الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٣ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى ( وله ما سكن في الليل والنهار ) أي : كل دابة في السموات والأرض ، الجميع عباده وخلقه ، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره ، ولا إله إلا هو ( وهو السميع العليم ) أي : السميع لأقوال عباده ، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم .
القول في تأويل قوله : وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لا يؤمن هؤلاء العادلون بالله الأوثانَ, فيخلصوا له التوحيد، ويُفْرِدوا له الطاعة، ويقرّوا بالألوهية، جهلا =" وله ما سكن في الليل والنهار " ، يقول: وله ملك كل شيء, لأنه لا شيء من خلق الله إلا وهو ساكنٌ في الليل والنهار.
فمعلوم بذلك أن معناه ما وصفنا=" وهو السميع " ، يقول: وهو السميع ما يقول هؤلاء المشركون فيه، من ادّعائهم له شريكًا, وما يقول غيرهم من خلقه (30) =" العليم " ، بما يضمرونه في أنفسهم، وما يظهرونه بجوارحهم, لا يخفى عليه شيء من ذلك, فهو يحصيه عليهم, ليوفّي كل إنسان ثوابَ ما اكتسبَ، وجزاء ما عمل .
* * * وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: " سكن " ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 13109 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وله ما سكن في الليل والنهار " ، يقول: ما استقرَّ في الليل والنهار.
--------------------- الهوامش : (30) في المطبوعة: "من خلاف ذلك" ، غير ما في المخطوطة بسوء رأيه.
قوله تعالى : وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليمقوله تعالى : وله ما سكن في الليل والنهار أي : ثبت ، وهذا احتجاج عليهم أيضا .
وقيل : نزلت الآية لأنهم قالوا : علمنا أنه ما يحملك على ما تفعل إلا الحاجة ، فنحن نجمع لك من أموالنا حتى تصير أغنانا ; فقال الله تعالى : أخبرهم أن جميع الأشياء لله ، فهو قادر على أن يغنيني .
و ( سكن ) معناه هدأ واستقر ; والمراد ما سكن وما تحرك ، فحذف لعلم السامع .
وقيل : خص الساكن بالذكر لأن ما يعمه السكون أكثر مما تعمه الحركة .
وقيل المعنى ما [ ص: 308 ] خلق ، فهو عام في جميع المخلوقات متحركها وساكنها ، فإنه يجري عليه الليل والنهار ; وعلى هذا فليس المراد بالسكون ضد الحركة بل المراد الخلق ، وهذا أحسن ما قيل ; لأنه يجمع شتات الأقوال .
وهو السميع لأصواتهم العليم بأسرارهم .
اعلم أن هذه السورة الكريمة، قد اشتملت على تقرير التوحيد، بكل دليل عقلي ونقلي، بل كادت أن تكون كلها في شأن التوحيد ومجادلة المشركين بالله المكذبين لرسوله.
فهذه الآيات، ذكر الله فيها ما يتبين به الهدى، وينقمع به الشرك.
فذكر أن { لَهُ } تعالى { مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } وذلك هو المخلوقات كلها، من آدميها، وجِنِّها، وملائكتها، وحيواناتها وجماداتها، فالكل خلق مدبرون، وعبيد مسخرون لربهم العظيم، القاهر المالك، فهل يصح في عقل ونقل، أن يعبد مِن هؤلاء المماليك، الذي لا نفع عنده ولا ضر؟
ويترك الإخلاص للخالق، المدبر المالك، الضار النافع؟!
أم العقول السليمة، والفطر المستقيمة، تدعو إلى إخلاص العبادة، والحب، والخوف، والرجاء لله رب العالمين؟!.
{ السَّمِيعُ } لجميع الأصوات، على اختلاف اللغات، بتفنن الحاجات.
{ الْعَلِيمُ } بما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، المطلع على الظواهر والبواطن؟!.
( وله ما سكن في الليل والنهار ) أي : استقر ، قيل : أراد ما سكن وما تحرك ، كقوله : ( سرابيل تقيكم الحر ) أي : الحر والبرد ، وقيل : إنما خص السكون بالذكر لأن النعمة فيه أكثر ، قال محمد بن جرير : كل ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكن الليل والنهار ، والمراد منه جميع ما في الأرض .
وقيل معناه : ما يمر عليه الليل والنهار ، ( وهو السميع ) لأصواتهم ، ( العليم ) بأسرارهم .
«وله» تعالى «ما سكن» حلُ «في الليل والنهار» أي كل شيء فهو ربه وخالقه ومالكه «وهو السميع» لما يقال «العليم» بما يفعل.
ولله ملك كل شيء في السموات والأرض، سكن أو تحرك، خفي أو ظهر، الجميع عبيده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، وهو السميع لأقوال عباده، الحليم بحركاتهم وسرائرهم.
ثم ساق - سبحانه - ما يشهد بشمول علمه وقدرته فقال : { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار وَهُوَ السميع العليم } .قال القرطبى : ( سكن معناه هدأ واستقر ، والمراد ما سكن وما تحرك ، فحذف لعلم السامع ، وقيل : خص الساكن بالذكر لأن ما يعمه السكون أكثر مما تعمه الحركة ، وقيل : المعنى ، ما خلق ، فهو عام فى جميع المخلوقات متحركها وساكنها ، فإنه يجرى عليه الليل والنهار ، وعلى هذا فليس المراد بالسكون ضد الحركة بل المراد الخلق وهذا أحسن ما قيل لأنه يجمع شتات الأقوال ) .والمعنى : ولله - سبحانه - جميع ما استقر وتحرك ووجد فى كل زمان ومكان من إنسان وحيوان ونبات وغير ذلك من المخلوقات ، وهو - سبحانه - السميع لكل دقيق وجليل ، العليم بكل الظواهر والبواطن ، والتعبير بما فى قوله : { وَلَهُ مَا سَكَنَ } للدلالة على العموم والشمول .
في الآية مسائل: في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أحسن ما قيل في نظم هذه الآية ما ذكره أبو مسلم رحمه الله تعالى فقال: ذكر في الآية الأولى السماوات والأرض، إذ لا مكان سواهما.
وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار إذ لا زمان سواهما، فالزمان والمكان ظرفان للمحدثات، فأخبر سبحانه أنه مالك للمكان والمكانيات، ومالك للزمان والزمانيات، وهذا بيان في غاية الجلالة.
وأقول هاهنا دقيقة أخرى، وهو أن الابتداء وقع بذكر المكان والمكانيات، ثم ذكر عقيبه الزمان والزمانيات، وذلك لأن المكان والمكانيات أقرب إلى العقول والأفكار من الزمان والزمانيات، لدقائق مذكورة في العقليات الصرفة، والتعليم الكامل هو الذي يبدأ فيه بالأظهر فالأظهر مترقياً إلى الأخفى فالأخفى، فهذا ما يتعلق بوجه النظم.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ يفيد الحصر والتقدير: هذه الأشياء له لا لغيره، وهذا هو الحق لأن كل موجود فهو إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، فالواجب لذاته ليس إلا الواحد.
وما سرى ذلك الواحد ممكن.
والممكن لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، وكل ما حصل بإيجاده وتكوينه كان ملكاً له، فثبت أن ما سوى ذلك الموجود الواجب لذاته فهو ملكه ومالكه فلهذا السبب قال: ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ .
المسألة الثالثة: في تفسير هذا السكون قولان: الأول: أن المراد منه الشيء الذي سكن بعد أن تحرك، فعلى هذا، المراد كل ما استقر في الليل والنهار من الدواب، وجملة الحيوانات في البر والبحر وعلى هذا التقدير: قالوا في الآية محذوف والتقدير: وله ما سكن وتحرك في الليل والنهار كقوله تعالى: ﴿ سَرَابِيل تقيكم الحر ﴾ أراد الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر لأنه يعرف ذلك بالقرينة المذكورة، كذلك هنا حذف ذكر الحركة، لأن ذكر السكون يدل عليه.
والقول الثاني: أنه ليس المراد من هذا السكون ما هو ضد الحركة، بل المراد منه السكون بمعنى الحلول.
كما يقال: فلان يسكن بلد كذا إذا كان محله فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ﴾ وعلى هذا التقدير: كان المراد، وله كل ما حصل في الليل والنهار.
والتقدير: كل ما حصل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً، وهذا التفسير أولى وأكمل.
والسبب فيه أن كل ما دخل تحت الليل والنهار حصل في الزمان فقد صدق عليه أنه انقضى الماضي وسيجيء المستقبل، وذلك مشعر بالتغير وهو الحدوث، والحدوث ينافي الأزلية والدوام، فكل ما مرّ به الوقت ودخل تحت الزمان فهو محدث وكل حادث فلابد له من محدث، وفاعل ذلك الفعل يجب أن يكون متقدماً عليه والمتقدم على الزمان فهو محدث وكل حادث فلابد له من محدث، وفاعل ذلك الفعل يجب أن يكون متقدماً عليه والمتقدم على الزمان يجب أن يكون مقدماً على الوقت والزمان فلا تجري عليه الأوقات ولا تمر به الساعات ولا يصدق عليه أنه كان وسيكون.
وأعلم أنه تعالى لما بيّن فيما سبق أنه مالك للمكان وجملة المكانيات ومالك للزمان وجملة الزمانيات، بين أنه سميع عليم يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين.
والمقصود منه الرد على من يقول الإله تعالى موجب بالذات، فنبّه على أنه وإن كان مالكاً لكل المحدثات لكنه فاعل مختار يسمع ويرى ويعلم السر وأخفى، ولما قرر هذه المعاني قال: ﴿ قل أغير الله أتخذ ولياً ﴾ .
وأعلم أنه فرق بين أن يقال: ﴿ أغير الله أتخذ ولياً ﴾ وبين أن يقال: أتخذ غير الله ولياً لأن الانكار إنما حصل على اتخاذ غير الله ولياً، لا على اتخاذ الولي، وقد عرفت أنهم يقدمون الأهم فالأهم الذي هم بشأنه أعنى فكأن قوله: ﴿ قل أغير الله أتخذ ولياً ﴾ أولى من العبارة الثانية، ونظيره قوله تعالى: ﴿ أفغير الله تأمروني أعبد ﴾ وقوله تعالى: ﴿ الله أذن لكم ﴾ .
ثم قال: ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ وقريء ﴿ فاطر السماوات ﴾ بالجر صفة الله وبالرفع على إضمار هو والنصب على المدح.
وقرأ الزهري ﴿ فطر السماوات ﴾ وعن ابن عباس: ما عرفت ﴿ فاطر السماوات ﴾ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها وقال ابن الأنباري: أصل الفطر شق الشيء عند ابتدائه، فقوله: ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ يريد خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضم الأشياء إلى بعض، فلما كان الأصل الشق جاز أن يكون في حال شق إصلاح وفي حال أخرى شق إفساد.
ففاطر السماوات من الاصلاح لا غير.
وقوله: ﴿ هل ترى من فطور ﴾ و ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ من الافساد، وأصلهما واحد.
ثم قال تعالى: ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ أي وهو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد.
فإن قيل: كيف فسرت الاطعام بالرزق؟
وقد قال تعالى: ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ﴾ والعطف يوجب المغايرة.
قلنا لا شك في حصول المغايرة بينهما، إلا أنه قد يحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر لشدة ما بينهما من المقاربة والمقصود من الآية: أن المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع.
وقرئ ﴿ ولا يطعم ﴾ بفتح الياء، وروى ابن المأمون عن يعقوب ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ على بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل، وعلى هذا التقدير: فالضمير عائد إلى المذكور في قوله: ﴿ أغير الله ﴾ وقرأ الأشهب ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ على بنائهما للفاعل.
وفسر بأن معناه: وهو يطعم ولا يستطعم.
وحكى الأزهري: أطعمت بمعنى استطعمت.
ويجوز أن يكون المعنى: وهو يطعم تارة لا يطعم أخرى على حسب المصالح كقوله: وهو يعطي ويمنع، ويبسط ويقدر، ويغني ويفقر.
وأعلم أن المذكور في صدر الآية هو المنع من اتخاذ غير الله تعالى ولياً.
واحتج عليه بأنه فاطر السماوات والأرض وبأنه يطعم ولا يطعم.
ومتى كان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غيره ولياً.
أما بيان أنه فاطر السماوات والأرض، فلأنا بينا أن ما سوى الواحد ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يقع موجوداً إلا بإيجاد غيره، فنتج أن ما سوى الله فهو حاصل بإيجاده وتكوينه.
فثبت أنه سبحانه هو الفاطر لكل ما سواه من الموجودات.
وأما بيان أنه يطعم ولا يطعم فظاهره لأن الاطعام عبارة عن إيصال المنافع، وعدم الاستطعام عبارة عن عدم الانتفاع.
ولما كان هو المبديء تعالى وتقدس لكل ما سواه، كان لا محالة هو المبديء لحصول جميع المنافع.
ولما كان واجباً لذاته كان لا محالة غنياً ومتعالياً عن الانتفاع بشيء آخر فثبت بالبرهان صحة أنه تعالى فاطر السماوات والأرض، وصحة أنه يطعم ولا يطعم، وإذا ثبت هذا امتنع في العقل اتخاذ غيره ولياً لأن ما سواه محتاج في ذاته وفي جميع صفاته وفي جميع ما تحت يده.
والحق سبحانه هو الغني لذاته الجواد لذاته، وترك الغني الجواد، والذهاب إلى الفقير المحتاج ممنوع عنه في صريح العقل.
وإذا عرفت هذا فنقول: قد سبق في هذا الكتاب بيان أن الولي معناه الأصلي في اللغة: هو القريب.
وقد ذكرنا وجوه الاشتقاقات فيه.
فقوله: ﴿ قل أغير الله أتخذ ولياً ﴾ يمنع من القرب من غير الله تعالى.
فهذا يقتضي تنزيه القلب عن الالتفات إلى غير الله تعالى، وقطع العلائق عن كل ما سوى الله تعالى.
ثم قال تعالى: ﴿ قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ﴾ والسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق أمته في الإسلام لقوله: ﴿ وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ﴾ ولقول موسى ﴿ سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ﴾ .
ثم قال: ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ ومعناه أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك.
ثم إنه تعالى لما بيّن كون رسوله مأموراً بالإسلام ثم عقبه بكونه منهياً عن الشرك قال بعده ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ والمقصود أني إن خالفته في هذا الأمر والنهي صرت مستحقاً للعذاب العظيم.
فإن قيل: قوله: ﴿ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ يدل على أنه عليه السلام كان يخاف على نفسه من الكفر والعصيان، ولولا أن ذلك جائز عليه لما كان خائفاً.
والجواب أن الآية لا تدل على أنه خاف على نفسه، بل الآية تدل على أنه لو صدر عنه الكفر والمعصية فإنه يخاف.
وهذا القدر لا يدل على حصول الخوف، ومثاله قولنا: إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين، وهذا لا يدل على أن الخمسة زوج ولا على كونها منقسمة بمتساويين، وهذا لا يدل على أن الخمسة زوج ولا على كونها منقسمة بمتساويين والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿ إني أخاف ﴾ قرأ ابن كثير ونافع ﴿ أني ﴾ بفتح الياء.
وقرأ أبو عمرو والباقون بالإرسال.
﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ ﴾ في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه قرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي ﴿ يُصْرَفْ ﴾ بفتح الياء وكسر الراء.
وفاعل الصرف على هذه القراءة والضمير العائد إلى ربي من قوله: ﴿ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى ﴾ والتقدير: من يصرف هو عنه يومئذ العذاب.
وحجة هذه القراءة قوله: ﴿ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ فلما كان هذا فعلاً مسنداً إلى ضمير اسم الله تعالى وجب أن يكون الأمر في تلك اللفظة الأخرى على هذا الوجه ليتفق الفعلان، وعلى هذا التقدير: صرف العذاب مسنداً إلى الله تعالى، وتكون الرحمة بعد ذلك مسندة إلى الله تعالى، وأما الباقون فإنهم قرؤا ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ ﴾ على فعل ما لم يسم فاعله، والتقدير من يصرف عنه عذاب يومئذ وإنما حسن ذلك لأنه تعالى أضاف الغذاب إلى اليوم في قوله: ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ فلذلك أضاف الصرف إليه.
والتقدير: من يصرف عنه عذاب ذلك اليوم.
المسألة الثانية: ظاهر الآية يقتضي كون ذلك اليوم مصروفاً وذلك محال، بل المراد عذاب ذلك اليوم، وحسن هذا الحذف لكونه معلوماً.
المسألة الثالثة: دلّت الآية على أن الطاعة لا توجب الثواب، والمعصية لا توجب العقاب لأنه تعالى قال: ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ أي كل من صرف الله عنه العذاب في ذلك اليوم فقد رحمه.
وهذا إنما يحسن لو كان ذلك الصرف واقعاً على سبيل التفضل أما لو كان واجباً مستحقاً لم يحسن أن يقال فيه إنه رحمه ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب العبد، فإذا لم يضربه لا يقال إنه رحمه.
أما إذا حسن منه أن يضربه ولم يضربه فإنه يقال إنه رحمه، فهذه الآية تدل على أن كل عقاب انصرف وكل ثواب حصل، فهو ابتداء فضل وإحسان من الله تعالى وهو موافق لما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس أحد يدخل الجنة بعمله»، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» ووضع يده فوق رأسه، وطول بها صوته.
المسألة الرابعة: قال القاضي: الآية تدل على أن من لم يعاقب في الآخرة ممن يصرف عنه العقاب، فلابد من أن يثاب وذلك يبطل قول من يقول: إن فيمن يصرف عنه العقاب من المكلفين من لا يثاب، لكنه يتفضل عليه.
فإن قيل: أليس من لم يعاقبه الله تعالى ويتفضل عليه فقد حصل له الفوز المبين وذلك يبطل دلالة الآية على قولكم؟
قلنا: هذا الذي ذكرتموه مدفوع من وجوه: الأول: أن التفضل يكون كالابتداء من قبل الله تعالى، وليس يكون ذلك مطلوباً من الفعل والفوز هو الظفر بالمطلوب، فلابد وأن يفيد أمراً مطلوباً.
والثاني: أن الفوز المبين لا يجوز حمله على التفضل بل يجب حمله على ما يقتضي مبالغة في عظم النعمة، وذلك لا يكون إلا ثواباً.
والثالث: أن الآية معطوفة على قوله: ﴿ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ والمقابل للعذاب هو الثواب، فيجب حمل هذه الرحمة على الثواب.
واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف جداً وضعفه ظاهر فلا حاجة فيه إلى الاستقصاء والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَهُ ﴾ عطف على الله ﴿ مَا سَكَنَ فِي اليل والنهار ﴾ من السكنى وتعديه بفي كما في قوله: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ .
﴿ وَهُوَ السميع العليم ﴾ يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم، فلا يخفى عليه شيء مما يشتمل عليه الملوان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا، وهو سُؤالُ تَبْكِيتٍ.
﴿ قُلْ لِلَّهِ ﴾ تَقْرِيرًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ المُتَعَيِّنُ لِلْجَوابِ بِالإنْفاقِ، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهم أنْ يَذْكُرُوا غَيْرَهُ.
﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ التَزَمَها تَفَضُّلًا وإحْسانًا والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ ما يَعُمُّ الدّارَيْنِ ومِن ذَلِكَ الهِدايَةُ إلى مَعْرِفَتِهِ، والعِلْمُ بِتَوْحِيدِهِ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ، وإنْزالُ الكُتُبِ والإمْهالُ عَلى الكُفْرِ.
﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَسَمٌ لِلْوَعِيدِ عَلى إشْراكِهِمْ وإغْفالِهِمُ النَّظَرَ أيْ: لَيَجْمَعَنَّكم في القُبُورِ مَبْعُوثِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَيُجازِيكم عَلى شِرْكِكم.
أوْ في يَوْمِ القِيامَةِ وإلى بِمَعْنى في.
وقِيلَ بَدَلٌ مِنَ الرَّحْمَةِ بَدَلُ البَعْضِ فَإنَّهُ مِن رَحْمَتِهِ بَعْثُهُ إيّاكم وإنْعامُهُ عَلَيْكم.
﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ في اليَوْمِ أوِ الجَمْعِ.
﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِتَضْيِيعِ رَأْسِ مالِهِمْ.
وهو الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، ومَوْضِعُ الَّذِينَ نُصِبَ عَلى الذَّمِّ أوْ رُفِعَ عَلى الخَبَرِ أيْ: وأنْتُمُ الَّذِينَ أوْ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ.
﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ مُسَبَّبٌ عَنْ خُسْرانِهِمْ، فَإنَّ إبْطالَ العَقْلِ بِاتِّباعِ الحَواسِّ والوَهْمِ والِانْهِماكِ في التَّقْلِيدِ وإغْفالِ النَّظَرِ أدّى بِهِمْ إلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والِامْتِناعِ مِنَ الإيمانِ ﴿ وَلَهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى لِلَّهِ.
﴿ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ مِنَ السُّكْنى وتَعْدِيَتُهُ بِفي كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ والمَعْنى ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ، أوْ مِنَ السُّكُونِ أيْ ما سَكَنَ فِيهِما وتَحَرَّكَ فاكْتَفى بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ.
﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ ﴾ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ.
﴿ العَلِيمُ ﴾ بِكُلِّ مَعْلُومٍ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)
{وَلَهُ} عطف على لِلَّهِ {مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار} من السكنى حتى يتناول الساكن والمتحرك أو من السكون ومعناه ماسكن وتحرك فيهما فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر كقوله تقيكم الحر أي الحر والبرد وذكر السكون لأنه أكثر من الحركة وهو احتجاج على المشركين لأنهم لم ينكروا أنه خالق الكل ومدبره {وَهُوَ السميع العليم} يسمع
كل مسموع ويعلم كل معلوم فلا يخفى عليه شيء مما يشتمل عليه الملوان
﴿ ولَهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى (لِلَّهِ) فَهو داخِلٌ تَحْتَ (قُلْ) عَلى أنَّهُ احْتِجاجٌ ثانٍ عَلى المُشْرِكِينَ وإلَيْهِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِئْنافُ أخْبارٍ ولَيْسَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ الأمْرِ أيْ ولِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى خاصَّةً ﴿ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ أيِ الوَقْتَيْنِ المَخْصُوصَيْنِ و(ما) مَوْصُولَةٌ و(سَكَنَ) إمّا مِنَ السُّكْنى فَيَتَناوَلُ الكَلامُ المُتَحَرِّكَ والسّاكِنَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، وتَعْدِيَتُها بِـ (فِي) إلى الزَّمانِ مَعَ أنَّ حَقَّ اسْتِعْمالِها في المَكانِ لِتَشْبِيهِ الِاسْتِقْرارِ بِالزَّمانِ بِالِاسْتِقْرارِ بِالمَكانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مُشاكَلَةً تَقْدِيرِيَّةً لِأنَّ مَعْنى لِلَّهِ ما في السَّمَواتِ والأرْضِ ما سَكَنَ فِيهِما واسْتَقَرَّ، والمُرادُ ولَهُ ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ وإمّا مِنَ السُّكُونِ ضِدِّ الحَرَكَةِ كَما قِيلَ، وفي الكَلامِ الِاكْتِفاءُ بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ والتَّقْدِيرُ ما سَكَنَ فِيهِما وتَحَرَّكَ، وإنَّما اكْتُفِيَ بِالسُّكُونِ عَنْ ضِدِّهِ دُونَ العَكْسِ لِأنَّ السُّكُونَ أكْثَرُ وُجُودًا وعاقِبَةُ كُلِّ مُتَحَرِّكٍ السُّكُونُ كَما قِيلَ: إذا هَبَّتْ رِياحُكَ فاغْتَنِمْها فَإنَّ لِكُلِّ خافِقَةٍ سُكُونًا ولِأنَّ السُّكُونَ في الغالِبِ نِعْمَةٌ لِكَوْنِهِ راحَةً ولا كَذَلِكَ الحَرَكَةُ ورُدَّ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِلِاكْتِفاءِ بِالسُّكُونِ عَنِ التَّحَرُّكِ في مَقامِ البَسْطِ والتَّقْرِيرِ وإظْهارِ كَمالِ المُلْكِ والتَّصَرُّفِ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا المَحْذُوفَ في قُوَّةِ المَذْكُورِ لِسُرْعَةِ انْفِهامِهِ مِن ذِكْرِ ضِدِّهِ، والمَقامُ يَسْتَدْعِي الذِّكْرَ، وإنَّما يَسْتَدْعِي عُمُومَ التَّغَيُّراتِ والتَّصَرُّفاتِ الواقِعَةِ في اللَّيْلِ والنَّهارِ ومَتى التُزِمَ كَوْنُ السُّكُونِ مَعَ ضِدِّهِ السَّرِيعِ الِانْفِهامِ كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ ناسَبَ المَقامَ وقِيلَ: إنَّ ما سَكَنَ يَعُمُّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنها غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِالسُّكُونِ حَتّى المُتَحَرِّكِ حالَ ما يُرى مُتَحَرِّكًا بِناءً عَلى ما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ مِن أنَّ تَفاوُتَ الحَرَكاتِ بِالسُّرْعَةِ والبُطْءِ لِقِلَّةِ السَّكَناتِ المُتَخَلِّلَةِ وكَثْرَتِها، وفي مَعْنى الحَرَكَةِ والسُّكُونِ وبَيانِ أقْسامِ الحَرَكَةِ المَشْهُورَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ ﴿ وهُوَ السَّمِيعُ ﴾ أيِ المَبالِغُ في سَماعِ كُلِّ مَسْمُوعٍ فَيَسْمَعُ هَواجِسَ كُلِّ ما يَسْكُنُ في المَلَوَيْنِ العَلِيمُ 31 - أيِ المُبالِغُ في العِلْمِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ مِنَ الأجْناسِ المُخْتَلِفَةِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ إحاطَةِ سَمْعِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ بَيانِ إحاطَةِ قُدْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ أوْ لِلْوَعِيدِ عَلى أقَوْالِهِمْ وأفْعالِهِمْ ولِذا خَصَّ السَّمْعَ والعِلْمَ بِالذِّكْرِ، وهي تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن مَقُولِ القَوْلِ وأنْ تَكُونَ مِن مَقُولِ اللَّهَ تَعالى <div class="verse-tafsir"
وَلَهُ مَا سَكَنَ يعني: ما استقر فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من الدواب والطير في البر والبحر.
فمنها ما يستقر في الليل وينتشر بالنهار.
ومنها ما يستقر بالنهار وينتشر الليل.
ثم قال: وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يعني: السميع لمقالتهم، العليم بعقوبتهم.
ثم قال: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا وذلك أن المشركين قالوا للنبي : إنّ آباءك كانوا على مذهبنا، وإنما تركت مذهبهم للحاجة فارجع إلى مذهب آبائك حتى نغنيك بالمال.
فنزلت قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا يعني: أعبد ربا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خالق السموات والأرض.
ويقال: مبتدئهما.
ومنه قول النبيّ : «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» أي، على ابتداء الخلقة.
وهو الإقرار بالله حين أخذ عليهم العهد في أصلاب آباءهم.
وإنما صار فاطِرِ كسراً لأنه من صفة الله تعالى يعني: أغير الله فاطر السموات والأرض.
وقال الزجاج: يجوز الضم على معنى هو فاطر السموات والأرض.
ويجوز النصب على معنى: اذكروا فاطر السموات، إلا أن الاختيار الكسر.
ثم قال: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ يعني: يرزق ويقال: وهو يرزق ولا يعان على رزق الخلق.
وقرأ بعضهم: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ بنصب الياء يعني: يرزق ولا يأكل.
ثم قال: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ من أهل مكة يعني: أول من أسلم من أهل مكة، واستقام على التوحيد وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يعني: وقال لي ربي: لا تكونن من المشركين بقولهم: ارجع إلى دين آبائك.
وقوله تعالى: قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي يعني: إني أعلم إن عصيت ربي فرجعت إلى آبائي، وعبدت غيره.
عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني: عذاباً شديداً في يوم القيامة.
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ سوء العذاب يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ يعني: غفر له وعصمه.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عامر وعاصم في رواية حفص مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ بضم الياء ونصب الراء على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: مَنْ يُصْرَفْ بنصب الياء ومعناه: من يصرف الله عنه.
ولأنه سبق ذكر قوله: رَبِّي فانصرف إليه.
ثم قال: وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ يعني: صرف العذاب: هو النجاة الوافرة.
وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاعْلَمُوا أنَّهُ لا يَنْجُو أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قالوا: يا رسول الله ولا أنت؟
قال: «وَلا أنَا إلاَّ أنْ يَتَغَمَّدِني الله بِرَحْمَتِهِ» يعني: أن الخلق كلهم ينجون برحمة الله تعالى.
ثم خوّفه ليتمسك بدينه فقال: <div class="verse-tafsir"
ويتضمن هذا الإخبار عن اللَّه- سبحانه- بأنه كتب الرَّحْمَةَ لتأنيس الكفار، ونفي يَأْسهم من رَحْمَةِ اللَّه إذا أَنَابُوا.
واللام في قوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ لام قَسَم، والكلام مستأنف، وهذا أظهر الأَقْوَالِ «١» وأصحها.
وقوله سبحانه: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ.
الَّذِينَ رفع بالابتداء، وخبره: فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)
وقوله تعالى: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية.
وَلَهُ عطف على قوله: لِلَّهِ، وسَكَنَ هي من السُّكْنَى، ونحوه أي: ما ثَبَتَ وتَقَرَّرَ.
قاله السدي «٢» ، وغيره.
وقالت فرقَةٌ: هو من السُّكُونِ، وهو ضعيف.
وقوله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية.
قال الطبري «٣» وغيره: أُمِرَ- عليه السلام- أن يَقُولَ هذه المَقَالَةَ لِلْكَفَرَةِ الذين دعوه إلى عبادة أوثانهم، فَتَجِيءُ الآية على هذا جَوَاباً لكلامهم.
قال ع «٤» : وهذا يَحْتَاجُ إلى سَنَدٍ، والفصيح أنه لما قَرَّرَ معهم أن اللَّه- تعالى- له ما في السَّمَوَاتِ والأرض، وله ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنهار، أُمِرَ أن يقول لهم على جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتوقيف: أغَيْرَ اللَّه الذي هذه أَفْعالُهُ أتخذ وليًّا، بمعنى: أن هذا خَطَأٌ بَيِّنٌ/ ممن يفعله.
والولي لفظ عام لمَعْبُودٍ وغير ذلك.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لَلنَّبِيِّ : قَدْ عَلِمْنا أنَّهُ إنَّما يَحْمِلُكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ الحاجَةُ، فَنَحْنُ نَجْعَلُ لَكَ نَصِيبًا في أمْوالِنا حَتّى تَكُونَ مِن أغْنانا رَجُلًا، وتَرْجِعَ عَمًّا أنْتَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفِي مَعْنى "سَكَنَ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ السُّكْنى.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: "سَكَنَ" بِمَعْنى حَلَّ.
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ السُّكُونِ الَّذِي يُضادُّ الحَرَكَةَ.
قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ المَخْلُوقاتِ ما يَسْتَقِرُّ بِالنَّهارِ، ويَنْتَشِرُ بِاللَّيْلِ، ومِنها ما يَسْتَقِرُّ بِاللَّيْلِ:وَيَنْتَشِرُ بِالنَّهارِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ السُّكُونَ بِالذِّكْرِ دُونَ الحَرَكَةِ، فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّ السُّكُونَ أعَمُّ وُجُودًا مِنَ الحَرَكَةِ.
والثّانِي: أنَّ كُلَّ مُتَحَرِّكٍ قَدْ يُسَكَّنُ، ولَيْسَ كُلُّ ساكِنٍ يَتَحَرَّكُ.
والثّالِثُ: أنَّ في الآَيَةِ إضْمارًا، والمَعْنى: ولَهُ ما سَكَنَ وتَحَرَّكَ كَقَوْلِهِ ﴿ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ أرادَ: والبَرْدَ، فاخْتَصَرَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَلَهُ ما سَكَنَ في اللَيْلِ والنَهارِ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ قالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "قُلْ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ؟
فَإذا تَحَيَّرُوا ولَمْ يُجِيبُوا فَـ "قُلْ لِلَّهِ".
وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَعْنى أنَّهُ أُمِرَ بِهَذا السُؤالِ؛ فَكَأنَّهم لَمّا لَمْ يُجِيبُوا؛ ولا تَيَقَّنُوا؛ سَألُوا؛ فَقِيلَ لَهُ: "قُلْ لِلَّهِ"؛ والصَحِيحُ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - أمَرَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِقَطْعِهِمْ بِهَذِهِ الحُجَّةِ الساطِعَةِ؛ والبُرْهانِ القَطْعِيِّ الَّذِي لا مُدافَعَةَ فِيهِ عِنْدَهُمْ؛ ولا عِنْدَ أحَدٍ؛ لِيَعْتَقِدَ هَذا المُعْتَقَدَ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ؛ ثُمَّ يَتَرَكَّبُ احْتِجاجُهُ عَلَيْهِ؛ وجاءَ ذَلِكَ بِلَفْظِ اسْتِفْهامٍ؛ وتَقْرِيرٍ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ ؛ والوَجْهُ في المُحاجَّةِ إذا سَألَ الإنْسانُ خَصْمَهُ بِأمْرٍ لا يُدافِعُهُ الخَصْمُ فِيهِ؛ أنْ يَسْبِقَهُ بَعْدَ التَقْرِيرِ إلَيْهِ؛ مُبادَرَةً إلى الحُجَّةِ؛ كَما تَقُولُ لِمَن تُرِيدُ غَلَبَتَهُ بِآيَةٍ تَحْتَجُّ بِها عَلَيْهِ: كَيْفَ قالَ اللهُ تَعالى في كَذا؟
ثُمَّ تَسْبِقُهُ أنْتَ إلى الآيَةِ؛ فَتَنُصُّها عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُمْ: "يا أيُّها الكافِرُونَ العادِلُونَ بِرَبِّهِمْ؛ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ؟"؛ ثُمَّ سَبَقَهم فَقالَ: "لِلَّهِ"؛ أيْ: لا مُدافَعَةَ في هَذا عِنْدَكُمْ؛ ولا عِنْدَ أحَدٍ.
ثُمَّ ابْتَدَأ يُخْبِرُ عنهُ تَعالى ﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: قَضاها؛ وأنْفَذَها؛ وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - تَتَضَمَّنُ كَتْبَ الرَحْمَةِ؛ ومَعْلُومٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِنَ الشَرِيعَةِ أنْ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ؛ ولِجَمِيعِ الناسِ في الدُنْيا؛ مِنها: « "إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ؛ فَوَضَعَ مِنها واحِدَةً في الأرْضِ؛ فَبِها تَتَعاطَفُ البَهائِمُ؛ وتَرْفَعُ الفَرَسُ رِجْلَها لِئَلّا تَطَأ ولَدَها؛ وبِها تَتَعاطَفُ الطَيْرُ؛ والحِيتانُ؛ وعِنْدَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ رَحْمَةً؛ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صَيَّرَ تِلْكَ الرَحْمَةَ مَعَ التِسْعَةِ والتِسْعِينَ؛ وبَثَّها في عِبادِهِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَما أشْقى مَن لَمْ تَسَعْهُ هَذِهِ الرَحَماتُ!
تَغَمَّدَنا اللهُ تَعالى بِفَضْلٍ مِنهُ.
وَمِنها حَدِيثٌ آخَرُ: « "إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - كَتَبَ عِنْدَهُ كِتابًا؛ فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ؛ أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"؛ ويُرْوى: "نالَتْ غَضَبِي"؛» ومَعْناهُ: سَبَقَتْ؛ وأنْشَدَ عَلَيْهِ ثابِتُ بْنُ قاسِمٍ: أبَنِي كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيّا اللَذا ∗∗∗ نالا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا ويَتَضَمَّنُ هَذا الإخْبارَ عَنِ اللهِ تَعالى بِأنَّهُ كَتَبَ الرَحْمَةَ؛ لِتَأْنِيسِ الكُفّارِ؛ ونَفْيِ يَأْسِهِمْ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى إذا تابُوا؛ وأنَّ بابَ تَوْبَتِهِمْ مَفْتُوحٌ؛ قالَ الزَجّاجُ: اَلرَّحْمَةُ هُنا إمْهالُ الكُفّارِ؛ وتَعْمِيرُهم لِيَتُوبُوا؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ جَماعَةً مِنَ النَحْوِيِّينَ قالَتْ: إنَّ "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ هو تَفْسِيرُ الرَحْمَةِ؛ تَقْدِيرُهُ: "أنْ يَجْمَعَكُمْ"؛ فَيَكُونُ "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن "اَلرَّحْمَةَ"؛ وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ ﴾ ؛ اَلْمَعْنى: "أنْ يَسْجُنُوهُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ أنْ تَدْخُلَ النُونُ الثَقِيلَةُ في الإيجابِ؛ وهو مَرْدُودٌ؛ وإنَّما تَدْخُلُ في الأمْرِ والنَهْيِ؛ وبِاخْتِصاصٍ مِنَ الواجِبِ في القَسَمِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ - وهو الأظْهَرُ -: إنَّ اللامَ لامُ قَسَمٍ؛ والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ؛ ويُتَخَرَّجُ ذَلِكَ فِي: "لَيَسْجُنُنَّهُ"؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إلى"؛ بِمَعْنى "فِي"؛ وقِيلَ: عَلى بابِها؛ غايَةٌ؛ وهو الأرْجَحُ.
و ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ ؛ أيْ: هو في نَفْسِهِ وذاتِهِ لا رَيْبَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قِيلَ: إنَّ "اَلَّذِينَ"؛ مُنادى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهو فاسِدٌ؛ لِأنَّ حَرْفَ النِداءِ لا يَسْقُطُ مَعَ المُبْهَماتِ.
وقِيلَ: هو نَعْتُ "اَلْمُكَذِّبِينَ"؛ اَلَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ؛ وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ قالَ المُبَرِّدُ: ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ كَما لا يَجُوزُ: "مَرَرْتُ بِكَ زَيْدُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ في الآيَةِ: "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ مُخالِفٌ لِهَذا المِثالِ؛ لِأنَّ الفائِدَةَ في البَدَلِ مُتَرَقَّبَةٌ مِنَ الثانِي؛ وإذا قُلْتَ: "مَرَرْتُ بِكَ زَيْدُ"؛ فَلا فائِدَةَ في الثانِي؛ وقَوْلُهُ: "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ يَصْلُحُ لِمُخاطَبَةِ الناسِ كافَّةً؛ فَيُفِيدُنا "اَلَّذِينَ"؛ مِنَ الضَمِيرِ؛ أنَّهم هُمُ المُخْتَصُّونَ بِالخِطابِ هُنا؛ وخُصُّوا عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ؛ ويَتَّضِحُ فِيها الوَعِيدُ إذا جَعَلْنا "اَللّامَ" لِلْقَسَمِ؛ وهو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ ويَجِيءُ هَذا بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ.
وقالَ الزَجّاجُ: "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ ﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَهُمْ"؛ جَوابٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ حاصِلٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "مَن خَسِرَ نَفْسَهُ فَهو لا يُؤْمِنُ".
وعَلى القَوْلِ بِأنَّ "اَلَّذِينَ"؛ بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ؛ هي عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"خَسِرُوا"؛ مَعْناهُ: "غَبَنُوا أنْفُسَهم بِأنْ وجَبَ عَلَيْها عَذابُ اللهِ تَعالى وسُخْطُهُ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لا يَأْخُذُ الرِشْوَةَ في حُكْمِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا يُبالِي غَبَنَ الخاسِرِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَهُ ما سَكَنَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "وَلَهُ"؛ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "لِلَّهِ"؛ واللامُ لِلْمِلْكِ؛ و"ما" بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ و"سَكَنَ"؛ هي مِنَ السُكْنى؛ ونَحْوِها؛ أيْ: ما ثَبَتَ؛ وتَقَرَّرَ؛ قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِنَ السُكُونِ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: لِأنَّ الساكِنَ مِنَ الأشْياءِ أكْثَرُ مِنَ المُتَحَرِّكِ؛ إلى غَيْرِ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي هو تَخْلِيطٌ؛ والمَقْصِدُ في الآيَةِ عُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ؛ وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا أنْ يَكُونَ "سَكَنَ"؛ بِمَعْنى: "اِسْتَقَرَّ؛ وثَبَتَ"؛ وإلّا فالمُتَحَرِّكُ مِنَ الأشْياءِ المَخْلُوقاتِ أكْثَرُ مِنَ السَواكِنِ؛ ألا تَرى إلى الفَلَكِ؛ والشَمْسِ؛ والقَمَرِ؛ والنُجُومِ السابِحَةِ؛ والمَلائِكَةِ؛ وأنْواعِ الحَيَوانِ؟
واللَيْلُ والنَهارُ حاصِرانِ لِلزَّمانِ.
﴿ وَهُوَ السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ؛ هاتانِ صِفَتانِ تَلِيقانِ بِنَمَطِ الآيَةِ مِن قِبَلِ أنَّ ما ذُكِرَ قَبْلُ مِنَ الأقْوالِ الرَدِيَّةِ عَنِ الكَفَرَةِ العادِلِينَ؛ هو سَمِيعٌ لَها؛ عَلِيمٌ بِمَواقِعِها؛ مُجازٍ عَلَيْها؛ فَفي الضَمِيرِ وعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
جملة معطوفة على ﴿ لله ﴾ من قوله: ﴿ قل لله ﴾ [الأنعام: 12] الذي هو في تقدير الجملة، أي ما في السماوات والأرض لله، وله ما سكن.
والسكون استقرار الجسم في مكان، أي حيّز لا ينتقل عنه مدّة، فهو ضدّ الحركة، وهو من أسباب الاختفاء، لأنّ المختفي يسكن ولا ينتشر.
والأحسن عندي أن يكون هنا كناية عن الخفاء مع إرادة المعنى الصريح.
ووجه كونه كناية أنّ الكلام مسوق للتذكير بعلم الله تعالى وأنّه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ومحاسبكم عليها يوم يجمعكم إلى يوم القيامة، فهو كقوله تعالى: ﴿ الله يعلم ما تحمل كلّ أنثى إلى أن قال ومن هو مستخف بالليل ﴾ [الرعد: 8 10].
فالذي سكن بالليل والنهار بعض ما في السماوات والأرض، فلمّا أعلمهم بأنّه يملك ما في السموات والأرض عطف عليه الإعلام بأنه يملك ما سكن من ذلك لأنّه بحيث يُغفل عن شمول ما في السماوات والأرض إيّاه، لأنّ المتعارف بين الناس إذا أخبروا عن أشياء بحكم أن يريدوا الأشياء المعروفة المتداولة.
فهذا من ذكر الخاصّ بعد العامّ لتقرير عموم الملك لله تعالى بأنّ مِلكه شمل الظاهرات والخفيّات، ففي هذا استدعاء ليوجّهوا النظر العقلي في الموجودات الخفيّة وما في إخفائها من دلالة على سعة القدرة وتصرّفات الحكمة الإلهية.
و ﴿ في ﴾ للظرفية الزمانية، وهي ظرف مستقرّ، لأنّ فعل السكون لا يتعدّى إلى الزمان تعدية الظرف اللغو كما يتعدّى إلى المكان لو كان بمعنى حلّ واستقرّ وهو ما لا يناسب حمل معنى الآية عليه.
والكلام تمهيد لسعة العلم، لأنّ شأن المالك أن يعلم مملوكاته.
وتخصيص الليل بالذكر لأنّ الساكن في ذلك الوقت يزداد خفاء، فهو كقوله: ﴿ ولا حَبَّةٍ في ظلمات الأرض ﴾ [الأنعام: 59].
وعطف النهار عليه لقصد زيادة الشمول، لأنّ الليل لمّا كان مظنّةً الاختفاء فيه قد يظنّ أنّ العالِم يقصد الاطّلاع على الساكنات فيه بأهميّة ولا يقصد إلى الاطّلاع على الساكنات في النهار، فذكر النهار لتحقيق تمام الإحاطة بالمعلومات.
وتقديم المجرور للدلالة على الحصر، وهو حصر الساكنات في كونها له لا لغيره، أي في كون ملكها التامّ له، كماتقدّم في قوله: ﴿ قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله ﴾ [الأنعام: 12].
وقد جاء قوله: ﴿ وهو السميع العليم ﴾ كالنتيجة للمقدمة، لأنّ المقصود من الإخبار بأنّ الله يملك الساكنات التمهيد لإثبات عموم علمه، وإلاّ فإنّ مِلك المتحرّكات المتصرّفات أقوى من ملك الساكنات التي لا تبدي حَراكاً، فظهر حسن وقع قوله: ﴿ وهو السميع العليم ﴾ عقب هذا.
والسميع: العالم العظيم بالمسموعات أو بالمحسوسات.
والعليم: الشديد العلم بكلّ معلوم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ مِن أجْسامِ الحَيَوانِ، لِأنَّ مِنَ الحَيَوانِ ما يَسْكُنُ لَيْلًا، ومِنهُ ما يَسْكُنُ نَهارًا.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ ﴿ ما سَكَنَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ ما تَحَرَّكَ؟
قِيلَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ما يَعُمُّهُ السُّكُونُ أكْثَرُ مِمّا يَعُمُّهُ الحَرَكَةُ.
والثّانِي: لِأنَّ كُلَّ مُتَحَرِّكٍ لا بُدَّ أنْ تَنْحَلَّ حَرَكَتُهُ سُكُونًا، فَصارَ كُلُّ مُتَحَرِّكٍ ساكِنًا، وقَدْ قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْناهُ ولَهُ ما اسْتَقَرَّ في اللَّيْلِ والنَّهارِ، وهُما الزَّمانُ كُلُّهُ، لِأنَّهُ لا زَمانَ إلّا لَيْلٌ أوْ نَهارٌ، ولا فَصْلَ بَيْنَهُما يَخْرُجُ عَنْ واحِدٍ مِنهُما.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا ﴾ يَعْنِي إلَهًا يَتَوَلّانِي.
﴿ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ ومُبْتَدِئُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنْتُ لا أدْرِي ما فاطِرُ حَتّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أنا فَطَرْتُها، أيِ ابْتَدَأْتُها، وأصْلُ الفَطْرِ الشَّقُّ، ومِنهُ ﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ أيْ شُقُوقٍ.
﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴾ مَعْناهُ يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ، قَرَأ بَعْضُهم ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴾ مَعْناهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: وهو يُطْعِمُ خَلْقَهُ ولا يَأْكُلُ.
﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ﴾ يَعْنِي مِن أُمَّتِهِ، وفي إسْلامِهِ هَذا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: اسْتِسْلامُهُ لِأمْرِ اللَّهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: طالَ النَّهارُ عَلى مَن لا لِقاحَ لَهُ إلّا الهَدِيَّةُ أوْ تَرْكٌ بِإسْلامٍ أيْ بِاسْتِسْلامٍ.
والثّانِي: هو دُخُولُهُ في سِلْمِ اللَّهِ وخُرُوجِهِ مِن عَداوَتِهِ.
والثّالِثُ: دُخُولُهُ في دِينِ إبْراهِيمَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ﴾ ويَكُونُ المُرادُ بِهِ أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: مِن أهْلِ مَكَّةَ.
﴿ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا خِطابًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ يَنْهاهُ بِهِ عَنِ الشِّرْكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، وإنْ تَوَجَّهَ الخِطابُ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ يقول: ما استقر في الليل والنهار.
وفي قوله: ﴿ قل أغير الله أتخذ ولياً ﴾ قال: أما الولي فالذي يتولاه ويقر له بالربوبية.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ قال: بديع السموات والأرض.
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن جرير وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال، أحداهما: أنا فطرتها.
يقول: أنا ابتدأتها.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ قال: خالق السموات والأرض.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وهو يطعِم ولا يطعَم ﴾ قال: يرزق ولا يُرزق.
وأخرج النسائي وابن السني والحاكم والبيهقي في الشعب وابن مردويه عن أبي هريرة قال: دعا رجل من الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقنا معه، فلما طعَم النبي صلى الله عليه وسلم وغسل يده قال: «الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم ومنَّ علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغني عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العرى، وهدانا من الضلال، وبصرنا من العمى، وفضلنا على كثير من خلقه تفصيلاً، الحمد لله رب العالمين» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ من يصرف عنه يومئذ ﴾ قال: من يصرف عنه العذاب.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق بشر بن حاتم من طريق بشر بن السري عن هارون النحوي قال: في قراءة أبي ﴿ من يصرفه الله ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وإن يمسسك بخير ﴾ يقول: بعافية.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ قال الكلبي: (إن كفار مكة قالوا للنبي : قد علمنا أنه ما يحملك على ما تفعل إلا الحاجة فنحن نجمع لك من أموالنا حتى تكون من أغنانا فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ (١) قال ابن الأعرابي (٢) (٣) (٤) قال أبو العباس أحمد (٥) (٦) (٧) قال أبو روق (من الخلق ما يستقر نهارًا وينتشر ليلاً، ومنها ما هو على الضد) (٨) وقال بعضهم: (هذا عام في جميع المخلوقات؛ لأنه لا شيء من خلق الله إلا وهو ساكن في الليل والنهار، على معنى أنهما يشملانه ويمران عليه) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقال جماعة من أصحاب المعاني: (في الآية محذوف، والتقدير: وله ما سكن وتحرك في الليل والنهار، كقوله تعالى: ﴿ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ﴾ أراد: الحر والبرد، فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر؛ لأنه يعرف ذلك بقرينته، كذلك هاهنا حذف ذكر الحركة واقتصر على السكون؛ لأن ما يعمه السكون أكثر مما تعمه الحركة (١٦) قال أبو إسحاق: (هذا أيضًا احتجاج على المشركين؛ لأنهم لم ينكروا أن ما استقر في الليل والنهار لله الذي هو خالقه ومدبره، والذي هو كذلك قادر على إحياء الموتى) (١٧) (١) "تنوير المقباس" 2/ 7، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 176 أ، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 216، عن الكلبي عن ابن عباس، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 9 - 10، عن ابن عباس.
(٢) ابن الأعرابي: محمد بن زياد الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله الأعرابي الكوفي، إمام ورع ثقة كثير السماع والرواية عالم باللغة والنحو والأدب والتاريخ والنسب، له كتب منها: "النوادر"، و"معاني الشعر"، و"تاريخ القبائل"، و"تفسير الأمثال".
توفي سنة 231 هـ.
وله 80 سنة.
"طبقات الزبيدي" ص 195، و"تاريخ بغداد" 5/ 282، و"إنباه الرواة" 3/ 128، و"معجم الأدباء" 18/ 189، و"سير أعلام النبلاء" 10/ 687.
(٣) تهذيب اللغة 2/ 1724 (سكن).
(٤) "تنوير المقباس" 2/ 7، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 16.
(٥) تقدمت ترجمته.
(٦) "تهذيب اللغة" 2/ 1724 (سكن).
(٧) "تفسير مقاتل" 1/ 552.
(٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 176 أ، وهو قول مقاتل 1/ 552.
(٩) (عليه) ساقط من (أ)، وقال القرطبي في "تفسيره" 6/ 396: (هذا أحسن ما قيل؛ لأنه يجمع شتات الأقوال) ا.
هـ.
(١٠) عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز بن مسلم الكناني المكي، إمام فاضل فقيه مناظر من تلاميذ الشافعي، يُنسب له كتاب "الحيدة" مطبوع.
توفي سنة 240 هـ انظر: "تاريخ بغداد" 10/ 449، و"ميزان الاعتدال" 2/ 639، و"طبقات السبكي" 2/ 144، و"طبقات الأسنوي" 1/ 41، و"تهذيب التهذيب" 2/ 598، و"الأعلام" 4/ 29.
(١١) محمَّد بن جرير الطبري صاحب التفسير.
(١٢) "تفسير الطبري" 7/ 158.
(١٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 176 أ.
(١٤) انظر: "العين" 5/ 312، و"الجمهرة" 2/ 855، و"الصحاح" 5/ 2136، و"مقاييس اللغة" 3/ 88، و"المفردات" ص 417، و"اللسان" 4/ 2052 (سكن).
(١٥) هذا القول هو الراجح عند أكثر المفسرين.
انظر: الزمخشري في "الكشاف" 2/ 8، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 141، والرازي في "تفسيره" 12/ 168، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 396، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 141.
وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 16، عن أهل المعاني.
(١٦) لم أجده بنصه في كتب المعاني ولكن معناه عند أكثرهم.
انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 97، و"غرائب التفسير" للكرماني 1/ 354، و"تفسير البغوي" 1/ 131، و"زاد المسير" 3/ 10، و"البحر المحيط" 4/ 83 - 84، و"الدر المصون" 4/ 553 - 554، و"تفسير البيضاوي" 1/ 134.
(١٧) "معاني القرآن" 2/ 232، وذكر نحوه النحاس في "معانيه" 2/ 405.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار ﴾ عطف على قوله قل: لله، ومعنى سكن: حل، فهو من السكنى، وقيل: هو من السكون وهو ضعيف لأن الأشياء منها ساكنة ومتحركة فلا يعم، والمقصود عموم ملكه تعالى لكل شيء ﴿ قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً ﴾ إقامة حجة على الكفار، وردٌ عليهم بصفات الله الكريم التي لا يشاركه غيره فيها ﴿ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ أي من هذه الأمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم سابقُ أمته إلى الإسلام ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ ﴾ في الكلام حذف تقديره وقيل لي: ولا تكونن من المشركين، أو يكون معطوفاً على معنى أمرت فلا حذف وتقديره أمرت بالإسلام، ونهيت عن الإشراك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني أمرت ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: هما وابن كثير وأبو عمرو.
الباقون: بالسكون.
﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون: مبنياً للمفعول ﴿ أئنكم ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة ﴿ أينكم ﴾ بالياء بعد الهمزة: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينكم ﴾ بالمد والياء: أبو عمرو ويزيد.
وقالون ﴿ بريء ﴾ بغير همز حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف ﴿ يحشرهم ثم يقول ﴾ بياء الغيبة فيهما: يعقوب.
الباقون: بالنون ﴿ ثم لم تكن ﴾ بتاء التأنيث: حمزة وعلي وحماد والمفضل وسهل ويعقوب الباقون: بالياء ﴿ فتنتهم ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر وحفص والمفضل.
الباقون: بالنصب ﴿ والله ربنا ﴾ بالنصب على النداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون: بالجر على البدل أو البيان.
الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل لله ﴾ ط ﴿ الرحمة ﴾ ط لأن قوله ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب قسم محذوف.
وقيل: لا وقف و ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب معنى القسم في ﴿ كتب ﴾ وفيه نظر لأن ﴿ كتب ﴾ وعد ناجز و ﴿ ليجمعنكم ﴾ وعد منتظر.
﴿ لا ريب فيه ﴾ ط بناء على أن الذين مبتدأ فيه معنى الشرط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ولا يطعم ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمه ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ شهادة ﴾ ط ﴿ ومن بلغ ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لانتهاء الاستخبار إلى الإخبار.
﴿ قل لا أشهد ﴾ ج لاتساق الكلام بلا عطف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ أبناءهم ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده وصف ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ يزعمون ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما برهن على إثبات الصانع وتحقيق النبوّات وتقرير المعاد، وانجر الكلام إلى الأمر باعتبار أحوال الغابرين، عاد إلى إثبات هذه المطالب بطريق الإلزام وأخذ الاعتراف، وذلك أن آثار الحدوث وسمات الإمكان لائحة على صفحات السمويات والأرضيات حتى بلغ في ظهوره إلى حيث لا يقدر منكر على إنكاره، فكان في السؤال تبكيت وإفحام، وفي الجواب تقرير وإلزام، أي هو لله بلا مراء وشقاق ولن يتم الملك إلا إذا كان قادراً على الإعادة كما هو قادر على الإبداء، ولن تحصل حكمة الإعادة إلا بثواب المطيعين وعقاب العاصين، ولن يحسن إيصال الثواب والعقاب إلا بعد نصب الدلائل وإرسال الرسل فلأجل ذلك قال ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ أي بنصب الأدلة وإزاحة العلة إيجاب الفضل والكرم.
وقيل: هذه الرحمة هي أنه يمهلهم مدّة عمرهم ولا يعاجلهم بالاستئصال، أو فرض على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدّقهم وقبل شريعتهم، أو تلك الرحمة هي أنه يجمعهم إلى يوم القيامة فإنه لولا هذا التهديد لحصل الهرج والمرج وارتفع الضبط وكثر الخبط كأنه قيل: لما علمتم أن كل ما في السموات والأرض لله ، وأنه مالك الكل فاعلموا أن الله الملك الحكيم لا يهمل أمور عبيده، ولا يجوز في حكمته التسوية بين المطيع والعاصي والعامل والساهي.
ومعنى ﴿ ليجمعنكم ﴾ ليضمنكم.
وقيل: فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة فإن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان.
وقيل: ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرناً بعد قرنإلى يوم القيامة.
قال الأخفش: ﴿ الذين خسروا ﴾ بدل من ضمير المخاطبين في ﴿ ليجمعنكم ﴾ .
وقال الزجاج: إنه مبتدأ خبره ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وذلك لتضمنه معنى الشرط فكأنه قيل: ما للمشركين مع وضوح الدلائل الباهرة لا يؤمنون؟
فأجيب ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ أي في علم الله وسابق قضائه فهم لا يؤمنون في طرف الأبد، فكان امتناعهم الآن عن الإيمان مسبباً عن سبق القضاء عليهم بالخسران والخذلان.
وقال في الكشاف ﴿ الذين خسروا ﴾ نصب أو رفع على الذم بمعنى أريد الذين، أو أنتم الذين.
ثم لما بيّن أن له المكان والمكانيات ارتقى في البيان كما هو شأن الترتيب التعليمي إلى ما هو أخفى من ذلك عند الحس وهو الزمان والزمانيات فقال ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ عن ابن عباس أن كفار مكة أتوا رسول الله فقالوا: يا محمد إنا قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة فنحن نجعل لك نصيباً من أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلاً وترجع عما أنت عليه فنزل ﴿ وله ما سكن ﴾ الآية.
قيل: اشتقاقه من السكون والتقدير كل ما سكن وتحرك كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ أي تقيكم الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر للقرينة.
والأصوب أن يقال: اشتقاقه من السكنى كما يقال: فلان سكن ببلد كذا أي حل فيه.
والمراد كل ما حل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً، وذلك أن الدخول تحت الزمان يستلزم التغير والحدوث فلا بد له من محدث يتقدم عليه وعلى نفس الزمان ﴿ وهو السميع العليم ﴾ الذي يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين فيوصل كل ممكن إلى كمال يليق به ويستعدّ له.
ثم لما كان لزاعم أن يزعم أن الذي يتعالى عن المكان وعن الزمان قد يكون ممكناً في نفسه كالمفارقات التي يثبتها الفلاسفة فلا جرم قال ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ منكر الاتخاذ غير الله ﴿ ولياً ﴾ ولذلك قدم المفعول لكونه أهم، ولو كان حرف الاستفهام داخلاً على الفعل توجه الإنكار أوّلاً إلى نفس اتخاذ الولي وأنه غير مهم ﴿ فاطر السموات ﴾ عطف بيان من ﴿ الله ﴾ أو بدل.
وقرىء بالرفع على إضمار هو، وبالنصب على المدح.
وعن ابن عباس: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها.
وقال ابن الأنباري: أصل الفطر الشق وقد يكون شق إصلاح كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ أي خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضمه بعض الأشياء إلى بعض.
وقد يكون شق إفساد ومنه قوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد.
والرزق والإطعام وإن كانا متغايرين وإلا لم يحسن العطف في قوله ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ﴾ إلا أنهما متقاربان فحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر.
وقرىء ﴿ وهو يطعم ﴾ مبنياً للمفعول على أن الضمير لغير الله وقرىء ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ كلاهما للفاعل.
والمعنى هو يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله ﴿ وإنه يقبض ويبسط ﴾ أو الثاني بمعنى لا يستطعم.
وحاصل الآية أنه يجب شغل القلب كله بالله وقطع العلائق بالكلية عما سواه لأنه الجواد المطلق الذي يهب لا لعوضٍ ولا انتفاع.
ثم بيّن أن النبي أيضاً داخل في تكليف المعرفة بل هو أسبق قدماً في ذلك فقال ﴿ قل إني أمرت أن أكون أوّل من أسلم ﴾ وقيل لي ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ وفيه أن الواعظ يجب أن يتعظ أوّلاً بما يقوله، فالمريض لا يتصور منه العلاج.
ثم ذكر أن النبي مع جلالة قدره بصدد المؤاخذة على تقدير المخالفة فقال ﴿ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ ولا يلزم من هذا جواز المعصية عنه لأن الفرض قد يتعلق بالمستحيل كقولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.
من قرأ ﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل فالضمير فيه عائد إلى الله والمفعول وهو العذاب محذوف لكونه معلوماً أو مذكوراً قبله.
قال في الكشاف: ويجوز أن تنصب يومئذ على أنه مفعول به لـ ﴿ يصرف ﴾ أي من يصرف الله عنه ذلك اليوم أي هو له، ومن قرأ على بناء المفعول فهو مسند إلى ضمير العذاب، ولم يسم الفاعل وهو الله للعلم به ﴿ فقد رحمه ﴾ أي الله الرحمة العظمى كقولك: إن أطعمت زيداً من جوعه فقد أحسنت إليه يعني كمال الإحسان.
أو المراد فقد أدخله الجنة فإن من لم يعذب لم يكن له بد من الثواب تفضلاً أو استيجاباً.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن إيصال الثواب على الطاعة غير واجب وإنما هو ابتداء فضل وإحسان وإلا لم يحسن ذكر الرحمة ههنا، ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب زيداً فإذا لم يضربه لا يقال أنه رحمه؟
﴿ وذلك ﴾ أي صرف العذاب وإيصال الثواب على سبيل التفضل أو الاستيجاب ﴿ الفوز المبين ﴾ لأنه المطلب الأعلى والمقصد الأسنى لكل مكلف.
ثم أكد المعنى المذكور وهو أنه لا يجوز للعاقل أن يرغب في اتخاذ ولي غير الله بقوله ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ من مرض أو فقر أو غير ذلك من البليات ﴿ فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير ﴾ من غنى أو صحة ﴿ فهو على كل شيء قدير ﴾ عمم الحكم لندرج تحته كل خير والحاصل أن اندفاع جميع المضار بقدرته، وكذا حصول جميع الخيرات لأن كل ما عداه فإنما هو تحت قهره وتسخيره وقد حصل بإيجاده وتكوينه، فإن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ورأس المضارّ هو الكفر، وسنام الخيرات هو الإيمان، ولن يحصل نفرة الكفر وداعية الإيمان إلا بتوفيقه .
وكل ما يتصور أنه قد نفع أو ضر من الجمادات أو المختارات فإن ذلك ينتهي إلى تخليق الله وجعله ذلك الشيء واسطة لذلك النفع أو الضر، فلا ضارّ ولا نافع بالحقيقة إلا هو .
ثم زاد لهذا المعنى بياناً فقال ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ وهو إشارة إلى كمال القدرة ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ وإنه إشارة إلى كمال العلم.
فالحكمة أعم من العلم لأنها عمل وعلم، وكونه خبيراً أخص من العلم لأنه العلم ببواطن الأمور وخباياها، فإذا اجتمعت هذه المعاني حصل العلم بكماله وغايته، وقد استدل بظاهر الآية من أثبت الفوقية لله وعورض بوجوه منها: أنه لو كان فوق العالم فإن كان في الصغر بحيث لا يتميز منه جانب من جانب كالجوهر الفرد مثلاً فذلك لا يقوله عاقل، وإن كان ذاهباً في الأقطار كلها كان متجزئاً.
والجواب أنه لم لا يجوز أن يكون نوراً قائماً بذاته غير متناه لا متجزئاً ولا متبعضاً قاهراً لجميع الأنوار غالباً على جميع الأشياء.
فلا غاية لجوده ولا نهاية لوجوده.
وأما إنه كيف يتصور نور بلا نهاية مع أنه لا ينقسم يتبعض فمجرد استبعاد فلا يصلح حجة وإدراك شيء من هذا النور محتاج إلى النور ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ ومنها أنه لو كان غير متناه من كل الجهات لزم اختلاطه بالقاذورات.
والجواب أن هذا كلام مخيل فلا يستعمل في البرهان.
ومنها أنه لو لم يكن خارج العالم خلاء ولا ملاء لم يمكن حصول ذات الله فيه، وإن كان خلاء فحصوله في جزء من أجزاء ذلك الخلاء دون سائر أجزائه محتاج إلى مخصص، فيكون الواجب مفتقراً فيكون محدثاً هذا خلف.
والجواب أنا ذكرنا أن نور الأنوار لا يتناهى وأنه وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى فيسقط هذا الاعتراض.
ومنها أنه موجود قبل الخلاء والحيز والجهة، فلا يكون بعد حصول هذه الأشياء موجوداً فيها وإلا لزم التغير في ذاته.
والجواب بالفرق بين المعية وبين الافتقار.
ومنها أن العالم كرة فإما أن يكون الله فوق أقوام بأعيانهم وحينئذ يلزم أن يكون تحت أقدام من يقابلهم وإما أن يكون فوق الكل فيكون فلكاً محيطاً بسائر الأفلاك وهذا لا يقوله مسلم.
والجواب الإلزامي بعد تسليم كون العالم كرة أنا نختار القسم الأول، ولا يلزم التحتية لأن التحت من جميع الجوانب هو ما يلي المركز، والفوق ما يلي السماء.
أو القسم الثاني ولا يلزم من إحاطته بجميع الأشياء كونه فلكاً كسائر الأفلاك، وأما التحقيق فقد مر.
ومنها أن لفظ الفوق في الآية مسبوق بالقهر ويراد به القدرة والمكنة وملحوق بلفظ عباده، وأنه مشعر بالمملوكية والمقدورية.
فالمناسب أن يراد بالفوق أيضاً فوقية القدرة ولا يلزم التكرار لأن المراد أن القهر والقدرة عام في حق الكل.
والجواب أن حمل الوسط على الطرفين أولى من العكس، بل لا نزاع في مفهوم العباد وإنما النزاع في مفهومي القاهرية والفوقية، وليس حمل أحدهما على الآخر أولى من غيره، ومنها أن الآية سيقت رداً على من اتخذ غير الله ولياً وهذا إنما يحسن لو كان المراد بالفوقية القدرة لا الجهة.
والجواب أن الفوقية بالوجه الذي قررناه في جواب الاعتراض الأول يفيد الاستعلاء المطلق وذلك يوجب أن يكون التعويل عليه في كل الأمور إذ لا وجود ولا ظهور لشيء من الأشياء إلا بفيضه ونوره.
وقد يلوح للمتأمل في هذه الأجوبة بعد التنزية عن التشبيه والتجسيم والحلول والاتحاد أسرار غامضة شريفة إن كان أهلاً لها "وكل ميسر لما خلق له" قال الكلبي: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد ما نرى أحداً يصدقك بما تقول من أمر الرسالة.
ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم فنزلت ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة ﴾ الآية.
قال العلماء: إنها دلت على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله.
ثم بيَّن أن شهادة الله حاصلة إلا أنها لم تدل على أن تلك الشهادة لإثبات أيّ المطالب فقيل: إنها لإثبات نبوة محمد لما ذكرنا من سبب النزول.
والمعنى قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة حتى يعترفوا بأن أكبر الأشياء شهادة هو الله ، فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهد لي بالنبوة بأن أظهر على وفق دعواي معجزاً هو القرآن الذي عجزتم معاشر الفصحاء والبلغاء عن معارضته.
وقيل: إن حصول هذه الشهادة في وحدانية الله وذلك أن الوحدانية ليست مما يتوقف صحته على صحة السمع فلا يمتنع إثباتها بالسمع والمعنى ﴿ قل الله شهيد بيني وبينكم ﴾ في إثبات الوحدانية والبراءة عن الأضداد والأنداد والأمثال والأشباه ﴿ وأوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ﴾ وأبلغكم أن الدين هو التوحيد والشرك مردود.
واستدل الجمهور بالآية على أنه يصح إطلاق الشيء على الله وخالف جهم محتجاً بقوله ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ إذ لا يمكن دعوى التخصيص فيه، فإن التخصيص إنما يجوز في صورة شاذة لا يلتفت إليها لقلة اعتبارها فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيهاً على أن البقية جارية مجرى العدم.
فلو كان الباري شيئاً لكان أعظم الأشياء وأشرفها فيكون إخراجه من هذا العموم محض الكذب.
وأيضاً احتج بأن الشيء يطلق على المعدوم لقوله ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ﴾ والشيء الذي سيفعله غداً معدوم في الحال، فالشيء لا يفيد صفة مدح فلا يطلق عليه.
والجواب عن الأول أن إخراجالأكثر من العموم جائز عندنا.
ولو سلم فإنه واحد من الأشياء، والمخرج بهذا الاعتبار أقل عدداً من الباقي.
وعن الثاني أن لفظ الشيء أعم الألفاظ، ومتى صدق الخاص كالذات، والحقيقة صدق العلم بالضرورة.
قال جهم ﴿ قل الله شهيد ﴾ جملة مستقلة بنفسهالا تعلق لها بما قبلها فلا يصح استدلالكم.
قلنا ﴿ قل أي شيء ﴾ سؤال ولا بد له من جواب.
وهو إما مذكور رأي قل الله أكبر الأشياء شهادة ثم ابتدىء فقيل شهيد أي وهو شهيد بيني وبينكم، أو محذوف والمعنى قل هو الله والله شهيد بيني وبينكم.
وحسن الحذف لأنه إذا سأل عن أكبر الأشياء شهادة وذكر بعد ذلك أن الله شهيد علم جزماً أن أكبر الأشياء شهادة هو الله أما قوله ﴿ ومن بلغ ﴾ فمعطوف على ضمير المخاطبين والعائد إلى من محذوف أي لأنذركم يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم.
وقيل: من الثقلين.
وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة.
وعن سعيد بن جبير من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً ، وقيل: ومن بلغ أي من احتلم وبلغ أوان التكليف، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار العائد.
ثم استفهم مبكتاً فقال ﴿ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ﴾ وصف الجمع بصفة الواحدة كما يقال: الرجال فعلت.
ثم دل على إيجاب التوحيد بثلاث جمل: أولاها ﴿ قل لا أشهد ﴾ أي بما تذكرونه من إثبات الشركاء، وثانيتها ﴿ قل إنما هو إله واحد ﴾ وكلمة "إنما" تفيد الحصر.
وثالثتها ﴿ وإنني بريء مما تشركون ﴾ ومن هنا قالت العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويضم إليهما التبري عن كل دين سوى دين الإسلام.
ولما زعم مشركو مكة أنهم سألوا اليهود والنصارى عن نعت محمد صلى الله عليه وآله فقالوا: ليس عندنا ذكره كذّبهم الله بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ﴾ أي يعرفون رسول الله بنعوته وحلاه الثابتة في الكتابين ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ بالنعوت والحلي لا يخفون عليهم ولا يشتبهون بغير أبنائهم.
﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ إما بدل أو بيان من "الذين" الأولى، ويكون المقصود وعيد المعاندين منهم والجاحدين.
وإما مبتدأ والكلام جملة مستأنفة شاملة لجميع الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين.
والمراد بخسران النفس الهلاك الدائم الذي يحصل لهم بسبب الكفر.
وقيل: ما من أحد إلا وله منزلة في الجنة إلا أن من كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورّث منزلته غيره.
ثم بيَّن سبب خسرانهم مستفهماً على سبيل الإنكار فقال ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم جمعوا بين أمرين متنافيين: إثبات الباطل وهو الافتراء على الله، وجحد الحق وهو التكذيب بآيات الله، فمن الأول أن المشركين كانوا يقولون للأصنام إنهم شركاء الله والله أمرهم بذلك، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، واليهود والنصارى كانوا يزعمون أن التوراة والإنجيل ناطقان بعدم النسخ.
وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة إلى غير ذلك من مفترياتهم.
ومن الثاني قدحهم في القرآن وفي صحة نبوة محمد ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه الباطل مكان الحق والحق بإزاء الباطل.
ثم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ وناصبه محذوف أي ويوم كذا كان كيت وكيت فترك ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في الوعيد.
ويحتمل أن يكون مفعول "واذكر" أو معطوفاً على محذوف أي لا يفلح الظالمون في الدنيا ويوم الحشر.
﴿ أين شركاؤكم ﴾ آلهتكم التي جعلتموهم شركاء ﴿ الذين كنتم تزعمون ﴾ هم شركاء فحذف المفعولان.
والمقصود من هذا الاستفهام التقريع والتبكيت، ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حيث لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم، ويجوز أن يحال بينهم وبين آلهتهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فتزداد حسرتهم، ويحتمل أن يقال: أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم؟
والغرض من جميع الوجوه أن يتقرر في نفوسهم أن الذي يظنونه مأيوس منه فيصير ذلك تنبيهاً لهم في الدنيا على فساد هذه الطريقة ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ من قرأ بالرفع على أنه اسم كان فالخبر ﴿ إلا أن قالوا ﴾ والتقدير شيئاً إلا أن قالوا ومن قرأ بالنصب مع تذكير يكن فبعكس ما قلنا.
والتقدير شيء إلا أن قالوا.
وأما مع تأنيث يكن فلوقوع الخبر مؤنثاً كقولهم: من كانت أمك.
أو بتأويل مقالتهم.
قال الواحدي: الاختيار قراءة من قرأ بالنصب لأن "أن" إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر.
وكما أن المضمر والمظهر إذا اجتمعا كقولك: إن كنت القائم.
كان جعل المضمر اسماً أولى من جعله خبراً فكذلك ههنا.
قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من وقف على معاني كلام العرب، وذلك أنه تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه، فذكر أن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به وقالوا إنه دين آبائنا لم تكن إلا الجحود والتبرؤ منه والحلف على عدم التدين به.
ومثاله أن ترى إنساناً يحب شخصاً مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه فيقال له: ما كانت محبتك أي عاقبة محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وتركته.
فعلى هذا فتنتهم في شركهم في الدنيا كما فسرها ابن عباس.
ولكن لا بد من تقدير مضاف وهو العاقبة، ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا: فسمي فتنة لأنه كذب، قال القاضيان: الجبائي وأبو بكر: إن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب لأنهم يعرفون الله بالاضطرار فيكونون ملجئين إلى ترك القبيح وكيف لا وإنهم يعلمون أن ذلك لا يروج منهم حينئذ ولا يستفيدون بذلك إلا زيادة المقت والغضب من الله عليهم؟
ولا يجوز أن يقال: إنهم لما عاينوا القيامة اختلت عقولهم واضطربت فلهذا قالوا الكذب، أو أنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا لأنه لا يليق بحكمته أن يوبخهم ثم يحكى عنهم ما يجري مجرى الاعتذار عند اختلال عقولهم.
ولأن تجويز نسيان أمر كان عليه الشخص مدة عمره نوع من السفسطة.
وأيضاً إنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على نوعين من القبيح فإن عوقبوا على ذلك صارتالآخرة دار التكليف وإن لم يعاقبوا كان إذناً من الله في ارتكاب الذنوب وكلاهما محال.
فإذا الوجه في الآية أن يقال: إن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم وظنونهم أنهم موحدون فأجابوا بقولهم ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ أي في اعتقادنا وظنوننا، وعلى هذا فيكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم كانوا غير مشركين عند أنفسهم فيجيب تأويل قوله تعالى ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ بأن المراد كذبهم في دار الدنيا كقولهم إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك وإن آلهتهم شفعاؤهم عند الله فلهذا قال ﴿ وضل عنهم ﴾ أي وانظر كيف غاب عنهم في الآخرة ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ أي يفتعلون إلهيته وشفاعته.
والحاصل أن الآية سيقت لبيان تضاد حاليهم في الدنيا وفي الآخرة بالكذب وبالصدق ولكن حيث لا ينفعهم الصدق لأن الصدق في الآخرة إنما يعتبر إذا كان مقروناً بالصدق في الدنيا، هذا جملة كلام القاضيين.
قال جمهور المفسرين: إن قول القائل المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا، وكيف كذبوا على أنفسهم في الدنيا مخالفة الظاهر وإن الكفار قد يكذبون في القيامة لقوله ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون ﴾ إلى قوله ﴿ ألا إنهم هم الكاذبون ﴾ ولو سلم أنهم لا يكذبون تعمداً إلا أن الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه حيرة ودهشاً، ألا تراهم يقولون ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 107\] وقد أيقنوا بالخلود؟
﴿ وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك ﴾ وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.
واختلال عقولهم حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع كمال عقلهم في سائر الأوقات.
التأويل: ما في الكون سوى الله، لا داع ولا مجيب فلهذا يسأل ويجيب ﴿ قل لمن ما في السموات والأرض قل لله ﴾ وله ما سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، وفي نهار الروحانية إلى المواهب الربانية، ﴿ وهو السميع ﴾ أنين من سكن إليه ﴿ العليم ﴾ بحنين من اشتاق إليه ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ اليوم ﴿ ولياً ﴾ وقد اتخذني الله في الأزل حبيباً ﴿ فاطر ﴾ سموات القلوب على محبته وفاطر أرض النفوس على عبوديته ﴿ وهو يطعم ﴾ أرواح العارفين طعام المشاهدات ويسقيهم كؤوس المكاشفات ﴿ ولا يطعم ﴾ لأنه لا يحتاج إلى قبول الفيض من غيره فالأنوار عنده كالذرّات ﴿ أول من أسلم ﴾ لأني خلصت من حبس الوجود بالكلية وحدي ولهذا يقول الأنبياء نفسي نفسي وأقول: أمتي أمتي ﴿ إن عصيت ربي ﴾ برؤية الغير يوم قدّر الشرك لاقوام والتوحيد لاقوام ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ إن دائرة أزليته متصلة بدائرة أبديته، وكل نقطة من الدائرة تصلح للبداية والنهاية، فكل ما صدر منه فلن ينتهي إلا به ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ قهر الكفار بموت القلوب فضلوا في ظلمات الطبيعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة فخرجوا من ظلمات الطبيعة، وقهر قلوب المحبين بلذعات الأشواق إلى يوم التلاق، وقهر أرواح الصديقين بسطوات الجلال في أوقات الوصال.
﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما يقهره فلا يخلو من حكمة ﴿ الخبير ﴾ بمن يتسأهل كل صنف من قهره فيقهره به ﴿ الله أكبر شهادة ﴾ لأنه محيط بحقائق الأشياء ولا يحيط به شيء من الأشياء ﴿ ومن بلغ ﴾ القرآن ووقف على حقائقه.
ويقول للمشركين ﴿ أئنكم لتشهدون ﴾ ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ يعني العلماء بالقرآن يعرفون الله أو النبي.
وفيه إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله مصدر جميع الأشياء ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ ويوم يحشرهم جميعا ﴾ يعني أهل المعرفة والنكرة ﴿ أين شركاؤكم ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ كذبوا على أنفسهم ﴾ في القيامة لأنهم كذبوا في الدنيا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: أن يخرج مخرج البيان لهم [و] أنه ليس على الأمر؛ لأنه لو كان على الأمر لكان يذكر سؤاله لهم، ولم يذكر وإن سألهم، لا يحتمل ألا يخبروه بذلك، فلما لم يذكر سؤاله لهم عن ذلك، ولا يحتمل أن يأمره بالسؤال ثم لا يسأل، أو يسأل هو ولا يخبرونه - فدل أنه على البيان خرج لا على الأمر.
والثاني: على أمر سبق؛ كقوله - -: ﴿ قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ \[المؤمنون: 84-85\] وكقوله: ﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ...
﴾ \[المؤمنون: 88\] إلى قوله: ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ \[المؤمنون: 89\] وقوله: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ونحوه، كان على أمر سبق، فسخرهم - عز وجل - حتى قالوا: الله؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ ذلك تسخير منه إياهم حتى قالوا: الله.
وفي حرف ابن مسعود، وأبي بن كعب - ما - ﴿ قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ ﴾ هذا يدل على أنه كان على أمر سبق.
وقال بعضهم: ﴿ قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: سلهم، فإن أجابوك فقالوا: لله، وإلا فقل لهم أنت: لله.
وقال قائلون: فإن سألوك لمن ما في السماوات والأرض؟
قل لله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ .
قال الحسن: كتب على نفسه الرحمة للتوابين [إن شاء] أن يدخلهم الجنة، لا أحد يدخل الجنة بعمله، إنما يدخلون الجنة برحمته، وعلى ذلك جاء الخبر عن نبي الله قال: "لا يدخل أحد الجنة بعمله قيل: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقيل: كتب على نفسه الرحمة أن يجمعهم إلى يوم القيامة، أي: من رحمته أن يجمعهم إلى يوم القيامة، حيث جعل للعدو عذاباً، وللولي ثواباً، أي: من رحمته أن يجمعهم جميعاً، يعاقب العدو ويثيب الولي.
وقيل: أي: من رحمته أن جعل لهم الجمع، فأوعد العاصي العذاب، ووعد المطيع الثواب؛ ليمنع العاصي ذلك عن عصيانه، وليرغب المطيع في طاعته، وذلك من رحمته.
وقال قائلون: ﴿ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ لأمة محمد ألا يعذبهم عند التكذيب، ولا يستأصلهم، كما عذب غيرهم من الأمم، واستأصلهم عند التكذيب، فالتأخير الذي أخرهم إلى يوم القيامة من الرحمة التي كتب [على نفسه].
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ﴾ قيل: ﴿ إِلَىٰ ﴾ صلة، ومعناه: ليجمعنكم يوم القيامة.
وقيل: ﴿ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ﴾ أي: ليوم القيامة، كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .
وقال قائلون: قوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ في القبور ﴿ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ﴾ ثم يجمعكم يوم القيامة والقرون السالفة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ رَيْبَ ﴾ أي: لا ريب في الجمع والبعث بعد الموت عند من يعرف أن خلق الخلق للفناء خاصة، لا للبعث والإحياء بعد الموت للثواب والعقاب، ليس لحكمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ قد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ في الآية - والله أعلم - إنباء أن الخلق كلهم تحت قهر الليل والنهار وسلطانهما، مقهورين مغلوبين؛ إذ لم يكن لأحد من الجبابرة، والفراعنة الامتناع عنهما، ولا صرف أحدهما إلى الآخر، بل يدركانهم، شاءوا أو أبوا، وسلطانهما جار عليهم ليعلموا أن لغير فيهما تدبيرا، وأن قهرهما الخلق وسلطانهما كان بسلطان من له التدبير والعلم، ثم جريانهما على سنن واحد [ومجرى واحد] يدل على أن منشئهما واحد، ومدبرهما عليم حكيم.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ ما استقر في الليل والنهار، من الدواب والطير، في البر والبحر، فمنها ما يستقر نهاراً وينتشر ليلا، ومنها ما يستقر بالليل وينتشر بالنهار.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ وذلك أن كفار أهل مكة أتوا رسول الله وقالوا: يا محمد، إنا قد علمنا [أنه] ما يحملك على هذا الذي تدعو إليه إلا الحاجة، فنحن نجعلك في أموالنا حتى تكون أغنانا رجلا، وترجع عما أنت عليه؛ فنزلت: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ؛ لمقالة أولئك.
﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ من أين يرزقهم، لكن الوجه فيه ما ذكرنا آنفاً أن الخلق كلهم تحت قهرهما وسلطانهما.
وفيهما وجوه من الحكمة: أحدها: بعض ما ذكرنا ليعلم أن مدبرهما واحد، وفيه نقض قول الفلاسفة؛ لأنهم يقولون: الظلمة كثافة ستارة، والنور دقيق دراك.
وفيهما ما ذكر من المنافع بقوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً ﴾ وغيره من المنافع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ﴾ لمن دعا له، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : بمصالح الخلق وحاجتهم.
<div class="verse-tafsir"
ولله وحده ملك كل شيء، مما استقر في الليل والنهار، وهو السميع لأقوالهم، العليم بأفعالهم، وسيجازيهم عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.mm3kv"