الآية ١٢٥ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٢٥ من سورة الأنعام

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًۭا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ١٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 169 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٥ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٥ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) أي : ييسره له وينشطه ويسهله لذلك ، فهذه علامة على الخير ، كقوله تعالى : ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ) [ الزمر : 22 ] ، وقال تعالى : ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ) [ الحجرات : 7 ] .

قال ابن عباس : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) يقول : يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به وكذا قال أبو مالك ، وغير واحد .

وهو ظاهر .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا الثوري ، عن عمرو بن قيس ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي جعفر قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي المؤمنين أكيس؟

قال : " أكثرهم ذكرا للموت ، وأكثرهم لما بعده استعدادا " قال : وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) وقالوا : كيف يشرح صدره يا رسول الله؟

قال : " نور يقذف فيه ، فينشرح له وينفسح " قالوا : فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟

قال : " الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت وقال ابن جرير : حدثنا هناد ، حدثنا قبيصة ، عن سفيان - يعني الثوري - عن عمرو بن مرة ، عن رجل يكنى أبا جعفر كان يسكن المدائن ، قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) فذكر نحو ما تقدم .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا ابن إدريس ، عن الحسن بن الفرات القزاز ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي جعفر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا دخل الإيمان القلب انفسح له القلب وانشرح قالوا : يا رسول الله ، هل لذلك من أمارة؟

قال : " نعم ، الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل الموت " وقد رواه ابن جرير عن سوار بن عبد الله العنبري ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن مرة ، عن أبي جعفر فذكره .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن عمرو بن قيس ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن المسور قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) قالوا : يا رسول الله ، ما هذا الشرح؟

قال : " نور يقذف به في القلب " قالوا : يا رسول الله ، فهل لذلك من أمارة ؟

قال " نعم " قالوا : وما هي؟

قال : " الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل الموت وقال ابن جرير أيضا : حدثني هلال بن العلاء ، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد ، حدثنا محمد بن سلمة ، عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح " قالوا : فهل لذلك من علامة يعرف بها؟

قال : " الإنابة إلى دار الخلود ، والتنحي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل لقي الموت " وقد رواه ابن جرير من وجه آخر ، عن ابن مسعود متصلا مرفوعا فقال : حدثني ابن سنان القزاز ، حدثنا محبوب بن الحسن الهاشمي ، عن يونس ، عن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عتبة ، عن عبد الله بن مسعود ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) قالوا : يا رسول الله ، وكيف يشرح صدره؟

قال : " يدخل الجنة فينفسح " قالوا : وهل لذلك علامة يا رسول الله؟

قال : " التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة ، يشد بعضها بعضا ، والله أعلم .

وقوله تعالى : ( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ) قرئ بفتح الضاد وتسكين الياء ، والأكثرون : ( ضيقا ) بتشديد الياء وكسرها ، وهما لغتان : كهين وهين .

وقرأ بعضهم : " حرجا " بفتح الحاء وكسر الراء ، قيل : بمعنى آثم .

وقال السدي .

وقيل : بمعنى القراءة الأخرى ) حرجا ) بفتح الحاء والراء ، وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى ، ولا يخلص إليه شيء ما ينفعه من الإيمان ولا ينفذ فيه .

وقد سأل عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، رجلا من الأعراب من أهل البادية من مدلج : ما الحرجة؟

قال هي الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ، ولا وحشية ، ولا شيء .

فقال عمر ، رضي الله عنه : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير .

وقال العوفي عن ابن عباس : يجعل الله عليه الإسلام ضيقا ، والإسلام واسع .

وذلك حين يقول : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) [ الحج : 78 ] ، يقول : ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق .

وقال مجاهد والسدي : ( ضيقا حرجا ) شاكا .

وقال عطاء الخراساني : ( ضيقا حرجا ) ليس للخير فيه منفذ .

وقال ابن المبارك ، عن ابن جريج ( ضيقا حرجا ) بلا إله إلا الله ، حتى لا تستطيع أن تدخله ، كأنما يصعد في السماء من شدة ذلك عليه .

وقال سعيد بن جبير : يجعل صدره ( ضيقا حرجا ) قال : لا يجد فيه مسلكا إلا صعدا .

وقال السدي : ( كأنما يصعد في السماء ) من ضيق صدره .

وقال عطاء الخراساني : ( كأنما يصعد في السماء ) يقول : مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد في السماء .

وقال الحكم بن أبان عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( كأنما يصعد في السماء ) يقول : فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء ، فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه ، حتى يدخله الله في قلبه .

وقال الأوزاعي : ( كأنما يصعد في السماء ) كيف يستطيع من جعل الله صدره ضيقا أن يكون مسلما .

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه عن وصول الإيمان إليه .

يقول : فمثله في امتناعه من قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه ، مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه; لأنه ليس في وسعه وطاقته .

وقال في قوله : ( كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) يقول : كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقا حرجا ، كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله ، فيغويه ويصده عن سبيل الله .

قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس : الرجس : الشيطان .

وقال مجاهد : الرجس : كل ما لا خير فيه .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الرجس : العذاب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ قال أبو جعفر: ويقول تعالى ذكره: فمن يرد الله أن يهديه للإيمان به وبرسوله وما جاء به من عند ربه، فيوفقه له (1) =(يشرح صدره للإسلام)، يقول: فسح صدره لذلك وهوَّنه عليه، وسهَّله له، بلطفه ومعونته, حتى يستنير الإسلام في قلبه, فيضيء له، ويتسع له صدره بالقبول ، كالذي جاء الأثر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, الذي:- 13852- حدثنا سوّار بن عبد الله العنبري قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أبي يحدث, عن عبد الله بن مرة, عن أبي جعفر قال: لما نـزلت هذه الآية: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)، قالوا: كيف يشرح الصدر؟

قال: إذا نـزل النور في القلب انشرح له الصدر وانفسح .

قالوا: فهل لذلك آية يعرف بها؟

قال: نعم, الإنابة إلى دار الخلود, والتجافي عن دار الغرور, والاستعداد للموت قبل الفوت.

(2) 13853- حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن عمرو بن قيس, عن عمرو بن مرة, عن أبي جعفر قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي المؤمنين أكيس؟

قال: أكثرهم للموت ذكرًا, وأحسنهم لما بعده استعدادًا .

قال: وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)، قالوا: كيف يشرح صدره، يا رسول الله؟

قال: نور يُقذف فيه، فينشرح له وينفسح.

قالوا: فهل لذلك من أمارة يُعرف بها؟

قال: " الإنابة إلى دار الخلود, والتجافي عن دار الغرور, والاستعداد للموت قبل الموت " .

13854- حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن عمرو بن مرة, عن رجل يكنى " أبا جعفر "، كان يسكن المدائن قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)، قال: نور يقذف في القلب فينشرح وينفسخ .

قالوا: يا رسول الله, هل له من أمارة يعرف بها؟

= ثم ذكر باقي الحديث مثله .

(3) 15855- حدثني هلال بن العلاء قال، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد الحراني قال: حدثنا محمد بن سلمة, عن أبي عبد الرحيم, عن زيد بن أبي أنيسة, عن عمرو بن مرة, عن أبي عبيدة, عن عبد الله بن مسعود قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين نـزلت هذه الآية: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) ، قال: إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح .

قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟

قال: الإنابة إلى دار الخلود, والتنحِّي عن دار الغرور, والاستعداد للموت قبل الموت.

(4) 13856- حدثني سعيد بن الربيع الرازي قال، حدثنا سفيان بن عيينة, عن خالد بن أبي كريمة, عن عبد الله بن المسور قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دخل النور القلبَ انفسح وانشرح.

قالوا: يا رسول الله, وهل لذلك من علامة تعرف؟

قال: نعم, الإنابة إلى دار الخلود, والتجافي عن دار الغرور, والاستعداد للموت قبل نـزول الموت.

(5) 13857- حدثني ابن سنان القزاز قال، حدثنا محبوب بن الحسن الهاشمي, عن يونس, عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة, عن عبد الله بن مسعود, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)، قالوا: يا رسول الله, وكيف يُشرح صدره؟

قال: يدخل فيه النور فينفسح .

قالوا: وهل لذلك من علامة يا رسول الله؟

قال: التجافي عن دار الغرور, والإنالة إلى دار الخلود, والاستعداد للموت قبل أن ينـزل الموت .

(6) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13859- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)، أما " يشرح صدره للإسلام "، فيوسع صدره للإسلام .

(7) 13860- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)، بـ " لا إله إلا الله " .

13861- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن جريج قراءة: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)، بـ" لا إله إلا الله " يجعل لها في صدره متَّسعًا .

* * * القول في تأويل قوله : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن أراد الله إضلاله عن سبيل الهدى، يَشغله بكفره وصدِّه عن سبيله, ويجعل صدره بخذلانه وغلبة الكفر عليه ، (8) حرجًا .

(9) * * * و " الحرج "، أشد الضيق, وهو الذي لا ينفذه، من شدة ضيقه, (10) وهو ههنا الصدر الذي لا تصل إليه الموعظة، ولا يدخله نور الإيمان، لريْن الشرك عليه .

وأصله من " الحرج ", و " الحرج " جمع " حَرَجة "، وهي الشجرة الملتف بها الأشجار, لا يدخل بينها وبينها شيء لشدة التفافها بها ، (11) كما:- 13862- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا عبد الله بن عمار = رجل من أهل اليمن= عن أبي الصلت الثقفي: أن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه قرأ هذه الآية: ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ) بنصب الراء .

قال: وقرأ بعض مَنْ عنده من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ضَيِّقًا حَرِجًا " .

قال صفوان: فقال عمر: ابغوني رجلا من كنانة واجعلوه راعيًا, (12) وليكن مُدْلجيًّا.

(13) قال: فأتوه به.

فقال له عمر: يا فتى، ما الحرجة؟

قال: " الحرجة " فينا، الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعيةٌ ولا وحشيَّة ولا شيء .

قال: فقال عمر: كذلك قلبُ المنافق لا يصل إليه شيء من الخير .

(14) 13863- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا)، يقول: من أراد الله أن يضله يضيق عليه صدره حتى يجعل الإسلام عليه ضيقًا، والإسلام واسع.

وذلك حين يقول: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ، [سورة الحج:78]، يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق .

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال: بعضهم معناه: شاكًّا .

* ذكر من قال ذلك: 13864- حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا حميد, عن مجاهد: (ضيقًا حرجًا) قال: شاكًّا .

13865- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ضيقًا حرجًا) أما " حرجًا "، فشاكًّا .

* * * وقال آخرون: معناه: ملتبسًا .

* ذكر من قال ذلك: 13866- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (يجعل صدره ضيقًا حرجًا)، قال: ضيقًا ملتبسًا .

13867- حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن الحسن, عن قتادة أنه كان يقرأ: ( ضَيِّقًا حَرَجًا )، يقول: ملتبسًا .

* * * وقال آخرون: معناه: أنه من شدة الضيق لا يصل إليه الإيمان .

* ذكر من قال ذلك: 13868- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن حبيب بن أبي عمرة, عن سعيد بن جبير: (يجعل صدره ضيقًا حرجًا)، قال: لا يجد مسلكًا إلا صُعُدًا .

13869- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن عطاء الخراساني: (ضيقًا حرجًا)، قال: ليس للخير فيه منفَذٌ .

13870- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن عطاء الخراساني، مثله .

13871- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج قوله: (ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقًا حرجًا)، بلا إله إلا الله، لا يجد لها في صدره مَسَاغًا .

13872- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن جريج قراءةً في قوله: (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا)، بلا إله إلا الله, حتى لا تستطيع أن تدخله .

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعضهم: ( ضَيِّقًا حَرَجًا ) بفتح الحاء والراء من (حرجًا) , وهي قراءة عامة المكيين والعراقيين, بمعنى جمع " حرجة "، على ما وصفت .

(15) * * * وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة: " ضَيِّقًا حَرِجًا "، بفتح الحاء وكسر الراء .

* * * ثم اختلف الذين قرأوا ذلك في معناه.

فقال بعضهم: هو بمعنى: " الحَرَج ".

وقالوا: " الحرَج " بفتح الحاء والراء, و " الحرِج " بفتح الحاء وكسر الراء، بمعنى واحد, وهما لغتان مشهورتان, مثل: " الدَّنَف " و " الدَّنِف ", و " الوَحَد " و " الوَحِد ", و " الفَرَد " و " الفَرِد " .

* * * وقال آخرون منهم: بل هو بمعنى الإثم، من قولهم: " فلان آثِمٌ حَرِجٌ" ، وذكر عن العرب سماعًا منها: " حَرِجٌ عليك ظُلمي", بمعنى: ضِيقٌ وإثْم.

(16) قال أبو جعفر: والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان مستفيضتان بمعنى واحد, وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيبٌ، لاتفاق معنييهما.

وذلك كما ذكرنا من الروايات عن العرب في" الوحَد " و " الفَرَد " بفتح الحاء من " الوحد " والراء من " الفرد "، وكسرهما، بمعنى واحدٍ .

* * * وأما " الضيِّق ", فإن عامة القرأة على فتح ضاده وتشديد يائه, خلا بعض المكيين فإنه قرأه: " ضَيْقًا "، بفتح الضاد وتسكين الياء، وتخفيفه .

وقد يتجه لتسكينه ذلك وجهان: أحدهما أن يكون سكنه وهو ينوي معنى التحريك والتشديد, كما قيل: " هَيْنٌ لَيْنٌ", بمعنى: هيِّنٌ ليِّنٌ .

والآخر: أن يكون سكنه بنية المصدر، من قولهم: " ضاق هذا الأمر يضيق ضَيْقًا ", كما قال رؤبة: قَــدْ عَلِمْنَــا عِنْــدَ كُـلِّ مَـأْزِقِ ضَيْــقٍ بِوَجْــهِ الأمْـرِ أَوْ مُضَيِّـقِ (17) ومنه قول الله: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ، [سورة النحل: 127] .

وقال رؤبة أيضًا * وَشَفَّها اللَّوحُ بِمَأْزُولٍ ضَيَقْ * (18) بمعنى: ضيّق .

وحكي عن الكسائي أنه كان يقول: " الضيِّقُ"، بالكسر: في المعاش والموضع, وفي الأمر " الضَّيْق " .

* * * قال أبو جعفر: وفي هذه الآية أبينُ البيان لمن وُفّق لفهمهما، عن أن السبب الذي به يُوصل إلى الإيمان والطاعة، غير السبب الذي به يُوصل إلى الكفر والمعصية, وأن كلا السببين من عند الله.

(19) وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن نفسه أنه يشرح صدرَ من أراد هدايته للإسلام, ويجعل صدر من أراد إضلاله ضيِّقًا عن الإسلام حَرَجًا كأنَّما يصعد في السماء .

ومعلومٌ أن شرح الصدر للإيمان خِلافُ تضييقه له, وأنه لو كان يوصل بتضييق الصدر عن الإيمان إليه، لم يكن بين تضييقه عنه وبين شرحه له فرق, ولكان من ضُيِّق صدره عن الإيمان، قد شُرِح صدره له، ومن شرح صدره له، فقد ضُيِّق عنه, إذ كان مَوْصولا بكل واحد منهما= أعني من التضييق والشرح = إلى ما يُوصَل به إلى الآخر .

ولو كان ذلك كذلك, وجب أن يكون الله قد كان شرح صدرَ أبي جهل للإيمان به، وضيَّق صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه.

وهذا القول من أعظم الكفر بالله .

وفي فساد ذلك أن يكون كذلك، الدليلُ الواضح على أن السَّبب الذي به آمن المؤمنون بالله ورسله، وأطاعه المطيعون, غير السبب الذي كفر به الكافرون بالله وعصاه العاصون, وأن كِلا السببين من عند الله وبيده, لأنه أخبر جل ثناؤه أنه هو الذي يشرح صدرَ هذا المؤمن به للإيمان إذا أراد هدايته, ويضيِّق صدر هذا الكافر عنه إذا أراد إضلالَه .

* * * القول في تأويل قوله : كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ قال أبو جعفر: وهذا مثل من الله تعالى ذكره، ضربه لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه عن وصوله إليه, مثل امتناعه من الصُّعود إلى السماء وعجزه عنه، لأن ذلك ليس في وسعه .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13873- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن عطاء الخراساني: (كأنما يصعد في السماء)، يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد في السماء .

13874- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن عطاء الخراساني, مثله .

13875- وبه قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن جريج قراءةً: " يجعل صدره ضيقًا حرجًا "، بلا إله إلا الله, حتى لا تستطيع أن تدخله," كأنما يصعد في السماء "، من شدّة ذلك عليه .

13876- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, مثله .

13877- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (كأنما يصعد في السماء)، من ضيق صدره .

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والعراق: ( كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ )، بمعنى: " يتصعَّد ", فأدغموا التاء في الصاد, فلذلك شدَّدوا الصاد .

* * * وقرأ ذلك بعض الكوفيين: " يَصَّاعَدُ"، بمعنى: " يتصاعد ", فأدغم التاء في الصاد، وجعلها صادًا مشدَّدة .

* * * وقرأ ذلك بعض قرأة المكيين: " كَأَنَّمَا يَصْعَدُ"، من " صَعِد يصعَد " .

* * * وكل هذه القراءات متقاربات المعانى، وبأيِّها قرأ القارئ فهو مصيب, غير أني أختار القراءة في ذلك بقراءة من قرأه: ( كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ )، بتشديد الصاد بغير ألف, بمعنى: " يتصعد ", لكثرة القرأة بها, (20) ولقيل عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " مَا تَصَعَّدَني شَيْء مَا تَصَعَّدَتْنِي خُطْبَةُ النّكاح " .

* * * القول في تأويل قوله : كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كما يجعل الله صدر مَنْ أراد إضلاله ضيقًا حرجًا, كأنما يصعد في السماء من ضيقه عن الإيمان فيجزيه بذلك, كذلك يسلّط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبَى الإيمان بالله ورسوله, فيغويه ويصدّه عن سبيل الحق .

* * * وقد اختلف أهل التأويل في معنى " الرجس ".

فقال بعضهم: هو كل ما لا خير فيه .

* ذكر من قال ذلك: 13878- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: " الرجس "، ما لا خير فيه .

13879- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نحيح, عن مجاهد: (يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون)، قال: ما لا خير فيه .

* * * وقال آخرون: " الرجس "، العذاب .

* ذكر من قال ذلك: 13880- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون)، قال: الرجس عذابُ الله .

* * * وقال آخرون: " الرجس "، الشيطان .

* ذكر من قال ذلك: 13881- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (الرجس)، قال: الشيطان .

* * * وكان بعض أهل المعرفة بلغات العرب من الكوفيين يقول: " الرِّجْس "،" والنِّجْس " لغتان .

ويحكى عن العرب أنها تقول: " ما كان رِجْسًا, ولقد رَجُس رَجَاسة " و " نَجُس نَجَاسة " .

وكان بعض نحويي البصريين يقول: " الرجس " و " الرِّجز "، سواء, وهما العذاب .

(21) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله ابن عباس, ومَنْ قال إن " الرجس " و " النجس " واحد, للخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا دخل الخَلاء: " اللهُمّ إنّي أعوذ بك من الرجْس النِّجْس الخبيث المُخْبِثِ الشيطان الرَّجيم " .

(22) 13882- حدثني بذلك عبد الرحمن بن البختري الطائي قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي, عن إسماعيل بن مسلم, عن الحسن وقتادة, عن أنس, عن النبي صلى الله عليه وسلم .

(23) * * * وقد بيَّن هذا الخبر أن " الرِّجْس " هو " النِّجْس "، القذر الذي لا خير فيه, وأنه من صفة الشيطان .

----------------- الهوامش : (1) انظر تفسير (( الهدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .

(2) الأثر : 13852 - (( عبد الله بن مرة )) ، هكذا هو في المخطوطة والمطبوعة وتفسير ابن كثير ، وأنا أستبعد أن يكون كذلك لأسباب .

الأول - أني أستبعد أن يكون هو (( عبد الله بن مرة الخارفي )) ، الذي يروي عن ابن عمر ، ومسروق ، وأبي كثف ، والذي يروي عنه العمش ، ومنصور .

وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 165 ، وهو ثقة .

الثاني - أن الخبر رواه أبو جعفر الطبري بأسانيد ، هذا ورقم : 13853 ، 13854 ، وهي تدور على (( عمرو بن مرة )) .

الثالث - أنه سيتبين بعد مَنْ (( أبو جعفر )) الذي روى هذا الخبر ، ومذكور هناك أنه روى عنه (( عمرو بن مرة )) ، ولم يذكر (( عبد الله بن مرة )) .

فمن أجل ذلك أرجح أن صوابه (( أبو عبد الله بن مرة )) ، أو (( أبو عبد الله عمرو بن مرة )) ، فسقط من النساخ .

وأما (( أبو جعفر )) الذي يدور عليه هذا الخبر ، فهو موصوف في الخبر رقم 13854 : (( رجل يكنى أبا جعفر ، كان يسكن المدائن )) ، ثم جاءت صفة أخرى في تخريج السيوطي لهذا الخبر في الدر المنثور ، قال : (( رجل من بني هاشم ، وليس هو محمد بن علي )) = يعني الباقر .

وقد وقفت أولا عند (( أبي جعفر )) هذا ، وظننت أنه مجهول ، لأني لم أجد له ذكرًا في شيء مما بين يدي من الكتب ، ولكن لما جئت إلى الخبر رقم : 13856 من رواية (( خالد بن أبي كريمة ، عن عبد الله بن المسور )) ، تبين لي على وجه القطع ، أن (( أبا جعفر )) هذا ، الذي كان يسكن المدائن ، وكان من بني هاشم ، هو نفسه (( عبد الله بن المسور )) ، الذي روى عنه رقم : 13856 .

وإذن ، فهو (( أبو جعفر )) : (( عبد الله بن المسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب )) (( أبو جعفر الهاشمي المدائني )) .

روى عنه عمرو بن مرة ، وخالد بن أبي كريمة .

مترجم في ابن أبي حاتم 2 / 2 / 169 ، وتاريخ بغداد 10 : 17 ، وميزان الاعتدال للذهبي 2 : 78 ، ولسان الميزان 3 : 360 .

قال الخطيب .

(( سكن المدائن ، وحدث بها عن محمد بن الحنفية ) ، وذكر في بعض ما ساقه من أسانيد أخباره : (( عن خالد بن أبي كريمة ( وهو الآتي برقم : 13856 ) ، عن أبي جعفر وهو عبد الله بن المسور ، رجل من بني هاشم ، كان يسكن المدائن )) .

و (( أبو جعفر )) ، (( عبد الله بن المسور )) ضعيف كذاب .

قال جرير بن رقبة : (( كان أبو جعفر الهاشمي المدائني ، يضع أحاديث كلام حق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاختلط بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاحتمله الناس )) .

وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل : (( قال أبي : أبو جعفر المدائني ، اسمه عبد الله بن مسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب .

قال أبي : اضرب على حديثه ، كان يضع الحديث ويكذب ، وقد تركت أنا حديثه .

وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدثنا عنه )) .

وقال ابن أبي حاتم : (( سألت أبي عن جعفر الهاشمي فقال : الهاشميون لا يعرفونه ، وهو ضعيف الحديث ، يحدث بمراسيل لا يوجد لها أصل في أحاديث الثقات )) .

وإذن ، فالأخبار من رقم : 13852 - 13854 ، ورقم : 13856 - أخبار معلولة ضعاف واهية ، كما ترى .

وهذه الأخبار الثلاثة : 13852 - 13854 ، ذكرها ابن كثير في تفسيره 3 : 394 ، 395 ، وخرجها السيوطي في الدر المنثور 3 : 44 ، ونسب الخبر لابن المبارك في الزهد ، وعبد الرزاق ، والفريابي ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في الأسماء والصفات .

وقال ابن كثير في تفسيره 3 : 395 ، وذكر هذه الأخبار ، وخبر مسعود الذي رواه أبو جعفر برقم : 13855 ، 13857 ، ثم قال : (( فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة ، يشد بعضها بعضًا ، والله أعلم .

وأخطأ الحافظ جدًا كما ترى ، فإن حديث أبي جعفر الهاشمي ، أحاديث كذاب وضاع لا تشد شيئًا ولا تحله !!

وكتبه محمود محمد شاكر .

(3) الأثران : 13853 ، 13854 - حديثان واهيان ، كما سلف في التعليق على الخبر السالف .

و (( عمرو بن مرة المرادي )) ، ثقة مأمون .

مضى مرارًا ، آخرها رقم : 12396 .

(4) الأثر : 13855 - (( هلال بن العلاء بن هلال الباهلي الرقى )) ، شيخ أبي جعفر ، مضى برقم : 4964 ، وأنه صدوق ، متكلم فيه .

وكأن في المطبوعة : (( محمد بن العلاء )) ، وهو شيء لا أصل له هنا .

وفي المخطوطة : (( لعلي ابن العلا )) ، غير منقوطة ، كأنها تقرأ ( يعلي بن العلا )) ، ولم أجد في شيوخ أبي جعفر ، ولا في الرواة ، من سمى بذلك .

ورأيت ابن كثير في تفسيره 3 : 395 ، نقل عن هذا الموضع من ابن جرير قال : (( حدثني هلال بن العلاء ، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد )) ، فأيد هذا أن أبا جعفر روى آنفًا عن شيخه (( هلال بن العلاء )) ، أن الذي في المخطوطة تحريف على الأرجح ، ولذلك أثبته كم هو في ابن كثير : (( هلال بن العلاء )) .

و (( سعيد بن عبد الملك بن واقد الحراني )) .

ضعيف ، ضعفه ابن أبي حاتم ، والدارقطني ، وقال : (( لا يحتج به )) .

قال أبو حاتم : (( يتكلمون فيه ، يقال إنه أخذ كتبًا لمحمد بن سلمة ، فحدث بها .

ورأيت فيما حدث أكاذيب ، كذب )) .

مترجم في ابن أبي حاتم 2 / 1 / 45 ، ميزان الاعتدال 1 : 387 ، ولسان الميزان 3 : 37 .

و (( محمد بن سلمة الحراني )) ، ثقة ، مضى برقم : 175 .

و (( أبو عبد الرحيم )) ، هو (( خالد بن أبي يزيد الحراني )) ، روى ابن أخته (( محمد بن سلمة الحراني )) ، حسن الحديث متقن .

مضى له ذكر في التعليق على الأثر رقم : 8396 .

و (( زيد بن أبي أنيسة الجزري )) ، ثقة ، مضى برقم : 4964 ، 8396 .

و (( عمرو بن مرة المرادي )) ، مضى آنفًا في رقم : 13853 ، 13854 .

و (( أبو عبيدة )) ، هو (( أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود )) ، مضى مرارًا كثيرة جدًا ، وهو لم يسمع من أبيه ، كما سلف مرارًا .

زهذا خبر ضعيف أيضًا ، لضعف أحاديث (( سعيد بن واقد الحراني ، عن (( محمد بن سلمة )) ، كما ذكر أبو حاتم .

ثم لأن أبا عبيدة ، لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود .

وسيأتي خبر عبد الله بن مسعود برقم : 13857 ، من طريق أخرى .

فالعجب لابن كثير .

كيف تكون هذه أحاديث متصلة ، ثم كيف تشدها أخبار كذاب وضاع .

وانظر ما أسلفت في التعليق على رقم : 13852 .

(5) الأثر : 13856 - (( خالد بن أبي كريمة الأصبهاني )) و (( أبو عبد الرحمن الاسكاف )) وثقه أحمد وأبو داود ، وابو حاتم وابن وابن حبان وقال (( يخطئ )) ، وضعفه ابن معين مترجم في التهذيب .

والكبير 2 / 1 / 154 .

وابن أبي حاتم 1 / 2 / 349 .

قال البخاري (( عن معاوية ابن قرة ، وأبي جعفر عبد الله بن مسور المسوري )) ، ولم يذكر فيه جرحًا .

و (( عبد الله بن مسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي المدائني )) ، سلف برقم : 13852 ، وأنه هو (( أبو جعفر )) المدائني ، وأنه كذاب وضاع .

وانظر تخريج الخبر والتعليق عليه هناك .

(6) الأثر : 13857 - (( ابن سنان القزاز )) ، شيخ الطبري ، هو : (( محمد بن سنان القزاز )) مضى برقم : 157 ، 1999 ، 2056 ، 5419 ، 6822 .

و (( محبوب بن الحسن الهاشمي البصري )) ، (( محبوب )) لقب ، وهو به أشهر ، واسمه : (( محمد بن الحسن بن هلال بن أبي زينب فيروز القرشي )) ، مولى بني هاشم .

ثقة ، وضعفوه مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 67 ، في (( محمد بن الحسن البصري )) ، وابن أبي حاتم في (( محمد ابن الحسن البصري )) 3 / 2 / 228 ، ثم في (( محبوب بن الحسن بن هلال )) 4 / 1 / 388 ، ولم يشر إلى أن اسمه (( محمد بن الحسن )) .

و (( يونس )) هو : (( يونس بن عبيد بن دينار العبدي )) ، ثقة ، مضى برقم : 2616 ، 4931 ، 10574 .

و (( عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة )) ، هذا إشكال شديد ، فإن (( عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود )) ، متأخر جدًا ، روى عن أبي إسحاق السبيعي وطبقته ومات سنة 160 ، أو سنة 165 .

و (( يونس بن عبيد )) ، أعلى طبقة منه ، روى عن إبراهيم التيمي ، والحسن البصري ، وابن سيرين .

ومات سنة 140 ، فهو في طبقة شيوخه ، فلو كان يونس روى عنه ، لذكر مثل ذلك في ترجمة (( عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة )) .

وأنا أرجح أن صواب الإسناد : (( عن يونس ، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عتبة )) .

وهو (( عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي )) ، كنيته (( أبو عبد الرحمن )) ، وهو الذي يروي عن عمه (( عبد الله بن مسعود )) ، وولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ورآه ، ومات سنة 74 .

فهو الخليق أن يروي عنه (( يونس بن عبيد )) .

وهذا أيضًا خبر ضعيف ، لضعف (( محبوب بن الحسن )) ، وإذن فكل ما قاله الحافظ ابن كثير من أن هذه الأخبار جاءت بأسانيد مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضًا ، قول ينفيه شرح هذه الأسانيد كما رأيت ، والله الموفق للصواب ، وكتبه محمود محمد شاكر .

(7) تخطيت في الترقيم رقم : 13858 : خطأ .

(8) في المطبوعة : (( لشغله بكفره ...

يجعل صدره )) ، الأخيرة بغير واو ، وفي المخطوطة كما أثبتها ، وبغير واو في (( يجعل صدره )) ، والسياق يقتضي ما أثبت .

(9) انظر تفسير (( الإضلال )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ضلل ) .

(10) في المطبوعة : (( لا ينفذ )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

وهو الصواب .

(11) انظر تفسير (( الحرج )) فيما سلف 8 : 518 / 10 : 85 .

(12) قوله : (( واجعلوه راعيًا )) ، أي التمسوه ، وليكن راعيًا ، ليس من معنى (( الجعل )) الذي هو التصيير .

وهذا استعمال عربي عريق في (( جعل )) ، ولكنهم لم يذكروه في المعاجم ، وهو دائر في كلام العرب ، وهذا من شواهده ، فليقيد في مكانه من كتب العربية .

(13) (( مدلج )) قبيلة من بني مرة بن عبد مناة بن كنانة ، وهم القافة المشهورون ، ويدل هذا الخبر على أن أرض مرعاهم كانت كثيرة الشجر .

(14) الأثر : 13862 - (( عبد الله بن عمار اليمامي )) ، قال ابن أبي حاتم : (( مجهول )) ، وذكره ابن حبان في الثقات .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 129 .

و (( أبو الصلت الثقفي )) ، روى عن عمر ، وروى عنه عبد الله بن عمار اليمامي ، هذا الحديث .

مترجم في التهذيب ، والكني للبخاري : 44 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 394 .

وهذا خبر عزيز جدًا .

في بيان رواية اللغة وشرحها ، وسؤال الأعراب والرعاة عنها .

(15) انظر ص : 103 ، 104 .

(16) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 353 ، 354 .

(17) ليسا في ديوانه ، ولم أجدهما في مكان آخر ، ومنها أبيات في الزيادات : 179 ، 180 ، ولم يذكرا معها .

وكان في المطبوعة : (( وقد علمنا )) بزيادة الواو .

وكان فيها : (( أي مضيق )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب إن شاء الله .

(18) ديوانه : 105 ، والوساطة : 14 .

(( مأزول )) من (( الأزل )) ( بسكون الزاي ) ، وهو الضيق والجدب وشدة الزمان ، وفي حديث الدجال : (( أنه يحضر الناس ببيت المقدس ، فيؤزلون أزلا )) ، أي : يقحطون ويضيق عليهم .

ومعنى : (( مأزول )) ، أصابه القحط ، يعني مرعى ، ومثله قول الراجز : إنَّ لَهَــــا لَرَاعِيًـــا جَرِيَّـــا أَبْـــلا بمَـــا يَنْفَعُهــا قَوِيَّــا لَــمْ يَــرْعَ مَــأْزُولا وَلا مَرْعِيَّـا حَـــتَّى عــلاَ سَــنَامُهَا عُلِيَّــا و (( شفها )) أنحل جسمها ، وأذهب شحمها .

و(( اللوح )) ( بضم اللام ) وهو أعلى اللغتين ، و (( اللوح )) ( بفتح فسكون ) : وهو العطش الذي يلوح الجسم ، أي يغيره .

وقوله : (( ضيق )) حرك (( الياء )) بالفتح .

وعده القاضي الجرجاني في أخطاء رؤبة .

(19) هذا رد على المعتزلة ، وانظر ما سلف ص : 92 ، تعليق : 3 ، وهو من أجود الردود على دعوى المعتزلة .

(20) انظر تفسير (( الصعود )) فيما سلف 7 : 299 - 302 .

(21) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 206 ، فهذا قوله .

(22) قال أبو عبيد: (( الخبيث )) ذو الخبث في نفسه ، و (( المخبث )) ( بكسر الباء ) : الذي أصحابه وأعوانه خبثاء = وهو مثل قولهم : (( فلان ضعيف مضعف ، وقوي مقو )) ، فالقوي في بدنه ، والمقوى الذي تكون دابته قوية = يريد هو الذي يعلمهم الخبث ويوقعهم فيه .

(23) الأثر : 13882 - (( عبد الرحمن بن البختري الطائي )) ، شيخ أبي جعفر ، لم أجد له ذكرًا فيما بين يدي من الكتب ؛ وأخشى أن يكون في اسمه خطأ .

و (( عبد الرحمن بن محمد المحاربي )) ، سلف مرارًا كثيرة ، آخرها رقم : 10339 .

و (( إسماعيل بن مسلم المكي البصري )) ، مضى برقم : 5417 ، 8811 .

وهذا إسناد صحيح ، ولكني لم أجد هذا الخبر في حديث أنس ، في المسند أو غيره ، ووجدته بهذا اللفظ في حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف ، من طريق يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، رواه ابن ماجه في سننه ص : 109 رقم : 299 .

قال ابن حبان : (( إذا اجتمع في إسناد خبر ، عبيد الله بن زحر ، وعلى بن يزيد ، عن القاسم ، فذاك مما عملته أيديهم !

))

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنونقوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام أي يوسعه له ويوفقه [ ص: 74 ] ويزين عنده ثوابه .

ويقال : شرح شق ، وأصله التوسعة .

وشرح الله صدره وسعه بالبيان لذلك .

وشرحت الأمر : بينته وأوضحته .

وكانت قريش تشرح النساء شرحا ، وهو مما تقدم من التوسعة والبسط ، وهو وطء المرأة مستلقية على قفاها .

فالشرح : الكشف ; تقول : شرحت الغامض ; ومنه تشريح اللحم .

قال الراجز :كم قد أكلت كبدا وإنفحه ثم ادخرت إليه مشرحهوالقطعة منه شريحة .

وكل سمين من اللحم ممتد فهو شريحة .ومن يرد أن يضله يغويه .يجعل صدره ضيقا حرجا وهذا رد على القدرية .

ونظير هذه الآية من السنة قوله عليه السلام : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين أخرجه الصحيحان .

ولا يكون ذلك إلا بشرح الصدر وتنويره .

والدين العبادات ; كما قال : إن الدين عند الله الإسلام .

ودليل خطابه أن من لم يرد الله به خيرا ضيق صدره ، وأبعد فهمه فلم يفقهه .

والله أعلم .

وروي أن عبد الله بن مسعود قال : يا رسول الله ، وهل ينشرح الصدر ؟

فقال : نعم يدخل القلب نور .

فقال : وهل لذلك من علامة ؟

فقال صلى الله عليه وسلم : التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزول الموت .

وقرأ ابن كثير " ضيقا " بالتخفيف ; مثل هين ولين لغتان .

ونافع وأبو بكر " حرجا " بالكسر ، ومعناه الضيق .

كرر المعنى ، وحسن ذلك لاختلاف اللفظ .

والباقون بالفتح .

جمع حرجة ; وهو شدة الضيق أيضا ، والحرجة الغيضة ; والجمع حرج وحرجات .

ومنه فلان يتحرج أي يضيق على نفسه في تركه هواه للمعاصي ; قاله الهروي .

وقال ابن عباس : الحرج موضع الشجر الملتف ; فكأن قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة كما لا تصل الراعية إلى الموضع الذي التف شجره .

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا المعنى ; ذكره مكي والثعلبي وغيرهما .

وكل ضيق حرج وحرج .

قال الجوهري : مكان حرج وحرج أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية .

وقرئ يجعل صدره ضيقا حرجا و " حرجا " .

وهو بمنزلة الوحد والوحد والفرد والفرد والدنف والدنف ; في معنى واحد ، وحكاه غيره عن الفراء .

وقد حرج صدره يحرج حرجا .

والحرج الإثم .

والحرج أيضا : الناقة الضامرة .

ويقال : الطويلة على وجه الأرض ; عن أبي زيد ، فهو لفظ مشترك .

والحرج : خشب يشد بعضه إلى بعض يحمل فيه الموتى ; عن الأصمعي .

وهو قول امرئ القيس : [ ص: 75 ]فإما تريني في رحالة جابر على حرج كالقر تخفق أكفانيوربما وضع فوق نعش النساء ; قال عنترة يصف ظليما :يتبعن قلة رأسه وكأنه حرج على نعش لهن مخيموقال الزجاج : الحرج : أضيق الضيق .

فإذا قيل .

فلان حرج الصدر ، فالمعنى ذو حرج في صدره .

فإذا قيل : حرج فهو فاعل .

قال النحاس : حرج اسم الفاعل ، وحرج مصدر وصف به ; كما يقال : رجل عدل ورضا .قوله تعالى : كأنما يصعد في السماء قرأه ابن كثير بإسكان الصاد مخففا ، من الصعود وهو الطلوع .

شبه الله الكافر في نفوره من الإيمان وثقله عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه ; كما أن صعود السماء لا يطاق .

وكذلك يصاعد وأصله يتصاعد ، أدغمت التاء في الصاد ، وهي قراءة أبي بكر والنخعي ; إلا أن فيه معنى فعل شيء بعد شيء ، وذلك أثقل على فاعله .

وقرأ الباقون بالتشديد من غير ألف ، وهو كالذي قبله .

معناه يتكلف ما لا يطيق شيئا بعد شيء ; كقولك : يتجرع ويتفوق .

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ " كأنما يتصعد " .

قال النحاس : ومعنى هذه القراءة وقراءة من قرأ ( يصعد ويصاعد ) واحد .

والمعنى فيهما أن الكافر من ضيق صدره كأنه يريد أن يصعد إلى السماء وهو لا يقدر على ذلك ; فكأنه يستدعي ذلك .

وقيل : المعنى كاد قلبه يصعد إلى السماء نبوا عن الإسلام .كذلك يجعل الله الرجس عليهم ; كجعله ضيق الصدر في أجسادهم .

وأصل الرجس في اللغة النتن .

قال ابن زيد : هو العذاب .

وقال ابن عباس : الرجس هو الشيطان ; أي يسلطه عليهم .

وقال مجاهد : الرجس ما لا خير فيه .

وكذلك الرجس عند أهل اللغة هو النتن .

فمعنى الآية والله أعلم : ويجعل اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة على الذين لا يؤمنون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى -مبينا لعباده علامة سعادة العبد وهدايته، وعلامة شقاوته وضلاله-: إن من انشرح صدره للإسلام، أي: اتسع وانفسح، فاستنار بنور الإيمان، وحيي بضوء اليقين، فاطمأنت بذلك نفسه، وأحب الخير، وطوعت له نفسه فعله، متلذذا به غير مستثقل، فإن هذا علامة على أن الله قد هداه، ومَنَّ عليه بالتوفيق، وسلوك أقوم الطريق.

وأن علامة من يرد الله أن يضله، أن يجعل صدره ضيقا حرجا.

أي: في غاية الضيق عن الإيمان والعلم واليقين، قد انغمس قلبه في الشبهات والشهوات، فلا يصل إليه خير، لا ينشرح قلبه لفعل الخير كأنه من ضيقه وشدته يكاد يصعد في السماء، أي: كأنه يكلف الصعود إلى السماء، الذي لا حيلة له فيه.

وهذا سببه، عدم إيمانهم، هو الذي أوجب أن يجعل الله الرجس عليهم، لأنهم سدوا على أنفسهم باب الرحمة والإحسان، وهذا ميزان لا يعول، وطريق لا يتغير، فإن من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، يسره الله لليسرى، ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى، فسييسره للعسرى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) أي : يفتح قلبه وينوره حتى يقبل الإسلام ، ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر ، فقال : " نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح " ، قيل : فهل لذلك [ أمارة؟

] قال : " نعم ، الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت " .

قوله تعالى : ( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ) قرأ ابن كثير " ضيقا " بالتخفيف هاهنا وفي الفرقان ، والباقون بالتشديد ، وهما لغتان مثل : هين وهين ولين ولين ، ( حرجا ) قرأ أهل المدينة وأبو بكر بكسر الراء والباقون بفتحها ، وهما لغتان أيضا مثل : الدنف والدنف ، وقال سيبويه الحرج بالفتح : المصدر [ كالطلب ، ومعناه ذا حرج ] وبالكسر الاسم ، وهو أشد الضيق ، يعني : يجعل قلبه ضيقا حتى لا يدخله الإيمان ، وقال الكلبي : ليس للخير فيه منفذ .

وقال ابن عباس : إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه ، وإذا ذكر شيئا من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك .

وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية ، فسأل أعرابيا من كنانة : ما الحرجة فيكم؟

قال : الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء ، فقال عمر رضي الله عنه : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير .

( كأنما يصعد في السماء ) قرأ ابن كثير : " يصعد " ، بالتخفيف ، وقرأ أبو بكر عن عاصم " يصاعد " بالألف ، أي يتصاعد ، وقرأ الآخرون ( يصعد ) بتشديد الصاد والعين ، أي : يتصعد ، يعني : يشق عليه الإيمان كما يشق عليه صعود السماء ، وأصل الصعود المشقة ، ومنه قوله تعالى ( سأرهقه صعودا ) أي : عقبة شاقة ، ( كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) قال ابن عباس : الرجس هو الشيطان ، أي : يسلط عليه ، وقال الكلبي : هو المأثم ، وقال مجاهد : الرجس ما لا خير فيه .

وقال عطاء : الرجس العذاب مثل الرجس .

وقيل : هو النجس .

روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال : " [ اللهم إني ] أعوذ بك من الرجس والنجس " .

وقال الزجاج : الرجس اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام» بأن يقذف في قلبه نورا فينفسح له ويقبله كما ورد في حديث «ومن يردْ» الله «أن يضلَّه يجعل صدره ضَيْقا» بالتخفيف والتشديد عن قبوله «حرَجا» شديد الضيق بكسر الراء صفة وفتحها مصدر وصف فيه مبالغة «كأنما يصَّعَّد» وفي قراءة يصَّاعد وفيهما إدغام التاء في الأصل في الصاد وفي أخرى بسكونها «في السماء» إذا كلف الإيمان لشدته عليه «كذلك» الجعل «يجعل الله الرجس» العذاب أو الشيطان أي يسلطه «على الذين لا يؤمنون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فمن يشأ الله أن يوفقه لقَبول الحق يشرح صدره للتوحيد والإيمان، ومن يشأ أن يضله يجعل صدره في حال شديدة من الانقباض عن قَبول الهدى، كحال مَن يصعد في طبقات الجو العليا، فيصاب بضيق شديد في التنفس.

وكما يجعل الله صدور الكافرين شديدة الضيق والانقباض، كذلك يجعل العذاب على الذين لا يؤمنون به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حال المستعد لهداية الإسلام ، وحال المستعد للضلال فقال :{ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } .أى : فمن يرد الله أن يهديه للإسلام ، ويوفقه له ، يوسع صدره لقبوله ، ويسهله له بفضله وإحسانه .وشرح الصدر : توسعته ، يقال : شرح الله صدره فانشرح ، أى : وسعه فاتسع ، وهو مجاز أو كناية عن جعل النفس مهيأة لحلول الحق فيها .

مصفاة عما يمنعه وينافيه .روى عبد الرازق أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية : كيف يشرح صدره؟

فقال : " نور يقذف فينشرح له وينفسح ، قالوا : فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟

قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافة عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت " .وقوله : { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً } أى ومن يرد أن يضله لسوء اختياره ، وإيثاره الضلالة على الهداية يصير صدره ضيقا متزايد الضيق لا منفذ فيه للإسلام .والحرج : مصدر حرج صدره حرجا فهو حرج ، أى : ضاق ضيقا شديداً .

وصف به الضيق للمبالغة ، كأنه نفس الضيق ، وأصل الحرج مجتمع الشىء ويقال : للحديقة الملتفة الأشجار التى يصعب دخولها حرجة .وقرىء حرجا - بكسر الراء - صفة لقوله { ضَيِّقاً } .روى أن جماعة من الصحابة قرأوا أمام عمر - رضى الله عنه - " ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا " بكسر الراء فقال عمر : يا فتى ما الحرجة فيكم؟

قال الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التى لا تصل إليها راعية ولا وحشية .

فقال عمر : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شىء من الخير " .وقوله { كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء } استئناف ، أو حال من ضمير الوصف ، أو وصف آخر لقلب الضال ، والمراد المبالغة فى ضيق صدره حيث شبه بمن يزاول ما لا يقدر عليه ، فإن صعود السماء مثل فيما هو خارج عن دائرة الاستطاعة .أى : كأنما إذا دعى إلى الإسلام قد كلف الصعود إلى السماء وهو لا يستطيعه بحال .

ويصعد أى : يتصعد ، بمعنى يتكلف الصعود فلا يقدر عليه .وفيه إشارة إلى أن الإيمان يمتنع منه كما يمتنع منه الصعود .وقوله : { كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } أى : مثل جعل الصدر ضيقا حرجا بالإسلام ، يجعل الله الرجس .

أى : العذاب ، أو الخذلان ، أو اللعنة فى الدنميا على الذين لا يؤمنون بالإسلام .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن الضلال والهداية من الله تعالى.

واعلم أن هذه الآية كما أن لفظها يدل على قولنا، فلفظها أيضاً يدل على الدليل القاطع العقلي الذي في هذه المسألة، وبيانه أن العبد قادر على الإيمان وقادر على الفكر، فقدرته بالنسبة إلى هذين الأمرين حاصلة على السوية، فيمتنع صدور الإيمان عنه بدلاً من الكفر أو الكفر بدلاً من الإيمان، إلا إذا حصل في القلب داعية إليه، وقد بينا ذلك مراراً كثيرة في هذا الكتاب، وتلك الداعية لا معنى لها إلا علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملاً على مصلحة زائدة ومنفعة راجحة، فإنه إذا حصل هذا المعنى في القلب دعاه ذلك إلى فعل ذلك الشيء، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن بكون ذلك الفعل مشتملاً على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى تركه، وبينا بالدليل أن حصول هذه الدواعي لابد وأن يكون من الله تعالى، وأن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل.

إذا ثبت هذا فنقول: يستحيل أن يصدر الإيمان عن العبد إلاإذا خلق الله في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة زائد المصلحة، وإذا حصل في القلب هذا الاعتقاد مال القلب، وحصل في النفس رغبة شديدة في تحصيله، وهذا هو انشراح الصدر للإيمان.

فأما إذا حصل في القلب اعتقاد أن الإيمان بمحمد مثلاً سبب مفسدة عظيمة في الدين والدنيا، ويوجب المضار الكثيرة فعند هذا يترتب على حصول هذا الاعتقاد نفرة شديدة عن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، وهذا هو المراد من أنه تعالى يجعل صدره ضيقاً حرجاً، فصار تقدير الآية: أن من أراد الله تعالى منه الإيمان قوى دواعيه إلى الإيمان، ومن أراد الله منه الكفر قوى صوارفه عن الإيمان، وقوى دواعيه إلى الكفر ولما ثبت بالدليل العقلي أن الأمر كذلك، ثبت أن لفظ القرآن مشتمل على هذه الدلائل العقلية، وإذا انطبق قاطع البرهان على صريح لفظ القرآن، فليس وراءه بيان ولا برهان.

قالت المعتزلة: لنا في هذه الآية مقامان: المقام الأول: بيان أنه لا دلالة في هذه الآية على قولكم.

المقام الثاني: مقام التأويل المطابق لمذهبنا وقولنا.

أما المقام الأول: فتقريره من وجوه: الوجه الأول: أن هذه الآية ليس فيها أنه تعالى أضل قوماً أو يضلهم، لأنه ليس فيها أكثر من أنه متى أراد أن يهدي إنساناً فعل به كيت وكيت، وإذا أراد إضلاله فعل به كيت وكيت، وليس في الآية أنه تعالى يريد ذلك أو لا يريده.

والدليل عليه أنه تعالى قال: ﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاتخذناه مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فاعلين  ﴾ فبين تعالى أنه يفعل اللهو لو أراده، ولا خلاف أنه تعالى لا يريد ذلك ولا يفعله.

الوجه الثاني: أنه تعالى لم يقل: ومن يرد أن يضله عن الإسلام، بل قال: ﴿ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ ﴾ فلم قلتم إن المراد ومن يرد أن يضله عن الإيمان.

والوجه الثالث: أنه تعالى بين في آخر الآية أنه إنما يفعل هذا الفعل بهذا الكافر جزاء على كفره، وأنه ليس ذلك على سبيل الابتداء، فقال: ﴿ كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

الوجه الرابع: أن قوله: ﴿ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً ﴾ فهذا يشعر بأن جعل الصدر ضيقاً حرجاً يتقدم حصوله على حصول الضلالة، وأن لحصول ذلك المتقدم أثراً في حصول الضلال وذلك باطل بالإجماع.

أما عندنا: فلا نقول به.

وأما عندكم: فلأن المقتضى لحصول الجهل والضلال هو أن الله تعالى يخلقه فيه لقدرته فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن هذه الآية لا تدل على قولكم.

أما المقام الثاني: وهو أن تفسير هذه الآية على وجه يليق بقولنا، فتقريره من وجوه: الأول: وهو الذي اختاره الجبائي، ونصره القاضي، فنقول: تقدير الآية: ومن يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة، يشرح صدره للإسلام حتى يثبت عليه، ولا يزول عنه، وتفسير هذا الشرح هو أنه تعالى يفعل به ألطافاً تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه، وفي هذا النوع ألطاف لا يمكن فعلها بالمؤمن، إلا بعد أن يصير مؤمناً، وهي بعد أن يصير الرجل مؤمناً يدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ  ﴾ وبقوله: ﴿ والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  ﴾ فإذا آمن عبد وأراد الله ثباته فحينئذ يشرح صدره، أي يفعل به الألطاف التي تقتضي ثباته على الإيمان ودوامه عليه فأما إذا كفر وعاند، وأراد الله تعالى أن يضله عن طريق الجنة، فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج.

ثم سأل الجبائي نفسه وقال: كيف يصح ذلك ونجد الكفار طيبي النفوس لا غم لهم البتة ولا حزن؟

وأجاب عنه: بأنه تعالى لم يخبر بأنه يفعل بهم ذلك في كل وقت فلا يمتنع كونهم في بعض الأوقات طيبي القلوب.

وسأل القاضي نفسه على هذا الجواب سؤالاً آخر فقال: فيجب أن تقطعوا في كل كافر بأنه يجد من نفسه ذلك الضيق والحرج في بعض الأوقات.

وأجاب عنه بأن قال: وكذلك نقول ودفع ذلك لا يمكن خصوصاً عند ورود أدلة الله تعالى وعند ظهور نصرة الله للمؤمنين، وعند ظهور الذلة والصغار فيهم، هذا غاية تقرير هذا الجواب.

والوجه الثاني: في التأويل قالوا لم لا يجوز أن يقال: المراد فمن يرد الله أن يهديه إلى الجنة يشرح صدره للإسلام؟

أي يشرح صدره للإسلام في ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة، لأنه لما رأى أن بسبب الإيمان وجد هذه الدرجة العالية، والمرتبة الشريفة يزداد رغبة في الإيمان، ويحصل في قلبه مزيد انشراح وميل إليه، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق الجنة، ففي ذلك الوقت يضيق صدره، ويحرج صدره بسبب الحزن الشديد الذي ناله عند الحرمان من الجنة والدخول في النار قالوا: فهذا وجه قريب واللفظ محتمل له، فوجب حمل اللفظ عليه.

والوجه الثالث: في التأويل أن يقال: حصل في الكلام تقديم وتأخير، فيكون المعنى من شرح صدر نفسه بالإيمان فقد أراد الله أن يهديه أي يخصه بالألطاف الداعية إلى الثبات على الإيمان، أو يهديه بمعنى أنه يهديه إلى طريق الجنة، ومن جعل صدره ضيقاً حرجاً عن الإيمان، فقد أراد الله أن يضله عن طريق الجنة، أو يضله بمعنى أنه يحرمه عن الألطاف الداعية إلى الثبات على الإيمان، فهذا هو مجموع كلامهم في هذا الباب.

والجواب عما قالوه أولاً: من أن الله تعالى لم يقل في هذه الآية أنه يضله، بل المذكور فيه أنه لو أراد أن يضله لفعل كذا وكذا.

فنقول: قوله تعالى في آخر الآية: ﴿ كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ تصريح بأنه يفعل بهم ذلك الإضلال لأن حرف الكاف في قوله: ﴿ كذلك ﴾ يفيد التشبيه، والتقدير: وكما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره، فكذلك نجعل الرجس على قلوب الذين لا يؤمنون.

والجواب عما قالوه ثانياً وهو قوله: ومن يرد الله أن يضله عن الدين.

فنقول: إن قوله في آخر الآية: ﴿ كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ تصريح بأن المراد من قوله: ﴿ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ ﴾ هو أنه يضله عن الدين.

والجواب عما قالوه ثالثاً: من أن قوله: ﴿ كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ يدل على أنه تعالى إنما يلقي ذلك الضيق والحرج في صدورهم جزاء على كفرهم.

فنقول: لا نسلم أن المراد ذلك، بل المراد كذلك يجعل الله الرجس على قلوب الذين قضى عليهم بأنهم لا يؤمنون، وإذا حملنا هذه الآية على هذا الوجه، سقط ما ذكروه.

والجواب عما قالوه رابعاً: من أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون ضيق الصدر وحرجه شيئاً متقدماً على الضلال وموجباً له.

فنقول: الأمر كذلك، لأنه تعالى إذا خلق في قلبه اعتقاداً بأن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم يوجب الذم في الدنيا والعقوبة في الآخرة، فهذا الاعتقاد يوجب إعراض النفس ونفور القلب عن قبول ذلك الإيمان ويحصل في ذلك القلب نفرة ونبوة عن قبول ذلك الإيمان وهذه الحالة شبيهة بالضيق الشديد، لأن الطريق إذا كان ضيقاً لم يقدر الداخل على أن يدخل فيه، فكذلك القلب إذا حصل فيه هذا الاعتقاد امتنع دخول الإيمان فيه، فلأجل حصول هذه المشابهة من هذا الوجه، أطلق لفظ الضيق والحرج عليه، فقد سقط هذا الكلام.

وأما الوجه الأول: من التأويلات الثلاثة التي ذكروها.

فالجواب عنه: أن حاصل ذلك الكلام يرجع إلى تفصيل الضيق والحرج باستيلاء الغم والحزن على قلب الكافر، وهذا بعيد، لأنه تعالى ميز الكافر عن المؤمن بهذا الضيق والحرج، فلو كان المراد منه حصول الغم والحزن في قلب الكافر، لوجب أن يكون ما يحصل في قلب الكافر من الغموم والهموم والأحزان أزيد مما يحصل في قلب المؤمن زيادة يعرفها كل أحد، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك، بل الأمر في حزن الكافر والمؤمن على السوية، بل الحزن والبلاء في حق المؤمن أكثر.

قال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ  ﴾ وقال عليه السلام: «خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل».

وأما الوجه الثاني: من التأويلات الثلاثة فهو أيضاً مدفوع، لأنه يرجع حاصله إلى إيضاح الواضحات لأن كل أحد يعلم بالضرورة أن كل من هداه الله تعالى إلى الجنة بسبب الإيمان فإنه يفرح بسبب تلك الهداية وينشرح صدره للإيمان مزيد انشراح في ذلك الوقت.

وكذلك القول في قوله: ﴿ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ ﴾ المراد من يضله عن طريق الجنة فإنه يضيق قلبه في ذلك الوقت فإن حصول هذا المعنى معلوم بالضرورة، فحمل الآية عليه إخراج لهذه الآية من الفائدة.

وأما الوجه الثالث: من الوجوه الثلاثة، فهو يقتضي تفكيك نظم الآية، وذلك لأن الآية تقتضي أن يحصل انشراح الصدر من قبل الله أولاً، ثم يترتب عليه حصول الهداية والإيمان، وأنتم عكستم القضية فقلتم العبد يجعل نفسه أولاً منشرح الصدر، ثم إن الله تعالى بعد ذلك يهديه بمعنى أنه يخصه بمزيد الألطاف الداعية له إلى الثبات على الإيمان، والدلائل اللفظية إنما يمكن التمسك بها إذا أبقينا ما فيها من التركيبات والترتيبات فأما إذا أبطلناها وأزلناها لم يمكن التمسك بشيء منها أصلاً، وفتح هذا الباب يوجب أن لا يمكن التمسك بشيء من الآيات، وإنه طعن في القرآن وإخراج له عن كونه حجة، فهذا هو الكلام الفصل في هذه السؤالات، ثم إنا نختم الكلام في هذه المسألة بهذه الخاتمة القاهرة، وهي أنا بينا أن فعل الإيمان يتوقف على أن يحصل في القلب داعية جازمة إلى فعل الإيمان وفاعل تلك الداعية هو الله تعالى، وكذلك القول في جانب الكفر ولفظ الآية منطبق على هذا المعنى، لأن تقدير الآية فمن يرد الله أن يهديه قوى في قلبه ما يدعوه إلى الإيمان ومن يرد أن يضله ألقى في قلبه ما يصرفه عن الإيمان ويدعوه إلى الكفر، وقد ثبت بالبرهان العقلي أن الأمر يجب أن يكون كذلك، وعلى هذا التقدير: فجميع ما ذكرتموه من السؤالات ساقط، والله تعالى أعلم بالصواب.

المسألة الثالثة: في تفسير ألفاظ الآية، أما شرح الصدر ففي تفسيره وجهان: الوجه الأول: قال الليث: يقال شرح الله صدره فانشرح أي وسع صدره لقبول ذلك الأمر فتوسع.

وأقول: إن الليث فسر شرح الصدر بتوسيع الصدر، ولا شك أنه ليس المراد منه أن يوسع صدره على سبيل الحقيقة، لأنه لا شبهة أن ذلك محال، بل لابد من تفسير توسيع الصدر فنقول: تحقيقه ما ذكرناه فيما تقدم ولا بأس بإعادته، فنقول إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح مال طبعه إليه، وقويت رغبته في حصوله وحصل في القلب استعداد شديد لتحصيله، فتسمى هذه الحالة بسعة النفس، وإذا اعتقد في عمل من الأعمال أن شره زائد وضرره راجح عظمت النفرة عنه وحصل في الطبع نفرة ونبوة عن قبوله، ومعلوم أن الطريق إذا كان ضيقاً لم يتمكن الداخل من الدخول فيه، وإذا كان واسعاً قدر الداخل على الدخول فيه فإذا حصل اعتقاد أن الأمر الفلاني زائد النفع والخير وحصل الميل إليه، فقد حصل ذلك الميل في ذلك القلب، فقيل: اتسع الصدر له وإذا حصل اعتقاد أنه زائد الضرر والمفسدة لم يحصل في القلب ميل إليه فقيل إنه ضيق فقد صار الصدر شبيهاً بالطريق الضيق الذي لا يمكن الدخول فيه، فهذا تحقيق الكلام في سعة الصدر وضيقه.

والوجه الثاني: في تفسير الشرح يقال: شرح فلان أمره إذا أظهره وأوضحه وشرح المسألة إذا كانت مشكلة فبينها.

واعلم أن لفظ الشرح غير مختص بالجانب الحق، لأنه وارد في الإسلام في قوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام  ﴾ وفي الكفر في قوله: ﴿ ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا  ﴾ قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل له: كيف يشرح الله صدره؟

فقال عليه السلام: «يقذف فيه نوراً حتى ينفسح وينشرح» فقيل له: وهل لذلك من أمارة يعرف بها؟

فقال عليه السلام: «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت».

وأقول هذا الحديث من أدل الدلائل على صحة ما ذكرناه في تفسير شرح الله الصدر، وتقريره أن الإنسان إذا تصور أن الاشتغال بعمل الآخرة زائد النفع والخير، وأن الاشتغال بعمل الدنيا زائد الضرر والشر، فإذا حصل الجزم بذلك إما بالبرهان أو بالتجربة أو التقليد لابد وأن يترتب على حصول هذا الاعتقاد حصول الرغبة في الآخرة، وهو المراد من الإنابة إلى دار الخلود والنفرة عن دار الدنيا، وهو المراد من التجافي عن دار الغرور، وأما الاستعداد للموت قبل نزول الموت فهو مشتمل على الأمرين، أعني النفرة عن الدنيا والرغبة في الآخرة.

إذا عرفت هذا فنقول: الداعي إلى الفعل لابد وأن يحصل قبل حصول الفعل، وشرح الصدر للإيمان عبارة عن حصول الداعي إلى الإيمان، فلهذا المعنى أشعر ظاهر هذه الآية بأن شرح الصدر متقدم على حصول الإسلام، وكذا القول في جانب الكفر.

أما قوله: ﴿ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً ﴾ ففيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن كثير ﴿ ضَيّقاً ﴾ ساكنة الياء وكذا في كل القرآن، والباقون مشددة الياء مكسورة، فيحتمل أن يكون المشدد والمخفف بمعنى واحد، كسيد وسيد، وهين وهين ولين ولين، وميت وميت، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم ﴿ حَرَجاً ﴾ بكسر الراء، والباقون بفتحها قال الفراء: وهو في كسره ونصبه بمنزلة الوجل والوجل، والقرد والقرد، والدنف والدنف.

قال الزجاج: الحرج في اللغة أضيق الضيق ومعناه: أنه ضيق جداً، فمن قال: إنه رجل حرج الصدر بفتح الراء فمعناه: ذو حرج في صدره، ومن قال: حرج جعله فاعلاً، وكذلك رجل دنف ذو دنف، ودنف نعت.

البحث الثاني: قال بعضهم: الحرج، بكسر الراء الضيق، والحرج بالفتح جمع حرجة، وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية.

وحكى الواحدي في هذا الباب حكايتين: إحداهما: روى عن عبيد بن عمير عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وقال: هل هاهنا أحد من بني بكر.

قال رجل: نعم.

قال: ما الحرجة فيكم.

قال: الوادي الكثير الشجر المشتبك الذي لا طريق فيه.

فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر.

والثانية: روى الواحدي عن أبي الصلت الثقفي قال: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية، ثم قال: ائتوني برجل من كنانة جعلوه راعياً فأتوا به، فقال له عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم.

قال: الحرجة فينا الشجرة تحدق بها الأشجار فلا يصل إليها راعية ولا وحشية.

فقال عمر: كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير.

أما قوله تعالى: ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السماء ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: قرأ ابن كثير ﴿ يَصْعَدُ ﴾ ساكنة الصاد وقرأ أبو بكر عن عاصم ﴿ يصاعد ﴾ بالألف وتشديد الصاد بمعنى يتصاعد، والباقون ﴿ يَصْعَدُ ﴾ بتشديد الصاد والعين بغير ألف، أما قراءة ابن كثير ﴿ يَصْعَدُ ﴾ فهي من الصعود، والمعنى: أنه في نفوره عن الإسلام وثقله عليه بمنزلة من تكلف الصعود إلى السماء، فكما أن ذلك التكليف ثقيل على القلب، فكذلك الإيمان ثقيل على قلب الكافر وأما قراءة أبي بكر ﴿ يصاعد ﴾ فهو مثل يتصاعد.

وأما قراءة الباقين ﴿ يَصْعَدُ ﴾ فهي بمعنى يتصعد، فأدغمت التاء في الصاد ومعنى يتصعد يتكلف ما يثقل عليه.

البحث الثاني: في كيفية هذا التشبيه وجهان: الأول: كما أن الإنسان إذا كلف الصعود إلى السماء ثقل ذلك التكليف عليه، وعظم وصعب عليه، وقويت نفرته عنه، فكذلك الكافر يثقل عليه الإيمان وتعظم نفرته عنه.

والثاني: أن يكون التقدير أن قلبه ينبو عن الإسلام ويتباعد عن قبول الإيمان، فشبه ذلك البعد ببعد من يصعد من الأرض إلى السماء.

أما قوله: ﴿ كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: الكاف في قوله: ﴿ كذلك ﴾ يفيد التشبيه بشيء، وفيه وجهان: الأول: التقدير أن يجعل الله الرجس عليهم كجعله ضيق الصدر في قلوبهم.

والثاني: قال الزجاج التقدير: مثل ما قصصنا عليك، يجعل الله الرجس.

البحث الثاني: اختلفوا في تفسير ﴿ الرجس ﴾ فقال ابن عباس: هو الشيطان يسلطه الله عليهم وقال مجاهد: ﴿ الرجس ﴾ مالا خير فيه.

وقال عطاء: ﴿ الرجس ﴾ العذاب.

وقال الزجاج: ﴿ الرجس ﴾ اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة.

ولنختم تفسير هذه الآية بما روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال تذاكرنا في أمر القدرية عند ابن عمر.

فقال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً، منهم نبينا صلى الله عليه وسلم.

فإذا كان يوم القيامة نادى مناد، وقد جمع الناس بحيث يسمع الكل أين خصماء الله، فتقوم القدرية وقد أورد القاضي هذا الحديث في تفسيره.

وقال: هذا الحديث من أقوى ما يدل على أن القدرية هم الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله تعالى قضاء وقدراً وخلقاً، لأن الذين يقولون هذا القول، هم خصماء الله، لأنهم يقولون لله أي ذنب لنا حتى تعاقبنا، وأنت الذي خلقته فينا وأردته منا، وقضيته علينا، ولم تخلقنا إلا له، وما يسرت لنا غيره، فهؤلاء لابد وأن يكونوا خصماء الله بسبب هذه الحجة أما الذين قالوا: إن الله مكن وأزاح العلة، وإنما أتى العبد من قبل نفسه، فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة، فلا يكونون خصماء الله، بل يكونون منقادين لله هذا كلام القاضي وهو عجيب جداً وذلك لأنه يقال له يبعد منك أنك ما عرفت من مذاهب خصومك أنه ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه، وأن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب، وليس للعبد على الرب اعتراض ولا مناظرة، فكيف يصير الإنسان الذي هذا دينه واعتقاده خصماً لله تعالى.

أما الذين يكونون خصماء لله فهم المعتزلة وتقريره من وجوه: الأول: أنه يدعي عليه وجوب الثواب والعوض، ويقول: لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولاً عن الربوبية وصرت من جملة السفهاء، فهذا الذي مذهبه واعتقاده ذلك هو الخصم لله تعالى.

والثاني: أن من واظب على الكفر سبعين سنة، ثم إنه في آخر زمن حياته قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله عن القلب، ثم مات، ثم إن رب العالمين أعطاه النعم الفائقة والدرجات الزائدة ألف ألف سنة، ثم أراد أن يقطع تلك النعم عنه لحظة واحدة، فذلك العبد يقول: أيها الإله إياك، ثم إياك أن تترك ذلك لحظة واحدة، فإنك إن تركته لحظة واحدة صرت معزولاً عن الإلهية والحاصل: أن إقدام ذلك العبد على ذلك الإيمان لحظة واحدة أوجب على الإله إيصال تلك النعم مدة لا آخر لها، ولا طريق له البتة إلى الخلاص عن هذه العهدة، فهذا هو الخصومة.

أما من يقول إنه لا حق لأحد من الملائكة والأنبياء على الله تعالى وكل ما يوصل إليهم من الثواب فهو تفضل وإحسان من الله تعالى، فهذا لا يكون خصماً.

والوجه الثالث: في تقرير هذه الخصومة ما حكى أن الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن يوماً من الأيام عقد الجبائي مجلس التذكير وحضر عنده عالم من الناس، وذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس، وجلس في بعض الجوانب مختفياً عن الجبائي، وقال لبعض من حضر هناك من العجائز إني أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ قولي له كان لي ثلاثة من البنين واحد كان في غاية الدين والزهد، والثاني كان في غاية الكفر والفسق، والثالث كان صبياً لم يبلغ، فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم.

فقال الجبائي: أما الزاهد، ففي درجات الجنة، وأما الكافر، ففي دركات النار، وأما الصبي، فمن أهل السلامة.

قال قولي له: لو أن الصبي أراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه الزاهد هل يمكن منه.

فقال الجبائي: لا لأن الله يقول له إنما وصل إلى تلك الدرجات العالية بسبب أنه أتعب نفسه في العلم والعمل وأنت فليس معك ذاك فقال أبو الحسن: قولي له لو أن الصبي حينئذ يقول: يا رب العالمين ليس الذنب لي، لأنك أمتني قبل البلوغ ولو أمهلتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد والدين.

فقال الجبائي: يقول الله له علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوحب النار، فقبل أن تصل إلى تلك الحالة راعيت مصلحتك وأمتك حتى تنجو من العقاب، فقال أبو الحسن: قولي له لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار، فقال: يا رب العالمين، ويا أحكم الحاكمين، ويا أرحم الراحمين، كما علمت من ذلك الأخ الصغير أنه لو بلغ كفر علمت مني ذلك، فلم راعيت مصلحته وما راعيت مصلحتي؟

قال الراوي: فلما وصل الكلام إلى هذا الموضع انقطع الجبائي.

فلما نظر رأى أبا الحسن، فعلم أن هذه المسألة منه، لا من العجوز، ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار أو أكثر من بعد الجبائي فأراد أن يجيب عن هذا السؤال، فقال: نحن لا نرضى في حق هؤلاء الأخوة الثلاثة بهذا الجواب الذي ذكرتم، بل لنا هاهنا جوابان آخران سوى ما ذكرتم، ثم قال: وهو مبني على مسألة اختلف شيوخنا فيها، وهي أنه هل يجب على الله أن يكلف العبد أم لا؟

فقال البصريون: التكليف محض التفضل والإحسان، وهو غير واجب على الله تعالى.

وقال البغداديون: إنه واجب على الله تعالى.

قال: فإن فرعنا على قول البصريين، فلله تعالى أن يقول لذلك الصبي إني طولت عمر الأخ الزاهد، وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلاً على أخيك الزاهد بهذا الفضل أن أكون متفضلاً عليك بمثله وأما إن فرعنا على قول البغداديين فالجواب أن يقال: إن إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف عليه كان إحساناً في حقه، ولم يلزم منه عود مفسدة إلى الغير فلا جرم فعلته وأما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك كان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك، فلهذا السبب ما فعلت ذلك في حقك فظهر الفرق.

هذا تلخيص كلام أبي الحسين البصري سعياً منه في تخليص شيخه المتقدم عن سؤال الأشعري، بل سعياً منه في تخليص إلهه عن سؤال العبد، وأقول قبل الخوض في الجواب عن كلام أبي الحسين صحة هذه المناظرة الدقيقة بين العبد وبين الله، إنما لزمت على قول المعتزلة وأما على قول أصحابنا رحمهم الله فلا مناظرة البتة بين العبد وبين الرب، وليس للعبد أن يقول لربه، لم فعلت كذا؟

أو ما فعلت كذا.

فثبت أن خصماء الله هم المعتزلة، لا أهل السنة، وذلك يقوي غرضنا ويحصل مقصودنا، ثم نقول: أما الجواب الأول: وهو أن إطالة العمر وتوجيه التكليف تفضل، فيجوز أن يخص به بعضاً دون بعض.

فنقول: هذا الكلام مدفوع، لأنه تعالى لما أوصل التفضل إلى أحدهما، فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح من الله تعالى، لأن الإيصال إلى هذا الثاني، ليس فعلاً شاقاً على الله تعالى، ولا يوجب دخول نقصان في ملكه بوجه من الوجوه، وهذا الثاني يحتاج إلى ذلك التفضل ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد ألا ترى أن من منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجدار لعامة الناس قبح ذلك منه، لأنه منع من النفع من غير اندفاع ضرر إليه، ولا وصول نفع إليه فإن كان حكم العقل بالتحسين والتقبيح مقبولاً، فليكن مقبولاً هاهنا، وإن لم يكن مقبولاً لم يكن مقبولاً ألبتة في شيء من المواضع، وتبطل كلية مذهبكم فثبت أن هذا الجواب فاسد.

وأما الجواب الثاني: فهو أيضاً فاسد، وذلك لأن قولنا تكليفه يتضمن مفسدة ليس معناه أن هذا التكليف يوجب لذاته حصول تلك المفسدة، وإلا لزم أن تحصل هذه المفسدة أبداً في حق الكل وأنه باطل، بل معناه: أن الله تعالى علم أنه إذا كلف هذا الشخص، فإن إنساناً آخر يختار من قبل نفسه فعلاً قبيحاً، فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله تكليفه، فكذلك قد علم من ذلك الكافر أنه إذا كلفه فإنه يختار الكفر عند ذلك التكليف، فوجب أن يترك تكليفه، وذلك يوجب قبح تكليف من علم الله من حاله أنه يكفر، وإن لم يجب هاهنا لم يجب هنالك، وأما القول بأنه يجب عليه تعالى ترك التكليف إذا علم أن غيره يختار فعلاً قبيحاً عند ذلك التكليف، ولا يجب عليه تركه إذا علم تعالى أن ذلك الشخص يختار القبيح عند ذلك التكليف، فهذا محض التحكم.

فثبت أن الجواب الذي استخرجه أبو الحسين بلطيف فكره، ودقيق نظره بعد أربعة أدوار ضعيف، وظهر أن خصماء الله هم المعتزلة، لا أصحابنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ ﴾ أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلاّ بمن له لطف ﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام ﴾ يلطف به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحبّ الدخول فيه ﴿ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ ﴾ أن يخذله ويخليه وشأنه، وهو الذي لا لطف له ﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً ﴾ يمنعه ألطافه، حتى يقسو قلبه، وينبو عن قبول الحق وينسدّ فلا يدخله الإيمان.

وقرئ: ﴿ ضيقاً ﴾ بالتخفيف والتشديد: ﴿ حَرَجاً ﴾ بالكسر، حرجاً- بالفتح- وصفاً بالمصدر ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السماء ﴾ كأنما يزاول أمراً غير ممكن.

لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة، وتضيق عنه المقدرة.

وقرئ: ﴿ يصعد ﴾ ، وأصله يتصعد.

وقرأ عبد الله: ﴿ يتصعد ﴾ .

و ﴿ يصاعد ﴾ .

وأصله: يتصاعد ويصعد، من صعد، ويصعد من أصعد ﴿ يَجْعَلُ الله الرجس ﴾ يعني الخذلان ومنع التوفيق، وصفه بنقيض ما يوصف به التوفيق من الطيب.

أو أراد الفعل المؤدّي إلى الرجس وهو العذاب من الارتجاس وهو الاضطراب ﴿ وهذا صراط رَبّكَ ﴾ وهذا طريقه الذي اقتضته الحكمة وعادته في التوفيق والخذلان ﴿ مُّسْتَقِيماً ﴾ عادلاً مطرداً.

وانتصابه على أنه حال مؤكدة كقوله: ﴿ وَهُوَ الحق مُصَدّقًا ﴾ [البقرة: 91] ﴿ لَهُمْ ﴾ لقوم يذكرون ﴿ دَارُ السلام ﴾ دار الله، يعني الجنة أضافها إلى نفسه تعظيماً لها أو دار السلامة من كل آفة وكدر ﴿ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ في ضمانه كما تقول لفلان عندي حق لا ينسى، أو ذخيرة لهم لا يعلمون كنهها، كقوله: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ [السجدة: 17] ، ﴿ وَهُوَ وَلِيُّهُم ﴾ مواليهم ومحبهم أو ناصرهم على أعدائهم ﴿ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ ﴾ يُعَرِّفَهُ طَرِيقَ الحَقِّ ويُوَفِّقَهُ لِلْإيمانِ.

﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ فَيَتَّسِعُ لَهُ ويُفْسِحُ فِيهِ مَجالَهُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِ النَّفْسِ قابِلَةً لِلْحَقِّ مُهَيَّأةً لِحُلُولِهِ فِيها مِصْفاةً عَمّا يَمْنَعُهُ ويُنافِيهِ، وإلَيْهِ أشارَ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ فَقالَ: «نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في قَلْبِ المُؤْمِنِ فَيَنْشَرِحُ لَهُ ويَنْفَسِحُ».

فَقالُوا: هَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها فَقالَ: نَعَمِ الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ» .

﴿ وَمَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾ بِحَيْثُ يَنْبُو عَنْ قَبُولِ الحَقِّ فَلا يَدْخُلُهُ الإيمانُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ضَيْقًا بِالتَّخْفِيفِ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ حَرِجًا بِالكَسْرِ أيْ شَدِيدَ الضِّيقِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ وصْفًا بِالمَصْدَرِ.

﴿ كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ ﴾ شَبَّهَهُ مُبالَغَةً في ضِيقِ صَدْرِهِ بِمَن يُزاوِلُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما يَبْعُدُ عَنِ الِاسْتِطاعَةِ، ونَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ الإيمانَ يَمْتَنِعُ مِنهُ كَما يَمْتَنِعُ الصُّعُودُ.

وَقِيلَ مَعْناهُ كَأنَّما يَتَصاعَدُ إلى السَّماءِ نُبُوًّا عَنِ الحَقِّ وتَباعُدًا في الهَرَبِ مِنهُ، وأصْلُ يَصَّعَّدُ يَتَصَعَّدُ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ يَصَّعَّدُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ يَصّاعَدُ بِمَعْنى يَتَصاعَدُ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ كَما يَضِيقُ صَدْرُهُ ويَبْعُدُ قَلْبُهُ عَنِ الحَقِّ.

﴿ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ يَجْعَلُ العَذابَ أوِ الخِذْلانَ عَلَيْهِمْ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّعْلِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام} يوسعه وينور قلبه قال عليه السلام إذا دخل الندر في القلب انشرح وانفتح قيل وما علامة ذلك قال الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت {وَمَن يُرِدِ} أي الله {أَن يُضِلَّهُ يجعل صدره ضيقا} ضيقا مكى {حرجا} صفة لضيقا مدنى وأبو بكر بالغا فى الضيق

حَرَجاً غيرهما وصفاً بالمصدر {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السماء} كأنه كلف أن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى الإسلام من ضيق صدره عن إذا ضاقت عليه الأرض فطلب مصعداً في السماء أو كعازب الرأي طائر القلب في الهواء يَصْعَدُ مكي يصّاعد أبو بكر وأصله يتصاعد الباقون يصعدو أصله يتصعد {كذلك يَجْعَلُ الله الرجس} العذاب في الآخرة واللعنة في الدنيا {عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ} والآية حجة لنا على المعتزلة في إرادة المعاصي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ ﴾ إلَيْهِ ويُعَرِّفَهُ بِهِ ﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ بِأنْ يَقْذِفَ فِيهِ نُورًا مِن أنْوارِهِ فَيُعَرِّفَهُ بِذَلِكَ ﴿ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾ لا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ مِن أنْوارِ شَمْسِ العِرْفانِ ﴿ كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ ﴾ نَبْوًا وهَرَبًا عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ لِأنَّهُ خِلافُ اسْتِعْدادِهِ وقِيلَ: المَعْنى فَمَن يُرِدِ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهُ لِلتَّوْحِيدِ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِقَبُولِ نُورِ الحَقِّ وإسْلامِ الوُجُودِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِكَشْفِ حُجُبِ صِفاتِ نَفْسِهِ عَنْ وجْهِ قَلْبِهِ الَّذِي يَلِي النَّفْسَ فَيَنْفَسِحُ لِقَبُولِ نُورِ الحَقِّ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا بِاسْتِيلاءِ النَّفْسِ عَلَيْهِ وضَغْطِها لَهُ كَما يَصَّعَّدُ في سَماءِ رُوحِهِ مَعَ تِلْكَ الهَيْئاتِ البَدَنِيَّةِ المُظْلِمَةِ وذَلِكَ أمْرٌ مُحالٌ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ ﴾ أيْ رِجْسُ التَّلَوُّثِ بِنَتَنِ الطَّبِيعَةِ ﴿ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ عَنِ الحَقِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ يعني: الأكابر الذين سبق ذكرهم.

ويقال: كفار مكة إذا جاءتهم علامة مثل انشقاق القمر وغيره قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ يعني: لن نصدقك ولن نؤمن بالآية حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ مَا أُوتِيَ أي مثل ما أعطي رُسُلُ اللَّهِ يعني محمدا  من الآيات والعلامات.

ويقال: لم نصدقك حتى يوحى إلينا كما أوحي إلى الرسل، وذلك أن الوليد بن المغيرة وأبا مسعود الثقفي قالا: لو أراد الله تعالى أن ينزل الوحي لأنزل علينا.

قال بعضهم: أرادوا به محمداً  وقال بعضهم: أرادوا به جميع الرسل فقال الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ومن يصلح للنبوة ومن لا يصلح فخصّ بها محمدا  سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا يعني: أشركوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ يعني: مَذَلَّة وهوان عند الله أي من عند الله العذاب بالمستهزئين وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ يعني: يكذبون بالرسل قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ بلفظ الوحدان وقرأ الباقون رِسالاتِهِ بلفظ الجماعة.

قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يعني: من يرد الله أن يوفقه للإسلام ويهديه لدينه يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ يقول يوسع قلبه ويلينه لقبول الإسلام، ويدخل فيه نور الإسلام وحلاوته.

وقال القتبي: يَشْرَحْ صَدْرَهُ يعني: يفتحه.

قال الفقيه: قال: حدّثنا الخليل بن أحمد حدّثنا الديبلي قال: حدّثنا أبو عبيد الله عن سفيان عن خالد بن أبي كريمة عن عبد الله بن المسور أن رسول الله  قال: لما نزلت هذه الآية فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ قالوا: يا رسول الله: فكيف ذلك؟

إذا دَخَلَ النُّورُ فِي القلب انشرح وانفسح قالوا: وهل لذلك من علامة يعرف به؟

قال: «نَعَمْ التَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ وَالإنَابَةُ إلى دَارِ الخُلُودِ وَالاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» .

ثم قال تعالى: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ عن الإسلام فلا يقبله ويتركه بغير نور يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً عن الإسلام يعني: غير موسع حَرَجاً يعني: شاكاً.

وقال ابن عباس: كالشجرة الملتفة بعضها في بعض لا يجد النور منفذاً ومجازاً قرأ ابن كثير ضَيِّقاً بتخفيف الياء وجزمها.

وقرأ الباقون بالتشديد.

وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر حَرَجاً بكسر الراء.

وقرأ الباقون بالنصب.

فمن قرأ بالنصب فهو المصدر.

ومن قرأ بالكسر فهو النعت.

ثم قال: كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ يعني: مثله كمثل الذي يتكلف الصعود إلى السماء وهو لا يستطيع، فكذلك قلب الكافر لا يستطيع قبول الإسلام.

قرأ ابن كثير يَصَّعَّدُ بجزم الصاد ونصب العين بغير تشديد من صَعَد يَصْعَد.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر يَصَّاعد بالألف مع تشديد الصاد وتخفيف العين لأن أصله يتصاعد فأدغم التاء في الصاد.

وقرأ الباقون: يَصَّعَّدُ بتشديد الصاد والعين بغير ألف لأن أصله يتصعد فأدغم التاء في الصاد ثم قال: كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ يعني: العذاب عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بترك حلاوة الإيمان على الذين لا يرغبون في الإيمان ويقال الرجس في اللغة: هو اللعنة والعذاب.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

رياستهم أقْدَرُ على الغَدْرِ والمَكْرِ ورُكُوبِ الباطلِ من غيرهم ولأن كثرة المال والجاه يَحْمِلاَنِ الإنسان على المبالغةِ في حِفْظهما وذلك الحِفْظُ لا يتمُّ إلا بجميع الأخلاق الذميمةِ كالغَدْر والمَكْر والكَذِب والغِيبة والنَّميمة والأَيْمَان الكاذبة ولو لم يكن للمالِ والجاهِ سوى أنَّ اللَّه تعالى حَكَم بأنه إنما وصفَ بهذه الأوصافِ الذميمةِ مَنْ كان له مالٌ وجاه، لكفى ذلك دليلاً على خَسَاسة المالِ والجَاهِ.

انتهى، وما ذكره من المال والجاه هو الأغلَبُ.

وَما يَشْعُرُونَ، أي: ما يعلمون.

وقوله سبحانه: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ، أي: علامةٌ ودليلٌ على صحَّة الشرع، تشطَّطوا، وقالوا: لَنْ نؤمن حتَّى يُفْلَقَ لنا البَحْرُ، ويحيى لنا الموتى، ونحْوَ ذلك، فردَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ فيمن اصطفاه، وانتخبه، لا فيمن كَفَرَ، وجعل يتشطَّط على اللَّه سبحانه، قال الفَخْر «١» : قال المفسِّرون: قال الوليدُ بْنُ المُغِيرَةِ «٢» :

لو كانتِ النبوَّة حقًّا، لكنْتُ أولى بها، قال الضَّحَّاك: أراد كلُّ واحد من هؤلاء الكفرة أنْ يُخَصَّ بالوحْيِ والرسالةِ كما أخبر عنهم سبحانه: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً [المدثر: ٥٢] انتهى.

ثم توعَّد سبحانه بأن هؤلاء المجرمين الأكابر في الدنيا سيصيبهم عند اللَّه صَغَارٌ وذلَّة.

فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)

وقوله سبحانه: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ...

الآية: مَنْ:

شرط، ويَشْرَحْ جوابُ الشرط.

والآيةُ نصٌّ في أن اللَّه تعالى يريدُ هدى المؤمن، وضلالَ الكافر، وهذا عند جميعِ أهْل السنَّة بالإرادةِ القديمةِ التي هي صفةُ ذاته تبارك وتعالى، والهدى هنا: هو خَلْق الإيمان في القَلْبِ، وشَرْحُ الصدرِ: هو تسهيلُ الإيمان، وتحبيبُه، وإعدادُ القَلْبِ لقبولِهِ وتحصيلِهِ، والصَّدْر: عبارةٌ عن القلب، وفي يَشْرَحْ ضمير يعود على اسم اللَّهِ عزَّ وجلَّ/ يَعْضُدُهُ اللفظ والمعنى، ولا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، والقولُ بأنه عائدٌ على «المَهْدِيِّ» - قولٌ يتركَّب عليه مذهب القَدَريَّة في خَلْق الأعمال، ويجبُ أن يُعتقد ضَعْفُهُ، والحَذَرُ منه، ورُوِيَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم «أنه لَمَّا نزلَتْ هذه الآية، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُشْرَحُ الصَّدْرُ؟

قَالَ: إذَا نَزَلَ النُّورُ فِي القَلْبِ، انشرح لَهُ الصَّدْرُ، وانفسح، قَالُوا: وَهَلْ لِذَلِكَ عَلاَمَةٌ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: نَعَمِ، الإنَابَةُ إلَى دَارِ الخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ، قَبْلَ المَوْتِ» ، والقول «١» في قوله: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ كالقول في قوله: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ، وقرأ حمزة وغيره: «حَرَجاً» - بفتح الراء-، وروي أن عمر بن الخطاب (رضي اللَّه عنه) قرأها يوماً بفتح الراء، فقرأها له بعضُ الصَّحابة بكَسْر الراء، فقال: ابغوني رجُلاً من كِنَانَةَ، وليكنْ رَاعياً، وليكُنْ من بني مدلج، فلما جاء، قال له: يَا فتى، مَا الحَرِجَةُ عنْدَكُمْ؟

قال الشَّجَرَةُ تكُونُ بَيْن الأشجار لا تَصِلُ إليها راعيَةٌ ولا وَحْشِيَّة، قال عمر: كذلِكَ قَلْبُ المنافق لا يَصِلُ إليه شَيْءٌ من الخير «٢» .

وقوله سبحانه: كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ، أي: كأنَّ هذا الضّيّق الصّدر متى حاول

الإيمان أو فكَّر فيه، يجد صعوبته عليه، والعياذُ باللَّه، كصعوبةِ الصُّعود في السماء، قاله ابن جريج وغيره «١» ، وفِي السَّماءِ، يريد: مِنْ سفل إلى علوٍ، وتحتمل الآية أنْ يكون التشبيهُ بالصاعدِ في عَقَبَةٍ كَئُود كأنه يَصْعَدُ بها في الهواء، ويَصْعَدُ: معناه: يعلو، ويَصَّعَّدُ:

معناه: يتكلَّف من ذلك ما يشقُّ عليه.

وقوله: كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ، أي: وكما كان الهدى كله من اللَّه، والضلال بإرادته تعالى ومشيئته كذلك يجعل اللَّه الرجْسَ، قال أهل اللغة: الرجْسُ يأتي بمعنى العَذَابِ، ويأتي بمعنى النَّجَس.

وقوله تعالى: وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً ...

الآية: هذا إشارة إلى القرآن والشرْعِ الذي جاء به نبيُّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم قاله ابن عباس، وفَصَّلْنَا، معناه: بيَّنا وأوضحنا «٢» .

وقوله سبحانه: لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، أي: للمؤمنين، والضمير في قوله: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عائد عليهم، والسَّلام: يتجه أن يكون اسما من أسماء اللَّه عزَّ وجلَّ، ويتجه أن يكون مصدراً بمعنى السلامة.

وقوله تعالى: عِنْدَ رَبِّهِمْ يريد في الآخرة بعد الحشر، ووليّهم، أي: وليّ الإنعام عليهم، وبِما كانُوا يَعْمَلُونَ، أي: بسَبَبِ ما كانوا يُقَدِّمون من الخير، ويفعلون من الطاعة والبر.

وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ، والمعنى: واذكر يَوْمَ، وفي الكلامِ حذفٌ، تقديره: نقول: يا معشر الجنِّ، وقوله: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ: معناه: أفرطتم، ومِنَ الْإِنْسِ: يريد: في إضلالهم وأغوائهم قاله ابن عباس وغيره «٣» ، وقال الكُفَّار من الإنْس، وهم أولياء الجنِّ الموبَّخين على جهة الاعتذار عن الجنِّ: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، أي: انتفع وذلك كاستعاذتهم بالجنِّ إذ كان العربيُّ إذا نزل وادياً، ينادي: يا رَبَّ الوادِي، إنِّي أستجيرُ بك في هذه الليلة، ثم يرى سلامته إنما هي بحفْظِ جَنِّيِّ ذلك الوادِي، ونحو ذلك، وبلوغ الأجل المؤجّل: هو

الموتُ، وقيل: هو الحشر.

وقوله تعالى: قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ ...

الآية: إخبارٌ من اللَّه تعالى/ عما يقولُ لهم يوم القيامة إثْرَ كلامهم المتقدّم، ومَثْواكُمْ، أي: موضع ثوائكم كَمُقَامِكُمُ الذي هو مَوْضِعُ الإقامة قاله الزَّجَّاج، والاستثناءُ في قوله: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ قالتْ فرقة: «مَا» بمعنى «مَنْ» ، فالمراد: إلا مَنْ شاء اللَّه مِمَّنْ آمن في الدنيا بعد، إن كان مِنْ هؤلاء الكَفَرة، وقال الطبريُّ «١» : إن المستثنى هي المُدَّة التي بَيْنَ حشرهم إلى دخولهم النار، وقال الطبريُّ «٢» ، عن ابن عباس: إنه كان يتأوَّل في هذا الاستثناء أنه مبلغ حالِ هؤلاء في علْمِ اللَّه «٣» ، ثم أسند إليه أنه قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحَدٍ أنْ يحكم على اللَّه في خَلْقه لا يُنْزِلُهم جنَّةً ولا ناراً.

قال ع «٤» : والإجماع على التخليد الأبديِّ في الكُفَّار، ولا يصحُّ هذا عن ابن عباس (رضي اللَّه عنه) .

قال ص: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ: قيل: استثناء منقطعٌ، أي: لكِنْ ما شاء اللَّه مِنَ العذابِ الزائِدِ على النَّار، وقيل: متصلٌ، واختلفوا في تقديره، فقيل: هو استثناء مِنَ الأشخاصِ، وهم مَنْ آمن في الدنيا، ورُدَّ بأنه يختلف زمان المستثنى والمستثنى منه، فيكون منقطعاً لا متصلاً لأنَّ مِنْ شرط المتصل اتحاد زمانَيِ المُخْرَجِ والمُخْرَجِ منه.

انتهى، وقيل غير هذا.

وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً، قال قتادة «٥» : معناه: نجعل بعضهم وليَّ بعض في الكفر والظلم، وقال أيضاً: المعنى نجعلُ بعضهم يَلِي بعضاً في دخول النار، وقال ابن زيد: معناه: نسلِّط بعض الظالمين على بعض، ونجعلهم أولياء النقمة «٦» منهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في رَسُولِ اللَّهِ  ، وأبِي جَهْلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ ﴾ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الشَّرْحُ: الفَتْحُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِنهُ يُقالُ: شَرَحْتُ لَكَ الأمْرَ، وشَرَحْتُ اللَّحْمَ: إذا فَتَحْتَهُ.

وقالَ: ابْنُ عَبّاسٍ: (يَشْرَحُ صَدْرَهُ) أيْ: يُوسِّعُ قَلْبَهُ لَلتَّوْحِيدِ والإيمانِ.

وقَدْ رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّ النَّبِيَّ  قَرَأ: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ ، فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما هَذا الشَّرْحُ؟

قالَ: "نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في القَلْبِ، فَيَنْفَتِحُ القَلْبُ" قالُوا: فَهَلْ لَذَلِكَ مِن أمارَةٍ؟

قالَ: "نَعَمْ" قِيلَ: وما هِيَ؟

قالَ: "الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادِ لَلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ"» قَوْلُهُ تَعالى: ضَيِّقًا قَرَأ الأكْثَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "ضَيِّقًا"، وفى[الفَرْقانِ:١٣]: ﴿ مَكانًا ضَيِّقًا ﴾ بِتَسْكِينِ الياءِ خَفِيفَةً.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: الضَّيِّقُ، والضَّيْقُ: مِثْلُ المَيِّتِ، والمَيْتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: حَرَجًا قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (حَرَجًا) بِفَتْحِ الرّاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ الرّاءِ.

قالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ.

وكَذَلِكَ قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ النَّحْوِيُّ: هُما لُغَتانِ، إلّا أنَّ الفَتْحَ أكْثَرُ مِنَ ألْسِنَةِ العَرَبِ مِنَ الكَسْرِ، ومَجْراهُما مَجْرى الدَّنَفِ والدَّنِفِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الحَرَجُ في اللُّغَةِ: أضْيَقُ الضَّيِّقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( كَأنَّما يَصّاعَدُ ) قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَصْعَدُ" بِتَشْدِيدِ الصّادِ والعَيْنِ وفَتْحِ الصّادِ مِن غَيْرِ ألْفٍ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "يَصّاعَدُ" بِتَشْدِيدِ الصّادِ وبَعْدَها ألِفٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يَصْعَدُ" بِتَخْفِيفِ الصّادِ والعَيْنِ مِن غَيْرِ ألِفٍ والصّادُ ساكِنَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ: "تَصْعَدُ" بِتاءٍ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ أبِيُّ بْنُ كَعْبُ: "يَتَصاعَدُ" بِألِفٍ وتاءٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ( كَأنَّما يَصّاعَدُ في السَّماءِ ) و"يَصْعَدُ" أصْلُهُ: "يَتَصاعَدُ"، "وَيَتَصَعَّدُ" إلّا أنَّ التّاءَ تُدْغَمُ في الصّادِ لَقُرْبِها مِنها، والمَعْنى: كَأنَّهُ قَدْ كَلَّفَ أنْ يَصْعَدَ إلى السَّماءِ إذا دُعِيَ إلى الإسْلامِ مِن ضِيقِ صَدْرِهِ عَنْهُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كَأنَّ قَلْبَهُ يَصْعَدُ في السَّماءِ نُبُوًّا عَنِ الإسْلامِ والحِكْمَةِ.

وقالَ الفَرّاءُ: ضاقَ عَلَيْهِ المَذْهَبُ، فَلَمْ يَجْدْ إلّا أنْ يَصْعَدَ في السَّماءِ، ولَيْسَ يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: "يَصْعَدُ" و"يَصّاعَدُ": مِنَ المَشَقَّةِ، وصُعُوبَةِ الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمَرَ: ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ كَما تَصَعَّدَتْنِي خِطْبَةُ النِّكاحِ، أيْ: ما شَقَّ عَلَيَّ شَيْءٌ مَشَقَّتَها.

قَوْلُهُ تَعالى: كَذَلِكَ أيْ: مِثْلُ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ.

﴿ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الشَّيْطانُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

يَعْنِي: أنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُهُ عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ المَأْتَمُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما لا خَيْرَ فِيهِ قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ عَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

والخامِسُ: أنَّهُ اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآَخِرَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآَيَةُ تَقْطَعُ كَلامَ القَدَرِيَّةِ، إذْ قَدْ صَرَّحَتْ بِأنَّ الهِدايَةَ والإضْلالَ مُتَعَلِّقَةٌ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهِ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ﴾ ﴿ فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدِ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلْ اللهُ الرِجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ آيَةُ ذَمٍّ لِلْكُفّارِ؛ وتَوَعُّدٍ لَهُمْ؛ يَقُولُ: "وَإذا جاءَتْهم عَلامَةٌ ودَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ الشَرْعِ تَشَطَّطُوا؛ وتَسَحَّبُوا؛ وقالُوا: إنَّما يُفْلَقُ لَنا البَحْرُ؛ إنَّما يُحْيى لَنا المَوْتى"؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَرَدَّ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ اللهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ﴾ ؛ أيْ: فِيمَنِ اصْطَفاهُ؛ وانْتَخَبَهُ؛ لا فِيمَن كَفَرَ؛ وجَعَلَ يَتَشَطَّطُ عَلى اللهِ تَعالى ؛ قالَ الزَجّاجُ: قالَ بَعْضُهُمْ: اَلْأبْلَغُ في تَصْدِيقِ الرُسُلِ ألّا يَكُونُوا قَبْلَ المَبْعَثِ مُطاعِينَ في قَوْمِهِمْ؛ و"أعْلَمُ"؛ مُعَلَّقُ العَمَلِ؛ والعامِلُ في "حَيْثُ"؛ فِعْلٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَعْلَمُ حَيْثُ...".

ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى بِأنَّ هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ الأكابِرَ في الدُنْيا سَيُصِيبُهم عِنْدَ اللهِ تَعالى صَغارٌ؛ وذِلَّةٌ؛ و"عِنْدَ اللهِ"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "سَيُصِيبُ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ "صَغارٌ"؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ؛ قالَ الزَجّاجُ: اَلتَّقْدِيرُ: صَغارٌ ثابِتٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ "صَغارٌ"؛ دُونَ تَقْدِيرِ: "ثابِتٌ"؛ ولا شَيْءٍ غَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ "وَمَن": أداةُ شَرْطٍ؛ و"يَشْرَحْ"؛ جَوابُ الشَرْطِ؛ والآيَةُ نَصٌّ في أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُرِيدُ هُدى المُؤْمِنِ؛ وضَلالَ الكافِرِ؛ وهَذا عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ السُنَّةِ بِالإرادَةِ القَدِيمَةِ؛ الَّتِي هي صِفَةُ ذاتِهِ - تَبارَكَ وتَعالى.

و"اَلْهُدى"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ هو خَلْقُ الإيمانِ في القَلْبِ؛ واخْتِراعُهُ؛ وشَرْحُ الصَدْرِ هو تَسْهِيلُ الإيمانِ؛ وتَحْبِيبُهُ؛ وإعْدادُ القَلْبِ لِقَبُولِهِ؛ وتَحْصِيلِهِ؛ و"اَلْهُدى"؛ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ؛ تَأْتِي بِمَعْنى: "اَلدُّعاءُ"؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ  ﴾ ؛ وتَأْتِي بِمَعْنى إرْشادِ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ؛ والطُرُقِ والأعْمالِ المُفْضِيَةِ إلَيْها؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ  ﴾ ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ  ﴾ ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ إلّا أنَّها في هَذِهِ الآيَةِ؛ وفي قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ  ﴾ ؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ  ﴾ ؛ ونَحْوِها؛ لا يُتَّجَهُ حَمْلُها إلّا عَلى خَلْقِ الإيمانِ واخْتِراعِهِ؛ إذِ الوُجُوهُ مِنَ الهُدى تَدْفَعُها قَرائِنُ الكَلامِ مِمّا قَبْلُ؛ وبَعْدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ ﴾ ؛ ألْفاظٌ مُسْتَعارَةٌ هَهُنا؛ إذِ الشَرْحُ: اَلتَّوْسِعَةُ؛ والبَسْطُ في الأجْسامِ؛ وإذا كانَ الجِرْمُ مَشْرُوحًا مُوَسَّعًا؛ كانَ مُعَدًّا لِيُحَلَّ فِيهِ؛ فَشَبَّهَ تَوْطِئَةَ القَلْبِ وتَنْوِيرَهُ؛ وإعْدادَهُ لِلْقَبُولِ؛ بِالشَرْحِ؛ والتَوْسِيعِ؛ وشَبَّهَ قَبُولَهُ وتَحْصِيلَهُ لِلْإيمانِ بِالحُلُولِ في الجِرْمِ المَشْرُوحِ؛ والصَدْرُ عِبارَةٌ عَنِ القَلْبِ؛ وهو المَقْصُودُ؛ إذِ الإيمانُ مِن خِصالِهِ؛ وكَذَلِكَ الإسْلامُ عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ؛ إذِ الإسْلامُ أعَمُّ مِنهُ؛ وإنَّما المَقْصُودُ هُنا الإيمانُ فَقَطْ؛ بِدَلِيلِ قَرِينَةِ الشَرْحِ والهُدى؛ ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالإسْلامِ؛ إذْ هو أعَمُّ؛ وأدْنى الهُدى حُبُّ الأعْمالِ؛ وامْتِثالُ العِباداتِ؛ وفي "يَشْرَحْ"؛ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الهُدى؛ قالَ: وعَوْدُهُ عَلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أبْيَنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والقَوْلُ بِأنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى المَهْدِيِّ قَوْلٌ يَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ مَذْهَبُ القَدَرِيَّةِ؛ في خَلْقِ الأفْعالِ؛ ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ ضَعْفُهُ؛ وأنَّ الضَمِيرَ إنَّما هو عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَإنَّ هَذا يُعَضِّدُهُ اللَفْظُ والمَعْنى: ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ يُشْرَحُ الصَدْرُ؟

قالَ: "إذا نَزَلَ النُورُ في القَلْبِ انْشَرَحَ لَهُ الصَدْرُ؛ وانْفَسَحَ"؛ قالُوا: وهَلْ لِذَلِكَ عَلامَةٌ يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "نَعَمٌ؛ الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ؛ والتَجافِي عن دارِ الغُرُورِ؛ والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الفَوْتِ".» والقَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَمَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ ﴾ ؛ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾ ؛ ألْفاظٌ مُسْتَعارَةٌ تُضادُّ شَرْحَ الصَدْرِ لِلْإسْلامِ؛ و"يَجْعَلْ" - في هَذا المَوْضِعِ - تَكُونُ بِمَعْنى: "يَحْكم لَهُ بِهَذا الحُكْمِ"؛ كَما تَقُولُ: "هَذا يَجْعَلُ البَصْرَةَ مِصْرًا"؛ أيْ: يَحْكُمُ لَها بِحُكْمِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا المَعْنى يَقْرُبُ مِن: "صَيَّرَ"؛ وحَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ؛ وقالَ أيْضًا: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "جَعَلَ"؛ بِمَعْنى "سَمّى"؛ كَما قالَ تَعالى ﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَحْمَنِ إناثًا  ﴾ ؛ أيْ: "سَمَّوْهُمْ"؛ قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا المَعْنى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الوَجْهُ يَضْعُفُ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ؛ والسَبْعَةُ - سِوى ابْنِ كَثِيرٍ -: "ضَيِّقًا"؛ بِكَسْرِ الياءِ؛ وتَشْدِيدِها؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "ضَيْقًا"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ في "اَلْفُرْقانِ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهُما بِمَنزِلَةِ: "اَلْمَيِّتُ"؛ و"اَلْمَيْتُ"؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وبِمَنزِلَةِ: "اَلْهَيِّنُ"؛ و"اَللَّيِّنُ"؛ و"اَلْهَيْنُ"؛ و"اَللَّيْنُ"؛ قالَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "اَلضَّيْقُ"؛ مَصْدَرًا؛ مِن قَوْلِكَ: "ضاقَ الأمْرُ؛ يَضِيقُ؛ ضَيْقًا؛ وضِيقًا"؛ وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: "اَلضِّيقُ"؛ بِشَدِّ الضادِ؛ وكَسْرِها: في الأجْرامِ؛ والمَعاشِ؛ و"اَلضَّيْقُ"؛ بِفَتْحِ الضادِ: في الأُمُورِ والمَعانِي.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "حَرَجًا"؛ بِفَتْحِ الراءِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "حَرِجًا"؛ بِكَسْرِها؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَمَن فَتَحَ الراءَ كانَ وصْفًا بِالمَصْدَرِ؛ كَما تَقُولُ: "رَجُلٌ قَمَنٌ بِكَذا"؛ و"حَرَيٌ بِكَذا"؛ و"دَنَفٌ"؛ ومَن كَسَرَ الراءَ فَهو كَـ "دَنِفٌ"؛ و"قَمِنٌ"؛ و"فَرِقٌ"؛ ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قَرَأها يَوْمًا بِفَتْحِ الراءِ؛ فَقَرَأها لَهُ بَعْضُ الصَحابَةِ بِكَسْرِ الراءِ؛ فَقالَ: "اُبْغُونِي رَجُلًا مِن كِنانَةَ ؛ ولْيَكُنْ راعِيًا مِن بَنِي مُدْلِجٍ"؛ فَلَمّا جاءَهُ قالَ لَهُ: "يا فَتى؛ ما الحَرَجَةُ عِنْدَكُمْ؟"؛ قالَ: اَلشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الأشْجارِ لا تَصِلُ إلَيْها راعِيَةٌ؛ ولا وحْشِيَّةٌ؛ قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "كَذَلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ؛ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَماءِ ﴾ ؛ أيْ: كَأنَّ هَذا الضَيِّقَ الصَدْرِ يُحاوِلُ الصُعُودَ في السَماءِ مَتى حاوَلَ الإيمانَ؛ أو فَكَّرَ فِيهِ؛ ويَجِدُ صُعُوبَتَهُ عَلَيْهِ كَصُعُوبَةِ الصُعُودِ في السَماءِ؛ قالَ بِهَذا التَأْوِيلِ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: اَلْمَعْنى: لا يَجِدُ مَسْلَكًا إلّا صَعَدًا مِن شِدَّةِ التَضايُقِ.

وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَصَّعَّدُ"؛ بِإدْغامِ التاءِ؛ مِن "يَتَصَعَّدُ"؛ في الصادِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "يَصّاعَدُ"؛ بِإدْغامِ التاءِ؛ مِن "يَتَصاعَدُ في السَماءِ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "يَصْعَدُ"؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ وابْنُ مُصَرِّفٍ: "يَتَصَعَّدُ"؛ بِزِيادَةِ تاءٍ.

و"فِي السَماءِ"؛ يُرِيدُ: مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ في الهَواءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُرِدِ السَماءَ المُظِلَّةَ بِعَيْنِها؛ وإنَّما هو كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: "والقَيْدُودُ: اَلطَّوِيلُ في غَيْرِ سَماءٍ"؛ يُرِيدُ: في غَيْرِ ارْتِفاعٍ صَعَدًا؛ قالَ: ومِن هَذا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَماءِ  ﴾ ؛ أيْ في جِهاتِ الجَوِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى غَيْرِ مَن تَأوَّلَ "تَقَلُّبَ الوَجْهِ"؛ أنَّهُ الدُعاءُ إلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ في الهِدايَةِ إلى قِبْلَةٍ؛ فَإنَّ مَعَ الدُعاءِ يَسْتَقِيمُ أنْ يُقَلِّبَ وجْهَهُ في السَماءِ المُظِلَّةِ؛ حَسَبَ عادَةِ الداعِينَ؛ إذْ قَدْ ألِفُوا مَجِيءَ النِعَمِ والآلاءِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ التَشْبِيهُ بِالصاعِدِ في عَقَبَةٍ كَؤُودٍ؛ كَأنَّهُ يَصْعَدُ بِها الهَواءَ؛ و"يَصْعَدُ"؛ مَعْناهُ: يَعْلُو؛ و"يَصَّعَّدُ"؛ مَعْناهُ: يَتَكَلَّفُ مِن ذَلِكَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ كَما تَصَعَّدَنِي خِطْبَةُ النِكاحِ"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ؛ و"يَصّاعَدُ"؛ في المَعْنى؛ مِثْلُ "يَصَّعَّدُ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ ﴾ ؛ أيْ: وكَما كانَ هَذا كُلُّهُ مِنَ الهُدى والضَلالِ بِإرادَةِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومَشِيئَتِهِ؛ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ؛ قالَ أهْلُ اللُغَةِ: اَلرِّجْسَ يَأْتِي بِمَعْنى العَذابِ؛ ويَأْتِي بِمَعْنى النَجَسِ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: اَلرِّجْسَ كُلُّ ما لا خَيْرَ فِيهِ؛ وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: اَلرِّجْسُ والنَجَسُ لُغَتانِ بِمَعْنًى؛ و"يَجْعَلْ" - في هَذا المَوْضِعِ - يَحْسُنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "يُلْقِي"؛ كَما تَقُولُ: "جَعَلْتُ مَتاعَكَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ"؛ وكَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا المَعْنى في "جَعَلَ"؛ حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ؛ ويَحْسُنُ أنَّ تَكُونَ "يَجْعَلْ" - في هَذِهِ الآيَةِ - بِمَعْنى: "يُصَيِّرْ"؛ ويَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي في ضِمْنِ ﴿ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ كَأنَّهُ قالَ - سُبْحانَهُ -: "قَرِينَ الَّذِينَ"؛ أو: "لَزِيمَ الَّذِينَ"؛ ونَحْوَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء مُرتِّبة الجملةَ الّتي بعدها على مضمون ما قبلها من قوله: ﴿ أو من كان ميّتاً فأحييناه ﴾ [الأنعام: 122] وما ترتَّب عليه من التّفاريع والاعتراض.

وهذا التّفريع إبطال لتعلّلاتهم بعلّة ﴿ حتى نوتى مثل ما أوتي رسل الله ﴾ [الأنعام: 124]، وأنّ الله منعهم ما علّقوا إيمانَهم على حصوله، فتفرّع على ذلك بيان السّبب المؤثّر بالحقيقة إيمانَ المؤمن وكُفْرَ الكافر، وهو: هداية الله المؤمنَ، وإضلالُه الكافرَ، فذلك حقيقة التّأثير، دون الأسباب الظّاهرة، فيعرف من ذلك أنّ أكابر المجرمين لو أوتوا ما سألوا لما آمنوا، حتّى يريد الله هدايتهم إلى الإسلام، كما قال تعالى: ﴿ إنّ الذين حقّت عليهم كلمات ربّك لا يؤمنون ولو جاءتهم كلّ آية حتّى يَروا العذاب الأليم ﴾ [يونس: 96، 97] وكما قال: ﴿ ولو أنَّنا نزّلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى وحشَرْنا عليهم كلّ شيء قِبَلاً ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء الله ﴾ [الأنعام: 111].

والهدى إنَّما يتعلّق بالأمور النّافعة: لأنّ حقيقته إصابة الطريق الموصّل للمكان المقصود، ومجازَه رشاد العقل، فلذلك لم يحتج إلى ذكر متعلِّقه هنا لظهور أنَّه الهدى للإسلام، مع قرينة قوله: ﴿ يشرح صدره للإسلام ﴾ ، وأمّا قوله: ﴿ فاهْدُوهم إلى صراط الجحيم ﴾ [الصافات: 23] فهو تهكّم.

والضّلال إنَّما يكون في أحوال مضرّة لأنّ حقيقته خطأ الطّريق المطلوب، فلذلك كان مُشعراً بالضرّ وإن لم يذكر متعلّقه، فهو هنا الاتّصاف بالكفر لأنّ فيه إضاعة خير الإسلام، فهو كالضّلال عن المطلوب، وإن كان الضّالّ غير طالب للإسلام، لكنّه بحيث لو استقبَلَ من أمره ما استدبَر لطلبه.

والشّرْح حقيقته شقّ اللّحم، والشّريحة القطعة من اللّحم تشقّ حتّى ترقّق ليقع شَيُّها.

واستعمل الشّرح في كلامهم مجازاً في البيان والكشف، واستعمل أيضاً مجازاً في انجلاء الأمر، ويقين النّفس به، وسكون البال للأمر، بحيث لا يتردّد فيه ولا يغتمّ منه، وهو أظهر التّفسيرين في قوله تعالى: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ [الشرح: 1].

والصّدر مراد به الباطن، مجازاً في الفهم والعقل بعلاقة الحلول، فمعنى ﴿ يشرح صدره ﴾ يجعل لنفسه وعقله استعداداً وقبولاً لتحصيل الإسلام، ويُوطّنه لذلك حتّى يسكن إليه ويرضى به، فلذلك يشبَّه بالشّرح، والحاصل للنّفس يسمّى انشراحاً، يقال: لم تنشرح نفسي لكذا، وانشرحتْ لكذا.

وإذا حلّ نور التّوفيق في القلب كان القلب كالمتّسع، لأنّ الأنوار توسّع مناظر الأشياء.

روى الطّبري وغيره، عن ابن مسعود: «أنّ ناساً قالوا: يا رسول الله كيف يشرحُ الله صدره للإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل فيه النّور فينفسح قالوا وهل لذلك من علامة يعرف بها قال الإنابة إلى دار الخلود، والتنحّي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الفوت».

ومعنى: ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ من يُرد دوام ضَلاله بالكفر، أو من يُرد أن يضلّه عن الاهتداء إلى الإسلام، فالمراد ضلال مستقبل، إمَّا بمعنى دَوام الضلال الماضي، وإمَّا بمعنى ضلال عن قبول الإسلام، وليس المراد أن يضلّه بكفره القديم، لأنّ ذلك قد مضى وتقرّر.

والضيِّقُ بتشديد الياء بوزن فَيْعِل مبالغة في وصف الشّيء بالضيّق، يقال ضاق ضِيقاً بكسر الضاد وضَيقاً بفتحها والأشهر كسر الضاد في المصدر والأقيس الفتح؛ ويقال بتخفيف الياء بوزن فَعْل، وذلك مثل مَيِّت ومَيْت، وهما وإن اختلفت زنتهما، وكانت زنة فَيْعِل في الأصل تفيد من المبالغة في حصول الفعل ما لا تفيده زنة فَعْل، فإنّ الاستعمال سوّى بينهما على الأصحّ.

والأظهر أنّ أصل ضيِّق: بالتخفيف وصف بالمصدر، فلذلك استويا في إفادة المبالغة بالوصف.

وقرئ بهما في هذه الآية، فقرأها الجمهور: بتشديد الياء، وابن كثير: بتخفيفها.

وقد استعير الضيِّق لضدّ ما استعير له الشّرح فأريد به الّذي لا يستعدّ لقبول الإيمان ولا تسكن نفسه إليه، بحيث يكون مضطرب البال إذا عُرض عليه الإسلام، وهذا كقوله تعالى: ﴿ حصرت صدورهم ﴾ وتقدّم في سورة النّساء (90).

والحَرِج بكسر الراء صفة مشبّهة من قولهم: حَرِج الشّيء حرَجاً، من باب فرح، بمعنى ضاق ضيقاً شديداً، فهو كقولهم: دَنِف، وقَمِن، وفَرِق، وحَذِر، وكذلك قرأه نافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو جعفر، وأمّا الباقون فقرأوه بفتح الراء على صيغة المصدر، فهو من الوصف بالمصدر للمبالغة، فهو كقولهم: رجل دَنَف بفتح النّون وفَرَد بفتح الراء.

وإتْباع الضيِّق بالحرج: لتأكيد معنى الضيق، لأنّ في الحرج من معنى شدّة الضّيق ما ليس في ضيق.

والمعنى يجعل صدره غير متّسع لقبول الإسلام، بقرينة مقابلته بقوله: يشرح صدره للإسلام } .

وزاد حالة المضلَّل عن الإسلام تبيينا بالتّمثيل، فقال: ﴿ كأنما يصعد في السماء ﴾ .

قرأه الجمهور: ﴿ يصّعَّد ﴾ بتشديد الصاد وتشديد العين على أنَّه يَتفعَّل من الصعود، أي بتكلّف الصعود، فقلبت تاء التفعّل صاداً لأنّ التاء شبيهة بحروف الإطباق، فلذلك تقلب طاء بعد حروف الإطباق في الافتعال قلباً مطّرداً ثمّ تدغم تارة في مماثلها أو مقاربها، وقد تقلب فيما يشابه الافتعال إذا أريد التّخفيف بالإدغام، فتدغم في أحد أحرف الإطباق، كما هنا، فإنَّه أريد تخفيف أحد الحروف الثّلاثة المتحرّكة المتوالية من (يَتصعّد)، فسُكنت التاء ثمّ أدغمت في الصّاد إدغام المقارب للتخفيف.

وقرأه ابن كثير: ﴿ يَصْعَد ﴾ بسكون الصّاد وفتح العين، مخفّفاً.

وقرأه أبو بكر، عن عاصم: ﴿ يصّاعد ﴾ بتشديد الصّاد بعدها ألف وأصله يتصاعد.

وجملة ﴿ كأنما يصعد ﴾ في موضع الحال من ضمير: ﴿ صدْرَه ﴾ أو من صَدره، مُثِّل حال المشرك حين يدعى إلى الإسلام أو حين يخلو بنفسه، فيتأمل في دعوة الإسلام، بحال الصّاعد، فإنّ الصّاعد يضيق تنفّسه في الصّعود، وهذا تمثيل هيئة معقولة بهيئة متخيَّلة، لأنّ الصّعود في السّماء غير واقع.

والسّماء يجوز أن يكون بمعناه المتعارف، ويجوز أن يكون السّماء أطلق على الجوّ الّذي يعلو الأرض.

قال أبو عليّ الفارسي: «لا يكون السّماء المُظلةَ للأرض، ولكن كما قال سيبويه القيدود الطويل في غير سماء أي في غير ارتفاع صعداً» أراد أبو عليّ الاستظهار بكلام سيبويه على أنّ اسم السّماء يقال للفضاء الذّاهب في ارتفاع (وليست عبارة سيبويه تفسيراً للآية).

وحرف ﴿ في ﴾ يجوز أن يكون بمعنى (إلى)، ويجوز أن يكون بمعنى الظرفية: إمَّا بمعنى كأنّه بلغ السّماء وأخذ يصعد في منازلها، فتكون هيئة تخييلية، وإمّا على تأويل السّماء بمعنى الجوّ.

وجملة: ﴿ كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ﴾ تذييل للتي قبلها، فلذلك فصلت.

والرجس: الخبث والفساد، ويطلق على الخبث المعنوي والنّفسي.

والمراد هنا خبث النّفس وهو رجس الشّرك، كما قال تعالى: ﴿ وأمّا الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ [التوبة: 125] أي مرضاً في قلوبهم زائداً على مرض قلوبهم السّابق، أي أرسخت المرض في قلوبهم، وتقدّم في سورة المائدة (90) ﴿ إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشّيطان ﴾ فالرجس يعمّ سائر الخباثات النّفسيّة، الشّاملة لضيق الصّدر وحرجه، وبهذا العموم كان تذييلاً، فليس خاصّا بضيق الصدر حتّى يكون من وضع المظهر موضع المضمر.

وقوله: كذلك} نائب عن المفعول المطلق المراد به التّشبيه والمعنى: يجعل الله الرجس على الّذين لا يؤمنون جَعْلا كهذا الضيق والحرج الشّديد الّذي جعله في صدور الّذين لا يؤمنون.

و ﴿ على ﴾ في قوله: ﴿ على الذين لا يؤمنون ﴾ تفيد تمكّن الرجس من الكافرين، فالعُلاوة مجاز في التمكّن، مثل: ﴿ أولئك على هدى من ربّهم ﴾ [البقرة: 5] والمراد تمكّنه من قلوبهم وظهور آثاره عليهم.

وجيء بالمضارع في ﴿ يَجعل ﴾ لإفادة التّجدّد في المستقبل، أي هذه سنّة الله في كلّ من ينصرف عن الإيمان، ويُعرض عنه.

و ﴿ الّذين لا يؤمنون ﴾ مَوصول يومئ إلى علّة الخبر، أي يجعل الله الرجس متمكّناً منهم لأنَّهم يعرضون عن تلقّيه بإنصاف، فيجعل الله قلوبهم متزائدة بالقساوة.

والموصول يعمّ كلّ من يُعرض عن الإيمان، فيشمل المشركين المخبر عنهم، ويشمل غيرهم من كلّ من يُدعى إلى الإسلام فيُعرض عنه، مثل يهود المدينة والمنافقين وغيرهم.

وبهذا العموم صارت الجملة تذييلاً، وصار الإتيان بالموصول جارياً على مقتضى الظاهر، وليس هو من الإظهار في مقام الإضمار.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَهْدِيهِ إلى نَيْلِ الثَّوابِ واسْتِحْقاقِ الكَرامَةِ.

والثّانِي: يَهْدِيهِ إلى الدَّلائِلِ المُؤَدِّيَةِ إلى الحَقِّ.

﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ يَعْنِي بِشَرْحِ الصَّدْرِ سِعَتَهُ لِدُخُولِ الإسْلامِ إلَيْهِ وثُبُوتِهِ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ  ﴾ .

رَوى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  أيُّ المُؤْمِنِينَ أكْيَسُ؟

قالَ: (أكْثَرُهم ذِكْرًا لِلْمَوْتِ وأحْسَنُهم لِما بَعْدَهُ اسْتِعْدادًا» قالَ: «وَسُئِلَ النَّبِيُّ  عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: قالُوا: كَيْفَ يُشْرَحُ صَدْرُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

قالَ: (نُورٌ يُقْذَفُ فَيَنْشَرِحُ لَهُ ويَنْفَسِحُ) قالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ أمارَةٌ يُعْرَفُ بِها؟

قالَ: (الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقاءِ المَوْتِ» ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَ ذَلِكَ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَمَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُضِلُّهُ عَنِ الهِدايَةِ إلى الحَقِّ.

والثّانِي: عَنْ نَيْلِ الثَّوابِ واسْتِحْقاقِ الكَرامَةِ.

﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾ يَعْنِي ضَيِّقًا لا يَتَّسِعُ لِدُخُولِ الإسْلامِ.

﴿ حَرَجًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ شَدِيدَ الصَّلابَةِ حَتّى لا يَثْبُتَ فِيهِ شَيْءٌ.

والثّانِي: شَدِيدُ الضِّيقِ حَتّى لا يَدْخُلَهُ شَيْءٌ.

والثّالِثُ: أنَّ مَوْضِعَهُ مُبْيَضٌّ.

﴿ كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَأنَّهُ كُلِّفَ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ في امْتِناعِهِ عَلَيْهِ وبُعْدِهِ مِنهُ.

والثّانِي: كَأنَّهُ لا يَجِدُ مَسْلَكًا لِضِيقِ المَسالِكِ عَلَيْهِ إلّا صُعُودًا في السَّماءِ يَعْجِزُ عَنْهُ.

والثّالِثُ: كَأنَّهُ قَلَبَهُ بِالنَّبْوِ عَنْهُ والنُّفُورِ مِنهُ صاعِدًا إلى السَّماءِ.

والرّابِعُ: كَأنَّ قَلْبَهُ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ بِمَشَقَّتِهِ عَلَيْهِ وصُعُوبَتِهِ عِنْدَهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ في الرِّجْسِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ ما لا خَيْرَ فِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: السُّخْطُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّ الرِّجْسَ والنَّجَسَ واحِدٌ، وهو قَوْلُ بَعْضِ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ، وحَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَقَدْ رَوى قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّهُ كانَ إذا دَخَلَ الخَلاءَ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ والنَّجَسِ الهَبِيثِ الخَبِيثِ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي جعفر المدائني رجل من بني هاشم وليس هو محمد بن علي قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي المؤمنين أكيس؟

قال: «أكثرهم ذكراً للموت وأحسنهم لما بعده استعداداً.

قال: وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام ﴾ قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟

قال: نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح له.

قالوا فهل لذلك من إمارة يعرف بها؟

قال: الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت» .

وأخرج عبد بن حميد عن الفضيل «أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت قول الله: ﴿ من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام ﴾ فكيف الشرح؟

قال: إذا أراد الله بعبد خيراً قذف في قلبه النور فانفسح لذلك صدره، فقال: يا رسول الله هل لذلك من آية يعرف بها؟

قال: نعم.

قال: فما آية ذلك؟

قال: التجافي عن دار الغرور، والإِنابة إلى دار الخلود، وحسن الإِستعداد للموت قبل نزول الموت» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذكر الموت عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام ﴾ قام رجل إلى رسول الله صلى الله وسلم فقال: هل لهذه الآية علم تعرف به؟

قال «نعم، الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل أن ينزل» .

وأخرج ابن شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ﴾ قال: «إذا أدخل الله النورَ القلبَ انشرحَ وانفسحَ.

قالوا: فهل لذلك من آية يعرف بها؟

قال: الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والإِستعداد للموت قبل نزول الموت» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رجل: يا رسول الله أي المؤمنين أكيس؟

قال «أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم له استعداداً» .

ثم تلا رسول الله صلى الله وعليه وسلم ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام ﴾ قلت: وكيف يشرح صدره للإِسلام؟

قال: «هو نور يقذف فيه، إن النور إذا وقع في القلب انشرح له الصدر وانفسح» .

قالوا: يا رسول الله هل لذلك من علامة يعرف بها؟

قال: «نعم، الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والإِستعداد للموت قبل الموت» .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بئس القوم لا يقومون لله بالقسط، بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن المسور وكان من ولد جعفر بن أبي طالب قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام ﴾ قالوا: يا رسول الله ما هو هذا الشرح؟

قال: نور يقذف به في القلب ينفسح له القلب.

قالوا: فهل لذلك من إمارة يعرف بها؟

قال: نعم، الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور والإِستعداد للموت قبل الموت» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام ﴾ يقول يوسع قلبه للتوحيد والإِيمان به ﴿ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ يقول: شاكاً ﴿ كأنما يصّعَّد في السماء ﴾ يقول: كما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يقدر على أن يدخل التوحيد والإِيمان قلبه حتى يدخله الله في قلبه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي الصلت الثقفي.

أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية ﴿ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ بنصب الراء، وقرأها بعض من عنده من أصحاب رسول الله ﴿ حرجاً ﴾ بالخفض.

فقال عمر: أبغوني رجلاً من كنانة وأجعلوه راعياً، ولكن مدلجيا.

فأتوه به فقال له عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟

قال: الحرجة فينا: الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء.

فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم.

أنه قرأ ﴿ ضيقاً حرجاً ﴾ بكسر الراء.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ ضيقاً حرجاً ﴾ أي ملتبساً.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج ﴿ ضيقاً حرجاً ﴾ أي بلا إله إلا الله لا يستطيع أن يدخلها في صدره، لا يجد لها في صدره مساغاً.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد ﴿ كأنما يصعد في السماء ﴾ من شدة ذلك عليه.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ يقول: من أراد الله أن يضله يضيق عليه حتى يجعل الإِسلام عليه ضيقاً والإِسلام واسع، وذلك حين يقول: ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ [ الحج: 78] يقول: ما في الإِسلام من ضيق.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء الخرساني في قوله: ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ قال: ليس للخير فيه منفذ ﴿ كأنما يصعد في السماء ﴾ يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد في السماء.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ كذلك يجعل الله الرجس ﴾ قال: الرجس ما لا خير فيه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ الآية، قال الليث: (يقال: شرح الله صدره فانشرح، أي: وسع (١) (٢) وقال غيره: (شرح فلان أمره إذا أوضحه وأظهره، وشرح مسألةً إذا كانت مشكلةً فبيّنها) (٣) وقال أبو العباس عن ابن الأعرابي: (الشرح: الفتح، والشرح: البيان) (٤) (٥) ﴿ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ  ﴾ أي: فتحه ووسعه له، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)  ﴾ .

قال الكلبي: ( ﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ ﴾ قلبه ويلينه ليقبل الإسلام) (٦) والذي يدل على أن الشرح معناه: الفتح والتوسيع، وصف الكافر بضده من تضييق قلبه، وهو قوله تعالى: ﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا  ﴾ .

قال المفسرون: (ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله  فقيل له: كيف يشرح صدره؟

فقال: "بنور يقذف فيه حتى ينفسح وينشرح"، فقيل له: وهل لذلك من أمارة يعرف بها؟

فقال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت" (٧) روي (٨) (٩)  ) (١٠) ويروي أن ابن مسعود (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾ .

وقرأ ابن كثير (١٢) قال أبو علي: (والياء مثل الواو في الحذف، وإن لم تعتل بالقلب كما اعتلت الواو به اتبعت الياء الواو في هذا، كما اتبعت في قولهم: اتَّسَر من الميسر فجعلت بمنزلة اتَّعدَ) (١٣) وقال أبو بكر بن الأنباري: (الذي يثقل الياء يقول: وزنه من الفعل فَعِيل، والأصل فيه ضييق على مثال: كريم ونبيل، فجعلوا الياء الأولى ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها من حيث أعلوها في ضاق يضيق، ثم أسقطوا الألف لسكونها وسكون ياء فعيل، فأشفقوا من أن يلتبس فعيل بفعْل فزادوا ياء على الياء ليكمل بها بناء الحرف ويقع بها فرق ما بين فَعِيل وفَعْل، والذين خففوا الياء قالوا: قد وضح أصل الحرف وعرف التشديد فخفف عند الثقة بأنه لا يلتبس بغيره.

قال: وقال البصريون: وزنه من الفِعل فَيْعِل فأدغمت (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) لا حَرِجُ الصدرِ ولا عنيفُ (١٩) وقد حَرِج (٢٠) (٢١) (٢٢) قال الفراء: (وهو في كسره ونصبه بمنزلة الوَحَد والوَحِد والفرد والفَرِد والدَنَف (٢٣) (٢٤) وقال الزجاج: (الحرجُ في اللغة: أضيق الضيق، ومعناه: أنه ضيق جدًّا، فمن قال: رجل حَرَج الصدر، فمعناه: ذو حرج في صدره، ومش قال: حَرِج جعله فاعلاً، وكذلك رجل دنَف: ذو دَنَف، ودَنِفٌ نعت) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقال عبيد بن عمير (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) وقال علماء اللغة (٣٥) (٣٦) عَايَنَ حَيًّا كالحِرَاجِ نَعَمُهُ (٣٧) حكاه ابن الأنباري (٣٨) وقال أبو الهيثم: (الحِرَاجُ: غِياض من شجر السَّلَم ملتفة، واحدتها حَرَجَةٌ، والحَرَجَةُ من شدة التفافها لا يقدر أحد أن يدخل فيها أو ينفذ)، وأنشد بيت العجاج (٣٩) (٤٠) قال ابن عباس في رواية عطاء: ( ﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾ يريد: ضيقًا إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه ونفسه، وإذا ذكر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك) (٤١) وقال أهل المعاني: (8) (لما كان القلب محلًّا للعلوم والاعتقادات، ووصف (٤٢) ﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾ وهذا كما أن العرب إذا وصفت إنسانًا بالجبن قالت: لا قلب له، لما أريد به من المبالغة في وصفه بالجبن؛ لأن الشجاعة محلها القلب، فإذا لم يكن القلب الذي يكون محل الشجاعة لو كانت، فإن لا يكون الشجاعة أولى، وأنشد أبو زيد: لَقَدْ أَعْجَبْتُمُونِي مِنْ جُسُومِ ...

وَأَسْلَحَةٍ وَلَكِنْ لا فُؤَادَا (٤٣) وأنشد أيضاً: وَلاَ وَقَّافَة والخَيْلُ تَرْدِي ...

وَلَا خَال كَأنْبُوبِ اليَرَاعِ (٤٤) وقال حسان: أَلَا أَبْلِغ أَبَا سُفْيانَ عَنّي ...

فَأَنتَ مُجَوَّفٌ نَخِب هَوَاءٌ (٤٥) فلما وصف الجبان بأنه لا قلب له وأنه مجوف هواء؛ لأنه إذا كان كذلك بعد من الشجاعة لعدمه القلب، كذلك وصف الكافر بأنه ضيق صدره على معنى: أنه غير مشروح للإيمان) (٤٦) وقوله تعالى: ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾ أي: يتصعد (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) قال مجاهد (٥٤) ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾ من شدة ذلك عليه) (٥٥) (٥٦) (٥٧) وقال أبو بكر: (إذا كان ممن (٥٨) (٥٩) وقال أبو إسحاق: (كأنه قد كلف بأن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى الإِسلام من ضيق صدره عنه، قال: ويجوز أن يكون كأنَّ قلبه يصاعد في السماء نبوًا (٦٠) (٦١) وعلى هذا إنما شُبّه بالذي ﴿ يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾ لبعده عن الإسلام ونفور قلبه، كما جرت العادة أن يقال لمن تباعد عن أمر ولم يلن له: فلان يَنْزُو (٦٢) ﴿ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا  ﴾ ، ومن ذلك قول عمر  (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) فكأن معنى (يصعد): يتكلف مشقة في ارتقاء صُعُدًا ، ولا يكون السماء في هذا القول المظلة للأرض، ولكن المراد به الارتفاع والسمك، ويستعمل السماء في الارتفاع كما قال سيبويه: (القيدود: الطويل في غير سماء) (٦٧) (٦٨) (٦٩) وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ  ﴾ قال بعض أصحاب المعاني: (وجه التشبيه في ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أن جعله الرجس عليهم كجعله ضيق الصدر في قلوبهم) (٧٠) ﴿ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ ﴾ ) (٧١) قال ابن عباس: (هو الشيطان أي: نسلطه (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) قال أصحابنا: (انقطع كلام أهل القدر عند هذه الآية وخرست ألسنتهم، فإنها قد صرحت بتعلق إرادة الله تعالى بالأمرين جميعًا الهداية والإضلال وتهيئته أسبابهما) (٧٨) (١) في (ش): (أي: وسع الله).

(٢) "تهذيب اللغة" 2/ 1851.

(٣) هذا في "تهذيب اللغة" 2/ 1851، كأنه من قول الليث.

(٤) "تهذيب اللغة" 2/ 1851.

وفيه أيضًا: (الشرح الحفظ والفهم).

اهـ.

(٥) انظر: "العين" 3/ 93، و"الجمهرة" 1/ 513، و"الصحاح" 1/ 378، و"المجمل" 2/ 528، و"المفردات" ص 449، و"اللسان" 4/ 2228 (شرح).

(٦) "تنوير المقباس" 2/ 58.

(٧) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" ص 106، ووكيع 1/ 238، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 217، وابن أبي شيبة في "المصنف" 7/ 98 (34303)، وابن قتيبة في "عيون الأخبار" 2/ 328، والطبري 8/ 26، وابن أبي حاتم 4/ 1384 وأبو الشيخ في "طبقات أصبهان" 1/ 452، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 512، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 1/ 398، من طرق معلولة بالإرسال أو الضعف، وأصله مرسل يروى عن عبد الله بن المسور الهاشمي المدائني ضعيف متهم بالوضع.

انظر: "العلل المتناهية" لابن الجوزي 2/ 318، و"شرح علل الترمذي" لابن رجب 2/ 772، و"لسان الميزان" 3/ 360.

وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 83، وزاد نسبته إلى (سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن المسور).

وذكر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 195، عدة طرق للحديث ثم قال: (هذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضاً، والله أعلم).

اهـ.

(٨) لفظ: (روى) ساقط من (ش).

(٩) أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1384 بسند ضعيف.

(١٠) هذه الزيادة لم أقف عليها.

(١١) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 7/ 98 (34303)، والطبري 8/ 26، والحاكم 4/ 311، وسكت عنه، وقال الذهبي في "التلخيص": (فيه عدي بن الفضل ساقط)، وقال ابن كثير 2/ 195: (أخرجه ابن أبي حاتم)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 83، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في "الشعب" من طرق عن ابن مسعود.

(١٢) قرأ ابن كثير (ضيقا) بسكون الياء المخففة، وقرأ الباقون بكسر الياء المشددة.

انظر: "السبعة" ص 268، و"المبسوط" ص 174، و"التذكرة" 2/ 410، و"التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 262.

(١٣) "الحجة" لأبي علي 3/ 400، وزاد: (الضَّيْق والضَّيِّق مثل المَيْت والمَيِّت في أن المحذوف مثل المُتمِّ في المعنى) اهـ وانظر: "معاني القراءات" 1/ 384، و"الحجة" لابن خالويه ص 149، ولابن زنجله ص 271، و"الكشف" 1/ 450.

(١٤) جاء في الأصول: (فاندغمت)، وهو تحريف.

(١٥) أي: بفتح العين.

والتي قبلها بكسرها.

انظر: "الدر المصون" 5/ 142.

(١٦) "الدر المصون" 5/ 141 - 142.

وانظر: "الإنصاف" 2/ 795.

وقال السمين: (وزن ضيِّق فَيْعِل كميت وسيد عند جمهور النحويين، ثم أدغم ويجوز تخفيفه) اهـ.

وانظر: "معجم مفردات الإبدال والإعلال" للخراط ص 169.

(١٧) انظر: "الجمهرة" 1/ 436، و"الصحاح" 1/ 305، و"المجمل" 1/ 230، و"مقاييس اللغة" 2/ 50، و"المفردات" ص 226 (حرج).

(١٨) (حرج) بفتح الحاء والراء، وكسر الراء.

(١٩) هذا رجز لم أهتد إلى تمامه وقائله.

وهو في "العين" 3/ 76، و"تهذيب اللغة" 1/ 775، و"اللسان" 2/ 821 (حرج)، و"الدر المصون" 5/ 142.

(٢٠) جاء في (أ): (وقد أحرج صدره)، ولعله تحريف، وأصل العبارة من "تهذيب اللغة" 1/ 775 (حرج).

(٢١) قرأ نافع، وعاصم في رواية: (حرجًا) بكسر الراء، وقرأ الباقون بفتحها.

انظر: "السبعة" ص 268، و"المبسوط" ص 175، و"الغاية" ص 249، و"التذكرة" 2/ 410، و "التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 262.

(٢٢) في (أ): (وفتحه).

(٢٣) الدنف: بتشديد الدال المفتوحة، وفتح النون وكسرها، المرض.

انظر: "اللسان" 3/ 1432 (دنف).

(٢٤) "معاني الفراء" 1/ 353 - 354، ومثله ذكر الطبري في "تفسيره" 8/ 29، وانظر: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 580، و"الزاهر" ص 236.

(٢٥) "تهذيب اللغة" 2/ 1234، وفي "معاني الزجاج" 2/ 290، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 579، نحوه، وقال السمين في "الدر" 5/ 142: (فرق الزجاج والفارسي بينهما فقالا: المفتوح مصدر، والمكسور اسم فاعل) اهـ.

(٢٦) قَمِنٌ بمعنى: حَرِيّ، يقال: هو قمن أن يفعل ذلك بفتح الميم أي: حَرِيٌّ وجدير، فمن قال بالفتح أراد المصدر، ومن قال بالكسر أراد النعت.

انظر.

"اللسان" 6/ 3745 (قمن).

(٢٧) في (أ): (توصف).

(٢٨) "الحجة" لأبي علي 3/ 401، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 384، و"إعراب القراءات" 1/ 169، و"الحجة" لابن خالويه ص 149، ولابن زنجلة ص 271، و"الكشف" 1/ 450، والفرق، بالتحريك: الخوف، ورجل فرق، أي: فزع شديد الفَرَق.

انظر: "اللسان" 6/ 3401 (فرق) (٢٩) عبيد بن عمير: مبهم، ولعله: عبيد بن عمير بن قتادة الليثي أبو عاصم المكي إمام واعظ مفسر مجمع على ثقته ولد في حياة النبي  وروى عن أبيه وعمر وعلي وعائشة وغيرهم  م، توفي سنة 74 هـ، أو قبلها.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 156، و"غاية النهاية" 1/ 496، و"تهذيب التهذيب" 3/ 38، و"تقريب التهذيب" (4385).

(٣٠) أخرج أبو عبيد في كتاب "اللغات" ص 98، وابن حسنون ص 24، والوزان 3/ ب بسند جيد عنه في الآية قال: (يعني: شاكًّا بلغة قريش).

(٣١) ذكره الثعلبي في "الكشف" 183/ ب، والسمين في "الدر" 5/ 143، وذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 179 عن الواحدي.

(٣٢) لفظ: (الواو) ساقط من (ش).

(٣٣) أبو الصلت الثقفي: تابعي مقبول، روى عن عمر بن الخطاب  ، وروى عنه عبد الله بن عامر اليمامي.

انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري، و"الكنى" 9/ 44، و"الجرح والتعديل" 9/ 394، و"تهذيب التهذيب" 4/ 540.

(٣٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 28، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 486، ومكي في "الكشف" 1/ 450، والثعلبي في "الكشف" 183/ ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 186، وذكره الرازي 13/ 183 عن الواحدي، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 84، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ).

(٣٥) انظر: "الاشتقاق" ص 419، و"الدر المصون" 5/ 143، ومراجع اللغة السابقة في معنى حرج.

(٣٦) قال السمين في "الدر" 5/ 143، (الحِراج: بكسر الحاء، جمع حِرْج: بكسر الحاء، وحرج: جمع حَرَجَة، بالفتح) اهـ.

(٣٧) الشاهد للعجاج في "ديوانه" 2/ 142، و"أمالي القالي" 1/ 66، و "تهذيب اللغة" 1/ 775، و"المجمل" 1/ 230، و"اللسان" 2/ 822 (حرج)، و"الدر المصون" 5/ 143، وصدره: حَتَّى إذا اللَّيْلُ تَجلَّتْ ظُلَمُة وهو لرؤبة في "ديوانه" ص 186، و"الصحاح" 1/ 306، وأوله: (فَصارَ إِذْ لَمْ يَبْقَ إلاَّ شِرْذِمُهْ).

قال القالي في "شرحه": (يقول عايَنَ هذا الجيشُ الذي أتانا حَيًّا، ويعني بالحيِّ: قومه بني سَعْد، والنَّعَمُ: الإبل) اهـ.

"شرح ديوان أبي تمام" للخطيب التبريزي 2/ 95، و"الخزانة" 7/ 250.

(٣٨) انظر: "المذكر المؤنث" لابن الأنباري 1/ 258 - 261.

(٣٩) "تهذيب اللغة" 1/ 775.

(٤٠) "تهذيب اللغة" 1/ 775.

(٤١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 116، والبغوي في "تفسيره" 3/ 186، والخازن 2/ 181.

(٤٢) في (ش): (وصف).

(٤٣) "الشاهد" لبرج بن مسهر الطائي كما في "النوادر" لأبي زيد ص 78، ولعامر بن جوين الطائي في "الوحشيات"، و"الحماسة الصغرى" لأبي تمام ص 233.

(٤٤) الشاهد لمرداس بن حصين الكلابي، شاعر جاهلي في "النوادر" لأبي زيد ص 5 - 6، وللطفيل بن عوف الغنوي، شاعر جاهلي في "الحماسة الصغرى"، و"الوحشيات" لأبي تمام ص 125.

== واليَراع: القصب، ثم سمي به الجبان والضعيف.

واليراع: أولاد بقر الوحش.

والنعامة، وطائر صغير، ويقال لمزمار الراعي: يَراعة.

انظر: "اللسان" 8/ 4955 (يرع).

(٤٥) "ديوانه" ص 20.

والمجوف والنخب والهواء: الجبان لا قلب له.

(٤٦) لم أقف على من ذكر هذا فيما لدي من مراجع.

وانظر: "الحجة" لأبي علي 3/ 403.

(٤٧) لفظ: (أي: يتصعد) ساقط من (أ).

(٤٨) قرأ عاصم في رواية: (يَصَّاعَد) بتشديد الصاد وألف بعدها وتخفيف العين.

وقرأ ابن كثير: (يصعد) بإسكان الصاد، وتخفيف العين من غير ألف.

وقرأ الباقون بتشديد الصاد والعين من غير ألف.

انظر: "السبعة" ص 268، و"المبسوط" ص 175، و"الغاية" ص 249، و"التذكرة" 2/ 410، و"التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 262.

(٤٩) أبو بكر بن عياش أحد الرواة عن عاصم، تقدمت ترجمته.

(٥٠) انظر: "إعراب القراءات" 1/ 169، و"الحجة" لابن خالويه ص 149، ولابن زنجلة ص 271.

(٥١) في (أ): (يكلف) بالياء، وأصل النص من "الحجة" لأبي علي 3/ 402 (٥٢) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 30، والسمرقندي 1/ 512، و"الكشف" لمكي 1/ 451.

(٥٣) انظر: "معاني الفراء" 1/ 354، و"معاني النحاس" 2/ 487، و"معاني القراءات" 1/ 385.

(٥٤) في (أ): (قال المجاهد)، وهو تحريف.

(٥٥) ذكره السيوطي في "الدر" 3/ 84، وقال: (أخرجه أبو الشيخ عن مجاهد).

اهـ.

(٥٦) عطاء هو: عطاء بن أبي مسلم الخراساني أبو عثمان، واسم أبيه ميسرة، إمام محدث مفسر واعظ عابد مجاهد، صدوق، يهم ويدلس.

توفي سنة 135 هـ، وقد أفاد الحافظ في مقدمة "فتح الباري" ص 375 - 376، إن الرواية إذا جاءت عن ابن جريج، عن عطاء في سورة البقرة وآل عمران، فالمراد به عطاء بن أبي رباح، وإذا جاء في غير ذلك فالمراد عطاء الخراساني.

وابن جريج لم يسمع من عطاء الخراساني وإنما أخذ التفسير من ابنه عثمان بن عطاء.

وانظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 379، و"الجرح والتعديل" 6/ 334، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 140، و"تهذيب التهذيب" 3/ 108، و"تقريب التقريب" ص 392 (4600).

(٥٧) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 218، الطبري 8/ 30، وابن أبي حاتم 4/ 1386 بسند جيد.

وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 84.

(٥٨) لفظ: (ممن) كذا جاء، ولعل الصواب: (من).

(٥٩) لم أقف عليه.

(٦٠) في (ش): (تبرأ).

(٦١) "معاني الزجاج" 2/ 290.

(٦٢) ينزو: أي ينزع.

وأصل النَزْو: الوثب.

انظر: "اللسان" 7/ 4402 (نزا).

(٦٣) في (أ): (رحمه الله).

(٦٤) ذكره أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 103، والطبري في "تفسيره" 8/ 31، والنحاس في "معانيه" 2/ 487، والأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 2014، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 345، وابن الجوزي 3/ 121، وابن الأثير في "النهاية" 3/ 30.

(٦٥) الشاهد للأعلم الهذلي حبيب بن عبد الله الهذلي.

في "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 323، و"تهذيب اللغة" 2/ 2015، وبدون نسبة في "عيون الأخبار" 1/ 226، و"جمهرة اللغة" 2/ 654، و"اللسان" 4/ 2446 (صعد).

(٦٦) جاء في المراجع السابقة: لَهَا صُعَداءُ مَطْلعُهَا طَوِيلُ وفي بعضها: (وإن سياسة) بدل: (وإن سيادة).

(٦٧) "الكتاب" 4/ 365.

والقيدود: بفتح القاف وسكون الياء وضم الدال: الناقة الطويلة الظهر، وأصله من قاد يَقُود.

انظر: "اللسان" 6/ 3544 (قدد).

(٦٨) لفظ: (به) ساقط من (ش).

(٦٩) "الحجة" لأبي علي 3/ 403 - 405، ولقد أثبت العلم الحديث أن الصاعد يضيق تنفسه في الصعود كلما ارتفع لنقص الأوكسجين، وهذا هو الوصف الدقيق لمعنى الآية الكريمة، فإن قلب الكافر والمنافق يضيق وينفر حين يدعى إلى الإِسلام، أو يتأمل فيه كما يضيق صدر من يصعد نحو السماء.

وانظر: "تفسير ابن عاشور" 8/ 60، وكلام الصابوني في "حاشية معاني النحاس" 2/ 487.

(٧٠) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 31، والسمرقندي 1/ 512، والرازي 13/ 184.

(٧١) "معاني الزجاج" 2/ 290، وذكر قول الزجاج السمين في "الدر" 5/ 146، وقال: (أي: فيكون مبتدأ أو خبرًا أو نعت مصدر محذوف، ذلك أن ترفع مثل وأن تنصبها بالاعتبارين عنده، والأحسن أن يقدر لها مصدر مناسب، كما قدره الناس وهو == مثل ذلك الجعل، أي: جعل الصدر ضيقًا حرجًا يجعل الله الرجس ..) اهـ.

وانظر: "المشكل" 1/ 269.

(٧٢) في (ش): (هو الشيطان يسلطه عليهم).

(٧٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 31 بسند جيد، وذكره الثعلبي في "الكشف" 184 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 117، وهذا القول هو اختيار الطبري.

(٧٤) "تفسير مجاهد" 1/ 223.

وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 31، وابن أبي حاتم 4/ 1386 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 84.

(٧٥) ذكره الخازن في "تفسيره" 2/ 182 عن ابن عباس، وذكره الواحدي في الوسيط 1/ 117، والبغوي في "تفسيره" 3/ 187، وابن الجوزي 3/ 121، والرازي 13/ 184 من قول عطاء.

(٧٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 31 بسند جيد، وهذا قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 206.

(٧٧) "معاني الزجاج" 2/ 290، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 488: (الرِّجْس عند أهل اللغة هو النَّتْن، فمعنى الآية -والله أعلم-: ويجعل اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة على الذين لا يؤمنون).

اهـ.

(٧٨) ذكر نحو هذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 121، والرازي في "تفسيره" 13/ 185.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام ﴾ شرح الصدر وضيقه وحرجه: ألفاظ مستعارة ومن قرأ حَرَجاً بفتح الراء فهو مصدر وصف به ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء ﴾ أي كأنما يحاول الصعود إلى السماء، وذلك غير ممكن، فكذلك يصعب عليه الإيمان وأصل يصعد المشدد يتصعد، قرئ بالتخفيف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ رسالته ﴾ بالنصب والتوحيد: ابن كثير وحفص والمفضل.

الباقون: ﴿ رسالاته ﴾ على الجمع وبالكسر في موضع النصب ﴿ ضيقا ﴾ وبابه بالتخفيف: ابن كثير ﴿ حرجاً ﴾ بكسر الراء: أبو جعفر ونافع وسهل وأبو بكر وحماد.

الباقون: بالفتح ﴿ يصعد ﴾ من الصعود: ابن كثير ﴿ يصاعد ﴾ من التصاعد بإدغام التاء في الصاد: أبو بكر وحماد.

الباقون: ﴿ يصعد ﴾ بالإدغام من التصعيد.

﴿ يحشرهم ﴾ بياء الغيبة: حفص.

الآخرون بالنون.

الوقوف: ﴿ بخارج منها ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ رسل الله ﴾ ط ﴿ رسالاته ﴾ ط ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ للإسلام ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف.

﴿ في السماء ﴾ ج ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مستقيماً ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ج للحذف أي يحشرهم ويقول لهم مع اتحاد المقصود ﴿ من الإنس ﴾ الأول ج لتبدل القائل مع اتفاق الجملتين ﴿ أجلت لنا ﴾ ط قال النار يغلظ الصوت على النار إشارة إلى أن النار مبتدأ بعد القول وليست فاعله ﴿ يشاء الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يومكم هذا ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد أن ذكر أن المشركين يجادلون المؤمنين ضرب مثلاً للفريقين فبيّن أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتاً فجعله الله حياً وأعطاه نوراً يهتدي به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في الظلمات منغمس فيها لا خلاص له منها فيكون متحيراً على الدوام، وهل هما خاصان أو عامان فيه قولان: الأول قال ابن عباس: يريد حمزة بن عبد المطلب وأبا جهل؛ وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وآله بفرث وحمزة ولم يؤمن بعد، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه ويقول: يا أبا يعلي أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا؟

فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله فنزلت الآية.

وعن مقاتل: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وأبي جهل؛ وذلك أنه قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه.

والله لا نؤمن به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت، وعن عكرمة أنها في عمار بن ياسر وأبي جهل، وعن الضحاك هي في عمر بن الخطاب وأبي جهل.

والقول الثاني أنها عامة في كل مؤمن وكافر لحصول المعنى في الكل.

وإنما جعل الكفر موتاً لأنه جهل والجهل يوجب الحيرة والوقفة فهو كالموت الذي يوجب السكون.

وأيضاً الميت لا يهتدي إلى شيء وكذلك الجاهل، والهدى علم وبصيرة وهما يوجبان الفوز بالمطالب كالحياة والنور، قال بعض العلماء: قوله: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ إشارة إلى أول مراتب النفس الإنسانية وهي الاستعداد المحض المسماة بالعقل الهيولاني عند الحكيم.

وقوله: ﴿ فأحييناه ﴾ إشارة إلى ثانية مراتبها المسماة بالعقل بالملكة وهي أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية.

وقوله ﴿ وجعلنا له نوراً ﴾ إشارة إلى ثالثة المراتب وهي التي قد حصلت لها المعقولات المكتسبة ولكنها لا تكون حاضرة بالفعل بل تكون بحيث متى شاء صاحبها استرجاعها واستحضارها قدر عليه ولهذا يسمى عقلاً بالفعل أي الفعل القريب، وقوله: ﴿ يمشي به في الناس ﴾ إشارة إلى رابعة المراتب وهي النهاية المسماة بالعقل المستفاد، وقد حصلت المعارف القدسية والجلايا الروحانية للنفس حاضرة بالفعل وصار جوهر الروح مشرقاً بتلك المعارف مستضيئاً بها.ويمكن أن يقال: الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح، والنور عبارة عن اتصال نور الوحي والتنزيل فإنه لا بد في الإبصار من أمرين: سلامة الحاسة والنور الخارجي من الشمس والسراج، فكذلك البصيرة لا بد لها في الإدراك من سلامة حاسة العقل ومن طلوع نور الوحي فلهذا قال جمع من المفسرين: المراد بهذا النور القرآن، ومنهم من قال: نور الدين أو نور الحكمة.

والأقوال متقاربة، وأما مثل الكافر فهو ﴿ كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ﴾ وفيه أن ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت كالصفة اللازمة له لا تكاد تزول عنه فيبقى متحيراً خائفاً فزعاً نعوذ بالله من هذه الحالة.

ومعنى المثل ههنا الصفة الغريبة أي كمن صفته هذه والمراد كمن هو في الظلمات.

ثم قال: ﴿ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ﴾ والمزين هو الله بالتحقيق عند الأشاعرة.

والشيطان بالحقيقة أو الله مجازاً عند المعتزلة، والإضافة إلى الله بالحقيقة أو المجاز أولى بدليل قوله: ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها كذلك جعلنا، أو وكما زينا للكافرين أعمالهم كذلك جعلنا ﴿ في كل قرية أكابر ﴾ وهي جمع الأكبر و ﴿ مجرميها ﴾ مضاف إليه والظرف مفعول ثانٍ قدم ليعود الضمير إلى القرية.

وقيل: التقدير جعلنا مجرميها أكابر.

قال الزجاج: إنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم، ولأن كثرة المال وقوّة الجاه تحمل الناس على المبالغة في حفظهما وذلك لا يتم إلا باستعمال بعض الأخلاق الذميمة من المكر والغدر والكذب والغيبة والنميمة والشح والأيمان الكاذبة وكفى بهذه الأمور دليلاً على خساسة المال والجاه.

واللام في ﴿ ليمكروا ﴾ على أصله عند الأشاعرة، واستدلوا به على أن الشر بإرادة الله  .

وحمله المعتزلة على لام العاقبة مجازاً حملوا الجعل في قوله: ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ على التخلية والخذلان.

ثم قال في معرض التهديد ﴿ وما يمكرون إلا بأنفسهم ﴾ لأن وباله يعود عليهم ﴿ وما يشعرون ﴾ وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتقديم موعد بالنصرة، ثم إنه  حكى قول أبي جهل وأضرابه "زاحمنا بني عبد مناف في الشرف إلى آخره" وقول الوليد بن المغيرة "لو كانت النبوّة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً" فقال: ﴿ وإذا جاءتهم آية ﴾ أي معجزة قاهرة أو وحي.

﴿ قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ﴾ قال الضحاك: أراد كل واحد منهم ذلك كما في الآية الأخرى.

﴿ بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة  ﴾ ويشبه أن يكون هذا الكلام الخبيث هو المراد بالمكر المذكور في الآية المتقدمة، وللمفسرين في مقترحهم قولان: أحدهما - وهو الأشهر - أنهم أرادوا أن تحصل لهم النبوُّة والرسالة كما حصلت للنبي  وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ومخدومين لا خادمين.

وثانيهما عن ابن عباس والحسن أن المعنى وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وآله ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ إلى قوله: ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه  ﴾ من الله  إلى أبي جهل وفلان وفلان فالقوم ما طلبوا النبوّة وإنما طلبوا آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين تدل على صحة نبوّة محمد  .

فقوله  في جوابهم على سبيل الاستئناف ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ على القول الأول ظاهر، وأما على القول الثاني فوجهه أن القوم إذا اقترحوا تلك الآيات فلو أظهر الله  تلك المعجزات على وفق التماسهم لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة.

قال بعض العقلاء: الأرواح متساوية في تمام الماهية فحصول النبوّة والرسالة لبعضها دون بعض تشريف من الله  وإحسان وتفضل.

وقال آخرون: بل النفوس مختلفة بجواهرها وماهياتها فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة، وبعضها خبيثة كدرة محبة للجسمانيات، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول لم تصلح لقبول الوحي والرسالة.

ومراتب الرسل مختلفة فمنهم ذو معجزة واحدة وذو معجزتين أو أكثر، ومنهم من له تبع قليل ومنهم من آمن به جم غفير، ومنهم من كان الرفق غالباً عليه ومنهم من كان مدار أمره على التغليظ والتشديد.

وفي الآية تعريض بأن حصول النبوّة والرسالة لا بد فيه من قلب سليم، والمقترحون فيهم من المكر والحسد ما فيهم فكيف يعقل حصول الرسالة لهم وإنما يحصل لهم ما يناسب أخلاقهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى: ﴿ سيصيب الذين أجرموا صغار ﴾ ذل وهوان ﴿ عند الله ﴾ أي في الآخرة أو في الدنيا بحكم الله وإيجابه من الأسر والقتل.

أو المراد من عند الله فحذف "من".

أو قوله: ﴿ عند الله ﴾ مستأنف أي معدّ لهم ذلك، واعلم أن كمال العقاب لا بد فيه من أمرين: الضرر، والإهانة.

ثم إن القوم لما تردوا عن طاعة محمد صلى الله عليه وآله طلباً للعز والكرامة فالله  بيّن أنه يقابلهم بضد مقصودهم، فأول ما يوصل إليهم الذل والهوان وبعده عذاب شديد جميع ذلك بسبب مكرهم ونكرهم ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ﴾ يقال: شرح فلان أمره، إذا أظهره وأوضحه ومنه شرح المسأله إذا بينها.

وقال الليث: شرح الله صدره فانشرح أي وسعه لقبول ذلك الأثر.

ولا شك أن توسيع الصدر غير ممكن على سبيل الحقيقة ولكن ههنا معنى وهو أنه إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح مال طبعه إلي وقوي طلبه ورغبته في حصوله وظهر في القلب استعداد شديد لتحصيله فسميت هذه الحالة سعة الصدر، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن يكون ذلك العمل مشتملاً على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى تركه وحصل في النفس نبوّة عن قبوله فيقال لهذه الحال ضيق الصدر، لأن المكان إذا كان ضيقاً لم يتمكن الداخل من الدخول فيه، وإذا كان واسعاً قدر على الدخول فيه.

وأكثر استعمال شرح الصدر في جانب الحق والإسلام وقد ورد في الكفر أيضاً قال  : ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً  ﴾ قال المفسرون: "لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله  فقيل له: كيف يشرح الله صدره؟

فقال صلى الله عليه وآله: يقذف الله  فيه نوراً حتى ينفسخ وينشرح، فقيل له: وهل لذلك من أمارة يعرف بها؟

فقال  : الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله " وهذا البيان مناسب لما ذكرنا فإن الإنابة إلى دار الخلود لا بد أن تترتب على اعتقاد أن عمل الآخرة زائد النفع والخير، والتجافي عن دار الغرور إنما ينبعث عن اعتقاد كون عمل الدنيا زائد الضر والضير، والاستعداد للموت قبل نزوله نتيجة مجموع الأمرين الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة.

أما قوله: ﴿ حرجاً ﴾ فمن قرأ بكسر الراء فعلى النعت، ومن قرأ بالفتح فعلى الوصف بالمصدر للمبالغة.

قال الزجاج: الحرج في اللغة أضيق الضيق.

وقيل: الحرج بالفتح جمع حرجة وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية.

حكى الواحدي بإسناده عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وقال: هل ههنا أحد من بني بكر؟

قال رجل: نعم.

قال: ما الحرجة فيكم؟

قال: الوادي الكثير الأشجار المشتبك الذي لا طريق فيه.

فقال: كذلك قلب الكافر.

ومعنى: ﴿ يصعد في السماء ﴾ كأنما يزاول أمراً غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد عن الاستطاعة فكأن الكافر في نفوره من الإسلام وثقله عليه بمنزلة من يتكلف الصعود إلى السماء.

وقيل: المراد أن قلبه يتباعد عن الإسلام وقبوله تباعد ما بين الأرض والسماء.

﴿ كذلك يجعل ﴾ أي كما جعل ضيق الصدر في قلوبهم كذلك يجعل الرجس عليهم.

وقال الزجاج: أي مثل ما قصصنا عليك يجعل الله الرجس.

عن ابن عباس هو الشيطان يسلطه الله عليهم.

وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه.

وعن عطاء: الرجس هو العذاب.

وقال الزجاج: هو اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الهداية والضلال من الله  ؛ بيانه أن العبد قادرعلى الإيمان وعلى الكفر وقدرته بالنسبة إلى الأمرين سواء ولا يترجح إلا لداعية، ولا معنى للداعية إلى علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملاً على مصلحة زائدة، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل، ولا بد أن تنتهي تلك الداعية إلى تخليق الله وتكوينه دفعاً للتسلسل فإذا خلق الله  في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة - وهو المراد بشرح الصدر - مال القلب إليه، وإذا خلق في قلبه اعتقاد أن الإيمان بمحمد سبب للمفسدة الدينية والدنيوية نبا طبعه عنه وبقي على الكفر.

فحاصل الآية أن من أراد الله منه الإيمان قوى دواعيه إليه، ومن أراد منه الكفر قوى صوارفه عن الإيمان.

وقالت المعتزلة: إنه لا دلالة في الآية على قولكم لأنه ليس فيها أكثر من أنه إذا أراد أن يهدي إنساناً أو يضله فعل به كيت وكيت، وليس فيها أنه أراد ذلك أو لم يرده نظيره قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا  ﴾ فبيّن أنه كيف يفعل اللهو لو أراده، ثمّ إنه لم يرد ذلك بالاتفاق وأيضاً لم قلتم إنه أراد ومن يرد أن يضله عن الإيمان بل المراد من يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة يشرح صدره للإسلام حتى يثبت عليه، وتفسير الشرح هو أنه يفعل به ألطافاً تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه.

ومن يرد أن يضله عن طريق الجنة فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج لا في كل الأوقات بل في بعضها كيلا يمكن دفعه وخصوصاً عند ظهور نصرة المؤمنين وبدوّ الذل والصغار في الكافرين.

وأيضاً لم لا يجوز أن يقال: المعنى فمن يرد الله أن يهديه إلى الجنة يشرح صدره للإسلام في ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة لما رأى من فوائد الإيمان ونتائجه من الدرجات العالية والمراتب الشريفة فتزداد رغبته فيه، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق الجنة ففي ذلك الوقت يضيق صدره للحزن الشديد الذي ناله عند الحرمان من الجنّة والدخول في النار؟

وقال في الكشاف: ﴿ فمن يرد الله أن يهديه ﴾ أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف ﴿ يشرح صدره ﴾ للإسلام يلطف به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ أي يخذله ويخليه وشأنه وهو الذي لا لطف له ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ يمنعه ألطافه حتى يقسو قلبه وينبو عن قبول الحق وينسد فلا يدخله الإيمان.

وأجيب عن قولهم "ليس في الآية أنه أراد ذلك أو لم يرده" بأن قوله في آخر الآية: ﴿ كذلك يجعل الله الرجس ﴾ تصريح بأنه فعل به ذلك الإضلال لأن الكاف للتشبيه والتقدير: كما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره كذلك يجعل.

وفيه أيضاً دلالة على أن المراد من قوله: ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ هو أنه يضله عن الدين، وتفسير الضيق والحرج باستيلاء الغم والحزن على قلب الكافر بعيد لأن أكثر من يعتريه الحزن في الدنيا هو المؤمن ولهذا قال صلى الله عليه وعلى آله: "خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل" ولو خص ذلك بالآخرة كان من إيضاح الواضحات.

فمن المعلوم لكل أحد أن من يضله الله عن طريق الجنة فإنه يضيق قلبه في ذلك الوقت.

والجواب على قول صاحب الكشاف مما مر من أن فعل الإيمان يتوقف على أن تحصل في القلب داعية جازمة إلى الإيمان، وفاعل تلك الداعية هو الله  وكذا القول في جانب الكفر، فإن سمى الداعيتين أحد باللطف والخذلان فلا مشاحة في الأسامي.

قال القاضي في تفسيره: روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: تذاكرنا أمر القدرية عند ابن عمر فقال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ وقد جمع الناس بحيث يسمع الكل أين خصماء الله؟

فتقوم القدرية.

قال: ولا يخفى أنهم الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله قضاءً وقدراً وخلقاً لأنهم يقولون الذنب لله فأي ذنب لنا حتى تعاقبنا أنت الذي خلقته فينا وأردته منا وقضيته علينا ولم تخلقنا إلا له ولا يسرت لنا غيره، فهؤلاء لا بد أن يكونوا خصماء الله.

أما الذين قالوا إن الله  مكن وأزاح العلة وإنما أتى العبد من قبل نفسه فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة، فهؤلاء منقادون لله  لا خصماؤه.

هذا كلام القاضي وتعجب منه الأشاعرة فقالوا: كيف يكون خصم الله من يقول ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه وإن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب وليس للعبد على ربه اعتراض ولا مناظرة وكل ما يصل منه إلى عباده حتى الملائكة والأنبياء فهو تفضل منه وإحسان، لكن الخصم من يدعي عليه وجوب الثواب والعوض ويقول لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولاً عن الربوبية وكنت من السفهاء وأن من واظب على الكفر سبعين سنة ثم إنه في آخر زمن حياته قال لا إله إلا الله محمد رسول الله عن القلب ثم مات، فإن رب العالمين أعطاه النعم الفائقة سنين غير محصورة، ثم إنه لو ترك لحظة واحدة قال العبد له إنك معزول عن الإلهية، يحكى أن الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله، عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن أبا علي عقد مجلس التذكير وحضر عنده جم غفير، فذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس مختفياً عن الجبائي وقال لبعض من حضر هناك من العجائز: إني أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ.

قولي له كان لي ثلاثة من البنين واحد في غاية الزهد، وآخر في غاية الفسق، الثالث كان صبياً لم يبلغ فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم.

فقال الجبائي: أما الزاهد ففي درجات الجنة، وأما الكافر ففي دركات النار، وأما الصبي فمن أهل السلامة.

فقال: قولي له إن الصبي لوأراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه الزاهد فهل يمكن منه؟

قال الجبائي: لا لأن الله  يقول له إنما أخوك وصل إلى تلك الدرجات لأنه أتعب نفسه في العلم والعمل وأنت فليس معك ذلك.

فقال أبو الحسن: قولي له لو أن الصبي يقول: يا رب العالمين ليس الذنب لي لأنك أمتني قبل بلوغي، ولو أبلغتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد، فقال الجبائي: يقول الله  له علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوجب النار فراعيت مصلحتك.

فقال لها أبو الحسن.

قولي له لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار وقال: يا رب العالمين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم الراحمين، لم راعيت حال الأخ الصغير وما راعيت حالي ومصلحتي؟

قال الراوي: فانقطع الجبائي فنظر فرأى أبا الحسن فعلم أن المسألة منه لا من العجوز.

ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار وأكثر مجيباً عن الجبائي قائلاً: نحن لا نرضى بهذا الجواب وإنما نقول: الجواب مبني على مسألة اختلف شيوخنا فيها، وهي أنه هل يجب على الله  أن يكلف العبد أم لا؟

فقال البصريون: إنه غير واجب ولكنه تفضل وإحسان.

وقال البغداديون: إنه واجب وعلى الأول لله  أن يقول لذلك الصبي إني طولت عمر الأخ الزاهد وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلاً على أحد بشيء أن أتفضل على غيره بمثله، وعلى قول البغداديين فله أن يقول: إن إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف في حقه لم يستلزم مفسدة الغير فلا جرم فعلته، أما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك فكان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك فلهذا ما فعلته وظهر الفرق.

وأورد على القسم الأول أنه  لما أوصل التفضل إلى أحدهما فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح منه عقلاً لأنه ليس فعلاً شاقاً عليه ولا ينقص بذلك شيء من ملكه، والصبي محتاج إلى الإحسان إليه ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد كمن منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجواد لعامة الناس.

فإن كان حكم العقل في التحسين والتقبيح مقبولاً فليكن ههنا أيضاً مقبولاً وإلا فلا يقبل في شيء من الصور وتبطل كلية مذهبكم.

وأورد على الشق الثاني أن قولنا: "تكليفه يتضمن مفسدة" ليس معناه أن ذات التكليف تتضمن المفسدة وإلا لم ينفك تكليف عن المفسدة وأنه باطل بالاتفاق، فمعناه إذاً أنه  علم أنه إذا كلف هذا الشخص فإن إنساناً آخر يختار من قبل نفسه فعلاً قبيحاً، فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله  تكليفه وجب أن يقبح تكليف كل من علم الله من حاله أنه يكفر وإلا لزم محض التحكم.

هذا تمام مناظرة الفريقين، ولعلك قد عرفت التحقيق هنا فيما سلف فتذكر.

ثم قال: ﴿ وهذا صراط ربك ﴾ في المشار إليه وجوه منها: أنه المذكور في الآية المتقدمة.

أما على مذهب الأشاعرة وهو أن الفعل يتوقف على الداعي وحصول تلك الداعية من الله  فيكون الفعل من الله، ويلزم استناد الكل إلى قضائه وقدره.

وأما على مذهب المعتزلة فالمراد هذا الذي قررنا طريقته التي اقتضتها الحكمة وعادته الجارية في عباده من التوفيق والخذلان.

ومعنى ﴿ مستقيماً ﴾ عادلاً مطرداً.

وانتصابه على الحال المؤكدة والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل.

أو هو محذوف أي أحقه.

وعن ابن عباس: يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك.

وقال ابن مسعود: يعني القرآن: ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ ذكرناها فصلاً فصلاً بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر.

قال في التفسير الكبير: قد بيّن الله تعالى صحة القول بالقضاء والقدر في آيات من هذه السورة متوالية متعاقبة بطرق كثيرة ووجوه مختلفة.

وختم الآية بقوله: ﴿ لقوم يذكرون ﴾ لأنه تقرر في عقل كل واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجح عن الآخر إلا لمرجح فكأنه يقول للمعتزلي: تذكر ما تقرر في عقلك أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا لمرجح حتى تزول الشبهة عن قلبك فإن حصول الفعل عن القادر لو لم يتوقف على الداعي مع تساوي طرفيه وجب أن يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات والمحدثات وحينئذٍ يلزم نفس الصانع وإبطال القول والفعل والفاعل والتأثير والمؤثر.

ثم لما بيّن عظمة نعمته في الصراط المستقيم بيّن ما أعد وهيىء للمتذكرين فقال: ﴿ لهم دار السلام ﴾ أي دار الله يعني الجنة، والإضافة للتشريف والتعظيم كما قيل: الكعبة بيت الله: أو دار السلامة من كل آفة وكرب والسلام والسلامة مثل: الضلال والضلالة والرضاع والرضاعة كلاهما مصدر.

وقيل: السلام جمع السلامة لأن أنواع السلامة حاصلة في الجنة.

ومعنى ﴿ عند ربهم ﴾ أنها معدة عنده وفي ضمانه كما يقال لفلان عندي حق لا ينسى وذلك نهاية في بيان وصولهم إليها وكونهم على ثقة من حصولها ﴿ وهو وليهم ﴾ أي قريب منهم بالرحمة والرضوان أو مواليهم ومحبهم أو ناصرهم على أعدائهم، وذلك أن القوم قد عرفوا أن المدبر والمقدر ليس إلا هو  ، وأن النافع والضار ليس إلا هو  ، فانقطعوا عن كل ما سواه فما كان رجوعهم إلا إليه، وما كان توكلهم إلا عليه، ولم يكن أنسهم إلا به، فلما صاروا بالكلية له لا جرم قال  : ﴿ وهو وليهم ﴾ على أنه متكفل لجميع مصالحهم ديناً ودنيا.

ثم قال: ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ أي بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون لئلا يقطعوا العمل ولا يتكلوا، وذلك أن بين النفس والبدن تعلقاً شديداً وكما أن الهيآت النفسانية قد تؤثر في البدن كحمرة الخجل وصفرة الوجل فالهيآت البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس، فإذا واظب الإنسان على أعمال الخير ظهرت الآثار المناسبة لها في جوهر النفس فلا بد للسالك من العمل بعد كمال العلم والمعرفة.

ثم لما بين حال من تمسك بالصراط المستقيم أردفها بذكر من تعلق بضده فقال: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ والمراد واذكر يوم كذا، أو يوم نحشرهم قلنا، أو متعلقة محذوف والتقدير: ويوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن كان ما لا يوصف لفظاعته، والضمير إما أن يعود إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله: ﴿ شياطين الإنس والجن ﴾ أو يعود إلى جميع المكلفين الذين علموا أن الله  يبعثهم من الثقلين وغيرهم، ويكون القائل على تقدير حذف القول هو الله  كما أنه الحاشر لجميعهم.

وهذا القول منه  بعد الحشر لا يكون إلا للتبكيت وإنهم وإن تمردوا في الدنيا انتهى حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد والاعتراف.

وقال الزجاج: التقدير فيقال لهم: ﴿ يا معشر الجن ﴾ لأنه يبعد أن يتكلم الله  بنفسه مع الكفار لقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله  ﴾ ﴿ قد استكثرتم من الإنس ﴾ لا بد فيه من إضمار لأن الجن أي الشياطين لا يقدرون على الاستكثار من نفس الإنس، فالمراد قد استكثرتم من إضلال الإنس واستتباعهم فحشر معكم منهم الجم الغفير كما يقال: استكثر الأمير من الجنود.

أما قوله: ﴿ وقال أولياؤهم من الإنس ﴾ فالأقرب عند بعضهم أن فيه حذفاً فكما قال للجن تبكيتاً ناسب أن يقول للإنس أيضاً مثل ذلك توبيخاً لأنه حصل من الجن الدعاء ومن الإنس القبول.

ولما بكت الله كلا الفريقين حكى جواب الإنس وهو قوله: ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن وعلى هذا ففي الاستمتاع وجهان: أحدهما أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض منفرداً وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.

فيبيت آمناً في نفسه.

فهذا استمتاع الإنس بالجن، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني كان ذلك تعظيماً منهم للجن؛ وذلك الجني يقول: قد سدت الجن والإنس لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه.

وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج ويعضده قوله  : ﴿ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن  ﴾ وثاني الوجهين أن الإنس كانوا ينقادون للجن ويطيعون حكمهم فصار الجن كالرؤساء والإنس كالأتباع فانتفعوا بالإنس انتفاع الرئيس بالخادم، وأما انتفاع الإنس بالجن فهو أن دلوهم على الشهوات واللذات إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي أيقنوا أنه يسوء عاقبتهم وهذا اختيار الزجاج.

والقول الثاني أن البعضين كليهما من الإنس لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر ﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ أي ذلك الاستمتاع كان حاصلاً إلى وقت محدود ثم جاءت الحسرة والندامة من حيث لا ينفع.

وما ذلك الإجل؟

قيل: هو وقت الموت وعلى هذا فكل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله لأنهم أقروا بأنهم بلغوا أجلهم وفيهم المقتول وغير المقتول.

وقيل: هو وقت التخلية والتمكين وقيل: وقت المحاسبة في القيامة ﴿ قال ﴾ الله  في جوابهم ﴿ النار مثواكم ﴾ مقامكم ومقرّكم من ثوى بالمكان يثوي ثوياً إذا أقام به.

قال أبو علي الفارسي: المثوى اسم للمصدر دون المكان لأن قوله  : ﴿ خالدين فيها ﴾ حال واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل فالمعنى النار أهل أن يقيموا فيها خالدين.

﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قيل: المراد منه أوقات المحاسبة ووقت كونهم في المحشر كأنه قيل: خالدين فيها منذ يبعثون إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم.

وقال ابن عباس: استثنى الله قوماً سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وآله.

وعلى هذا يلزم أن يكون "ما" بمعنى "من" وفيه خلل آخر وهو أن الاستثناء إنما هو من يوم القيامة الذي يحشرون فيه، وقيل: المراد الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير.

روي أنهم يدخلون وادياً فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد الشديد إلى حر الجحيم.

وقال في الكشاف: أو يكون هذا من قول الموتور الذي ظفر بواتره ولم يزل يحرق عليه أنيابه وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه أهلكني الله، إن نفست عنك إلا إذا شئت، فيكون قوله: "إلا إذا شئت" من أشد الوعيد مع تهكم لأن إطماع محض ويأس كلي.

وقال أبو مسلم: هذا الاستثناء غير راجع إلى الخلود وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم كأنهم قالوا: وبلغنا أجلنا الذي سميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى يعني الآجال الاخترامية ﴿ إن ربك حكيم ﴾ فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة.

﴿ عليم ﴾ بما يستأهله كل طائفة فكأنه  يقول: إنما حكمت لهؤلاء بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون ذلك.

ثم لما حكى عن الجن أن بعضهم يتولى بعضاً بين أن ذلك إنما حصل بتقديره وقضائه فقال: ﴿ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً ﴾ وذلك أن القدرة صالحة للعداوة والصداقة فترجيح أحد الجانبين لا يكون إلا بداعية خلقها الله قطعاً للتسلسل، وأيضاً لما بين أنه  ولي أهل الجنة بقوله: ﴿ هو وليهم ﴾ ذكر أن أولياء أهل النار من يشبههم في الظلم والخزي والنكال وأشار إليه بقوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ أي بسبب كون ذلك البعض مكتسباً للظلم وهذه في مناسبة في غاية اللطف لأن الجنسية علة الضم فالطيبات للطيبين والخبيثات للخبيثين.

وفي الآية دلالة على أن الرعية متى كانوا ظلمة فإن الله  يسلط عليهم ظالماً مثلهم، فإن أرادوا الخلاص منه فليتركوا الظلم وعن مالك بن دينار قال: جاء في بعض الكتب السموية "أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليهم رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليهم نقمة، لا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك لكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم".

ثم بيّن أن كفار الثقلين لا يكون لهم إلى الجحود يوم القيامة سبيل وأنهم لا يعذبون إلا بالحجة فقال: ﴿ يا معشر الجن والإنس ﴾ قال أهل اللغة: المعشر كل جماعة مختلطة يجمعهم أمير واحد ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ استفهام على سبيل التقدير فلا جرم استدل الضحاك بالآية ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير  ﴾ على أن من الجن رسلاً كالإنس، ولأن استئناس الجنس بالجنس أكمل ولهذا قال  : ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً  ﴾ والأكثرون على أنه ما كان من الجن رسول ألبتة إنما كانت الرسل من بني آدم وزعموا أن ذلك مجمع عليه.

ورد بأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف؟

واستدل بعضهم على المطلوب بقوله  : ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين  ﴾ والمراد بالاصطفاء ههنا النبوّة بالإجماع.

وأجيب عن قول الضحاك بأن الآية تقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضاً من أبعاض هذا المجموع فكان هذا القدر كافياً في حمل اللفظ على ظاهره فلا يلزم إثبات رسول من الجن.

وأيضاً لا يبعد أن يقال: إن الرسل كانوا من الإنس، ثم كان من الجن نفر يستمعون من رسول الإنس وينذرون قومهم بذلك قال: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن  ﴾ الآية.

وقد يسمى رسول الرسول رسولاً كما أنه  سمى رسل عيسى رسل نفسه فقال: ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين  ﴾ ثم إنه  يكون قد بكت كفار الثقلين بهذه الآية لأنه أزال العذر وأزاح العلة بسبب أنه أرسل الرسل إليهم فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق فقد حصل المقصود.

وقال الواحدي: أراد رسل من أحدكم وهو الإنس كقوله: ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ  ﴾ أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب.

وعن الكلبي كانت الرسل قبل أن يبعث محمد يبعثون إلى الإنس ورسول الله صلى الله عليه وآله بعث إلى الجن والإنس.

أما قوله: ﴿ يقصون عليكم آياتي ﴾ فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتأويل وبالتلاوة ﴿ وينذرونكم لقاء يومكم هذا ﴾ يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا بداً من الاعتراف فلذلك ﴿ قالوا شهدنا على أنفسنا ﴾ والسبب في أنهم أقروا في هذه الآية وجحدوا في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ هو أنهم مختلفو الأحوال في يوم القيامة مضطربون؛ فتارة يقرّون وأخرى يجحدون.

ومنهم من حمل هذه الشهادة على شهادة الجوارح عليهم.

ثم أخبر الله  عن حالهم في الدنيا بقوله: ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ وعن حالهم في الآخرة بقوله: ﴿ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ﴾ والمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجر أمثالهم في الدنيا عن الكفر والمعصية.

وقد يستدل بالآية على أن لا وجوب قبل ورود الشرع وإلا لم يكن لهذا التوبيخ والتبكيت فائدة.

التأويل: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ في حالة العدم ﴿ فأحييناه ﴾ بالحياة الحقيقية أي بالحي الذي لا يموت ﴿ وجعلنا له ﴾ نور الوجود الحقيقي الذي ﴿ يمشي به في الناس ﴾ وبه يسمع وبه يبصر ﴿ كمن هو ﴾ محبوس ﴿ في ظلمات ﴾ الطبيعة ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية ﴾ أي كل قالب ﴿ أكابر مجرميها ﴾ من النفس والهوى والشيطان ﴿ ليمكروا فيها ﴾ بمخالفات الشرع وموافقات الطبع.

﴿ ما أوتي رسل الله ﴾ من القلب والسر والروح.

﴿ يشرح صدره ﴾ أي ينظر إلى قلبه بنظر العناية فينوّره بنور جماله وهو نور الإيمان، فيشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام.

وهذا النور يقبل الزيادة والاشتداد إلى أن يصير الإيمان إيقاناً والإيقان عياناً والعيان عيناً.

﴿ ضيقاً ﴾ لتزاحم ظلمات صفات البشرية ﴿ حرجاً ﴾ لتعلقاته بالدنيا وشهواتها ﴿ كأنما يصعد في السماء ﴾ لأنه سفلي بالطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر.

﴿ وهذا ﴾ الذي بينا من الهداية والضلالة ﴿ صراط ربك ﴾ باللطف والقهر فبجذبات اللطف يهدي السعيد وبسطوات القهر يضل الشقي.

﴿ لهم دار السلام ﴾ أي السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج عن ظلمات الاثنينية.

﴿ ويوم يحشرهم ﴾ في موقف القالب البشري بالحكمة البالغة والقدرة الكاملة ﴿ يا معشر الجن ﴾ أي الصفات الشيطانية ﴿ قد استكثرتم من الإنس ﴾ أي غلبتم على الصفات الإنسانية ﴿ وقال أولياؤهم من الإنس ﴾ يعني النفس الأمارة ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ واستمتاع النفس الأمارة بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره على تحصيل شهواتها ولذاتها العاجلة وحظوظها، واستمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائها كما استعان بحواء على إغواء آدم.

﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ يعني أن مدة الاستمتاع وما جرى بيننا إنما كان بمقتضى قضائك وقدرك فأجابهم بأن الثوى في النار أيضاً بقضاء الله ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فيتوب عليهم ﴿ إن ربك حكيم ﴾ في تقدير الاستمتاع ﴿ عليم ﴾ بأهل الجنة وبأهل النار، ﴿ وكذلك ﴾ أي كما جعلنا مردة الجن والإنس بعضهم أولياء بعض فكذلك نجعل بعض الظالمين أولياء بعض بما كانوا يكسبون من إفساد الاستعداد الفطري ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ يعني الإلهامات الربانية.

وشهدوا على أنفسهم أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا صدأ مرآة قلوبهم ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى  ﴾ وما التوفيق إلا منه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ﴾ .

يشبه [أن يكون المثل الذي ضرب الله للمؤمن والكافر في الآية أن من كان في ظلمات البطن لا يبصر ولا يسمع ولا يعقل شيئاً]، ثم أخرج من ذلك؛ فأبصر وسمع وعقل كمن ترك في تلك الظلمات ولم يخرج منها لا يبصر، ولا [يسمع] ولا يعقل، يقول - والله أعلم -: لا يستوي من أخرج من ظلمات البطن بعد ما كان لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل، ولا يفهم، ثم أبصر وسمع وعقل - والذي ترك في تلك الظلمات على الحال التي كان كما هو: لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل؛ فعلى ذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق ويسمع ويعقل كل خير ويعلمه، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس [بنوره] وله أصحاب يدعون الناس إلى الهدى والخير - والكافر: الذي لا يبصر الخير ولا يسمع ولا يعقل، وليس له أصحاب يدعونه إلى الهدى والخيرات، أي: ليس هذا الذي يبصر ويسمع ويعقل كالذي لا يبصر ولا يسمع ولا يعقل.

وجائز أن يكون المثل الذي ضرب [الله]: أن يكون المؤمن والكافر جميعاً حيين في الجوهر، لكن المؤمن اكتسب ما به يحيا أبداً من العلم، والقرآن، والإيمان.

والكافر لم يكتسب من ذلك شيئاً؛ فهو كالميت الذي لا يبصر ولا يسمع الحق ولا يعقل.

ويحتمل هذا المثل وجهاً آخر، وهو أن المؤمن يكتسب في الدنيا الخيرات، والأعمال الصالحة، ويكون له نور في الآخرة بالأعمال التي اكتسب في الدنيا، ويمشي بنور ذلك فيما بين الناس في الآخرة، وأما الكافر فإنه لم يكتسب من ذلك شيئاً؛ فيبقى في الظلمات، كقوله: ﴿ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ ﴾ : والمعتزلة يقولون: [هم] جعلوا لأنفسهم نوراً يمشون [به] في الناس، وقد أخبر أنه هو الذي يجعل لهم ذلك النور؛ فذلك تحريف منهم ظاهر للقرآن.

وكذلك قوله: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ : وهم يقولون: هو قدير على بعض الأشياء.

وقال: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ : وهم يقولون: [هو] خالق بعض الأشياء.

وقال: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ  ﴾ وهم يقولون: يشاء ألا يفعلوا ما فعلوا، ولكن فعلوا غير ما شاء الله.

وكذلك [قوله]: ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً  ﴾ : وهم يقولون: لم يجعل لكل نبي عدوّا وهم جعلوا أنفسهم لهم أعداء.

وكذلك قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ : وهم يقولون: جعل الأكابر فيها؛ لئلا يمكروا فيها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

اختلف [فيه]: قال بعضهم: كما زينا للمؤمنين عبادة الله كذلك زينا للكافرين عبادة الله، لكنهم عاندوا وصرفوا العبادة إلى غير الله، وهو تأويل المعتزلة.

وقال قائلون: زين لهم أعمالهم التي يعملونها.

ثم اختلف في الذي زينها: قال الحسن: زين الشيطان أعمالهم [لهم].

وقال غيره: زينها الأكابر على الأصاغر.

وقال قائلون: زينها الله، ولكن ما أضيف إلى الشيطان من التزيين والإضلال إنما يضاف إلى ما يدعوهم ويحثهم على ذلك ويوحي إليهم، وما يضاف إلى الأكابر: القول والدعاء إلى ذلك، وما يضاف إلى الله من: التزيين، والإضلال، والإزاغة، وغير ذلك يضاف للخلق، أي: خلق منهم: فعل الضلال، وفعل التزيين، وفعل الزيغ، يضاف إلى الله خلقاً، وإلى الشيطان والأكابر: دعاء ووحياً وإلقاء، على هذا يخرج جميع الإضافات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا ﴾ .

أي: جعل في كل قرية من أهل الكفر أكابر مجرميها، وعظماءها، كما جعل في قريتك أكابر مجرميها؛ يصبر رسوله  على ذلك ليعلم أنه ليس بمخصوص هو بهذا دون غيره من الأنبياء.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا ﴾ ، وقد ذكرنا أقاويلهم في قوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً  ﴾ ، ثم قوله: ﴿ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ .

قالت المعتزلة: لم يجعل الأكابر فيها ليمكروا فيها؛ ولكن لما وسع الدنيا وبسطها عليهم مكروا فيها، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ  ﴾ : لا يجوز أن يخلقهم [لجهنم]؛ [ولكن لما عملوا أعمال الكفر والضلال صاروا لجهنم].

وقالوا: هو على الإضمار؛ كأنه قال: كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها لئلا يمكروا [فيها]، لكنهم مكروا فيها لما ذكرنا.

لكن قوله: ﴿ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ ليكون أدعى وأظهر للحجج؛ لأنه لو كان بعث الرسل أكابر لكان الناس يتبعون الأكابر وإن لم يأتوا بالحجج وغيرهم لا يتبعون إلا بالحجج والآيات.

ومنهم من يقطع قوله: ﴿ لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ عن قوله: ﴿ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ ﴾ ، يقول: معناه: وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، ثم قال: ﴿ لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ ، أي: ما جعل ذلك لهم ليمكروا.

ومنهم من يقول: هو إخبار [عمَّا] إليه صار أمرهم؛ كقوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ : وهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزناً؛ إنما التقطوه ليكون لهم وليّاً، لكنه لما صار في العاقبة عدوا لهم أخبر عما آل إليه أمره؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ : أخبر عما إليه صاروا في المكر.

وعندنا: لا يخلو هذا إما أن يقال: إنه يخلقهم لغير المكر والضلال، وهو يعلم [أنهم] لا يكونون لما يخلقهم؛ فذلك ليس فعل حكيم: أن يعمل عملا يعلم أنه لا يكون، نحو: من يبني بناء يعلم أنه لا يسكن، أو يقصد قصد موضع يعلم أنه لا يصل إليه؛ فهو بالقصد عابث ليس بحكيم؛ فعلى ذلك الله -  - لا يجوز أن يخلقهم للهدى والعبادة له مع علمه أنهم لا يكونون لما يخلقهم، أو أن يخلقهم لذلك وهو لا يعلم أنهم يكونون كذلك؛ فهو جهل بالعواقب؛ فالله يتعالى عن ذلك؛ فدل أنه خلقهم ليكونوا على ما علم أنهم يكونون ويختارون ذلك.

وقوله: ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ : كان عند الله أنهم يلتقطونه ليكون لهم عدوّاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .

أي: ما يشعرون أن عاقبة مكرهم ترجع إليهم أو واقع فيهم.

وأصله أن الله -  - جعلهم وخلقهم على ما علم منهم أنهم يختارون ويكون منهم ذلك.

وقوله: ﴿ وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ ﴾ .

يخبر - عز وجل - عن غاية سفههم وتعنتهم وأنهم على علم يعاندون ويتكبرون على رسول الله [لأنهم علموا أن ما نزل على رسول الله آية، وأنه رسول حيث قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله وعلموا أن الرسالة لا تجعل إلا في المعظم عند الله والمفضل لديه حيث تمنوا أنهم لا يؤمنون حتى يؤتوا من الآيات مثل ما أوتي رسل الله] ولو لم يكن كذلك لم يكونوا يتمنون إيتاء ما أوتي الرسل، وعلموا أن هذا القرآن الذي أنزل على محمد  آية وحجة، وأنه من عند الله نزل؛ حيث قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ، وعلموا - أيضاً - أن الرسالة لا تجعل إلا في عظماء من البشر وكبرائهم؛ حيث قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ لكنهم ظنوا أنها إنما تجعل في العظماء الذين هم عند الخلق عظماء؛ فقال الله -  -: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ فتناقضت أقاويلهم وحجاجهم بما ذكرنا من إقرارهم بالرسل والآيات، وتفضيلهم على غيرهم من البشر ثم قال: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ .

جملة جواب ما قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ على أن يقال: إنكم عرفتم أن الله عالم قادر؛ فهو أعلم حيث يجعل رسالته.

ثم اختلف في قوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ : قال بعضهم: جعل الرسالة في أوساط الناس أظهر للحجج وأبين من جعلها في أكابر الناس وعظمائهم في الدنياوية؛ لأن الناس مجبولون على اتباع الأكابر والأعاظم؛ فلو جعلت الرسالة فيهم لكانت الحجج لا تظهر؛ لأنهم جبلوا على اتباعهم، وأما أوساط الناس في الدنياوية: إذا جعلت فيهم الرسالة لظهرت الحجج والبراهين؛ لأنهم لم يجبلوا على اتباع الأوساط من الناس؛ فكان اتباعهم للحجج والبراهين.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ \[أي لا تجعل الرسالة فيمن يضيِّع وليس هو بأهل لها ولا موضعها؛ لأنه لو جعل لكان في ذلك تضييع الرسالة\].

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

أخبر أن من تكبر على رسول الله وعانده لم يكن له عند الله: صغار، ومذلة، وعذاب شديد؛ بصنيعهم الذي صنعوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ ﴾ .

قيل: "سئل رسول الله  عن هذه الآية؛ فقال: نورٌ يُقذف فيه؛ فقالوا: وهل لذلك [من] علامة قال: نعم، إذا دخل النورُ في القلب انشرحَ وانفسح؛ قالوا يا رسول الله، وهل لذلك [من] علامة يعرف بها؟

قال: نعم، الإنابةٌ إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعدادُ للموت قبل نزول الموت" ؛ فلو ثبت هذا عن رسول الله  وكان هذا انشراح الصدر للإسلام فقليلا ما يوجد على هذا الوصف، إلا أن يريد به: الاعتقاد واليقين بما ذكر.

ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: الإرادة صفة [فعل] كل فاعل يفعل على الاختيار؛ كأنه قال: فمن يهد الله يشرح صدره للإسلام، ومن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجا.

وقال فريق من المعتزلة من نحو جعفر بن حرب والكعبي وهؤلاء: تأويله: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ ﴾ ، أي: من قَبِلَ هداية الله في الابتداء شرح الله صدره بعد ذلك بخيرات؛ ثواباً لما قبل من الهداية، ومن ترك قبول هداية الله في الابتداء عاقبه الله بضيق صدره؛ عقوبة له في ترك قبول الهداية؛ إذ لله أن يهدي الخلق كلهم وأن يشرح صدرهم للإسلام، لكنهم لم يهتدوا.

وقال فريق منهم: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ ﴾ طريق الجنة في الآخرة شرح صدره في الدنيا للإسلام، ومن يرد الله أن يضله طريق الجنة في الآخرة جعل صدره في الدنيا ضيقاً حرجاً؛ فيقال لهم: كذلك هو - كما يقولون - قد قلتم: إنه أراد أن يضلهم، ثم يقال لهم: تقولون إنه أراد أن يهدي الخلق كلهم ويشرح صدرهم للإسلام، ثم تقولون: إنه يضل طريق الجنة في الآخرة؛ فهذا على زعمكم جور؛ لأنه أراد في الدنيا أن يهديهم ويريد في الآخرة - أيضاً - لهم أن يضلهم عن طريق الجنة لأولئك بعينهم فذا جور على قولكم.

وظاهر الآية يرد قولهم وينقض مذهبهم؛ لأنه قال: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ...

﴾ جعلهم على صنفين: صنف أراد منهم أن يهديهم، وصنف أراد أن يضلهم: من علم منه أنه يختار الهدى ويقبله أراد أن يهديه ويشرح صدره للإسلام، ومن علم منه أنه يختار الضلال أراد أن يضله ويجعل صدره ضيقاً حرجاً، ولا يجوز أن يريد هو ممن يعلم منه أنه يختار الضلال وعداوته الولاية منه؛ لأن ذلك من الضعف: من أراد عداوته وهو يريد ولايته، أو يريد منه غير الذي علم كونه منه واختاره.

والمعتزلة يقولون: قد أراد أن يهدي الكل لكنهم أرادوا ألا يهتدوا فلم يهتدوا، غلبت إرادتهم إرادة الله -  - فذلك وحش من القول سمج؛ فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الحق، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ضَيِّقاً حَرَجاً ﴾ .

قيل: الحرج ضيق الضيق، وهو شدة الضيق: وصف قلب المؤمن بالسعة والفسح، ووصف [قلب] الكافر بالضيق والحرج، وليس قلب هذا في رأي العين أوسع من قلب الآخر، لكنه - والله أعلم - وصف قلب المؤمن بالسعة؛ لما انتفع بقلبه في الدنيا والآخرة، والكافر لم ينتفع بقلبه؛ فوصفه بالضيق والحرج، وهو كما وصف الكافر بالصمم والبكم والخرس؛ لما لم ينتفع بهذه الحواس، وكذلك سماه ميتاً؛ لما لم ينتفع بحياته، وسمى المؤمن حيّاً؛ لما انتفع بحياته؛ فعلى ذلك هذا: وصف الكافر بضيق الصدر؛ لما لم ينتفع به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قيل: كالمتكلف للصعود إلى السماء لا يقدر عليه.

وقيل: ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ : كأنما يشق عليه الصعود.

وروي عن عمر -  - أنه قال: ما تصعد في شيء ما تصعده في الخطبة، أي ما يشق عليَّ شيء ما شق عليَّ الخطبة.

وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

اختلف في الرجس قيل: الرجس: الإثم، أي: كما جعل قلوبهم ضيقة حرجة بكفرهم كذلك يجعل في قلوبهم الإثم.

وقيل: الرجس: اللعن والغضب، أي: جعل في قلوبهم اللعن والغضب؛ دليله قوله: ﴿ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فمن يرد الله أن يوفقه إلى طريق الهداية يفسح صدره ويهيئه لقبول الإسلام، ومن يرد أن يخذله ولا يوفِّقه للهداية يجعل صدره شديد الضيق عن قبول الحق، بحيث يمتنع دخول الحق إلى قلبه كامتناع ارتقائه إلى السماء وعجزه عن ذلك بذاته، وكما جعل الله حال الضال بهذه الحال من الضيق الشديد يجعل العذاب على الذين لا يؤمنون به.

<div class="verse-tafsir" id="91.VwDZX"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله