الآية ١٢٦ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٢٦ من سورة الأنعام

وَهَـٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًۭا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٦ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٦ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى طريقة الضالين عن سبيله ، الصادين عنها ، نبه على أشرف ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق فقال : ( وهذا صراط ربك مستقيما ) منصوب على الحال ، أي : هذا الدين الذي شرعناه لك يا محمد بما أوحينا إليك هذا القرآن ، وهو صراط الله المستقيم ، كما تقدم في حديث الحارث ، عن علي رضي الله عنه في نعت القرآن : " هو صراط الله المستقيم ، وحبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم " رواه أحمد والترمذي بطوله .

( قد فصلنا الآيات ) أي : قد وضحناها وبيناها وفسرناها ، ( لقوم يذكرون ) أي : لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهذا الذي بيّنا لك، يا محمد، في هذه السورة وغيرها من سور القرآن= هو صراطُ ربك, يقول: طريق ربّك، ودينه الذي ارتضاه لنفسه دينًا، وجعله مستقيمًا لا اعوجاج فيه.

(24) فاثبُتْ عليه، وحرِّم ما حرمته عليك، وأحلل ما أحللته لك, فقد بيّنا الآيات والحجج على حقيقة ذلك وصحته (25) =" لقوم يذكرون ", يقول: لمن يتذكر ما احتجَّ الله به عليه من الآيات والعبر فيعتبر بها .

(26) وخص بها " الذين يتذكرون ", لأنهم هم أهل التمييز والفهم، وأولو الحجى والفضل= وقيل: " يذَّكرون " ......................

(27) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13883- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وهذا صراط ربك مستقيمًا)، يعني به الإسلام .

------------------------ الهوامش : (24) انظر تفسير : (( الصراط المستقيم )) فيما سلف 10 : 146 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(25) انظر تفسير (( فصل )) فيما سلف ص : 69 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

= وتفسير (( آية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) .

(26) انظر تفسير (( التذكر )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ذكر .

(27) في المطبوعة (( فقيل يذكرون )) ، وفي المخطوطة : (( وقيل يذكرون )) كأنه أراد أن يكتب شيئًا ، ثم قطعه .

ولعله أراد أن يبين إدغام التاء في الذال من (( يتذكرون )) ، ثم سقط منه أو من الناسخ ، فوضعت نقطًا لذلك ، وإن كان إسقاطها لا يضر شيئًا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون[ ص: 76 ] قوله تعالى وهذا صراط ربك مستقيما أي هذا الذي أنت عليه يا محمد والمؤمنون دين ربك لا اعوجاج فيه .قد فصلنا الآيات أي بيناهالقوم يذكرون أي للمتذكرين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: معتدلا، موصلا إلى الله، وإلى دار كرامته، قد بينت أحكامه، وفصلت شرائعه، وميز الخير من الشر.

ولكن هذا التفصيل والبيان، ليس لكل أحد، إنما هو { لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } فإنهم الذين علموا، فانتفعوا بعلمهم، وأعد الله لهم الجزاء الجزيل، والأجر الجميل

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وهذا صراط ربك مستقيما ) [ أي : هذا الذي بينا ، وقيل هذا الذي أنت عليه يا محمد طريق ربك ودينه الذي ارتضاه لنفسه مستقيما ] لا عوج فيه وهو الإسلام .

( قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وهذا» الذي أنت عليه يا محمد «صراطُ» طريق «ربِّك مستقيما» لا عوج فيه ونصبه على الحال المؤكد للجملة والعامل فيها معنى الإشارة «قد فصّلنا» بينا «الآيات لقوم يذكَّرون» فيه إدغام التاء في الأصل في الذال أي يتعظون وخُصوا بالذكر لأنهم المنتفعون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهذا الذي بيَّنَّاه لك -أيها الرسول- هو الطريق الموصل إلى رضا ربك وجنته.

قد بينَّا البراهين لمن يتذكر من أهل العقول الراجحة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن طريق الإسلام هو الطريق الحق المستقيم فقال :{ وهذا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً } أى : وهذا البيان الذى جاء به القرآن ، أو سبيل التوحيد ، وإسلام الوجه إلى الله ، هو طريق ربك الواضح المستقيم الذى ارتضاه لعباده ، والذى لا ميل فيه إلى إفراط أو تفريط فى الاعتقادات والأخلاق والأعمال .و { مُسْتَقِيماً } حال مؤكدة لصاحبها وعاملها محذوف وجوبا مثل : هذا أبوك عطوفا ، وقيل حال مؤسسة والعامل فيها معنى الإشارة أو ( ها ) التى للتنبيه .وقوله : { قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } أى : جعلناها بينة واضحة مفصلة لقوم يتذكرون ما فيها من هدايات وإرشادات فيعملون بها لينالوا السعادة فى الدنيا والآخرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وهذا ﴾ إشارة إلى مذكور تقدم ذكره وفيه قولان: الأول: وهو الأقوى عندي أنه إشارة إلى ما ذكره وقرره في الآية المتقدمة وهو أن الفعل يتوقف على الداعي وحصول تلك الداعية من الله تعالى، فوجب كون الفعل من الله تعالى، وذلك يوجب التوحيد المحض وهو كونه تعالى مبدئاً لجميع الكائنات والممكنات، وإنما سماه صراطاً لأن العلم به يؤدي إلى العلم بالتوحيد الحق، وإنما وصفه بكونه مستقيماً لأن قول المعتزلة غير مستقيم، وذلك لأن رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر إما أن يتوقف على المرجح أو لا يتوقف، فإن توقف على المرجح لزم أن يقال الفعل لا يصدر عن القادر إلا عند انضمام الداعي إليه، وحينئذ يتم قولنا ويكون الكل بقضاء الله وقدره ويبطل قول المعتزلة، وإما أن لا يتوقف رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر على مرجح وجب أن يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات والمحدثات، وحينئذ يلزم نفي الصنع والصانع وإبطال القول بالفعل والفاعل والتأثير والمؤثر فأما القول بأن هذا الرجحان يحتاج إلى المؤثر في بعض الصور دون البعض كما يقوله هؤلاء المعتزلة فهو معوج غير مستقيم، إنما المستقيم هو الحكم بثبوت الحاجة على الإطلاق، وذلك يوجب عين مذهبنا فهذا القول هو المختار عندي في تفسير هذه الآية.

القول الثاني: أن قوله: ﴿ وهذا صراط رَبّكَ مُسْتَقِيماً ﴾ إشارة إلى كل ما سبق ذكره في كل القرآن قال ابن عباس: يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك مستقيماً وقال ابن مسعود يعني القرآن والقول الأول أولى.

لأن عود الإشارة إلى أقرب المذكورات أولى.

وإذا ثبت هذا فنقول: لما أمر الله تعالى بمتابعة ما في الآية المتقدمة وجب أن تكون من المحكمات لا من المتشابهات لأنه تعالى إذا ذكر شيئاً وبالغ في الأمر بالتمسك به والرجوع إليه والتعويل عليه وجب أن يكون من المحكمات.

فثبت أن الآية المتقدمة من المحكمات وأنه يجب إجراؤها على ظاهرها ويحرم التصرف فيها بالتأويل.

المسألة الثانية: قال الواحدي: انتصب مستقيماً على الحال، والعامل فيه معنى هذا وذلك لأن ذا يتضمن معنى الإشارة، كقولك: هذا زيد قائماً معناه أشير إليه في حال قيامه، وإذا كان العامل في الحال معنى الفعل لا الفعل، لم يجز تقديم الحال عليه لا يجوز قائماً هذا زيد، ويجوز ضاحكاً جاء زيد.

أما قوله: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ .

فنقول: أما تفصيل الآيات فمعناه ذكرها فصلاً فصلاً بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر، والله تعالى قد بين صحة القول بالقضاء والقدر في آيات كثيرة من هذه السورة متوالية متعاقبة، بطرق كثيرة ووجوه مختلفة.

وأما قوله: ﴿ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ فالذي أظنه والعلم عند الله أنه تعالى إنما جعل مقطع هذه الآية هذه اللفظة لأنه تقرر في عقل كل واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجح على الآخر إلا لمرجح، فكأنه تعالى يقول للمعتزلي: أيها المعتزلي تذكر ما تقرر في عقلك أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر، إلا لمرجح، حتى تزول الشبهة عن قلبك بالكلية في مسألة القضاء والقدر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ ﴾ أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلاّ بمن له لطف ﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام ﴾ يلطف به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحبّ الدخول فيه ﴿ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ ﴾ أن يخذله ويخليه وشأنه، وهو الذي لا لطف له ﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً ﴾ يمنعه ألطافه، حتى يقسو قلبه، وينبو عن قبول الحق وينسدّ فلا يدخله الإيمان.

وقرئ: ﴿ ضيقاً ﴾ بالتخفيف والتشديد: ﴿ حَرَجاً ﴾ بالكسر، حرجاً- بالفتح- وصفاً بالمصدر ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السماء ﴾ كأنما يزاول أمراً غير ممكن.

لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة، وتضيق عنه المقدرة.

وقرئ: ﴿ يصعد ﴾ ، وأصله يتصعد.

وقرأ عبد الله: ﴿ يتصعد ﴾ .

و ﴿ يصاعد ﴾ .

وأصله: يتصاعد ويصعد، من صعد، ويصعد من أصعد ﴿ يَجْعَلُ الله الرجس ﴾ يعني الخذلان ومنع التوفيق، وصفه بنقيض ما يوصف به التوفيق من الطيب.

أو أراد الفعل المؤدّي إلى الرجس وهو العذاب من الارتجاس وهو الاضطراب ﴿ وهذا صراط رَبّكَ ﴾ وهذا طريقه الذي اقتضته الحكمة وعادته في التوفيق والخذلان ﴿ مُّسْتَقِيماً ﴾ عادلاً مطرداً.

وانتصابه على أنه حال مؤكدة كقوله: ﴿ وَهُوَ الحق مُصَدّقًا ﴾ [البقرة: 91] ﴿ لَهُمْ ﴾ لقوم يذكرون ﴿ دَارُ السلام ﴾ دار الله، يعني الجنة أضافها إلى نفسه تعظيماً لها أو دار السلامة من كل آفة وكدر ﴿ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ في ضمانه كما تقول لفلان عندي حق لا ينسى، أو ذخيرة لهم لا يعلمون كنهها، كقوله: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ [السجدة: 17] ، ﴿ وَهُوَ وَلِيُّهُم ﴾ مواليهم ومحبهم أو ناصرهم على أعدائهم ﴿ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَهَذا ﴾ إشارَةٌ إلى البَيانِ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ، أوْ إلى الإسْلامِ أوْ إلى ما سَبَقَ مِنَ التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ.

﴿ صِراطُ رَبِّكَ ﴾ الطَّرِيقُ الَّذِي ارْتَضاهُ أوْ عادَتُهُ وطَرِيقُهُ الَّذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ.

﴿ مُسْتَقِيمًا ﴾ لا عِوَجَ فِيهِ، أوْ عادِلًا مُطَّرِدًا وهو حالٌ مُؤَكِّدَةٌ كَقَوْلِهِ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا، أوْ مُقَيَّدَةٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ.

﴿ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ فَيَعْلَمُونَ أنَّ القادِرَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنَّ كُلَّ ما يَحْدُثُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَهو بِقَضائِهِ وخَلْقِهِ، وأنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِ العِبادِ حَكِيمٌ عادِلٌ فِيما يَفْعَلُ بِهِمْ.

﴿ لَهم دارُ السَّلامِ ﴾ دارُ اللَّهِ أضافَ الجَنَّةَ إلى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لَها، أوْ دارُ السَّلامَةِ مِنَ المَكارِهِ أوْ دارٌ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ.

﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ في ضَمانِهِ أوْ ذَخِيرَةٌ لَهم عِنْدَهُ لا يَعْلَمُ كُنْهَها غَيْرُهُ.

﴿ وَهُوَ ولِيُّهُمْ ﴾ مُوالِيهِمْ أوْ ناصِرُهم.

﴿ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ أوْ مُتَوَلِّيهِمْ بِجَزائِها فَيَتَوَلّى إيصالَهُ إلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وهذا صراط ربك} أى

الأنعام (١٢٦ _ ١٣٠)

طريقه الذي اقتضته الحكمة وسنته في شرح صدر من أراد هدايته وجعله ضيقاً لمن أراد ضلاله {مستقيما} عادلا مطردا أو حال مؤكدة {قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} يتعظون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وهَذا ﴾ أيْ طَرِيقُ التَّوْحِيدِ أوِ الجَعْلُ ﴿ صِراطُ رَبِّكَ ﴾ أيْ طَرِيقُهُ الَّذِي ارْتَضاهُ أوْ عادَتُهُ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَتُهُ ﴿ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ المَعارِفَ والحَقائِقَ المَرْكُوزَةَ في اسْتِعْدادِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً يعني: هذا التوحيد دين ربك مستقيماً يعني: قائماً برضاه قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ يعني: قد بيّنا العلامات وبيّنا الآيات في أمر القلوب والهدى والضلالة لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ يعني: يتعظون ويتفكرون في توحيد الله تعالى.

ويقال: معناه لا عذر لأحد في التخلّف عن الإيمان لأن الله تعالى قد بيّن طريق الهدى، وقد بيّن العلامات في ذلك لمن كان له عقل وتمييز.

ثم ذكر ما أعد الله للمؤمنين في الآخرة فقال: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهي الجنة وهي دار السلام من الأمراض والآفات والخوف والهرم وغير ذلك.

ويقال: لَهُمْ دارُ السَّلامِ فالله السلام والجنة داره يعني: دار رب العزة التي أعد لأوليائه بالثواب وَهُوَ وَلِيُّهُمْ أي الله تعالى حافظهم وناصرهم في الدنيا.

ويقال: هو وليهم في الآخرة بالثواب بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا.

قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يقول: واذكر يوم يجمعهم الله جَمِيعاً يعني: الجن والإنس.

قرأ عاصم في رواية حفص يَحْشُرُهُمْ بالياء يعني: أن الله يحشرهم وقرأ الباقون نحشرهم بالنون يا مَعْشَرَ الْجِنِّ يقول لهم يا معشر الجن قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ يعني: قد أضللتم كثيراً من الإنس وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ الذين أضلوهم رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ يعني: انتفع بعضنا ببعض وكان استمتاع الإنس بالجن في الدنيا أن أهل الجاهلية كانوا إذا سافر واحد منهم فأدركه المساء بأرض قفر وخاف بالليل فقال: أعوذ بسيد أهل هذا الوادي من سفهاء قومه، فأمن، ولبث في جوارهم حتى يصبح.

وكان استمتاع الجن بالإنس أن قالوا: لقد سوّدنا الإنس والجن فيزيدون شرفاً في قومهم يعني: فيما بين الجن والإنس.

وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا يعني: الموت الذي جعلته أجلنا في هذه الدنيا وهذا قول الكلبي.

وقال الضحاك: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ يعني: خدع بعضنا بعضاً عن دينك يعني: أن الجن قد خدعنا وأضَلَّنَا وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا يعني: ما كتبت علينا من الشقاوة قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ يعني: منزلكم وهم الجن والإنس خالِدِينَ فِيها مقيمين في النار إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ قال الكلبي: مشيئة الله من كل شيء، ويقال: إلا ما شاء الله البرزخ والقيامة قد شاء الله لهم الخلود فيها.

ويقال إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ يخرج منها من أهل التوحيد إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ثم قال: وَكَذلِكَ نُوَلِّي يعني: نسلط بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً يعني: كفار الجن على كفار الإنس.

ويقال: نسلط بعض الظالمين بعضا فيهلكه ويذله.

وهذا كلام لتهديد الظالم لكي يمتنع عن ظلمه.

لأنه لو لم يمتنع يسلط الله عليه ظالماً آخر.

ويدخل في الآية جميع من يظلم ومن ظلم في رعيته أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم.

وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجباً.

وقال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولّى أمرهم خيارهم.

وإذا سخط الله على قوم ولّى أمرهم شرارهم بما كانوا يكسبون، ثم تلا قوله وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً.

وعن مالك بن دينار قال: قرأت في بعض الكتب المنزلة إن الله تعالى يقول: إني أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك بيدي ونواصيها بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أجعلهم عليكم رحمة.

ثم قال: بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: يسلط بعضهم على بعض بأعمالهم الخبيثة.

ثم يقول لهم: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

رياستهم أقْدَرُ على الغَدْرِ والمَكْرِ ورُكُوبِ الباطلِ من غيرهم ولأن كثرة المال والجاه يَحْمِلاَنِ الإنسان على المبالغةِ في حِفْظهما وذلك الحِفْظُ لا يتمُّ إلا بجميع الأخلاق الذميمةِ كالغَدْر والمَكْر والكَذِب والغِيبة والنَّميمة والأَيْمَان الكاذبة ولو لم يكن للمالِ والجاهِ سوى أنَّ اللَّه تعالى حَكَم بأنه إنما وصفَ بهذه الأوصافِ الذميمةِ مَنْ كان له مالٌ وجاه، لكفى ذلك دليلاً على خَسَاسة المالِ والجَاهِ.

انتهى، وما ذكره من المال والجاه هو الأغلَبُ.

وَما يَشْعُرُونَ، أي: ما يعلمون.

وقوله سبحانه: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ، أي: علامةٌ ودليلٌ على صحَّة الشرع، تشطَّطوا، وقالوا: لَنْ نؤمن حتَّى يُفْلَقَ لنا البَحْرُ، ويحيى لنا الموتى، ونحْوَ ذلك، فردَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ فيمن اصطفاه، وانتخبه، لا فيمن كَفَرَ، وجعل يتشطَّط على اللَّه سبحانه، قال الفَخْر «١» : قال المفسِّرون: قال الوليدُ بْنُ المُغِيرَةِ «٢» :

لو كانتِ النبوَّة حقًّا، لكنْتُ أولى بها، قال الضَّحَّاك: أراد كلُّ واحد من هؤلاء الكفرة أنْ يُخَصَّ بالوحْيِ والرسالةِ كما أخبر عنهم سبحانه: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً [المدثر: ٥٢] انتهى.

ثم توعَّد سبحانه بأن هؤلاء المجرمين الأكابر في الدنيا سيصيبهم عند اللَّه صَغَارٌ وذلَّة.

فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)

وقوله سبحانه: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ...

الآية: مَنْ:

شرط، ويَشْرَحْ جوابُ الشرط.

والآيةُ نصٌّ في أن اللَّه تعالى يريدُ هدى المؤمن، وضلالَ الكافر، وهذا عند جميعِ أهْل السنَّة بالإرادةِ القديمةِ التي هي صفةُ ذاته تبارك وتعالى، والهدى هنا: هو خَلْق الإيمان في القَلْبِ، وشَرْحُ الصدرِ: هو تسهيلُ الإيمان، وتحبيبُه، وإعدادُ القَلْبِ لقبولِهِ وتحصيلِهِ، والصَّدْر: عبارةٌ عن القلب، وفي يَشْرَحْ ضمير يعود على اسم اللَّهِ عزَّ وجلَّ/ يَعْضُدُهُ اللفظ والمعنى، ولا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، والقولُ بأنه عائدٌ على «المَهْدِيِّ» - قولٌ يتركَّب عليه مذهب القَدَريَّة في خَلْق الأعمال، ويجبُ أن يُعتقد ضَعْفُهُ، والحَذَرُ منه، ورُوِيَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم «أنه لَمَّا نزلَتْ هذه الآية، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُشْرَحُ الصَّدْرُ؟

قَالَ: إذَا نَزَلَ النُّورُ فِي القَلْبِ، انشرح لَهُ الصَّدْرُ، وانفسح، قَالُوا: وَهَلْ لِذَلِكَ عَلاَمَةٌ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: نَعَمِ، الإنَابَةُ إلَى دَارِ الخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ، قَبْلَ المَوْتِ» ، والقول «١» في قوله: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ كالقول في قوله: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ، وقرأ حمزة وغيره: «حَرَجاً» - بفتح الراء-، وروي أن عمر بن الخطاب (رضي اللَّه عنه) قرأها يوماً بفتح الراء، فقرأها له بعضُ الصَّحابة بكَسْر الراء، فقال: ابغوني رجُلاً من كِنَانَةَ، وليكنْ رَاعياً، وليكُنْ من بني مدلج، فلما جاء، قال له: يَا فتى، مَا الحَرِجَةُ عنْدَكُمْ؟

قال الشَّجَرَةُ تكُونُ بَيْن الأشجار لا تَصِلُ إليها راعيَةٌ ولا وَحْشِيَّة، قال عمر: كذلِكَ قَلْبُ المنافق لا يَصِلُ إليه شَيْءٌ من الخير «٢» .

وقوله سبحانه: كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ، أي: كأنَّ هذا الضّيّق الصّدر متى حاول

الإيمان أو فكَّر فيه، يجد صعوبته عليه، والعياذُ باللَّه، كصعوبةِ الصُّعود في السماء، قاله ابن جريج وغيره «١» ، وفِي السَّماءِ، يريد: مِنْ سفل إلى علوٍ، وتحتمل الآية أنْ يكون التشبيهُ بالصاعدِ في عَقَبَةٍ كَئُود كأنه يَصْعَدُ بها في الهواء، ويَصْعَدُ: معناه: يعلو، ويَصَّعَّدُ:

معناه: يتكلَّف من ذلك ما يشقُّ عليه.

وقوله: كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ، أي: وكما كان الهدى كله من اللَّه، والضلال بإرادته تعالى ومشيئته كذلك يجعل اللَّه الرجْسَ، قال أهل اللغة: الرجْسُ يأتي بمعنى العَذَابِ، ويأتي بمعنى النَّجَس.

وقوله تعالى: وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً ...

الآية: هذا إشارة إلى القرآن والشرْعِ الذي جاء به نبيُّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم قاله ابن عباس، وفَصَّلْنَا، معناه: بيَّنا وأوضحنا «٢» .

وقوله سبحانه: لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، أي: للمؤمنين، والضمير في قوله: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عائد عليهم، والسَّلام: يتجه أن يكون اسما من أسماء اللَّه عزَّ وجلَّ، ويتجه أن يكون مصدراً بمعنى السلامة.

وقوله تعالى: عِنْدَ رَبِّهِمْ يريد في الآخرة بعد الحشر، ووليّهم، أي: وليّ الإنعام عليهم، وبِما كانُوا يَعْمَلُونَ، أي: بسَبَبِ ما كانوا يُقَدِّمون من الخير، ويفعلون من الطاعة والبر.

وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ، والمعنى: واذكر يَوْمَ، وفي الكلامِ حذفٌ، تقديره: نقول: يا معشر الجنِّ، وقوله: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ: معناه: أفرطتم، ومِنَ الْإِنْسِ: يريد: في إضلالهم وأغوائهم قاله ابن عباس وغيره «٣» ، وقال الكُفَّار من الإنْس، وهم أولياء الجنِّ الموبَّخين على جهة الاعتذار عن الجنِّ: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، أي: انتفع وذلك كاستعاذتهم بالجنِّ إذ كان العربيُّ إذا نزل وادياً، ينادي: يا رَبَّ الوادِي، إنِّي أستجيرُ بك في هذه الليلة، ثم يرى سلامته إنما هي بحفْظِ جَنِّيِّ ذلك الوادِي، ونحو ذلك، وبلوغ الأجل المؤجّل: هو

الموتُ، وقيل: هو الحشر.

وقوله تعالى: قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ ...

الآية: إخبارٌ من اللَّه تعالى/ عما يقولُ لهم يوم القيامة إثْرَ كلامهم المتقدّم، ومَثْواكُمْ، أي: موضع ثوائكم كَمُقَامِكُمُ الذي هو مَوْضِعُ الإقامة قاله الزَّجَّاج، والاستثناءُ في قوله: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ قالتْ فرقة: «مَا» بمعنى «مَنْ» ، فالمراد: إلا مَنْ شاء اللَّه مِمَّنْ آمن في الدنيا بعد، إن كان مِنْ هؤلاء الكَفَرة، وقال الطبريُّ «١» : إن المستثنى هي المُدَّة التي بَيْنَ حشرهم إلى دخولهم النار، وقال الطبريُّ «٢» ، عن ابن عباس: إنه كان يتأوَّل في هذا الاستثناء أنه مبلغ حالِ هؤلاء في علْمِ اللَّه «٣» ، ثم أسند إليه أنه قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحَدٍ أنْ يحكم على اللَّه في خَلْقه لا يُنْزِلُهم جنَّةً ولا ناراً.

قال ع «٤» : والإجماع على التخليد الأبديِّ في الكُفَّار، ولا يصحُّ هذا عن ابن عباس (رضي اللَّه عنه) .

قال ص: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ: قيل: استثناء منقطعٌ، أي: لكِنْ ما شاء اللَّه مِنَ العذابِ الزائِدِ على النَّار، وقيل: متصلٌ، واختلفوا في تقديره، فقيل: هو استثناء مِنَ الأشخاصِ، وهم مَنْ آمن في الدنيا، ورُدَّ بأنه يختلف زمان المستثنى والمستثنى منه، فيكون منقطعاً لا متصلاً لأنَّ مِنْ شرط المتصل اتحاد زمانَيِ المُخْرَجِ والمُخْرَجِ منه.

انتهى، وقيل غير هذا.

وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً، قال قتادة «٥» : معناه: نجعل بعضهم وليَّ بعض في الكفر والظلم، وقال أيضاً: المعنى نجعلُ بعضهم يَلِي بعضاً في دخول النار، وقال ابن زيد: معناه: نسلِّط بعض الظالمين على بعض، ونجعلهم أولياء النقمة «٦» منهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَذا صِراطُ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: التَّوْحِيدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ما هو عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، قالَهُ عَطاءٌ.

ومَعْنى اسْتِقامَتِهِ: أنَّهُ يُؤَدِّي بِسالِكِهِ إلى الفَوْزِ.

قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: و"مُسْتَقِيمًا" نُصِبَ عَلى الحالِ مِن "صِراطُ" وهَذِهِ الحالُ يُقالُ لَها: الحالُ المُؤَكِّدَةُ، لِأنَّ صِراطَ اللَّهِ، لا يَكُونُ إلّا مُسْتَقِيمًا، ولَمْ يُؤْتَ بِها لَتُفَرِّقَ بَيْنَ حالَتَيْنِ، إذْ لا يَتَغَيَّرُ صِراطُ اللَّهِ عَنِ الِاسْتِقامَةِ أبَدًا، ولَيْسَتْ هَذِهِ الحالُ كَحالِ مِن قَوْلِكَ: "هَذا زِيدٌ راكِبًا"، لِأنَّ زَيْدًا قَدْ يَخْلُو مِنَ الرُّكُوبِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ﴿ لَهم دارُ السَلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ "وَهَذا"؛ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ؛ والشَرْعِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ؛ وإضافَةُ الصِراطِ إلى الرَبِّ عَلى جِهَةِ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ تَعالى ؛ وبِأمْرِهِ؛ و"مُسْتَقِيمًا"؛ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ ولَيْسَتْ كالحالِ في قَوْلِكَ: "جاءَ زَيْدٌ راكِبًا"؛ بَلْ هَذِهِ المُؤَكِّدَةُ تَتَضَمَّنُ المَعْنى المَقْصُودَ.

و"فَصَّلْنا"؛ مَعْناهُ: بَيِّنّا؛ وأوضَحْنا؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ؛ أيْ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُعِدُّونَ أنْفُسَهم لِلنَّظَرِ؛ ويَسْلُكُونَ طَرِيقَ الِاهْتِداءِ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "لَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى القَوْمِ المُتَذَكِّرِينَ؛ و"اَلسَّلامِ"؛ يُتَّجَهُ فِيهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما أنَّ "اَلسَّلامِ"؛ اِسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَأضافَ الدارَ إلَيْهِ تَعالى ؛ وهي مِلْكُهُ؛ وخَلْقُهُ؛ والثانِي أنَّهُ المَصْدَرُ؛ بِمَعْنى "اَلسَّلامَةُ"؛ كَما تَقُولُ: "اَلسَّلامُ عَلَيْكَ"؛ وكَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ  ﴾ ؛ يُرِيدُ: في الآخِرَةِ؛ بَعْدَ الحَشْرِ؛ و"وَلِيُّهُمْ"؛ أيْ: ولِيُّ الإنْعامِ عَلَيْهِمْ؛ و ﴿ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ؛ أيْ: بِسَبَبِ ما كانُوا يُقَدِّمُونَ مِنَ الخَيْرِ؛ ويَفْعَلُونَ مِنَ الطاعَةِ والبِرِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً ﴾ [الأنعام: 125] إلى آخِرها، لأنّ هذا تمثيل لحال هدي القرآن بالصّراط المستقيم الّذي لا يجهد متّبعه، فهذا ضدّ لحال التّمثيل في قوله: ﴿ كأنَّما يصّعَّد في السَّماء ﴾ [الأنعام: 125].

وتمثيل الإسلام بالصّراط المستقيم يتضمّن تمثيل المسلم بالسّالك صراطاً مستقيماً، فيفيد توضيحاً لقوله: ﴿ يشرح صدره للإسلام ﴾ [الأنعام: 125].

وعطفت هذه الجملة مع أنها بمنزلة بيان الجملة التي قبلها لتكون بالعطف مقصودة بالإخبار.

وهو اقبال على النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب.

والإشارة ب ﴿ هَذا ﴾ إلى حاضر في الذهن وهو دين الإسلام.

والمناسبة قوله: ﴿ يشرح صدره للإسلام ﴾ [الأنعام: 125].

والصّراط حقيقته الطّريق، وهو هنا مستعار للعمل الموصل إلى رضى الله تعالى.

وإضافته إلى الربّ لتعظيم شأن المضاف، فيعلم أنَّه خير صراط.

وإضافة الربّ إلى ضمير الرّسول تشريف للمضاف إليه، وترضية للرّسول صلى الله عليه وسلم بما في هذا السَّنن من بقاء بعض النّاس غير متّبعين دينه.

والمستقيم حقيقته السّالم من العوج، وهو مستعار للصّواب لسلامته من الخطأ، أي سَنَن الله الموافق للحكمة والّذي لا يتخلّف ولا يعطّله شيء.

ويجوز أن تكون الإشارة إلى حاضر في الحسّ وهو القرآن، لأنَّه مسموع كقوله: ﴿ وهذا كتاب أنزلناه مبارك ﴾ [الأنعام: 92]، فيكون الصّراط المستقيم مستعاراً لما يُبلِّغ إلى المقصود النّافع، كقوله: ﴿ وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبعوا ولا تتَّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله ﴾ [الأنعام: 153].

ومستقيماً حال من «صراط» مؤكّدة لمعنى إضافته إلى الله.

وجملة: ﴿ قد فَصّلْنا الآيات ﴾ استئناف وفذلكة لما تقدم.

والمراد بالآيات آيات القرآن.

ومن رشاقة لفظ ﴿ الآيات ﴾ هنا أن فيه تورية بآيات الطريق التي يهتدي بها السائر.

واللاّم في: ﴿ لقوم يذكرون ﴾ للعلّة، أي فصّلنا الآيات لأجلهم لأنَّهم الّذين ينتفعون بتفصيلها.

والمراد بالقوم المسلمون، لأنَّهم الّذين أفادتهم الآيات وتذكّروا بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الصِّراطَ هو الطَّرِيقُ، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: شَحَنّا أرْضَهم بِالخَيْلِ حَتّى تَرَكْناهم أذَلَّ مِنَ الصِّراطِ وَفِيهِ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ أنَّ الإسْلامَ هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: يُرِيدُ أنَّ ما في القُرْآنِ مِنَ البَيانِ هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ.

﴿ قَدْ فَصَّلْنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بَيَّنّا.

والثّانِي: مَيَّزْنا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ وهي الجَنَّةُ، وفي تَسْمِيَتِها دارَ السَّلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها دارُ السَّلامَةِ الدّائِمَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّ السَّلامَ هو اللَّهُ، والجَنَّةُ دارُهُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ دارَ السَّلامِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ، والسُّدِّيِّ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ دارَ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ في الآخِرَةِ لِأنَّها أخَصُّ بِهِ.

والثّانِي: مَعْناهُ أنَّ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ أنْ يُنْزِلَهم دارَ السَّلامِ.

﴿ وَهُوَ ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وهو ناصِرُهم في الدُّنْيا عَلى إيمانِهِمْ.

والثّانِي: وهو المُتَوَلِّي لِثَوابِهِمْ في الآخِرَةِ عَلى أعْمالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فصلنا الآيات ﴾ قال: بينا الآيات.

وفي قوله: ﴿ لهم دار السلام ﴾ قال: الجنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن زيد قال: السلام: هو الله.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي ﴿ لهم دار السلام ﴾ قال: الله هو السلام، وداره الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ﴾ .

قال ابن عباس: (يعني: التوحيد) (١) (٢) وقال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك مستقيمًا) (٣) وقال بعض أهل المعاني: (الإشارة وقع إلى البيان الذي جاء في القرآن) (٤) ﴿ مُسْتَقِيمًا ﴾ على الحال والعامل فيه معنى (هذا) وذلك أن ذا (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ قال عطاء: (يريد: أصحاب النبي  قبلوا مواعظ الله وانتهوا عما نهاهم الله) (٨) (١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 118، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 121، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 32، بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (يعني: الإسلام).

(٢) ذكره الثعلبي في "الكشف" 184 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 118، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 121.

(٣) ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 187، عن ابن عباس، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 118، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 122، من قول عطاء فقط، وجميع ما سبق معانٍ متقاربة، وقد أخرجها الطبري في "تفسيره" 1/ 71 - 75، وابن أبي حاتم 1/ 30، بأسانيد مختلفة عن هؤلاء الأئمة وغيرهم في "تفسير سورة الفاتحة".

(٤) هذا قول الطبري في "تفسيره" 8/ 32.

(٥) في (ش): (وذلك إذ ذا)، وهو تحريف.

(٦) لأنها حال مؤكدة، وصراط الله تعالى لا يكون إلا مستقيمًا، بخلاف الحال المنتقلة نحو: جاء زيد راكبًا، ونحو هذا زيد قائمًا فيجوز أن يفارق زيد الركوب أو القيام.

انظر: "إعراب النحاس" 1/ 579، و"المشكل" 1/ 270، و"غرائب التفسير" 1/ 384، و"البيان" 1/ 339 و"التبيان" 358، و"الفريد" 2/ 227، و"الدر == المصون" 5/ 147، وقد نقل هذا القول الرازي في "تفسيره" 13/ 187 - 188، عن الواحدي.

(٧) انظر: "تفسير الخازن" 2/ 182.

(٨) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 118، والخازن في "تفسيره" 2/ 182.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام ﴾ شرح الصدر وضيقه وحرجه: ألفاظ مستعارة ومن قرأ حَرَجاً بفتح الراء فهو مصدر وصف به ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء ﴾ أي كأنما يحاول الصعود إلى السماء، وذلك غير ممكن، فكذلك يصعب عليه الإيمان وأصل يصعد المشدد يتصعد، قرئ بالتخفيف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ رسالته ﴾ بالنصب والتوحيد: ابن كثير وحفص والمفضل.

الباقون: ﴿ رسالاته ﴾ على الجمع وبالكسر في موضع النصب ﴿ ضيقا ﴾ وبابه بالتخفيف: ابن كثير ﴿ حرجاً ﴾ بكسر الراء: أبو جعفر ونافع وسهل وأبو بكر وحماد.

الباقون: بالفتح ﴿ يصعد ﴾ من الصعود: ابن كثير ﴿ يصاعد ﴾ من التصاعد بإدغام التاء في الصاد: أبو بكر وحماد.

الباقون: ﴿ يصعد ﴾ بالإدغام من التصعيد.

﴿ يحشرهم ﴾ بياء الغيبة: حفص.

الآخرون بالنون.

الوقوف: ﴿ بخارج منها ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ رسل الله ﴾ ط ﴿ رسالاته ﴾ ط ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ للإسلام ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف.

﴿ في السماء ﴾ ج ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مستقيماً ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ج للحذف أي يحشرهم ويقول لهم مع اتحاد المقصود ﴿ من الإنس ﴾ الأول ج لتبدل القائل مع اتفاق الجملتين ﴿ أجلت لنا ﴾ ط قال النار يغلظ الصوت على النار إشارة إلى أن النار مبتدأ بعد القول وليست فاعله ﴿ يشاء الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يومكم هذا ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد أن ذكر أن المشركين يجادلون المؤمنين ضرب مثلاً للفريقين فبيّن أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتاً فجعله الله حياً وأعطاه نوراً يهتدي به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في الظلمات منغمس فيها لا خلاص له منها فيكون متحيراً على الدوام، وهل هما خاصان أو عامان فيه قولان: الأول قال ابن عباس: يريد حمزة بن عبد المطلب وأبا جهل؛ وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وآله بفرث وحمزة ولم يؤمن بعد، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه ويقول: يا أبا يعلي أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا؟

فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله فنزلت الآية.

وعن مقاتل: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وأبي جهل؛ وذلك أنه قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه.

والله لا نؤمن به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت، وعن عكرمة أنها في عمار بن ياسر وأبي جهل، وعن الضحاك هي في عمر بن الخطاب وأبي جهل.

والقول الثاني أنها عامة في كل مؤمن وكافر لحصول المعنى في الكل.

وإنما جعل الكفر موتاً لأنه جهل والجهل يوجب الحيرة والوقفة فهو كالموت الذي يوجب السكون.

وأيضاً الميت لا يهتدي إلى شيء وكذلك الجاهل، والهدى علم وبصيرة وهما يوجبان الفوز بالمطالب كالحياة والنور، قال بعض العلماء: قوله: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ إشارة إلى أول مراتب النفس الإنسانية وهي الاستعداد المحض المسماة بالعقل الهيولاني عند الحكيم.

وقوله: ﴿ فأحييناه ﴾ إشارة إلى ثانية مراتبها المسماة بالعقل بالملكة وهي أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية.

وقوله ﴿ وجعلنا له نوراً ﴾ إشارة إلى ثالثة المراتب وهي التي قد حصلت لها المعقولات المكتسبة ولكنها لا تكون حاضرة بالفعل بل تكون بحيث متى شاء صاحبها استرجاعها واستحضارها قدر عليه ولهذا يسمى عقلاً بالفعل أي الفعل القريب، وقوله: ﴿ يمشي به في الناس ﴾ إشارة إلى رابعة المراتب وهي النهاية المسماة بالعقل المستفاد، وقد حصلت المعارف القدسية والجلايا الروحانية للنفس حاضرة بالفعل وصار جوهر الروح مشرقاً بتلك المعارف مستضيئاً بها.ويمكن أن يقال: الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح، والنور عبارة عن اتصال نور الوحي والتنزيل فإنه لا بد في الإبصار من أمرين: سلامة الحاسة والنور الخارجي من الشمس والسراج، فكذلك البصيرة لا بد لها في الإدراك من سلامة حاسة العقل ومن طلوع نور الوحي فلهذا قال جمع من المفسرين: المراد بهذا النور القرآن، ومنهم من قال: نور الدين أو نور الحكمة.

والأقوال متقاربة، وأما مثل الكافر فهو ﴿ كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ﴾ وفيه أن ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت كالصفة اللازمة له لا تكاد تزول عنه فيبقى متحيراً خائفاً فزعاً نعوذ بالله من هذه الحالة.

ومعنى المثل ههنا الصفة الغريبة أي كمن صفته هذه والمراد كمن هو في الظلمات.

ثم قال: ﴿ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ﴾ والمزين هو الله بالتحقيق عند الأشاعرة.

والشيطان بالحقيقة أو الله مجازاً عند المعتزلة، والإضافة إلى الله بالحقيقة أو المجاز أولى بدليل قوله: ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها كذلك جعلنا، أو وكما زينا للكافرين أعمالهم كذلك جعلنا ﴿ في كل قرية أكابر ﴾ وهي جمع الأكبر و ﴿ مجرميها ﴾ مضاف إليه والظرف مفعول ثانٍ قدم ليعود الضمير إلى القرية.

وقيل: التقدير جعلنا مجرميها أكابر.

قال الزجاج: إنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم، ولأن كثرة المال وقوّة الجاه تحمل الناس على المبالغة في حفظهما وذلك لا يتم إلا باستعمال بعض الأخلاق الذميمة من المكر والغدر والكذب والغيبة والنميمة والشح والأيمان الكاذبة وكفى بهذه الأمور دليلاً على خساسة المال والجاه.

واللام في ﴿ ليمكروا ﴾ على أصله عند الأشاعرة، واستدلوا به على أن الشر بإرادة الله  .

وحمله المعتزلة على لام العاقبة مجازاً حملوا الجعل في قوله: ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ على التخلية والخذلان.

ثم قال في معرض التهديد ﴿ وما يمكرون إلا بأنفسهم ﴾ لأن وباله يعود عليهم ﴿ وما يشعرون ﴾ وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتقديم موعد بالنصرة، ثم إنه  حكى قول أبي جهل وأضرابه "زاحمنا بني عبد مناف في الشرف إلى آخره" وقول الوليد بن المغيرة "لو كانت النبوّة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً" فقال: ﴿ وإذا جاءتهم آية ﴾ أي معجزة قاهرة أو وحي.

﴿ قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ﴾ قال الضحاك: أراد كل واحد منهم ذلك كما في الآية الأخرى.

﴿ بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة  ﴾ ويشبه أن يكون هذا الكلام الخبيث هو المراد بالمكر المذكور في الآية المتقدمة، وللمفسرين في مقترحهم قولان: أحدهما - وهو الأشهر - أنهم أرادوا أن تحصل لهم النبوُّة والرسالة كما حصلت للنبي  وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ومخدومين لا خادمين.

وثانيهما عن ابن عباس والحسن أن المعنى وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وآله ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ إلى قوله: ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه  ﴾ من الله  إلى أبي جهل وفلان وفلان فالقوم ما طلبوا النبوّة وإنما طلبوا آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين تدل على صحة نبوّة محمد  .

فقوله  في جوابهم على سبيل الاستئناف ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ على القول الأول ظاهر، وأما على القول الثاني فوجهه أن القوم إذا اقترحوا تلك الآيات فلو أظهر الله  تلك المعجزات على وفق التماسهم لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة.

قال بعض العقلاء: الأرواح متساوية في تمام الماهية فحصول النبوّة والرسالة لبعضها دون بعض تشريف من الله  وإحسان وتفضل.

وقال آخرون: بل النفوس مختلفة بجواهرها وماهياتها فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة، وبعضها خبيثة كدرة محبة للجسمانيات، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول لم تصلح لقبول الوحي والرسالة.

ومراتب الرسل مختلفة فمنهم ذو معجزة واحدة وذو معجزتين أو أكثر، ومنهم من له تبع قليل ومنهم من آمن به جم غفير، ومنهم من كان الرفق غالباً عليه ومنهم من كان مدار أمره على التغليظ والتشديد.

وفي الآية تعريض بأن حصول النبوّة والرسالة لا بد فيه من قلب سليم، والمقترحون فيهم من المكر والحسد ما فيهم فكيف يعقل حصول الرسالة لهم وإنما يحصل لهم ما يناسب أخلاقهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى: ﴿ سيصيب الذين أجرموا صغار ﴾ ذل وهوان ﴿ عند الله ﴾ أي في الآخرة أو في الدنيا بحكم الله وإيجابه من الأسر والقتل.

أو المراد من عند الله فحذف "من".

أو قوله: ﴿ عند الله ﴾ مستأنف أي معدّ لهم ذلك، واعلم أن كمال العقاب لا بد فيه من أمرين: الضرر، والإهانة.

ثم إن القوم لما تردوا عن طاعة محمد صلى الله عليه وآله طلباً للعز والكرامة فالله  بيّن أنه يقابلهم بضد مقصودهم، فأول ما يوصل إليهم الذل والهوان وبعده عذاب شديد جميع ذلك بسبب مكرهم ونكرهم ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ﴾ يقال: شرح فلان أمره، إذا أظهره وأوضحه ومنه شرح المسأله إذا بينها.

وقال الليث: شرح الله صدره فانشرح أي وسعه لقبول ذلك الأثر.

ولا شك أن توسيع الصدر غير ممكن على سبيل الحقيقة ولكن ههنا معنى وهو أنه إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح مال طبعه إلي وقوي طلبه ورغبته في حصوله وظهر في القلب استعداد شديد لتحصيله فسميت هذه الحالة سعة الصدر، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن يكون ذلك العمل مشتملاً على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى تركه وحصل في النفس نبوّة عن قبوله فيقال لهذه الحال ضيق الصدر، لأن المكان إذا كان ضيقاً لم يتمكن الداخل من الدخول فيه، وإذا كان واسعاً قدر على الدخول فيه.

وأكثر استعمال شرح الصدر في جانب الحق والإسلام وقد ورد في الكفر أيضاً قال  : ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً  ﴾ قال المفسرون: "لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله  فقيل له: كيف يشرح الله صدره؟

فقال صلى الله عليه وآله: يقذف الله  فيه نوراً حتى ينفسخ وينشرح، فقيل له: وهل لذلك من أمارة يعرف بها؟

فقال  : الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله " وهذا البيان مناسب لما ذكرنا فإن الإنابة إلى دار الخلود لا بد أن تترتب على اعتقاد أن عمل الآخرة زائد النفع والخير، والتجافي عن دار الغرور إنما ينبعث عن اعتقاد كون عمل الدنيا زائد الضر والضير، والاستعداد للموت قبل نزوله نتيجة مجموع الأمرين الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة.

أما قوله: ﴿ حرجاً ﴾ فمن قرأ بكسر الراء فعلى النعت، ومن قرأ بالفتح فعلى الوصف بالمصدر للمبالغة.

قال الزجاج: الحرج في اللغة أضيق الضيق.

وقيل: الحرج بالفتح جمع حرجة وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية.

حكى الواحدي بإسناده عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وقال: هل ههنا أحد من بني بكر؟

قال رجل: نعم.

قال: ما الحرجة فيكم؟

قال: الوادي الكثير الأشجار المشتبك الذي لا طريق فيه.

فقال: كذلك قلب الكافر.

ومعنى: ﴿ يصعد في السماء ﴾ كأنما يزاول أمراً غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد عن الاستطاعة فكأن الكافر في نفوره من الإسلام وثقله عليه بمنزلة من يتكلف الصعود إلى السماء.

وقيل: المراد أن قلبه يتباعد عن الإسلام وقبوله تباعد ما بين الأرض والسماء.

﴿ كذلك يجعل ﴾ أي كما جعل ضيق الصدر في قلوبهم كذلك يجعل الرجس عليهم.

وقال الزجاج: أي مثل ما قصصنا عليك يجعل الله الرجس.

عن ابن عباس هو الشيطان يسلطه الله عليهم.

وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه.

وعن عطاء: الرجس هو العذاب.

وقال الزجاج: هو اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الهداية والضلال من الله  ؛ بيانه أن العبد قادرعلى الإيمان وعلى الكفر وقدرته بالنسبة إلى الأمرين سواء ولا يترجح إلا لداعية، ولا معنى للداعية إلى علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملاً على مصلحة زائدة، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل، ولا بد أن تنتهي تلك الداعية إلى تخليق الله وتكوينه دفعاً للتسلسل فإذا خلق الله  في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة - وهو المراد بشرح الصدر - مال القلب إليه، وإذا خلق في قلبه اعتقاد أن الإيمان بمحمد سبب للمفسدة الدينية والدنيوية نبا طبعه عنه وبقي على الكفر.

فحاصل الآية أن من أراد الله منه الإيمان قوى دواعيه إليه، ومن أراد منه الكفر قوى صوارفه عن الإيمان.

وقالت المعتزلة: إنه لا دلالة في الآية على قولكم لأنه ليس فيها أكثر من أنه إذا أراد أن يهدي إنساناً أو يضله فعل به كيت وكيت، وليس فيها أنه أراد ذلك أو لم يرده نظيره قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا  ﴾ فبيّن أنه كيف يفعل اللهو لو أراده، ثمّ إنه لم يرد ذلك بالاتفاق وأيضاً لم قلتم إنه أراد ومن يرد أن يضله عن الإيمان بل المراد من يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة يشرح صدره للإسلام حتى يثبت عليه، وتفسير الشرح هو أنه يفعل به ألطافاً تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه.

ومن يرد أن يضله عن طريق الجنة فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج لا في كل الأوقات بل في بعضها كيلا يمكن دفعه وخصوصاً عند ظهور نصرة المؤمنين وبدوّ الذل والصغار في الكافرين.

وأيضاً لم لا يجوز أن يقال: المعنى فمن يرد الله أن يهديه إلى الجنة يشرح صدره للإسلام في ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة لما رأى من فوائد الإيمان ونتائجه من الدرجات العالية والمراتب الشريفة فتزداد رغبته فيه، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق الجنة ففي ذلك الوقت يضيق صدره للحزن الشديد الذي ناله عند الحرمان من الجنّة والدخول في النار؟

وقال في الكشاف: ﴿ فمن يرد الله أن يهديه ﴾ أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف ﴿ يشرح صدره ﴾ للإسلام يلطف به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ أي يخذله ويخليه وشأنه وهو الذي لا لطف له ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ يمنعه ألطافه حتى يقسو قلبه وينبو عن قبول الحق وينسد فلا يدخله الإيمان.

وأجيب عن قولهم "ليس في الآية أنه أراد ذلك أو لم يرده" بأن قوله في آخر الآية: ﴿ كذلك يجعل الله الرجس ﴾ تصريح بأنه فعل به ذلك الإضلال لأن الكاف للتشبيه والتقدير: كما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره كذلك يجعل.

وفيه أيضاً دلالة على أن المراد من قوله: ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ هو أنه يضله عن الدين، وتفسير الضيق والحرج باستيلاء الغم والحزن على قلب الكافر بعيد لأن أكثر من يعتريه الحزن في الدنيا هو المؤمن ولهذا قال صلى الله عليه وعلى آله: "خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل" ولو خص ذلك بالآخرة كان من إيضاح الواضحات.

فمن المعلوم لكل أحد أن من يضله الله عن طريق الجنة فإنه يضيق قلبه في ذلك الوقت.

والجواب على قول صاحب الكشاف مما مر من أن فعل الإيمان يتوقف على أن تحصل في القلب داعية جازمة إلى الإيمان، وفاعل تلك الداعية هو الله  وكذا القول في جانب الكفر، فإن سمى الداعيتين أحد باللطف والخذلان فلا مشاحة في الأسامي.

قال القاضي في تفسيره: روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: تذاكرنا أمر القدرية عند ابن عمر فقال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ وقد جمع الناس بحيث يسمع الكل أين خصماء الله؟

فتقوم القدرية.

قال: ولا يخفى أنهم الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله قضاءً وقدراً وخلقاً لأنهم يقولون الذنب لله فأي ذنب لنا حتى تعاقبنا أنت الذي خلقته فينا وأردته منا وقضيته علينا ولم تخلقنا إلا له ولا يسرت لنا غيره، فهؤلاء لا بد أن يكونوا خصماء الله.

أما الذين قالوا إن الله  مكن وأزاح العلة وإنما أتى العبد من قبل نفسه فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة، فهؤلاء منقادون لله  لا خصماؤه.

هذا كلام القاضي وتعجب منه الأشاعرة فقالوا: كيف يكون خصم الله من يقول ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه وإن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب وليس للعبد على ربه اعتراض ولا مناظرة وكل ما يصل منه إلى عباده حتى الملائكة والأنبياء فهو تفضل منه وإحسان، لكن الخصم من يدعي عليه وجوب الثواب والعوض ويقول لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولاً عن الربوبية وكنت من السفهاء وأن من واظب على الكفر سبعين سنة ثم إنه في آخر زمن حياته قال لا إله إلا الله محمد رسول الله عن القلب ثم مات، فإن رب العالمين أعطاه النعم الفائقة سنين غير محصورة، ثم إنه لو ترك لحظة واحدة قال العبد له إنك معزول عن الإلهية، يحكى أن الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله، عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن أبا علي عقد مجلس التذكير وحضر عنده جم غفير، فذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس مختفياً عن الجبائي وقال لبعض من حضر هناك من العجائز: إني أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ.

قولي له كان لي ثلاثة من البنين واحد في غاية الزهد، وآخر في غاية الفسق، الثالث كان صبياً لم يبلغ فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم.

فقال الجبائي: أما الزاهد ففي درجات الجنة، وأما الكافر ففي دركات النار، وأما الصبي فمن أهل السلامة.

فقال: قولي له إن الصبي لوأراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه الزاهد فهل يمكن منه؟

قال الجبائي: لا لأن الله  يقول له إنما أخوك وصل إلى تلك الدرجات لأنه أتعب نفسه في العلم والعمل وأنت فليس معك ذلك.

فقال أبو الحسن: قولي له لو أن الصبي يقول: يا رب العالمين ليس الذنب لي لأنك أمتني قبل بلوغي، ولو أبلغتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد، فقال الجبائي: يقول الله  له علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوجب النار فراعيت مصلحتك.

فقال لها أبو الحسن.

قولي له لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار وقال: يا رب العالمين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم الراحمين، لم راعيت حال الأخ الصغير وما راعيت حالي ومصلحتي؟

قال الراوي: فانقطع الجبائي فنظر فرأى أبا الحسن فعلم أن المسألة منه لا من العجوز.

ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار وأكثر مجيباً عن الجبائي قائلاً: نحن لا نرضى بهذا الجواب وإنما نقول: الجواب مبني على مسألة اختلف شيوخنا فيها، وهي أنه هل يجب على الله  أن يكلف العبد أم لا؟

فقال البصريون: إنه غير واجب ولكنه تفضل وإحسان.

وقال البغداديون: إنه واجب وعلى الأول لله  أن يقول لذلك الصبي إني طولت عمر الأخ الزاهد وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلاً على أحد بشيء أن أتفضل على غيره بمثله، وعلى قول البغداديين فله أن يقول: إن إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف في حقه لم يستلزم مفسدة الغير فلا جرم فعلته، أما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك فكان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك فلهذا ما فعلته وظهر الفرق.

وأورد على القسم الأول أنه  لما أوصل التفضل إلى أحدهما فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح منه عقلاً لأنه ليس فعلاً شاقاً عليه ولا ينقص بذلك شيء من ملكه، والصبي محتاج إلى الإحسان إليه ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد كمن منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجواد لعامة الناس.

فإن كان حكم العقل في التحسين والتقبيح مقبولاً فليكن ههنا أيضاً مقبولاً وإلا فلا يقبل في شيء من الصور وتبطل كلية مذهبكم.

وأورد على الشق الثاني أن قولنا: "تكليفه يتضمن مفسدة" ليس معناه أن ذات التكليف تتضمن المفسدة وإلا لم ينفك تكليف عن المفسدة وأنه باطل بالاتفاق، فمعناه إذاً أنه  علم أنه إذا كلف هذا الشخص فإن إنساناً آخر يختار من قبل نفسه فعلاً قبيحاً، فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله  تكليفه وجب أن يقبح تكليف كل من علم الله من حاله أنه يكفر وإلا لزم محض التحكم.

هذا تمام مناظرة الفريقين، ولعلك قد عرفت التحقيق هنا فيما سلف فتذكر.

ثم قال: ﴿ وهذا صراط ربك ﴾ في المشار إليه وجوه منها: أنه المذكور في الآية المتقدمة.

أما على مذهب الأشاعرة وهو أن الفعل يتوقف على الداعي وحصول تلك الداعية من الله  فيكون الفعل من الله، ويلزم استناد الكل إلى قضائه وقدره.

وأما على مذهب المعتزلة فالمراد هذا الذي قررنا طريقته التي اقتضتها الحكمة وعادته الجارية في عباده من التوفيق والخذلان.

ومعنى ﴿ مستقيماً ﴾ عادلاً مطرداً.

وانتصابه على الحال المؤكدة والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل.

أو هو محذوف أي أحقه.

وعن ابن عباس: يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك.

وقال ابن مسعود: يعني القرآن: ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ ذكرناها فصلاً فصلاً بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر.

قال في التفسير الكبير: قد بيّن الله تعالى صحة القول بالقضاء والقدر في آيات من هذه السورة متوالية متعاقبة بطرق كثيرة ووجوه مختلفة.

وختم الآية بقوله: ﴿ لقوم يذكرون ﴾ لأنه تقرر في عقل كل واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجح عن الآخر إلا لمرجح فكأنه يقول للمعتزلي: تذكر ما تقرر في عقلك أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا لمرجح حتى تزول الشبهة عن قلبك فإن حصول الفعل عن القادر لو لم يتوقف على الداعي مع تساوي طرفيه وجب أن يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات والمحدثات وحينئذٍ يلزم نفس الصانع وإبطال القول والفعل والفاعل والتأثير والمؤثر.

ثم لما بيّن عظمة نعمته في الصراط المستقيم بيّن ما أعد وهيىء للمتذكرين فقال: ﴿ لهم دار السلام ﴾ أي دار الله يعني الجنة، والإضافة للتشريف والتعظيم كما قيل: الكعبة بيت الله: أو دار السلامة من كل آفة وكرب والسلام والسلامة مثل: الضلال والضلالة والرضاع والرضاعة كلاهما مصدر.

وقيل: السلام جمع السلامة لأن أنواع السلامة حاصلة في الجنة.

ومعنى ﴿ عند ربهم ﴾ أنها معدة عنده وفي ضمانه كما يقال لفلان عندي حق لا ينسى وذلك نهاية في بيان وصولهم إليها وكونهم على ثقة من حصولها ﴿ وهو وليهم ﴾ أي قريب منهم بالرحمة والرضوان أو مواليهم ومحبهم أو ناصرهم على أعدائهم، وذلك أن القوم قد عرفوا أن المدبر والمقدر ليس إلا هو  ، وأن النافع والضار ليس إلا هو  ، فانقطعوا عن كل ما سواه فما كان رجوعهم إلا إليه، وما كان توكلهم إلا عليه، ولم يكن أنسهم إلا به، فلما صاروا بالكلية له لا جرم قال  : ﴿ وهو وليهم ﴾ على أنه متكفل لجميع مصالحهم ديناً ودنيا.

ثم قال: ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ أي بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون لئلا يقطعوا العمل ولا يتكلوا، وذلك أن بين النفس والبدن تعلقاً شديداً وكما أن الهيآت النفسانية قد تؤثر في البدن كحمرة الخجل وصفرة الوجل فالهيآت البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس، فإذا واظب الإنسان على أعمال الخير ظهرت الآثار المناسبة لها في جوهر النفس فلا بد للسالك من العمل بعد كمال العلم والمعرفة.

ثم لما بين حال من تمسك بالصراط المستقيم أردفها بذكر من تعلق بضده فقال: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ والمراد واذكر يوم كذا، أو يوم نحشرهم قلنا، أو متعلقة محذوف والتقدير: ويوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن كان ما لا يوصف لفظاعته، والضمير إما أن يعود إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله: ﴿ شياطين الإنس والجن ﴾ أو يعود إلى جميع المكلفين الذين علموا أن الله  يبعثهم من الثقلين وغيرهم، ويكون القائل على تقدير حذف القول هو الله  كما أنه الحاشر لجميعهم.

وهذا القول منه  بعد الحشر لا يكون إلا للتبكيت وإنهم وإن تمردوا في الدنيا انتهى حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد والاعتراف.

وقال الزجاج: التقدير فيقال لهم: ﴿ يا معشر الجن ﴾ لأنه يبعد أن يتكلم الله  بنفسه مع الكفار لقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله  ﴾ ﴿ قد استكثرتم من الإنس ﴾ لا بد فيه من إضمار لأن الجن أي الشياطين لا يقدرون على الاستكثار من نفس الإنس، فالمراد قد استكثرتم من إضلال الإنس واستتباعهم فحشر معكم منهم الجم الغفير كما يقال: استكثر الأمير من الجنود.

أما قوله: ﴿ وقال أولياؤهم من الإنس ﴾ فالأقرب عند بعضهم أن فيه حذفاً فكما قال للجن تبكيتاً ناسب أن يقول للإنس أيضاً مثل ذلك توبيخاً لأنه حصل من الجن الدعاء ومن الإنس القبول.

ولما بكت الله كلا الفريقين حكى جواب الإنس وهو قوله: ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن وعلى هذا ففي الاستمتاع وجهان: أحدهما أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض منفرداً وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.

فيبيت آمناً في نفسه.

فهذا استمتاع الإنس بالجن، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني كان ذلك تعظيماً منهم للجن؛ وذلك الجني يقول: قد سدت الجن والإنس لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه.

وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج ويعضده قوله  : ﴿ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن  ﴾ وثاني الوجهين أن الإنس كانوا ينقادون للجن ويطيعون حكمهم فصار الجن كالرؤساء والإنس كالأتباع فانتفعوا بالإنس انتفاع الرئيس بالخادم، وأما انتفاع الإنس بالجن فهو أن دلوهم على الشهوات واللذات إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي أيقنوا أنه يسوء عاقبتهم وهذا اختيار الزجاج.

والقول الثاني أن البعضين كليهما من الإنس لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر ﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ أي ذلك الاستمتاع كان حاصلاً إلى وقت محدود ثم جاءت الحسرة والندامة من حيث لا ينفع.

وما ذلك الإجل؟

قيل: هو وقت الموت وعلى هذا فكل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله لأنهم أقروا بأنهم بلغوا أجلهم وفيهم المقتول وغير المقتول.

وقيل: هو وقت التخلية والتمكين وقيل: وقت المحاسبة في القيامة ﴿ قال ﴾ الله  في جوابهم ﴿ النار مثواكم ﴾ مقامكم ومقرّكم من ثوى بالمكان يثوي ثوياً إذا أقام به.

قال أبو علي الفارسي: المثوى اسم للمصدر دون المكان لأن قوله  : ﴿ خالدين فيها ﴾ حال واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل فالمعنى النار أهل أن يقيموا فيها خالدين.

﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قيل: المراد منه أوقات المحاسبة ووقت كونهم في المحشر كأنه قيل: خالدين فيها منذ يبعثون إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم.

وقال ابن عباس: استثنى الله قوماً سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وآله.

وعلى هذا يلزم أن يكون "ما" بمعنى "من" وفيه خلل آخر وهو أن الاستثناء إنما هو من يوم القيامة الذي يحشرون فيه، وقيل: المراد الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير.

روي أنهم يدخلون وادياً فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد الشديد إلى حر الجحيم.

وقال في الكشاف: أو يكون هذا من قول الموتور الذي ظفر بواتره ولم يزل يحرق عليه أنيابه وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه أهلكني الله، إن نفست عنك إلا إذا شئت، فيكون قوله: "إلا إذا شئت" من أشد الوعيد مع تهكم لأن إطماع محض ويأس كلي.

وقال أبو مسلم: هذا الاستثناء غير راجع إلى الخلود وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم كأنهم قالوا: وبلغنا أجلنا الذي سميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى يعني الآجال الاخترامية ﴿ إن ربك حكيم ﴾ فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة.

﴿ عليم ﴾ بما يستأهله كل طائفة فكأنه  يقول: إنما حكمت لهؤلاء بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون ذلك.

ثم لما حكى عن الجن أن بعضهم يتولى بعضاً بين أن ذلك إنما حصل بتقديره وقضائه فقال: ﴿ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً ﴾ وذلك أن القدرة صالحة للعداوة والصداقة فترجيح أحد الجانبين لا يكون إلا بداعية خلقها الله قطعاً للتسلسل، وأيضاً لما بين أنه  ولي أهل الجنة بقوله: ﴿ هو وليهم ﴾ ذكر أن أولياء أهل النار من يشبههم في الظلم والخزي والنكال وأشار إليه بقوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ أي بسبب كون ذلك البعض مكتسباً للظلم وهذه في مناسبة في غاية اللطف لأن الجنسية علة الضم فالطيبات للطيبين والخبيثات للخبيثين.

وفي الآية دلالة على أن الرعية متى كانوا ظلمة فإن الله  يسلط عليهم ظالماً مثلهم، فإن أرادوا الخلاص منه فليتركوا الظلم وعن مالك بن دينار قال: جاء في بعض الكتب السموية "أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليهم رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليهم نقمة، لا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك لكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم".

ثم بيّن أن كفار الثقلين لا يكون لهم إلى الجحود يوم القيامة سبيل وأنهم لا يعذبون إلا بالحجة فقال: ﴿ يا معشر الجن والإنس ﴾ قال أهل اللغة: المعشر كل جماعة مختلطة يجمعهم أمير واحد ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ استفهام على سبيل التقدير فلا جرم استدل الضحاك بالآية ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير  ﴾ على أن من الجن رسلاً كالإنس، ولأن استئناس الجنس بالجنس أكمل ولهذا قال  : ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً  ﴾ والأكثرون على أنه ما كان من الجن رسول ألبتة إنما كانت الرسل من بني آدم وزعموا أن ذلك مجمع عليه.

ورد بأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف؟

واستدل بعضهم على المطلوب بقوله  : ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين  ﴾ والمراد بالاصطفاء ههنا النبوّة بالإجماع.

وأجيب عن قول الضحاك بأن الآية تقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضاً من أبعاض هذا المجموع فكان هذا القدر كافياً في حمل اللفظ على ظاهره فلا يلزم إثبات رسول من الجن.

وأيضاً لا يبعد أن يقال: إن الرسل كانوا من الإنس، ثم كان من الجن نفر يستمعون من رسول الإنس وينذرون قومهم بذلك قال: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن  ﴾ الآية.

وقد يسمى رسول الرسول رسولاً كما أنه  سمى رسل عيسى رسل نفسه فقال: ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين  ﴾ ثم إنه  يكون قد بكت كفار الثقلين بهذه الآية لأنه أزال العذر وأزاح العلة بسبب أنه أرسل الرسل إليهم فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق فقد حصل المقصود.

وقال الواحدي: أراد رسل من أحدكم وهو الإنس كقوله: ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ  ﴾ أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب.

وعن الكلبي كانت الرسل قبل أن يبعث محمد يبعثون إلى الإنس ورسول الله صلى الله عليه وآله بعث إلى الجن والإنس.

أما قوله: ﴿ يقصون عليكم آياتي ﴾ فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتأويل وبالتلاوة ﴿ وينذرونكم لقاء يومكم هذا ﴾ يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا بداً من الاعتراف فلذلك ﴿ قالوا شهدنا على أنفسنا ﴾ والسبب في أنهم أقروا في هذه الآية وجحدوا في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ هو أنهم مختلفو الأحوال في يوم القيامة مضطربون؛ فتارة يقرّون وأخرى يجحدون.

ومنهم من حمل هذه الشهادة على شهادة الجوارح عليهم.

ثم أخبر الله  عن حالهم في الدنيا بقوله: ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ وعن حالهم في الآخرة بقوله: ﴿ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ﴾ والمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجر أمثالهم في الدنيا عن الكفر والمعصية.

وقد يستدل بالآية على أن لا وجوب قبل ورود الشرع وإلا لم يكن لهذا التوبيخ والتبكيت فائدة.

التأويل: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ في حالة العدم ﴿ فأحييناه ﴾ بالحياة الحقيقية أي بالحي الذي لا يموت ﴿ وجعلنا له ﴾ نور الوجود الحقيقي الذي ﴿ يمشي به في الناس ﴾ وبه يسمع وبه يبصر ﴿ كمن هو ﴾ محبوس ﴿ في ظلمات ﴾ الطبيعة ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية ﴾ أي كل قالب ﴿ أكابر مجرميها ﴾ من النفس والهوى والشيطان ﴿ ليمكروا فيها ﴾ بمخالفات الشرع وموافقات الطبع.

﴿ ما أوتي رسل الله ﴾ من القلب والسر والروح.

﴿ يشرح صدره ﴾ أي ينظر إلى قلبه بنظر العناية فينوّره بنور جماله وهو نور الإيمان، فيشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام.

وهذا النور يقبل الزيادة والاشتداد إلى أن يصير الإيمان إيقاناً والإيقان عياناً والعيان عيناً.

﴿ ضيقاً ﴾ لتزاحم ظلمات صفات البشرية ﴿ حرجاً ﴾ لتعلقاته بالدنيا وشهواتها ﴿ كأنما يصعد في السماء ﴾ لأنه سفلي بالطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر.

﴿ وهذا ﴾ الذي بينا من الهداية والضلالة ﴿ صراط ربك ﴾ باللطف والقهر فبجذبات اللطف يهدي السعيد وبسطوات القهر يضل الشقي.

﴿ لهم دار السلام ﴾ أي السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج عن ظلمات الاثنينية.

﴿ ويوم يحشرهم ﴾ في موقف القالب البشري بالحكمة البالغة والقدرة الكاملة ﴿ يا معشر الجن ﴾ أي الصفات الشيطانية ﴿ قد استكثرتم من الإنس ﴾ أي غلبتم على الصفات الإنسانية ﴿ وقال أولياؤهم من الإنس ﴾ يعني النفس الأمارة ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ واستمتاع النفس الأمارة بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره على تحصيل شهواتها ولذاتها العاجلة وحظوظها، واستمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائها كما استعان بحواء على إغواء آدم.

﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ يعني أن مدة الاستمتاع وما جرى بيننا إنما كان بمقتضى قضائك وقدرك فأجابهم بأن الثوى في النار أيضاً بقضاء الله ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فيتوب عليهم ﴿ إن ربك حكيم ﴾ في تقدير الاستمتاع ﴿ عليم ﴾ بأهل الجنة وبأهل النار، ﴿ وكذلك ﴾ أي كما جعلنا مردة الجن والإنس بعضهم أولياء بعض فكذلك نجعل بعض الظالمين أولياء بعض بما كانوا يكسبون من إفساد الاستعداد الفطري ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ يعني الإلهامات الربانية.

وشهدوا على أنفسهم أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا صدأ مرآة قلوبهم ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى  ﴾ وما التوفيق إلا منه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً ﴾ .

لم يشر بهذا إلى شيء لكن يحتمل قوله: ﴿ وَهَـٰذَا ﴾ : الإسلام الذي سبق ذكره: أن يشرح به صدر المؤمن، ويحتمل قوله: ﴿ وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً ﴾ : الذي يدعى إليه الخلق، وهو التوحيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ ﴾ ، أي: بينا وأقمنا دلائل التوحيد وحججه، وقد ذكرناه.

﴿ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ .

أي: لقوم يتعظون بالمواعظ.

ويحتمل: لقوم يقبلون الدلائل والحجج؛ ولا يكابرون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ .

يحتمل السلام اسم الجنة [أي:] [لهم الجنة]؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ  ﴾ ، ويحتمل السلام: هو اسم الله، أي: لهم دار الله، [وهي الجنة].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ، قيل: هو أولى بهم، أي: أولى بالمؤمنين؛ كقوله: ﴿ فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا  ﴾ ، ويحتمل قوله: ﴿ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ ﴾ ، أي: حافظهم وناصرهم.

وقد ذكرنا فيما تقدم "يصعد" و "يصاعد" و "يصعد": كله لغات، والمعنى واحد.

والضيق: قال الكيساني: الضِّيق من الضِّيق في المعاش، فأما في الأمر فإنه الضَّيْق، ومنه قوله: ﴿ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ حَرَجاً ﴾ ففيه لغتان: حَرَج وحَرِج، قال القتبي: الحرج: الذي ضاق فلم يجد منفذا.

وقال أبو عوسجة: الحرج: الضيق، يقال منه: حرج يحرج حرجا؛ فهو حرج.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهذا الدين الذي شرعناه لك -أيها الرسول- هو صراط الله المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، قد بيَّنا الآيات لمن له وَعْي وفهم يَعِي به عن الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.VrnWG"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله