الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٢٢ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 108 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢٢ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتا ، أي : في الضلالة ، هالكا حائرا ، فأحياه الله ، أي : أحيا قلبه بالإيمان ، وهداه له ووفقه لاتباع رسله .
( وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ) أي : يهتدي به كيف يسلك ، وكيف يتصرف به .
والنور هو : القرآن ، كما رواه العوفي وابن أبي طلحة ، عن ابن عباس .
وقال السدي : الإسلام .
والكل صحيح .
( كمن مثله في الظلمات ) أي : الجهالات والأهواء والضلالات المتفرقة ، ( ليس بخارج منها ) أي : لا يهتدي إلى منفذ ، ولا مخلص مما هو فيه ، وفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل " كما قال تعالى : ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [ البقرة : 257 ] .
وكما قال تعالى : ( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم ) [ الملك : 22 ] ، وقال تعالى : ( مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون ) [ هود : 24 ] ، وقال تعالى : ( وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير ) [ فاطر : 19 - 23 ] .
والآيات في هذا كثيرة ، ووجه المناسبة في ضرب المثلين هاهنا بالنور والظلمات - ما تقدم في أول السورة : ( وجعل الظلمات والنور ) [ الأنعام : 1 ] .
وزعم بعضهم أن المراد بهذا المثل رجلان معينان ، فقيل : عمر بن الخطاب هو الذي كان ميتا فأحياه الله ، وجعل له نورا يمشي به في الناس .
وقيل : عمار بن ياسر .
وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها : أبو جهل عمرو بن هشام ، لعنه الله .
والصحيح أن الآية عامة ، يدخل فيها كل مؤمن وكافر .
وقوله تعالى : ( كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ) أي : حسنا لهم ما هم فيه من الجهالة والضلالة ، قدرا من الله وحكمة بالغة ، لا إله إلا هو ولا رب سواه .
وقوله تعالى "كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون" أي حسنا لهم ما كانوا فيه من الجهالة والضلالة قدرا من الله وحكمة بالغة لا إله إلا هو وحده لا شريك له.
القول في تأويل قوله : أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا قال أبو جعفر: وهذا الكلام من الله جلّ ثناؤه يدل على نهيه المؤمنين برسوله يومئذ عن طاعة بعض المشركين الذين جادلوهم في أكل الميتة، بما ذكرنا عنهم من جدالهم إياهم به, وأمره إياهم بطاعة مؤمن منهم كان كافرًا, فهداه جلّ ثناؤه لرشده، ووفقه للإيمان.
فقال لهم: أطاعة من كان ميتًا, يقول: من كان كافرًا ؟
فجعله جل ثناؤه لانصرافه عن طاعته، وجهله بتوحيده وشرائع دينه، وتركه الأخذ بنصيبه من العمل لله بما يؤديه إلى نجاته, بمنـزلة " الميت " الذي لا ينفع نفسه بنافعة، ولا يدفع عنها من مكروه نازلة=(فأحييناه)، يقول: فهديناه للإسلام, فأنعشناه, فصار يعرف مضارّ نفسه ومنافعها, ويعمل في خلاصها من سَخَط الله وعقابه في معاده.
فجعل إبصاره الحق تعالى ذكره بعد عَمَاه عنه، ومعرفته بوحدانيته وشرائع دينه بعد جهله بذلك، حياة وضياء يستضيء به فيمشي على قصد السبيل، ومنهج الطريق في الناس (33) =(كمن مثله في الظلمات)، لا يدري كيف يتوجه، وأي طريق يأخذ، لشدة ظلمة الليل وإضلاله الطريق.
فكذلك هذا الكافر الضال في ظلمات الكفر، لا يبصر رشدًا ولا يعرف حقًّا, = يعني في ظلمات الكفر .
يقول: أفَطَاعة هذا الذي هديناه للحق وبصَّرناه الرشاد، كطاعة من مثله مثل من هو في الظلمات متردّد، لا يعرف المخرج منها، في دعاء هذا إلى تحريم ما حرم الله، وتحليل ما أحل، وتحليل هذا ما حرم الله، وتحريمه ما أحلّ؟
* * * وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في رجلين بأعيانهما معروفين: أحدهما مؤمن, والآخر كافر .
ثم اختلف أهل التأويل فيهما.
فقال بعضهم: أما الذي كان مَيْتًا فأحياه الله، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وأما الذي مثله في الظلمات ليس بخارج منها، فأبو جهل بن هشام .
* ذكر من قال ذلك: 13836- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا سليمان بن أبي هوذة, عن شعيب السراج, عن أبي سنان عن الضحاك في قوله: (أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس)، قال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه =(كمن مثله في الظلمات)، قال: أبو جهل بن هشام .
(34) * * * وقال آخرون: بل الميت الذي أحياه الله، عمار بن ياسر رحمة الله عليه.
وأما الذي مثله في الظلمات ليس بخارج منها، فأبو جهل بن هشام .
* ذكر من قال ذلك: 13837- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سفيان بن عيينة, عن بشر بن تيم, عن رجل, عن عكرمة: (أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس)، قال: نـزلت في عمار بن ياسر .
(35) 13838- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة, عن بشر, عن تيم, عن عكرمة: (أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس)، عمار بن ياسر =(كمن مثلة في الظلمات)، أبو جهل بن هشام .
(36) * * * وبنحو الذي قلنا في الآية قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: 13839- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (أو من كان ميتًا فأحييناه) قال: ضالا فهديناه=(وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس) قال: هدى=(كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها)، قال: في الضلالة أبدًا .
13840- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (أو من كان ميتًا فأحييناه)، هديناه=(وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات) في الضلالة أبدًا .
13841- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد: (أو من كان ميتًا فأحييناه)، قال: ضالا فهديناه .
13842- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (أو من كان ميتًا فأحييناه)، يعني: من كان كافرًا فهديناه=(وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس)، يعني بالنور، القرآنَ، من صدَّق به وعمل به=(كمن مثله في الظلمات)، يعني: بالظلمات، الكفرَ والضلالة .
13843- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس )، يقول: الهدى=" يمشي به في الناس ", يقول: فهو الكافر يهديه الله للإسلام.
يقول: كان مشركًا فهديناه=(كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) .
13844- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (أو من كان ميتًا فأحييناه)، هذا المؤمن معه من الله نور وبيِّنة يعمل بها ويأخذ، وإليها ينتهي, كتابَ الله =(كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها)، وهذا مثل الكافر في الضلالة، متحير فيها متسكع, لا يجد مخرجًا ولا منفذًا .
13845- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط عن السدي: (أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس)، يقول: من كان كافرًا فجعلناه مسلمًا، وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس، وهو الإسلام, يقول: هذا كمن هو في الظلمات, يعني: الشرك .
13846- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس)، قال: الإسلام الذي هداه الله إليه =(كمن مثله في الظلمات)، ليس من أهل الإسلام .
وقرأ: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ، [سورة البقرة: 257].
قال: والنور يستضيء به ما في بيته ويبصره, وكذلك الذي آتاه الله هذا النور، يستضيء به في دينه ويعمل به في نوره، (37) كما يستضيء صاحب هذا السراج .
قال: (كمن مثله في الظلمات)، لا يدري ما يأتي ولا ما يقع عليه .
* * * القول في تأويل قوله : كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كما خذلت هذا الكافر الذي يجادلكم = أيها المؤمنون بالله ورسوله، في أكل ما حرّمت عليكم من المطاعم = عن الحق, فزينت له سوءَ عمله فرآه حسنًا، ليستحق به ما أعددت له من أليم العقاب, كذلك زيَّنت لغيره ممن كان على مثل ما هو عليه من الكفر بالله وآياته، ما كانوا يعملون من معاصي الله, ليستوجبوا بذلك من فعلهم، ما لهم عند ربهم من النَّكال .
(38) * * * قال أبو جعفر: وفي هذا أوضح البيان على تكذيب الله الزاعمين أن الله فوَّض الأمور إلى خلقه في أعمالهم، فلا صنع له في أفعالهم, (39) وأنه قد سوَّى بين جميعهم في الأسباب التي بها يصلون إلى الطاعة والمعصية.
لأن ذلك لو كان كما قالوا, لكان قد زَيَّن لأنبيائه وأوليائه من الضلالة والكفر، نظيرَ ما زيَّن من ذلك لأعدائه وأهل الكفر به ، وزيّن لأهل الكفر به من الإيمان به، نظيرَ الذي زيّن منه لأنبيائه وأوليائه .
وفي إخباره جل ثناؤه أنه زين لكل عامل منهم عمله، ما ينبئ عن تزيين الكفر والفسوق والعصيان, وخصّ أعداءه وأهل الكفر، بتزيين الكفر لهم والفسوق والعصيان, وكرّه إليهم الإيمان به والطاعة .
------------------ الهوامش : (33) انظر تفسير (( الموت )) ، و (( الإحياء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( موت ) و ( حيي ) .
(34) الأثر : 13836 - (( سليمان بن أبي هوذة )) ، روى عن حماد بن سلمة ، [وأبي هلال الراسبي ، وعمرو بن أبي قيس .
لم يذكر فيه البخاري جرحًا .
وقال أبو زرعة : (( صدوق لا بأس به )) .
مترجم في الكبير 2 / 2 / 42 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 148 .
وأما (( شعيب السراج )) ، فلم أجد له ذكرًا فيما بين يدي من الكتب (35) الأثران : 13837 ، 13838 - (( بشر بن تيم بن مرة )) ، ويقال : (( بشير بن تيم بن مرة )) .
وهو في الإسناد الأول ، بينه وبين عكرمة (( عن رجل )) .
وقد قال البخاري في الكبير 1 / 2 /96 : (( بشير بن تيم بن مرة )) عن عكرمة ، قاله لنا الحميدي ، عن ابن عيينه .
مرسل ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وجعله (( بشيرًا )) وأما ابن أبي حاتم 1 / 1 / 372 فقد ترجمه في (( بشير )) ، كمثل ما قال البخاري ، ولم يذكر (( بشرا )) ، ولكنه ترجمه قبل 1 / 1 / 352 في (( بشر بن تيم )) وقال : (( مكي )) ، روى عنه ابن جريج ، وابن عيينة .
سمعت أبي يقول ذلك .
وابن عيينة يقول : (( بشير )) .
ولكنه هنا في المخطوطة في الموضعين (( بشر بن تيم )) ، في رواية ابن عيينة يقول ، فتركت ما كان في المخطوطة على حاله ، لئلا يكون اختلافًا على ابن عيينة .
(36) الأثران : 13837 ، 13838 - (( بشر بن تيم بن مرة )) ، ويقال : (( بشير ابن تيم بن مرة )) .
وهو في الإسناد الأول ، بينه وبين عكرمة (( عن رجل )) .
وقد قال البخاري في الكبير 1 / 2 /96 : (( بشير بن تيم بن مرة )) عن عكرمة ، قاله لنا الحميدي ، عن ابن عيينه .
مرسل ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وجعله (( بشيرًا )) وأما ابن أبي حاتم 1 / 1 / 372 فقد ترجمه في (( بشير )) ، كمثل ما قال البخاري ، ولم يذكر (( بشرا )) ، ولكنه ترجمة قبل 1 / 1 / 352 في (( بشر بن تيم )) وقال : (( مكي )) ، روى عنه ابن جريج ، وابن عيينة .
سمعت أبي يقول ذلك .
وابن عيينة يقول : (( بشير )) .
ولكنه هنا في المخطوطة في الموضعين (( بشر بن تيم )) ، في رواية ابن عيينة يقول ، فتركت ما كان في المخطوطة على حاله ، لئلا يكون اختلافًا على ابن عيينة .
(37) في المطبوعة : (( في فوره )) بالفاء ، والصواب ما في المخطوطة .
(38) انظر تفسير (( التزيين )) فيما سلف : ص : 37 ، تعليق : ص : 1 ، والمراجع هناك .
(39) (( التفويض ) ، هو زعم القدرية والمعتزلة والإمامية من أهل الفرق ، أن الأمر قد فوض إلى العبد ، فإرادته كافية في إيجاد فعله ، طاعة كان أو معصية ، وهو خالق أفعاله ، والاختيار ، ينفون أن تكون أفعال العباد من خلق الله .
وانظر ما سلف 1 : 162 تعليق : 3 / 11 : 340 ، تعليق : 2 ، وانظر ما سيأتي ص : 108 ، تعليق : 1 .
قوله تعالى أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملونقوله تعالى : أومن كان ميتا فأحييناه قرأ الجمهور بفتح الواو ، دخلت عليها همزة الاستفهام .
وروى المسيبي عن نافع بن أبي نعيم " أومن كان " بإسكان الواو .
قال النحاس : يجوز أن يكون محمولا على المعنى ، أي انظروا وتدبروا أغير الله أبتغي حكما .
أومن كان ميتا فأحييناه قيل : معناه كان ميتا حين كان نطفة فأحييناه بنفخ الروح فيه ; حكاه ابن بحر .
وقال ابن عباس : أومن كان كافرا فهديناه .
نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل .
وقال زيد بن أسلم والسدي : فأحييناه عمر رضي الله عنه .
كمن مثله في الظلمات أبو جهل لعنه الله .
والصحيح أنها عامة في كل مؤمن وكافر .
وقيل : كان ميتا بالجهل فأحييناه بالعلم .
وأنشد بعض أهل العلم ما يدل على صحة هذا التأويل لبعض شعراء البصرة :وفي الجهل قبل الموت موت لأهله فأجسامهم قبل القبور قبوروإن امرأ لم يحي بالعلم ميت فليس له حتى النشور نشوروالنور عبارة عن الهدى والإيمان .
وقال الحسن : القرآن .
وقيل : الحكمة .
وقيل : هو [ ص: 72 ] النور المذكور في قوله : يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم وقوله : انظرونا نقتبس من نوركم .يمشي به في الناس أي بالنوركمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها أي كمن هو ف " مثل " زائدة .
تقول : أنا أكرم مثلك ; أي أكرمك .
ومثله : فجزاء مثل ما قتل من النعم ليس كمثله شيء .
وقيل : المعنى كمن مثله مثل من هو في الظلمات .
والمثل والمثل واحد .كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون أي زين لهم الشيطان عبادة الأصنام وأوهمهم أنهم أفضل من المسلمين .
يقول تعالى: { أَوَمَنْ كَانَ } من قبل هداية الله له { مَيْتًا } في ظلمات الكفر، والجهل، والمعاصي، { فَأَحْيَيْنَاهُ } بنور العلم والإيمان والطاعة، فصار يمشي بين الناس في النور، متبصرا في أموره، مهتديا لسبيله، عارفا للخير مؤثرا له، مجتهدا في تنفيذه في نفسه وغيره، عارفا بالشر مبغضا له، مجتهدا في تركه وإزالته عن نفسه وعن غيره.
أفيستوي هذا بمن هو في الظلمات، ظلمات الجهل والغي، والكفر والمعاصي.
{ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } قد التبست عليه الطرق، وأظلمت عليه المسالك، فحضره الهم والغم والحزن والشقاء.
فنبه تعالى العقول بما تدركه وتعرفه، أنه لا يستوي هذا ولا هذا كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلمة، والأحياء والأموات.
فكأنه قيل: فكيف يؤثر من له أدنى مسكة من عقل، أن يكون بهذه الحالة، وأن يبقى في الظلمات متحيرا: فأجاب بأنه { زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } فلم يزل الشيطان يحسن لهم أعمالهم، ويزينها في قلوبهم، حتى استحسنوها ورأوها حقا.
وصار ذلك عقيدة في قلوبهم، وصفة راسخة ملازمة لهم، فلذلك رضوا بما هم عليه من الشر والقبائح.
وهؤلاء الذين في الظلمات يعمهون، وفي باطلهم يترددون، غير متساوين.
فمنهم: القادة، والرؤساء، والمتبوعون، ومنهم: التابعون المرءوسون، والأولون، منهم الذين فازوا بأشقى الأحوال
قوله عز وجل : ( أومن كان ميتا فأحييناه ) قرأ نافع " ميتا " و ( لحم أخيه ميتا ) ( الحجرات ، 12 ) و ( الأرض الميتة أحييناها ) ( سورة يس ، 33 ) بالتشديد فيهن ، والآخرون بالتخفيف ( فأحييناه ) أي : كان ضالا فهديناه ، كان ميتا بالكفر فأحييناه بالإيمان ، ( وجعلنا له نورا ) يستضيء به ، ( يمشي به في الناس ) على قصد السبيل ، قيل : النور هو الإسلام ، لقوله تعالى " يخرجهم من الظلمات إلى النور " ( البقرة ، 257 ) ، وقال قتادة : هو كتاب الله بينة من الله مع المؤمن ، بها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي ، ( كمن مثله في الظلمات ) المثل صلة ، أي : كمن هو في الظلمات ، ( ليس بخارج منها ) يعني : من ظلمة الكفر .
قيل : نزلت هذه الآية في رجلين بأعيانهما ، ثم اختلفوا فيهما ، قال ابن عباس : جعلنا له نورا ، يريد حمزة بن عبد المطلب ، كمن مثله في الظلمات يريد أبا جهل بن هشام ، وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث ، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس ، وحمزة لم يؤمن بعد ، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه ، ويقول : يا أبا يعلى أما ترى ما جاء به؟
سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا ، فقال حمزة : ومن أسفه منكم؟
تعبدون الحجارة من دون الله ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، فأنزل الله هذه الآية .
وقال الضحاك : نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل .
وقال عكرمة والكلبي : نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل .
( كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ) من الكفر والمعصية ، قال ابن عباس : يريد زين لهم الشيطان عبادة الأصنام .
ونزل في أبي جهل وغيره: «أو من كان ميتا» بالكفر «فأحييناه» بالهدى «وجعلنا له نورا يمشي به في الناس» يتبصر به الحق من غيره وهو الإيمان «كمن مثله» مثل زائدة أي كمن هو «في الظلمات ليس بخارج منها» وهو الكافر؟
لا «كذلك» كما زيِّن للمؤمنين الإيمان «زيِّن للكافرين ما كانوا يعلمون» من الكفر والمعاصى.
أوَمن كان ميتًا في الضلالة هالكا حائرا، فأحيينا قلبه بالإيمان، وهديناه له، ووفقناه لاتباع رسله، فأصبح يعيش في أنوار الهداية، كمن مثله في الجهالات والأهواء والضلالات المتفرقة، لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص له مما هو فيه؟
لا يستويان، وكما خذلتُ هذا الكافر الذي يجادلكم -أيها المؤمنون- فزيَّنْتُ له سوء عمله، فرآه حسنًا، زيَّنْتُ للجاحدين أعمالهم السيئة؛ ليستوجبوا بذلك العذاب.
ثم ضرب الله مثلا لحال المؤمن والكافر فقال :{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ } .الهمزة للاستفهام الإنكارى ، وهى داخلة على جملة محذوفة للعلم بها من الكلام السابق .والتقدير : أأنتم أيها المؤمنون مثل أولئك المشركين الذين يجادلونكم بغير علم وهل يعقل أن من كان ميتاً فأعطيناه الحياة وجعلنا له نوراً عظيما يمشى به فيما بين الناس آمنا كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها .فالآية الكريمة تمثيل بليغ للؤمن والكافر لتنفير المسلمين عن طاعة المشركين بعد أن نهاهم صراحة عن طاعتهم قبل ذلك فى قوله { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } .فمثل المؤمن المهتدى إلى الحق كمن كان ميتا هالكا فأحياه الله وأعطاه نوراً يستضىء به فى مصالحه ، ويهتدى به إلى طرقه .
ومثل الكافر الضال كمن هو منغمس فى الظلمات لا خلاص له منها فهو على الدوام متحير لا يهتدى فكيف يستويان؟والمراد بالنور : القرآن أو الإسلام ، والمراد بالظلمات : الكفر والجهالة وعمى البصيرة .
فهو كقوله - تعالى - : { وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير وَلاَ الظلمات وَلاَ النور وَلاَ الظل وَلاَ الحرور وَمَا يَسْتَوِي الأحيآء وَلاَ الأموات } وقوله : { كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أى : مثل ذلك التزيين الذى تضمنته الآية - وهو تزيين نور الهدى للمؤمنين وظلمات الشرك للضالين قد زين للكافرين ما كانوا يعملونه من الآثام كعداوة النبى صلى الله عليه وسلم وذبح القرابين لغير الله - تعالى - وتحليل الحرام ، وتحريم الحلال وغير ذلك من المنكرات .وجمهور المفسرين يرون أن المثل فى الآية عام لكل مؤمن وكل كافر وقيل إن المراد بمن أحياه الله وهداه عمر بن الخطاب ، والمراد بمن بقى فى الظلمات ليس بخارج منها عمرو بن هشام ، فقد أخرج ابن أبى الشيخ أن الآية نزلت فيهما ، وقيل نزلت فى عمار بن ياسر وأبى جهل ، وقيل فى حمزة وأبى جهل .والذى نراه أن الآية عامة فى كل من هداه الله إلى الإيمان بعد أن كان كافراً ، وفى كل من بقى على ضلاله مؤثراً الكفر على الإيمان ويدخل فى ذلك هؤلاء المذكورون دخولا أوليا .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المشركين يجادلون المؤمنين في دين الله ذكر مثلاً يدل على حال المؤمن المهتدي، وعلى حال الكافر الضال، فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتاً، فجعل حياً بعد ذلك وأعطى نوراً يهتدى به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في ظلمات منغمس فيها لا خلاص له منها، فيكون متحيراً على الدوام.
ثم قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ زُيّنَ للكافرين مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وعند هذا عادت مسألة الجبر والقدر فقال أصحابنا: ذلك المزين هو الله تعالى، ودليله ما سبق ذكره من أن الفعل يتوقف على حصول الداعي وحصوله لابد وأن يكون بخلق الله تعالى، والداعي عبارة عن علم أو اعتقاد أو ظن باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد وصلاح راجح، فهذا الداعي لا معنى له إلا هذا التزيين، فإذا كان موجد هذا الداعي هو الله تعالى كان المزين لا محالة هو الله تعالى، وقالت المعتزلة: ذلك المزين هو الشيطان، وحكوا عن الحسن أنه قال: زينه لهم والله الشيطان.
واعلم أن هذا في غاية الضعف لوجوه: الأول: الدليل القاطع الذي ذكرناه.
والثاني: أن هذا المثل مذكور ليميز الله حال المسلم من الكافر فيدخل فيه الشيطان فإن كان إقدام ذلك الشيطان على ذلك الكفر لشيطان آخر، لزم الذهاب إلى مزين آخر غير النهاية وإلا فلابد من مزين آخر سوى الشيطان.
الثالث: أنه تعالى صرح بأن ذلك المزين ليس إلا هو فيما قبل هذه الآية وما بعدها، أما قبلها فقوله: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ وأما بعد هذه الآية فقوله: ﴿ وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا ﴾ .
المسألة الثانية: قوله: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه ﴾ قرأ نافع ﴿ مَيْتًا ﴾ مشدداً، والباقون مخففاً قال أهل اللغة: الميت مخففاً تخفيف ميت، ومعناهما واحد ثقل أو خفف.
المسألة الثالثة: قال أهل المعاني: قد وصف الكفار بأنهم أموات في قوله: ﴿ أموات غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ وأيضاً في قوله: ﴿ لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً ﴾ وفي قوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى ﴾ وفي قوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِى الأعمى والبصير...
وَمَا يَسْتَوِى الأحياء وَلاَ الأموات ﴾ فلما جعل الكفر موتاً والكافر ميتاً، جعل الهدى حياة والمهتدي حياً، وإنما جعل الكفر موتاً لأنه جهل، والجهل يوجب الحيرة والوقفة، فهو كالموت الذي يوجب السكون، وأيضاً الميت لا يهتدي إلى شيء، والجاهل كذلك، والهدى علم وبصر، والعلم والبصر سبب لحصول الرشد والفوز بالنجاة، وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي الناس ﴾ عطف على قوله: ﴿ فأحييناه ﴾ فوجب أن يكون هذا النور مغايراً لتلك الحياة والذي يخطر بالبال والعلم عند الله تعالى أن الأرواح البشرية لها أربع مراتب في المعرفة.
فأولها: كونها مستعدة لقبول هذه المعارف وذلك الاستعداد الأصلي يختلف في الأرواح، فربما كانت الروح موصوفة باستعداد كامل قوي شريف، وربما كان ذلك الاستعداد قليلاً ضعيفاً، ويكون صاحبه بليداً ناقصاً.
والمرتبة الثانية: أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية، وهي المسماة بالعقل.
والمرتبة الثالثة: أن يحاول ذلك الإنسان تركيب تلك البديهيات: ويتوصل بتركيبها إلى تعرف المجهولات الكسبية، إلا أن تلك المعارف ربما لا تكون حاضرة بالفعل، ولكنها تكون بحيث متى شاء صاحبها استرجاعها واستحضارها، يقدر عليه.
والمرتبة الرابعة: أن تكون تلك المعارف القدسية والجلايا الروحانية حاضرة بالفعل، ويكون جوهر ذلك الروح مشرقاً بتلك المعارف مستضيئاً بها مستكملاً بظهورها فيه.
إذا عرفت هذا فنقول: المرتبة الأولى: وهي حصول الاستعداد فقط، هي المسماة بالموت.
والمرتبة الثانية: وهي أن تحصل العلوم البديهية الكلية فيه فهي المشار إليها بقوله: ﴿ فأحييناه ﴾ .
والمرتبة الثالثة: وهي تركيب البديهيات حتى يتوصل بتركيباتها إلى تعرف المجهولات النظرية، فهي المراد من قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا ﴾ .
والمرتبة الرابعة: وهي قوله: ﴿ يَمْشِي بِهِ فِي الناس ﴾ إشارة إلى كونه مستحضراً لتلك الجلايا القدسية ناظراً إليها، وعند هذا تتم درجات سعادات النفس الإنسانية، ويمكن أن يقال أيضاً الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح، والنور عبارة عن إيصال نور الوحي والتنزيل به.
فإنه لابد في الإبصار من أمرين: من سلامة الحاسة، ومن طلوع الشمس، فكذلك البصيرة لابد فيها من أمرين: من سلامة حاسة العقل، ومن طلوع نور الوحي والتنزيل، فلهذا السبب قال المفسرون: المراد بهذا النور، القرآن.
ومنهم من قال: هو نور الدين، ومنهم من قال: هو نور الحكمة، والأقوال بأسرها متقاربة، والتحقيق ما ذكرناه.
وأما مثل الكافر ﴿ فَهُوَ كَمَنْ فِي الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا ﴾ وفي قوله: ﴿ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا ﴾ دقيقة عقلية، وهي أن الشيء إذا دام حصوله مع الشيء صار كالأمر الذاتي والصفة اللازمة له.
فإذا دام كون الكافر في ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت تلك الظلمات كالصفة الذاتية اللازمة له يعسر إزالتها عنه، نعوذ بالله من هذه الحالة.
وأيضاً الواقف في الظلمات يبقى متحيراً لا يهتدي إلى وجه صلاحه فيستولي عليه الخوف والفزع، والعجز والوقوف.
المسألة الرابعة: اختلفوا في أن هذين المثلين المذكورين هل هما مخصوصان بإنسانين معينين أو عامان في كل مؤمن وكافر.
فيه قولان: الأول: أنه خاص بإنسانين على التعيين، ثم فيه وجوه: الأول: قال ابن عباس: إن أبا جهل رمى النبي صلى الله عليه وسلم بفرث وحمزة يومئذ لم يؤمن، فأخبر حمزة بذلك عند قدومه من صيد له والقوس بيده، فعمد إلى أبي جهل وتوخاه بالقوس، وجعل يضرب رأسه، فقال له أبو جهل: أما ترى ما جاء به؟
سفه عقولنا، وسب آلهتنا، فقال حمزة: أنتم أسفه الناس، تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، فنزلت هذه الآية.
والرواية الثانية: قال مقاتل: نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل وذلك أنه قال: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف، حتى إذا صرنا كفرسى رهان، قالوا منا نبي يوحى إليه.
والله لا نؤمن به، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت هذه الآية.
والرواية الثالثة: قال عكرمة والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل.
والرواية الرابعة: قال الضحاك: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل.
والقول الثاني: إن هذه الآية عامة في حق جميع المؤمنين والكافرين، وهذا هو الحق، لأن المعنى إذا كان حاصلاً في الكل، كان التخصيص محض التحكم، وأيضاً قد ذكرنا أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، فالقول بأن سبب نزول هذه الآية المعينة، كذا وكذا مشكل، إلا إذا قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن مراد الله تعالى من هذه الآية العامة، فلان بعينه».
المسألة الخامسة: هذه الآية من أقوى الدلائل أيضاً على أن الكفر والإيمان من الله تعالى، لأن قوله: ﴿ فأحييناه ﴾ وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي الناس ﴾ قد بينا أنه كناية عن المعرفة والهدى، وذلك يدل على أن كل هذه الأمور إنما تحصل من الله تعالى وبإذنه، والدلائل العقلية ساعدت على صحته، وهو دليل الداعي على ما لخصناه، وأيضاً أن عاقلاً لا يختار الجهل والكفر لنفسه، فمن المحال أن يختار الإنسان جعل نفسه جاهلاً كافراً، فلما قصد تحصيل الإيمان والمعرفة، ولم يحصل ذلك، وإنما حصل ضده وهو الكفر والجهل، علمنا أن ذلك حصل بإيجاد غيره.
فإن قالوا إنما اختاره لاعتقاده في ذلك الجهل أنه علم.
قلنا: فحاصل هذا الكلام أنه إنما اختار هذا الجهل لسابقة جهل آخر، فإن كان الكلام في ذلك الجهل السابق كما في المسبوق لزم الذهاب إلى غير النهاية، وإلا فوجب الانتهاء إلى جهل يحصل فيه لإيجاده وتكوينه، وهو المطلوب.
<div class="verse-tafsir"
مثل الذي هداه الله بعد الضلالة ومنحه التوفيق لليقين الذي يميز به بين المحق والمبطل والمهتدي والضال، بمن كان ميتاً فأحياه الله وجعل له نوراً يمشي به في الناس مستضيئاً به، فيميز بعضهم من بعض، ويفصل بين حلاهم ومن بقي على الضلالة بالخابط في الظلمات لا ينفك منها ولا يتخلص ومعنى قوله: ﴿ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا ﴾ كمن صفته هذه وهي قوله: ﴿ فِى الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا ﴾ بمعنى: هو في الظلمات ليس بخارج منها، كقوله تعالى: ﴿ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون فِيهَا أَنْهَارٌ ﴾ [محمد: 15] أي صفتها هذه، وهي قوله: ﴿ فِيهَا أَنْهَارٌ ﴾ .
﴿ زُيّنَ للكافرين ﴾ أي زينه الشيطان، أو الله عزّ وعلا على قوله: ﴿ زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم ﴾ [النمل: 4] ويدل عليه قوله: ﴿ وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا ﴾ يعني: وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها لذلك.
ومعناه: خليناهم ليمكروا وما كففناهم عن المكر، وخصّ الأكابر لأنهم هم الحاملون على الضلال والماكرون بالناس، كقوله: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ [الإسراء: 16] وقرئ: ﴿ أكبر مجرميها ﴾ على قولك: هم أكبر قومهم، وأكابر قومهم ﴿ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ ﴾ لأنّ مكرهم يحيق بهم.
وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتقديم موعد بالنصرة عليهم.
روي أن الوليد بن المغيرة قال: لو كانت النبوة حقاً لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً.
وروي: أن أبا جهل قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف، حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبيّ يوحى إليه، والله لا نرضى به ولا نتبعه أبداً إلاّ أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت ونحوها قوله تعالى: ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرئ مّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُنَشَّرَة ﴾ [المدثر: 52] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ ﴾ مَثَّلَ بِهِ مَن هَداهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنْقَذَهُ مِنَ الضَّلالِ وجَعَلَ لَهُ نُورَ الحُجَجِ والآياتِ يَتَأمَّلُ بِها في الأشْياءِ، فَيُمَيِّزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والمُحِقِّ والمُبْطِلِ.
وَقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ مَيْتًا عَلى الأصْلِ.
﴿ كَمَن مَثَلُهُ ﴾ صِفَتُهُ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ.
﴿ فِي الظُّلُماتِ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ لا مِنَ الهاءِ في مَثَلُهُ لِلْفَصْلِ، وهو مَثَلٌ لِمَن بَقِيَ عَلى الضَّلالَةِ لا يُفارِقُها بِحالٍ.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ كَما زُيِّنَ لِلْمُؤْمِنِينَ إيمانُهم ﴿ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ والآيَةُ نَزَلَتْ في حَمْزَةَ وأبِي جَهْلٍ وقِيلَ في عُمَرَ أوْ عَمّارٍ وأبِي جَهْلٍ.
<div class="verse-tafsir"
{أو من كان ميتا فأحييناه} أى كافرا فهديناه لأن الإيمان حيات القلوب مَيْتًا مدني {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي به في الناس} مستضيا به والمراد به اليقين {كَمَن مَّثَلُهُ} أي صفته {فِي الظلمات} أي خابط فيها {لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا} لا يفارقها ولا يتخلص منها وهو حال قيل المراد بهما حمزة وأبو جهل والأصح أن الآية عامة لكل من هداه الله ولكل من أضله الله فبين أن مثل المهتدي مثل الميت الذي أحيي وجعل مستضيّئاً يمشي في الناس بنور الحكمة والإيمان ومثل الكافر مثل من هو في الظمات التى لا يتخلص منها {كذلك} كما زين للمؤمن إيمانه {زُيّنَ للكافرين} بتزيين الله تعالى كقوله زينا لهم أعمالهم {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي أعمالهم
﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ ﴾ تَمْثِيلٌ مَسُوقٌ لِتَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنْ طاعَةِ المُشْرِكِينَ إثْرَ تَحْذِيرِهِمْ عَنْها بِالإشارَةِ إلى أنَّهم مُسْتَضِيئُونَ بِأنْوارِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ والمُشْرِكُونَ غارِقُونَ في ظُلُماتِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ طاعَتُهم لَهُ فالآيَةُ كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ ﴾ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والَوْاوُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى مِثْلِها الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ أنْتُمْ مِثْلُهم ومَن كانَ مَيْتًا فَأعْطَيْناهُ الحَياةَ ﴿ وجَعَلْنا لَهُ ﴾ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الخارِجِ ﴿ نُورًا ﴾ عَظِيمًا ﴿ يَمْشِي بِهِ ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ ﴿ فِي النّاسِ ﴾ أيْ فِيما بَيْنَهم آمِنًا مِن جِهَتِهِمْ والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَصْنَعُ بِذَلِكَ النُّورِ فَقِيلَ يَمْشِي ..
إلَخْ.
أوْ صِفَةٌ لَهُ ومَنِ اسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ صِلَتُهُ والخَبَرُ مُتَعَلِّقُ الجارِّ والمَجْرُورِفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَن مَثَلُهُ ﴾ أيْ صِفَتُهُ العَجِيبَةُ ومَن فِيهِ اسْمٌ مَوْصُولٌ أيْضًا و( مَثَلُهُ ) مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ فِي الظُّلُماتِ ﴾ خَبَرُ هو مَحْذُوفٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِ في الظَّرْفِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ أعْنِي ( مَثَلُهُ ) عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ بِمَعْنى إذا وُصِفَ يُقالُ لَهُ ذَلِكَ وجُمْلَةُ ( مَثَلُهُ ) مَعَ خَبَرِهِ صِلَةُ المَوْصُولِ.
وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ مِنَ المَوْضِعَيْنِ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً ولَمْ يُجَوَّزْ أنْ يَكُونَ ﴿ فِي الظُّلُماتِ ﴾ خَبَرًا عَنْ ( مَثَلُهُ ) لِأنَّ الظُّلُماتِ لَيْسَ ظَرْفًا لِلْمَثَلِ وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ كَأبِي البَقاءِ أنَّ ( في الظُّلَماتِ ) هو الخَبَرُ ولَيْسَ هُناكَ هو مُقَدَّرًا ولا يَلْزَمُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ حَدِيثُ الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ المُرادَ أنْ مَثَلَهُ هو كَوْنُهُ في الظُّلُماتِ والمَقْصُودُ الحِكايَةُ نَعَمْ ما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى لِأنَّ خَبَرَ ( مَثَلُهُ ) لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً تامَّةً والظَّرْفُ بِغَيْرِ فاعِلٍ ظاهِرٍ لا يُؤَدِّي مُؤَدّى ذَلِكَ.
وجُوِّزَ كَوْنُ جُمْلَةِ ﴿ لَيْسَ بِخارِجٍ ﴾ حالًا مِنَ الهاءِ في ( مَثَلُهُ ) ومَنَعَهُ أبُو البَقاءِ لِلْفَصْلِ قِيلَ: ولِضَعْفِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ ( مَيِّتًا ) بِالتَّشْدِيدِ وهو أصْلٌ لِلْمُخَفَّفِ والمَحْذُوفُمِنَ الياءَيْنِ الثّانِيَةِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الواوِ أُعِلَّتْ بِالحَذْفِ كَما أُعِلَّتْ بِالقَلْبِ ولا فَرْقَ بَيْنَهُما عِنْدَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ إنَّ هَذا الأخِيرَ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مَثَلُ ما أُرِيدَ بِهِ مَن بَقِيَ في الضَّلالَةِ بِحَيْثُ لا يُفارِقُها أصْلًا كَما أنَّ الأوَّلَ مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى فِطْرَةِ الإسْلامِ وهَداهُ بِالآياتِ البَيِّناتِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ يَسْلُكُهُ كَيْفَ شاءَ لَكِنْ لا عَلى أنْ يَدُلَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَعانِي بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الألْفاظِ الوارِدَةِ في المَثَلَيْنِ بِواسِطَةِ تَشْبِيهٍ بِما يُناسِبُهُ مِن مَعانِيها فَإنَّ ألْفاظَ المَثَلِ باقِيَةٌ عَلى مَعانِيها الأصْلِيَّةِ بَلْ عَلى أنَّهُ قَدِ انْتُزِعَتْ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ المُعْتَبَرَةِ في كُلِّ واحِدٍ مِن جانِبِ المَثَلَيْنِ هَيْئَةٌ عَلى حِدَةٍ ومِنَ الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ المَذْكُورَةِ في كُلِّ واحِدٍ مِن جانِبِ المَثَلَيْنِ هَيْئَةٌ عَلى حِدَةٍ فَشُبِّهَتْ بِهِما الأُولَيانِ ونَزَلَتا مَنزِلَتَهُما فاسْتُعْمِلَ فِيهِما ما يَدُلُّ عَلى الأخِيرَتَيْنِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ إلى آخِرِ ما قالَ ونَصَّ القُطْبُ الرّازِيُّ عَلى أنَّهُما تَمْثِيلانِ لا اسْتِعارَتانِ ورُدَّ كَما قالَ الشِّهابُ بِأنَّ الظّاهِرَ بِأنَّ مَن كانَ مَيْتًا ومَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ إذْ لا ذِكْرَ لِلْمُشَبَّهِ صَرِيحًا ولا دَلالَةَ بِحَيْثُ يُنافِي الِاسْتِعارَةَ والِاسْتِعارَةُ الأُولى بِجُمْلَتِها مُشَبَّهَةٌ والثّانِيَةُ مُشَبَّهٌ بِهِ وهَذا كَما تَقُولُ في الِاسْتِعارَةِ الإفْرادِيَّةِ أيَكُونُ الأسَدُ كالثَّعْلَبِ أيِ الشُّجاعُ كالجَبانِ وهو مِن بَدِيعِ المَعانِي الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَنَبَّهَ لَهُ ويُحْفَظَ والتَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِالمَيِّتِ الكافِرُ الضّالُّ وبِالأحْياءِ الهِدايَةُ وبِالنُّورِ القُرْآنُ وبِالظُّلُماتِ الكُفْرُ والضَّلالَةُ والآيَةُ عَلى ما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهُوَ المُرادُ بِمَن أحْياهُ اللَّهُ تَعالى وهَداهُ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى وهو المُرادُ بِمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ مِثْلُ ذَلِكَ.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها في حَمْزَةَ وأبِي جَهْلٍ وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأبِي جَهْلٍ وأيًّا ما كانَ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مَنِ انْقادَ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومَن بَقِيَ عَلى ضَلالِهِ وعُتُوِّهِ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى التَّزْيِينِ المَذْكُورِ عَلى طُرُزِ ما قُرِّرَ في أمْثالِهِ أوْ إشارَةٌ إلى إيحاءِ الشَّياطِينِ إلى أوْلِيائِهِمْ أوْ إلى تَزْيِينِ الإيمانِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ زُيِّنَ ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى خُلُقًا أوْ مِن جِهَةِ الشَّياطِينِ وسْوَسَةً ﴿ لِلْكافِرِينَ ﴾ كَأبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ ﴿ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (122) أيْ ما اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ.
<div class="verse-tafsir"
أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ يعني: من كان ضالاً كافراً فهديناه إلى الإسلام والتوحيد وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ يعني: أكرمناه بالمعرفة.
ويقال: جعلنا له إيماناً يهتدي به سبيل الخيرات، والنجاة يمشي به فى الناس يعني: مع المؤمنين.
ويقال: أعطيناه نوراً يوم القيامة يمشي به على الصراط مع المؤمنين.
لا يكن حاله كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ يعني: كمن قدر عليه الكفر ونزل في الكفر مخذولاً لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها يعني: ليس براجع منها.
يعني: ليسا بسواء.
قال الكلبي: نزلت في عمار بن ياسر يعني ليس حاله بحال الكفار.
وقال مقاتل: يعني به النبيّ ليس مثل أبي جهل بن هشام الذي بقي في الكفر.
ويقال: يعني جميع المؤمنين ليس حالهم كحال الكفار.
قرأ نافع أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد.
ثم قال: كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: هكذا نعاقب من اختار الكفر على الإيمان فنختم على قلبه مجازاة لكفره.
ثم قال: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها يعني جعلنا مجرميها أكابرها وجبابرتها كما جعلنا في أهل مكة وهذا معطوف على ما قبله أي مثل ذلك جعلنا في كل قرية كما زين للكافرين لِيَمْكُرُوا فِيها يعني: ليتكبروا فيها ويكذبوا رسلهم وَما يَمْكُرُونَ يعني: وما يصنعون ذلك إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ يعني: إلا على أنفسهم وَما يَشْعُرُونَ أن ذلك على أنفسهم.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
فَارِس «١» ، وذلك أنهم كانوا يوالُونَ قُرَيْشاً على عداوة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ من قريش لِيُجادِلُوكُمْ بقولهم: تأكلون ما قَتَلْتُمْ ولا تأكلون ما قَتَلَ اللَّه فذلك من مخاطبتهمْ هو الوحْيُ، والأولياء هم قريشٌ، وقال ابن زَيْد وعبد اللَّه بن كثير: بل الشياطينِ الجِنُّ، واللفظة على وجْهها، وأولياؤهم: كَفَرة قريش، ووحْيُهم بالوسوسة، وعلى ألسنة الكُهَّان.
ثم نهى سبحانه عن طاعتهم بلفظ يتضمَّن الوعيدَ وعرض أصعب مثالٍ في أن يشبه المؤمن بالمُشْرك، قال ابن العربيِّ «٢» : قوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ، سمَّى اللَّه تعالى ما يقع في القلوبِ من الإلهام وحياً/، وهذا مما يطلقه شيوخُ المتصوِّفة، وينكره جُهَّال المتوسِّمين بالعلْمِ، ولم يعلموا أن الوحْيَ على ثمانيةِ أقسامٍ، وأن إطلاقه في جميعها جائزٌ في دِينِ اللَّه.
انتهى من «أحكام القرآن» .
وقوله سبحانه: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ، لما تقدَّم ذكْر المؤمنين، وذكْر الكافرين، مثَّل سبحانه في الطائفتين بأنْ شَبَّه الذين آمنوا بَعْد كفرهم بأمواتٍ أُحْيُوا، هذا معنى قول ابن عباس «٣» ومجاهد وغيرهما، وشَبَّه الكافرين وحَيْرَةَ جهلهم بقَوْمٍ في ظلمات يتردَّدون فيها، ولا يمكنهم الخروجُ منها ليبيِّن عزَّ وجلَّ الفرق بيْنَ الطائفتَيْن، والبَوْن «٤» بين المنزلتين، ونُوراً أمكن ما يعني به الإيمان، قيل: ويحتمل أن يراد به النُّور الذي يُؤْتَاهُ المؤمن يوم القيامة، وجَعَلْنا في هذه الآية: بمعنى صيّرنا، فهي تتعدّى إلى
مفعولَيْن، الأول: مُجْرِمِيها، والثاني: أَكابِرَ، وفي الكلام على هذا: تقديمٌ وتأخير، وتقديره: وكذلك جعلنا في كلِّ قريةٍ مجرميها أَكَابِرَ، وقدَّم الأهمَّ إذ لعلَّة كِبْرهم أجرموا، ويصح أن يكون المفعولُ الأول: «أكابر» ، و «مجرميها» «١» مضافٌ، والمفعولُ الثاني: في قوله: فِي كُلِّ قَرْيَةٍ، ولِيَمْكُرُوا: نصب بلامِ الصيرورةِ والأكابر: جمع أكْبَر كما الأفاضلُ جمع أفْضَل، قال الفَخْر «٢» : وإنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ، وأبِي جَهْلٍ، وذَلِكَ «أنَّ أبا جَهْلٍ رَمى رَسُولَ اللَّهِ بِفَرْثٍ، وحَمْزَةُ لَمْ يُؤْمِن بَعْدُ، فَأُخْبِرَ حَمْزَةُ بِما فَعَلَ أبُو جَهْلٍ، فَأقْبَلَ حَتّى عَلا أبا جَهْلٍ بِالقَوْسِ، فَقالَ لَهُ: أما تَرى ما جاءَ بِهِ؟
سَفَهُ عُقُولِنا، وسَبُّ آَلِهَتِنا، فَقالَ حَمْزَةُ: ومَن أسْفَهُ مِنكم، تَعْبُدُونَ الحِجارَةَ مِن دُونِ اللَّهِ؟
أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وأبِي جَهْلٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: في عُمْرَ بْنِ الخَطّابِ، وأبِي جَهْلٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: في النَّبِيِّ ، وأبِي جَهْلٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والخامِسُ: أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، قالَهُ الحَسَنُ في آَخَرِينَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ ضالًّا فَهَدَيْناهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: كانَ جاهِلًا، فَعَلَّمْناهُ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
وقَرَأ نافِعٌ: "مَيْتًا" بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَيْتَةُ، مُخَفَّفَةٌ: مِن مِيتَةٍ، والمَعْنى واحِدٌ.
وفي "النُّورِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الهُدى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: القُرْآَنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: العِلْمُ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ يَمْشِي بِهِ في النّاسِ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَهْتَدِي بِهِ في النّاسِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: يَمْشِي بِهِ بَيْنَ النّاسِ إلى الجَنَّةِ.
والثّالِثُ: يَنْشُرُ بِهِ دِينَهُ في النّاسِ، فَيَصِيرُ كالماشِي، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمَن مَثَلُهُ ﴾ المَثَلُ: صِلَةٌ؛ والمَعْنى كَمَن هو في الظُّلُماتِ.
وقِيلَ: المَعْنى: كَمَنَ لَوْ شُبِّهَ بِشَيْءٍ، كانَ شَبِيهُهُ مَن في الظُّلُماتِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالظُّلُماتِ هاهُنا: الكُفْرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ ﴾ أيْ: كَما بَقِيَ هَذا في ظُلُماتِهِ لا يَتَخَلَّصُ مِنها، كَذَلِكَ زُيِّنَ "لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ" مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في الناسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ ﴾ تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ السالِفَةِ ذِكْرُ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ أُمِرُوا بِتَرْكِ ظاهِرِ الإثْمِ وباطِنِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وذِكْرُ قَوْمٍ كافِرِينَ يَضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَمَثَّلَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - في الطائِفَتَيْنِ؛ بِأنْ شَبَّهَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ كُفْرِهِمْ بِأمْواتٍ أُحْيُوا؛ هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ ومُجاهِدٍ ؛ وغَيْرِهِما؛ وشَبَّهَ الكافِرِينَ وحَيْرَةَ جَهْلِهِمْ بِقَوْمٍ في ظُلُماتٍ يَتَرَدَّدُونَ فِيها ولا يُمْكِنُهُمُ الخُرُوجُ مِنها؛ لِيُبَيِّنَ - عَزَّ وجَلَّ - الفارِقَ بَيْنَ الطائِفَتَيْنِ؛ والبَوْنَ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أوَمَن"؛ بِفَتْحِ الواوِ؛ فَهي ألِفُ اسْتِفْهامٍ؛ دَخَلَتْ عَلى واوِ عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"مَن"؛ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أفَمَن"؛ بِالفاءِ؛ والمَعْنى قَرِيبٌ مِن مَعْنى الواوِ؛ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَأحْيَيْناهُ"؛ ﴾ عاطِفَةٌ؛ و ﴿ "نُورًا"؛ ﴾ أمْكَنُ ما يُعْنى بِهِ: اَلْإيمانُ؛ و ﴿ "يَمْشِي بِهِ"؛ ﴾ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ التَصَرُّفِ في الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ النُورُ الَّذِي يُؤْتاهُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ و ﴿ "فِي الناسِ"؛ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَمْشِي"؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "كانَ مَيْتًا"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "كَمَن مَثَلُهُ"؛ ﴾ بِمَنزِلَةِ: "كَمَن هُوَ"؛ والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ ﴾ ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ يَدُلُّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلَيْهِ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَما أحْيَيْنا المُؤْمِنِينَ وجَعَلْنا لَهم نُورًا؛ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ..."؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى "كَمَن مَثَلُهُ"؛ أيْ: "كَهَذِهِ الحالِ هو التَزْيِينُ".
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "مَيِّتًا"؛ بِكَسْرِ الياءِ؛ وشَدِّها؛ وقَرَأ الباقُونَ: "مَيْتًا"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: اَلتَّخْفِيفُ كالتَشْدِيدِ؛ والياءُ المَحْذُوفَةُ هي الثانِيَةُ المُنْقَلِبَةُ عن واوٍ؛ أُعِلَّتْ بِالحَذْفِ؛ كَما أُعِلَّتْ بِالقَلْبِ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الَّتِي مُثِّلَ بِها؛ وإنْ كانَتْ تَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وكُلَّ كافِرٍ؛ فَإنَّما نَزَلَتْ في مَخْصُوصِينَ؛ فَقالَ الضَحّاكُ: اَلْمُؤْمِنُ الَّذِي كانَ مَيْتًا فَأُحْيِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وقالَ الزَجّاجُ: جاءَ في التَفْسِيرِ أنَّهُ يَعْنِي بِهِ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واتَّفَقُوا عَلى أنَّ الَّذِي في الظُلُماتِ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ ؛ وإلى حالِهِ وحالِ أمْثالِهِ هي الإشارَةُ؛ والتَشْبِيهُ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ ﴾ ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ إنْذارًا بِفَسادِ حالِ الكَفَرَةِ؛ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى حالِ مَن تَقَدَّمَهم مِن نَظائِرِهِمْ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُسْتَهْزِئِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يَعْنِي أنَّ التَمْثِيلَ لَهُمْ؛ و"جَعَلْنا"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ بِمَعْنى "صَيَّرْنا"؛ فَهي تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ فالمَفْعُولُ الأوَّلُ: ﴿ "مُجْرِمِيها"؛ ﴾ والثانِي: "أكابِرَ"؛ وفي الكَلامِ - عَلى هَذا - تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ مُجْرِمِيها أكابِرَ"؛ وقَدَّمَ الأهَمَّ؛ إذْ لِعِلَّةِ كِبَرِهِمْ أجْرَمُوا؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ: "أكابِرَ"؛ و"مُجْرِمِيها"؛ مُضافًا؛ والمَفْعُولُ الثانِي قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ ﴾ ؛ و"لِيَمْكُرُوا"؛ نُصِبَ بِلامِ الصَيْرُورَةِ.
والأكابِرُ جَمْعُ "أكْبَرُ"؛ كَما "اَلْأفاضِلُ"؛ جَمْعُ "أفْضَلُ"؛ ويُقالُ: "أكابِرَةٌ"؛ كَما يُقالُ: "أحْمَرُ"؛ و"أحامِرَةٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ الأحامِرَةَ الثَلاثَةَ أتْلَفَتْ ∗∗∗ مالِي وكُنْتُ بِهِنَّ قِدْمًا مُولَعا يُرِيدُ: اَلْخَمْرَ؛ واللَحْمَ؛ والزَعْفَرانَ؛ و"اَلْمَكْرُ": اَلتَّحَيُّلُ بِالباطِلِ؛ والخَدِيعَةُ؛ ونَحْوُهُما؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ ﴾ ؛ يُرِيدُ: لِرُجُوعِ وبالِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ "وَما يَشْعُرُونَ"؛ أيْ: ما يَعْلَمُونَ؛ وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشِعارِ؛ وهو الشَيْءُ الَّذِي يَلِي البَدَنَ؛ فَكَأنَّ الَّذِي لا يَشْعُرُ نُفِيَ عنهُ أنْ يَعْلَمَ عِلْمَ حِسٍّ؛ وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في صِفَةِ جَهْلِهِ؛ إذِ البَهائِمُ تَعْلَمُ عُلُومَ الحِسِّ؛ وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّما نُفِيَ فِيها الشُعُورُ في نازِلَةٍ مَخْصُوصَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
الواو في قوله: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ عاطفة لجملة الاستفهام على جملة: ﴿ وإن أطعتموهم إنَّكم لمشركون ﴾ [الأنعام: 121] لتضمّن قوله: ﴿ وإن أطعتموهم ﴾ أنّ المجادلة، المذكورة من قَبْلُ، مجادلة في الدّين: بتحسين أحوال أهل الشّرك وتقبيح أحكام الإسلام الّتي منها: تحريم الميتة، وتحريم ما ذُكر اسم غير الله عليه.
فلمّا حَذر الله المسلمين من دسائس أولياء الشّياطين ومجادلتهم بقوله: ﴿ وإن أطعتموهم إنَّكم لمشركون ﴾ [الأنعام: 121] أعقَب ذلك بتفظيع حال المشركين، ووصَفَ حسن حالة المسلمين حين فارقوا الشّرك، فجاء بتمثيلين للحالتين، ونفَى مساواة إحداهما للأخرى: تنبيها على سوء أحوال أهل الشّرك وحسننِ حال أهل الإسلام.
والهمزة للاستفهام المستعمل في إنكار تَماثل الحالتين: فالحالة الأولى: حالة الّذين أسلموا بعد أن كانوا مشركين، وهي المشبّهة بحال مَن كان ميّتاً مودَعاً في ظلمات، فصار حيّاً في نورٍ واضححٍ، وسار في الطّريق الموصّلة للمطلوب بين النّاس، والحالة الثّانية: حالةُ المشرك وهي المشبّهة بحالة من هو في الظلمات ليس بخارج منها، لأنَّه في ظلمات.
وفي الكلام إيجازُ حذففٍ، في ثلاثة مواضع، استغناء بالمذكور عن المحذوف: فقوله: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ معناه: أَحَال مَن كان ميّتاً، أو صِفة مَن كان ميّتاً.
وقوله: ﴿ وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس ﴾ يدلّ على أنّ المشبّه به حال مَن كان ميّتاً في ظُلمات.
وقوله: كمن مثله في الظلمات تقديره: كمن مثله مثَل ميّت فما صدْق (مَن) ميّت بدليل مقابلته بميّت في الحالة المشبّهة، فيعلم أنّ جزء الهيئة المشبّهة هو الميّت لأنّ المشبّه والمشبّه به سواء في الحالة الأصليّة وهي حالة كون الفريقين مشركين.
ولفظ (مثَل) بمعنى حالة.
ونفيُ المشابهة هنا معناه نفي المساواة، ونفي المساواة كناية عن تفضيل إحدى الحالتين على الأخرى تفضيلاً لا يلتبس، فذلك معنى نفي المشابهة كقوله: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظّلمات والنّور ﴾ [الرعد: 16] وقوله ﴿ أفمَن كان مؤمناً كَمَن كان فاسقاً لا يستوون ﴾ [السجدة: 18].
والكاف في قوله: ﴿ كمن مثله في الظلمات ﴾ كاف التّشبيه، وهو تشبيه منفي بالاستفهام الإنكاري.
والكلام جار على طريقة تمثيل حال من أسْلَم وتخلَّص من الشرك بحال من كان ميّتا فأُحْيِي، وتمثيللِ حال من هو باق في الشرك بحال ميت باق في قبره.
فتضمّنت جملة: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ إلى آخرها تمثيل الحالة الأولى، وجملة: ﴿ كمن مثله في الظلمات ﴾ الخ تمثيلَ الحالة الثّانية، فهما حالتان مشبّهتان، وحالتان مشبَّهٌ بهما، وحصل بذكر كاف التّشبيه وهمزة الاستفهام الإنكاري أنّ معنى الكلام نفي المشابهة بين من أسلم وبين من بَقي في الشرك.
كما حصل من مجموع الجملتين: أنّ في نظم الكلام تشبيهين مركَّبين.
ولكنّ وجودَ كاف التّشبيه في قوله: ﴿ كمن مثله ﴾ مع عدم التّصريح بذكر المشبَّهَيْن في التّركيبين أثارَا شُبهة: في اعتبار هذين التّشبيهين أهو من قبيل التّشبيه التّمثيلي، أم من قبيل الاستعارة التّمثيلية؛ فنحا القطب الرّازي في «شرح الكشاف» القبيلَ الأول، ونحا التفتزاني القبيلَ الثّاني، والأظهر ما نحاه التفتزاني: أنَّهما استعارتان تمثيليتان، وأمّا كاف التّشبيه فهو متوجّه إلى المشابهة المنفيّة في مجموع الجملتين لا إلى مشابهة الحالين بالحالين، فمورد كاف التّشبيه غير مورد تمثيل الحالين.
وبين الاعتبارين بون خفي.
والمراد: ب ﴿ الظّلمات ﴾ ظلمةُ القبر لمناسبته للميِّت، وبقرينة ظاهر ﴿ في ﴾ من حقيقة الظرفية وظاهر حقيقة فعل الخروج.
ولقد جاء التّشبيه بديعاً: إذ جعل حال المسلم، بعد أن صار إلى الإسلام، بحال من كان عديم الخير، عديم الإفادة كالميّت، فإنّ الشرك يحول دون التّمييز بين الحقّ والباطل، ويصرف صاحبه عن السّعي إلى ما فيه خيره ونجاته، وهو في ظلمة لو أفاق لم يعرف أين ينصرف، فإذا هداه الله إلى الإسلام تغيرّ حاله فصار يميّز بين الحقّ والباطل، ويعلم الصّالح من الفاسد، فصار كالحي وصار يسعى إلى ما فيه الصّلاح، ويتنكّب عن سبيل الفساد، فصار في نور يمشي به في النّاس.
وقد تبيّن بهذا التّمثيل تفضيل أهل استقامة العقول على أضدادِهم.
والباء في قوله: ﴿ يمشي به ﴾ باء السّببيّة.
والنّاس المصرح به في الهيئة المشبه بها هم الأحياء الّذين لا يخلو عنهم المجتمع الإنساني.
والنّاس المقدّر في الهيئة المشبهة هم رفقاء المسلم من المسلمين.
وقد جاء المركب التّمثيلي تاماً صالحاً لاعتبار تشبيه الهيئة بالهيئة، ولاعتبار تشبيه كلّ جزء من أجزاء الهيئة المشبّهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبّهِ بها، كما قد علمته وذلك أعلى التّمثيل.
وجملة: ﴿ ليس بخارج منها ﴾ حال من الضّمير المجرور بإضافة (مَثل)، أي ظلمات لا يرجى للواقع فيها تنوّر بنور ما دام في حالة الإشراك.
وجملة: ﴿ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ﴾ استئناف بياني، لأنّ التّمثيل المذكور قبلها يثير في نفس السّامع سُؤالاً، أن يقول: كيف رضوا لأنفسهم البقاء في هذه الضّلالات، وكيف لم يشعروا بالبَون بين حالهم وحال الّذين أسلموا؛ فإذا كانوا قبل مجيء الإسلام في غفلة عن انحطاط حالهم في اعتقادهم وأعمالهم، فكيف لمّا دعاهم الإسلام إلى الحقّ ونصب لهم الأدلَّة والبراهين بَقُوا في ضلالهم لم يقلعوا عنه وهمْ أهل عقول وفطنة فكان حقيقاً بأن يبيّن له السّبب في دوامهم على الضّلال، وهو أنّ ما عملوه كان تزيّنه لهم الشّياطين، هذا التّزيين العجيب، الّذي لو أراد أحد تقريبه لم يجد ضلالاً مزيَّناً أوضح منه وأعجبَ فلا يشبَّه ضلالُهم إلاّ بنفسه على حدّ قولهم: (والسّفاهة كاسمها).
واسم الإشارة في قوله: ﴿ كذلك زين للكافرين ﴾ مشار به إلى التّزيين المأخوذ من فعل ﴿ زين ﴾ أي مثلَ ذلك التّزيين للكافرين العجيب كيداً ودِقَّةً زيّن لهؤلاء الكافرين أعمالهم على نحو ما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً ﴾ في سورة البقرة (143).
وحُذف فاعل التّزيين فبني الفعل للمجهول: لأنّ المقصود وقوع التّزيين لا معرفة مَن أوقعه.
والمزيّن شياطينهم وأولياؤهم، كقوله: ﴿ وكذلك زَيَّن لكثير من المشركين قتلَ أولادهم شركاؤُهم ﴾ [الأنعام: 137]، ولأنّ الشّياطين من الإنس هم المباشرون للتّزيين، وشياطين الجنّ هم المُسَوّلون المزيّنون.
والمراد بالكافرين المشركون الّذين الكلام عليهم في الآيات السّابقة إلى قوله: ﴿ وإنّ الشّياطين لَيُوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ﴾ [الأنعام: 121].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كانَ مَيْتًا حِينَ كانَ نُطْفَةً فَأحْيَيْناهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ [فِيهِ]، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والثّانِي: كانَ مَيْتًا بِالكُفْرِ فَأحْيَيْناهُ بِالهِدايَةِ إلى الإيمانِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
والثّالِثُ: كانَ مَيْتًا بِالجَهْلِ فَأحْيَيْناهُ بِالعَمَلِ، أنْشَدَنِي بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ لِبَعْضِ شُعَراءِ البَصْرَةِ: وفي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لِأهْلِهِ فَأجْسامُهم قَبْلَ القُبُورِ قُبُورٌ ∗∗∗ وإنِ امْرَءًا لَمْ يَحْيى بِالعِلْمِ مَيِّتٌ ∗∗∗ فَلَيْسَ لَهُ حَتّى النُّشُورِ نُشُورٌ ﴿ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ النُّورَ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ العِلْمُ الَّذِي يَهْدِي إلى الرُّشْدِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ حُسْنُ الإيمانِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ يَمْشِي بِهِ في النّاسِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَنْشُرُ بِهِ ذِكْرَ دِينِهِ بَيْنَ النّاسِ في الدُّنْيا حَتّى يَصِيرَ كالماشِي.
والثّانِي: يَهْتَدِي بِهِ بَيْنَ النّاسِ إلى الجَنَّةِ فَيَكُونُ هو الماشِيَ.
﴿ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الظُّلُماتِ الكُفْرُ.
والثّانِي: الجَهْلُ، وشَبَّهَهُ بِالظُّلْمَةِ لِأنَّ صاحِبَهُ في حَيْرَةٍ تُفْضِي بِهِ إلى الهَلَكَةِ كَحَيْرَةِ الماشِي في الظُّلْمَةِ.
واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها عَلى العُمُومِ في كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ العِلْمِ.
والثّانِي: أنَّها عَلى الخُصُوصِ في مُعَيَّنٍ.
وَفِيمَن تَعَيَّنَ نُزُولُ ذَلِكَ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُؤْمِنَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والكافِرَ أبُو جَهْلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَمُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّ المُؤْمِنَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، والكافِرَ أبُو جَهْلٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ قال: كان كافراً ضالاً فهديناه ﴿ وجعلنا له نوراً ﴾ هو القرآن ﴿ كمن مثله في الظلمات ﴾ الكفر والظلالة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ قال: ضالاً ﴿ فأحييناه ﴾ فهديناه ﴿ وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس ﴾ قال: هدى ﴿ كمن مثله في الظلمات ﴾ قال: في الضلالة أبداً.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله: ﴿ أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس ﴾ قال: نزلت في عمار بن ياسر.
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس ﴾ قال: عمر بن الخطاب ﴿ كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ﴾ يعني أبا جهل بن هشام.
وأخرج ابن المنذر وابي أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به الناس كمن مثله في الظلمات ﴾ قال: أنزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل بن هشام، كانا ميتين في ضلالتهما فأحيا الله عمر بالإِسلام وأعزه وأقر أبا جهل في ضلالته وموته، وذلك أن رسول الله صلى عليه وسلم دعا فقال: «اللهم أعز الإِسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ أومن كان ميتاً فأحييناه ﴾ قال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه ﴿ كمن مثله في الظلمات ﴾ قال: أبو جهل بن هشام.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي سنان ﴿ أومن كان ميتاً فأحييناه ﴾ قال: نزلت في عمر بن الخطاب.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس ﴾ قال: هذا المؤمن معه من الله بينة، وبها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي وهو كتاب الله ﴿ كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ﴾ قال: مثل الكافر في ضلالته متحير فيها متسكع فيها لا يجد منها مخرجاً ولا منفذاً.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس ﴾ قال: القرآن.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ﴾ .
قرأ نافع (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) قال أهل المعاني: (قد وصف الكفار بأنهم أموات في قوله تعالى: ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ فلما جعل الكفر موتًا، والكافر ميتًا، جعل الهدى حياة، والهداية إحياء، وإنما جعل الكفر موتًا؛ لأنه جهل، والجهل يؤدي إلى الحيرة والهلكة، والموت كالجهل في أنه لا يدرك به حقيقة، والهدى علم وبصيرة، والعلم يهتدي به إلى الرشد ويدرك به الأمور كما يدرك الحياة (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ﴾ .
قال ابن عباس: (يعني: دينًا) (١١) (١٢) ﴿ يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ﴾ مع المسلمين) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ﴾ ) (٢٠) وقوله: ﴿ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ ﴾ .
قال المفسرون: (يعني: الكافر [يكون] (٢١) (٢٢) ﴿ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ ﴾ كمن هو في الظلمات، والعرب (٢٣) (٢٤) (٢٥) ومن هذا قل (٢٦) ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ليس كهو شيء (٢٧) (٢٨) (٢٩) ويجوز أن يكون المعنى: كمن مثله الذي هو شبه له في الظلمات، وإذا كان مثله في الظلمات كان هو أيضًا فيها، فأخبر عن مثله، أي: شبهه، والمراد به: الكافر لا شبيهه، وهذان القولان معنى ما ذكره أبو علي (٣٠) (٣١) (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾ .
قال الكلبي: (ليس بمؤمنٍ أبدًا) (٣٣) (٣٤) واختلفوا في المؤمن من هو؟
فقال ابن عباس: (يريد: حمزة بن عبد المطلب، وذلك أن أبا جهل رمى النبي بفرث، وحمزة يومئذ لم يؤمن، فأخبره حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه، وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى [علا] (٣٥) (٣٦) (٣٧) وقال مقاتل: (نزلت في النبي وأبي جهل، وذلك أنه قال: زاحمنا بنو (٣٨) (٣٩) (٤٠) ﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ ﴾ الآية [الأنعام: 124]) (٤١) قال الزجاج: (على هذا القول فالنبي هُدى، وأعطي نور الإسلام و [النبوة] (٤٢) (٤٣) وقال عكرمة (٤٤) (٤٥) وقال الضحاك (٤٦) - وأبي جهل) (٤٧) وقال الحسن (٤٨) (٤٩) (٥٠) وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: زين الشيطان لهم عبادة الأصنام) (٥١) ﴿ كَذَلِكَ ﴾ فالمعنى: زين لهم الكفر فعملوه كما زين لأولئك الإيمان، فشبهت حال هؤلاء في التزيين بحال أولئك فيه (٥٢) وقال أبو إسحاق: (موضع الكاف رفع، المعنى: مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين عملهم) (٥٣) (١) قرأ نافع (ميتًا) بتشديد الياء مع كسرها، وأسكنها الباقون.
انظر: "السبعة" ص 268، و"التذكرة" 2/ 409، و"التيسير" ص 106.
(٢) الموت: ضد الحياة، يقال: ميت بفتح الميم، وكسر الياء المشددة، وأصله ميْوت على فيعل.
وقيل: أصله مويت ثم أدغم ثم خفف، فقيل: ميت بفتح الميم وسكون الياء، والمعنى واحد.
انظر: "العين" 8/ 140، و"الجمهرة" 1/ 411، و"البارع" ص 704، و"تهذيب اللغة" 14/ 342، و"الصحاح" 1/ 266، و"مقاييس اللغة" 5/ 283، و"المفردات" ص 781، و"اللسان" 2/ 90 (موت).
(٣) في (أ): (والمحذوف من المخفف في الياءين).
(٤) هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 398 - 399، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 383، و"إعراب القراءات" 1/ 168.
(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 12/ 91، بسند جيد وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 351 - 352.
(٦) "تفسير مجاهد" 1/ 222، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 12/ 90 - 91 من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 352.
(٧) لم أقف عليه.
(٨) ومنهم مقاتل في "تفسيره" 1/ 587، والفراء في "معانيه" 1/ 253، وابن قتيبة في تفسير "غريب القرآن" ص 159، والطبري في "تفسيره" 12/ 88، والسمرقندي 1/ 511، ومكي في "تفسير المشكل" ص 79.
(٩) لفظ: (ضالًا) ساقط من (أ).
(١٠) بعضه في "الحجة" لأبي علي 3/ 98، وذكره الرازي 13/ 1731 عن أهل المعاني، وانظر: "الفتاوى" 19/ 94، و"بدائع التفسير" 2/ 178.
(١١) أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 23، بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني بالنور: القرآن) اهـ.
وأخرج بسند ضعيف عنه قال: (يقول: الهدى).
وقال السيوطي في "الدر" 3/ 81: (أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: (يعني بالنور: القرآن) اهـ.
(١٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 23، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 81، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 223، قال: (يعني: الإيمان) اهـ.
(١٣) لم أقف عليه، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 353.
(١٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 23، بسند جيد.
(١٥) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 172، وابن كثير 2/ 192.
(١٦) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 288.
(١٧) "الحجة" لأبي علي 3/ 399.
(١٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 23، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 81.
(١٩) ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 163، وابن الجوزي 3/ 117.
(٢٠) الحجة لأبي علي 3/ 399.
(٢١) لفظ: (يكون) ساقط من (أ).
(٢٢) ومنهم الطبري في "تفسيره" 8/ 23، وأخرجه من عدة طرق عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد.
(٢٣) انظر: "حروف المعاني" للزجاجي ص 2 - 3.
(٢٤) لفظ: (من النعم) ساقط من (أ).
(٢٥) يعني: على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر (فجزاءُ مِثْلِ ما قتل)، بضم (فجزاءُ) من غير تنوين مضافة وجر (مثل).
انظر: "السبعة" ص 247، و"المبسوط" ص 163، 164، و"التذكرة" 2/ 390.
(٢٦) كذا في النسخ، والأولى: (ومثل هذا قل في قوله).
(٢٧) انظر: "معاني الحروف" للرماني ص 48، 49، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 291.
(٢٨) في (أ): (نوران)، وهو تحريف.
(٢٩) المثل بكسر الميم وسكون الثاء، والمثل بالفتح، واحد، بمعنى: التسوية، انظر: "اللسان" 7/ 4132 (مثل).
(٣٠) انظر: "الحجة" لأبي علي 3/ 256 - 257، وهو نص كلامه مع زيادة شرح من الواحدي.
(٣١) لم أقف عليه.
(٣٢) ذكر هذا القول الثعلبي في "الكشف" 183 ب بدون نسبة.
(٣٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 112، بدون نسبة، وقال مجاهد في "تفسيره" 1/ 223: ﴿ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾ أي: الضلالة أبدًا).
(٣٤) حكى الاتفاق أيضًا ابن عطية في "تفسيره" 5/ 237.
(٣٥) لفظ (علا)، ساقط من أصل (أ)، وملحق بأعلى السطر.
(٣٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(٣٧) ذكره أكثرهم.
انظر: الثعلبي ص 183 ب، و"أسباب النزول" للواحدي ص 224، والبغوي 3/ 184، وابن الجوزي 3/ 116، والرازي 13/ 172، والقرطبي 7/ 78، وذكر القصة دون ذكر الآية ابن هشام في "السيرة" 1/ 312، 376، والحاكم في "المستدرك" 3/ 192 - 193.
(٣٨) في (أ): (بني)، وهو تحريف.
(٣٩) لفظ: (مناف)، ساقط من (ش).
(٤٠) كَفَرسي رهان: أي: يتسابقان إلى غاية.
وفرس بالفتح: واحد الخيل.
ورهان بالكسر: المسابقة على الخيل.
انظر: "النهاية" لابن الأثير 3/ 428 - 429، و"اللسان" 6/ 3378 (فرس)، 3/ 1758 (رهن).
(٤١) "تفسير مقاتل" 1/ 587.
(٤٢) لفظ: (النبوة) ساقط من (أ).
(٤٣) "معاني الزجاج" 2/ 288.
(٤٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 22 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 81، وحكاه ابن الجوزي 3/ 116 عن ابن عباس.
(٤٥) "تنوير المقباس" 2/ 56، وذكره السمرقندي 1/ 511، والثعلبي ص 183/ ب ، والماوردي 2/ 164، والبغوي 3/ 185، عن الكلبي.
(٤٦) أخرجه الطبري 8/ 22 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 81.
(٤٧) لم أقف عليه عن يمان وحكاه النحاس في "معانيه" 2/ 483، عن السدي، والماوردي 2/ 163 عن مقاتل، والواحدي في "الوسيط" 1/ 112، عن زيد بن أسلم، والسيوطي في "الدر" 3/ 81 عن ابن عباس.
(٤٨) ذكره الماوردي 2/ 163، والواحدي في "الوسيط" 1/ 112، وابن الجوزي 3/ 116.
(٤٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(٥٠) "معاني الزجاج" 2/ 288، وهذا القول هو الراجح، فالآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر، وهو اختيار القرطبي في "تفسيره" 7/ 78، وابن كثير 2/ 192، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 483: (الذي يوجب المعنى أن يكون عامًّا إلا أن تصح فيه رواية).
اهـ.
وقال الرازي في "تفسيره" 13/ 173: (الحق أن الآية عامة؛ لأن المعنى إذا كان حاصلًا في الكل كان التخصيص محض تحكم، إلا إذا قيل: إن النبي قال: "إن مراد الله تعالى من هذه الآية العامة فلان بعينه".
اهـ ملخصًا.
(٥١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 113، والبغوي في "تفسيره" 3/ 185.
(٥٢) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 24، والسمرقندي 1/ 511، وابن عطية 5/ 237.
(٥٣) ذكره السمين في "الدر" 5/ 134، وقال الزجاج في "معانيه" 2/ 288، عند قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ ﴾ (موضع الكاف نصب معطوفة على ما قبلها == وهو قوله: ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ المعنى: مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين عملهم وكذلك جعلنا) اهـ.
وقال الهمداني في "الفريد" 2/ 223: (الكاف يحتمل أن يكون في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فعلنا لهذه الأشياء المتقدم ذكرها، وهي إحياء الميت وجعل النور له، وذكرنا لمن مثله في الظلمات مثل تزييننا للكافرين عملهم، أو في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فعلنا هذه الأشياء فعلًا مثل فعلنا للتزيين) اهـ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فأحييناه ﴾ الموت هنا عبارة عن الكفر، والإحياء عبارة عن الإيمان، والنور: نور الإيمان، والظلمات الكفر؛ فهي استعارات وفي قوله: ﴿ مَيْتاً فأحييناه ﴾ مطابقة وهي من أدوات البيان، ونزلت الآية في عمار بن ياسر، وقيل في عمر بن الخطاب والذي في الظلمات أبو جهل، ولفظها أعم من ذلك ﴿ كَمَن مَّثَلُهُ ﴾ مثل هنا بمعنى صفة، وقيل زائدة، والمعنى كمن هو ﴿ وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أكابر ﴾ أي كما جعلنا في مكة أكابرها ليمكروا فيها جعلنا في كل قرية، وإنما ذكر الأكابر، لأن غيرهم تبع لهم؛ والمقصود تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ مُجْرِمِيهَا ﴾ إعرابه مضاف إليه عند الفارسي وغيره؛ وقال ابن عطية وغيره: إن مفعول أول بجعلنا وأكابر مفعول ثان مقدم؛ وهذا جيد في المعنى ضعيف في العربية، لأن أكابر جمع أكبر وهو من أفعل فلا يستعمل إلا بمن أو بالإضافة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ رسالته ﴾ بالنصب والتوحيد: ابن كثير وحفص والمفضل.
الباقون: ﴿ رسالاته ﴾ على الجمع وبالكسر في موضع النصب ﴿ ضيقا ﴾ وبابه بالتخفيف: ابن كثير ﴿ حرجاً ﴾ بكسر الراء: أبو جعفر ونافع وسهل وأبو بكر وحماد.
الباقون: بالفتح ﴿ يصعد ﴾ من الصعود: ابن كثير ﴿ يصاعد ﴾ من التصاعد بإدغام التاء في الصاد: أبو بكر وحماد.
الباقون: ﴿ يصعد ﴾ بالإدغام من التصعيد.
﴿ يحشرهم ﴾ بياء الغيبة: حفص.
الآخرون بالنون.
الوقوف: ﴿ بخارج منها ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ رسل الله ﴾ ط ﴿ رسالاته ﴾ ط ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ للإسلام ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف.
﴿ في السماء ﴾ ج ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مستقيماً ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ج للحذف أي يحشرهم ويقول لهم مع اتحاد المقصود ﴿ من الإنس ﴾ الأول ج لتبدل القائل مع اتفاق الجملتين ﴿ أجلت لنا ﴾ ط قال النار يغلظ الصوت على النار إشارة إلى أن النار مبتدأ بعد القول وليست فاعله ﴿ يشاء الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يومكم هذا ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه.
التفسير: إنه بعد أن ذكر أن المشركين يجادلون المؤمنين ضرب مثلاً للفريقين فبيّن أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتاً فجعله الله حياً وأعطاه نوراً يهتدي به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في الظلمات منغمس فيها لا خلاص له منها فيكون متحيراً على الدوام، وهل هما خاصان أو عامان فيه قولان: الأول قال ابن عباس: يريد حمزة بن عبد المطلب وأبا جهل؛ وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وآله بفرث وحمزة ولم يؤمن بعد، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه ويقول: يا أبا يعلي أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا؟
فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله فنزلت الآية.
وعن مقاتل: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وأبي جهل؛ وذلك أنه قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه.
والله لا نؤمن به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت، وعن عكرمة أنها في عمار بن ياسر وأبي جهل، وعن الضحاك هي في عمر بن الخطاب وأبي جهل.
والقول الثاني أنها عامة في كل مؤمن وكافر لحصول المعنى في الكل.
وإنما جعل الكفر موتاً لأنه جهل والجهل يوجب الحيرة والوقفة فهو كالموت الذي يوجب السكون.
وأيضاً الميت لا يهتدي إلى شيء وكذلك الجاهل، والهدى علم وبصيرة وهما يوجبان الفوز بالمطالب كالحياة والنور، قال بعض العلماء: قوله: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ إشارة إلى أول مراتب النفس الإنسانية وهي الاستعداد المحض المسماة بالعقل الهيولاني عند الحكيم.
وقوله: ﴿ فأحييناه ﴾ إشارة إلى ثانية مراتبها المسماة بالعقل بالملكة وهي أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية.
وقوله ﴿ وجعلنا له نوراً ﴾ إشارة إلى ثالثة المراتب وهي التي قد حصلت لها المعقولات المكتسبة ولكنها لا تكون حاضرة بالفعل بل تكون بحيث متى شاء صاحبها استرجاعها واستحضارها قدر عليه ولهذا يسمى عقلاً بالفعل أي الفعل القريب، وقوله: ﴿ يمشي به في الناس ﴾ إشارة إلى رابعة المراتب وهي النهاية المسماة بالعقل المستفاد، وقد حصلت المعارف القدسية والجلايا الروحانية للنفس حاضرة بالفعل وصار جوهر الروح مشرقاً بتلك المعارف مستضيئاً بها.ويمكن أن يقال: الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح، والنور عبارة عن اتصال نور الوحي والتنزيل فإنه لا بد في الإبصار من أمرين: سلامة الحاسة والنور الخارجي من الشمس والسراج، فكذلك البصيرة لا بد لها في الإدراك من سلامة حاسة العقل ومن طلوع نور الوحي فلهذا قال جمع من المفسرين: المراد بهذا النور القرآن، ومنهم من قال: نور الدين أو نور الحكمة.
والأقوال متقاربة، وأما مثل الكافر فهو ﴿ كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ﴾ وفيه أن ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت كالصفة اللازمة له لا تكاد تزول عنه فيبقى متحيراً خائفاً فزعاً نعوذ بالله من هذه الحالة.
ومعنى المثل ههنا الصفة الغريبة أي كمن صفته هذه والمراد كمن هو في الظلمات.
ثم قال: ﴿ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ﴾ والمزين هو الله بالتحقيق عند الأشاعرة.
والشيطان بالحقيقة أو الله مجازاً عند المعتزلة، والإضافة إلى الله بالحقيقة أو المجاز أولى بدليل قوله: ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها كذلك جعلنا، أو وكما زينا للكافرين أعمالهم كذلك جعلنا ﴿ في كل قرية أكابر ﴾ وهي جمع الأكبر و ﴿ مجرميها ﴾ مضاف إليه والظرف مفعول ثانٍ قدم ليعود الضمير إلى القرية.
وقيل: التقدير جعلنا مجرميها أكابر.
قال الزجاج: إنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم، ولأن كثرة المال وقوّة الجاه تحمل الناس على المبالغة في حفظهما وذلك لا يتم إلا باستعمال بعض الأخلاق الذميمة من المكر والغدر والكذب والغيبة والنميمة والشح والأيمان الكاذبة وكفى بهذه الأمور دليلاً على خساسة المال والجاه.
واللام في ﴿ ليمكروا ﴾ على أصله عند الأشاعرة، واستدلوا به على أن الشر بإرادة الله .
وحمله المعتزلة على لام العاقبة مجازاً حملوا الجعل في قوله: ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ على التخلية والخذلان.
ثم قال في معرض التهديد ﴿ وما يمكرون إلا بأنفسهم ﴾ لأن وباله يعود عليهم ﴿ وما يشعرون ﴾ وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتقديم موعد بالنصرة، ثم إنه حكى قول أبي جهل وأضرابه "زاحمنا بني عبد مناف في الشرف إلى آخره" وقول الوليد بن المغيرة "لو كانت النبوّة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً" فقال: ﴿ وإذا جاءتهم آية ﴾ أي معجزة قاهرة أو وحي.
﴿ قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ﴾ قال الضحاك: أراد كل واحد منهم ذلك كما في الآية الأخرى.
﴿ بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة ﴾ ويشبه أن يكون هذا الكلام الخبيث هو المراد بالمكر المذكور في الآية المتقدمة، وللمفسرين في مقترحهم قولان: أحدهما - وهو الأشهر - أنهم أرادوا أن تحصل لهم النبوُّة والرسالة كما حصلت للنبي وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ومخدومين لا خادمين.
وثانيهما عن ابن عباس والحسن أن المعنى وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وآله ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى قوله: ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه ﴾ من الله إلى أبي جهل وفلان وفلان فالقوم ما طلبوا النبوّة وإنما طلبوا آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين تدل على صحة نبوّة محمد .
فقوله في جوابهم على سبيل الاستئناف ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ على القول الأول ظاهر، وأما على القول الثاني فوجهه أن القوم إذا اقترحوا تلك الآيات فلو أظهر الله تلك المعجزات على وفق التماسهم لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة.
قال بعض العقلاء: الأرواح متساوية في تمام الماهية فحصول النبوّة والرسالة لبعضها دون بعض تشريف من الله وإحسان وتفضل.
وقال آخرون: بل النفوس مختلفة بجواهرها وماهياتها فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة، وبعضها خبيثة كدرة محبة للجسمانيات، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول لم تصلح لقبول الوحي والرسالة.
ومراتب الرسل مختلفة فمنهم ذو معجزة واحدة وذو معجزتين أو أكثر، ومنهم من له تبع قليل ومنهم من آمن به جم غفير، ومنهم من كان الرفق غالباً عليه ومنهم من كان مدار أمره على التغليظ والتشديد.
وفي الآية تعريض بأن حصول النبوّة والرسالة لا بد فيه من قلب سليم، والمقترحون فيهم من المكر والحسد ما فيهم فكيف يعقل حصول الرسالة لهم وإنما يحصل لهم ما يناسب أخلاقهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى: ﴿ سيصيب الذين أجرموا صغار ﴾ ذل وهوان ﴿ عند الله ﴾ أي في الآخرة أو في الدنيا بحكم الله وإيجابه من الأسر والقتل.
أو المراد من عند الله فحذف "من".
أو قوله: ﴿ عند الله ﴾ مستأنف أي معدّ لهم ذلك، واعلم أن كمال العقاب لا بد فيه من أمرين: الضرر، والإهانة.
ثم إن القوم لما تردوا عن طاعة محمد صلى الله عليه وآله طلباً للعز والكرامة فالله بيّن أنه يقابلهم بضد مقصودهم، فأول ما يوصل إليهم الذل والهوان وبعده عذاب شديد جميع ذلك بسبب مكرهم ونكرهم ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ﴾ يقال: شرح فلان أمره، إذا أظهره وأوضحه ومنه شرح المسأله إذا بينها.
وقال الليث: شرح الله صدره فانشرح أي وسعه لقبول ذلك الأثر.
ولا شك أن توسيع الصدر غير ممكن على سبيل الحقيقة ولكن ههنا معنى وهو أنه إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح مال طبعه إلي وقوي طلبه ورغبته في حصوله وظهر في القلب استعداد شديد لتحصيله فسميت هذه الحالة سعة الصدر، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن يكون ذلك العمل مشتملاً على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى تركه وحصل في النفس نبوّة عن قبوله فيقال لهذه الحال ضيق الصدر، لأن المكان إذا كان ضيقاً لم يتمكن الداخل من الدخول فيه، وإذا كان واسعاً قدر على الدخول فيه.
وأكثر استعمال شرح الصدر في جانب الحق والإسلام وقد ورد في الكفر أيضاً قال : ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ قال المفسرون: "لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله فقيل له: كيف يشرح الله صدره؟
فقال صلى الله عليه وآله: يقذف الله فيه نوراً حتى ينفسخ وينشرح، فقيل له: وهل لذلك من أمارة يعرف بها؟
فقال : الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله " وهذا البيان مناسب لما ذكرنا فإن الإنابة إلى دار الخلود لا بد أن تترتب على اعتقاد أن عمل الآخرة زائد النفع والخير، والتجافي عن دار الغرور إنما ينبعث عن اعتقاد كون عمل الدنيا زائد الضر والضير، والاستعداد للموت قبل نزوله نتيجة مجموع الأمرين الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة.
أما قوله: ﴿ حرجاً ﴾ فمن قرأ بكسر الراء فعلى النعت، ومن قرأ بالفتح فعلى الوصف بالمصدر للمبالغة.
قال الزجاج: الحرج في اللغة أضيق الضيق.
وقيل: الحرج بالفتح جمع حرجة وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية.
حكى الواحدي بإسناده عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وقال: هل ههنا أحد من بني بكر؟
قال رجل: نعم.
قال: ما الحرجة فيكم؟
قال: الوادي الكثير الأشجار المشتبك الذي لا طريق فيه.
فقال: كذلك قلب الكافر.
ومعنى: ﴿ يصعد في السماء ﴾ كأنما يزاول أمراً غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد عن الاستطاعة فكأن الكافر في نفوره من الإسلام وثقله عليه بمنزلة من يتكلف الصعود إلى السماء.
وقيل: المراد أن قلبه يتباعد عن الإسلام وقبوله تباعد ما بين الأرض والسماء.
﴿ كذلك يجعل ﴾ أي كما جعل ضيق الصدر في قلوبهم كذلك يجعل الرجس عليهم.
وقال الزجاج: أي مثل ما قصصنا عليك يجعل الله الرجس.
عن ابن عباس هو الشيطان يسلطه الله عليهم.
وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه.
وعن عطاء: الرجس هو العذاب.
وقال الزجاج: هو اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الهداية والضلال من الله ؛ بيانه أن العبد قادرعلى الإيمان وعلى الكفر وقدرته بالنسبة إلى الأمرين سواء ولا يترجح إلا لداعية، ولا معنى للداعية إلى علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملاً على مصلحة زائدة، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل، ولا بد أن تنتهي تلك الداعية إلى تخليق الله وتكوينه دفعاً للتسلسل فإذا خلق الله في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة - وهو المراد بشرح الصدر - مال القلب إليه، وإذا خلق في قلبه اعتقاد أن الإيمان بمحمد سبب للمفسدة الدينية والدنيوية نبا طبعه عنه وبقي على الكفر.
فحاصل الآية أن من أراد الله منه الإيمان قوى دواعيه إليه، ومن أراد منه الكفر قوى صوارفه عن الإيمان.
وقالت المعتزلة: إنه لا دلالة في الآية على قولكم لأنه ليس فيها أكثر من أنه إذا أراد أن يهدي إنساناً أو يضله فعل به كيت وكيت، وليس فيها أنه أراد ذلك أو لم يرده نظيره قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا ﴾ فبيّن أنه كيف يفعل اللهو لو أراده، ثمّ إنه لم يرد ذلك بالاتفاق وأيضاً لم قلتم إنه أراد ومن يرد أن يضله عن الإيمان بل المراد من يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة يشرح صدره للإسلام حتى يثبت عليه، وتفسير الشرح هو أنه يفعل به ألطافاً تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه.
ومن يرد أن يضله عن طريق الجنة فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج لا في كل الأوقات بل في بعضها كيلا يمكن دفعه وخصوصاً عند ظهور نصرة المؤمنين وبدوّ الذل والصغار في الكافرين.
وأيضاً لم لا يجوز أن يقال: المعنى فمن يرد الله أن يهديه إلى الجنة يشرح صدره للإسلام في ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة لما رأى من فوائد الإيمان ونتائجه من الدرجات العالية والمراتب الشريفة فتزداد رغبته فيه، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق الجنة ففي ذلك الوقت يضيق صدره للحزن الشديد الذي ناله عند الحرمان من الجنّة والدخول في النار؟
وقال في الكشاف: ﴿ فمن يرد الله أن يهديه ﴾ أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف ﴿ يشرح صدره ﴾ للإسلام يلطف به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ أي يخذله ويخليه وشأنه وهو الذي لا لطف له ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ يمنعه ألطافه حتى يقسو قلبه وينبو عن قبول الحق وينسد فلا يدخله الإيمان.
وأجيب عن قولهم "ليس في الآية أنه أراد ذلك أو لم يرده" بأن قوله في آخر الآية: ﴿ كذلك يجعل الله الرجس ﴾ تصريح بأنه فعل به ذلك الإضلال لأن الكاف للتشبيه والتقدير: كما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره كذلك يجعل.
وفيه أيضاً دلالة على أن المراد من قوله: ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ هو أنه يضله عن الدين، وتفسير الضيق والحرج باستيلاء الغم والحزن على قلب الكافر بعيد لأن أكثر من يعتريه الحزن في الدنيا هو المؤمن ولهذا قال صلى الله عليه وعلى آله: "خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل" ولو خص ذلك بالآخرة كان من إيضاح الواضحات.
فمن المعلوم لكل أحد أن من يضله الله عن طريق الجنة فإنه يضيق قلبه في ذلك الوقت.
والجواب على قول صاحب الكشاف مما مر من أن فعل الإيمان يتوقف على أن تحصل في القلب داعية جازمة إلى الإيمان، وفاعل تلك الداعية هو الله وكذا القول في جانب الكفر، فإن سمى الداعيتين أحد باللطف والخذلان فلا مشاحة في الأسامي.
قال القاضي في تفسيره: روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: تذاكرنا أمر القدرية عند ابن عمر فقال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ وقد جمع الناس بحيث يسمع الكل أين خصماء الله؟
فتقوم القدرية.
قال: ولا يخفى أنهم الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله قضاءً وقدراً وخلقاً لأنهم يقولون الذنب لله فأي ذنب لنا حتى تعاقبنا أنت الذي خلقته فينا وأردته منا وقضيته علينا ولم تخلقنا إلا له ولا يسرت لنا غيره، فهؤلاء لا بد أن يكونوا خصماء الله.
أما الذين قالوا إن الله مكن وأزاح العلة وإنما أتى العبد من قبل نفسه فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة، فهؤلاء منقادون لله لا خصماؤه.
هذا كلام القاضي وتعجب منه الأشاعرة فقالوا: كيف يكون خصم الله من يقول ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه وإن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب وليس للعبد على ربه اعتراض ولا مناظرة وكل ما يصل منه إلى عباده حتى الملائكة والأنبياء فهو تفضل منه وإحسان، لكن الخصم من يدعي عليه وجوب الثواب والعوض ويقول لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولاً عن الربوبية وكنت من السفهاء وأن من واظب على الكفر سبعين سنة ثم إنه في آخر زمن حياته قال لا إله إلا الله محمد رسول الله عن القلب ثم مات، فإن رب العالمين أعطاه النعم الفائقة سنين غير محصورة، ثم إنه لو ترك لحظة واحدة قال العبد له إنك معزول عن الإلهية، يحكى أن الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله، عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن أبا علي عقد مجلس التذكير وحضر عنده جم غفير، فذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس مختفياً عن الجبائي وقال لبعض من حضر هناك من العجائز: إني أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ.
قولي له كان لي ثلاثة من البنين واحد في غاية الزهد، وآخر في غاية الفسق، الثالث كان صبياً لم يبلغ فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم.
فقال الجبائي: أما الزاهد ففي درجات الجنة، وأما الكافر ففي دركات النار، وأما الصبي فمن أهل السلامة.
فقال: قولي له إن الصبي لوأراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه الزاهد فهل يمكن منه؟
قال الجبائي: لا لأن الله يقول له إنما أخوك وصل إلى تلك الدرجات لأنه أتعب نفسه في العلم والعمل وأنت فليس معك ذلك.
فقال أبو الحسن: قولي له لو أن الصبي يقول: يا رب العالمين ليس الذنب لي لأنك أمتني قبل بلوغي، ولو أبلغتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد، فقال الجبائي: يقول الله له علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوجب النار فراعيت مصلحتك.
فقال لها أبو الحسن.
قولي له لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار وقال: يا رب العالمين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم الراحمين، لم راعيت حال الأخ الصغير وما راعيت حالي ومصلحتي؟
قال الراوي: فانقطع الجبائي فنظر فرأى أبا الحسن فعلم أن المسألة منه لا من العجوز.
ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار وأكثر مجيباً عن الجبائي قائلاً: نحن لا نرضى بهذا الجواب وإنما نقول: الجواب مبني على مسألة اختلف شيوخنا فيها، وهي أنه هل يجب على الله أن يكلف العبد أم لا؟
فقال البصريون: إنه غير واجب ولكنه تفضل وإحسان.
وقال البغداديون: إنه واجب وعلى الأول لله أن يقول لذلك الصبي إني طولت عمر الأخ الزاهد وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلاً على أحد بشيء أن أتفضل على غيره بمثله، وعلى قول البغداديين فله أن يقول: إن إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف في حقه لم يستلزم مفسدة الغير فلا جرم فعلته، أما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك فكان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك فلهذا ما فعلته وظهر الفرق.
وأورد على القسم الأول أنه لما أوصل التفضل إلى أحدهما فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح منه عقلاً لأنه ليس فعلاً شاقاً عليه ولا ينقص بذلك شيء من ملكه، والصبي محتاج إلى الإحسان إليه ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد كمن منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجواد لعامة الناس.
فإن كان حكم العقل في التحسين والتقبيح مقبولاً فليكن ههنا أيضاً مقبولاً وإلا فلا يقبل في شيء من الصور وتبطل كلية مذهبكم.
وأورد على الشق الثاني أن قولنا: "تكليفه يتضمن مفسدة" ليس معناه أن ذات التكليف تتضمن المفسدة وإلا لم ينفك تكليف عن المفسدة وأنه باطل بالاتفاق، فمعناه إذاً أنه علم أنه إذا كلف هذا الشخص فإن إنساناً آخر يختار من قبل نفسه فعلاً قبيحاً، فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله تكليفه وجب أن يقبح تكليف كل من علم الله من حاله أنه يكفر وإلا لزم محض التحكم.
هذا تمام مناظرة الفريقين، ولعلك قد عرفت التحقيق هنا فيما سلف فتذكر.
ثم قال: ﴿ وهذا صراط ربك ﴾ في المشار إليه وجوه منها: أنه المذكور في الآية المتقدمة.
أما على مذهب الأشاعرة وهو أن الفعل يتوقف على الداعي وحصول تلك الداعية من الله فيكون الفعل من الله، ويلزم استناد الكل إلى قضائه وقدره.
وأما على مذهب المعتزلة فالمراد هذا الذي قررنا طريقته التي اقتضتها الحكمة وعادته الجارية في عباده من التوفيق والخذلان.
ومعنى ﴿ مستقيماً ﴾ عادلاً مطرداً.
وانتصابه على الحال المؤكدة والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل.
أو هو محذوف أي أحقه.
وعن ابن عباس: يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك.
وقال ابن مسعود: يعني القرآن: ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ ذكرناها فصلاً فصلاً بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر.
قال في التفسير الكبير: قد بيّن الله تعالى صحة القول بالقضاء والقدر في آيات من هذه السورة متوالية متعاقبة بطرق كثيرة ووجوه مختلفة.
وختم الآية بقوله: ﴿ لقوم يذكرون ﴾ لأنه تقرر في عقل كل واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجح عن الآخر إلا لمرجح فكأنه يقول للمعتزلي: تذكر ما تقرر في عقلك أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا لمرجح حتى تزول الشبهة عن قلبك فإن حصول الفعل عن القادر لو لم يتوقف على الداعي مع تساوي طرفيه وجب أن يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات والمحدثات وحينئذٍ يلزم نفس الصانع وإبطال القول والفعل والفاعل والتأثير والمؤثر.
ثم لما بيّن عظمة نعمته في الصراط المستقيم بيّن ما أعد وهيىء للمتذكرين فقال: ﴿ لهم دار السلام ﴾ أي دار الله يعني الجنة، والإضافة للتشريف والتعظيم كما قيل: الكعبة بيت الله: أو دار السلامة من كل آفة وكرب والسلام والسلامة مثل: الضلال والضلالة والرضاع والرضاعة كلاهما مصدر.
وقيل: السلام جمع السلامة لأن أنواع السلامة حاصلة في الجنة.
ومعنى ﴿ عند ربهم ﴾ أنها معدة عنده وفي ضمانه كما يقال لفلان عندي حق لا ينسى وذلك نهاية في بيان وصولهم إليها وكونهم على ثقة من حصولها ﴿ وهو وليهم ﴾ أي قريب منهم بالرحمة والرضوان أو مواليهم ومحبهم أو ناصرهم على أعدائهم، وذلك أن القوم قد عرفوا أن المدبر والمقدر ليس إلا هو ، وأن النافع والضار ليس إلا هو ، فانقطعوا عن كل ما سواه فما كان رجوعهم إلا إليه، وما كان توكلهم إلا عليه، ولم يكن أنسهم إلا به، فلما صاروا بالكلية له لا جرم قال : ﴿ وهو وليهم ﴾ على أنه متكفل لجميع مصالحهم ديناً ودنيا.
ثم قال: ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ أي بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون لئلا يقطعوا العمل ولا يتكلوا، وذلك أن بين النفس والبدن تعلقاً شديداً وكما أن الهيآت النفسانية قد تؤثر في البدن كحمرة الخجل وصفرة الوجل فالهيآت البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس، فإذا واظب الإنسان على أعمال الخير ظهرت الآثار المناسبة لها في جوهر النفس فلا بد للسالك من العمل بعد كمال العلم والمعرفة.
ثم لما بين حال من تمسك بالصراط المستقيم أردفها بذكر من تعلق بضده فقال: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ والمراد واذكر يوم كذا، أو يوم نحشرهم قلنا، أو متعلقة محذوف والتقدير: ويوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن كان ما لا يوصف لفظاعته، والضمير إما أن يعود إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله: ﴿ شياطين الإنس والجن ﴾ أو يعود إلى جميع المكلفين الذين علموا أن الله يبعثهم من الثقلين وغيرهم، ويكون القائل على تقدير حذف القول هو الله كما أنه الحاشر لجميعهم.
وهذا القول منه بعد الحشر لا يكون إلا للتبكيت وإنهم وإن تمردوا في الدنيا انتهى حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد والاعتراف.
وقال الزجاج: التقدير فيقال لهم: ﴿ يا معشر الجن ﴾ لأنه يبعد أن يتكلم الله بنفسه مع الكفار لقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله ﴾ ﴿ قد استكثرتم من الإنس ﴾ لا بد فيه من إضمار لأن الجن أي الشياطين لا يقدرون على الاستكثار من نفس الإنس، فالمراد قد استكثرتم من إضلال الإنس واستتباعهم فحشر معكم منهم الجم الغفير كما يقال: استكثر الأمير من الجنود.
أما قوله: ﴿ وقال أولياؤهم من الإنس ﴾ فالأقرب عند بعضهم أن فيه حذفاً فكما قال للجن تبكيتاً ناسب أن يقول للإنس أيضاً مثل ذلك توبيخاً لأنه حصل من الجن الدعاء ومن الإنس القبول.
ولما بكت الله كلا الفريقين حكى جواب الإنس وهو قوله: ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن وعلى هذا ففي الاستمتاع وجهان: أحدهما أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض منفرداً وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.
فيبيت آمناً في نفسه.
فهذا استمتاع الإنس بالجن، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني كان ذلك تعظيماً منهم للجن؛ وذلك الجني يقول: قد سدت الجن والإنس لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه.
وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج ويعضده قوله : ﴿ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ﴾ وثاني الوجهين أن الإنس كانوا ينقادون للجن ويطيعون حكمهم فصار الجن كالرؤساء والإنس كالأتباع فانتفعوا بالإنس انتفاع الرئيس بالخادم، وأما انتفاع الإنس بالجن فهو أن دلوهم على الشهوات واللذات إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي أيقنوا أنه يسوء عاقبتهم وهذا اختيار الزجاج.
والقول الثاني أن البعضين كليهما من الإنس لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر ﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ أي ذلك الاستمتاع كان حاصلاً إلى وقت محدود ثم جاءت الحسرة والندامة من حيث لا ينفع.
وما ذلك الإجل؟
قيل: هو وقت الموت وعلى هذا فكل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله لأنهم أقروا بأنهم بلغوا أجلهم وفيهم المقتول وغير المقتول.
وقيل: هو وقت التخلية والتمكين وقيل: وقت المحاسبة في القيامة ﴿ قال ﴾ الله في جوابهم ﴿ النار مثواكم ﴾ مقامكم ومقرّكم من ثوى بالمكان يثوي ثوياً إذا أقام به.
قال أبو علي الفارسي: المثوى اسم للمصدر دون المكان لأن قوله : ﴿ خالدين فيها ﴾ حال واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل فالمعنى النار أهل أن يقيموا فيها خالدين.
﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قيل: المراد منه أوقات المحاسبة ووقت كونهم في المحشر كأنه قيل: خالدين فيها منذ يبعثون إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم.
وقال ابن عباس: استثنى الله قوماً سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وآله.
وعلى هذا يلزم أن يكون "ما" بمعنى "من" وفيه خلل آخر وهو أن الاستثناء إنما هو من يوم القيامة الذي يحشرون فيه، وقيل: المراد الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير.
روي أنهم يدخلون وادياً فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد الشديد إلى حر الجحيم.
وقال في الكشاف: أو يكون هذا من قول الموتور الذي ظفر بواتره ولم يزل يحرق عليه أنيابه وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه أهلكني الله، إن نفست عنك إلا إذا شئت، فيكون قوله: "إلا إذا شئت" من أشد الوعيد مع تهكم لأن إطماع محض ويأس كلي.
وقال أبو مسلم: هذا الاستثناء غير راجع إلى الخلود وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم كأنهم قالوا: وبلغنا أجلنا الذي سميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى يعني الآجال الاخترامية ﴿ إن ربك حكيم ﴾ فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة.
﴿ عليم ﴾ بما يستأهله كل طائفة فكأنه يقول: إنما حكمت لهؤلاء بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون ذلك.
ثم لما حكى عن الجن أن بعضهم يتولى بعضاً بين أن ذلك إنما حصل بتقديره وقضائه فقال: ﴿ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً ﴾ وذلك أن القدرة صالحة للعداوة والصداقة فترجيح أحد الجانبين لا يكون إلا بداعية خلقها الله قطعاً للتسلسل، وأيضاً لما بين أنه ولي أهل الجنة بقوله: ﴿ هو وليهم ﴾ ذكر أن أولياء أهل النار من يشبههم في الظلم والخزي والنكال وأشار إليه بقوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ أي بسبب كون ذلك البعض مكتسباً للظلم وهذه في مناسبة في غاية اللطف لأن الجنسية علة الضم فالطيبات للطيبين والخبيثات للخبيثين.
وفي الآية دلالة على أن الرعية متى كانوا ظلمة فإن الله يسلط عليهم ظالماً مثلهم، فإن أرادوا الخلاص منه فليتركوا الظلم وعن مالك بن دينار قال: جاء في بعض الكتب السموية "أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليهم رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليهم نقمة، لا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك لكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم".
ثم بيّن أن كفار الثقلين لا يكون لهم إلى الجحود يوم القيامة سبيل وأنهم لا يعذبون إلا بالحجة فقال: ﴿ يا معشر الجن والإنس ﴾ قال أهل اللغة: المعشر كل جماعة مختلطة يجمعهم أمير واحد ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ استفهام على سبيل التقدير فلا جرم استدل الضحاك بالآية ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ﴾ على أن من الجن رسلاً كالإنس، ولأن استئناس الجنس بالجنس أكمل ولهذا قال : ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ والأكثرون على أنه ما كان من الجن رسول ألبتة إنما كانت الرسل من بني آدم وزعموا أن ذلك مجمع عليه.
ورد بأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف؟
واستدل بعضهم على المطلوب بقوله : ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ﴾ والمراد بالاصطفاء ههنا النبوّة بالإجماع.
وأجيب عن قول الضحاك بأن الآية تقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضاً من أبعاض هذا المجموع فكان هذا القدر كافياً في حمل اللفظ على ظاهره فلا يلزم إثبات رسول من الجن.
وأيضاً لا يبعد أن يقال: إن الرسل كانوا من الإنس، ثم كان من الجن نفر يستمعون من رسول الإنس وينذرون قومهم بذلك قال: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ الآية.
وقد يسمى رسول الرسول رسولاً كما أنه سمى رسل عيسى رسل نفسه فقال: ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين ﴾ ثم إنه يكون قد بكت كفار الثقلين بهذه الآية لأنه أزال العذر وأزاح العلة بسبب أنه أرسل الرسل إليهم فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق فقد حصل المقصود.
وقال الواحدي: أراد رسل من أحدكم وهو الإنس كقوله: ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ ﴾ أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب.
وعن الكلبي كانت الرسل قبل أن يبعث محمد يبعثون إلى الإنس ورسول الله صلى الله عليه وآله بعث إلى الجن والإنس.
أما قوله: ﴿ يقصون عليكم آياتي ﴾ فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتأويل وبالتلاوة ﴿ وينذرونكم لقاء يومكم هذا ﴾ يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا بداً من الاعتراف فلذلك ﴿ قالوا شهدنا على أنفسنا ﴾ والسبب في أنهم أقروا في هذه الآية وجحدوا في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ هو أنهم مختلفو الأحوال في يوم القيامة مضطربون؛ فتارة يقرّون وأخرى يجحدون.
ومنهم من حمل هذه الشهادة على شهادة الجوارح عليهم.
ثم أخبر الله عن حالهم في الدنيا بقوله: ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ وعن حالهم في الآخرة بقوله: ﴿ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ﴾ والمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجر أمثالهم في الدنيا عن الكفر والمعصية.
وقد يستدل بالآية على أن لا وجوب قبل ورود الشرع وإلا لم يكن لهذا التوبيخ والتبكيت فائدة.
التأويل: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ في حالة العدم ﴿ فأحييناه ﴾ بالحياة الحقيقية أي بالحي الذي لا يموت ﴿ وجعلنا له ﴾ نور الوجود الحقيقي الذي ﴿ يمشي به في الناس ﴾ وبه يسمع وبه يبصر ﴿ كمن هو ﴾ محبوس ﴿ في ظلمات ﴾ الطبيعة ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية ﴾ أي كل قالب ﴿ أكابر مجرميها ﴾ من النفس والهوى والشيطان ﴿ ليمكروا فيها ﴾ بمخالفات الشرع وموافقات الطبع.
﴿ ما أوتي رسل الله ﴾ من القلب والسر والروح.
﴿ يشرح صدره ﴾ أي ينظر إلى قلبه بنظر العناية فينوّره بنور جماله وهو نور الإيمان، فيشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام.
وهذا النور يقبل الزيادة والاشتداد إلى أن يصير الإيمان إيقاناً والإيقان عياناً والعيان عيناً.
﴿ ضيقاً ﴾ لتزاحم ظلمات صفات البشرية ﴿ حرجاً ﴾ لتعلقاته بالدنيا وشهواتها ﴿ كأنما يصعد في السماء ﴾ لأنه سفلي بالطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر.
﴿ وهذا ﴾ الذي بينا من الهداية والضلالة ﴿ صراط ربك ﴾ باللطف والقهر فبجذبات اللطف يهدي السعيد وبسطوات القهر يضل الشقي.
﴿ لهم دار السلام ﴾ أي السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج عن ظلمات الاثنينية.
﴿ ويوم يحشرهم ﴾ في موقف القالب البشري بالحكمة البالغة والقدرة الكاملة ﴿ يا معشر الجن ﴾ أي الصفات الشيطانية ﴿ قد استكثرتم من الإنس ﴾ أي غلبتم على الصفات الإنسانية ﴿ وقال أولياؤهم من الإنس ﴾ يعني النفس الأمارة ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ واستمتاع النفس الأمارة بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره على تحصيل شهواتها ولذاتها العاجلة وحظوظها، واستمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائها كما استعان بحواء على إغواء آدم.
﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ يعني أن مدة الاستمتاع وما جرى بيننا إنما كان بمقتضى قضائك وقدرك فأجابهم بأن الثوى في النار أيضاً بقضاء الله ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فيتوب عليهم ﴿ إن ربك حكيم ﴾ في تقدير الاستمتاع ﴿ عليم ﴾ بأهل الجنة وبأهل النار، ﴿ وكذلك ﴾ أي كما جعلنا مردة الجن والإنس بعضهم أولياء بعض فكذلك نجعل بعض الظالمين أولياء بعض بما كانوا يكسبون من إفساد الاستعداد الفطري ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ يعني الإلهامات الربانية.
وشهدوا على أنفسهم أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا صدأ مرآة قلوبهم ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ﴾ وما التوفيق إلا منه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ﴾ .
يشبه [أن يكون المثل الذي ضرب الله للمؤمن والكافر في الآية أن من كان في ظلمات البطن لا يبصر ولا يسمع ولا يعقل شيئاً]، ثم أخرج من ذلك؛ فأبصر وسمع وعقل كمن ترك في تلك الظلمات ولم يخرج منها لا يبصر، ولا [يسمع] ولا يعقل، يقول - والله أعلم -: لا يستوي من أخرج من ظلمات البطن بعد ما كان لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل، ولا يفهم، ثم أبصر وسمع وعقل - والذي ترك في تلك الظلمات على الحال التي كان كما هو: لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل؛ فعلى ذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق ويسمع ويعقل كل خير ويعلمه، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس [بنوره] وله أصحاب يدعون الناس إلى الهدى والخير - والكافر: الذي لا يبصر الخير ولا يسمع ولا يعقل، وليس له أصحاب يدعونه إلى الهدى والخيرات، أي: ليس هذا الذي يبصر ويسمع ويعقل كالذي لا يبصر ولا يسمع ولا يعقل.
وجائز أن يكون المثل الذي ضرب [الله]: أن يكون المؤمن والكافر جميعاً حيين في الجوهر، لكن المؤمن اكتسب ما به يحيا أبداً من العلم، والقرآن، والإيمان.
والكافر لم يكتسب من ذلك شيئاً؛ فهو كالميت الذي لا يبصر ولا يسمع الحق ولا يعقل.
ويحتمل هذا المثل وجهاً آخر، وهو أن المؤمن يكتسب في الدنيا الخيرات، والأعمال الصالحة، ويكون له نور في الآخرة بالأعمال التي اكتسب في الدنيا، ويمشي بنور ذلك فيما بين الناس في الآخرة، وأما الكافر فإنه لم يكتسب من ذلك شيئاً؛ فيبقى في الظلمات، كقوله: ﴿ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ ﴾ : والمعتزلة يقولون: [هم] جعلوا لأنفسهم نوراً يمشون [به] في الناس، وقد أخبر أنه هو الذي يجعل لهم ذلك النور؛ فذلك تحريف منهم ظاهر للقرآن.
وكذلك قوله: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ : وهم يقولون: هو قدير على بعض الأشياء.
وقال: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ : وهم يقولون: [هو] خالق بعض الأشياء.
وقال: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ وهم يقولون: يشاء ألا يفعلوا ما فعلوا، ولكن فعلوا غير ما شاء الله.
وكذلك [قوله]: ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ : وهم يقولون: لم يجعل لكل نبي عدوّا وهم جعلوا أنفسهم لهم أعداء.
وكذلك قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ : وهم يقولون: جعل الأكابر فيها؛ لئلا يمكروا فيها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
اختلف [فيه]: قال بعضهم: كما زينا للمؤمنين عبادة الله كذلك زينا للكافرين عبادة الله، لكنهم عاندوا وصرفوا العبادة إلى غير الله، وهو تأويل المعتزلة.
وقال قائلون: زين لهم أعمالهم التي يعملونها.
ثم اختلف في الذي زينها: قال الحسن: زين الشيطان أعمالهم [لهم].
وقال غيره: زينها الأكابر على الأصاغر.
وقال قائلون: زينها الله، ولكن ما أضيف إلى الشيطان من التزيين والإضلال إنما يضاف إلى ما يدعوهم ويحثهم على ذلك ويوحي إليهم، وما يضاف إلى الأكابر: القول والدعاء إلى ذلك، وما يضاف إلى الله من: التزيين، والإضلال، والإزاغة، وغير ذلك يضاف للخلق، أي: خلق منهم: فعل الضلال، وفعل التزيين، وفعل الزيغ، يضاف إلى الله خلقاً، وإلى الشيطان والأكابر: دعاء ووحياً وإلقاء، على هذا يخرج جميع الإضافات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا ﴾ .
أي: جعل في كل قرية من أهل الكفر أكابر مجرميها، وعظماءها، كما جعل في قريتك أكابر مجرميها؛ يصبر رسوله على ذلك ليعلم أنه ليس بمخصوص هو بهذا دون غيره من الأنبياء.
ثم اختلف في قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا ﴾ ، وقد ذكرنا أقاويلهم في قوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، ثم قوله: ﴿ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ .
قالت المعتزلة: لم يجعل الأكابر فيها ليمكروا فيها؛ ولكن لما وسع الدنيا وبسطها عليهم مكروا فيها، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ : لا يجوز أن يخلقهم [لجهنم]؛ [ولكن لما عملوا أعمال الكفر والضلال صاروا لجهنم].
وقالوا: هو على الإضمار؛ كأنه قال: كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها لئلا يمكروا [فيها]، لكنهم مكروا فيها لما ذكرنا.
لكن قوله: ﴿ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ ليكون أدعى وأظهر للحجج؛ لأنه لو كان بعث الرسل أكابر لكان الناس يتبعون الأكابر وإن لم يأتوا بالحجج وغيرهم لا يتبعون إلا بالحجج والآيات.
ومنهم من يقطع قوله: ﴿ لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ عن قوله: ﴿ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ ﴾ ، يقول: معناه: وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، ثم قال: ﴿ لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ ، أي: ما جعل ذلك لهم ليمكروا.
ومنهم من يقول: هو إخبار [عمَّا] إليه صار أمرهم؛ كقوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ : وهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزناً؛ إنما التقطوه ليكون لهم وليّاً، لكنه لما صار في العاقبة عدوا لهم أخبر عما آل إليه أمره؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ : أخبر عما إليه صاروا في المكر.
وعندنا: لا يخلو هذا إما أن يقال: إنه يخلقهم لغير المكر والضلال، وهو يعلم [أنهم] لا يكونون لما يخلقهم؛ فذلك ليس فعل حكيم: أن يعمل عملا يعلم أنه لا يكون، نحو: من يبني بناء يعلم أنه لا يسكن، أو يقصد قصد موضع يعلم أنه لا يصل إليه؛ فهو بالقصد عابث ليس بحكيم؛ فعلى ذلك الله - - لا يجوز أن يخلقهم للهدى والعبادة له مع علمه أنهم لا يكونون لما يخلقهم، أو أن يخلقهم لذلك وهو لا يعلم أنهم يكونون كذلك؛ فهو جهل بالعواقب؛ فالله يتعالى عن ذلك؛ فدل أنه خلقهم ليكونوا على ما علم أنهم يكونون ويختارون ذلك.
وقوله: ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ : كان عند الله أنهم يلتقطونه ليكون لهم عدوّاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .
أي: ما يشعرون أن عاقبة مكرهم ترجع إليهم أو واقع فيهم.
وأصله أن الله - - جعلهم وخلقهم على ما علم منهم أنهم يختارون ويكون منهم ذلك.
وقوله: ﴿ وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ ﴾ .
يخبر - عز وجل - عن غاية سفههم وتعنتهم وأنهم على علم يعاندون ويتكبرون على رسول الله [لأنهم علموا أن ما نزل على رسول الله آية، وأنه رسول حيث قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله وعلموا أن الرسالة لا تجعل إلا في المعظم عند الله والمفضل لديه حيث تمنوا أنهم لا يؤمنون حتى يؤتوا من الآيات مثل ما أوتي رسل الله] ولو لم يكن كذلك لم يكونوا يتمنون إيتاء ما أوتي الرسل، وعلموا أن هذا القرآن الذي أنزل على محمد آية وحجة، وأنه من عند الله نزل؛ حيث قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ، وعلموا - أيضاً - أن الرسالة لا تجعل إلا في عظماء من البشر وكبرائهم؛ حيث قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ لكنهم ظنوا أنها إنما تجعل في العظماء الذين هم عند الخلق عظماء؛ فقال الله - -: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ فتناقضت أقاويلهم وحجاجهم بما ذكرنا من إقرارهم بالرسل والآيات، وتفضيلهم على غيرهم من البشر ثم قال: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ .
جملة جواب ما قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ على أن يقال: إنكم عرفتم أن الله عالم قادر؛ فهو أعلم حيث يجعل رسالته.
ثم اختلف في قوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ : قال بعضهم: جعل الرسالة في أوساط الناس أظهر للحجج وأبين من جعلها في أكابر الناس وعظمائهم في الدنياوية؛ لأن الناس مجبولون على اتباع الأكابر والأعاظم؛ فلو جعلت الرسالة فيهم لكانت الحجج لا تظهر؛ لأنهم جبلوا على اتباعهم، وأما أوساط الناس في الدنياوية: إذا جعلت فيهم الرسالة لظهرت الحجج والبراهين؛ لأنهم لم يجبلوا على اتباع الأوساط من الناس؛ فكان اتباعهم للحجج والبراهين.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ \[أي لا تجعل الرسالة فيمن يضيِّع وليس هو بأهل لها ولا موضعها؛ لأنه لو جعل لكان في ذلك تضييع الرسالة\].
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
أخبر أن من تكبر على رسول الله وعانده لم يكن له عند الله: صغار، ومذلة، وعذاب شديد؛ بصنيعهم الذي صنعوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ ﴾ .
قيل: "سئل رسول الله عن هذه الآية؛ فقال: نورٌ يُقذف فيه؛ فقالوا: وهل لذلك [من] علامة قال: نعم، إذا دخل النورُ في القلب انشرحَ وانفسح؛ قالوا يا رسول الله، وهل لذلك [من] علامة يعرف بها؟
قال: نعم، الإنابةٌ إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعدادُ للموت قبل نزول الموت" ؛ فلو ثبت هذا عن رسول الله وكان هذا انشراح الصدر للإسلام فقليلا ما يوجد على هذا الوصف، إلا أن يريد به: الاعتقاد واليقين بما ذكر.
ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: الإرادة صفة [فعل] كل فاعل يفعل على الاختيار؛ كأنه قال: فمن يهد الله يشرح صدره للإسلام، ومن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجا.
وقال فريق من المعتزلة من نحو جعفر بن حرب والكعبي وهؤلاء: تأويله: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ ﴾ ، أي: من قَبِلَ هداية الله في الابتداء شرح الله صدره بعد ذلك بخيرات؛ ثواباً لما قبل من الهداية، ومن ترك قبول هداية الله في الابتداء عاقبه الله بضيق صدره؛ عقوبة له في ترك قبول الهداية؛ إذ لله أن يهدي الخلق كلهم وأن يشرح صدرهم للإسلام، لكنهم لم يهتدوا.
وقال فريق منهم: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ ﴾ طريق الجنة في الآخرة شرح صدره في الدنيا للإسلام، ومن يرد الله أن يضله طريق الجنة في الآخرة جعل صدره في الدنيا ضيقاً حرجاً؛ فيقال لهم: كذلك هو - كما يقولون - قد قلتم: إنه أراد أن يضلهم، ثم يقال لهم: تقولون إنه أراد أن يهدي الخلق كلهم ويشرح صدرهم للإسلام، ثم تقولون: إنه يضل طريق الجنة في الآخرة؛ فهذا على زعمكم جور؛ لأنه أراد في الدنيا أن يهديهم ويريد في الآخرة - أيضاً - لهم أن يضلهم عن طريق الجنة لأولئك بعينهم فذا جور على قولكم.
وظاهر الآية يرد قولهم وينقض مذهبهم؛ لأنه قال: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ...
﴾ جعلهم على صنفين: صنف أراد منهم أن يهديهم، وصنف أراد أن يضلهم: من علم منه أنه يختار الهدى ويقبله أراد أن يهديه ويشرح صدره للإسلام، ومن علم منه أنه يختار الضلال أراد أن يضله ويجعل صدره ضيقاً حرجاً، ولا يجوز أن يريد هو ممن يعلم منه أنه يختار الضلال وعداوته الولاية منه؛ لأن ذلك من الضعف: من أراد عداوته وهو يريد ولايته، أو يريد منه غير الذي علم كونه منه واختاره.
والمعتزلة يقولون: قد أراد أن يهدي الكل لكنهم أرادوا ألا يهتدوا فلم يهتدوا، غلبت إرادتهم إرادة الله - - فذلك وحش من القول سمج؛ فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الحق، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ضَيِّقاً حَرَجاً ﴾ .
قيل: الحرج ضيق الضيق، وهو شدة الضيق: وصف قلب المؤمن بالسعة والفسح، ووصف [قلب] الكافر بالضيق والحرج، وليس قلب هذا في رأي العين أوسع من قلب الآخر، لكنه - والله أعلم - وصف قلب المؤمن بالسعة؛ لما انتفع بقلبه في الدنيا والآخرة، والكافر لم ينتفع بقلبه؛ فوصفه بالضيق والحرج، وهو كما وصف الكافر بالصمم والبكم والخرس؛ لما لم ينتفع بهذه الحواس، وكذلك سماه ميتاً؛ لما لم ينتفع بحياته، وسمى المؤمن حيّاً؛ لما انتفع بحياته؛ فعلى ذلك هذا: وصف الكافر بضيق الصدر؛ لما لم ينتفع به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
قيل: كالمتكلف للصعود إلى السماء لا يقدر عليه.
وقيل: ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ : كأنما يشق عليه الصعود.
وروي عن عمر - - أنه قال: ما تصعد في شيء ما تصعده في الخطبة، أي ما يشق عليَّ شيء ما شق عليَّ الخطبة.
وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
اختلف في الرجس قيل: الرجس: الإثم، أي: كما جعل قلوبهم ضيقة حرجة بكفرهم كذلك يجعل في قلوبهم الإثم.
وقيل: الرجس: اللعن والغضب، أي: جعل في قلوبهم اللعن والغضب؛ دليله قوله: ﴿ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وهل يستوي الذي كان قبل هداية الله له ميتًا -لما هو فيه من الكفر والجهل والمعاصي- فأحييناه بهدايته للإيمان والعلم والطاعة-: مع من هو في ظلمات الكفر والجهل والمعاصي لا يستطيع الخروج منها، قد التبست عليه الطرق، وأظلمت عليه المسالك؟!
كما حُسِّن لهؤلاء المشركين ما هم عليه من الشرك وأكل الميتة والجدال بالباطل حُسِّن للكافرين ما كانوا يعملون من المعاصي ليجازوا عليها يوم القيامة بالعذاب الأليم.
<div class="verse-tafsir" id="91.KMWk6"