الآية ١٢ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٢ من سورة الأنعام

قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 121 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهن ، وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة ، كما ثبت في الصحيحين ، من طريق الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، - رضي الله عنه - ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - " إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش ، إن رحمتي تغلب غضبي " وقوله : ( ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ) هذه اللام هي الموطئة للقسم ، فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعن عباده لميقات يوم معلوم [ وهو يوم القيامة ] الذي لا ريب فيه ولا شك فيه عند عباده المؤمنين ، فأما الجاحدون المكذبون فهم في ريبهم يترددون .

وقال ابن مردويه عند تفسير هذه الآية : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عقبة ، حدثنا عباس بن محمد ، حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا محصن بن عقبة اليماني ، عن الزبير بن شبيب ، عن عثمان بن حاضر ، عن ابن عباس قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوقوف بين يدي رب العالمين ، هل فيه ماء؟

قال : " والذي نفسي بيده ، إن فيه لماء ، إن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء ، ويبعث الله تعالى سبعين ألف ملك في أيديهم عصي من نار ، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء " .

هذا حديث غريب وفي الترمذي : " إن لكل نبي حوضا ، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة ، وأرجو أن أكون أكثرهم واردة ولهذا قال : ( الذين خسروا أنفسهم ) [ أي يوم القيامة ] ( فهم لا يؤمنون ) أي : لا يصدقون بالمعاد ، ولا يخافون شر ذلك اليوم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمّد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم =" لمن ما في السماوات والأرض "، يقول: لمن ملك ما في السماوات والأرض؟

ثم أخبرهم أن ذلك لله الذي استعبدَ كل شيء، وقهر كل شيء بملكه وسلطانه = لا للأوثان والأنداد، ولا لما يعبدونه ويتخذونه إلهًا من الأصنام التي لا تملك لأنفسها نفعًا ولا تدفع عنها ضُرًّا.

وقوله: " كتب على نفسه الرحمة " ، يقول: قضى أنَّه بعباده رحيم, لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة.

(6) وهذا من الله تعالى ذكره استعطاف للمعرضين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة.

يقول تعالى ذكره: أن هؤلاء العادلين بي، الجاحدين نبوّتك، يا محمد, إن تابوا وأنابوا قبلت توبتهم, وإني قد قضيت في خَلْقي أنّ رحمتي وسعت كل شيء، كالذي:- 13096 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن الأعمش, عن ذكوان, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما فرغ الله من الخلق، كتب كتابًا: " إنّ رحمتي سَبَقَتْ غضبي".

(7) 13097 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود, عن أبي عثمان, عن سلمان قال: إنّ الله تعالى ذكره لما خلق السماء والأرض, خلق مئة رحمةٍ, كل رحمة ملء ما بين السماء إلى الأرض.

فعنده تسع وتسعون رحمةً, وقسم رحمة بين الخلائق.

فبها يتعاطفون، وبها تشرب الوَحْش والطير الماءَ.

فإذا كان يوم ذلك، (8) قصرها الله على المتقين، وزادهم تسعًا وتسعين.

(9) 13098- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن داود, عن أبي عثمان, عن سلمان، نحوه = إلا أن ابن أبي عدي لم يذكر في حديثه: " وبها تشرب الوحش والطير الماء ".

(10) 13099- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن عاصم بن سليمان, عن أبي عثمان, عن سلمان قال: نجد في التوراة عطفتين: أن الله خلق السماوات والأرض, ثم خلق مئة رحمة = أو: جعل مئة رحمة = قبل أن يخلق الخلق.

ثم خلق الخلق، فوضع بينهم رحمة واحدة, وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة.

قال: فبها يتراحمون, وبها يتباذلون, وبها يتعاطفون, وبها يتزاورون, (11) وبها تحنُّ الناقة, وبها تثُوجُ البقرة, (12) وبها تيعر الشاة, (13) وبها تتَّابع الطير, وبها تتَّابع الحيتان في البحر.

(14) فإذا كان يوم القيامة، جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده.

ورحمته أفضل وأوسع.

13100- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن عاصم بن سليمان, عن أبي عثمان النهدي, عن سلمان في قوله: " كتب على نفسه الرحمة " ، الآية قال: إنا نجد في التوراة عَطْفتين= ثم ذكر نحوه إلا أنه قال: (15) " وبها تَتَابع الطير, وبها تَتَابع الحيتان في البحر ".

(16) 13101 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال، قال ابن طاوس, عن أبيه: إن الله تعالى ذكره لما خلق الخلق, لم يعطف شيء على شيء, حتى خلق مئة رحمة, فوضع بينهم رحمة واحدة, فعطف بعضُ الخلق على بعض.

13102- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه، بمثله .

13103 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال، وأخبرني الحكم بن أبان, عن عكرمة ، حسبته أسنده قال: إذا فرغ الله عز وجلّ من القضاء بين خلقه, أخرج كتابًا من تحت العرش فيه: " إن رحمتي سبقت غضبي, وأنا أرحم الراحمين " ، قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة = أو قال: " مِثلا أهل الجنة ", ولا أعلمه إلا قال: " مثلا ", وأما " مثل " فلا أشك = مكتوبًا ها هنا, وأشار الحكم إلى نحره," عتقاء الله " ، فقال رجل لعكرمة: يا أبا عبد الله, فإن الله يقول: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [سورة المائدة: 37] ؟

قال: ويلك !

أولئك أهلها الذين هم أهلها.

13104- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الحكم بن أبان, عن عكرمة ، حسبت أنه أسنده قال: إذا كان يوم القيامة، أخرج الله كتابًا من تحت العرش = ثم ذكر نحوه, غير أنه قال: فقال رجل: يا أبا عبد الله, أرأيت قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ = وسائر الحديث مثل حديث ابن عبد الأعلى .

13105- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن همام بن منبه قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما قضى الله الخلق، كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: " إنّ رحمتي سبقت غضبي".

(17) 13106 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن أبي أيوب, عن عبد الله بن عمرو: أنه كان يقول: إن لله مئة رحمة, فأهبط رحمةً إلى أهل الدنيا، يتراحم بها الجن والإنس، وطائر السماء، وحيتان الماء، ودوابّ الأرض وهوامّها.

وما بين الهواء.

واختزن عنده تسعًا وتسعين رحمة, حتى إذا كان يوم القيامة، اختلج الرحمةَ التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا, (18) فحواها إلى ما عنده, فجعلها في قلوب أهل الجنة، وعلى أهل الجنة.

(19) 13107 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة قال: قال عبد الله بن عمرو: إن لله مئة رحمة, أهبط منها إلى الأرض رحمة واحدة، يتراحم بها الجنّ والإنس، والطير والبهائم وهوامُّ الأرض.

13108 - حدثنا محمد بن عوف قال، أخبرنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج قال، حدثنا صفوان بن عمرو قال، حدثني أبو المخارق زهير بن سالم قال، قال عمر لكعب: ما أوَّل شيء ابتدأه الله من خلقه؟

فقال كعب: كتب الله كتابًا لم يكتبه بقلم ولا مداد, ولكنه كتب بأصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت (20) " أنا الله لا إله إلا أنا، سبقت رحمتي غضبي".

(21) * * * القول في تأويل قوله : لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ قال أبو جعفر: وهذه " اللام " التي في قوله: " ليجمعنكم " ، لام قسم .

* * * ثم اختلف أهل العربية في جالبها, فكان بعض نحويي الكوفة يقول: إن شئت جعلت " الرحمة " غاية كلام، ثم استأنفت بعدها: " ليجمعنكم ".

قال: وإن شئت جعلتَه في موضع نصب = يعني: كتب ليجمعنكم = كما قال: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ [سورة الأنعام: 54] ، يريد: كتب أنه من عمل منكم = قال: والعرب تقول في الحروف التي يصلح معها جوابُ كلام الأيمان ب " أن " المفتوحة وب " اللام ", (22) فيقولون: " أرسلت إليه أن يقوم "," وأرسلت إليه ليقومن ".

قال: وكذلك قوله: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ، [سورة يوسف: 35] .

قال: وهو في القرآن كثير.

ألا ترى أنك لو قلت: " بدا لهم أن يسجنوه ", لكان صوابًا؟

(23) وكان بعض نحويي البصرة يقول: نصبت " لام "" ليجمعنكم " ، لأن معنى: " كتب " [: فرضَ، وأوجب، وهو بمعنى القسم] ، (24) كأنه قال: والله ليجمعنكم.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أن يكون قوله: كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، غايةً, وأن يكون قوله: " ليجمعنكم " ، خبرًا مبتدأ = ويكون معنى الكلام حينئذ: ليجمعنكم الله، أيها العادلون بالله، ليوم القيامة الذي لا ريب فيه، لينتقم منكم بكفركم به.

وإنما قلت: هذا القول أولى بالصواب من إعمال " كتب " في" ليجمعنكم " ، لأن قوله: " كتب " قد عمل في الرحمة, فغير جائز، وقد عمل في" الرحمة "، أن يعمل في" ليجمعنكم " ، لأنه لا يتعدَّى إلى اثنين.

* * * فإن قال قائل: فما أنت قائل في قراءة من قرأ: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ ، [سورة الأنعام: 54] بفتح " أنّ" ؟

قيل: إن ذلك إذ قرئ كذلك, فإن " أنّ" بيانٌ عن " الرحمة "، وترجمة عنها.

لأن معنى الكلام: كتب على نفسه الرحمة أن يرحم [ من تاب ] من عباده بعد اقتراف السوء بجهالة ويعفو، (25) و " الرحمة "، يترجم عنها ويبيَّن معناها بصفتها.

وليس من صفة الرحمة " ليجمعنكم إلى يوم القيامة " ، فيكون مبينًا به عنها.

فإذ كان ذلك كذلك, فلم يبق إلا أن تنصب بنية تكرير " كتب " مرة أخرى معه, ولا ضرورة بالكلام إلى ذلك، فيوجَّه إلى ما ليس بموجود في ظاهره.

وأما تأويل قوله: " لا ريب فيه " ، فإنه لا شك فيه, (26) يقول: في أنّ الله يجمعكم إلى يوم القيامة، فيحشركم إليه جميعًا, ثم يؤتى كلَّ عامل منكم أجرَ ما عمل من حسن أو سيئ .

* * * القول في تأويل قوله : الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " الذين خسروا أنفسهم " ، العادلين به الأوثانَ والأصنامَ.

يقول تعالى ذكره: ليجمعن الله =" الذين خسروا أنفسهم ", يقول: الذين أهلكوا أنفسهم وغبنوها بادعائهم لله الندَّ والعَدِيل, فأوبقوها باستيجابهم سَخَط الله وأليم عقابه في المعاد.

(27) * * * وأصل " الخسار "، الغُبْنُ.

يقال منه ": خسر الرجل في البيع "، إذا غبن, كما قال الأعشى: لا يَــأخُذُ الرِّشْــوَةَ فِــي حُكْمِـهِ وَلا يُبَـــالِي خَسَـــرَ الخَاسِــر (28) وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته.

(29) * * * وموضوع " الذين " في قوله: " الذين خسروا أنفسهم " ، نصبٌ على الرد على " الكاف والميم " في قوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ ، على وجه البيان عنها.

وذلك أنّ الذين خسروا أنفسهم, هم الذين خوطبوا بقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ .

* * * وقوله: " فهم لا يؤمنون " ، يقول: " فهم "، لإهلاكهم أنفسهم وغَبْنهم إياه حظَّها =" لا يؤمنون ", أي لا يوحِّدون الله، ولا يصدِّقون بوعده ووعيده، ولا يقرُّون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

--------------------- الهوامش : (6) انظر تفسير"كتب" فيما سلف 10: 359 ، تعليق : 1.

(7) الأثر: 13096 - إسناده صحيح.

وهو حديث مشهور.

"ذكوان" ، هو"أبو صالح".

ورواه البخاري (الفتح 13: 325) من طريق أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، بغير هذا اللفظ ، مطولا.

وانظر تعليق أخي السيد أحمد على المسند رقم: 7297 ، 7491 ، 7520.

(8) في المطبوعة: "فإذا كان يوم القيامة ، قصرها" ، وأثبت ما في المخطوطة.

وأما سائر المراجع فذكرت ما كان في المطبوعة.

والذي في المخطوطة جائز ، فإن"ذلك" إشارة إلى معهود معروف ، وهو يوم القيامة.

(9) الأثران: 13097 ، 13098 -"داود" ، هو"داود بن أبي هند" مضى مرارًا.

و"أبو عثمان" ، هو"أبو عثمان النهدي": "عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي النهدي" ، تابعي ثقة ، أدرك الجاهلية.

مترجم في التهذيب.

(10) الأثران: 13097 ، 13098 -"داود" ، هو"داود بن أبي هند" مضى مرارًا.

و"أبو عثمان" ، هو"أبو عثمان النهدي": "عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي النهدي" ، تابعي ثقة ، أدرك الجاهلية.

مترجم في التهذيب.

(11) في المخطوطة ، فوق"يتزاورون" ، حرف (ط) ، دلالة على الشك أو الخطأ.

ولا أدري ما أراد بذلك ، والذي في المخطوطة والمطبوعة ، مثله في الدر المنثور.

(12) في المطبوعة: "تنئج البقرة" ، وفي الدر المنثور: "تنتج البقرة" ، وهو خطأ.

والذي في المطبوعة ، صواب في المعنى.

يقال: "نأج الثور ينئج" ، إذا صاح.

وأما الذي في المخطوطة ، فهو صواب أيضًا ، ولذلك أثبته ، يقال: "ثاجت البقرة تثاج وتثوج ، ثوجًا وثواجًا": صوتت.

قال صاحب اللسان: "وقد يهمز ، وهو أعرف.

إلا أن ابن دريد قال: ترك الهمز أعلى".

(13) "يعرت الشاة تيعر يعارًا": صاحت.

(14) أنا في شك في قوله"تتابع الطير" و"تتابع الحيتان" ، ولكن هكذا هو المطبوعة والمخطوطة ، وهو معنى شبيه بالاستقامة.

وانظر التعليق التالي.

(15) في المطبوعة: "إلا أنه ما قال" ، زاد"ما" ، لأنه استشكل عليه الكلام ، فإن الذي قاله في هذا الخبر ، هو الذي قاله في الخبر السالف.

والظاهر والله أعلم أن الأولى كما ضبطتها هناك"تتابع" (بفتح ثم تاء مفتوحة مشددة) وأن هذه الثانية"تتابع" (بفتح التاء الثانية غير مشددة) على حذف إحدى التاءات الثلاث.

(16) الأثران: 13099 ، 13100 - خرجهما السيوطي في الدر المنثور 3: 6 ، وقال: "أخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن سلمان .

.

." ، وساق الخبر.

(17) الأثر: 13105 - رواه أحمد في مسنده بهذا الإسناد رقم: 8112 ، ولفظه: "غلبت غضبي".

وانظر تعليق أخي السيد أحمد عليه هناك.

وانظر التعليق على الأثر السالف رقم: 13096.

(18) "اختلج الشيء": جذبه وانتزعه.

(19) الأثر: 13106 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 6 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وأبي الشيخ.

(20) هكذا في المطبوعة ، وفي الدر المنثور ، "يتلوها" ، وهي في المخطوطة كذلك ، إلا أنها غير منقوطة ، وأنا في ريب من أمر هذا الحرف ، أخشى أن يكون محرفًا عن شيء آخر لم أتبينه ، وإن كان المعنى مستقيما على ضعف فيه.

(21) الأثر: 13108 -"محمد بن عوف بن سفيان الطائي" ، شيخ الطبري مضى ، برقم: 5445 ، 12194.

و"أبو المغيرة" : عبد القدوس بن الحجاج الخولاني" ، مضى برقم: 10371 ، 12194.

و"صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي" ، مضى برقم: 7009 ، 12807.

و"أبو المخارق": "زهير بن سالم العنسي".

ذكره ابن حبان في الثقات ، "روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا".

وقال الدارقطني: "حمصي ، منكر الحديث" ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/390 ، وابن أبي حاتم 1/2/587 ، وميزان الاعتدال 1: 353.

وهذا الخبر ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 6 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.

وهو خبر كما ترى ، عن كعب الأحبار ، مشوب بما كان من دأبه في ذكر الإسرائليات.

(22) هكذا في المطبوعة والمخطوطة ، وهو في معاني القرآن"جواب الأيمان" ، وهو الأجود.

(23) انظر معاني القرآن للفراء 1: 328.

وهذا نص كلامه.

(24) الزيادة التي بين القوسين ، استظهرتها من سياق التفسير ، ليستقيم الكلام.

وهي ساقطة من المخطوطة والمطبوعة.

(25) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام ، استظهرتها من معنى الآية.

وانظر ما سيأتي في تفسيرها ص: 392 ، 393.

(26) انظر تفسير"الريب" فيما سلف 8: 592 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.

(27) في المطبوعة والمخطوطة "بإيجابهم سخط الله" وهو لا يستقيم صوابه ما أثبت.

(28) ديوانه: 105 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 187.

وهكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة"خسر الخاسر" ، ورواية ديوانه وغيره: "غَبَنَ الْخَاسِر" بتحريك الباء بالفتح.

والذي نص عليه أصحاب اللغة أن"الغبن" بفتح وسكون ، في البيع ، وأن"الغبن" (بفتحتين) في الرأي ، وهو ضعفه.

فكأن ما جاء في رواية ديوان الأعشى ، ضرورة ، حركت الباء وهي ساكنة إلى الفتح.

وأما رواية أبي جعفر ، فهي على الصواب يقال: "خسر خسرًا (بفتح فسكون) ، وخسرًا (بفتحتين)." وهذا البيت من قصيدته في هجاء علقمة بن علاثة ومدح عامر بن الطفيل ، ذكرت خبرها في أبيات سلفت منها 1: 474/2 : 131/5 : 477 ، 478.

وقبل البيت: حَـــكَّمْتُمُونِي، فَقَضَـــى بَيْنَكُــمْ أَبْلَـــجُ مِثْــلُ القَمَــرِ البَــاهِرِ (29) انظر تفسير"الخسار" فيما سلف 10: 409 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل لمن ما في السماوات والأرض هذا أيضا احتجاج عليهم ; المعنى قل لهم يا محمد : لمن ما في السماوات والأرض فإن قالوا لمن هو ؟

فقل هو لله المعنى : إذا ثبت أن له ما في السماوات والأرض وأنه خالق الكل إما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم ، فالله قادر على أن يعاجلهم بالعقاب ، ويبعثهم بعد الموت .

ولكنه كتب على نفسه الرحمة أي : وعد بها فضلا منه وكرما ، فلذلك أمهل ، وذكر النفس هنا عبارة عن وجوده ، وتأكيد وعده ، وارتفاع الوسائط دونه ; ومعنى الكلام الاستعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه ، وإخبار منه سبحانه بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ، ويقبل منهم الإنابة والتوبة .

وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي أي : لما أظهر قضاءه وأبرزه لمن شاء أظهر كتابا في اللوح المحفوظ - أو فيما شاءه - مقتضاه خبر حق ووعد صدق إن رحمتي تغلب غضبي أي : تسبقه وتزيد عليه .قوله تعالى : ليجمعنكم اللام لام القسم ، والنون نون التأكيد .

وقال الفراء وغيره : يجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله : الرحمة ويكون ما بعده مستأنفا على جهة التبيين ; فيكون معنى ليجمعنكم ليمهلنكم وليؤخرن جمعكم .

وقيل : المعنى ليجمعنكم أي : في القبور إلى اليوم الذي أنكرتموه .

وقيل : إلى بمعنى في ، أي : ليجمعنكم في يوم القيامة .

[ ص: 307 ] وقيل : يجوز أن يكون موضع ليجمعنكم نصبا على البدل من الرحمة ; فتكون اللام بمعنى ( أن ) المعنى : كتب ربكم على نفسه ليجمعنكم ، أي : أن يجمعكم ; وكذلك قال كثير من النحويين في قوله تعالى : ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه أي : أن يسجنوه .

وقيل : موضعه نصب ب كتب ; كما تكون ( أن ) في قوله عز وجل كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة وذلك أنه مفسر للرحمة بالإمهال إلى يوم القيامة ; عن الزجاج .

لا ريب فيه لا شك فيه .

الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ابتداء وخبر ، قاله الزجاج ، وهو أجود ما قيل فيه ; تقول : الذي يكرمني فله درهم ، فالفاء تتضمن معنى الشرط والجزاء .

وقال الأخفش : إن شئت كان الذين في موضع نصب على البدل من الكاف والميم في ليجمعنكم أي : ليجمعن المشركين الذين خسروا أنفسهم ; وأنكره المبرد وزعم أنه خطأ ; لأنه لا يبدل من المخاطب ولا من المخاطب ، لا يقال : مررت بك زيد ولا مررت بي زيد لأن هذا لا يشكل فيبين .

قال القتبي : يجوز أن يكون الذين جزاء على البدل من المكذبين الذين تقدم ذكرهم .

أو على النعت لهم .

وقيل : الذين نداء مفرد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم { قُلْ } لهؤلاء المشركين بالله، مقررا لهم وملزما بالتوحيد: { لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: مَن الخالق لذلك، المالك له، المتصرف فيه؟

{ قُلْ } لهم: { لِلَّهِ } وهم مقرون بذلك لا ينكرونه، أفلا حين اعترفوا بانفراد الله بالملك والتدبير، أن يعترفوا له بالإخلاص والتوحيد؟".

وقوله { كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } أي: العالم العلوي والسفلي تحت ملكه وتدبيره، وهو تعالى قد بسط عليهم رحمته وإحسانه، وتغمدهم برحمته وامتنانه، وكتب على نفسه كتابا أن رحمته تغلب غضبه، وأن العطاء أحب إليه من المنع، وأن الله قد فتح لجميع العباد أبواب الرحمة، إن لم يغلقوا عليهم أبوابها بذنوبهم، ودعاهم إليها، إن لم تمنعهم من طلبها معاصيهم وعيوبهم، وقوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ } وهذا قسم منه، وهو أصدق المخبرين، وقد أقام على ذلك من الحجج والبراهين، ما يجعله حق اليقين، ولكن أبى الظالمون إلا جحودا، وأنكروا قدرة الله على بعث الخلائق، فأوضعوا في معاصيه، وتجرءوا على الكفر به، فخسروا دنياهم وأخراهم، ولهذا قال: { الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( قل لمن ما في السموات والأرض ) فإن أجابوك وإلا ف ( قل ) أنت ، ( لله ) أمره بالجواب عقيب السؤال ليكون أبلغ في التأثير وآكد في الحجة ، ( كتب ) أي : قضى ، ( على نفسه الرحمة ) هذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال عليه وإخباره بأنه رحيم بالعباد لا يعجل بالعقوبة ، ويقبل الإنابة والتوبة .

أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أخبرنا أبو طاهر الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه قال ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي غلبت غضبي " .

وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة : " إن رحمتي [ سبقت ] غضبي .

أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن علي الكركاني أنا أبو طاهر الزيادي أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا عبد الرحمن المروزي أخبرنا عبد الله بن المبارك أنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لله رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام ، فبها يتعاطفون ، وبها يتراحمون ، وبها تتعاطف الوحوش على أولادها ، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا ابن أبي مريم ثنا أبو غسان حدثني زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم قال : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها ، تسعى إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته ، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم : " أترون هذه طارحة ولدها في النار؟

فقلنا : لا وهي تقدر على أن لا تطرحه ، فقال : الله أرحم بعباده من هذه بولدها " .

قوله عز وجل : ( ليجمعنكم ) اللام فيه لام القسم والنون نون التأكيد ، مجازه : والله ليجمعنكم ، ( إلى يوم القيامة ) أي : في يوم القيامة ، وقيل : معناه ليجمعنكم في قبوركم إلى يوم القيامة ، ( لا ريب فيه الذين خسروا ) غبنوا ، ( أنفسهم فهم لا يؤمنون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله» إن لم يقولوه لا جواب غيره «كتب على نفسه» قضى على نفسه «الرحمة» فضلا منه وفيه تلطف في دعائهم إلى الإيمان «لَيجمعنكم إلى يوم القيامة» ليجازيكم بأعمالكم «لا ريب» شك «فيه الذين خسروا أنفسهم» بتعريضها للعذاب مبتدأ خبره «فهم لا يؤمنون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: لمن مُلكُ السموات والأرض وما فيهن؟

قل: هو لله كما تقرون بذلك وتعلمونه، فاعبدوه وحده.

كتب الله على نفسه الرحمة فلا يعجل على عباده بالعقوبة.

ليجمعنكم إلى يوم القيامة الذي لا شك فيه للحساب والجزاء.

الذين أشركوا بالله أهلكوا أنفسهم، فهم لا يوحدون الله، ولا يصدقون بوعده ووعيده، ولا يقرون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق القرآن الكريم ألوانا من البراهين الدالة على وحداينة الله وقدرته وعلى أنه هو المهيمن على هذا الكون ، فقال - تعالى - : { قُل لِّمَن .

.

.

} .المعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين - على سبيل التوبيخ والتنبيه - من الذى يملك السموات والأرض وما فيهما من إنس وجن وحيوان ونبات وغير ذلك من المخلوقات ، إن الإجابة الصحيحة التى يعترفون بها ولا يستطيعون إنكارها أن جميع المخلوقات لله رب العالمين .

قال - تعالى - { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله } فالمقصود بالاستفهام تبكيتهم على عنادهم ، وتنبيههم إلى ضلالهم لعلهم يثوبون إلى رشدهم .قال الإمام الرازى : وقوله : { قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض } سؤال ، وقوله { قُل للَّهِ } جواب .

فقد أمره الله - تعالى - بالسؤال أولا ثم بالجواب ثانيا ، وهذا إنما يحسن فى الموضع الذى يكون الجواب قد بلغ فى الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر ، ولا يقدر على دفعه دافع ، وهنا كذلك لأن القوم كانوا معترفين بأن العالم كله لله وتحت تصرفه وقهره وقدرته " .ثم قال - تعالى - { كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة } أى : أوجب - سبحانه - على نفسه رحمته التى وسعت كل شىء والتى من مظاهرها أنه منح خيره ونعمه فى الدنيا للطائعين والعصاة ، وأنه سيحاسبهم يوم القيامة على أعمالهم فيجازى الذين أساءوا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .وفى الصحيحين عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش ، إن رحمتى تغلب غضبى " .وجملة ، ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ، يرى بعض العلماء أنها جواب لقسم محذوف أى : والله ليجمعنكم ، وجملة القسم والجواب لا محل لها من الإعراب ، وإن تعلقت بما قبلها من حيث المعنى وعلى هذا الرأى يكون الكلام قد تم عند قوله - تعالى - { كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة } .ويرى الزجاج ومن شايعه أن جملة ( ليجمنعكم ) فى محل نصب بدل من الرحمة ، وفسر ( ليجمعنكم ) بمعنى أمهلكم وأمد لكم فى العمر والرزق مع كفركم ، فهو تفسير الرحمة ، كما قال - تعالى - فى السورة نفسها ( كتب على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ) .والمقصود بهذه الجملة الكريمة ( ليجمعنكم ) بيان عدل الله بين عباده .

فهو لم يجمعهم يوم القيامة لتعذيبهم جميعا ، وإنما يجمعهم لإثابة المحسن ومعاقبة المسىء .ولما كان الكافرون ينكرون حصول البعث والحساب فقد أكد الله - تعالى - حصولهما باللام وبنون التوكيد الثقيلة ، وبتعدية الفعل بإلى دون فى للإشارة إلى أن هذا الجمع نهايته يوم القيامة - وبأنه يوم لا ينبغى لأحد أن يرتاب فيه لوضوح أدلته .ثم ختمت الآية الكريمة ببيان عاقبتهم السيئة فقال - تعالى - { الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } .أى : الذين خسروا أنفسهم بانطماس فطرتهم ، وإصرارهم على العناد والجمود ، لا يتسرب الإيمان إلى قلوبهم لأنها قست وأظلمت .قال الآلوسى : ( الفاء ) فى قوله ( فهم لا يؤمنون ) - للدلالة على أن عدم إيمانهم وإصرارهم على الكفر مسبب عن خسرانهم ، فإن إبطال العقل والانهماك فى التقليد أدى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من تقرير هذه الآية تقرير إثبات الصانع، وتقرير المعاد وتقرير النبوّة.

وبيانه أن أحوال العالم العلوي والسفلي يدل على أن جميع هذه الأجسام موصوفة بصفات كان يجوز عليها اتصافها بأضدادها ومقابلاتها، ومتى كان كذلك، فاختصاص كل جزء من الأجزاء الجسمانية بصفته المعينة لابد وأن يكون لأجل أن الصانع الحكيم القادر المختار خصّه بتلك الصفة المعينة، فهذا يدل على أن العالم مع كل ما فيه مملوك لله تعالى.

وإذا ثبت هذا، ثبت كونه قادراً على الاعادة والحشر والنشر، لأن التركيب الأول إنما حصل لكونه تعالى قادراً على كل الممكنات، عالماً بكل المعلومات، وهذه القدرة والعلم يمتنع زوالهما، فوجب صحة الاعادة ثانياً.

وأيضاً ثبت أنه تعالى ملك مطاع، والملك المطاع من له الأمر والنهي على عبيده، ولا بد من مبلغ، وذلك يدل على أن بعثة الأنبياء والرسل من الله تعالى إلى الخلق غير ممتنع.

فثبت أن هذه الآية وافية بإثبات هذه المطالب الثلاثة.

ولما سبق ذكر هذه المسائل الثلاثة، ذكر الله بعدها هذه الآية لتكون مقررة لمجموع تلك المطالب من الوجه الذي شرحناه والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ قُل لّمَن مَّا فِي السموات والارض ﴾ سؤال.

وقوله: ﴿ قُل لِلَّهِ ﴾ جواب فقد أمره الله تعالى بالسؤال أولاً ثم بالجواب ثانياً.

وهذا، إنما يحسن في الموضع الذي يكون الجواب قد بلغ في الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر، ولا يقدر على دفعه دافع.

ولما بينا أن آثار الحدوث والإمكان ظاهرة في ذوات جميع الأجسام وفي جميع صفاتها، لا جرم كان الاعتراف بأنها بأسرها ملك لله تعالى وملك له ومحل تصرفه وقدرته لا جرم أمره بالسؤال أولاً ثم بالجواب ثانياً، ليدل ذلك على أن الاقرار بهذا المعنى مما لا سبيل إلى دفعه البتة.

وأيضاً فالقوم كانوا معترفين بأن كل العالم ملك لله، وملكه وتحت تصرفه وقهره وقدرته بهذا المعنى كما قال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله  ﴾ ثم إنه تعالى لما بيّن بهذا الطريق كممال إلهيته وقدرته ونفاذ تصرفه في عالم المخلوقات بالكلية، أردفه بكمال رحمته وإحسانه إلى الخلق فقال: ﴿ كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ فكأنه تعالى قال: إنه لم يرض من نفسه بأن لا ينعم ولا بأن يعد بالإنعام، بل أبداً ينعم وأبداً يعد في المستقبل بالإنعام ومع ذلك فقد كتب على نفسه ذلك وأوجبه إيجاب الفضل والكرم.

واختلفوا في المراد بهذه الرحمة فقال بعضهم: تلك الرحمة هي أنه تعالى يمهلهم مدة عمرهم ويرفع عنهم عذاب الاستئصال ولا يعاجلهم بالعقوبة في الدنيا.

وقيل إن المراد أنه كتب على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدقهم وقبل شريعتهم.

واعلم أنه جاءت الأخبار الكثيرة في سعة رحمة الله تعالى، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لما فرغ الله من الخلق كتب كتاباً أن رحمتي سبقت غضبي».

فإن قيل: الرحمة هي إرادة الخير، والغضب هو إرادة الانتقام، وظاهر هذا الخبر يقتضي كون إحدى الإرادتين سابقة على الأخرى، والمسبوق بالغير محدث، فهذا يقتضي كون إرادة الله تعالى محدثة.

قلنا: المراد بهذا السبق سبق الكثرة لا سبق الزمان.

وعن سلمان أنه تعالى لما خلق السماء والأرض خلق مائة رحمة، كل رحمة ملء ما بين السماء والأرض، فعنده تسع وتسعون رحمة، وقسم رحمة واحدة بين الخلائق، فبها يتعاطفون ويتراحمون، فإذا كان آخر الأمر قصرها على المتقين.

أما قوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ ففيه أبحاث: الأول: اللام في قوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ لام قسم مضمر، والتقدير: والله ليجمعنكم.

البحث الثاني: اختلفوا في أن هذا الكلام مبتدأ أو متعلق بما قبله.

فقال بعضهم أنه كلام مبتدأ، وذلك لأنه تعالى بيّن كمال إلهيته بقوله: ﴿ قُل لّمَن مَّا فِي السموات والارض قُل لِلَّهِ ﴾ ثم بيّن تعالى أنه يرحمهم في الدنيا بالامهال ودفع عذاب الاستئصال، وبيّن أنه يجمعهم إلى يوم القيامة، فقوله: ﴿ كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ أنه يمهلهم وقوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ أنه لا يمهلهم بل يحشرهم ويحاسبهم على كل ما فعلوا.

والقول الثاني: أنع متعلق بما قبله والتقدير: كتب ربكم على نفسه الرحمة.

وكتب ربكم على نفسه ليجمعنكم إلى يوم القيامة.

وقيل: أنه لما قال: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ فكأنه قيل: وما تلك الرحمة؟

فقيل: إنه تعالى ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ وذلك لأنه لولا خوف العذاب يوم الققيامة لحصل الهرج والمرج ولارتفع الضبط وكثر الخبط، فصار التهديد بيوم القيامة من أعظم أسباب الرحمة في الدنيا، فكان قوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ كالتفسير لقوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ .

البحث الثالث: أن قوله: ﴿ قُل لّمَن مَّا فِي السموات والارض قُل لِلَّهِ ﴾ كلام ورد على لفظ الغيبة.

وقوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ كلام ورد على سبيل المخاطبة.

والمقصود منه التأكيد في التهديد، كأنه قيل: لما علمتم أن كل ما في السموات والأرض لله وملكه، وقد علمتم أن الملك الحكيم لا يهمل أمر رعيته ولا يجوز في حكمته أن يسوي بين المطيع والعاصي وبين المشتغل بالخدمة والمعرض عنها، فهلا علمتم أنه يقيم القيامة ويحضر الخلائق ويحاسبهم في الكل؟

البحث الرابع: ان كلمة ﴿ إلى ﴾ في قوله: ﴿ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ فيها أقوال: الأول: أنها صلة والتقدير: ليجمعنكم يوم القيامة.

وقيل: ﴿ إلى ﴾ بمعنى في أي ليجمعنكم في يوم القيامة.

وقيل: فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة، لأن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان.

وقيل: ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرناً بعد قرن إلى يوم القيامة.

أما قوله: ﴿ الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ففيه أبحاث: الأول: في هذه الآية قولان: الأول: أن قوله: ﴿ الذين ﴾ موضعه نصب على البدل من الضمير في قوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ والمعنى ليجمعن هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم وهو قول الأخفش.

والثاني: وهو قول الزجاج، أن قوله: ﴿ الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم ﴾ رفع بالابتداء، وقوله: ﴿ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ خبره، لأن قوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ مشتمل على الكل، على الذين خسروا أنفسهم وعلى غيرهم والفاء في قوله: ﴿ فَهُمْ ﴾ يفيد معنى الشرط والجزاء، كقولهم: الذي يكرمني فله درهم، لأن الدرهم وجب بالاكرام فكان الاكرام شرطاً والدرهم جزاء.

فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أن خسرانهم سبب لعدم إيمانهم، والأمر على العكس.

قلنا: هذا يدل على أن سبق القضاء بالخسران والخذلان، هو الذي حملهم على الامتناع من الايمان، وذلك عين مذهب أهل السنّة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لّمَن مَّا فِي السماوات والارض ﴾ سؤال تبكيت، و ﴿ قُل لِلَّهِ ﴾ تقرير لهم، أي هو الله لا خلاف بيني وبينكم، ولا تقدرون أن تضيفوا شيئاً منه إلى غيره ﴿ كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ أي أوجبها على ذاته في هدايتكم إلى معرفته، ونصب الأدلة لكم على توحيده بما أنتم مقرون به من خلق السموات الأرض، ثم أوعدهم على إغفالهم النظر وإشراكهم به من لا يقدر على خلق شيء بقوله ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ فيجازيكم على إشراككم.

وقوله: ﴿ الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم ﴾ نصب على الذم، أو رفع: أي أريد الذين خسروا أنفسهم، أو أنتم الذين خسروا أنفسهم.

فإن قلت: كيف جعل عدم إيمانهم مسبباً عن خسرانهم، والأمر على العكس؟

قلت: معناه: الذين خسروا أنفسهم في علم الله: لاختيارهم الكفر.

فهم لا يؤمنون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا، وهو سُؤالُ تَبْكِيتٍ.

﴿ قُلْ لِلَّهِ ﴾ تَقْرِيرًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ المُتَعَيِّنُ لِلْجَوابِ بِالإنْفاقِ، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهم أنْ يَذْكُرُوا غَيْرَهُ.

﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ التَزَمَها تَفَضُّلًا وإحْسانًا والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ ما يَعُمُّ الدّارَيْنِ ومِن ذَلِكَ الهِدايَةُ إلى مَعْرِفَتِهِ، والعِلْمُ بِتَوْحِيدِهِ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ، وإنْزالُ الكُتُبِ والإمْهالُ عَلى الكُفْرِ.

﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَسَمٌ لِلْوَعِيدِ عَلى إشْراكِهِمْ وإغْفالِهِمُ النَّظَرَ أيْ: لَيَجْمَعَنَّكم في القُبُورِ مَبْعُوثِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَيُجازِيكم عَلى شِرْكِكم.

أوْ في يَوْمِ القِيامَةِ وإلى بِمَعْنى في.

وقِيلَ بَدَلٌ مِنَ الرَّحْمَةِ بَدَلُ البَعْضِ فَإنَّهُ مِن رَحْمَتِهِ بَعْثُهُ إيّاكم وإنْعامُهُ عَلَيْكم.

﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ في اليَوْمِ أوِ الجَمْعِ.

﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِتَضْيِيعِ رَأْسِ مالِهِمْ.

وهو الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، ومَوْضِعُ الَّذِينَ نُصِبَ عَلى الذَّمِّ أوْ رُفِعَ عَلى الخَبَرِ أيْ: وأنْتُمُ الَّذِينَ أوْ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ.

﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ مُسَبَّبٌ عَنْ خُسْرانِهِمْ، فَإنَّ إبْطالَ العَقْلِ بِاتِّباعِ الحَواسِّ والوَهْمِ والِانْهِماكِ في التَّقْلِيدِ وإغْفالِ النَّظَرِ أدّى بِهِمْ إلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والِامْتِناعِ مِنَ الإيمانِ ﴿ وَلَهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى لِلَّهِ.

﴿ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ مِنَ السُّكْنى وتَعْدِيَتُهُ بِفي كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ والمَعْنى ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ، أوْ مِنَ السُّكُونِ أيْ ما سَكَنَ فِيهِما وتَحَرَّكَ فاكْتَفى بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ.

﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ ﴾ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ.

﴿ العَلِيمُ ﴾ بِكُلِّ مَعْلُومٍ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض} من استفهام وما بمعنى الذى فى موضع الرفع على الابتداء ولمن خبره {قل لله} تقدير لهم أى هو لله لاخلاف بيني وبينكم ولا تقدرون أن تضيفوا منه شيئاً إلى غيره {كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة} أصل كتب أوجب ولكن لا يجوز الإجراء على ظاهره إذ لا يجب على الله شيء للعبد فالمراد به أنه وعد ذلك وعداً مؤكداً وهو منجزه لا محالة وذكر النفس للاختصاص ورفع الوسائط ثم أو عدهم على إغفالهم النظر وإشراكهم به من لا يقدر على خلق شيء بقوله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة} فيجازيكم على إشراككم {لاَ رَيْبَ فِيهِ} في اليوم أو في الجمع {الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} نصب على الذم أي أريد الذين خسروا أنفسهم باختيارهم الكفر {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} وقال الأخفش الذين بدل من كم فى ليجمعنكم أى ليجمعن من هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم والوجه هو الأول لأن سيبويه قال لا يجوز مررت بي المسكين ولا بك المسكين فتجعل المسكين بدلاً من الياء أو الكاف لأنهما في غاية الوضوح فلا يحتاجان إلى البدل والتفسير

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ لَهم والتَّوْبِيخِ ﴿ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ أيْ لِمَنِ الكائِناتُ جَمِيعًا خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا؟

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّهِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْجَوابِ نِيابَةً عَنْهم أوْ إلْجاءً لَهم إلى الإقْرارِ بِأنَّ الكُلَّ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الجَوابَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِهِ مُنْكَرٌ ولا عَلى دَفْعِهِ دافِعٌ، فَإنَّ أمْرَ السّائِلِ بِالجَوابِ إنَّما يَحْسُنُ كَما قالَ الإمامُ في مَوْضِعٍ يَكُونُ الجَوابُ كَذَلِكَ، قِيلَ: وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم تَثاقَلُوا في الجَوابِ مَعَ تَعَيُّنِهِ لِكَوْنِهِمْ مَحْجُوجِينَ وذَكَرَ عِصامُ المِلَّةِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: (قُلْ لِمَن) إلَخْ مَعْناهُ الأمْرُ بِطَلَبِ هَذا المَطْلَبِ والتَّوَجُّهِ إلى تَحْصِيلِهِ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لِلَّهِ ﴾ مَعْناهُ إنَّكَ إذا طَلَبْتَ وأدّى نَظَرُكَ إلى الحَقِّ فاعْتَرِفْ بِهِ ولا تُنْكِرْهُ، وهَذا إرْشادٌ إلى طَرِيقِ التَّوْحِيدِ في الأفْعالِ بَعْدَ الإرْشادِ إلى التَّوْحِيدِ في الأُلُوهِيَّةِ وهو الِاحْتِرازُ عَنْ حالِ المُكَذِّبِينَ وفِي هَذا إشارَةٌ إلى وجْهِ الرَّبْطِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا ما يُعْلَمُ مِنهُ الوَجْهُ الوَجِيهُ لِذَلِكَ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ لِلَّهِ تَعالى ذَلِكَ أوْ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، ﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ صادِحَةٌ بِشُمُولِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِجَمِيعِ الخُلُقِ إثْرَ بَيانِ شُمُولِ مِلْكِهِ وقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْكُلِّ المُصَحِّحِ لِإنْزالِ العُقُوبَةِ بِالمُكَذِّبِينَ، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى رَءُوفٌ بِالعِبادِ لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ، ويَقْبَلُ مِنهُمُ التَّوْبَةَ، وما سَبَقَ وما لَحِقَ مِن أحْكامِ الغَضَبِ لَيْسَ إلّا مِن سُوءِ اخْتِيارِ العِبادِ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الأزَلِيِّ لا مِن مُقْتَضَياتِ ذاتِهِ جَلَّ وعَلا، ﴿ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ، ومَعْنى (كَتَبَ الرَّحْمَةَ عَلى نَفْسِهِ) جَلَّ شَأْنُهُ إيجابُها بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ بِالذّاتِ لا بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ وقِيلَ: هو ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لِما قَضى اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ كَتَبَ كِتابًا فَوَضَعَهُ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ ”أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي“،» وفي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ كِتابًا بِيَدِهِ لِنَفْسِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّمَواتِ والأرْضَ فَوَضَعَهُ تَحْتَ عَرْشِهِ فِيهِ ”رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي“» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ومَعْنى سَبْقِ الرَّحْمَةِ وغَلَبَتِها فِيها أنَّها أقْدَمُ تَعَلُّقًا بِالخَلْقِ وأكْثَرُ وُصُولًا إلَيْهِمْ مَعَ أنَّها مِن مُقْتَضَياتِ الذّاتِ المُفِيضَةِ لِلْخَيْرِ وفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلْإمامِ النَّوَوِيِّ قالَ العُلَماءُ: غَضَبُ اللَّهِ تَعالى ورِضاهُ يَرْجِعانِ إلى مَعْنى الإرادَةِ فَإرادَتُهُ الثَّوابُ لِلْمُطِيعِ، والمَنفَعَةُ لِلْعَبْدِ تُسَمّى رِضا ورَحْمَةً، وإرادَتُهُ عِقابُ العاصِي وخِذْلانُهُ تُسَمّى غَضَبًا، وإرادَتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى صِفَةٌ لَهُ قَدِيمَةٌ يُرِيدُ بِها، قالُوا: والمُرادُ بِالسَّبْقِ والغَلَبَةِ هُنا كَثْرَةُ الرَّحْمَةِ وشُمُولُها كَما يُقالُ: غَلَبَ عَلى فُلانٍ الكَرَمُ والشَّجاعَةُ إذا كَثُرَ مِنهُ.

انْتَهى، وهو يَرْجِعُ إلى ما قُلْنا، وحاصِلُ الكَلامِ في ذَلِكَ أنَّ السَّبْقَ والغَلَبَةَ في التَّعَلُّقاتِ في نَفْسِ الصِّفَةِ الذّاتِيَّةِ إذْ يُتَصَوَّرُ تَقَدُّمُ صِفَةٍ عَلى صِفَةٍ فِيهِ تَعالى لِاسْتِلْزامِهِ حُدُوثَ المَسْبُوقِ وكَذا يُتَصَوَّرُ الكَثْرَةُ والقِلَّةُ بَيْنَ صِفَتَيْنِ لِاسْتِلْزامِ ذَلِكَ الحُدُوثِ، وقَدْ يُرادُ بِالرَّحْمَةِ ما يَرْحَمُ بِهِ، وهي بِهَذا المَعْنى تَتَّصِفُ بِالتَّعَدُّدِ والهُبُوطِ ونَحْوِ ذَلِكَ أيْضًا، وعَلَيْهِ يُخْرَجُ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ كُلُّ رَحْمَةٍ طِباقُ ما بَيْنَ السَّمَواتِ والأرْضِ، فَجَعَلَ مِنها في الأرْضِ رَحْمَةً بِها تَعْطِفُ الوالِدَةُ عَلى ولَدِها والوَحْشُ والطَّيْرُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أكْمَلَها بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ» وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «إنَّ لِلَّهِ تَعالى مِائَةَ رَحْمَةٍ أهْبَطَ مِنها رَحْمَةً واحِدَةً إلى أهْلِ الدُّنْيا يَتَراحَمُ بِها الجِنُّ والإنْسُ وطائِرُ السَّماءِ وحِيتانُ الماءِ ودَوابُّ الأرْضِ وهَوامُّها وما بَيْنَ الهَواءِ واخْتَزَنَ عِنْدَهُ تِسْعًا وتِسْعِينَ رَحْمَةً حَتّى إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ اخْتَلَجَ الرَّحْمَةَ الَّتِي كانَ أهْبَطَها إلى أهْلِ الدُّنْيا فَحَواها إلى ما عِنْدَهُ فَجَعَلَها في قُلُوبِ أهْلِ الجَنَّةِ وعَلى أهْلِ الجَنَّةِ»، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ في الآيَةِ ما يَعُمُّ الدّارِينَ مَعَ عُمُومِ مُتَعَلِّقِها فَما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ مِن أنَّ المَعْنى أوْجَبَ لِنَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  بِأنْ لا يُعَذِّبَهم عِنْدَ التَّكْذِيبِ كَما عَذَّبَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ والقُرُونِ الماضِيَةِ عِنْدَ ذَلِكَ بَلْ يُؤَخِّرُهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ إلّا إظْهارُ ما يُناسِبُ المَقامَ مِن أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الذّاتِ بِالنَّفْسِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ لَفْظَ النَّفْسِ لا يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى وإنْ أُرِيدَ بِهِ الذّاتُ إلّا مُشاكَلَةً واعْتِبارُ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ غَيْرَ ظاهِرٍ كَما هو ظاهِرٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ جَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ، وقَعَ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ كَتَبَ مَوْقِعَهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ مَسُوقٌ لِلْوَعِيدِ عَلى إشْراكِهِمْ وأغْفالِهِمُ النَّظَرَ، وقِيلَ: بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: وما تِلْكَ الرَّحْمَةُ، فَقِيلَ: إنَّهُ تَعالى (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) إلَخْ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْلا خَوْفُ القِيامَةِ والعَذابِ لَحَصَلَ الهَرْجُ والمَرَجُ، وارْتَفَعَ الضَّبْطُ وكَثُرَ الخَبْطُ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ ما ذُكِرَ لَوْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالبَعْثِ ولَيْسَ فَلَيْسَ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أيْضًا: إنَّهُ تَكَلُّفٌ ولا يَتَوَجَّهُ فِيهِ الجَوابُ إلّا بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُ التَّخْوِيفُ مِنَ الِامْتِناعِ عَنِ المَناهِي المُسْتَلْزِمِ لِلرَّحْمَةِ، وقِيلَ: صَلاحِيَةُ ما في الآيَةِ لِلْجَوابِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ ﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ الآنَ عَلى تَكْذِيبِكم عَلى ما أشارَ إلَيْهِ الكَلْبِيُّ، وقِيلَ: إنَّ القَسَمَ وجَوابَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ (الرَّحْمَةِ) بَدَلُ البَعْضِ، وقَدْ ذَكَرَ النُّحاةُ أنَّ الجُمْلَةَ تُبْدَلُ مِنَ المُفْرَدِ.

نَعَمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لأنْواعِ البَدَلِ في ذَلِكَ.

والجارُّ والمَجْرُورُ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ لَيَجْمَعَنَّكم في القُبُورِ مَبْعُوثِينَ إلى يَوْمٍ إلَخْ عَلى أنَّ البَعْثَ بِمَعْنى الإرْسالِ وهو مِمّا يَتَعَدّى بِـ (إلى) ولا يَحْتاجُ إلى ارْتِكابِ التَّضْمِينِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ البَعْثَ يَكُونُ إلى المَكانِ لا إلى الزَّمانِ إلّا أنْ يُرادَ بِيَوْمِ القِيامَةِ واقِعَتُها في مَوْقِعِها؛ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المَذْكُورِ، والمُرادُ جَمْعٌ فِيهِ مَعْنى السَّوْقِ والِاضْطِرارِ كَأنَّهُ قِيلَ لِيَبْعَثَنَّكم ويَسُوقُنَّكم ويَضْطَرَّنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ أيْ إلى حِسابِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ و (إلى) بِمَعْنى في كَما في قَوْلِهِ: لا تَتْرُكْنِي بِالوَعِيدِ كَأنَّنِي إلى النّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القارُ أجْرَبُ ومَنَعَ بَعْضُهم مَجِيءَ (إلى) بِمَعْنى (فِي) في كَلامِهِمْ ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ لِجازَ زَيْدٌ إلى الكُوفَةِ بِمَعْنى في الكُوفَةِ وتَأوَّلَ البَيْتَ بِتَضْمِينِ مُضافًا أوْ مُبْغَضًا أوْ مَكْرُوهًا، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يُرَدُّ إذا قِيلَ: إنَّ اسْتِعْمالَ إلى بِمَعْنى في قِياسٌ مُطَّرِدٌ ولَعَلَّ القائِلَ بِالِاسْتِعْمالِ لا يَقُولُ بِما ذُكِرَ، وارْتِكابُ التَّضْمِينِ خِلافُ الأصْلِ، وارْتِكابُ القَوْلِ بِأنَّ إلى بِمَعْنى في وإنْ لَمْ يَكُنْ مُطَّرِدًا أهْوَنُ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ والخِطابُ لِلْكافِرِينَ كَما هو الظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ، وقِيلَ: عامٌّ لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ كانَ خاصًّا بِالكافِرِينَ أيْ لَيَجْمَعَنَّكم أيُّها النّاسُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَرْتابَ فِيهِ لِوُضُوحِ أدِلَّتِهِ وسُطُوعِ بَراهِينِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَعْضٌ مِنها والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ اليَوْمِ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والضَّمِيرُ لَهُ أيْ جَمْعًا لا رَيْبَ فِيهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَأْكِيدًا لِما قَبْلَها كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِتَضْيِيعِ رَأْسِ مالِهِمْ وهو الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ والعَقْلُ السَّلِيمُ والِاسْتِعْدادُ القَرِيبُ الحاصِلُ مِن مُشاهَدَةِ الرَّسُولِ  واسْتِماعِ الوَحْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ، ومَوْضِعُ المَوْصُولِ قِيلَ: نُصِبَ عَلى الذَّمِّ أوْ رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ أنْتُمُ الَّذِينَ وهو نَعْتٌ مَقْطُوعٌ ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ نَعْتٍ مَقْطُوعٍ يَصِحُّ اتِّباعُهُ نَعْتًا بَلْ يَكْفِي فِيهِ مَعْنى الوَصْفِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ ﴿ الَّذِي جَمَعَ مالا ﴾ ، كَيْفَ قَطَعَ فِيهِ (الَّذِي) مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ اتِّباعِهِ نَعْتًا لِلنَّكِرَةِ فَلا يُرَدُّ أنَّ القَطْعَ إنَّما يَكُونُ في النَّعْتِ، والضَّمِيرُ يُنْعَتُ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ بِتَقْدِيرِ ضَمِيرٍ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ عَلى القَطْعِ عَلى البَدَلِيَّةِ أيْضًا، ولا اخْتِصاصَ لِلْقَطْعِ بِالنَّعْتِ ولَعَلَّهم إنَّما لَمْ يَجْعَلُوهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ مِن غَيْرِ حاجَةٍ لِما ذُكِرَ لِدَعْواهم أنَّ مُجَرَّدَ التَّقْدِيرِ لا يُفِيدُ الذَّمَّ أوِ المَدْحَ إلّا مَعَ القَطْعِ، واخْتارَ الأخْفَشُ البَدَلِيَّةَ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ لا يُبْدَلُ مِنهُما لِوُضُوحِهِما غايَةَ الوُضُوحِ وغَيْرُهُما دُونَهُما في ذَلِكَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ 21 - والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ وإصْرارَهم عَلى الكُفْرِ مُسَبَّبٌ عَنْ خُسْرانِهِمْ فَإنَّ إبْطالَ العَقْلِ بِاتِّباعِ الحَواسِّ، والوَهْمُ والِانْهِماكُ في التَّقْلِيدِ أدّى بِهِمْ إلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والِامْتِناعِ عَنِ الإيمانِ، وفي الكَشّافِ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ عَدَمُ إيمانِهِمْ مُسَبَّبًا عَنْ خُسْرانِهِمْ والأمْرُ عَلى العَكْسِ، قُلْتُ: مَعْناهُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ فَهم لا يُؤَمِّنُونَ وحاصِلُ الكَلامِ عَلى هَذا الَّذِينَ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِخُسْرانِهِمْ لِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ فَهم لا يُؤْمِنُونَ، والحُكْمُ بِالخُسْرانِ سابِقٌ عَلى عَدَمِ الإيمانِ لِأنَّهُ مُقارِنٌ لِلْعِلْمِ بِاخْتِيارِ الكُفْرِ لا لِحُصُولِهِ بِالفِعْلِ فَيَصِحُّ تَرَتُّبُ عَدَمِ الإيمانِ عَلَيْهِ مِن هَذا الوَجْهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا السُّؤالَ يَنْدَفِعُ بِحَمْلِ الخُسْرانِ عَلى ما ذَكَرْناهُ، ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا في الكَشّافِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّغْدَغَةِ، والجُمْلَةُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ تَذْيِيلٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَقْبِيحِ حالِهِمْ غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ الأمْرِ وقِيلَ: الظّاهِرُ عَلى تَقْدِيرِ الِابْتِداءِ عَطْفُ الجُمْلَةِ عَلى ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ فَيَحْتاجُ الفَصْلُ إلى تَكْلِيفِ تَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلِمَ يَرْتابُ الكافِرُونَ بِهِ؟

فَأُجِيبَ بِأنَّ خُسْرانَهم أنْفُسَهم صارَ سَبَبًا لِعَدَمِ الإيمانِ، وجُوِّزَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ كَوْنُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً وهو كَما تَرى * * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ أيْ سَمَواتُ عالَمِ الأرْواحِ وأرْضُ عالَمِ الجِسْمِ، ويُقالُ: الرُّوحُ سَماءُ القَلْبِ لِأنَّ مِنها يَنْزِلُ غَيْثُ الإلْهامِ والقَلْبُ أرْضُها لِأنَّهُ فِيهِ يَنْبُتُ زَهْرُ الحِكْمَةِ ونُورُ المَعْرِفَةِ ﴿ وجَعَلَ الظُّلُماتِ ﴾ أيْ وأنْشَأ في عالَمِ الجِسْمِ ظُلُماتِ المَراتِبِ الَّتِي هي حُجُبٌ ظُلْمانِيَّةٌ لِلذّاتِ المُقَدَّسِ، وأنْشَأ في عالَمِ الأرْواحِ نُورَ العِلْمِ والِادِّراكِ، ويُقالُ: الظُّلُماتُ الهَواجِسُ والخَواطِرُ الباطِلَةُ، والنُّورُ الإلْهامُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الظُّلُماتُ أعْمالُ البَدَنِ والنُّورُ أحْوالُ القَلْبِ ثُمَّ بَعْدَ ظُهُورِ ذَلِكَ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ غَيْرَهُ، ويُثْبِتُونَ مَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَن يُساوِيهِ في الوُجُودِ، وهو اللَّهُ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ في سائِرِ صِفاتِهِ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ﴾ وهو طِينُ المادَّةِ الهَيُولانِيَّةِ، ﴿ ثُمَّ قَضى أجَلا ﴾ أيْ حَدًّا مُعَيَّنًا مِنَ الزَّمانِ إذا بَلَغَهُ السّالِكُ إلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَنى فِيهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - ﴿ وأجَلٌ مُسَمًّى ﴾ عِنْدَهُ وهو البَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ، وقِيلَ الأجَلُ الأوَّلُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الِاسْتِعْدادُ طَبْعًا بِحَسْبِ الهُوِيَّةِ وهو المُسَمّى أجَلًا طَبِيعِيًّا لِلشَّخْصِ بِالنَّظَرِ إلى مِزاجِهِ الخاصِّ وتَرْكِيبِهِ المَخْصُوصِ بِلا اعْتِبارِ عارِضٍ مِنَ العَوارِضِ الزَّمانِيَّةِ، ونُكِّرَ لِأنَّهُ مِن أحْكامِ القَضاءِ السّابِقِ الَّذِي هو أُمُّ الكِتابِ وهي كُلِّيَّةٌ مُنَزَّهَةٌ عَنِ التَّشَخُّصاتِ إذْ مَحَلُّها الرُّوحُ الأوَّلُ المَقَدَّسُ، والأجْلُ الثّانِي هو الأجَلُ المُقَدَّرُ الزَّمانِيُّ الَّذِي يَقَعُ عِنْدَ اجْتِماعِ الشَّرائِطِ وارْتِفاعِ المَوانِعِ وهو مُثْبَتٌ في كِتابِ النَّفْسِ الفَلَكِيَّةِ الَّتِي هي لَوْحُ القَدْرِ ﴿ ثُمَّ أنْتُمْ ﴾ بَعْدَما عَلِمْتُمْ ذَلِكَ ﴿ تَمْتَرُونَ ﴾ وتَشُكُّونَ في تَصَرُّفِهِ فِيكم كَما يَشاءُ ﴿ وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ ﴾ أيْ سَواءٌ أُلُوهِيَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيُّ ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ ﴾ في عالِمُ الأرْواحُ وهو عالَمُ الغَيْبِ ﴿ وجَهْرَكُمْ ﴾ في عالَمِ الأجْسامِ وهو عالَمُ الشَّهادَةِ ﴿ ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ فِيهِما مِنَ العُلُومِ والحَرَكاتِ والسَّكَناتِ وغَيْرِها فَيُجازِيكم بِحَسَبِها، وقِيلَ: المَعْنى يَعْلَمُ جَوَلانَ أرْواحِكم في السَّماءِ لِطَلَبِ مَعادِنِ الأفْراحِ وتَقَلُّبِ أشْباحِكم في الأرْضِ لِطَلَبِ الوَسِيلَةِ إلى مُشاهَدَتِهِ ويَعْلَمُ ما تُحَصِّلُونَهُ بِذَلِكَ، ﴿ وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ ﴾ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ ﴿ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ﴾ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ وعَمى أعْيُنِهِمْ عَنْ مُشاهَدَةِ أنْوارِ اللَّهِ تَعالى السّاطِعَةِ عَلى صَفَحاتِ الوُجُودِ وقالُوا لِضَعْفِ يَقِينِهِمْ ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ فَنَراهُ لِتَزُولَ شُبْهَتُنا ﴿ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ أيْ أمْرُ هَلاكِهِمْ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى تَحَمُّلِ مُشاهَدَتِهِ ﴿ ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ﴾ لِيُمْكِنَهم مُشاهَدَتُهُ ﴿ قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ ما في العالَمِينَ ﴿ قُلْ لِلَّهِ ﴾ إيجادًا وإفْناءً ﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ قالَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ: إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى عامَّةٌ وهي نِعْمَةُ الِامْتِنانِ الَّتِي تَنالُ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، وهي المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ وإلَيْها الإشارَةُ بِالرَّحْمَنِ في البَسْمَلَةِ وخاصَّةً وهي الواجِبَةُ المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ وإلَيْها الإشارَةُ بِالرَّحِيمِ فِيها.

ويُشِيرُ كَلامُهُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ في الفُتُوحاتِ إلى أنَّ ما في الآيَةِ هو الرَّحْمَةُ الخاصَّةُ، ومُقْتَضى السِّياقِ أنَّها الرَّحْمَةُ العامَّةُ وذَكَرَ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ في أثْناءِ الكَلامِ عَلى الرَّحْمَةِ وقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ ”شَفَعَتِ المَلائِكَةُ وشَفَعَتِ النَّبِيُّونَ والمُؤْمِنُونَ وبَقِيَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ أنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى سَبَقَتْ غَضَبَهُ“ كَما في الخَبَرِ فَهي أمامَ الغَضَبِ فَلا يَزالُ غَضَبُ اللَّهِ تَعالى يَجْرِي في شَأواهُ بِالِانْتِقامِ مِنَ العِبادِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى آخِرِ مَداهُ فَيَجِدُ الرَّحْمَةَ قَدْ سَبَقَتْهُ فَتَتَناوَلُ مِنهُ العَبْدَ المَغْضُوبَ عَلَيْهِ فَتُبْسَطَ عَلَيْهِ ويَرْجِعُ الحُكْمُ لَها فِيهِ، والمَدى الَّذِي يَقْطَعُهُ الغَضَبُ ما بَيْنَ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ الَّذِي في البَسْمَلَةِ وبَيْنَ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ الَّذِي بَعْدَ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ .

فالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ هُوَ المَدى وأوَّلُهُ وآخِرُهُ ما قَدْ عَلِمْتَ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ عَيْنُ المَدى لِأنَّ فِيهِ يَظْهَرُ السَّرّاءُ والضَّرّاءُ، ولِهَذا كانَ فِيهِ الحَمْدُ وهو الثَّناءُ ولَمْ يُقَيَّدْ بِسَرّاءَ ولا ضَرّاءَ فَيَعُمُّهُما، ويَقُولُ الشَّرْعُ في حَمْدِ السَّرّاءِ: الحَمْدُ لِلَّهِ المُنَعِمِ المُتَفَضِّلِ، ويَقُولُ في حَمْدِ الضَّرّاءِ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ.

فالحَمْدُ لِلَّهِ قَدْ جاءَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ فَلِهَذا كانَ عَيْنَ المَدى، وما مِن أحَدٍ في الدّارِ الآخِرَةِ إلّا هو يَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى ويَرْجُو رَحْمَتَهُ ويَخافُ عَذابَهُ، واسْتَمْراهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى عُقَيْبَ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فالعالَمُ بَيْنَهُما بِما هو عَلَيْهِ مِن مَحْمُودٍ ومَذْمُومٍ، وهَذا شَبِيهٌ بِما جاءَ في سُورَةِ ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ ﴾ وهو تَنْبِيهٌ عَجِيبٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِعِبادِهِ لِيَتَقَوّى عِنْدَهُمُ الرَّجاءُ والطَّمَعُ في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وأنْتَ إذا التَفَتَّ أدْنى التِفاتٍ تَعْلَمُ أنَّهُ ما مِن أثَرٍ مِن آثارِ البَطْشِ إلّا وهو مُطَرَّزٌ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بَلْ ما مِن سَعْدٍ ونَحْسٍ إلّا وقَدْ خَرَجَ مِن مَطالِعِ أفْلاكِ الرَّحْمَةِ الَّتِي أفاضَتْ شَآبِيبَها عَلى القَوابِلِ حَسَبَ القابِلِيّاتِ؛ ومِمّا يُظْهِرُ سَبْقَ الرَّحْمَةِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَوْجُودٍ مَسْبُوقٌ بِتَعَلُّقِ الإرادَةِ بِإيجادِهِ وإخْراجِهِ مِن حَيِّزِ العَدَمِ الَّذِي هو مَعْدِنُ كُلِّ نَقْصٍ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ كَما أنَّهُ لا رَيْبَ في سَبْقِهِ، نَعَمْ تَنْقَسِمُ الرَّحْمَةُ في بَعْضِ الحَيْثِيّاتِ إلى قِسْمَيْنِ: رَحْمَةٌ مَحْضَةٌ لا يَشُوبُها شَيْءٌ مِنَ النِّقْمَةِ كَنَعِيمِ الجَنَّةِ وهي الطّالِعَةُ مِن بُرُوجِ اسْمِهِ سُبْحانَهُ الرَّحِيمِ ولِكَوْنِهِ  يُحِبُّ دُخُولَ أُمَّتِهِ الجَنَّةَ ويَكْرَهُ لَهُمُ النّارَ سَمّاهُ الحَقُّ عَزَّ اسْمُهُ الرَّحِيمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ، ورَحْمَةٌ قَدْ يَشُوبُها نِقْمَةٌ كَتَأْدِيبِ الوَلَدِ بِالضَّرْبِ رَحْمَةً بِهِ وكَشُرْبِ الدَّواءِ المُرِّ البَشِعِ وهي المُشْرِقَةُ مِن مَطالِعِ آفاقِ اسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ الرَّحْمَنُ، ولَعَلَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ العامَّةَ هي المُرادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ سَبْقَ الرَّحْمَةِ الغَضَبَ يَقْتَضِي ظاهِرًا سَبْقَ تَجَلِّياتِ الجَمالِ عَلى تَجَلِّياتِ الجَلالِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ مِنَ الجَمالِ والغَضَبَ مِنَ الجَلالِ وذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ عَبْدُ الكَرِيمِ الجِيلِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ الجَلالَ أسْبَقُ مِنَ الجَمالِ.

فَقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «العَظَمَةُ إزارِي والكِبْرِياءُ رِدائِي» ولا أقْرَبَ مِن ثَوْبِ الرِّداءِ والإزارِ إلى الشَّخْصِ.

ثُمَّ قالَ: ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ: «قَدْ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» فَإنَّ الرَّحْمَةَ السّابِقَةَ إنَّما هي بِشَرْطِ العُمُومِ والعُمُومُ مِنَ الجَلالِ.

وادُّعِيَ أنَّ الصِّفَةَ الواحِدَةَ الجَمالِيَّةَ إذا اسْتَوْفَتْ كَمالَها في الظُّهُورِ أوْ قارَبَتْ سُمِّيَتْ جَلالًا لِقُوَّةِ ظُهُورِ سُلْطانِ الجَمالِ فَمَفْهُومُ الرَّحْمَةِ مِنَ الجَمالِ وعُمُومُها وانْتِهاؤُها جَلالٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا فُسِّرَ السَّبْقُ بِالمَعْنى الَّذِي نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ العُلَماءِ سابِقًا وهو الكَثْرَةُ والشُّمُولُ فَهو مِمّا لا رَيْبَ في تَحَقُّقِهِ في الرَّحْمَةِ إذْ في كُلِّ غَضَبٍ رَحْمَةٌ ولَيْسَ في كُلِّ رَحْمَةٍ غَضَبٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن حَقَّقَ النَّظَرَ وبِالجُمْلَةِ في رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ مَطْمَعٌ أيُّ مَطْمَعٍ حَتّى أنَّ إبْلِيسَ يَرْجُوها يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الآثارِ.

وأحْظى النّاسِ بِها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى لَنا ولَكُمُ الحَظَّ الأوْفَرَ مِنها ﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ الصُّغْرى أوِ الكُبْرى ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ المَحْجُوبُونَ ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِإهْلاكِها في الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ الفانِيَةِ فَحُجِبُوا عَنِ الحَقائِقِ الباقِيَةِ النُّورانِيَّةِ واسْتَبْدَلُوا بِها المَحْسُوساتِ الفانِيَةَ الظُّلْمانِيَّةَ ﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ لِذَلِكَ، نَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: قل لأهل مكة سافروا في الأرض ثُمَّ انْظُرُوا يعني: اعتبروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ يعني: آخر أمر الْمُكَذِّبِينَ بالرسل والكتب.

وقال الحسن: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: اقرءوا القرآن فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المتقدمين في العذاب.

فقال أهل مكة للنبي  : إن فعلت هذا الفعل لطلب المال، فاترك هذا الفعل.

إنا نجمع لك مالاً تصير به أغنى أهل مكة.

فنزل قوله تعالى: قُلْ لِمَنْ مَّا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن أجابوك وإلا ف قُلْ لِلَّهِ يعني: ما في السموات وما في الأرض يعطي منها من يشاء.

ثم قال: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ فلا يعذبكم في الدنيا.

وروى عطاء عن أبي هريرة عن النبيّ  قال: «إنَّ لله مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا وَاحِدَةً فَقَسَمَها بَيْنَ الخَلائِقِ فِبِها يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الوُحُوشُ عَلَى أوْلادِها، وَادَّخَرَ لِنَفْسِهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

ويقال: كتب الرحمة حيث أمهلهم، ولم يهلكهم ليرجعوا ويتوبوا.

ثم قال: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني: ليجمعنكم يوم القيامة.

وهذا كما يقال: جمعت هؤلاء إلى هؤلاء أي ضممت بينهم في الجمع لاَ رَيْبَ فِيهِ يعني: في البعث أنه كائن.

ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ قال بعضهم: هذا ابتداء وخبره لاَ يُؤْمِنُونَ.

وقال بعضهم: هذا بدل من قوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ.

ثم عظم نفسه فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

اللَّه عليهم بقوله: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ قال ابن عَبَّاسٍ وغيره: في الكلام حَذْفٌ «١» ، تقديره: ولو أنزلنا مَلَكاً، فكذبوه لَقُضِيَ الأمر بعَذَابِهِمْ، ولم يُنْظَرُوا حسبما سَلَفَ في كل أمة اقْتَرَحَتْ بآية، وكذبت بعد أن أُظْهِرَتْ إليها.

وقالت فرقة: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي: لَمَاتُوا من هَوْلِ رؤية المَلَكِ في صورته، ويؤيد هذا التَّأْوِيلَ ما بعده من قوله: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا فإن أَهْلَ التأويل مُجْمِعُونَ أن ذلك لأنهم لم يكونوا يُطِيقُونَ رؤية المَلَكِ في صورته، فإذ قد تَقَعَّدَ أنهم لا يطيقون رُؤْيَةَ المَلَكِ في صورته، فالأولى في قوله: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي: لماتوا لِهَوْلِ رؤيته، ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ، أي: لا يُؤَخَّرُونَ.

ومما يؤيد هذا المعنى الحَدِيثُ الوَارِدُ عن الرجلين اللذين صَعَدَا على الجَبَلِ يوم بَدْرٍ ليريا ما يَكُونُ في حَرْبِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للمشركين، فَسَمِعَا حِسَّ الملائكة، وقَائِلاً يقول في السحاب: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فانكشف قِنَاعُ قَلْبِ أحدهما، فمات لِهَوْلِ ذلك، فكيف برؤية مَلَكٍ في خِلْقَتِهِ.

وَلَلَبَسْنا أي: لفعلنا لهم/ في ذَلِكَ فِعلاً مُلْبَساً يطرق لهم إلى أن يَلْبَسوا به، وذلك لا يحسن.

قلت: وفي البخاري «٢» : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ: لشبهنا.

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢)

وقوله سبحانه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ الآية تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالأُسْوَةِ في الرسل، وتقوية لنفسه على مُحَاجَّةِ المشركين، وإخبار يَتَضَمَّنُ وعيد مُكَذِّبِيهِ، والمستهزئين به.

وفَحاقَ معناه: نزل، وأحاط، وهي مَخْصُوصَةٌ في الشر يقال: حَاقَ يَحِيقُ حَيْقاً.

وقوله سبحانه: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ حَضٌّ على الاعتبار بآثارَ من مضى ممن

فَعَلَ مِثْلَ فعلهم.

وقوله سبحانه: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ.

قال بعض أَهْلِ التَّأوِيلِ: تَقْدِيرُ الكلام: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السموات والأرض، فإذا تحيروا فلم يُجِيبُوا قل للَّه.

والصحيح من التَّأويل أن اللَّه- عزَّ وَجَلَّ- أمر نبيه- عليه السلام- أن يَقْطَعَهُمْ بهذه الحُجَّةِ، والبرهان القطعي الذي لا مُدَافَعَةَ فيه عندهم، ولا عند أَحَدٍ ليعتقدَ هذا المعتقد الذي بينه وبينهم، ثم يَتَرَكَّب احْتِجَاجُهُ عليه، فكأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لهم: يا أيها الكافرون العَادِلُونَ بربهم لمن ما في السموات والأَرْضِ، ثم سَبَقَهُمْ فقال: للَّه أي لا مُدَافَعَةَ في هذا عندكم، ولا عند أحد.

ثم ابتدأ يخبر عن اللَّه تعالى: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ معناه: قضاها وأَنْفَذَهَا.

وفي هذا المعنى أحاديث صَحِيحَةٌ ففي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مَائَةً جُزْءٍ، فأمسك عنده تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأنْزَلَ في الأَرْضِ جُزْءاً وَاحِداً، فمن ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخَلاَئِقُ حتى تَرْفَعُ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أن تُصِيبَهُ» «١» .

ولمسلم في طَرِيقٍ آخرُ: «كُلُّ رَحْمَةٍ مِنْهَا طبَاقُ مَا بَيْنِ السَّمَاءِ والأَرْضِ، فإذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بهذه الرَّحْمة» «٢» .

وخرج مسلم، والبخاري، وغيرهما عنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «لما خَلَقَ اللَّه الخَلْقَ كَتَبَ في كِتَابٍ، فهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إن رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» «٣» .

وفي طريق: «سَبَقَتْ غَضَبِي» إلى غير ذلك من الأحاديث.

انتهى.

قال ع «٤» : فما أشقى مَنْ لم تَسَعْهُ هذه الرَّحَمَاتُ.

تغمّدنا الله بفضل منه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ المَعْنى: فَإنْ أجابُوكَ، وإلّا فَـ قُلْ: لَلَّهِ، كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَضى لَنَفْسِهِ أنَّهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى كَتَبَ: أوْجَبَ ذَلِكَ إيجابًا مُؤَكَّدًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وإنَّما خُوطِبَ الخَلْقُ بِما يَعْقِلُونَ، فَهم يَعْقِلُونَ أنَّ تَوْكِيدَ الشَّيْءِ المُؤَخَّرِ أنْ يَحْفَظَ بِالكِتابِ.

وقالَ غَيْرُهُ: رَحْمَتُهُ عامَّةٌ، فَمِنها تَأْخِيرُ العَذابِ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ، وقَبُولُ تَوْبَةِ العاصِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ اللّامُ: لامُ القَسَمِ.

كَأنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكم إلى اليَوْمِ الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ "إلى" بِمَعْنى: "فِي" ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ قَوْمٌ: في يَوْمِ القِيامَةِ.

وقالَ آَخَرُونَ: في قُبُورِكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ أيْ: بِالشِّرْكِ.

﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ لَما سَبَقَ فِيهِمْ مِنَ القَضاءِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ مَرْدُودٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ مَرْدُودٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ الَّذِينَ خَسِرُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَلَهُ ما سَكَنَ في اللَيْلِ والنَهارِ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ قالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "قُلْ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ؟

فَإذا تَحَيَّرُوا ولَمْ يُجِيبُوا فَـ "قُلْ لِلَّهِ".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَعْنى أنَّهُ أُمِرَ بِهَذا السُؤالِ؛ فَكَأنَّهم لَمّا لَمْ يُجِيبُوا؛ ولا تَيَقَّنُوا؛ سَألُوا؛ فَقِيلَ لَهُ: "قُلْ لِلَّهِ"؛ والصَحِيحُ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - أمَرَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِقَطْعِهِمْ بِهَذِهِ الحُجَّةِ الساطِعَةِ؛ والبُرْهانِ القَطْعِيِّ الَّذِي لا مُدافَعَةَ فِيهِ عِنْدَهُمْ؛ ولا عِنْدَ أحَدٍ؛ لِيَعْتَقِدَ هَذا المُعْتَقَدَ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ؛ ثُمَّ يَتَرَكَّبُ احْتِجاجُهُ عَلَيْهِ؛ وجاءَ ذَلِكَ بِلَفْظِ اسْتِفْهامٍ؛ وتَقْرِيرٍ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ ؛ والوَجْهُ في المُحاجَّةِ إذا سَألَ الإنْسانُ خَصْمَهُ بِأمْرٍ لا يُدافِعُهُ الخَصْمُ فِيهِ؛ أنْ يَسْبِقَهُ بَعْدَ التَقْرِيرِ إلَيْهِ؛ مُبادَرَةً إلى الحُجَّةِ؛ كَما تَقُولُ لِمَن تُرِيدُ غَلَبَتَهُ بِآيَةٍ تَحْتَجُّ بِها عَلَيْهِ: كَيْفَ قالَ اللهُ تَعالى في كَذا؟

ثُمَّ تَسْبِقُهُ أنْتَ إلى الآيَةِ؛ فَتَنُصُّها عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُمْ: "يا أيُّها الكافِرُونَ العادِلُونَ بِرَبِّهِمْ؛ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ؟"؛ ثُمَّ سَبَقَهم فَقالَ: "لِلَّهِ"؛ أيْ: لا مُدافَعَةَ في هَذا عِنْدَكُمْ؛ ولا عِنْدَ أحَدٍ.

ثُمَّ ابْتَدَأ يُخْبِرُ عنهُ تَعالى ﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: قَضاها؛ وأنْفَذَها؛ وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - تَتَضَمَّنُ كَتْبَ الرَحْمَةِ؛ ومَعْلُومٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِنَ الشَرِيعَةِ أنْ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ؛ ولِجَمِيعِ الناسِ في الدُنْيا؛ مِنها: « "إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ؛ فَوَضَعَ مِنها واحِدَةً في الأرْضِ؛ فَبِها تَتَعاطَفُ البَهائِمُ؛ وتَرْفَعُ الفَرَسُ رِجْلَها لِئَلّا تَطَأ ولَدَها؛ وبِها تَتَعاطَفُ الطَيْرُ؛ والحِيتانُ؛ وعِنْدَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ رَحْمَةً؛ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صَيَّرَ تِلْكَ الرَحْمَةَ مَعَ التِسْعَةِ والتِسْعِينَ؛ وبَثَّها في عِبادِهِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَما أشْقى مَن لَمْ تَسَعْهُ هَذِهِ الرَحَماتُ!

تَغَمَّدَنا اللهُ تَعالى بِفَضْلٍ مِنهُ.

وَمِنها حَدِيثٌ آخَرُ: « "إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - كَتَبَ عِنْدَهُ كِتابًا؛ فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ؛ أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"؛ ويُرْوى: "نالَتْ غَضَبِي"؛» ومَعْناهُ: سَبَقَتْ؛ وأنْشَدَ عَلَيْهِ ثابِتُ بْنُ قاسِمٍ: أبَنِي كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيّا اللَذا ∗∗∗ نالا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا ويَتَضَمَّنُ هَذا الإخْبارَ عَنِ اللهِ تَعالى بِأنَّهُ كَتَبَ الرَحْمَةَ؛ لِتَأْنِيسِ الكُفّارِ؛ ونَفْيِ يَأْسِهِمْ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى إذا تابُوا؛ وأنَّ بابَ تَوْبَتِهِمْ مَفْتُوحٌ؛ قالَ الزَجّاجُ: اَلرَّحْمَةُ هُنا إمْهالُ الكُفّارِ؛ وتَعْمِيرُهم لِيَتُوبُوا؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ جَماعَةً مِنَ النَحْوِيِّينَ قالَتْ: إنَّ "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ هو تَفْسِيرُ الرَحْمَةِ؛ تَقْدِيرُهُ: "أنْ يَجْمَعَكُمْ"؛ فَيَكُونُ "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن "اَلرَّحْمَةَ"؛ وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ  ﴾ ؛ اَلْمَعْنى: "أنْ يَسْجُنُوهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ أنْ تَدْخُلَ النُونُ الثَقِيلَةُ في الإيجابِ؛ وهو مَرْدُودٌ؛ وإنَّما تَدْخُلُ في الأمْرِ والنَهْيِ؛ وبِاخْتِصاصٍ مِنَ الواجِبِ في القَسَمِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ - وهو الأظْهَرُ -: إنَّ اللامَ لامُ قَسَمٍ؛ والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ؛ ويُتَخَرَّجُ ذَلِكَ فِي: "لَيَسْجُنُنَّهُ"؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إلى"؛ بِمَعْنى "فِي"؛ وقِيلَ: عَلى بابِها؛ غايَةٌ؛ وهو الأرْجَحُ.

و ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ ؛ أيْ: هو في نَفْسِهِ وذاتِهِ لا رَيْبَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قِيلَ: إنَّ "اَلَّذِينَ"؛ مُنادى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهو فاسِدٌ؛ لِأنَّ حَرْفَ النِداءِ لا يَسْقُطُ مَعَ المُبْهَماتِ.

وقِيلَ: هو نَعْتُ "اَلْمُكَذِّبِينَ"؛ اَلَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ؛ وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ قالَ المُبَرِّدُ: ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ كَما لا يَجُوزُ: "مَرَرْتُ بِكَ زَيْدُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ في الآيَةِ: "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ مُخالِفٌ لِهَذا المِثالِ؛ لِأنَّ الفائِدَةَ في البَدَلِ مُتَرَقَّبَةٌ مِنَ الثانِي؛ وإذا قُلْتَ: "مَرَرْتُ بِكَ زَيْدُ"؛ فَلا فائِدَةَ في الثانِي؛ وقَوْلُهُ: "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ يَصْلُحُ لِمُخاطَبَةِ الناسِ كافَّةً؛ فَيُفِيدُنا "اَلَّذِينَ"؛ مِنَ الضَمِيرِ؛ أنَّهم هُمُ المُخْتَصُّونَ بِالخِطابِ هُنا؛ وخُصُّوا عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ؛ ويَتَّضِحُ فِيها الوَعِيدُ إذا جَعَلْنا "اَللّامَ" لِلْقَسَمِ؛ وهو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ ويَجِيءُ هَذا بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ.

وقالَ الزَجّاجُ: "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ ﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَهُمْ"؛ جَوابٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ حاصِلٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "مَن خَسِرَ نَفْسَهُ فَهو لا يُؤْمِنُ".

وعَلى القَوْلِ بِأنَّ "اَلَّذِينَ"؛ بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ؛ هي عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"خَسِرُوا"؛ مَعْناهُ: "غَبَنُوا أنْفُسَهم بِأنْ وجَبَ عَلَيْها عَذابُ اللهِ تَعالى وسُخْطُهُ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لا يَأْخُذُ الرِشْوَةَ في حُكْمِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا يُبالِي غَبَنَ الخاسِرِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَهُ ما سَكَنَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "وَلَهُ"؛ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "لِلَّهِ"؛ واللامُ لِلْمِلْكِ؛ و"ما" بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ و"سَكَنَ"؛ هي مِنَ السُكْنى؛ ونَحْوِها؛ أيْ: ما ثَبَتَ؛ وتَقَرَّرَ؛ قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِنَ السُكُونِ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: لِأنَّ الساكِنَ مِنَ الأشْياءِ أكْثَرُ مِنَ المُتَحَرِّكِ؛ إلى غَيْرِ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي هو تَخْلِيطٌ؛ والمَقْصِدُ في الآيَةِ عُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ؛ وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا أنْ يَكُونَ "سَكَنَ"؛ بِمَعْنى: "اِسْتَقَرَّ؛ وثَبَتَ"؛ وإلّا فالمُتَحَرِّكُ مِنَ الأشْياءِ المَخْلُوقاتِ أكْثَرُ مِنَ السَواكِنِ؛ ألا تَرى إلى الفَلَكِ؛ والشَمْسِ؛ والقَمَرِ؛ والنُجُومِ السابِحَةِ؛ والمَلائِكَةِ؛ وأنْواعِ الحَيَوانِ؟

واللَيْلُ والنَهارُ حاصِرانِ لِلزَّمانِ.

﴿ وَهُوَ السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ؛ هاتانِ صِفَتانِ تَلِيقانِ بِنَمَطِ الآيَةِ مِن قِبَلِ أنَّ ما ذُكِرَ قَبْلُ مِنَ الأقْوالِ الرَدِيَّةِ عَنِ الكَفَرَةِ العادِلِينَ؛ هو سَمِيعٌ لَها؛ عَلِيمٌ بِمَواقِعِها؛ مُجازٍ عَلَيْها؛ فَفي الضَمِيرِ وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ قل لمن ما في السماوات والأرض ﴾ تكرير في مقام الاستدلال، فإنّ هذا الاستدلال تضمّن استفهاماً تقريرياً، والتقرير من مقتضيان التكرير، لذلك لم تعطف الجملة.

ويجوز أن يجعل تصدير هذا الكلام بالأمر بأن يقوله مقصوداً به الاهتمام بما بعد فعل الأمر بالقول على الوجه الذي سنبيّنه عند قوله تعالى: ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ﴾ في هذه السورة [40].

والاستفهام مستعمل مجازاً في التقرير.

والتقرير هنا مراد به لازم معناه، وهو تبكيت المشركين وإلجاؤهم إلى الإقرار بما يفضي إلى إبطال معتقدهم الشركَ، فهو مستعمل في معناه الكنائي مع معناه الصريح، والمقصود هو المعنى الكنائي.

ولكونه مراداً به الإلجاء إلى الإقرار كان الجواب عنه بما يريده السائل من إقرار المسؤول محقّقاً لا محيص عنه، إذ لا سبيل إلى الجحد فيه أو المغالطة، فلذلك لم ينتظر السائل جوابهم وبادرهم الجواب عنه بنفسه بقوله: لله } تبكيتاً لهم، لأنّ الكلام مسوق مساق إبلاغ الحجّة مقدّرة فيه محاورة وليس هو محاورة حقيقية.

وهذا من أسلوب الكلام الصادر من متكلّم واحد.

فهؤلاء القوم المقدّر إلجاؤهم إلى الجواب سواء أنصفوا فأقرّوا حقّيّة الجواب أم أنكروا وكابروا فقد حصل المقصود من دمغهم بالحجّة.

وهذا أسلوب متّبع في القرآن، فتارة لا يذكر جواب منهم كما هنا، وكما في قوله تعالى: ﴿ قل من ربّ السماوات والأرض قل الله ﴾ [الرعد: 16]، وقوله: ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى إلى قوله قل الله ﴾ [الأنعام: 91]، وتارة يذكر ما سيجيبون به بعد ذكر السؤال منسوباً إليهم أنّهم يجيبون به ثم ينتقل إلى ما يترتّب عليه من توبيخ ونحوه، كقوله تعالى: ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكّرون إلى قوله قل فأنّى تسحرون ﴾ [المؤمنون: 84 89].

وابتدئ بإبطال أعظم ضلالهم.

وهو ضلال الإشراك.

وأدمج معه ضلال إنكارهم البعث المبتدأ به السورة بعد أن انتقل من ذلك إلى الإنذار الناشئ عن تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم ولذلك لمّا كان دليل الوحدانية السالف دالاً على خلق السماوات والأرض وأحوالها بالصراحة، وعلى عبودية الموجودات التي تشملها بالالتزام، ذكر في هذه الآية تلك العبودية بالصراحة فقال: ﴿ قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله ﴾ .

وقوله: ﴿ لله ﴾ خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه ﴿ ما في السماوات ﴾ .

الخ.

ويقدّر المبتدأ مؤخّراً عن الخبر على وزان السؤال لأنّ المقصود إفادة الحصر.

واللام في قوله: ﴿ لله ﴾ للملك؛ دلّت على عبودية الناس لله دون غيره، وتستلزم أنّ العبد صائر إلى مالكه لا محالة، وفي ذلك تقرير لدليل البعث السابق المبني على إثبات العبودية بحقّ الخلق.

ولا سبب للعبوديّة أحقّ وأعظم من الخالقية، ويستتبع هذا الاستدلالُ الإنذار بغضبه على من أشرك معه.

وهذا استدلال على المشركين بأنّ غير الله ليس أهلاً للإلهيّة، لأنّ غير الله لا يملك ما في السماوات وما في الأرض إذ ملك ذلك لخالق ذلك.

وهو تمهيد لقوله بعده ﴿ ليجمعنّكم إلى يوم القيامة ﴾ ، لأنّ مالك الأشياء لا يهمل محاسبتها.

وجملة: ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ معترضة، وهي من المقول الذي أمر الرسول بأن يقوله.

وفي هذا الاعتراض معان: أحدها: أنّ ما بعده لمّا كان مشعراً بإنذار بوعيد قُدّم له التذكير بأنّه رحيم بعبيده عساهم يتوبون ويقلعون عن عنادهم، على نحو قوله تعالى: ﴿ كتب ربّكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنّه غفور رحيم ﴾ [الأنعام: 54]، والشرك بالله أعظم سوءٍ وأشدّ تلبّساً بجهالة.

والثاني: أنّ الإخبار بأنّ لله ما في السماوات وما في الأرض يثير سؤال سائل عن عدم تعجيل أخذهم على شركهم بمن هم مِلكه.

فالكافر يقول: لو كان ما تقولون صدقاً لعجّل لنا العذاب، والمؤمن يستبطئ تأخير عقابهم، فكان قوله: ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ جواباً لكلا الفريقين بأنّه تفضّل بالرحمة، فمنها رحمة كاملة: وهذه رحمته بعباده الصالحين، ومنها رحمة موقّتة وهي رحمة الإمهال والإملاء للعصاة والضّالّين.

والثالث: أنّ ما في قوله: ﴿ قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله ﴾ من التمهيد لما في جملة ﴿ ليجمعنّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ﴾ من الوعيد والوعد.

ذُكرت رحمة الله تعريضاً ببشارة المؤمنين وبتهديد المشركين.

الرابع: أنّ فيه إيماء إلى أنّ الله قد نجّى أمّة الدعوة المحمدية من عذاب الاستئصال الذي عذّب به الأمم المكذّبةَ رسلها من قبل، وذلك ببركة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إذ جعله رحمة للعالمين في سائر أحواله بحكم قوله تعالى: ﴿ وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107]، وإذ أراد تكثير تابعيه فلذلك لم يقض على مكذّبيه قضاء عاجلاً بل أمهلهم وأملى لهم ليخرج منهم من يؤمن به، كما رجا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك لمّا قالوا: ﴿ اللهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [الأنفال: 32] قال الله تعالى ﴿ وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم ﴾ [الأنفال: 33].

وقد حصل ما رجاه رسول الله فلم يلبث من بقي من المشركين أن آمنوا بالله ورسوله بعد فتح مكة ودخلوا في دين الله أفواجاً، وأيّد الله بهم بعد ذلك دينه ورسوله ونشروا كلمة الإسلام في آفاق الأرض.

وإذ قد قدّر الله تعالى أن يكون هذا الدين خاتمة الأديان كان من الحكمة إمهال المعاندين له والجاحدين، لأنّ الله لو استأصلهم في أول ظهور الدين لأتى على من حوتْه مكة من مشرك ومسلم، ثم يحشرون على نيّاتهم، كما ورد في الحديث لمّا قالت أمّ سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم " أنهلك وفينا الصالحون، قال: نعم، إذا كثر الخبث ثم يحشرون على نيّاتهم " فلو كان ذلك في وقت ظهور الإسلام لارتفع بذلك هذا الدين فلم يحصل المقصود من جعله خاتمة الأديان.

وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا نزل عليه ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم ﴾ فقال: ﴿ أعوذ بسبحات وجهك الكريم ﴾ .

ومعنى ﴿ كتب ﴾ تعلّقت إرادته، بأن جعل رحمته الموصوف بها بالذات متعلّقة تعلّقاً عامّاً مطّرداً بالنسبة إلى المخلوقات وإن كان خاصّاً بالنسبة إلى الأزمان والجهات.

فلما كان ذلك مطّرداً شبّهت إرادته بالإلزام، فاستعير لها فعل (كتب) الذي هو حقيقة في الإيجاب، والقرينة هي مقام الإلهية، أو جعَل ذلك على نفسه لأنّ أحداً لا يُلزم نفسه بشيء إلاّ اختياراً وإلاّ فإنّ غيره يُلزمه.

والمقصود أنّ ذلك لا يتخلّف كالأمر الواجب المكتوب، فإنّهم كانوا إذا أرادوا تأكيد وعد أو عهد كتبوه، كما قال الحارث بن حلّزة: واذكروا حلف ذي المجاز وما قدّم فيه العهود والكفلاء حذر الجور والتطاخي وهل ينقض ما في المهارق الأهواء فالرحمة هنا مصدر، أي كتب على نفسه أن يرحم، وليس المراد الصفة، أي كتب على نفسه الاتّصاف بالرحمة، أي بكونه رحيماً، لأنّ الرحمة صفة ذاتية لله تعالى واجبة له، والواجب العقلي لا تتعلّق به الإرادة، إلاّ إذا جعلنا ﴿ كتب ﴾ مستعملاً في تمجّز آخر، وهو تشبيه الوجوب الذاتي بالأمر المحتّم المفروض، والقرينة هي هي إلاّ أنّ المعنى الأول أظهر في الامتنان، وفي المقصود من شمول الرحمة للعبيد المعرضين عن حقّ شكره والمشركين له في ملكه غيره.

وفي «الصحيحين» من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا قضى الله تعالى الخلق كتب كتاباً فوضعه عنده فوق العرش " إنّ رحمتي سَبَقَتْ غضبي " وجملة ﴿ ليجمعنّكم إلى يوم القيامة ﴾ واقعة موقع النتيجة من الدليل والمسبّب من السبب، فإنّه لمّا أبطلت أهلية أصنامهم للإلهية ومحّضت وحدانية الله بالإلهية بطلت إحالتهم البعث بشبهة تفّرق أجزاء الأجساد أو انعدامها.

ولام القسم ونون التوكيد أفادا تحقيق الوعيد.

والمراد بالجمع استقصاء متفرّق جميع الناس أفراداً وأجزاءاً متفرّقة.

وتعديته ب ﴿ إلى ﴾ لتضمينه معنى السوق.

وقد تقدّم القول في نظيره عند قوله تعالى: ﴿ الله لا إله إلاّ هو ليجمعنّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ﴾ في سورة [النساء 87].

وضمير الخطاب في قوله: ليجمعنّكم } مراد به خصوص المحجوجين من المشركين، لأنّهم المقصود من هذا القول من أوله؛ فيكون نِذارة لهم وتهديداً وجواباً عن أقلّ ما يحتمل من سؤال ينشأ عن قوله: ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ كما تقدّم.

وجملة ﴿ الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ﴾ الأظهر عندي أنّها متفرّعة على جملة ﴿ ليجمعنّكم إلى يوم القيامة ﴾ وأنّ الفاء من قوله: ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ للتفريع والسببية.

وأصل التركيب: فأنتم لا تؤمنون لأنّكم خسرتم أنفسكم في يوم القيامة؛ فعدل عن الضمير إلى الموصول لإفادة الصلة أنّهم خسروا أنفسهم بسبب عدم إيمانهم.

وجعل ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ خبرَ مبتدأ محذوف.

والتقدير: أنتم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون.

ونظم الكلام على هذا الوجه أدعى لإسماعهم، وبهذا التقدير يستغنى عن سؤال «الكشاف» عن صحّة ترتّب عدم الإيمان على خسران أنفسهم مع أنّ الأمر بالعكس.

وقيل: ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ خبره، وقرن بالفاء لأنّ الموصول تضمّن معنى الشرط على نحو قوله تعالى: ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم ﴾ [النساء: 15].

وأشرب الموصول معنى الشرط ليفيد شموله كلّ من اتّصف بمضمون الصلة، ويفيد تعليق حصول مضمون جملة الخبر المنزّل منزلة جواب الشرط على حصول مضمون الصلة المنزّلة منزلة جملة الشرط، فيفيد أنّ ذلك مستمرّ الارتباط والتعليل في جميع أزمنة المستقبل التي يتحقّق فيها معنى الصلة.

فقد حصل في هذه الجملة من الخصوصيات البلاغية ما لا يوجد مثله في غير الكلام المعجز.

ومعنى: ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ أضاعوها كما يضيّع التاجر رأس ماله، فالخسران مستعار لإضاعة ما شأنه أن يكون سبب نفع.

فمعنى ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ عدموا فائدة الانتفاع بما ينتفع به الناس من أنفسهم وهو العقل والتفكير، فإنّه حركة النفس في المعقولات لمعرفة حقائق الأمور.

وذلك أنّهم لمّا أعرضوا عن التدبّر في صدق الرسول عليه الصلاة والسلام فقد أضاعوا عن أنفسهم أنفع سبب للفوز في العاجل والآجل، فكان ذلك سبب أن لا يؤمنوا بالله والرسول واليوم الآخر.

فعدم الإيمان مسبّب عن حرمانهم الانتفاع بأفضل نافع.

ويتسبّب عن عدم الإيمان خسران آخر، وهو خسران الفوز في الدنيا بالسلامة من العذاب، وفي الآخرة بالنجاة من النار، وذلك يقال له خسران ولا يقال له خسران الأنفس.

وقد أشار إلى الخسرانين قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين خسروا أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون لا جرم أنّهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ [هود: 21، 22].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ مِن أجْسامِ الحَيَوانِ، لِأنَّ مِنَ الحَيَوانِ ما يَسْكُنُ لَيْلًا، ومِنهُ ما يَسْكُنُ نَهارًا.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ ﴿ ما سَكَنَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ ما تَحَرَّكَ؟

قِيلَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ما يَعُمُّهُ السُّكُونُ أكْثَرُ مِمّا يَعُمُّهُ الحَرَكَةُ.

والثّانِي: لِأنَّ كُلَّ مُتَحَرِّكٍ لا بُدَّ أنْ تَنْحَلَّ حَرَكَتُهُ سُكُونًا، فَصارَ كُلُّ مُتَحَرِّكٍ ساكِنًا، وقَدْ قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْناهُ ولَهُ ما اسْتَقَرَّ في اللَّيْلِ والنَّهارِ، وهُما الزَّمانُ كُلُّهُ، لِأنَّهُ لا زَمانَ إلّا لَيْلٌ أوْ نَهارٌ، ولا فَصْلَ بَيْنَهُما يَخْرُجُ عَنْ واحِدٍ مِنهُما.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا ﴾ يَعْنِي إلَهًا يَتَوَلّانِي.

﴿ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ ومُبْتَدِئُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنْتُ لا أدْرِي ما فاطِرُ حَتّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أنا فَطَرْتُها، أيِ ابْتَدَأْتُها، وأصْلُ الفَطْرِ الشَّقُّ، ومِنهُ ﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ  ﴾ أيْ شُقُوقٍ.

﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴾ مَعْناهُ يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ، قَرَأ بَعْضُهم ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴾ مَعْناهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: وهو يُطْعِمُ خَلْقَهُ ولا يَأْكُلُ.

﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ﴾ يَعْنِي مِن أُمَّتِهِ، وفي إسْلامِهِ هَذا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: اسْتِسْلامُهُ لِأمْرِ اللَّهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: طالَ النَّهارُ عَلى مَن لا لِقاحَ لَهُ إلّا الهَدِيَّةُ أوْ تَرْكٌ بِإسْلامٍ أيْ بِاسْتِسْلامٍ.

والثّانِي: هو دُخُولُهُ في سِلْمِ اللَّهِ وخُرُوجِهِ مِن عَداوَتِهِ.

والثّالِثُ: دُخُولُهُ في دِينِ إبْراهِيمَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ  ﴾ ويَكُونُ المُرادُ بِهِ أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: مِن أهْلِ مَكَّةَ.

﴿ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا خِطابًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ يَنْهاهُ بِهِ عَنِ الشِّرْكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، وإنْ تَوَجَّهَ الخِطابُ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ قال: بئس- والله- ما كان عاقبة المكذبين، دمر الله عليهم وأهلكهم ثم صيرهم إلى النار.

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سلمان في قوله: ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ قال: إنا نجده في التوراة عطيفتين، أن الله خلق السموات والأرض ثم جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق فوضع بينهم واحدة وأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، فيها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتباذلون، وبها يتزاورون، وبها تحن الناقة، وبها تنتج البقرة، وبها تيعر الشاة، وبها تتابع الطير، وبها تتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع.

وأخرج أحمد ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة، منها رحمة يتراحم بها الخلق وتسع وتسعون ليوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة» .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما قضى الله الخلق كتب كتاباً فوضعه عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» .

وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله الخلق كتب كتاباً بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق أخرج كتاباً من تحت العرش: إن رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة أو قبضتين فيخرج من النار خلق كثير لم يعلموا خيراً: مكتوب بين أعينهم عتقاء الله» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن الله كتب كتاباً بيده لنفسه قبل أن يخلق السموات والأرض فوضعه تحت عرشه، فيه: رحتمي سبقت غضبي» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن طاوس.

أن الله لما خلق الخلق لم يعطف شيء منه على شيء حتى خلق مائة رحمة، فوضع بينهم رحمة واحدة، فعطف بعض الخلق على بعض.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة حسبته أسنده قال: إذا فرغ الله من القضاء بين خلقه، أخرج كتاباً من تحت العرض فيه: إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين.

قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة، أو قال مثلاً أهل الجنة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو قال: إن لله مائة رحمة، فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا يتراحم بها الجن، والإنس، وطائر السماء، وحيتان الماء، ودواب الأرض وهوامها، وما بين الهواء، واختزن عنده تسعاً وتسعين رحمة، حتى إذا كان يوم القيامة اختلج الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا، فحواها إلى ما عنده فجعلها في قلوب أهل الجنة وعلى أهل الجنة.

وأخرج ابن جرير عن أبي المخازق زهير بن سالم قال: قال عمر لكعب: ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟

فقال كعب: كتب الله كتاباً لم يكتبه بقلم ولا مداد، ولكن كتب بأصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: أنا الله لا إله إلا أنا سبقت رحمتي غضبي.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن بالله عن أبي قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله للملائكة: ألا أحدثكم عن عبدين من بني إسرائيل؟

أما أحدهما فيرى بنو إسرائيل أنه أفضلهما في الدين والعلم والخلق، والآخر أنه مسرف على نفسه.

فذكر عند صاحبه فقال: لن يغفر الله له.

فقال ألم يعلم أني أرحم الراحمين، ألم يعلم رحمتي سبقت غضبي وإني أوجبت لهذا العذاب.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تألوا على الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة، فجعل في الأرض منها رحمة فيها تعطف الوالدة على ولدها، والبهائم بعضها على بعض، وأخر تسعاً وتسعين إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة مائة رحمة» .

وأخرج مسلم وابن مردويه عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السموات والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال أهل المعاني: (هذا أمر من الله تعالى لنبيه  بسؤال قومه، وذلك أن السؤال يبعث النفس على طلب الجواب وتبين ما سئل عنه) (١) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّهِ ﴾ قال صاحب النظم: (جاء السؤال والجواب من جهة واحدة، وهو محمول على أنه لما أنزل: ﴿ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قيل لهم ذلك كما أمر به وأنهم أجابوا وقالوا: فلمن هو؟

فجاء الجواب: ﴿ قُلْ لِلَّهِ ﴾ ، فهذا جواب عن سؤال مضمر دل عليه الكلام) (٢) وقوله تعالى: ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ قال ابن عباس: (قضى لنفسه أنه أرحم الراحمين) (٣) وقال أهل المعاني: (8) أخبر عن عظم ملكه بأن له ما في السموات والأرض ذكر أنه أوجب على نفسه الرحمة؛ تلطفًا في الاستدعاء إلى الإنابة، واستعطافًا للمتولين عنه إلى الإقبال إليه).

(٤) وقوله تعالى: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ ، الأكثرون على أن هذا ابتداء كلام، واللام فيه لام قسم مضمر، كأنه: والله ليجمعنكم (٥) ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ متصلًا بما قبل فقال في معنى قوله: ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ : (الله عز وجل تفضل على العباد بأن أمهلهم عند كفرهم به وإقدامهم على كبائر ما نهى عنه، بأن أنظرهم وعمَّرهم وفسح لهم ليتوبوا، فذلك كتبه على نفسه الرحمة) (٦) ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ يكون موضعه [نصبا] (٧) ﴿ الرَّحْمَةَ ﴾ ، وذلك أنه مفسر للرحمة بالإمهال ﴿ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ .

وذكر الفراء المذهبين (٨) ﴿ الرَّحْمَةَ ﴾ غاية الكلام ثم استأنفت بعدها ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ ، وإن شئت [جعلته] (٩) ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ ﴾ الآية [الأنعام: 54].

وعلى هذا يكون قوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ جوابًا لقوله: ﴿ كُتِبَ ﴾ ؛ لأنه بمعنى أوجب، والقسم يوجب كما يوجب ﴿ كُتِبَ ﴾ ، فلما كان معنى قوله: ﴿ كُتِبَ ﴾ ، مثل معنى القسم حمل الجواب على معنى القسم، قاله الجرجاني (١٠) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ \[قال الزجاج\] (١١) (١٢) وقال صاحب النظم: (التأويل: ليؤخرن جمعكم إلى يوم القيامة، وقوله: ﴿ إِلَى ﴾ دليل على معنى التأخير في الجمع إلى هذا اليوم) (١٣) ﴿ إِلَى ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي: بالشرك بالله أوبقوا أنفسهم، وكانوا كمن خسر شيئًا يهلكه.

واختلفوا في إعراب ﴿ الَّذِينَ ﴾ ، فزعم الأخفش (١٤) ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ ، والمعنى: ليجمعن هؤلاء المشركين ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ ) (١٥) قال أبو إسحاق: (والذي عندي أن قوله: ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ في موضع رفع على الابتداء، وخبره: ﴿ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ لأن قوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ مشتمل على الجميع، على ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ وغيرهم (١٦) والفاء في قوله ﴿ فَهُمْ ﴾ (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)  ﴾ ، الفاء هاهنا زائدة (٢١) (١) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 154، و"الرازي" 12/ 164.

(٢) ذكره الكرماني في "غرائب التفسير" 1/ 354، والسمين في "الدر" 4/ 549، عن صاحب النظم، وهو قول أحمد بن فارس في "الصاحبي" ص 391، وقال السمين: (هذا قول بعيد؛ لأنهم لم يكونوا يشكون في أنه هو الله، وإنما هذا سؤال تبكيت وتوسخ، ولو أجابوا لم يسعهم أن يجيبوا إلا بذلك) ا.

هـ وأكثرهم على أن ﴿ قُلْ لِلَّهِ ﴾ أمر بالجواب عقيب السؤال نيابة عنهم تقريرا لهم وتنبيهًا على أن الجواب متعين بالاتفاق، ولأنه أبلغ في التأثير، وآكد في الحجة.

انظر: الطبري في "تفسيره" 7/ 154، والبغوي في "تفسيره" 3/ 130، والزمخشري في "تفسيره" 2/ 7، وابن == عطية في "تفسيره" 5/ 136، والرازي في "تفسيره" 12/ 164، و"البحر" 4/ 81.

(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 14، وابن الجوزي 3/ 9.

(٤) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 155، و"معاني القرآن" للزجاج 2/ 231، و"تفسير البغوي" 3/ 130.

(٥) أي جواب قسم محذوف، والجملة لا تعلق لها بما قبلها من حيث الإعراب، وإن تعلقت به من حيث المعنى، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 7/ 157، وابن عطية 5/ 139، والسمين في "الدر" 4/ 550، وابن هشام في "المغني" 2/ 407.

(٦) "معاني الزجاج" 2/ 231 - 232.

(٧) لفظ: (نصبا)، ساقط من (أ).

(٨) "معاني الفراء" 1/ 328، ونحوه قال الزجاج 2/ 232، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 538، و"التبيان" 1/ 325، و"الفريد" 2/ 125.

(٩) (جعلته)، ساقط من (ش).

(١٠) لم أقف عليه، وهذا القول هو ظاهر كلام الأخفش في "معانيه" 2/ 261، وابن الأنباري في "البيان" 1/ 315، وانظر: "المشكل" 1/ 246، والرازي في "تفسيره" 12/ 165، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 395، و"البحر" 4/ 82.

(١١) (قال الزجاج): ساقط من (ش).

(١٢) "معاني الزجاج" 2/ 232.

(١٣) لم أقف عليه.

و (إلى) لها عدة معانٍ، كما في "حروف المعاني" للزجاجي ص 65، و"معاني الحروف" للرماني ص 115، و"المغني" لابن هشام 1/ 74، والأظهر هنا قول الجمهور أنها على بابها للغاية، أي: ليجمعنكم منتهين إلى يوم القيامة.

وقيل: هي بمعنى في، وقيل: بمعنى اللام، وقيل: زائدة.

انظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 131، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 139، والرازي في "تفسيره" 12/ 166، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 395، و"البحر" 4/ 82، و"الدر المصون" 4/ 550.

(١٤) "معاني الأخفش" 2/ 269، وهو قول الطبري في "تفسيره" 11/ 281.

(١٥) هنا وقع اضطراب في نسخة (أ) ص 102 حيث جاء باقي التفسير في 103 ب.

(١٦) "معاني الزجاج" 2/ 232، وهو اختيار أكثرهم.

انظر: "إعراب النحاس" 1/ 538، و"المشكل" 1/ 247، و"غرائب الكرماني" 1/ 354، و"البيان" 1/ 315، و"التبيان" 1/ 325.

وقال الهمداني في "الفريد" 2/ 126: (هذا فيه تأخير السبب وتقديم المسبب، فالأحسن كونه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين، والفاء على هذا للعطف) ا.

هـ.

بتصرف.

وأكثرهم ضعف الوجه الأول؛ لأن القاعدة العامة عند النحاة ألا يبدل مظهر من مضمر بدل كل من غير إحاطة وشمول، وقوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ مشتمل على سائر الخلق الذين خسروا أنفسهم، فلا وجه لاختصاصه بهم، ولا يقال: رأيتك زيدًا على البدل؛ لأن ضمير المخاطب في غاية الوضوح، فلا حاجة إلى البدل منه، أفاده الهمداني في "الفريد" 2/ 126، و"السمين" 4/ 551.

وانظر: "الكتاب" 2/ 385 - 389، و"المقتضب" 4/ 295 - 298، و"الأصول" 2/ 304 - 305، و"المقرب" 1/ 242، و"البحر" 4/ 82.

(١٧) ذكر هذا القول كل من رجح قول الزجاج.

وانظر: "تفسير ابن عطية" 6/ 13، والرازي 12/ 166.

(١٨) في (ش): (يتضمن).

(١٩) الفاء تربط شبه الجواب بشبه الشرط، فيجوز دخول الفاء في خبر الموصول.

انظر: "معاني الأخفش" 1/ 187، و"الأصول" 2/ 272، و"المغني" 1/ 165.

(٢٠) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 171 ب و1/ 223 أ.

(٢١) هذا قول ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 1/ 258 - 260، بتصرف واختصار، وأكثرهم على أن الفاء في ﴿ فَهُمْ ﴾ رابطة وليست زائدة، وقد اختلف في زيادة الفاء فأجازه الرماني في "معاني الحروف" ص 43 - 47 وابن هشام في "المغني" 1/ 165 - 166.

وقال ابن هشام في "الإعراب عن قواعد الإعراب" ص 198 - 109: (وينبغي أن يتجنب المعرب أن يقول في حرف في كتاب الله تعالى إنه زائد؛ لأنه يسبق إلى الأذهان أن الزائد هو الذي لا معنى له، وكلام الله سبحانه منزه عن ذلك، والزائد عند النحويين معناه الذي لم يؤت به إلا لمجرد التقوية والتوكيد لا المهمل، وكثير من المتقدمين يسمون الزائد صلة، وبعضهم يسميه لغوًا، لكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب) ا.

هـ.

وانظر: "البرهان" للزركشي 1/ 305، و"الدر المصون" 5/ 263، و"موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب" لخالد الأزهري ص 167 - 170.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض قُل للَّهِ ﴾ القصد بالآية إقامة البرهان على صحة التوحيد وإبطال الشرك، وجاء ذلك بصفة الاستفهام لإقامة الحجة على الكفار فسأل أولاً، لمن ما في السموات والأرض؟

ثم أجاب عن السؤال بقوله قل لله، لأن الكفار يوافقون على ذلك بالضرورة، فيثبت بذلك أن الإله الحق هو الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وإنما يحسن أن يكون السائل مجيباً عن سؤاله، إذا علم أن خصمه لا يخالفه في الجواب الذي به يقيم الحجة عليه ﴿ كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ أي قضاها، وتفسير ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض، وفيه «إن رحمتي سبقت غضبي» ، وفي رواية: تغلب غضبي ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ مقطوع مما قبله، وهو جواب لقسم محذوف، وقيل: هو تفسير الرحمة المذكورة تقديره: أن يجمعكم، وهذا ضعيف لدخول النون الثقيلة في غير موضعها، فإنها لا تدخل إلا في القسم أو غير الواجب ﴿ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ قيل: هنا إلى بمعنى في وهو ضعيف، والصحيح أنها للغاية على بابها ﴿ الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ الذين مبتدأ وخبره لا يؤمنون؛ ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط قاله الزجاج وهو حسن، وقال الزمخشري الذين نصب على الذم أو رفع بخبر ابتداء مضمر، وقيل: هو بدل من الضمير في ليجمعنكم وهو ضعيف، وقيل: منادى وهو باطل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أمرت ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: هما وابن كثير وأبو عمرو.

الباقون: بالسكون.

﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.

الباقون: مبنياً للمفعول ﴿ أئنكم ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة ﴿ أينكم ﴾ بالياء بعد الهمزة: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينكم ﴾ بالمد والياء: أبو عمرو ويزيد.

وقالون ﴿ بريء ﴾ بغير همز حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف ﴿ يحشرهم ثم يقول ﴾ بياء الغيبة فيهما: يعقوب.

الباقون: بالنون ﴿ ثم لم تكن ﴾ بتاء التأنيث: حمزة وعلي وحماد والمفضل وسهل ويعقوب الباقون: بالياء ﴿ فتنتهم ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر وحفص والمفضل.

الباقون: بالنصب ﴿ والله ربنا ﴾ بالنصب على النداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: بالجر على البدل أو البيان.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل لله ﴾ ط ﴿ الرحمة ﴾ ط لأن قوله ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب قسم محذوف.

وقيل: لا وقف و ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب معنى القسم في ﴿ كتب ﴾ وفيه نظر لأن ﴿ كتب ﴾ وعد ناجز و ﴿ ليجمعنكم ﴾ وعد منتظر.

﴿ لا ريب فيه ﴾ ط بناء على أن الذين مبتدأ فيه معنى الشرط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ولا يطعم ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمه ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ شهادة ﴾ ط ﴿ ومن بلغ ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لانتهاء الاستخبار إلى الإخبار.

﴿ قل لا أشهد ﴾ ج لاتساق الكلام بلا عطف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ أبناءهم ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده وصف ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ يزعمون ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما برهن على إثبات الصانع وتحقيق النبوّات وتقرير المعاد، وانجر الكلام إلى الأمر باعتبار أحوال الغابرين، عاد إلى إثبات هذه المطالب بطريق الإلزام وأخذ الاعتراف، وذلك أن آثار الحدوث وسمات الإمكان لائحة على صفحات السمويات والأرضيات حتى بلغ في ظهوره إلى حيث لا يقدر منكر على إنكاره، فكان في السؤال تبكيت وإفحام، وفي الجواب تقرير وإلزام، أي هو لله بلا مراء وشقاق ولن يتم الملك إلا إذا كان قادراً على الإعادة كما هو قادر على الإبداء، ولن تحصل حكمة الإعادة إلا بثواب المطيعين وعقاب العاصين، ولن يحسن إيصال الثواب والعقاب إلا بعد نصب الدلائل وإرسال الرسل فلأجل ذلك قال ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ أي بنصب الأدلة وإزاحة العلة إيجاب الفضل والكرم.

وقيل: هذه الرحمة هي أنه يمهلهم مدّة عمرهم ولا يعاجلهم بالاستئصال، أو فرض على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدّقهم وقبل شريعتهم، أو تلك الرحمة هي أنه يجمعهم إلى يوم القيامة فإنه لولا هذا التهديد لحصل الهرج والمرج وارتفع الضبط وكثر الخبط كأنه قيل: لما علمتم أن كل ما في السموات والأرض لله  ، وأنه مالك الكل فاعلموا أن الله الملك الحكيم لا يهمل أمور عبيده، ولا يجوز في حكمته التسوية بين المطيع والعاصي والعامل والساهي.

ومعنى ﴿ ليجمعنكم ﴾ ليضمنكم.

وقيل: فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة فإن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان.

وقيل: ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرناً بعد قرنإلى يوم القيامة.

قال الأخفش: ﴿ الذين خسروا ﴾ بدل من ضمير المخاطبين في ﴿ ليجمعنكم ﴾ .

وقال الزجاج: إنه مبتدأ خبره ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وذلك لتضمنه معنى الشرط فكأنه قيل: ما للمشركين مع وضوح الدلائل الباهرة لا يؤمنون؟

فأجيب ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ أي في علم الله وسابق قضائه فهم لا يؤمنون في طرف الأبد، فكان امتناعهم الآن عن الإيمان مسبباً عن سبق القضاء عليهم بالخسران والخذلان.

وقال في الكشاف ﴿ الذين خسروا ﴾ نصب أو رفع على الذم بمعنى أريد الذين، أو أنتم الذين.

ثم لما بيّن أن له المكان والمكانيات ارتقى في البيان كما هو شأن الترتيب التعليمي إلى ما هو أخفى من ذلك عند الحس وهو الزمان والزمانيات فقال ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ عن ابن عباس أن كفار مكة أتوا رسول الله  فقالوا: يا محمد إنا قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة فنحن نجعل لك نصيباً من أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلاً وترجع عما أنت عليه فنزل ﴿ وله ما سكن ﴾ الآية.

قيل: اشتقاقه من السكون والتقدير كل ما سكن وتحرك كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ أي تقيكم الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر للقرينة.

والأصوب أن يقال: اشتقاقه من السكنى كما يقال: فلان سكن ببلد كذا أي حل فيه.

والمراد كل ما حل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً، وذلك أن الدخول تحت الزمان يستلزم التغير والحدوث فلا بد له من محدث يتقدم عليه وعلى نفس الزمان ﴿ وهو السميع العليم ﴾ الذي يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين فيوصل كل ممكن إلى كمال يليق به ويستعدّ له.

ثم لما كان لزاعم أن يزعم أن الذي يتعالى عن المكان وعن الزمان قد يكون ممكناً في نفسه كالمفارقات التي يثبتها الفلاسفة فلا جرم قال ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ منكر الاتخاذ غير الله ﴿ ولياً ﴾ ولذلك قدم المفعول لكونه أهم، ولو كان حرف الاستفهام داخلاً على الفعل توجه الإنكار أوّلاً إلى نفس اتخاذ الولي وأنه غير مهم ﴿ فاطر السموات ﴾ عطف بيان من ﴿ الله ﴾ أو بدل.

وقرىء بالرفع على إضمار هو، وبالنصب على المدح.

وعن ابن عباس: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها.

وقال ابن الأنباري: أصل الفطر الشق وقد يكون شق إصلاح كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض  ﴾ أي خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضمه بعض الأشياء إلى بعض.

وقد يكون شق إفساد ومنه قوله  ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ ﴿ إذا السماء انفطرت  ﴾ ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد.

والرزق والإطعام وإن كانا متغايرين وإلا لم يحسن العطف في قوله ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون  ﴾ إلا أنهما متقاربان فحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر.

وقرىء ﴿ وهو يطعم ﴾ مبنياً للمفعول على أن الضمير لغير الله وقرىء ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ كلاهما للفاعل.

والمعنى هو يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله ﴿ وإنه يقبض ويبسط  ﴾ أو الثاني بمعنى لا يستطعم.

وحاصل الآية أنه يجب شغل القلب كله بالله وقطع العلائق بالكلية عما سواه لأنه الجواد المطلق الذي يهب لا لعوضٍ ولا انتفاع.

ثم بيّن أن النبي أيضاً داخل في تكليف المعرفة بل هو أسبق قدماً في ذلك فقال ﴿ قل إني أمرت أن أكون أوّل من أسلم ﴾ وقيل لي ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ وفيه أن الواعظ يجب أن يتعظ أوّلاً بما يقوله، فالمريض لا يتصور منه العلاج.

ثم ذكر أن النبي  مع جلالة قدره بصدد المؤاخذة على تقدير المخالفة فقال ﴿ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ ولا يلزم من هذا جواز المعصية عنه لأن الفرض قد يتعلق بالمستحيل كقولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.

من قرأ ﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل فالضمير فيه عائد إلى الله والمفعول وهو العذاب محذوف لكونه معلوماً أو مذكوراً قبله.

قال في الكشاف: ويجوز أن تنصب يومئذ على أنه مفعول به لـ ﴿ يصرف ﴾ أي من يصرف الله عنه ذلك اليوم أي هو له، ومن قرأ على بناء المفعول فهو مسند إلى ضمير العذاب، ولم يسم الفاعل وهو الله  للعلم به ﴿ فقد رحمه ﴾ أي الله الرحمة العظمى كقولك: إن أطعمت زيداً من جوعه فقد أحسنت إليه يعني كمال الإحسان.

أو المراد فقد أدخله الجنة فإن من لم يعذب لم يكن له بد من الثواب تفضلاً أو استيجاباً.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن إيصال الثواب على الطاعة غير واجب وإنما هو ابتداء فضل وإحسان وإلا لم يحسن ذكر الرحمة ههنا، ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب زيداً فإذا لم يضربه لا يقال أنه رحمه؟

﴿ وذلك ﴾ أي صرف العذاب وإيصال الثواب على سبيل التفضل أو الاستيجاب ﴿ الفوز المبين ﴾ لأنه المطلب الأعلى والمقصد الأسنى لكل مكلف.

ثم أكد المعنى المذكور وهو أنه لا يجوز للعاقل أن يرغب في اتخاذ ولي غير الله بقوله ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ من مرض أو فقر أو غير ذلك من البليات ﴿ فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير ﴾ من غنى أو صحة ﴿ فهو على كل شيء قدير ﴾ عمم الحكم لندرج تحته كل خير والحاصل أن اندفاع جميع المضار بقدرته، وكذا حصول جميع الخيرات لأن كل ما عداه فإنما هو تحت قهره وتسخيره وقد حصل بإيجاده وتكوينه، فإن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ورأس المضارّ هو الكفر، وسنام الخيرات هو الإيمان، ولن يحصل نفرة الكفر وداعية الإيمان إلا بتوفيقه  .

وكل ما يتصور أنه قد نفع أو ضر من الجمادات أو المختارات فإن ذلك ينتهي إلى تخليق الله وجعله ذلك الشيء واسطة لذلك النفع أو الضر، فلا ضارّ ولا نافع بالحقيقة إلا هو  .

ثم زاد لهذا المعنى بياناً فقال ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ وهو إشارة إلى كمال القدرة ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ وإنه إشارة إلى كمال العلم.

فالحكمة أعم من العلم لأنها عمل وعلم، وكونه خبيراً أخص من العلم لأنه العلم ببواطن الأمور وخباياها، فإذا اجتمعت هذه المعاني حصل العلم بكماله وغايته، وقد استدل بظاهر الآية من أثبت الفوقية لله  وعورض بوجوه منها: أنه لو كان فوق العالم فإن كان في الصغر بحيث لا يتميز منه جانب من جانب كالجوهر الفرد مثلاً فذلك لا يقوله عاقل، وإن كان ذاهباً في الأقطار كلها كان متجزئاً.

والجواب أنه لم لا يجوز أن يكون نوراً قائماً بذاته غير متناه لا متجزئاً ولا متبعضاً قاهراً لجميع الأنوار غالباً على جميع الأشياء.

فلا غاية لجوده ولا نهاية لوجوده.

وأما إنه كيف يتصور نور بلا نهاية مع أنه لا ينقسم يتبعض فمجرد استبعاد فلا يصلح حجة وإدراك شيء من هذا النور محتاج إلى النور ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ ومنها أنه لو كان غير متناه من كل الجهات لزم اختلاطه بالقاذورات.

والجواب أن هذا كلام مخيل فلا يستعمل في البرهان.

ومنها أنه لو لم يكن خارج العالم خلاء ولا ملاء لم يمكن حصول ذات الله  فيه، وإن كان خلاء فحصوله في جزء من أجزاء ذلك الخلاء دون سائر أجزائه محتاج إلى مخصص، فيكون الواجب مفتقراً فيكون محدثاً هذا خلف.

والجواب أنا ذكرنا أن نور الأنوار لا يتناهى وأنه وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى فيسقط هذا الاعتراض.

ومنها أنه  موجود قبل الخلاء والحيز والجهة، فلا يكون بعد حصول هذه الأشياء موجوداً فيها وإلا لزم التغير في ذاته.

والجواب بالفرق بين المعية وبين الافتقار.

ومنها أن العالم كرة فإما أن يكون الله  فوق أقوام بأعيانهم وحينئذ يلزم أن يكون تحت أقدام من يقابلهم وإما أن يكون فوق الكل فيكون فلكاً محيطاً بسائر الأفلاك وهذا لا يقوله مسلم.

والجواب الإلزامي بعد تسليم كون العالم كرة أنا نختار القسم الأول، ولا يلزم التحتية لأن التحت من جميع الجوانب هو ما يلي المركز، والفوق ما يلي السماء.

أو القسم الثاني ولا يلزم من إحاطته بجميع الأشياء كونه فلكاً كسائر الأفلاك، وأما التحقيق فقد مر.

ومنها أن لفظ الفوق في الآية مسبوق بالقهر ويراد به القدرة والمكنة وملحوق بلفظ عباده، وأنه مشعر بالمملوكية والمقدورية.

فالمناسب أن يراد بالفوق أيضاً فوقية القدرة ولا يلزم التكرار لأن المراد أن القهر والقدرة عام في حق الكل.

والجواب أن حمل الوسط على الطرفين أولى من العكس، بل لا نزاع في مفهوم العباد وإنما النزاع في مفهومي القاهرية والفوقية، وليس حمل أحدهما على الآخر أولى من غيره، ومنها أن الآية سيقت رداً على من اتخذ غير الله ولياً وهذا إنما يحسن لو كان المراد بالفوقية القدرة لا الجهة.

والجواب أن الفوقية بالوجه الذي قررناه في جواب الاعتراض الأول يفيد الاستعلاء المطلق وذلك يوجب أن يكون التعويل عليه في كل الأمور إذ لا وجود ولا ظهور لشيء من الأشياء إلا بفيضه ونوره.

وقد يلوح للمتأمل في هذه الأجوبة بعد التنزية عن التشبيه والتجسيم والحلول والاتحاد أسرار غامضة شريفة إن كان أهلاً لها "وكل ميسر لما خلق له" قال الكلبي: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد ما نرى أحداً يصدقك بما تقول من أمر الرسالة.

ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم فنزلت ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة ﴾ الآية.

قال العلماء: إنها دلت على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله.

ثم بيَّن أن شهادة الله حاصلة إلا أنها لم تدل على أن تلك الشهادة لإثبات أيّ المطالب فقيل: إنها لإثبات نبوة محمد  لما ذكرنا من سبب النزول.

والمعنى قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة حتى يعترفوا بأن أكبر الأشياء شهادة هو الله  ، فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهد لي بالنبوة بأن أظهر على وفق دعواي معجزاً هو القرآن الذي عجزتم معاشر الفصحاء والبلغاء عن معارضته.

وقيل: إن حصول هذه الشهادة في وحدانية الله  وذلك أن الوحدانية ليست مما يتوقف صحته على صحة السمع فلا يمتنع إثباتها بالسمع والمعنى ﴿ قل الله شهيد بيني وبينكم ﴾ في إثبات الوحدانية والبراءة عن الأضداد والأنداد والأمثال والأشباه ﴿ وأوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ﴾ وأبلغكم أن الدين هو التوحيد والشرك مردود.

واستدل الجمهور بالآية على أنه يصح إطلاق الشيء على الله  وخالف جهم محتجاً بقوله  ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ إذ لا يمكن دعوى التخصيص فيه، فإن التخصيص إنما يجوز في صورة شاذة لا يلتفت إليها لقلة اعتبارها فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيهاً على أن البقية جارية مجرى العدم.

فلو كان الباري  شيئاً لكان أعظم الأشياء وأشرفها فيكون إخراجه من هذا العموم محض الكذب.

وأيضاً احتج بأن الشيء يطلق على المعدوم لقوله  ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله  ﴾ والشيء الذي سيفعله غداً معدوم في الحال، فالشيء لا يفيد صفة مدح فلا يطلق عليه.

والجواب عن الأول أن إخراجالأكثر من العموم جائز عندنا.

ولو سلم فإنه  واحد من الأشياء، والمخرج بهذا الاعتبار أقل عدداً من الباقي.

وعن الثاني أن لفظ الشيء أعم الألفاظ، ومتى صدق الخاص كالذات، والحقيقة صدق العلم بالضرورة.

قال جهم ﴿ قل الله شهيد ﴾ جملة مستقلة بنفسهالا تعلق لها بما قبلها فلا يصح استدلالكم.

قلنا ﴿ قل أي شيء ﴾ سؤال ولا بد له من جواب.

وهو إما مذكور رأي قل الله أكبر الأشياء شهادة ثم ابتدىء فقيل شهيد أي وهو شهيد بيني وبينكم، أو محذوف والمعنى قل هو الله والله شهيد بيني وبينكم.

وحسن الحذف لأنه إذا سأل عن أكبر الأشياء شهادة وذكر بعد ذلك أن الله شهيد علم جزماً أن أكبر الأشياء شهادة هو الله أما قوله ﴿ ومن بلغ ﴾ فمعطوف على ضمير المخاطبين والعائد إلى من محذوف أي لأنذركم يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم.

وقيل: من الثقلين.

وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة.

وعن سعيد بن جبير من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً  ، وقيل: ومن بلغ أي من احتلم وبلغ أوان التكليف، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار العائد.

ثم استفهم مبكتاً فقال ﴿ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ﴾ وصف الجمع بصفة الواحدة كما يقال: الرجال فعلت.

ثم دل على إيجاب التوحيد بثلاث جمل: أولاها ﴿ قل لا أشهد ﴾ أي بما تذكرونه من إثبات الشركاء، وثانيتها ﴿ قل إنما هو إله واحد ﴾ وكلمة "إنما" تفيد الحصر.

وثالثتها ﴿ وإنني بريء مما تشركون ﴾ ومن هنا قالت العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويضم إليهما التبري عن كل دين سوى دين الإسلام.

ولما زعم مشركو مكة أنهم سألوا اليهود والنصارى عن نعت محمد صلى الله عليه وآله فقالوا: ليس عندنا ذكره كذّبهم الله  بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ﴾ أي يعرفون رسول الله بنعوته وحلاه الثابتة في الكتابين ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ بالنعوت والحلي لا يخفون عليهم ولا يشتبهون بغير أبنائهم.

﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ إما بدل أو بيان من "الذين" الأولى، ويكون المقصود وعيد المعاندين منهم والجاحدين.

وإما مبتدأ والكلام جملة مستأنفة شاملة لجميع الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين.

والمراد بخسران النفس الهلاك الدائم الذي يحصل لهم بسبب الكفر.

وقيل: ما من أحد إلا وله منزلة في الجنة إلا أن من كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورّث منزلته غيره.

ثم بيَّن سبب خسرانهم مستفهماً على سبيل الإنكار فقال ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم جمعوا بين أمرين متنافيين: إثبات الباطل وهو الافتراء على الله، وجحد الحق وهو التكذيب بآيات الله، فمن الأول أن المشركين كانوا يقولون للأصنام إنهم شركاء الله والله أمرهم بذلك، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، واليهود والنصارى كانوا يزعمون أن التوراة والإنجيل ناطقان بعدم النسخ.

وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة إلى غير ذلك من مفترياتهم.

ومن الثاني قدحهم في القرآن وفي صحة نبوة محمد  ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه الباطل مكان الحق والحق بإزاء الباطل.

ثم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ وناصبه محذوف أي ويوم كذا كان كيت وكيت فترك ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في الوعيد.

ويحتمل أن يكون مفعول "واذكر" أو معطوفاً على محذوف أي لا يفلح الظالمون في الدنيا ويوم الحشر.

﴿ أين شركاؤكم ﴾ آلهتكم التي جعلتموهم شركاء ﴿ الذين كنتم تزعمون ﴾ هم شركاء فحذف المفعولان.

والمقصود من هذا الاستفهام التقريع والتبكيت، ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حيث لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم، ويجوز أن يحال بينهم وبين آلهتهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فتزداد حسرتهم، ويحتمل أن يقال: أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم؟

والغرض من جميع الوجوه أن يتقرر في نفوسهم أن الذي يظنونه مأيوس منه فيصير ذلك تنبيهاً لهم في الدنيا على فساد هذه الطريقة ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ من قرأ بالرفع على أنه اسم كان فالخبر ﴿ إلا أن قالوا ﴾ والتقدير شيئاً إلا أن قالوا ومن قرأ بالنصب مع تذكير يكن فبعكس ما قلنا.

والتقدير شيء إلا أن قالوا.

وأما مع تأنيث يكن فلوقوع الخبر مؤنثاً كقولهم: من كانت أمك.

أو بتأويل مقالتهم.

قال الواحدي: الاختيار قراءة من قرأ بالنصب لأن "أن" إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر.

وكما أن المضمر والمظهر إذا اجتمعا كقولك: إن كنت القائم.

كان جعل المضمر اسماً أولى من جعله خبراً فكذلك ههنا.

قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من وقف على معاني كلام العرب، وذلك أنه تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه، فذكر أن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به وقالوا إنه دين آبائنا لم تكن إلا الجحود والتبرؤ منه والحلف على عدم التدين به.

ومثاله أن ترى إنساناً يحب شخصاً مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه فيقال له: ما كانت محبتك أي عاقبة محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وتركته.

فعلى هذا فتنتهم في شركهم في الدنيا كما فسرها ابن عباس.

ولكن لا بد من تقدير مضاف وهو العاقبة، ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا: فسمي فتنة لأنه كذب، قال القاضيان: الجبائي وأبو بكر: إن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب لأنهم يعرفون الله  بالاضطرار فيكونون ملجئين إلى ترك القبيح وكيف لا وإنهم يعلمون أن ذلك لا يروج منهم حينئذ ولا يستفيدون بذلك إلا زيادة المقت والغضب من الله  عليهم؟

ولا يجوز أن يقال: إنهم لما عاينوا القيامة اختلت عقولهم واضطربت فلهذا قالوا الكذب، أو أنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا لأنه لا يليق بحكمته  أن يوبخهم ثم يحكى عنهم ما يجري مجرى الاعتذار عند اختلال عقولهم.

ولأن تجويز نسيان أمر كان عليه الشخص مدة عمره نوع من السفسطة.

وأيضاً إنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على نوعين من القبيح فإن عوقبوا على ذلك صارتالآخرة دار التكليف وإن لم يعاقبوا كان إذناً من الله  في ارتكاب الذنوب وكلاهما محال.

فإذا الوجه في الآية أن يقال: إن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم وظنونهم أنهم موحدون فأجابوا بقولهم ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ أي في اعتقادنا وظنوننا، وعلى هذا فيكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم كانوا غير مشركين عند أنفسهم فيجيب تأويل قوله تعالى ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ بأن المراد كذبهم في دار الدنيا كقولهم إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك وإن آلهتهم شفعاؤهم عند الله فلهذا قال ﴿ وضل عنهم ﴾ أي وانظر كيف غاب عنهم في الآخرة ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ أي يفتعلون إلهيته وشفاعته.

والحاصل أن الآية سيقت لبيان تضاد حاليهم في الدنيا وفي الآخرة بالكذب وبالصدق ولكن حيث لا ينفعهم الصدق لأن الصدق في الآخرة إنما يعتبر إذا كان مقروناً بالصدق في الدنيا، هذا جملة كلام القاضيين.

قال جمهور المفسرين: إن قول القائل المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا، وكيف كذبوا على أنفسهم في الدنيا مخالفة الظاهر وإن الكفار قد يكذبون في القيامة لقوله  ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون  ﴾ إلى قوله ﴿ ألا إنهم هم الكاذبون  ﴾ ولو سلم أنهم لا يكذبون تعمداً إلا أن الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه حيرة ودهشاً، ألا تراهم يقولون ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 107\] وقد أيقنوا بالخلود؟

﴿ وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك  ﴾ وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.

واختلال عقولهم حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع كمال عقلهم في سائر الأوقات.

التأويل: ما في الكون سوى الله، لا داع ولا مجيب فلهذا يسأل ويجيب ﴿ قل لمن ما في السموات والأرض قل لله ﴾ وله ما سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، وفي نهار الروحانية إلى المواهب الربانية، ﴿ وهو السميع ﴾ أنين من سكن إليه ﴿ العليم ﴾ بحنين من اشتاق إليه ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ اليوم ﴿ ولياً ﴾ وقد اتخذني الله في الأزل حبيباً ﴿ فاطر ﴾ سموات القلوب على محبته وفاطر أرض النفوس على عبوديته ﴿ وهو يطعم ﴾ أرواح العارفين طعام المشاهدات ويسقيهم كؤوس المكاشفات ﴿ ولا يطعم ﴾ لأنه لا يحتاج إلى قبول الفيض من غيره فالأنوار عنده كالذرّات ﴿ أول من أسلم ﴾ لأني خلصت من حبس الوجود بالكلية وحدي ولهذا يقول الأنبياء نفسي نفسي وأقول: أمتي أمتي ﴿ إن عصيت ربي ﴾ برؤية الغير يوم قدّر الشرك لاقوام والتوحيد لاقوام ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ إن دائرة أزليته متصلة بدائرة أبديته، وكل نقطة من الدائرة تصلح للبداية والنهاية، فكل ما صدر منه فلن ينتهي إلا به ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ قهر الكفار بموت القلوب فضلوا في ظلمات الطبيعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة فخرجوا من ظلمات الطبيعة، وقهر قلوب المحبين بلذعات الأشواق إلى يوم التلاق، وقهر أرواح الصديقين بسطوات الجلال في أوقات الوصال.

﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما يقهره فلا يخلو من حكمة ﴿ الخبير ﴾ بمن يتسأهل كل صنف من قهره فيقهره به ﴿ الله أكبر شهادة ﴾ لأنه محيط بحقائق الأشياء ولا يحيط به شيء من الأشياء ﴿ ومن بلغ ﴾ القرآن ووقف على حقائقه.

ويقول للمشركين ﴿ أئنكم لتشهدون ﴾ ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ يعني العلماء بالقرآن يعرفون الله أو النبي.

وفيه إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله مصدر جميع الأشياء ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ ويوم يحشرهم جميعا ﴾ يعني أهل المعرفة والنكرة ﴿ أين شركاؤكم ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ كذبوا على أنفسهم ﴾ في القيامة لأنهم كذبوا في الدنيا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: أن يخرج مخرج البيان لهم [و] أنه ليس على الأمر؛ لأنه لو كان على الأمر لكان يذكر سؤاله لهم، ولم يذكر وإن سألهم، لا يحتمل ألا يخبروه بذلك، فلما لم يذكر سؤاله لهم عن ذلك، ولا يحتمل أن يأمره بالسؤال ثم لا يسأل، أو يسأل هو ولا يخبرونه - فدل أنه على البيان خرج لا على الأمر.

والثاني: على أمر سبق؛ كقوله -  -: ﴿ قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ \[المؤمنون: 84-85\] وكقوله: ﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ...

﴾ \[المؤمنون: 88\] إلى قوله: ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ \[المؤمنون: 89\] وقوله: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ونحوه، كان على أمر سبق، فسخرهم - عز وجل - حتى قالوا: الله؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ ذلك تسخير منه إياهم حتى قالوا: الله.

وفي حرف ابن مسعود، وأبي بن كعب -  ما - ﴿ قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ ﴾ هذا يدل على أنه كان على أمر سبق.

وقال بعضهم: ﴿ قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: سلهم، فإن أجابوك فقالوا: لله، وإلا فقل لهم أنت: لله.

وقال قائلون: فإن سألوك لمن ما في السماوات والأرض؟

قل لله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ .

قال الحسن: كتب على نفسه الرحمة للتوابين [إن شاء] أن يدخلهم الجنة، لا أحد يدخل الجنة بعمله، إنما يدخلون الجنة برحمته، وعلى ذلك جاء الخبر عن نبي الله  قال: "لا يدخل أحد الجنة بعمله قيل: ولا أنت يا رسول الله؟

قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقيل: كتب على نفسه الرحمة أن يجمعهم إلى يوم القيامة، أي: من رحمته أن يجمعهم إلى يوم القيامة، حيث جعل للعدو عذاباً، وللولي ثواباً، أي: من رحمته أن يجمعهم جميعاً، يعاقب العدو ويثيب الولي.

وقيل: أي: من رحمته أن جعل لهم الجمع، فأوعد العاصي العذاب، ووعد المطيع الثواب؛ ليمنع العاصي ذلك عن عصيانه، وليرغب المطيع في طاعته، وذلك من رحمته.

وقال قائلون: ﴿ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ لأمة محمد ألا يعذبهم عند التكذيب، ولا يستأصلهم، كما عذب غيرهم من الأمم، واستأصلهم عند التكذيب، فالتأخير الذي أخرهم إلى يوم القيامة من الرحمة التي كتب [على نفسه].

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ﴾ قيل: ﴿ إِلَىٰ ﴾ صلة، ومعناه: ليجمعنكم يوم القيامة.

وقيل: ﴿ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ﴾ أي: ليوم القيامة، كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ  ﴾ .

وقال قائلون: قوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ في القبور ﴿ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ﴾ ثم يجمعكم يوم القيامة والقرون السالفة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ رَيْبَ ﴾ أي: لا ريب في الجمع والبعث بعد الموت عند من يعرف أن خلق الخلق للفناء خاصة، لا للبعث والإحياء بعد الموت للثواب والعقاب، ليس لحكمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ في الآية - والله أعلم - إنباء أن الخلق كلهم تحت قهر الليل والنهار وسلطانهما، مقهورين مغلوبين؛ إذ لم يكن لأحد من الجبابرة، والفراعنة الامتناع عنهما، ولا صرف أحدهما إلى الآخر، بل يدركانهم، شاءوا أو أبوا، وسلطانهما جار عليهم ليعلموا أن لغير فيهما تدبيرا، وأن قهرهما الخلق وسلطانهما كان بسلطان من له التدبير والعلم، ثم جريانهما على سنن واحد [ومجرى واحد] يدل على أن منشئهما واحد، ومدبرهما عليم حكيم.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ  ﴾ ما استقر في الليل والنهار، من الدواب والطير، في البر والبحر، فمنها ما يستقر نهاراً وينتشر ليلا، ومنها ما يستقر بالليل وينتشر بالنهار.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ وذلك أن كفار أهل مكة أتوا رسول الله  وقالوا: يا محمد، إنا قد علمنا [أنه] ما يحملك على هذا الذي تدعو إليه إلا الحاجة، فنحن نجعلك في أموالنا حتى تكون أغنانا رجلا، وترجع عما أنت عليه؛ فنزلت: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ؛ لمقالة أولئك.

﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ من أين يرزقهم، لكن الوجه فيه ما ذكرنا آنفاً أن الخلق كلهم تحت قهرهما وسلطانهما.

وفيهما وجوه من الحكمة: أحدها: بعض ما ذكرنا ليعلم أن مدبرهما واحد، وفيه نقض قول الفلاسفة؛ لأنهم يقولون: الظلمة كثافة ستارة، والنور دقيق دراك.

وفيهما ما ذكر من المنافع بقوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً  ﴾ وغيره من المنافع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ﴾ لمن دعا له، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : بمصالح الخلق وحاجتهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل لهم -أيها الرسول-: لمن مُلْكُ السماوات ومُلْكُ الأرض ومُلْكُ ما بينهما؟

قل: مُلْكُهَا كلها لله، كتب على نفسه الرحمة تفضلًا منه على عباده، فلا يعاجلهم بالعقوبة، حتى إذا لم يتوبوا جمعهم جميعًا يوم القيامة، هذا اليوم الذي لا شك فيه.

الذين خسروا أنفسهم بالكفر بالله لا يؤمنون فينقذوا أنفسهم من الخسران.

<div class="verse-tafsir" id="91.Wz0lB"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر