الآية ١٣٤ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٣٤ من سورة الأنعام

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَـَٔاتٍۢ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ١٣٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 48 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣٤ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣٤ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ) أي : أخبرهم يا محمد أن الذي يوعدون به من أمر المعاد كائن لا محالة ، ( وما أنتم بمعجزين ) أي : ولا تعجزون الله ، بل هو قادر على إعادتكم ، وإن صرتم ترابا رفاتا وعظاما هو قادر لا يعجزه شيء .

وقال ابن أبي حاتم في تفسيرها : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن المصفى ، حدثنا محمد بن حمير ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يا بني آدم ، إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى .

والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمشركين به: أيها العادلون بالله الأوثانَ والأصنامَ, إن الذي يُوعدكم به ربكم من عقابه على إصراركم على كفركم، واقعٌ بكم =(وما أنتم بمعجزين) , يقول: لن تعجزوا ربّكم هربًا منه في الأرض فتفوتوه, لأنكم حيث كنتم في قبضته, وهو عليكم وعلى عقوبتكم بمعصيتكم إيّاه قادر.

يقول: فاحذرُوه وأنيبوا إلى طاعته، قبل نـزول البلاء بكم .

* * *

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزينقوله تعالى إن ما توعدون لآت يحتمل أن يكون من " أوعدت " في الشر ، والمصدر [ ص: 81 ] الإيعاد .

والمراد عذاب الآخرة .

ويحتمل أن يكون من " وعدت " على أن يكون المراد الساعة التي في مجيئها الخير والشر فغلب الخير .

روي معناه عن الحسن .وما أنتم بمعجزين أي فائتين ; يقال : أعجزني فلان ، أي فاتني وغلبني .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولا يستبعد المعرض الغافل، سرعة الوصول إلى هذه الدار.

ف{ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } لله، فارين من عقابه، فإن نواصيكم تحت قبضته، وأنتم تحت تدبيره وتصرفه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن ما توعدون ) أي : ما توعدون من مجيء الساعة والحشر ، ( لآت ) كائن ، ( وما أنتم بمعجزين ) أي : بفائتين ، يعني : يدرككم الموت حيث ما كنتم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن ما توعدون» من الساعة والعذاب «لآت» لا محالة «وما أنتم بمعجزين» فائتين عذابنا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذي يوعدكم به ربكم - أيها المشركون - من العقاب على كفركم واقع بكم، ولن تُعجِزوا ربكم هربًا، فهو قادر على إعادتكم، وإن صرتم ترابًا وعظامًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن أمر البعث والحساب كائن لا ريب فيه فقال : { إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } .أى : " إن ما توعدون من أمر القيامة والحساب ، والعقاب والثواب لواقع لا شك فيه ، وما أنتم بمعجزين ، أى : بجاعليه عاجزا عنكم ، غير قادر على إدراككم .

من أعجزه بمعنى جعله عاجزا ، أو : بفائتين العذاب ، من أعجزه الأمر .

إذا فاته .

أى لا مهرب لكم من عذابنا بل هو مدرككم لا محالة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين ثواب أصحاب الطاعات وعقاب أصحاب المعاصي والمحرمات وذكر أن لكل قوم درجة مخصوصة ومرتبة معينة، بين أن تخصيص المطيعين بالثواب، والمذنبين بالعذاب، ليس لأجل أنه محتاج إلى طاعة المطيعين أو ينتقص بمعصية المذنبين فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين، ومع كونه غنياً فإن رحمته عامة كاملة، ولا سبيل إلى ترتيب هذه الأرواح البشرية والنفوس الإنسانية وإيصالها إلى درجات السعداء الأبرار، إلا بترتيب الترغيب في الطاعات والترهيب عن المحظورات فقال: ﴿ وَرَبُّكَ الغنى ذُو الرحمة ﴾ ومن رحمته على الخلق ترتيب الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية، فنفتقر هاهنا إلى بيان أمرين: الأول: إلى بيان كونه تعالى غنياً.

فنقول: إنه تعالى غني في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه، لأنه لو كان محتاجاً لكان مستكملاً بذلك الفعل، والمستكمل بغيره ناقص بذاته، وهو على الله محال، وأيضاً فكل إيجاب أو سلب يفرض، فإن كان ذاته كافية في تحققه، وجب دوام ذلك الإيجاب أو ذلك السلب بدوام ذاته وإن لم تكن كافية، فحينئذ يتوقف حصول تلك الحالة وعدمها على وجود سبب منفصل أو عدمه، فذاته لا تنفك عن ذلك الثبوت والعدم وهما موقوفان على وجود ذلك السبب المنفصل وعدمه، والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء، فيلزم كون ذاته موقوفة على الغير، والموقوف على الغير ممكن لذاته، فالواجب لذاته ممكن لذاته وهو محال فثبت أنه تعالى غني على الإطلاق.

واعلم أن قوله: ﴿ وَرَبُّكَ الغنى ﴾ يفيد الحصر، معناه: أنه لا غني إلا هو والأمر كذلك، لأن واجب الوجود لذاته واحد، وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته محتاج، فثبت أنه لا غني إلا هو فثبت بهذا البرهان القاطع صحة قوله سبحانه: ﴿ وَرَبُّكَ الغنى ﴾ وأما إثبات أنه ﴿ ذُو الرحمة ﴾ فالدليل عليه أنه لا شك في وجود خيرات وسعادات ولذات وراحات.

إما بحسب الأحوال الجسمانية، وإما بحسب الأحوال الروحانية فثبت بالبرهان الذي ذكرناه أن كل ما سواه فهو ممكن لذاته، وإنما يدخل في الوجود بإيجاده وتكوينه وتخليقه فثبت أن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات فهو من الحق سبحانه، وبإيجاده وتكوينه.

ثم إن الاستقراء دل على أن الخير غالب على الشر فإن المريض وإن كان كثيراً فالصحيح أكثر منه، والجائع وإن كان كثيراً فالشبعان أكثر منه، والأعمى وإن كان كثيراً، إلا أن البصير أكثر منه.

فثبت أنه لابد من الاعتراف بحصول الرحمة والراحة، وثبت أن الخير أغلب من الشر والألم والآفة.

وثبت أن مبدأ تلك الراحات والخيرات بأسرها هو الله تعالى فثبت بهذا البرهان أنه تعالى هو ﴿ ذُو الرحمة ﴾ .

واعلم أن قوله: ﴿ وَرَبُّكَ الغنى ذُو الرحمة ﴾ يفيد الحصر، فإن معناه: أنه لا رحمة إلا منه، والأمر كذلك لأن الموجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، والواجب لذاته واحد فكل ما سواه فهو منه، والرحمة داخلة فيما سواه فثبت أنه لا رحمة إلا من الحق، فثبت بهذا البرهان صحة هذا الحصر فثبت أنه لا غني إلا هو فثبت أنه لا رحيم إلا هو.

فإن قال قائل: فكيف يمكننا إنكار رحمة الوالدين على الولد والمولى على عبده، وكذلك سائر أنواع الرحمة؟

فالجواب: أن كلها عند التحقيق من الله ويدل عليه وجوه: الأول: لولا أنه تعالى ألقى في قلب هذا الرحيم داعية الرحمة، لما أقدم على الرحمة، فلما كان موجد تلك الداعية هو الله، كان الرحيم هو الله ألا ترى أن الإنسان قد يكون شديد الغضب على إنسان قاسي القلب عليه، ثم ينقلب رؤوفاً رحيماً عطوفاً فانقلابه من الحالة الأولى إلى الثانية ليس إلا بانقلاب تلك الدواعي فثبت أن مقلب القلوب هو الله تعالى بالبرهان قطعاً للتسلسل، وبالقرآن وهو قوله: ﴿ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم  ﴾ فثبت أنه لا رحمة إلا من الله.

والثاني: هب أن ذلك الرحيم أعطى الطعام والثوب والذهب، ولكن لا صحة للمزاج والتمكن من الانتفاع بتلك الأشياء، وإلا فكيف الانتفاع؟

فالذي أعطى صحة المزاج والقدرة والمكنة هو الرحيم في الحقيقة.

والثالث: أن كل من أعطى غيره شيئاً فهو إنما يعطي لطلب عوض، وهو إما الثناء في الدنيا، أو الثواب في الآخرة، أو دفع الرقة الجنسية عن القلب، وهو تعالى يعطي لا لغرض أصلاً، فكان تعالى هو الرحيم الكريم فثبت بهذه البراهين اليقينية القطعية صحة قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الغنى ذُو الرحمة ﴾ بمعنى أنه لا غني ولا رحيم إلا هو.

فإذا ثبت أنه غني عن الكل.

ثبت أنه لا يستكمل بطاعات المطيعين ولا ينتقص بمعاصي المذنبين وإذا ثبت أنه ذو الرحمة ثبت أنه ما رتب العذاب على الذنوب، ولا الثواب على الطاعات، إلا لأجل الرحمة والفضل والكرم والجود والإحسان، كما قال في آية أخرى: ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ فهذا البيان الإجمالي كاف في هذا الباب.

وأما تفصيل تلك الحالة وشرحها على البيان التام، فمما لا يليق بهذا الموضع.

المسألة الثانية: أما المعتزلة فقالوا: هذه الآية إشارة إلى الدليل الدال على كونه عادلاً منزهاً عن فعل القبيح، وعلى كونه رحيماً محسناً بعباده.

أما المطلوب الأول فقال: تقريره أنه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنياً عنه، وكل من كان كذلك فإنه يتعالى عن فعل القبيح.

أما المقدمة الأولى، فتقريرها إنما يتم بمجموع مقدمات ثلاثة.

أولها: أن في الحوادث ما يكون قبيحاً، نحو: الظلم، والسفه، والكذب، والغيبة: وهذه المقدمة غير مذكورة في الآية لغاية ظهورها.

وثانيها: كونه تعالى عالماً بالمعلومات، وإليه الإشارة بقوله قبل هذه الآية: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ  ﴾ .

وثالثها: كونه تعالى غنياً عن الحاجات وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَرَبُّكَ الغنى ﴾ وإذا ثبت مجموع هذه المقدمات الثلاثة، ثبت أنه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنياً عنها، فإذا ثبت هذا امتنع كونه فاعلاً لها، لأن المقدم على فعل القبيح إنما يقدم عليه إما لجهله بكونه قبيحاً، وإما لاحتياجه، فإذا كان عالماً بالكل امتنع كونه جاهلاً بقبح القبائح وإذا كان غنياً عن الكل امتنع كونه محتاجاً إلى فعل القبائح، وذلك يدل على أنه تعالى منزه عن فعل القبائح متعال عنها، فحينئذ يقطع بأنه لا يظلم أحداً، فلما كلف عبيده الأفعال الشاقة وجب أن يثيبهم عليها، ولما رتب العقاب والعذاب على فعل المعاصي، وجب أن يكون عادلاً فيها، فبهذا الطريق ثبت كونه تعالى عادلاً في الكل.

فإن قال قائل: هب أن بهذا الطريق انتفى الظلم عنه تعالى، فما الفائدة في التكليف؟

فالجواب: أن التكليف إحسان ورحمة على ما هو مقرر في كتب الكلام فقوله: ﴿ وَرَبُّكَ الغنى ﴾ إشارة إلى المقام الأول وقوله: ﴿ ذُو الرحمة ﴾ إشارة إلى المقام الثاني فهذا تقرير الدلائل التي استنبطها طوائف العقلاء من هذه الآية على صحة قولهم.

واعلم يا أخي أن الكل لا يحاولون إلا التقديس والتعظيم، وسمعت الشيخ الإمام الوالد ضياء الدين عمر بن الحسين رحمه الله قال: سمعت الشيخ أبا القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري، يقول: نظر أهل السنة على تعظيم الله في جانب القدرة ونفاذ المشيئة، ونظر المعتزلة على تعظيم الله في جانب العدل والبراءة عن فعل ما لا ينبغي، فإذا تأملت علمت أن أحداً لم يصف الله إلا بالتعظيم والإجلال والتقديس والتنزيه، ولكن منهم من أخطأ ومنهم من أصاب، ورجاء الكل متعلق بهذه الكلمة وهي قوله: ﴿ وَرَبُّكَ الغنى ذُو الرحمة ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء ﴾ والمعنى أنه تعالى لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة فقد كان يجوز أن يظن ظان أنه وإن كان ذا الرحمة إلا أن لرحمته معدناً مخصوصاً وموضعاً معيناً فبين تعالى أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق، وقادر على أن يخلق قوماً آخرين ويضع رحمته فيهم وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم والمقصود التنبيه على أن تخصيص الرحمة بهؤلاء ليس لأجل أنه لا يمكنه إظهار رحمته إلا بخلق هؤلاء.

أما قوله: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ فالأقرب أن المراد به الإهلاك ويحتمل الإماتة أيضاً ويحتمل أن لا يبلغهم مبلغ التكليف وأما قوله: ﴿ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم ﴾ يعني من بعد إذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون إلا على طريق البدل من فائت.

وأما قوله: ﴿ مَا يَشَاء ﴾ فالمراد منه خلق ثالث ورابع، واختلفوا فقال بعضهم: خلقاً آخر من أمثال الجن والإنس يكونون أطوع، وقال أبو مسلم: بل المراد أنه قادر على أن يخلق خلقاً ثالثاً مخالفاً للجن والإنس قال القاضي: وهذا الوجه أقرب لأن القوم يعلمون بالعادة أنه تعالى قادر على إنشاء أمثال هذا الخلق فمتى حمل على خلق ثالث ورابع يكون أقوى في دلالة القدرة، فكأنه تعالى نبه على أن قدرته ليست مقصورة على جنس دون جنس من الخلق الذين يصلحون لرحمته العظيمة التي هي النواب، فبين بهذا الطريق أنه تعالى لرحمته لهؤلاء القوم الحاضرين أبقاهم وأمهلهم ولو شاء لأماتهم وأفناهم وأبدل بهم سواهم.

ثم بين تعالى علة قدرته على ذلك فقال: ﴿ كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ءاخَرِينَ ﴾ لأن المرء العاقل إذا تفكر علم أنه تعالى خلق الإنسان من نطفة ليس فيها من صورته قليل ولا كثير، فوجب أن يكون ذلك بمحض القدرة والحكمة، وإذا كان الأمر كذلك فكما قدر تعالى على تصوير هذه الأجسام بهذه الصورة الخاصة، فكذلك يقدر على تصويرهم بصورة مخالفة لها.

وقرأ القراء كلهم ﴿ ذُرّيَّةِ ﴾ بضم الذال وقرأ زيد بن ثابت بكسر الذال.

قال الكسائي: هما لغتان.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لأَتٍ ﴾ قال الحسن: أي من مجيء الساعة، لأنهم كانوا ينكرون القيامة، وأقول فيه احتمال آخر: وهو أن الوعد مخصوص بالإخبار عن الثواب، وأما الوعيد فهو مخصوص بالإخبار عن العقاب فقوله: ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لأَتٍ ﴾ يعني كل ما تعلق بالوعد بالثواب فهو آت لا محالة، فتخصيص الوعد بهذا الجزم يدل على أن جانب الوعيد ليس كذلك ويقوي هذا الوجه آخر الآية، وهو أنه قال: ﴿ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ يعني لا تخرجون عن قدرتنا وحكمنا، فالحاصل أنه لما ذكر الوعد جزم بكونه آتياً، ولما ذكر الوعيد، ما زاد على قوله: ﴿ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ وذلك يدل على أن جانب الرحمة والإحسان غالب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَرَبُّكَ الغنى ﴾ عن عباده وعن عبادتهم ﴿ ذُو الرحمة ﴾ يترحم عليهم بالتكليف ليعرّضهم للمنافع الدائمة ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ أيها العصاة ﴿ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء ﴾ من الخلق المطيع ﴿ كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ءاخَرِينَ ﴾ من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم، وهم أهل سفينة نوح عليه السلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ﴾ عَنِ العِبادِ والعِبادَةِ.

﴿ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ بِالتَّكْلِيفِ تَكْمِيلًا لَهم ويُمْهِلُهم عَلى المَعاصِي، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ الإرْسالِ لَيْسَ لِنَفْعِهِ بَلْ لِتَرَحُّمِهِ عَلى العِبادِ وتَأْسِيسٌ لِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ أيْ ما بِهِ إلَيْكم حاجَةٌ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها العُصاةُ.

﴿ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ ﴾ مِنَ الخَلْقِ.

﴿ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ أيْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ لَكِنَّهُ أبْقاكم تَرَحُّمًا عَلَيْكم.

﴿ إنَّ ما تُوعَدُونَ ﴾ مِنَ البَعْثِ وأحْوالِهِ.

﴿ لآتٍ ﴾ لَكائِنٌ لا مَحالَةَ.

﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ طالِبَكم بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ مَا} ما بمعنى الذي {تُوعَدُونَ} من البعث والحساب والثواب والعقاب {لآتٍ} خبر إن أي لكائن {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} بفائتين رد لقولهم من مات فقد فات المكانة تكون مصدراً يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ ما تُوعَدُونَ ﴾ أيِإنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِنَ القِيامَةِ والحِسابِ والعِقابِ والثَّوابِ وتَفاوُتِ الدَّرَجاتِ والدَّرَكاتِ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ و ﴿ ما ﴾ اسْمُإنَّ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافَّةَ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لآتٍ ﴾ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ هو خَبَرُإنَّ والمُرادُ إنَّ ذَلِكَ لَواقِعٌ لا مَحالَةَ وإيثارُ آتٍ عَلى واقِعٍ لِبَيانِ كَمالِ سُرْعَةِ وُقُوعِهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ طالِبٍ حَثِيثٍ لا يَفُوتُهُ هارِبٌ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ (134) أيْ جاعِلِي مَن طَلَبَكم عاجِزًا عَنْكم غَيْرَ قادِرٍ عَلى إدْراكِكم.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْنى وما أنْتُمْ بِسابِقِينَ وإيثارُ صِيغَةِ الفاعِلِ عَلى المُسْتَقْبَلِ لِلْإيذانِ بِقُرْبِ الإتْيانِ والدَّوامِ الَّذِي يُفِيدُهُ العُدُولُ عَنِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ مُتَوَجِّهٌ إلى النَّفْيِ فالمُرادُ دَوامُ انْتِفاءِ الإعْجازِ لا بَيانُ دَوامِ انْتِفائِهِ ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ الكَرِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا يعني: ولكل واحد من المؤمنين فضائل في الجنة بعضهم أرفع درجة من بعض، وللكافرين درجات بعضهم أشد عذاباً من بعض.

وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ يعني: لمن ينسى الطاعة من المطيعين، ولا المعصية من العاصين، ويجازي كل نفس بما عملت.

قرأ ابن عامر عَمَّا تَعْمَلُونَ على معنى المخاطبة.

وقرأ الباقون: يَعْمَلُونَ بالياء على معنى المغايبة.

قوله تعالى: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ يعني: غني عن عبادة خلقه، ذُو الرَّحْمَةِ بتأخير العذاب عنهم ويقال: ذُو الرَّحْمَةِ يعني: ذو التجاوز عمن تاب ورجع إليه بالتوبة إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يعني: يهلككم وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَّا يَشاءُ خلقاً بعدكم من بعد إهلاككم مَا يَشاءُ إن يشأ مثلكم، وإن يشأ أطوع منكم.

كَما أَنْشَأَكُمْ يقول: كما خلقكم مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ قرناً من بعد قرن ولكنه لم يهلككم رحمة منه، لترجعوا وتتوبوا.

ثم قال: إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ يعني: الوعيد الذي أوعد في الآخرة من العذاب لآتٍ، يقول: لكائن لا خلف فيه وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ يعني: بسابقين الله بأعمالكم الخبيثة التي يجازيكم بها.

هذا قول مقاتل.

وقال الكلبي: بِمُعْجِزِينَ أي: بفائتين أن يدرككم.

ويقال في اللغة: أعجزني الشيء أي: فاتني وسبقني.

ثم قال: قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي: على موضعكم.

يقال: مكان ومكانة مثل منزل ومنزلة.

ومعناه اعملوا على ما أنتم عليه.

ويقال: معناه اجتهدوا في إهلاكي ما استطعتم ويقال: اعملوا في منازلكم من الخير والشر فإنكم تجزون بهما لا محالة.

إِنِّي عامِلٌ بما أوحى الله إلي ويقال: اعملوا بمكاني وأنا عامل بمكانكم.

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ فهذا وعيد من الله تعالى.

يقول: نبيّن لكم من تكون له عاقبة الأمر في الدنيا، ومن تكون له الجنة في الآخرة.

ثم قال: إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ مخاطباً لرسول الله  أي: في الآخرة، ولا يأمن المشركون.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ في جميع القرآن بلفظ الجماعة.

وقرأ الباقون مَكانَتِكُمْ.

وقرأ حمزة والكسائي مَنْ يَكُونُ بالياء لأنه انصرف إلى المعنى وهو الثواب والباقون قرءوا بالتاء لأن لفظ العاقبة لفظ مؤنث.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

القرى، وبِظُلْمٍ: يحتمل معنيين:

أحدهما: أنه لم يكُنْ سبحانه لِيُهْلِكَهم دون نِذَارة، فيكون ظُلْماً لهم، واللَّه تعالى ليس بظلاَّم للعبيد.

والآخر: أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم يُهْلِكْهم بظلمٍ واقعٍ منهم دون أنْ ينذرهم، وهذا هو البيِّن القويُّ، وذكر الطبري (رحمه اللَّه) التأويلين.

وقوله سبحانه: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ...

الآية: إخبارٌ من اللَّه سبحانه أنَّ المؤمنين في الآخرة على درجاتٍ من التفاضُل بحَسَب أعمالهم، وتفضُّل المولى سبحانه عليهم، ولكنْ كلٌّ راضٍ بما أعطِيَ غايةَ الرضا، / والمشركون أيضاً على دركاتٍ من العذابِ، قلتُ: وظاهر الآية أن الجنَّ يثابون وينالُونَ الدَّرَجَاتِ والدَّرَكَاتِ، وقد ترجم البخاريُّ على ذلك، فقال: ذِكْر الجنِّ وثَوَابِهِم وعقابِهِم لقوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ...

الآية، إلى قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ، قال الداوديّ: قال الضحاكُ: مِنَ الجنِّ مَنْ يدخل الجنَّة، ويأكل ويشرب «١» .

انتهى.

وقوله سبحانه: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَّا يَشاءُ الآيةُ متضمِّنةٌ وعيداً وتحذيراً من بطْشِ اللَّه عزَّ وجلَّ في التعجيل بذلك، وإمَّا مع المُهْلَة ومرورِ الجَدِيدَيْن فذلك عادته سبحانه في الخَلْق بإذهاب خَلْقِ واستخلاف آخرين.

وقوله سبحانه: إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ، هو من الوعيدِ بقرينة: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أي: وما أنتم بناجين هَرَباً فتعجزوا طالبكم، ثم أمرَ سبحانَه نبيَّه- عليه السلام- أنْ يتوعدَّهم بقوله: اعْمَلُوا، أي: فسترون عاقبةَ عملكم الفاسدِ، وصيغةُ «افعل» هنا: هي بمعنى الوعيد والتهديد، وعَلى مَكانَتِكُمْ: معناه: على حالكم وطريقتكم، وعاقِبَةُ الدَّارِ، أي: مآل الآخرة، ويحتمل مآل الدنيا بالنصر والظهور، ففي الآية إعلام بغيب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ ﴿ إنَّ ما تُوعَدُونَ لآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ﴾ يُرِيدُ: الغَنِيَّ عَنْ خَلْقِهِ ﴿ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِأوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ.

وقالَ غَيْرُهُ: بِالكُلِّ.

ومِن رَحْمَتِهُ تَأْخِيرُ الِانْتِقامِ مِنَ المُخالِفِينَ.

﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ بِالهَلاكِ؛ وقِيلَ: هَذا الوَعِيدُ لِأهْلِ مَكَّةَ؛ ﴿ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكُمْ ﴾ أيِ: ابْتَدَأكم ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ يَعْنِي: آَباءَهُمُ الماضِينَ.

﴿ إنَّ ما تُوعَدُونَ ﴾ بِهِ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والحَشْرِ ﴿ لآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: أعْجَزَنِي كَذا، أيْ: فاتَنِي وسَبَقَنِي.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ ﴿ إنَّ ما تُوعَدُونَ لآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ "اَلْغَنِيُّ"؛ صِفَةُ ذاتٍ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِأنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ؛ ثُمَّ تُلِيَتْ هَذِهِ الصِفَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى "ذُو الرَحْمَةِ"؛ فَأرْدَفَ الِاسْتِغْناءَ بِالتَفَضُّلِ؛ وهَذا أجْمَلُ تَناسُقٍ؛ ثُمَّ عَقَّبَ بِهَذِهِ الألْفاظِ المُضَمَّنَةِ الوَعِيدَ؛ المُحَذِّرَةِ مِن بَطْشِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في التَعْجِيلِ بِذَلِكَ؛ وإمّا مَعَ المُهْلَةِ؛ ومُرُورِ الجَدِيدَيْنِ؛ فَكَذَلِكَ عادَةُ اللهِ تَعالى في الخَلْقِ؛ وأمّا الِاسْتِخْلافُ؛ فَكَما أوجَدَ اللهُ تَعالى هَذا العالَمَ الآدَمِيَّ بِالنَشْأةِ مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ مُتَقَدِّمِينَ؛ أصْلُهم آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأتِ الجَماعَةُ: "ذُرِّيَّةِ"؛ بِضَمِّ الذالِ؛ وشَدِّ الراءِ المَكْسُورَةِ؛ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ بِكَسْرِ الذالِ؛ وكَذَلِكَ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ "؛ وحَكى أبُو حاتِمٍ عن أبانَ بْنِ عُثْمانَ أنَّهُ قَرَأ: "ذَرِيَّةِ"؛ بِفَتْحِ الذالِ؛ وتَخْفِيفِ الراءِ المَكْسُورَةِ؛ وحَكى عنهُ أبُو الزِنادِ أنَّهُ قَرَأ عَلى المِنبَرِ: "ذَرْيَةِ"؛ بِفَتْحِ الذالِ؛ وسُكُونِ الراءِ؛ عَلى وزْنِ "فَعْلَةِ"؛ قالَ: فَسَألْتُهُ؛ فَقالَ: أقْرَأنِيها زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ.

و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى "مِن ذُرِّيَّةِ"؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّها بِمَعْنى قَوْلِكَ: "أخَذْتُ مِن ثَوْبِي دِينارًا"؛ بِمَعْنى: "عنهُ؛ وعِوَضَهُ"؛ و"تُوعَدُونَ"؛ مَأْخُوذٌ مِن "اَلْوَعِيدُ"؛ بِقَرِينَةٍ: ﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ ؛ والإشارَةُ إلى هَذا الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ خُصُوصًا؛ وأمّا أنْ يَكُونَ العُمُومُ مُطْلَقًا؛ فَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إنْفاذَ الوَعِيدِ؛ والعَقائِدُ تَرُدُّ ذَلِكَ؛ و"بِمُعْجِزِينَ"؛ مَعْناهُ: "بِناجِينَ هَرَبًا"؛ أيْ: "يُعْجِزُونَ طالِبَهُمْ".

ثُمَّ أمَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَتَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: "اِعْمَلُوا"؛ أيْ: "فَسَتَرَوْنَ عاقِبَةَ عَمَلِكُمُ الفاسِدِ"؛ وصِيغَةُ "اِفْعَلْ"؛ هَهُنا بِمَعْنى الوَعِيدِ والتَهْدِيدِ؛ و ﴿ عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى حالِكُمْ؛ وطَرِيقَتِكُمْ؛ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ: "عَلى مَكاناتِكُمْ"؛ بِجَمْعِ المَكانَةِ؛ في كُلِّ القُرْآنِ؛ وقَرَأ الجَمِيعُ بِالإفْرادِ في كُلِّ القُرْآنِ؛ و"مَن" يُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ فَتَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَعْلَمُونَ"؛ ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى "تَكُونُ لَهُ"؛ و ﴿ عاقِبَةُ الدارِ ﴾ أيْ: مَآلُ الآخِرَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مَآلُ الدُنْيا؛ بِالنَصْرِ؛ والظُهُورِ؛ فَفي الآيَةِ إعْلامٌ بِغَيْبٍ.

ثُمَّ جَزَمَ الحُكْمَ بِأنَّهُ: ﴿ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ ؛ أيْ: يَنْجَحُ سَعْيُهُمْ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "مَن يَكُونُ"؛ بِالياءِ؛ هَهُنا؛ وفي "اَلْقَصَصِ"؛ عَلى تَذْكِيرِ مَعْنى العاقِبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة بدل اشتمال من جملة: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ [الأنعام: 133] فإنّ المشيئة تشتمل على حالين: حاللِ ترك إهلاكهم، وحاللِ إيقاعه، فأفادت هذه الجملة أنّ مشيئة الله تعلّقت بإيقاع ما أوعدهم به من الإذهاب، ولك أن تجعل الجملة استئنافاً بيانياً: جواباً عن أن يقول سائل من المشركين، متوركاً بالوعيد: إذا كنّا قد أُمهلنا وأخِّر عنَّا الاستئصال فقد أُفلتنا من الوعيد، ولعلّه يلقاه أقوام بعدنا، فورد قوله: ﴿ إن ما توعدون لأت ﴾ مورد الجواب عن هذا السّؤال النّاشئ عن الكلام السّابق بتحقيق أنّ مَا أُوعد به المشركون، واقع لا محالة وإنْ تأخّر.

والتّأكيد ب ﴿ أنّ ﴾ مناسب لمقام المتردّد الطالب، وزيادة التّأكيد بلام الابتداء لأنَّهم متوغّلون في إنكار تحقّق ما أوعدوا به من حصول الوعيد واستسخارهم به، فإنَّهم قالوا: ﴿ اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [الأنفال: 32] إ فحاماً للرّسول صلى الله عليه وسلم وإظهاراً لتخلّف وعيده.

وبناء ﴿ توعدون ﴾ للمجهول يصحح أن يكون الفعل مضارع وَعد يَعِد، أو مضارع أوْعد، يُوعد والمتبادر هو الأوّل.

ومن بديع الفصاحة اختيار بنائه للمجهول، ليصلح لفظه لحال المؤمنين والمشركين، ولو بني للمعلوم لتعيّن فيه أحد الأمرين: بأن يقال: إنّ ما نعدكم، أو إنّ ما نُوعدكم، وهذا من بديع التّوجيه المقصود منه أن يأخذ منه كلّ فريق من السّامعين ما يليق بحاله، ومعلوم أنّ وعيد المشركين يستلزم وعْداً للمؤمنين، والمقصود الأهمّ هو وعيد المشركين، فلذلك عقّب الكلام بقوله: ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فذلك كالتّرشيح لأحد المحتمَلين من الكلام الموجَّه.

والإتيان مستعار للحصول تشبيها للشيء الموعودِ به المنتظر وقوعه بالشّخص الغائب المنتظرِ إتيانُه، كما تقدّم في قوله تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذابُ الله بغتة أو جهرة في هذه السورة.

وحقيقة المُعجز هو الّذي يَجعل طالب شيءٍ عاجزاً عن نواله، أي غير قادرين، ويستعمل مجازاً في معنى الإفلات من تَناوُل طالبِه كما قال إياس بن قبيصَة الطائي: ألم تَرَ أنّ الأرضَ رحْب فسيحة *** فهَل تُعْجزَنِّي بُقعة من بِقاعها أي فلا تُفلت منّي بقعة منها لا يصل إليها العدوّ الّذي يطالبني.

فالمعنى: وما أنتم بمعجزي أي: بمفلتين من وعيدي، أو بخارجين عن قدرتي، وهو صالح للاحتمالين.

ومجيء الجملة اسميّة في قوله: وما أنتم بمعجزين} لإفادة الثّبات والدّوام، في نسبة المسند للمسند إليه، وهي نسبةُ نفيه عن المسند إليه، لأنّ الخصوصيات الّتي تعتبر في حالة الإثبات تعتبر في حالة النّفي إذ النّفي إنَّما هو كيفيّة للنّسبة.

والخصوصياتُ مقتضياتُ أحواللِ التّركيب، وليس يختلف النّفي عن الإثبات إلاّ في اعتبار القيود الزائدة على أصل التّركيب، فإنّ النّفي يعتبر متوجّهاً إليها خاصّة وَهي قيود مفاهيم المخالفة، وإلاّ لبطلت خصوصيات كثيرة مفروضة مع الإثبات، إذا صار الكلام المشتمل عليها منفياً، مثل إفادة التجدّد في المسند الفعلي في قول جؤية بن النضر: لا يألفُ الدرهمُ المضروب صرّتَنا *** لكن يمرّ عليها وهو منطق إذ لا فرق في إفادة التّجدّد بين هذا المصراع، وبين أن تقول: ألِفَ الدّرهم صرّتنا.

وكذلك قوله تعالى: ﴿ لاَ هُنّ حِلّ لهم ولا هُم يحِلّون لهنّ ﴾ [الممتحنة: 10] فإنّ الأول يفيد أنّ نفي حِلّهنّ لهم حكم ثابت لا يختلف، والثّاني يفيد أنّ نفي حِلّهم لهُنّ حكم متجدّد لا ينسخ، فهما اعتباران، وقد أشرت إلى بعض هذا عند تفسير قوله تعالى: ﴿ واللَّه لا يحبّ كلّ كفّار أثِيم ﴾ في سورة البقرة (276).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عَلى طَرِيقَتِكم.

والثّانِي: عَلى حالَتِكم.

والثّالِثُ: عَلى ناحِيَتِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

والرّابِعُ: عَلى تَمَكُّنِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: عَلى مَنازِلِكم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ إنِّي عامِلٌ ﴾ يَعْنِي أُنْذِرُكم مِن جَزاءِ المُطِيعِ بِالثَّوابِ، والعاصِي بِالعِقابِ.

﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَعْلَمُونَ ثَوابَ الآخِرَةِ بِالإيمانِ، وعِقابَها بِالكُفْرِ تَرْغِيبًا مِنهُ في ثَوابِهِ وتَحْذِيرًا مِن عِقابِهِ.

والثّانِي: تَعْلَمُونَ نَصْرَ اللَّهِ في الدُّنْيا لِأوْلِيائِهِ، وخِذْلانِهِ لِأعْدائِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأمل وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد الخدري قال: اشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار إلى شهر، فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر، إن أسامة لطويل الأمل...

!

والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي وطننت أن شفري يلتقيان حتى أقبض، ولا رفعت طرفي وظننت إني واضعة حتى أقبض، ولا لقمت لقمة فظننت أني أسيغها حتى أغص بالموت.

يا بني آدم إن كنتم تعقلون فَعِدُوا أنفسكم في الموتى، والذي نفسي بيده ﴿ إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ قال: بسابقين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ ﴾ .

قال الحسن: (أي: من مجيء الساعة؛ لأنهم كانوا يكذبون بالنشأة الثانية) (١) ﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: بفائتين: يقال: أعجزني فلان، أي: فاتني وغلبني فلم أقدر عليه (٢) قال ابن عباس: (يريد: وما يعجزني منكم أحد) (٣) (١) ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 166، والقرطبي 7/ 88، وأبو حيان في "البحر" 4/ 225.

(٢) هذا قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 206.

(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1390، بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: ( ﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: بسابقين)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 88.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلِكُلٍّ درجات ﴾ منازل في الجزاء على أعمالهم من الثواب والعقاب ﴿ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ﴾ أي من ذرية أهل سفينة نوح أو من كان قبلهم إلى آدم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عما تعملون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ﴿ مكاناتكم ﴾ بالجمع حيث كان: أبو بكر وحماد.

الباقون ﴿ مكانتكم ﴾ على التوحيد.

﴿ من يكون ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بتاء التأنيث.

﴿ بزعمهم ﴾ بضم الزاي علي وكذلك ما بعده الباقون: بالفتح ﴿ زين ﴾ على البناء للمفعول ﴿ قتل ﴾ بالرفع ﴿ أولادهم ﴾ بالنصب ﴿ شركائهم ﴾ بالجر ابن عامر.

الآخرون ﴿ زين ﴾ على البناء للفاعل ﴿ قتل ﴾ بالنصب ﴿ أولادهم ﴾ بالجر ﴿ شركاؤهم ﴾ بالرفع ﴿ وإن تكن ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد ﴿ ميتة ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر ويزيد، وقرأ ﴿ ميتة ﴾ بالتشديد ابن كثير وابن عامر: الباقون: بالتخفيف.

الوقوف: ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ مما عملوا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ذو الرحمة ﴾ ط ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ لآت ﴾ لا لأن الواو بعده للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التقرير مع فاء التعقيب ﴿ تعملون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول سواء كان من استفهامية أو موصولة ﴿ عاقبة الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ لشركائنا ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ إلى الله ﴾ ج للفصل بين المتضادين معنى مع الاتفاق حكماً ﴿ شركائهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ دينهم ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ افتراء عليه ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ أزواجنا ﴾ ج للشرط مع العطف.

﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ وصفهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه.

التفسير: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره ﴿ أن لم يكن ﴾ وهو للتعليل والمعنى الأمر ما قصصنا عليك، أو ذلك الذي ذكر لانتفاء كون ربك مهلك القرى و"أن" هي الناصبة للأفعال أو مخففة من الثقيلة، وعلى هذا يكون ضمير الشأن محذوفاً أي أن الحديث كذا، ويجوز أن يكون، ﴿ أن لم يكن ﴾ بدلاً من ﴿ ذلك ﴾ كقوله: ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ بظلم ﴾ أي بسبب ظلم أقدموا عليه وهذا أليق بأصول الأشاعرة.

أو المراد ظالماً لكم فيكون من فعل الله وهذا أنسب بأصول المعتزلة.

ومعناه أنه  لو أهلكهم قبل بعثة الرسل ولم ينبهوا برسول ولا كتاب كان ظالماً.

وعلى هذا التفسير يمكن للأشاعرة أن يقولوا إنه لو فعل ذلك لم يكن ظلماً ولكنه يكون في صورة الظلم فأطلق الظلم على نفسه مجازاً وإلا فهو  يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله.

وأما قوله: ﴿ وأهلها غافلون ﴾ فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به وإنما معناه أنه لا يبين لهم كيفية الحال وأن لا يزيل عذرهم وعلتهم.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب ألبتة لأنها تدل على أنه تعالى ما يعذب أحداً على أمر من الأمور قبل بعثة الرسل لكن بعدها.

والمعتزلة قالوا: إنها تدل من وجه آخر على تقرير الوجوب قبل الشرع لأن قوله: ﴿ بظلم ﴾ إن كان عائداً إلى العبد دل على أنه يمكن أن يصدر منه الظلم والقبيح قبل البعثة، وإن كان عائداً إلى الله  فقد تم الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه.

ثم لما شرح أحوال أهل الثواب والعقاب ذكر كلاماً كلياً فقال: ﴿ ولكل درجات ﴾ أي ولكل عامل في عمله درجات، وعلى حسب تلك الدرجات يكون الجزاء إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

ومعنى ﴿ مما عملوا ﴾ أي من جزاء أعمالهم.

وقيل: إن أول الآية مختصة بأهل الطاعات لأن لفظ الدرجة يليق بهم ولأهل المعصية تكون الدركات وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما ربك بغافل عما يعملون ﴾ قالت الأشاعرة: في الآية دليل على مسألة الجبر والقدر فإنه  حكم لكل واحد بدرجة معينة في وقت معين وبحسب فعل معين، وأثبت تلك الدرجة في اللوح المحفوظ وأشهد عليها الملائكة وخلاف علمه وإثباته وإِشهاده محال.

ثم بين أنه ليس يحتاج إلى طاعة المطيعين ولا يدخل عليه نقص بمعصية العاصين فقال: ﴿ وربك الغني ذو الرحمة ﴾ أما أنه غني في ذاته وصفاته وأفعاله وفي أحكامه عن كل ما سواه فلوجوب وجوده، وأن ما سواه ممكن لذاته مفتقر في الوجود وفي الأمور التابعة للوجود إليه فلا غنيّ إلا هو، وأما أنه ذو الرحمة فلأن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات من الروحانيات ومن الجسمانيات فهو من الحق وبإيجاده وتخليقه، والاستقراء دل على أن الخير غالب كالصحة والشبع والسمع والبصر وما ذلك إلا لرحمته الكاملة ورأفته الشاملة.

والذي يتصوّر من رحمة الوالدين وغيرهما فإنما ذلك بإيجاد داعية ذلك فيهم ومع ذلك فتمكن الشخص من الانتفاع بها ليس إلا منه  .

ومن هذا يعلم تنزهه  عن الظلم والسفه والكذب والعبث.

ومن رحمته تكليف الخلائق ليعرضهم للمنافع الباقيات الدائمات.

ثم لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة كان لظانّ أن يظن أن للرحمة معدناً مخصوصاً وموضعاً معيناً فبين  بقوله  : ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق وقادر على أن يخلق قوماً آخرين ويضع رحمته فيهم، وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم.

ومعنى الإذهاب الإهلاك وأن لا يبلغهم مبلغ التكليف ﴿ ويستخلف من بعدكم ﴾ أي: من بعد ذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون، إلا على طريق البدل من فائت، وقوله: ﴿ ما يشاء ﴾ أي خلق ثالث ورابع.

ثم اختلفوا فقال بعضهم: خلقاً آخرين من أمثال الجن والإنس لكن أطوع، وقال أبو مسلم: يعني خلقاً ثالثاً مخالفاً للثقلين ليكون أقوى في دلالة القدرة.

ثم بيّن سبب قدرته على ذلك فقال ﴿ كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ﴾ لأن من قدر على تصوير النطفة المتشابهة الأجزاء بهذه الصور المخصومة قدر على تصويرها بصور أخرى مخالفة لها.

وقال في الكشاف: المعنى كما أنشأكم من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح  ، ثم ذكر حال المعاد فقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ قال الحسن: أي من مجيء الساعة لأنهم كانوا ينكرون القيامة، ويحتمل أن يقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ إشارة إلى لطفه أي ما يتعلق بالوعد والثواب فهو آت لا محالة.

وقوله: ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ أي خارجين عن قدرتنا وحكمنا إشارة إلى قهره، يقال: أعجزه الشيء أي فاته.

فالجزم في جانب الوعد والتعريض في جانب الوعيد دليل على أن جانب الرحمة والإحسان أغلب.

ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله بتهديد منكري البعث فقال: ﴿ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ﴾ قال الواحدي: قراءة الإفراد أوجه لأن المصدر لا يجمع في أغلب الأحوال، وقال في الكشاف: المكانة تكون مصدراً.

يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكين.

وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة، فمعنى الآية اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها.

يقال للرجل: على مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه ﴿ إني عامل ﴾ على مكانتي التي أنا عليها.

والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، والغرض تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ ﴿ فسوف تعلمون ﴾ أينا تكون له العاقبة المحمودة، والفاء لتعقيب الجزاء ألا يعادي أي قل اعملوا فستجزون وهكذا في سورة الزمر بخلاف سورة هود حيث لم يقل هناك "قل" فصار استئنافاً ومحل "من" نصب إن كان بمعنى "الذي" أو رفع والجملة مفعول تعلمون إن كان بمعنى أيّ و ﴿ عاقبة الدار ﴾ العاقبة الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها وهي مصدر كالعافية.

وهذا طريق من الإنذار لطيف المسلك فيه إنصاف وأدب ووثوق بأن المنذر محق ولهذا قيل له فإن الكافر تكون العاقبة عليه لا له.

ثم حكى أنواعاً من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهاً على ضعف عقولهم وقلة محصولهم وتنفيراً للعقلاء عن الالتفات إلى أقوال أمثالكم فقال: ﴿ وجعلوا لله ﴾ قال الزجاج: وجعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً بدليل قوله: ﴿ فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ﴾ وجعل الأوثان شركاء لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونها عليها.

ثم قال: ﴿ فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ﴾ وفي تفسيره وجوه: قال ابن عباس: كان المشركون يجعلون لله  من حروثهم وأنعامهم نصيباً وللأوثان نصيباً، فما كان للصنم أنفقوه عليه وما كان لله أطعموه الضيفان والمساكين ولا يأكلون منه ألبتة.

ثم إن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا إن الله غنيّ عن هذا، وإن سقط شيء مما جعلوا للأوثان في نصيب الله  أخذوه وردّوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير.

وإنما ذلك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها.

وعن الحسن والسدي: كان إذا هلك لأوثانهم شيء أخذوا بدله مما لله ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله تعالى.

وقال مجاهد: إنه إذا انفجر من سقى ما جعلوه للشيطان في نصيب الله عز وجل سدوه وإن كان على ضد ذلك تركوه، وقال قتادة: إذا أصابهم شدة استعانوا بالله وإذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى شركائهم.

وقال مقاتل: إن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة.

وقالوا: لو شاء زكى نصيب نفسه.

وأما إن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة قالوا لا بدّ لآلهتنا من نفقة وأخذوا نصيب الإله  فأعطوه السدنة.

فمعنى ﴿ فلا يصل إلى الله ﴾ أنه لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين، ومعنى الوصول إلى شركائهم أنهم ينفقونه عليها بذبح نسائك عندها والأجراء على سدنتها ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ مما ذرأ ﴾ فيه أن الله  كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه أي خلقه.

ثم إنه  ذم فعلهم فقال: ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ وذكر العلماء فيه وجوهاً: الأول أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانبه وهو سفه.

الثاني جعلوا بعض الحرث لله وبعضه لغيره مع أنه  هو الخالق للجميع.

الثالث أن ذلك حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع وأشار إليه بقوله ﴿ بزعمهم ﴾ الرابع لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز نصيب لكل حجر ومدر.

الخامس لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ولا قدرة لها على الانتفاع بذلك النصيب، فإفراز النصيب لها عبث.

النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة قوله: ﴿ وكذلك زين ﴾ كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياءً خوفاً من الفقر أو من التزويج، وكان الرجل يحلف بالله إن ولد له كذا غلاماً لينحرن أحدهم كما فعل عبد المطلب على ابنه عبد الله، والشركاء على الوجه الأول الشياطين الذين أطاعوهم في معصية الله تعالى، وعلى الثاني هم السدنة والخدام، والأول قول مجاهد، والثاني للكلبي.

وتقدير الكلام ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله والآلهة، أو مثل ذلك التزيين البليغ الذي علم من الشياطين زين لهم شركاؤهم من الشياطين أو من سدنة الأصنام ﴿ قتل أولادهم ﴾ بالوأد أو بالنحر.

ثم إن وجه القراءة الأكثري ظاهر وليس فيها إلا تقديم المفعول وذلك لشدة الاعتناء به، وأما قراءة أبن عامر فخطأها الزمخشري من جهة الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف فإن ذلك قد جوز بالظرف كقوله: لله در اليوم من لامها *** وضعف بغير الظرف كقوله: فزججتها بمزجة *** زج القلوص أبي مزادة وحملوه على ضرورة الشعر مع الاستكراه، والحق عندي في هذا المقام أن القرآن حجة على غيره وليس غيره حجة عليه، والقراآت السبع كلها متواترة فكيف يمكن تخطئة بعضها؟

فإذا ورد في القرآن المعجز مثل هذا التركيب لزم القول بصحته وفصاحته وأن لا يلتفت إلى أنه هل ورد له نظير في أشعار العرب وتراكيبهم أم لا، وإن ورد فكثير أم لا؟

ومع ذلك فقد وجهه بعض الفضلاء بأن المضاف إليه من الأول محذوف على نحو قوله: بين ذراعي وجبهة الأسد *** والمضاف مضمر مع الثاني كقراءة من قرأ ﴿ والله يريد الآخرة  ﴾ بالجر على تقدير غرض الآخرة، فتقدير الآية: قتل شركائهم أولادهم قتل شركائهم.

ومعنى ﴿ ليردوهم ﴾ ليهلكوهم بالإغواء.

قال ابن عباس: ليردوهم في النار.

واللام محمول على العاقبة إن كان التزيين من السدنة، وعلى حقيقة التعليل إن كان من الشيطان ﴿ وليلبسوا عليهم دينهم ﴾ ليخلطوه عليهم ويشبهوه ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق.

وقيل: دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه، وقيل: وليوقعوهم في دين ملتبس ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ لما فعل المشركون ما زين لهم، أو لما فعل الشياطين والسدنة التزيين أو الإرداء أو اللبس أو جميع ما ذكر إن جعل الضمير جارياً مجرى اسم الإشارة.

والمعتزلة حملوا هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر.

ثم قال: ﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ على قانون قوله: ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ وفيه مع التهديد التسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر والشرك.

قيل: إنما قال في هذه الآية ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ ليكون مناسباً لقوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ وقال فيما قبل: ﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه  ﴾ لأنه وقع عقيب آيات فيها ذكر الرب كقوله: ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم  ﴾ الآيات.

النوع الثالث من أحكامهم الباطلة أنهم قسموا أنعامهم أقساماً فأوّلها أن قولوا ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ وحجر "فعل" بمعنى "مفعول" كالذبح والطحن ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وأصل الحجر المنع وسمي العقل الحجر لمنعه من القبائح، وفلان في حجر القاضي أي في منعه.

كانوا إذا عينوا شيئاً من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: ﴿ لا يطعمها إلا من نشاء ﴾ يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء ﴿ و ﴾ ثانيها أن قالوا: ﴿ هذه أنعام حرمت ظهورها ﴾ وهي البحائر والسوائب والحوامي وقد سبق في المائدة.

﴿ و ﴾ ثالثها: ﴿ أنعام لا يذكرون اسم الله عليها ﴾ في الذبح وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام.

وقيل: هي أنعام لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها وإنما فعلوا ذلك كله من غير حكم من الله وشرع منه بل ﴿ افتراء عليه ﴾ وانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء.

ثم قال: ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ والمقصود منه الوعيد، ﴿ و ﴾ النوع الرابع من قضاياهم الفاسدة أن ﴿ قالوا ما في بطون هذه الأنعام ﴾ يعنون أجنة البحائر والسوائب ﴿ خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ﴾ هذا إن ولد حياً ﴿ وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ﴾ أي اشترك فيه الذكور والإناث، من قرأ بنصب ميتة فتقديره وإن يكن ما في بطونها ميتة، ومن قرأ بالرفع فعلى أن "كان تامة"، أو لأن التقدير: وإن يكن لهم أو هناك ميتة.

وإنما جاز تذكير الفعل وتأنيثه لأن تأنيث الميتة غير حقيقي، أو لأن الميتة لكل ميت ذكر أو أنثى فكأنه قيل: ميت ولهذا جاز عود الضمير إليه مذكراً في قوله: ﴿ فهم فيه شركاء ﴾ وتذكير الضمير في قوله: ﴿ فهم ﴾ للتغليب ﴿ سيجزيهم وصفهم ﴾ أي جزاء وصفهم على الله الكذب في التحليل والتحريم ﴿ إنه حكيم عليم ﴾ ليكون الزجر واقعاً على حد الحكمة وبحسب الاستحقاق.

فإن قيل: كيف أنث ﴿ خالصة ﴾ وذكر ﴿ محرماً ﴾ ؟

قلنا: الأول حمل على المعنى لأن ما في بطون الأنعام في معنى الأجنة، والثاني حمل على اللفظ، وفي الأول وجهان آخران: أن تكون التاء للمبالغة مثل رواية الشعر وأن يكون مصدراً كالعاقبة أي ذو خالصة.

ثم إنه  جمع قبائح أحكامهم وأفعالهم وحكم عليهم بالخسران والسفاهة وعدم العلم والضلال وعدم الاهتداء فقال ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم ﴾ الآية.

وذلك أن الولد نعمة عظيمة من الله تبقي ذكره ونسله فالسعي في إبطال مثل هذه النعمة لضرر مظنون هو الفقر أو نحوه، أو لفائدة موهومة هي القربة إلى الأصنام دليل خفة العقل وعدم العلم وأنه موجب لخسران الدارين.

وكذا تحريم ما أحل الله من الطيبات بالهوى والتقليد بل لمحض الافتراء على الله وإن ذلك من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، ولهذا سجل عليهم آخراً بالضلال ثم بعدم الاهتداء ليحصل كلا الأمرين لهم بالمطابقة كما حصل بالتضمن والله أعلم.

التأويل: ﴿ مهلك القرى ﴾ أي قرى أشخاص الإنسان ﴿ بظلم ﴾ وهو صرف الاستعداد الفطري في استيفاء اللذات الفانية ﴿ وأهلها غافلون ﴾ لم يبلغوا مبلغ التكليف بعد.

﴿ وربك الغني ﴾ عن كل مخلوق عامة وعن الإنسان خاصة ﴿ ذو الرحمة ﴾ خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح عليهم.

﴿ واعملوا على مكانتكم ﴾ أي على ما جبلتم عليه ﴿ إني عامل ﴾ على ما جبلت عليه ﴿ قتل أولادهم شركاؤهم ﴾ من الشياطين والنفس والهوى والدنيا ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ لأنهم ذهبوا مذهب الطبع لا مذهب الشرع، والعمل بالطبع وإن كان فيه نوع مجاهدة النفس لا يكون له نور إذا لم يكن لامتثال الشرع ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم ﴾ لأن ذلك نتيجة انتزاع الرحمة عن قلوبهم وحرموا ما رزقهم الله صورة وهو ظاهر، ومعنى وهو استعداد حصول مراتب أهل القرب ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ لأن خشية الفقر حملتهم على قتل الأولاد.

وقال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ﴾ ، هذا يرد على الثنوية مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إنه إنما خلق الخلائق لمنافع نفسه؛ لأنه ليس بحكيم من فعل فعلا لا يقصد منفعة نفسه، فأخبر - عز وجل - أنه غني بذاته، وإنما يقصد غيره المنفعة [بفعله لحاجة تقع له]، وضرورة تصيبه [يقصد بالفعل] قصد قضاء الحاجة ودفع الضرورة عن نفسه.

فأمّا الله -  وتعالى - فهو الغني بذاته، إنما خلق الخلائق لمنافع أنفسهم، وهو غني عن خلقه على ما أخبر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ﴾ .

يحتمل: غني عن تعذيب أولئك الكفرة، أي: لا لمنفعة له في تعذيبهم يعذبهم أو لحاجة له؛ ولكن الحكمة توجب ذلك.

أو أن يكون صلة قوله: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ  ﴾ .

يقول: لم يرسل إليكم، ولا امتحنكم بالذي امتحنكم لحاجة نفسه أو لمنفعة له؛ إذ هو غني بذاته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ذو الرحمة فلا يعجل عليهم بالعقوبة.

والثاني: ذو الرحمة لما خلق الخلائق، وجعل لبعض ببعض الانتفاع بهم والاستمتاع، وإنما خلقهم لمنافع أنفسهم.

ويحتمل قوله: ﴿ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ﴾ : مَنْ قَبِلَ رحمته صار أهلا لها، فأما من لم يقبل رحمته فإنه ذو انتقام منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ ﴾ .

لأنه غني بذاته لم يخلقكم لمنافع نفسه أو لحاجته، إن شاء أذهبكم واستخلف غيركم، ولو كان خلقه الخلق لمنافع نفسه لكان لا يذهب بهم ويستخلف [من] بعدهم ما يشاء.

﴿ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ .

يخبر عن غناه عنهم، وعن سلطانه، وقدرته أنه يقدر على إهلاككم واستئصالكم وإنشاء قوم آخرين.

كأن خلق الخلائق من جواهر مختلفة لا توالد فيهم، ثمّ جعل في الآخر التوالد والتناسل ويستخلف بعض من بعض بالتوالد والتناسل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ ﴾ .

من الوعد والوعيد.

أو أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ ﴾ : من النصر لرسوله والمعونة له لآت وكائن.

﴿ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ .

قيل: بفائتين ربكم.

وقيل: وما أنتم سابقين الله بأعمالكم الخبيثة حتى لا يجزيكم الله بها.

وأصله: ﴿ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ ، أي: لا تعجزون ربكم عن تعذيبكم وعقوبتكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ ﴾ .

قيل: على جديتكم.

وقيل: على منازلكم وجدتكم.

ولكن تأويله - والله أعلم -: ﴿ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ ﴾ أي: ما أنتم عليه، ثم يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل ﴿ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ ﴾ ، أي: على ما أنتم عليه من أمر الدين، ﴿ إِنَّي عَامِلٌ ﴾ : على ما أنا عليه من أمر الدين؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ .

ويحتمل أن يكونوا هموا أن يمكروا برسول الله؛ فقال: امكروا بي إني ماكر بكم؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ  ﴾ .

ويحتمل أن يكونوا يطلبون الدوائر والهلاك على رسول الله  ويكيدونه؛ كقوله: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  ﴾ هذه الكلمة تستعمل في انتهاء المكابرة غايتها وجود المعاندة غايتها بعد الفراغ من الحجج والآيات؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

يحتمل فسوف تعلمون من تكون له العاقبة.

ويحتمل: فسوف تعلمون بالهلاك من كان محقّاً بالوعيد.

أو سوف تعلمون من المحق بما أوعد وخوف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾ \[يحتمل: لا يفلح الظالمون\]، ما داموا في ظلمهم.

ويحتمل: أن يكون ذلك في قوم مخصوصين.

ويحتمل: في الآخرة: لا يفلح الظالمون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن ما توعدون به -أيها الكفار- من البعث والنشور والحساب والعقاب لآتٍ لا مَحَالة، ولن تفوتوا ربكم بالهرب، فهو آخذ بنواصيكم، ومعذبكم بعذابه.

<div class="verse-tafsir" id="91.11N5R"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده