببدل، وقد ذكرنا هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ، دل هذا على أن الكل منهم لم يكونوا يضلون؛ ولكن البعض، هم الأئمة منهم والرؤساء؛ لأن الأتباع منهم كانوا لا يضلون الناس؛ إنما كانوا يضلون الكبراء منهم والعظماء، ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ .

وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾ .

اختلف فيه: فقيل: وذروا [ظاهر] الإثم بظاهر الجوارح وباطنها، ظاهر الجوارح من نحو: اليد، والرجل، واللسان، والعين.

وباطن الجوارح: القلوب، والضمائر.

وقيل: ذروا الإثم في ملأ من الخلق، وفي الخلاء منهم.

وقيل: ظاهر الإثم: ما ذكرنا، وباطنه: الزنا.

قال أبو بكر الكيساني: الزنا [هاهنا لا يحتمل]؛ لأنه الآية في ذكر [ما يحل من الأطعمة وما لا يحل، ولكن يجوز أن ابتدأ النهي عن الزنا، وإن كان أول الآية في ذكر الأطعمة]؛ ويصير قوله: ﴿ وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾ كأنه قال: وذروا المآثم [كلها] ما ظهر منها وما بطن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ ﴾ .

لا يتركون وما عملوا؛ ولكن [يجزون] جزاء ما عملوا من الإثم، وهو وعيد [لمن]، ﴿ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ ﴾ ويصرّون عليه ولا يتوبون ولا ينقلعون عنه [حتى ماتوا على ذلك بما ذكر.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ .

قال بعضهم: هو الميتة]، وهو قول ابن عباس،  .

وقال بعضهم: ما أهل به لغير الله.

وقلنا نحن: هو ما لم يذكر اسم الله عليه؛ لأن الله قد صرح بتحريم الميتة بقوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ  ﴾ .

[و] صرح بتحريم ما أهل لغير الله به بقوله: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ  ﴾ : [فإذا كان الميتة، وما أهل لغير الله به] تصريح [وتحريم] في غير هذا الموضع؛ رجع هذا الخطاب إلى تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه وكذلك صرح بتحريم الميتة وما أهل لغير الله به بقوله: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً...

﴾ الآية [الأنعام: 145]؛ فقوله -  -: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً  ﴾ كان لا يجد في ذلك الوقت ثم وجد ما لم يذكر اسم الله عليه محرماً في حادث الوقت، وكذلك وجد كلَّ ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير محرماً في حادث الأوقات، كان لا يجد في [ذلك الوقت] محرماً إلا ما ذكر، ثم وجد أشياء محرمة من بعد.

وقال بعضهم من أهل التأويل قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ : حين قالوا: ما قتلتم وذبحتم أنتم فتأكلونه، وما قتل ربكم فتحرمونه، وأنتم تعظمون ربكم؟!

وهو من زخرف القول الذي يوحي بعضهم إلى بعض ما ذكر ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ﴾ .

لكنا نقول إن ما ذبح وقتل [هو ذبيح بالله] وقتيل به أيضاً؛ فقد أذن لنا بأكل بعض الذبيح وحرم أكل بعض، ولله أن يفعل ذلك، له أن يأذن في أكل بعض وتحريم أكل بعض، على ما أذن لنا في أكل بعض ما خلق الله من الأنعام ولم يأذن في أكل بعض؛ فعلى ذلك قد أذن في أكل بعض ما ذبح به وقتل ولم يأذن في بعض، وهو كله ذبيح بالله وقتيل به، وله ذلك.

والثاني: أن الخلق كله له ملكه، ولا يقال لأحد في ملكه: لم فعلت ذا؟

ولم تفعل ذا؟

إنما يقال ذلك في غير ملكه: كشريك يقول لشريكه: لم تعطني حقي، ولم توفر على نصيبي، فأما أن يقول في ذي ملك في ملكه فلا.

والثالث: ما ذكرنا: أنه تعبدنا بذكر اسم الله عليه [فكان في ذكر اسم الله عليه] إقامة عبادة؛ لذلك لم يجز هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ ، أخبر أنه ما لم يذكر اسم الله عليه فسق، كما أخبر أن التناول من الميتة وما أهل لغير الله به فسق، والفسق: هو الخروج عن أمر الله، والذي ترك ذكر اسم الله عليه: خارج عن أمر الله -  - كالميتة التي ذكرنا، فإن قال قائل: إن قول الله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ؛ فكيف يجوز لكم أن تطلقوا أكل الذبيحة إذا ترك اسم الله ناسياً؟!

[قيل الخطاب بهذا لم يرجع إلى الذبيحة التي ترك ذكر اسم الله عليها ناسياً] لأن الذبائح إنما هي من عمل القصّابين والصبيان؛ فهم لم يعودوا أنفسهم ذكر اسم الله حتى يؤاخذوا بها على حفظ ذلك.

وهذا أصلنا: أن من لم يعود نفسه فعلاً يعذر في تركه وارتكابه في حال السهو والنسيان؟!

كالأكل في شهر رمضان ناسياً؛ لأنه عود نفسه الأكل والشرب، والصوم هو الكف عما اعتاد؛ فعذر في التناول منه والعود إلى العادة على السهو؛ لأنه يشتد على الناس حفظ النفس على خلاف العادة؛ ولأن الله -  - قال: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ ، ولا خلاف في أن من نسي أن يسمي الله على ذبيحة - فليس بفاسق؛ وإنما يفسق من تركها عامداً؛ فدل أن الخطاب بالآية رجع إلى الذبيحة التي تركت التسمية [عليها] عمداً.

فإن قيل: ليس يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ : يريد به أن الذي يأكل منها إذا لم يسم الله عليها عامداً أو ساهياً - فاسق، وإن كان هذا هو التأويل؛ فالآية على الأكل، [الدليل] على [أن] قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ \[إشارة إلى الذبيح الذي ترك ذكر اسم الله عليه عمداً، دون أن يكون ذلك\] إشارة إلى أن الأكل من تلك الذبيحة فسق - قول الله -  - ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ  ﴾ : فكان الإهلال بالذبيحة لغير الله فسقاً لمن فعله؛ فوجب أن يكون ترك اسم الله على الذبيحة فسقاً ممن تعمده، وذلك يوجب أن يكون قول الله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ خاصّاً في المتعمد لترك التسمية.

فإن قيل: كيف لم تجعلوا تارك التسمية ناسياً كتاركها عمداً؛ كما قلتم في التكبيرة الأولى في الصلاة: إن عمده وسهوه سواء؟

قيل: من قبيل أن الذبيحة إذا تعمد صاحبها ترك التسمية عليها إنما حرمت بنص القرآن؛ لأنه فسق فقلنا: متى زال الفسق عن الذابح زال التحريم عن الذبيحة؛ لأن التحريم إذا وقع لعلة، فزالت العلة - زال التحريم، ولم نقل: إن صلاة التارك للتكبيرة الأولى فسدت صلاته؛ لأنه فسق بتركه التكبيرة عمداً؛ فيلزمنا أن نفرق بين سهوها وعمدها؛ بل فسدت صلاته لأنه صلى بغير تكبير؛ فالتارك للتكبير عامداً أو ساهياً: تارك؛ فهما سواء، وروي في الخبر ما يؤيد ما قلنا: روي عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله  : "ذبيحةُ المسلم حلالٌ سمى أو لم يسم ما لم يتعمد" وعن ابن عباس -  - في رجل ذبح ونسي أن يذكر اسم الله، قال: "اسم الله في قلب كل مسلم؛ فليأكل" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ﴾ .

أهل التأويل صرفوا تأويل هذا إلى أن زخرف القول الذي يوحي بعضهم [إلى بعض] في الآية الأولى هو مجادلتهم في الذبيحة؛ حيث قالوا: ما قتلتم بأيديكم فتأكلونه، وما قتل الله فلا تأكلونه؟!

يعنون: فتلك مجادلتهم إياهم، ولكن يجادلون في هذا [في] وحدانية الله -  - وفي إثبات الرسالة، والبعث بعد الموت، وفي كل شيء؛ حيث قالوا: ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ \[المؤمنون: 82\]: فأخبر أنهم لو أطاعوهم إنهم لمشركون أي: لو أطعتموهم فيما يجادلونكم ويوحون إليكم ﴿ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تأكلوا -أيها المسلمون- مما لم يُذكر اسم الله عليه، سواء ذُكِر عليه اسم غيره أو لا أن الأكل منه لخُروج عن طاعة الله إلى معصيته، وإن الشياطين ليُوسْوِسون إلى أوليائهم بإلقاء الشُّبَه ليجادلوكم في أكل الميتة، وإن أطعتموهم -أيها المسلمون- فيما يلقونه من الشُّبَه -لإباحة الميتة- كنتم أنتم وهم سواء في الشرك.

<div class="verse-tafsir" id="91.rX137"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد