الآية ١٣٥ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٣٥ من سورة الأنعام

قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌۭ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ١٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣٥ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣٥ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون ) هذا تهديد شديد ، ووعيد أكيد ، أي : استمروا على طريقكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى ، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي ، كما قال تعالى : ( وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون ) [ هود : 121 ، 122 ] .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( على مكانتكم ) أي : ناحيتكم .

( فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون ) أي : أتكون لي أو لكم وقد أنجز موعده له ، صلوات الله عليه ، فإنه تعالى مكن له في البلاد ، وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد ، وفتح له مكة ، وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه ، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب ، وكذلك اليمن والبحرين ، وكل ذلك في حياته .

ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق بعد وفاته في أيام خلفائه ، رضي الله عنهم أجمعين ، كما قال الله تعالى : ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) [ المجادلة : 20 ] ، وقال ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) [ غافر : 51 ، 52 ] ، وقال تعالى : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) [ الأنبياء : 105 ] ، وقال تعالى إخبارا عن رسله : ( فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ) [ إبراهيم : 13 ، 14 ] ، وقال تعالى : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) الآية [ النور : 55 ] ، وقد فعل الله تعالى ذلك بهذه الأمة ، وله الحمد والمنة أولا وآخرا ، باطنا وظاهرا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لقومك من قريش الذين يجعلون مع الله إلها آخر=: (اعملوا على مكانتكم)، يقول: اعملوا على حِيالكم وناحيتكم .

كما:- 13898- حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (يا قوم اعملوا على مكانتكم)، يعني: على ناحيتكم .

* * * يقال منه: " هو يعمل على مكانته، ومَكِينته " .

* * * وقرأ ذلك بعض الكوفيين: " عَلَى مَكَانَاتِكُمْ"، على جمع " المكانة ".

* * * قال أبو جعفر: والذي عليه قرأة الأمصار: (عَلَى مَكَانَتِكُمْ)، على التوحيد .

* * * =(إني عامل)، يقول جل ثناؤه، لنبيه: قل لهم: اعملوا ما أنتم عاملون, فإني عامل ما أنا عامله مما أمرني به ربي =(فسوف تعلمون)، يقول: فسوف تعلمون عند نـزول نقمة الله بكم, أيُّنا كان المحقّ في عمله، والمصيب سبيلَ الرشاد, أنا أم أنتم.

وقوله تعالى ذكره لنبيه: قل لقومك: (يا قوم اعملوا على مكانتكم)، أمرٌ منه له بوعيدهم وتهدّدهم, لا إطلاقٌ لهم في عمل ما أرادُوا من معاصي الله .

* * * القول في تأويل قوله : مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (من تكون له عاقبة الدار)، فسوف تعلمون، أيها الكفرة بالله، عند معاينتكم العذابَ, مَن الذي تكون له عاقبة الدار منا ومنكم.

(10) يقول: من الذي تُعْقبه دنياه ما هو خير له منها أو شر منها، (11) بما قدَّم فيها من صالح أعماله أو سَيّئها .

ثم ابتدأ الخبر جل ثناؤه فقال: (إنه لا يفلح الظالمون)، يقول: إنه لا ينجح ولا يفوز بحاجته عند الله مَنْ عمل بخلاف ما أمره الله به من العمل في الدنيا (12) = وذلك معنى: " ظلم الظالم "، في هذا الموضع .

(13) * * * وفي" من " التي في قوله: (من تكون)، له وجهان من الإعراب: = الرفع على الابتداء.

= والنصبُ بقوله: (تعلمون)، ولإعمال " العلم " فيه.

والرفع فيه أجود, لأن معناه: فسوف تعلمون أيُّنا له عاقبة الدار؟

فالابتداء في" من "، أصحُّ وأفصح من إعمال " العلم " فيه .

(14) * * * --------------------- الهوامش : (10) انظر تفسير (( العاقبة )) فيما سلف 11: 272 ، 273 .

(11) في المطبوعة : (( من الذي يعقب دنياه )) ، والذي في المخطوطة هو الصواب .

(12) انظر تفسير (( الفلاح )) فيما سلف 11 : 296 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .

(13) انظر تفسير (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) .

(14) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 355 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمونقوله تعالى قل ياقوم اعملوا على مكانتكم وقرأ أبو بكر بالجمع " مكاناتكم " .

والمكانة الطريقة .

والمعنى اثبتوا على ما أنتم عليه فأنا أثبت على ما أنا عليه .

فإن قيل : كيف يجوز أن يؤمروا بالثبات على ما هم عليه وهم كفار .

فالجواب أن هذا تهديد ; كما قال عز وجل : فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا .

ودل عليه فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار أي العاقبة المحمودة التي يحمد صاحبها عليها ، أي من له النصر في دار الإسلام ، ومن له وراثة الأرض ، ومن له الدار الآخرة ، أي الجنة .

قال الزجاج : مكانتكم تمكنكم في الدنيا .

ابن عباس والحسن والنخعي : على ناحيتكم .

القتبي : على موضعكم .إني عامل على مكانتي ، فحذف لدلالة الحال عليه .و ( من ) من قوله من تكون له عاقبة الدار في موضع نصب بمعنى الذي ; لوقوع العلم عليه .

ويجوز أن تكون في موضع رفع ; لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله فيكون الفعل معلقا .

أي تعلمون أينا تكون له عاقبة الدار ; كقوله : لنعلم أي الحزبين أحصى وقرأ حمزة والكسائي ( من يكون ) بالياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قُلْ } يا أيها الرسول لقومك إذا دعوتهم إلى الله، وبينت لهم ما لهم وما عليهم من حقوقه، فامتنعوا من الانقياد لأمره، واتبعوا أهواءهم، واستمروا على شركهم: { يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ } أي: على حالتكم التي أنتم عليها، ورضيتموها لأنفسكم.

{ إِنِّي عَامِلٌ } على أمر الله، ومتبع لمراضي الله.

{ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ } أنا أو أنتم، وهذا من الإنصاف بموضع عظيم، حيث بيَّن الأعمال وعامليها، وجعل الجزاء مقرونا بنظر البصير، ضاربا فيه صفحا عن التصريح الذي يغني عنه التلويح.

وقد علم أن العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة للمتقين، وأن المؤمنين لهم عقبى الدار، وأن كل معرض عما جاءت به الرسل، عاقبته سوء وشر، ولهذا قال: { إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } فكل ظالم، وإن تمتع في الدنيا بما تمتع به، فنهايته فيه الاضمحلال والتلف"إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته"

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل ) يا محمد ( يا قوم اعملوا على مكانتكم ) قرأ أبو بكر عن عاصم ( مكاناتكم ) بالجمع حيث كان أي : على تمكنكم ، قال عطاء : على حالاتكم التي أنتم عليها .

قال الزجاج : اعملوا على ما أنتم عليه .

يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة : على مكانتك يا فلان ، أي : اثبت على ما أنت عليه ، وهذا أمر وعيد على المبالغة يقول : قل لهم : اعملوا على ما أنتم عاملون ، ( إني عامل ) ما أمرني به ربي - عز وجل - ، ( فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ) أي : الجنة ، قرأ حمزة والكسائي : يكون بالياء هنا وفي القصص ، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث العاقبة ، ( إنه لا يفلح الظالمون ) قال ابن عباس : معناه لا يسعد من كفر بي وأشرك .

قال الضحاك : لا يفوز .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» لهم «يا قوم اعملوا على مكانتكم» حالتكم «إني عامل» على حالتي «فسوف تعلمون من» موصولة مفعول العلم «تكون له عاقبة الدار» أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة أنحن أم أنتم «إنه لا يفلح» يسعد «الظالمون» الكافرون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول-: يا قوم اعملوا على طريقتكم فإني عامل على طريقتي التي شرعها لي ربي جل وعلا فسوف تعلمون -عند حلول النقمة بكم- مَنِ الذي تكون له العاقبة الحسنة؟

إنه لا يفوز برضوان الله تعالى والجنة مَن تجاوز حده وظلم، فأشرك مع الله غيره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينفض يده من هؤلاء المشركين ، وأن يتركهم لأنفسهم .

وأن ينذرهم بسوء العاقبة إذا ما ستمروا فى كفرهم فقال - تعالى - { قُلْ يَاقَوْمِ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدار إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } .أى : قل يا محمد لهؤلاء المصرين على كفرهم اعمولا على غاية تمكنكم من أمركم ، وأقصى استطاعتكم .

مصدر مكن - ككرم - مكانة ، إذا تمكن أبلغ التمكن وأقواه ، أو المعنى اعملوا على جهتكم واثبتوا على كفركم وحالتكم التى أنتم عليها من قولهم .

مكان ومكانة كمقام ومقامة .قال الزمخشرى : يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة : مكانك يا فلان أى : اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه .والأمر للتهديد والوعيد ، وإظهار ما هو عليه صلى الله عليه وسلم فى غاية التصلب فى الدين ونهاية الوثوق بأمره ، وعدم المبالاة بأعدائه أصلا .وقوله { إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } أى : إنى عامل على مكانتى ، ثابت على الإسلام لا أتزحزح عن الدعوة إليه ، فسوف تعلمون بعد حين من تكون له العاقبة الحسنى فى هذه الدنيا .وقوله : { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } بجانب إفادته للإنذار ، فيه إنصاف فى المقال ، وحسن أدب فى الخطاب ، حيث لم يقل - مثلا - العاقبة لنا ، وإنما فوض الأمر إلى الله ، فهو كقوله - تعالى - { وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ }وفيه تنبيه على وثوق المنذر بأنه على الحق .قال الجمل - وسوف لتأكيد مضمون الجملة ، وهذه الجملة .

تعليل لما قبلها والعلم عرفان ، ومن استفهامية معلقة لفعل العلم محلها الرفع على الابتداء وخبرها جملة تكون ، وهى مع خبرها فى محل نصب لسدها مسد مفعول تعلمون .

أى : فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة الحسنى التى خلق الله هذه الدار لها ، ويجوز أن تكون موصولة فيكون محلها النصب على أنها مفعول لتعلمون .

أى : فسوف تعلمون الذى له عاقبة الدار " .ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } أى : لن يظفروا بمطلوبهم بسبب ظلمهم ، وقيل المراد بالظلم هنا الكفر ، ووضع الظلم موضع الكفر ، إيذاناً بأن امتناع الفلاح يترتب على أى فرد كان من أفراد الظلم ، فما ظنك بالكفر الذى هو أعظم أفراده .قال ابن كثير ، وقد أنجز الله موعوده لرسوله صلى الله عليه وسلم فمكن فه فى البلاد ، وحكمه فى نواصى مخالفيه من العباد ، وفتح له مكة ، وأظهره على من كذبه من قومه ، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب .

، وكل ذلك فى حياته ، ثم فتحت الأقاليم والأمصار بعد وفاته .

قال - تعالى - { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد } ثم تبدأ السورة بعد ذلك حديثاً مستفيضاً عن أوهام المشركين وجهالاتهم التى تتعلق بمآكلهم ، ومشاربهم ، ونذورهم ، وذبائحهم ، وعاداتهم البالية ، وتقاليدهم الموروثة ، فتناقشهم فى كل ذلك مناقشة منطقية حكيمة ، وترد عليهم فيما أحلوه وحرموه بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير ، وترشدهم إلى الطريق السليم الذى من الواجب عليهم أن يسلكوه .

استمع إلى سورة الأنعام وهى تحكى كل ذلك فى بضع عشرة آية بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول : { وَجَعَلُواْ للَّهِ .

.

.

.

} .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه لما بين بقوله: ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لأَتٍ ﴾ أمر رسوله من بعده أن يهدد من ينكر البعث عن الكفار، فقال: ﴿ قُلْ ياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ أبو بكر عن عاصم ﴿ مكاناتكم ﴾ بالألف، على الجمع في كل القرآن، والباقون ﴿ مَكَانَتِكُمْ ﴾ قال الواحدي: والوجه الإفراد، لأنه مصدر، والمصادر في أكثر الأمر مفردة، وقد تجمع أيضاً في بعض الأحوال، إلا أن الغالب هو الأول.

البحث الثاني: قال صاحب الكشاف: المكانة تكون مصدراً، يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن، وبمعنى المكان، يقال: مكان ومكانة، ومقام ومقامة، فقوله: ﴿ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ ﴾ يحتمل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، ويحتمل أيضاً أن يراد اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة: على مكانتك يا فلان، أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه ﴿ إِنّى عامل ﴾ أي أنا عامل على مكانتي، التي عليها، والمعنى: اثبتوا على كفركم وعداوتكم، فأني ثابت على الإسلام، وعلى مضارتكم ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ أيناله العاقبة المحمودة، وطريقة هذا الأمر طريقة قوله: ﴿ اعملوا مَا شِئْتُمْ ﴾ وهي تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد.

البحث الثالث: من في قوله: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار ﴾ ذكر الفراء في موضعه من الإعراب وجهين: الأول: أنه نصب لوقوع العلم عليه.

الثاني: أن يكون رفعاً على معنى: تعلمون أينا تكون له عاقبة الدار، كقوله تعالى: ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ  ﴾ .

البحث الرابع: قوله: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار ﴾ يوهم أن الكافر ليست له عاقبة الدار، وذلك مشكل.

قلنا: العاقبة، تكون على الكافر ولا تكون له، كما يقال: له الكثرة ولهم الظفر، وفي ضده يقال: عليكم الكثرة والظفر.

البحث الخامس: قرأ حمزة والكسائي ﴿ مَّن يَكُونُ ﴾ بالياء وفي القصص أيضاً والباقون بالتاء في السورتين.

قال الواحدي: العاقبة مصدر كالعافية، وتأنيثه غير حقيقي، فمن أنث، فكقوله: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة  ﴾ ومن ذكر فكقوله: ﴿ وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة  ﴾ وقال: ﴿ قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ  ﴾ وفي آية أخرى: ﴿ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون ﴾ والغرض منه بيان أن قوله: ﴿ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ ﴾ تهديد وتخويف لا أنه أمر وطلب، ومعناه: أن هؤلاء الكفار لا يفلحون ولا يفوزون بمطالبهم ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

(المكانة) تكون مصدراً يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن.

وبمعنى المكان، يقال: مكان ومكانة ومقام ومقامة.

وقوله: ﴿ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ ﴾ يحتمل: اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم.

أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها.

يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله؛ على مكانتك يا فلان، أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه ﴿ إِنّى عامل ﴾ أي عامل على مكانتي التي أنا عليها.

والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي، فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ أينا تكون له العاقبة المحمودة.

وطريقة هذا الأمر طريقة قوله ﴿ اعملوا مَا شِئْتُمْ ﴾ [فصلت: 40] وهي التخلية والتسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلاّ الشرّ، فكأنه مأمور به وهو واجب عليه حتم ليس له أن يتفصى عنه ويعمل بخلافه، فإن قلت: ما موضع ﴿ مَن ﴾ ؟

قلت: الرفع إذا كان بمعنى (أي) وعلق عنه فعل العلم.

أو النصب إذا كان بمعنى (الذي) و ﴿ عاقبة الدار ﴾ العاقبة الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدار لها.

وهذا طريق من الإنذار لطيف المسلك، فيه إنصاف في المقال وأدب حسن، مع تضمن شدة الوعيد، والوثوق بأنّ المنذر محقّ والمنذر مبطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ عَلى غايَةِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكم يُقالُ مَكُنَ مَكانَةً إذا تَمَكَّنَ أبْلَغَ التَّمَكُّنِ، أوْ عَلى ناحِيَتِكم وجِهَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِن قَوْلِهِمْ مَكانٌ ومَكانَةٌ كَمَقامٍ ومَقامَةٌ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ مَكاناتِكم بِالجَمْعِ في كُلِّ القُرْآنِ وهو أمْرُ تَهْدِيدٍ، والمَعْنى: اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم وعَداوَتِكم.

﴿ إنِّي عامِلٌ ﴾ ما كُنْتَ عَلَيْهِ مِنَ المُصابَرَةِ والثَّباتِ عَلى الإسْلامِ، والتَّهْدِيدُ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةٌ في الوَعِيدِ كَأنَّ المُهَدَّدَ يُرِيدُ تَعْذِيبَهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَيَحْمِلُهُ بِالأمْرِ عَلى ما يُفْضِي بِهِ، إلَيْهِ، وتَسْجِيلٌ بِأنَّ المُهَدَّدَ لا يَتَأتّى مِنهُ إلّا الشَّرُّ كالمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي لا يَقْدِرُ أنْ يَنْقَضِيَ عَنْهُ.

﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ ﴾ إنْ جُعِلَ مَنِ اسْتِفْهامِيَّةً بِمَعْنى أيُّنا تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ الحُسْنى الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ لَها هَذِهِ الدّارَ، فَمَحَلُّها الرَّفْعُ وفِعْلُ العِلْمِ مُعَلَّقٌ عَنْهُ وإنْ جُعِلَتْ خَبَرِيَّةً فالنَّصْبُ بِ تَعْلَمُونَ أيْ فَسَوْفَ تَعْرِفُونَ الَّذِي تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ، وفِيهِ مَعَ الإنْذارِ إنْصافٌ في المَقالِ وحُسْنِ الأدَبِ، وتَنْبِيهٌ عَلى وُثُوقِ المُنْذِرِ بِأنَّهُ مُحِقٌّ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ يَكُونُ بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ العاقِبَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.

﴿ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ﴾ وضَعَ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ الكافِرِينَ لِأنَّهُ أعَمُّ وأكْثَرُ فائِدَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وقوله {يا قوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ} يحتمل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم واعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها ويقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله على مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه {إني عامل} على

الأنعام (١٣٥ _ ١٣٨)

مكانتي التي أنا عليها أي اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم وهو أمر تهديد ووعيد ودليله قوله {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار} أي فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة المحمودة وهذا طريق لطيف في الإنذار {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون} أي الكافرون مكاناتكم حيث كان أبو بكر يَكُونَ حمزة وعلي وموضع منْ رفع إذا كان بمعنى أي وعلق عنه فعل العلم أو نصب إذا كان بمعنى الذي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ يا قَوْمِ ﴾ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُواجِهَ الكَفّارَ بِتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ وتَكْرِيرِ الوَعِيدِ ويُظْهِرَ لَهم ما هو عَلَيْهِ مِن غايَةِ التَّصَلُّبِ في الدِّينِ ونِهايَةِ الوُثُوقِ بِأمْرِهِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ أصْلًا إثْرَ ما بَيَّنَ لَهم حالَهم ومَآلَهم أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ ﴿ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ أيْ عَلى غايَةِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكم عَلى أنَّ المَكانَةَ مَصْدَرُ مَكَّنَ إذْ تَمَكَّنَ أبْلَغُ التَّمَكُّنِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا بِمَعْنى المَكانِ كالمَقامِ والمَقامَةِ ومِن هُنا فَسَرَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ بِالنّاحِيَةِ وتَجَوَّزُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ مَن فَسَّرَهُ بِالحالَةِ أيِ اعْمَلُوا عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( مَكاناتِكم ) عَلى الجَمْعِ في كُلِّ القُرْآنِ وزَعَمَ الواحِدِيُّ أنَّ الوَجْهَ الإفْرادُ وفِيهِ نَظَرٌ والمَعْنى اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم ومُعاداتِكم لِي ﴿ إنِّي عامِلٌ ﴾ عَلى مَكانَتِي أيْ ثابِتٌ عَلى الإسْلامِ وعَلى مُصابَرَتِكم.

والأمْرُ بِالتَّهْدِيدِ وإيرادُهُ بِصِيغَةِ الأمْرِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مُبالَغَةٌ في الوَعِيدِ كَأنَّ المُهَدِّدَ يُرِيدُ تَعْذِيبَهُ مَجْمِعًا عازِمًا عَلَيْهِ فَيَحْمِلُهُ بِالأمْرِ عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ وتَسْجِيلٌ بِأنَّ المُهَدِّدَ لا يَتَأتّى مِنهُ إلّا الشَّرُّ كالمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي لا يَقْدِرُ أنْ يَتَفَصّى عَنْهُ وجَعَلَ العَلّامَةُ الثّانِي ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَشْبِيهًا لِذَلِكَ المَعْنى بِالمَعْنى المَأْمُورِ بِهِ الواجِبِ الَّذِي لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ ﴾ أيْ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ فَسَوْفَ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ والعِلْمُ عِرْفانِيٌّ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ ومَنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلَّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرُها ومَجْمُوعُهُما سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولِ العِلْمِ.

والمُرادُ بِالدّارِ الدُّنْيا لا دارَ السَّلامِ كَما قِيلَ وبِالعاقِبَةِ العاقِبَةُ الحُسْنى أيْ عاقِبَةُ الخَيْرِ لِأنَّها الأصْلُ فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدُّنْيا مَزْرَعَةَ الآخِرَةِ وقَنْطَرَةَ المَجازِ إلَيْها وأرادَ مِن عِبادِهِ أعْمالَ الخَيْرِ لِيَنالُوا حُسْنَ الخاتِمَةِ.

وأمّا عاقِبَةُ الشَّرِّ فَلا اعْتِدادَ بِها لِأنَّها مِن نَتائِجِ تَحْرِيفِ الفُجّارِ أيْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّنا تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ الحُسْنى الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الدّارَ لَها ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً فَمَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولُ ﴿ تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ الَّذِي لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ وفِيهِ مَعَ الإنْذارِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّهْدِيدِ إنْصافٌ في المَقالِ وتَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ وُثُوقِ المُنْذِرِ بِأمْرِهِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَكُونُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ لِأنَّ تَأْنِيثَ العاقِبَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ﴿ إنَّهُ ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ﴾ (135) أيْ لا يَظْفَرُوا بِمَطْلُوبِهِمْ وإنَّما وُضِعَ الظُّلْمُ مَوْضِعَ الكَفْرِ لِأنَّهُ أعَمُّ مِنهُ وهو أكْثَرُ فائِدَةً لِأنَّهُ إذا لَمْ يُفْلِحِ الظّالِمُ فَكَيْفَ الكافِرُ المُتَّصِفُ بِأعْظَمِ أفْرادِ الظُّلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا يعني: ولكل واحد من المؤمنين فضائل في الجنة بعضهم أرفع درجة من بعض، وللكافرين درجات بعضهم أشد عذاباً من بعض.

وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ يعني: لمن ينسى الطاعة من المطيعين، ولا المعصية من العاصين، ويجازي كل نفس بما عملت.

قرأ ابن عامر عَمَّا تَعْمَلُونَ على معنى المخاطبة.

وقرأ الباقون: يَعْمَلُونَ بالياء على معنى المغايبة.

قوله تعالى: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ يعني: غني عن عبادة خلقه، ذُو الرَّحْمَةِ بتأخير العذاب عنهم ويقال: ذُو الرَّحْمَةِ يعني: ذو التجاوز عمن تاب ورجع إليه بالتوبة إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يعني: يهلككم وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَّا يَشاءُ خلقاً بعدكم من بعد إهلاككم مَا يَشاءُ إن يشأ مثلكم، وإن يشأ أطوع منكم.

كَما أَنْشَأَكُمْ يقول: كما خلقكم مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ قرناً من بعد قرن ولكنه لم يهلككم رحمة منه، لترجعوا وتتوبوا.

ثم قال: إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ يعني: الوعيد الذي أوعد في الآخرة من العذاب لآتٍ، يقول: لكائن لا خلف فيه وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ يعني: بسابقين الله بأعمالكم الخبيثة التي يجازيكم بها.

هذا قول مقاتل.

وقال الكلبي: بِمُعْجِزِينَ أي: بفائتين أن يدرككم.

ويقال في اللغة: أعجزني الشيء أي: فاتني وسبقني.

ثم قال: قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي: على موضعكم.

يقال: مكان ومكانة مثل منزل ومنزلة.

ومعناه اعملوا على ما أنتم عليه.

ويقال: معناه اجتهدوا في إهلاكي ما استطعتم ويقال: اعملوا في منازلكم من الخير والشر فإنكم تجزون بهما لا محالة.

إِنِّي عامِلٌ بما أوحى الله إلي ويقال: اعملوا بمكاني وأنا عامل بمكانكم.

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ فهذا وعيد من الله تعالى.

يقول: نبيّن لكم من تكون له عاقبة الأمر في الدنيا، ومن تكون له الجنة في الآخرة.

ثم قال: إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ مخاطباً لرسول الله  أي: في الآخرة، ولا يأمن المشركون.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ في جميع القرآن بلفظ الجماعة.

وقرأ الباقون مَكانَتِكُمْ.

وقرأ حمزة والكسائي مَنْ يَكُونُ بالياء لأنه انصرف إلى المعنى وهو الثواب والباقون قرءوا بالتاء لأن لفظ العاقبة لفظ مؤنث.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

القرى، وبِظُلْمٍ: يحتمل معنيين:

أحدهما: أنه لم يكُنْ سبحانه لِيُهْلِكَهم دون نِذَارة، فيكون ظُلْماً لهم، واللَّه تعالى ليس بظلاَّم للعبيد.

والآخر: أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم يُهْلِكْهم بظلمٍ واقعٍ منهم دون أنْ ينذرهم، وهذا هو البيِّن القويُّ، وذكر الطبري (رحمه اللَّه) التأويلين.

وقوله سبحانه: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ...

الآية: إخبارٌ من اللَّه سبحانه أنَّ المؤمنين في الآخرة على درجاتٍ من التفاضُل بحَسَب أعمالهم، وتفضُّل المولى سبحانه عليهم، ولكنْ كلٌّ راضٍ بما أعطِيَ غايةَ الرضا، / والمشركون أيضاً على دركاتٍ من العذابِ، قلتُ: وظاهر الآية أن الجنَّ يثابون وينالُونَ الدَّرَجَاتِ والدَّرَكَاتِ، وقد ترجم البخاريُّ على ذلك، فقال: ذِكْر الجنِّ وثَوَابِهِم وعقابِهِم لقوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ...

الآية، إلى قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ، قال الداوديّ: قال الضحاكُ: مِنَ الجنِّ مَنْ يدخل الجنَّة، ويأكل ويشرب «١» .

انتهى.

وقوله سبحانه: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَّا يَشاءُ الآيةُ متضمِّنةٌ وعيداً وتحذيراً من بطْشِ اللَّه عزَّ وجلَّ في التعجيل بذلك، وإمَّا مع المُهْلَة ومرورِ الجَدِيدَيْن فذلك عادته سبحانه في الخَلْق بإذهاب خَلْقِ واستخلاف آخرين.

وقوله سبحانه: إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ، هو من الوعيدِ بقرينة: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أي: وما أنتم بناجين هَرَباً فتعجزوا طالبكم، ثم أمرَ سبحانَه نبيَّه- عليه السلام- أنْ يتوعدَّهم بقوله: اعْمَلُوا، أي: فسترون عاقبةَ عملكم الفاسدِ، وصيغةُ «افعل» هنا: هي بمعنى الوعيد والتهديد، وعَلى مَكانَتِكُمْ: معناه: على حالكم وطريقتكم، وعاقِبَةُ الدَّارِ، أي: مآل الآخرة، ويحتمل مآل الدنيا بالنصر والظهور، ففي الآية إعلام بغيب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "مَكاناتِكُمْ" عَلى الجَمْعِ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عَلى مَوْضِعِكم، يُقالُ: مَكانٌ ومَكانَةٌ، ومَنزِلٌ ومَنزِلَةٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: اعْمَلُوا عَلى تَمَكُّنِكم.

قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اعْمَلُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ.

تَقُولُ لَلرَّجُلِ إذا أمَرْتَهُ أنْ يَثْبُتَ عَلى حالٍ: كُنْ عَلى مَكانَتِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي عامِلٌ ﴾ أيْ: عامِلٌ ما أمَرَنِي بِهِ رَبِّي ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ ﴾ .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "تَكُونُ" بِالتّاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ.

وكَذَلِكَ خِلافُهم في [القَصَصِ:٣٧]، ووَجْهُ التَّأْنِيثِ، اللَّفْظُ، ووَجْهُ التَّذْكِيرِ، أنَّهُ لَيْسَ بِتَأْنِيثٍ حَقِيقِيٍّ.

وعاقِبَةُ الدّارِ: الجَنَّةُ.

والظّالِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ.

فَإنْ قِيلَ: ظاهَرُ هَذِهِ الآَيَةِ أمْرُهم بِالإقامَةِ عَلى ما هم عَلَيْهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ.

فالجَوابُ: أنَّ مَعْنى هَذا الأمْرِ المُبالَغَةُ في الوَعِيدِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: أقِيمُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، إنْ رَضِيتُمْ بِالعَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

* فَصْلٌ وَفِي هَذِهِ الآَيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِها التَّهْدِيدُ؛ فَعَلى هَذا هي مُحْكَمَةٌ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِها تَرَكُ القِتالَ؛ فَعَلى هَذا هي مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ ﴿ إنَّ ما تُوعَدُونَ لآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ "اَلْغَنِيُّ"؛ صِفَةُ ذاتٍ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِأنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ؛ ثُمَّ تُلِيَتْ هَذِهِ الصِفَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى "ذُو الرَحْمَةِ"؛ فَأرْدَفَ الِاسْتِغْناءَ بِالتَفَضُّلِ؛ وهَذا أجْمَلُ تَناسُقٍ؛ ثُمَّ عَقَّبَ بِهَذِهِ الألْفاظِ المُضَمَّنَةِ الوَعِيدَ؛ المُحَذِّرَةِ مِن بَطْشِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في التَعْجِيلِ بِذَلِكَ؛ وإمّا مَعَ المُهْلَةِ؛ ومُرُورِ الجَدِيدَيْنِ؛ فَكَذَلِكَ عادَةُ اللهِ تَعالى في الخَلْقِ؛ وأمّا الِاسْتِخْلافُ؛ فَكَما أوجَدَ اللهُ تَعالى هَذا العالَمَ الآدَمِيَّ بِالنَشْأةِ مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ مُتَقَدِّمِينَ؛ أصْلُهم آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأتِ الجَماعَةُ: "ذُرِّيَّةِ"؛ بِضَمِّ الذالِ؛ وشَدِّ الراءِ المَكْسُورَةِ؛ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ بِكَسْرِ الذالِ؛ وكَذَلِكَ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ "؛ وحَكى أبُو حاتِمٍ عن أبانَ بْنِ عُثْمانَ أنَّهُ قَرَأ: "ذَرِيَّةِ"؛ بِفَتْحِ الذالِ؛ وتَخْفِيفِ الراءِ المَكْسُورَةِ؛ وحَكى عنهُ أبُو الزِنادِ أنَّهُ قَرَأ عَلى المِنبَرِ: "ذَرْيَةِ"؛ بِفَتْحِ الذالِ؛ وسُكُونِ الراءِ؛ عَلى وزْنِ "فَعْلَةِ"؛ قالَ: فَسَألْتُهُ؛ فَقالَ: أقْرَأنِيها زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ.

و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى "مِن ذُرِّيَّةِ"؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّها بِمَعْنى قَوْلِكَ: "أخَذْتُ مِن ثَوْبِي دِينارًا"؛ بِمَعْنى: "عنهُ؛ وعِوَضَهُ"؛ و"تُوعَدُونَ"؛ مَأْخُوذٌ مِن "اَلْوَعِيدُ"؛ بِقَرِينَةٍ: ﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ ؛ والإشارَةُ إلى هَذا الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ خُصُوصًا؛ وأمّا أنْ يَكُونَ العُمُومُ مُطْلَقًا؛ فَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إنْفاذَ الوَعِيدِ؛ والعَقائِدُ تَرُدُّ ذَلِكَ؛ و"بِمُعْجِزِينَ"؛ مَعْناهُ: "بِناجِينَ هَرَبًا"؛ أيْ: "يُعْجِزُونَ طالِبَهُمْ".

ثُمَّ أمَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَتَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: "اِعْمَلُوا"؛ أيْ: "فَسَتَرَوْنَ عاقِبَةَ عَمَلِكُمُ الفاسِدِ"؛ وصِيغَةُ "اِفْعَلْ"؛ هَهُنا بِمَعْنى الوَعِيدِ والتَهْدِيدِ؛ و ﴿ عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى حالِكُمْ؛ وطَرِيقَتِكُمْ؛ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ: "عَلى مَكاناتِكُمْ"؛ بِجَمْعِ المَكانَةِ؛ في كُلِّ القُرْآنِ؛ وقَرَأ الجَمِيعُ بِالإفْرادِ في كُلِّ القُرْآنِ؛ و"مَن" يُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ فَتَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَعْلَمُونَ"؛ ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى "تَكُونُ لَهُ"؛ و ﴿ عاقِبَةُ الدارِ ﴾ أيْ: مَآلُ الآخِرَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مَآلُ الدُنْيا؛ بِالنَصْرِ؛ والظُهُورِ؛ فَفي الآيَةِ إعْلامٌ بِغَيْبٍ.

ثُمَّ جَزَمَ الحُكْمَ بِأنَّهُ: ﴿ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ ؛ أيْ: يَنْجَحُ سَعْيُهُمْ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "مَن يَكُونُ"؛ بِالياءِ؛ هَهُنا؛ وفي "اَلْقَصَصِ"؛ عَلى تَذْكِيرِ مَعْنى العاقِبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي بعد قوله: ﴿ إنَّ ما توعدون آتٍ ﴾ [الأنعام: 134] فإنّ المقصود الأوّل منه هو وعيد المشركين، كما مرّ، فأعقبه بما تمحّض لوعيدهم: وهو الأمر المستعمل في الإنذار والتّهديد، لِيُمْلِيَ لَهُمْ في ضلالهم إملاء يشعر، في متعارف التّخاطُب، بأنّ المأمور به ممّا يزيد المأمور استحقاقاً للعقوبة، واقتراباً منها.

أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يُناديهم ويُهَدّدهم.

وأمر أن يبتدئ خطابهم بالنّداء للاهتمام بما سيقال لهم، لأنّ النّداء يسترعي إسماع المنادَيْن، وكان المنادي عنوانَ القوم لما يشعر به من أنّه قد رقّ لحالهم حين توعدهم بقوله: ﴿ إنَّ ما توعدون لآتتٍ وما أنتم بمعجزين ﴾ [الأنعام: 134] لأنّ الشأن أنّه يحبّ لقومه ما يحبّ لنفسه.

والنّداء: للقوم المعاندين بقرينة المقام، الدالّ على أنّ الأمر للتّهديد، وأنّ عملهم مخالف لعمله، لقوله: ﴿ اعملوا ﴾ مع قوله ﴿ إني عامل ﴾ .

فالأمر في قوله: ﴿ اعملوا ﴾ للتسوية والتخلية لإظهار اليأس من امتثالهم للنّصح بحيث يغيِّر ناصِحهم نُصحهم إلى الإطلاق لهم فيما يحبّون أن يفعلوا، كقوله تعالى: ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ [فصلت: 40] وهذا الاستعمال استعارة إذ يشبَّه المغضوب عليه المأيوس من ارعوائهِ بالمأمور بأن يَفعل ما كان يُنهى عنه، فكأنّ ذلك المنهي صار واجباً، وهذا تهكّم.

والمكانة: المَكان، جاء على التّأنيث مثل ما جاء المقامة للمقام، والدارةُ اسماً للدار، والماءة للماءِ الذّي يُنزل حوله، يقال: أهل الماء وأهل المَاءة.

والمكانة هنا مستعارة للحالة الّتي تلبّس بها المرء، تشبَّه الحالة في إحاطتها وتلبّس صاحبها بها بالمكان الّذي يحوي الشّيء، كما تقدّم اطلاق الدّار آنفاً في قوله تعالى: ﴿ لهم دار السّلام ﴾ [الأنعام: 127]، أو تكون المكانة كناية عن الحالة لأنّ أحوال المرء تظهر في مكانه ومقرّه، فلذلك يقال: «يا فلان على مَكانتك» أي أثبت على ما أنت عليه لا تنحرفْ عنه.

ومفعول ﴿ اعملوا ﴾ محذوف لأنّ الفعل نزّل منزلة اللاّزم، أي اعملوا عملكم المألوف الّذي هو دأبكم، وهو الإعراض والتّكذيب بالحقّ.

و ﴿ عَلَى ﴾ مستعملة في التمكّن على وجه الاستعارة التّبعيّة، وهي مناسبة لاستعارة المكانة للحالة.

لأنّ العلاوة تناسب المكان، فهي ترشيح للاستعارة، مستعار من ملائم المشبه به لملائم المشبه.

والمعنى: الزموا حالكم فلا مَطمع لي في اتِّباعكم.

وقرأ الجمهور: ﴿ على مكانتكم ﴾ بالإفراد.

وقرأه أبو بكر عن عاصم: ﴿ مَكانَاتِكم ﴾ جمعَ مكانة.

والجمع باعتبار جمع المضاف إليه.

وجملة: ﴿ إني عامل ﴾ تعليل لمفاد التّسوية من الأمر في قوله: ﴿ اعملوا ﴾ أي لا يضرّني تصميمكم على ما أنتم عليه، لكنّي مستمرّ على عملي، أي أنِّي غير تارك لما أنا عليه من الإيمان والدّعاء إلى الله.

وحذف متعلّق: ﴿ إني عامل ﴾ للتّعميم مع الاختصار، وسيأتي تفصيله في نظيره من سورة الزمر.

ورُتِّب على عملهم وعَمَلِه الإنذارُ بالوعيد ﴿ فسوف تعلمون ﴾ بفاء التّفريع للدّلالة على أنّ هذا الوعيد متفرّع على ذلك التّهديد.

وحرف التّنفيس مراد منه تأكيد الوقوع لأنّ حرفَي التّنفيس يؤكّدان المستقبل كما تؤكّد (قَدْ) الماضي، ولذلك قال سيبويه في الكلام على (لَن): إنَّها لنفي سَيفعل، فأخذ منه الزمخشري إفادتها تأكيد النّفي.

وهذا صريح في التّهديد، لأنّ إخبارهم بأنَّهم سيعلمون يفيد أنّه يعلم وقوع ذلك لا محالة، وتصميمه على أنَّه عامل على مكانته ومخالف لعملهم يدلّ على أنّه موقن بحسن عقباه وسوء عقباهم، ولولا ذلك لعَمِل عملهم، لأنّ العاقل لا يرضى الضرّ لنفسه، فدلّ قوله: ﴿ فسوف تعلمون ﴾ على أنّ علمهم يقع في المستقبل، وأمّا هُو فَعَالِم من الآن، ففيه كناية عن وثوقه بأنَّه مُحِقّ، وأنَّهم مبطلون، وسيجيء نظِير هذه الآية في قصّة شعيب من سورة هود.

وقوله: ﴿ من تكون له عاقبة الدار ﴾ استفهام، وهو يُعلِّق فعل العِلم عن العمل، فلا يعطَى مفعولين استغناء بمُفاد الاستفهام؛ إذ التّقديرُ: تعلمون أحدَنا تكون له عاقبة الدار.

وموضع: ﴿ من ﴾ رفع على الابتداء، وجملة: ﴿ تكون له عاقبة الدار ﴾ خبره.

والعاقبة، في اللّغة: آخر الأمر، وأثر عمل العامل، فعاقبة كلّ شيء هي ما ينجلي عنه الشّيء ويظهرُ في آخره من أثر ونتيجة، وتأنيثه على تأويل الحالة فلا يقال: عاقب الأمر، ولكن عاقبة وعُقْبى.

وقد خصّص الاستعمال لفظ العاقبة بآخرة الأمر الحَسَنَةِ، قال الراغب: العاقبة والعقبى يختصّان بالثّواب نحو ﴿ والعاقبة للمتّقين ﴾ [الأعراف: 128]، وبالإضافة قد يستعمل في العقوبة نحو ﴿ ثمّ كان عاقبة الّذين أساءوا السُّوأى ﴾ [الروم: 10] وقَلّ من نبَّه على هذا، وهو من تدقيقه، وشواهدُه في القرآن كثيرة.

والدّار الموضع الّذي يحلّ به النّاس من أرض أو بناء، وتقدّم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ لهم دار السّلام ﴾ [الأنعام: 127]، وتعريف الدّار هنا تعريف الجنس.

فيجوز أن يكون لفظ ﴿ الدار ﴾ مطلقاً، على المعنى الحقيقي، فإضافةُ ﴿ عاقبة ﴾ إلى ﴿ الدار ﴾ إضافة حقيقية، أي حُسن الأخارة الحاصلُ في الدّار، وهي الفوز بالدّار، والفلج في النّزاع عليها، تشبيهاً بما كان العرب يتنازعون على المنازل والمَراعي، وبذلك يكون قوله: ﴿ من تكون له عاقبة الدار ﴾ استعارة تمثيلية مكنية، شُبّهت حالة المؤمنين الفائزين في عملهم، مع حالة المشركين، بحالة الغالب على امتلاك دار عَدُوّه، وطُوي المركَّب الدالّ على الهيئة المشبَّه بها، ورُمز إليه بذكر ما هو من رَوادفه، وهو ﴿ عاقبة الدار ﴾ ، فإنّ التّمثيليّة تكون مصرّحة، وتكون مكنية، وإن لم يُقسِّمُوهَا إليهما، لكنّه تقسيم لا محيص منه.

ويجوز أن تكون ﴿ الدار ﴾ مستعارة للحالة الّتي استقرّ فيها أحد، تشبيها للحالة بالمكان في الاحتواء، فتكون إضافة عاقبَة إلى الدار إضافة بيانية، أي العاقبة الحسنى الّتي هي حالُه، فيكون الكلام استعارة مصرّحة.

ومن محاسنها هنا: أنّها بنت على استعارة المكانة للحالة في قوله: ﴿ اعملوا على مكانتكم ﴾ فصار المعنى: اعملوا في داركم ما أنتم عاملون فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار.

وفي الكلام مع ذلك إيماء إلى أنّ عاقبة تلك الدار، أي بلد مكة، أن تكون للمسلمين، كقوله تعالى: ﴿ أنّ الأرض يرثها عبادي الصّالحون ﴾ [الأنبياء: 105] وقد فسّر قوله: ﴿ من تكون له عاقبة الدار ﴾ بغير هذا المعنى.

وقرأ الجمهور: ﴿ مَن تكون ﴾ بتاء فوقيّة وقرأه حمزة، والكسائي، بتحتيّة، لأنّ تأنيث عاقبة غير حقيقي، فلمّا وقع فاعلاً ظاهراً فيجوز فيه أن يقرن بعلامة التّأنيث وبدونها.

وجملة: ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ تذييل للوعيد يتنزّل منزلة التّعليل، أي لأنّه لا يفلح الظّالمون، ستكون عقبى الدار للمسلمين، لا لكم، لأنّكم ظالمون.

والتّعريف في ﴿ الظالمون ﴾ للاستغراق، فيشمل هؤلاء الظّالمين ابتداء، والضّمير المجعول اسم (إنّ) ضميرُ الشأن تنبيها على الاهتمام بهذا الخبر وأنّه أمر عظيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عَلى طَرِيقَتِكم.

والثّانِي: عَلى حالَتِكم.

والثّالِثُ: عَلى ناحِيَتِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

والرّابِعُ: عَلى تَمَكُّنِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: عَلى مَنازِلِكم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ إنِّي عامِلٌ ﴾ يَعْنِي أُنْذِرُكم مِن جَزاءِ المُطِيعِ بِالثَّوابِ، والعاصِي بِالعِقابِ.

﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَعْلَمُونَ ثَوابَ الآخِرَةِ بِالإيمانِ، وعِقابَها بِالكُفْرِ تَرْغِيبًا مِنهُ في ثَوابِهِ وتَحْذِيرًا مِن عِقابِهِ.

والثّانِي: تَعْلَمُونَ نَصْرَ اللَّهِ في الدُّنْيا لِأوْلِيائِهِ، وخِذْلانِهِ لِأعْدائِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ على مكانتكم ﴾ قال: على ناحيتكم.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك ﴿ على مكانتكم ﴾ يعني على جديلتكم وناحيتكم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ ﴾ .

قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: على حالاتكم التي أنتم عليها) (١) (٢) وقال مقاتل: (على جديلتكم) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وقال أبو إسحاق: (المعنى: اعملوا على تمكنكم وجهتكم التي كنتم عند أنفسكم في العلم بها) (٨) قال أبو علي: (المكانة في اللغة: المنزلة والتمكن، كأنه اعملوا على قدر منزلتكم وتمكنكم في دنياكم فإنكم لن تضرونا (٩) (١٠) (١١) ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ  ﴾ .

قال الزجاج: (ومعنى هذا الأمر: المبالغة في الوعيد؛ لأن ما بعده يدل على الوعيد، وقد أعلمهم بقوله: ﴿ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ أن من عمل بعملهم فالنار مصيره، فكأنه قيل لهم: أقيموا على ما أنتم عليه من الكفران رضيتم بعذاب النار) (١٢) وقرئ (مكانتكم) و (مكاناتكم) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنِّي عَامِلٌ ﴾ .

قال مقاتل: (أي: عامل على جديلتي التي أمرت بها) (١٥) ﴿ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ﴾ على مكانتي: فحذفت الثانية لدلالة الأولى في ذلك الجانب على الثانية في هذا الجانب، وجملة المعنى: اعملوا ما أنتم عاملون إني عامل مما أمرني به ربي ، ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ﴾ موضع (من) نصب بوقوع العلم عليه، ويجوز أن يكون رفعًا على معنى: تعلمون أينا ﴿ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ﴾ كقوله: ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ  ﴾ ، والوجهان ذكرهما الفراء (١٦) قال ابن عباس: ( ﴿ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ﴾ يعني: الجنة.

﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ من له الجنة أنتم أم أوليائي وأهل طاعتي) (١٧) (١٨) (١٩) وقرئ (٢٠) ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ  ﴾ ومن ذكر فكقوله: ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ  ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ  ﴾ وفي أخرى: ﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ  ﴾ (٢١) ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: لا يسعد من كفر نعمتي وأشرك بي) (٢٢) (١) ذكره الثعلبي في "الكشف" 184 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 191، من قول عطاء فقط، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 39، وابن أبي حاتم 4/ 1390، بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني: على ناحيتكم)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 88.

(٢) "معاني الزجاج" 2/ 293، وفيه: (المعنى: اعملوا على تمكنكم، ويجوز أن يكون المعنى: اعملوا على ما أنتم عليه ..) ثم ذكر ما ذكر الواحدي.

(٣) "تفسير مقاتل" 1/ 590.

(٤) الجديلة؛ بفتح الجيم وكسر الدال: الطريقة، والناحية، والشاكلة.

انظر: "اللسان" 1/ 571 (جدل).

(٥) ذكره الثعلبي في "الكشف" 184 ب.

والوتيرة، بفتح الواو وكسر التاء: الطريقة، والصفة.

انظر: "اللسان" 8/ 4760 (وتر).

(٦) ذكره الثعلبي 184 ب.

(٧) ذكره الثعلبي في "الكشف" 184 ب.

(٨) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 293، وفيه: (المعنى: اعملوا على تمكنكم).

وانظر: "معاني النحاس" 2/ 493.

(٩) في (ش): (يضرونا).

(١٠) "الحجة" لأبي علي 3/ 407.

(١١) لم أقف عليه.

(١٢) "معاني الزجاج" 2/ 294.

(١٣) قرأ عاصم في رواية: (على مكاناتكم)، بألف بعد النون على الجمع.

وقرأ الباقون (على مكانتكم) بدون ألف على التوحيد.

انظر: "السبعة" ص 269، و"المبسوط" ص 175، و"الغاية" ص 250، و"التذكرة" 2/ 411، و"التيسير" ص 107، و"النشر" 2/ 263.

(١٤) هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 407 - 408، وانظر: "معاني القراءات" == 1/ 386، و"إعراب القراءات" 1/ 169، و"الحجة" لابن خالويه ص 149، ولابن زنجلة ص 272، "الكشف" 1/ 452، ونقل قول الواحدي الرازي في " تفسيره" 13/ 203.

(١٥) "تفسير مقاتل" 1/ 590.

(١٦) انظر: "معاني الفراء" 1/ 355، والنصب على أن (من) موصولة، فهي في محل نصب مفعول به، والرفع على أن (من) استفهامية، فتكون في محل رفع بالابتداء، انظر: "إعراب النحاس" 1/ 580، و"المشكل" 1/ 271، و"البيان" 1/ 342، و"التبيان" ص 359، و"الفريد" 2/ 231، و"الدر المصون" 5/ 158.

(١٧) "تنوير المقباس" 2/ 62، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 122.

(١٨) في (ش): (فكيف قيل له عاقبة الدار للمؤمنين)، وهو تحريف.

(١٩) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 203.

(٢٠) قرأ حمزة والكسائي: (من يكون له عاقبة الدار) بالياء على التذكير، وقرأ الباقون (من تكون) بالتاء على التأنيث.

انظر: "السبعة" ص 270، و"المبسوط" ص 175، و"الغاية" ص 250، و"التذكرة" 2/ 411، و"التيسير" ص 107، و"النشر" 2/ 263.

(٢١) هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 408، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 387، و"إعراب القراءات" 1/ 170، و"الحجة" لابن زنجلة ص 272، و"الكشف" 1/ 453، ونقل هذا الواحدي الرازي في "تفسيره" 13/ 203.

(٢٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 123، والبغوي في "تفسيره" 3/ 192، والخازن 2/ 187.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ ﴾ الأمر هنا للتهديد، والمكانة التمكن ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ تهديد ﴿ مَن تَكُونُ لَهُ ﴾ يحتمل أن تكون من موصوله في موضع نصب على المفعولية أو استفهامية في موضع رفع بالابتداء ﴿ عاقبة الدار ﴾ أي الآخرة أو الدنيا، والول أرجح لقوله: ﴿ عقبى الدار * جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ [الرعد: 22-23] ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً ﴾ الضمير في جعلوا لكفار العرب.

قال السهيلي: هم حيّ من خولان، يقال لهم: الديم كانوا يجعلون من زروعهم وثمارهم ومن أنعامهم نصيباً لله ونصيباً لأصنامهم، ومعنى ذرأ: خلق وأنشأ، ففي ذلك رد عليهم، لن الله لاذي خلقها وذرأها: هو مالكها لا رب غيره ﴿ بِزَعْمِهِمْ ﴾ أي بدعواهم وقولهم من غير دليل ولا شرع، وأكثر ما يقال الزعم: في الكذب، وقرئ بفتح الزاي والكسائي بالضم وهما لغتان ﴿ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إلى الله ﴾ الآية كانوا إذا هبت الريح فحملت شيئاً من الذي لله إلى الذي للأصنام أقروه، وإن حملت شيئاً من الذي للأصنام إلى الذي لله ردّوه، وإذا أصابتهم سنة أكلوا نصيب الله ةتحاموا نصيب شركائهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عما تعملون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ﴿ مكاناتكم ﴾ بالجمع حيث كان: أبو بكر وحماد.

الباقون ﴿ مكانتكم ﴾ على التوحيد.

﴿ من يكون ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بتاء التأنيث.

﴿ بزعمهم ﴾ بضم الزاي علي وكذلك ما بعده الباقون: بالفتح ﴿ زين ﴾ على البناء للمفعول ﴿ قتل ﴾ بالرفع ﴿ أولادهم ﴾ بالنصب ﴿ شركائهم ﴾ بالجر ابن عامر.

الآخرون ﴿ زين ﴾ على البناء للفاعل ﴿ قتل ﴾ بالنصب ﴿ أولادهم ﴾ بالجر ﴿ شركاؤهم ﴾ بالرفع ﴿ وإن تكن ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد ﴿ ميتة ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر ويزيد، وقرأ ﴿ ميتة ﴾ بالتشديد ابن كثير وابن عامر: الباقون: بالتخفيف.

الوقوف: ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ مما عملوا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ذو الرحمة ﴾ ط ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ لآت ﴾ لا لأن الواو بعده للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التقرير مع فاء التعقيب ﴿ تعملون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول سواء كان من استفهامية أو موصولة ﴿ عاقبة الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ لشركائنا ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ إلى الله ﴾ ج للفصل بين المتضادين معنى مع الاتفاق حكماً ﴿ شركائهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ دينهم ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ افتراء عليه ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ أزواجنا ﴾ ج للشرط مع العطف.

﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ وصفهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه.

التفسير: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره ﴿ أن لم يكن ﴾ وهو للتعليل والمعنى الأمر ما قصصنا عليك، أو ذلك الذي ذكر لانتفاء كون ربك مهلك القرى و"أن" هي الناصبة للأفعال أو مخففة من الثقيلة، وعلى هذا يكون ضمير الشأن محذوفاً أي أن الحديث كذا، ويجوز أن يكون، ﴿ أن لم يكن ﴾ بدلاً من ﴿ ذلك ﴾ كقوله: ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ بظلم ﴾ أي بسبب ظلم أقدموا عليه وهذا أليق بأصول الأشاعرة.

أو المراد ظالماً لكم فيكون من فعل الله وهذا أنسب بأصول المعتزلة.

ومعناه أنه  لو أهلكهم قبل بعثة الرسل ولم ينبهوا برسول ولا كتاب كان ظالماً.

وعلى هذا التفسير يمكن للأشاعرة أن يقولوا إنه لو فعل ذلك لم يكن ظلماً ولكنه يكون في صورة الظلم فأطلق الظلم على نفسه مجازاً وإلا فهو  يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله.

وأما قوله: ﴿ وأهلها غافلون ﴾ فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به وإنما معناه أنه لا يبين لهم كيفية الحال وأن لا يزيل عذرهم وعلتهم.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب ألبتة لأنها تدل على أنه تعالى ما يعذب أحداً على أمر من الأمور قبل بعثة الرسل لكن بعدها.

والمعتزلة قالوا: إنها تدل من وجه آخر على تقرير الوجوب قبل الشرع لأن قوله: ﴿ بظلم ﴾ إن كان عائداً إلى العبد دل على أنه يمكن أن يصدر منه الظلم والقبيح قبل البعثة، وإن كان عائداً إلى الله  فقد تم الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه.

ثم لما شرح أحوال أهل الثواب والعقاب ذكر كلاماً كلياً فقال: ﴿ ولكل درجات ﴾ أي ولكل عامل في عمله درجات، وعلى حسب تلك الدرجات يكون الجزاء إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

ومعنى ﴿ مما عملوا ﴾ أي من جزاء أعمالهم.

وقيل: إن أول الآية مختصة بأهل الطاعات لأن لفظ الدرجة يليق بهم ولأهل المعصية تكون الدركات وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما ربك بغافل عما يعملون ﴾ قالت الأشاعرة: في الآية دليل على مسألة الجبر والقدر فإنه  حكم لكل واحد بدرجة معينة في وقت معين وبحسب فعل معين، وأثبت تلك الدرجة في اللوح المحفوظ وأشهد عليها الملائكة وخلاف علمه وإثباته وإِشهاده محال.

ثم بين أنه ليس يحتاج إلى طاعة المطيعين ولا يدخل عليه نقص بمعصية العاصين فقال: ﴿ وربك الغني ذو الرحمة ﴾ أما أنه غني في ذاته وصفاته وأفعاله وفي أحكامه عن كل ما سواه فلوجوب وجوده، وأن ما سواه ممكن لذاته مفتقر في الوجود وفي الأمور التابعة للوجود إليه فلا غنيّ إلا هو، وأما أنه ذو الرحمة فلأن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات من الروحانيات ومن الجسمانيات فهو من الحق وبإيجاده وتخليقه، والاستقراء دل على أن الخير غالب كالصحة والشبع والسمع والبصر وما ذلك إلا لرحمته الكاملة ورأفته الشاملة.

والذي يتصوّر من رحمة الوالدين وغيرهما فإنما ذلك بإيجاد داعية ذلك فيهم ومع ذلك فتمكن الشخص من الانتفاع بها ليس إلا منه  .

ومن هذا يعلم تنزهه  عن الظلم والسفه والكذب والعبث.

ومن رحمته تكليف الخلائق ليعرضهم للمنافع الباقيات الدائمات.

ثم لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة كان لظانّ أن يظن أن للرحمة معدناً مخصوصاً وموضعاً معيناً فبين  بقوله  : ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق وقادر على أن يخلق قوماً آخرين ويضع رحمته فيهم، وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم.

ومعنى الإذهاب الإهلاك وأن لا يبلغهم مبلغ التكليف ﴿ ويستخلف من بعدكم ﴾ أي: من بعد ذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون، إلا على طريق البدل من فائت، وقوله: ﴿ ما يشاء ﴾ أي خلق ثالث ورابع.

ثم اختلفوا فقال بعضهم: خلقاً آخرين من أمثال الجن والإنس لكن أطوع، وقال أبو مسلم: يعني خلقاً ثالثاً مخالفاً للثقلين ليكون أقوى في دلالة القدرة.

ثم بيّن سبب قدرته على ذلك فقال ﴿ كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ﴾ لأن من قدر على تصوير النطفة المتشابهة الأجزاء بهذه الصور المخصومة قدر على تصويرها بصور أخرى مخالفة لها.

وقال في الكشاف: المعنى كما أنشأكم من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح  ، ثم ذكر حال المعاد فقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ قال الحسن: أي من مجيء الساعة لأنهم كانوا ينكرون القيامة، ويحتمل أن يقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ إشارة إلى لطفه أي ما يتعلق بالوعد والثواب فهو آت لا محالة.

وقوله: ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ أي خارجين عن قدرتنا وحكمنا إشارة إلى قهره، يقال: أعجزه الشيء أي فاته.

فالجزم في جانب الوعد والتعريض في جانب الوعيد دليل على أن جانب الرحمة والإحسان أغلب.

ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله بتهديد منكري البعث فقال: ﴿ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ﴾ قال الواحدي: قراءة الإفراد أوجه لأن المصدر لا يجمع في أغلب الأحوال، وقال في الكشاف: المكانة تكون مصدراً.

يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكين.

وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة، فمعنى الآية اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها.

يقال للرجل: على مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه ﴿ إني عامل ﴾ على مكانتي التي أنا عليها.

والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، والغرض تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ ﴿ فسوف تعلمون ﴾ أينا تكون له العاقبة المحمودة، والفاء لتعقيب الجزاء ألا يعادي أي قل اعملوا فستجزون وهكذا في سورة الزمر بخلاف سورة هود حيث لم يقل هناك "قل" فصار استئنافاً ومحل "من" نصب إن كان بمعنى "الذي" أو رفع والجملة مفعول تعلمون إن كان بمعنى أيّ و ﴿ عاقبة الدار ﴾ العاقبة الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها وهي مصدر كالعافية.

وهذا طريق من الإنذار لطيف المسلك فيه إنصاف وأدب ووثوق بأن المنذر محق ولهذا قيل له فإن الكافر تكون العاقبة عليه لا له.

ثم حكى أنواعاً من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهاً على ضعف عقولهم وقلة محصولهم وتنفيراً للعقلاء عن الالتفات إلى أقوال أمثالكم فقال: ﴿ وجعلوا لله ﴾ قال الزجاج: وجعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً بدليل قوله: ﴿ فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ﴾ وجعل الأوثان شركاء لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونها عليها.

ثم قال: ﴿ فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ﴾ وفي تفسيره وجوه: قال ابن عباس: كان المشركون يجعلون لله  من حروثهم وأنعامهم نصيباً وللأوثان نصيباً، فما كان للصنم أنفقوه عليه وما كان لله أطعموه الضيفان والمساكين ولا يأكلون منه ألبتة.

ثم إن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا إن الله غنيّ عن هذا، وإن سقط شيء مما جعلوا للأوثان في نصيب الله  أخذوه وردّوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير.

وإنما ذلك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها.

وعن الحسن والسدي: كان إذا هلك لأوثانهم شيء أخذوا بدله مما لله ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله تعالى.

وقال مجاهد: إنه إذا انفجر من سقى ما جعلوه للشيطان في نصيب الله عز وجل سدوه وإن كان على ضد ذلك تركوه، وقال قتادة: إذا أصابهم شدة استعانوا بالله وإذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى شركائهم.

وقال مقاتل: إن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة.

وقالوا: لو شاء زكى نصيب نفسه.

وأما إن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة قالوا لا بدّ لآلهتنا من نفقة وأخذوا نصيب الإله  فأعطوه السدنة.

فمعنى ﴿ فلا يصل إلى الله ﴾ أنه لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين، ومعنى الوصول إلى شركائهم أنهم ينفقونه عليها بذبح نسائك عندها والأجراء على سدنتها ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ مما ذرأ ﴾ فيه أن الله  كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه أي خلقه.

ثم إنه  ذم فعلهم فقال: ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ وذكر العلماء فيه وجوهاً: الأول أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانبه وهو سفه.

الثاني جعلوا بعض الحرث لله وبعضه لغيره مع أنه  هو الخالق للجميع.

الثالث أن ذلك حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع وأشار إليه بقوله ﴿ بزعمهم ﴾ الرابع لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز نصيب لكل حجر ومدر.

الخامس لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ولا قدرة لها على الانتفاع بذلك النصيب، فإفراز النصيب لها عبث.

النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة قوله: ﴿ وكذلك زين ﴾ كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياءً خوفاً من الفقر أو من التزويج، وكان الرجل يحلف بالله إن ولد له كذا غلاماً لينحرن أحدهم كما فعل عبد المطلب على ابنه عبد الله، والشركاء على الوجه الأول الشياطين الذين أطاعوهم في معصية الله تعالى، وعلى الثاني هم السدنة والخدام، والأول قول مجاهد، والثاني للكلبي.

وتقدير الكلام ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله والآلهة، أو مثل ذلك التزيين البليغ الذي علم من الشياطين زين لهم شركاؤهم من الشياطين أو من سدنة الأصنام ﴿ قتل أولادهم ﴾ بالوأد أو بالنحر.

ثم إن وجه القراءة الأكثري ظاهر وليس فيها إلا تقديم المفعول وذلك لشدة الاعتناء به، وأما قراءة أبن عامر فخطأها الزمخشري من جهة الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف فإن ذلك قد جوز بالظرف كقوله: لله در اليوم من لامها *** وضعف بغير الظرف كقوله: فزججتها بمزجة *** زج القلوص أبي مزادة وحملوه على ضرورة الشعر مع الاستكراه، والحق عندي في هذا المقام أن القرآن حجة على غيره وليس غيره حجة عليه، والقراآت السبع كلها متواترة فكيف يمكن تخطئة بعضها؟

فإذا ورد في القرآن المعجز مثل هذا التركيب لزم القول بصحته وفصاحته وأن لا يلتفت إلى أنه هل ورد له نظير في أشعار العرب وتراكيبهم أم لا، وإن ورد فكثير أم لا؟

ومع ذلك فقد وجهه بعض الفضلاء بأن المضاف إليه من الأول محذوف على نحو قوله: بين ذراعي وجبهة الأسد *** والمضاف مضمر مع الثاني كقراءة من قرأ ﴿ والله يريد الآخرة  ﴾ بالجر على تقدير غرض الآخرة، فتقدير الآية: قتل شركائهم أولادهم قتل شركائهم.

ومعنى ﴿ ليردوهم ﴾ ليهلكوهم بالإغواء.

قال ابن عباس: ليردوهم في النار.

واللام محمول على العاقبة إن كان التزيين من السدنة، وعلى حقيقة التعليل إن كان من الشيطان ﴿ وليلبسوا عليهم دينهم ﴾ ليخلطوه عليهم ويشبهوه ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق.

وقيل: دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه، وقيل: وليوقعوهم في دين ملتبس ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ لما فعل المشركون ما زين لهم، أو لما فعل الشياطين والسدنة التزيين أو الإرداء أو اللبس أو جميع ما ذكر إن جعل الضمير جارياً مجرى اسم الإشارة.

والمعتزلة حملوا هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر.

ثم قال: ﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ على قانون قوله: ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ وفيه مع التهديد التسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر والشرك.

قيل: إنما قال في هذه الآية ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ ليكون مناسباً لقوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ وقال فيما قبل: ﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه  ﴾ لأنه وقع عقيب آيات فيها ذكر الرب كقوله: ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم  ﴾ الآيات.

النوع الثالث من أحكامهم الباطلة أنهم قسموا أنعامهم أقساماً فأوّلها أن قولوا ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ وحجر "فعل" بمعنى "مفعول" كالذبح والطحن ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وأصل الحجر المنع وسمي العقل الحجر لمنعه من القبائح، وفلان في حجر القاضي أي في منعه.

كانوا إذا عينوا شيئاً من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: ﴿ لا يطعمها إلا من نشاء ﴾ يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء ﴿ و ﴾ ثانيها أن قالوا: ﴿ هذه أنعام حرمت ظهورها ﴾ وهي البحائر والسوائب والحوامي وقد سبق في المائدة.

﴿ و ﴾ ثالثها: ﴿ أنعام لا يذكرون اسم الله عليها ﴾ في الذبح وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام.

وقيل: هي أنعام لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها وإنما فعلوا ذلك كله من غير حكم من الله وشرع منه بل ﴿ افتراء عليه ﴾ وانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء.

ثم قال: ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ والمقصود منه الوعيد، ﴿ و ﴾ النوع الرابع من قضاياهم الفاسدة أن ﴿ قالوا ما في بطون هذه الأنعام ﴾ يعنون أجنة البحائر والسوائب ﴿ خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ﴾ هذا إن ولد حياً ﴿ وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ﴾ أي اشترك فيه الذكور والإناث، من قرأ بنصب ميتة فتقديره وإن يكن ما في بطونها ميتة، ومن قرأ بالرفع فعلى أن "كان تامة"، أو لأن التقدير: وإن يكن لهم أو هناك ميتة.

وإنما جاز تذكير الفعل وتأنيثه لأن تأنيث الميتة غير حقيقي، أو لأن الميتة لكل ميت ذكر أو أنثى فكأنه قيل: ميت ولهذا جاز عود الضمير إليه مذكراً في قوله: ﴿ فهم فيه شركاء ﴾ وتذكير الضمير في قوله: ﴿ فهم ﴾ للتغليب ﴿ سيجزيهم وصفهم ﴾ أي جزاء وصفهم على الله الكذب في التحليل والتحريم ﴿ إنه حكيم عليم ﴾ ليكون الزجر واقعاً على حد الحكمة وبحسب الاستحقاق.

فإن قيل: كيف أنث ﴿ خالصة ﴾ وذكر ﴿ محرماً ﴾ ؟

قلنا: الأول حمل على المعنى لأن ما في بطون الأنعام في معنى الأجنة، والثاني حمل على اللفظ، وفي الأول وجهان آخران: أن تكون التاء للمبالغة مثل رواية الشعر وأن يكون مصدراً كالعاقبة أي ذو خالصة.

ثم إنه  جمع قبائح أحكامهم وأفعالهم وحكم عليهم بالخسران والسفاهة وعدم العلم والضلال وعدم الاهتداء فقال ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم ﴾ الآية.

وذلك أن الولد نعمة عظيمة من الله تبقي ذكره ونسله فالسعي في إبطال مثل هذه النعمة لضرر مظنون هو الفقر أو نحوه، أو لفائدة موهومة هي القربة إلى الأصنام دليل خفة العقل وعدم العلم وأنه موجب لخسران الدارين.

وكذا تحريم ما أحل الله من الطيبات بالهوى والتقليد بل لمحض الافتراء على الله وإن ذلك من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، ولهذا سجل عليهم آخراً بالضلال ثم بعدم الاهتداء ليحصل كلا الأمرين لهم بالمطابقة كما حصل بالتضمن والله أعلم.

التأويل: ﴿ مهلك القرى ﴾ أي قرى أشخاص الإنسان ﴿ بظلم ﴾ وهو صرف الاستعداد الفطري في استيفاء اللذات الفانية ﴿ وأهلها غافلون ﴾ لم يبلغوا مبلغ التكليف بعد.

﴿ وربك الغني ﴾ عن كل مخلوق عامة وعن الإنسان خاصة ﴿ ذو الرحمة ﴾ خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح عليهم.

﴿ واعملوا على مكانتكم ﴾ أي على ما جبلتم عليه ﴿ إني عامل ﴾ على ما جبلت عليه ﴿ قتل أولادهم شركاؤهم ﴾ من الشياطين والنفس والهوى والدنيا ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ لأنهم ذهبوا مذهب الطبع لا مذهب الشرع، والعمل بالطبع وإن كان فيه نوع مجاهدة النفس لا يكون له نور إذا لم يكن لامتثال الشرع ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم ﴾ لأن ذلك نتيجة انتزاع الرحمة عن قلوبهم وحرموا ما رزقهم الله صورة وهو ظاهر، ومعنى وهو استعداد حصول مراتب أهل القرب ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ لأن خشية الفقر حملتهم على قتل الأولاد.

وقال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ﴾ ، هذا يرد على الثنوية مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إنه إنما خلق الخلائق لمنافع نفسه؛ لأنه ليس بحكيم من فعل فعلا لا يقصد منفعة نفسه، فأخبر - عز وجل - أنه غني بذاته، وإنما يقصد غيره المنفعة [بفعله لحاجة تقع له]، وضرورة تصيبه [يقصد بالفعل] قصد قضاء الحاجة ودفع الضرورة عن نفسه.

فأمّا الله -  وتعالى - فهو الغني بذاته، إنما خلق الخلائق لمنافع أنفسهم، وهو غني عن خلقه على ما أخبر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ﴾ .

يحتمل: غني عن تعذيب أولئك الكفرة، أي: لا لمنفعة له في تعذيبهم يعذبهم أو لحاجة له؛ ولكن الحكمة توجب ذلك.

أو أن يكون صلة قوله: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ  ﴾ .

يقول: لم يرسل إليكم، ولا امتحنكم بالذي امتحنكم لحاجة نفسه أو لمنفعة له؛ إذ هو غني بذاته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ذو الرحمة فلا يعجل عليهم بالعقوبة.

والثاني: ذو الرحمة لما خلق الخلائق، وجعل لبعض ببعض الانتفاع بهم والاستمتاع، وإنما خلقهم لمنافع أنفسهم.

ويحتمل قوله: ﴿ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ﴾ : مَنْ قَبِلَ رحمته صار أهلا لها، فأما من لم يقبل رحمته فإنه ذو انتقام منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ ﴾ .

لأنه غني بذاته لم يخلقكم لمنافع نفسه أو لحاجته، إن شاء أذهبكم واستخلف غيركم، ولو كان خلقه الخلق لمنافع نفسه لكان لا يذهب بهم ويستخلف [من] بعدهم ما يشاء.

﴿ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ .

يخبر عن غناه عنهم، وعن سلطانه، وقدرته أنه يقدر على إهلاككم واستئصالكم وإنشاء قوم آخرين.

كأن خلق الخلائق من جواهر مختلفة لا توالد فيهم، ثمّ جعل في الآخر التوالد والتناسل ويستخلف بعض من بعض بالتوالد والتناسل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ ﴾ .

من الوعد والوعيد.

أو أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ ﴾ : من النصر لرسوله والمعونة له لآت وكائن.

﴿ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ .

قيل: بفائتين ربكم.

وقيل: وما أنتم سابقين الله بأعمالكم الخبيثة حتى لا يجزيكم الله بها.

وأصله: ﴿ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ ، أي: لا تعجزون ربكم عن تعذيبكم وعقوبتكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ ﴾ .

قيل: على جديتكم.

وقيل: على منازلكم وجدتكم.

ولكن تأويله - والله أعلم -: ﴿ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ ﴾ أي: ما أنتم عليه، ثم يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل ﴿ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ ﴾ ، أي: على ما أنتم عليه من أمر الدين، ﴿ إِنَّي عَامِلٌ ﴾ : على ما أنا عليه من أمر الدين؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ .

ويحتمل أن يكونوا هموا أن يمكروا برسول الله؛ فقال: امكروا بي إني ماكر بكم؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ  ﴾ .

ويحتمل أن يكونوا يطلبون الدوائر والهلاك على رسول الله  ويكيدونه؛ كقوله: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  ﴾ هذه الكلمة تستعمل في انتهاء المكابرة غايتها وجود المعاندة غايتها بعد الفراغ من الحجج والآيات؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

يحتمل فسوف تعلمون من تكون له العاقبة.

ويحتمل: فسوف تعلمون بالهلاك من كان محقّاً بالوعيد.

أو سوف تعلمون من المحق بما أوعد وخوف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾ \[يحتمل: لا يفلح الظالمون\]، ما داموا في ظلمهم.

ويحتمل: أن يكون ذلك في قوم مخصوصين.

ويحتمل: في الآخرة: لا يفلح الظالمون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: يا قوم اثبتوا على طريقتكم وما أنتم عليه من الكفر والضلال، فقد أعذرت وأقمت الحجة عليكم بالبلاغ المبين، فلست مباليًا بكفركم وضلالكم، بل سأثبت على ما أنا عليه من الحق، فستعلمون من يكون له النصر في الدنيا، ومن يرث الأرض، ومن له الدار الآخرة، إنه لا يفوز المشركون لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل عاقبتهم الخسران، وإن تمتعوا بما تمتعوا به في الدنيا.

<div class="verse-tafsir" id="91.XgwxA"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله