الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٣٦ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٦ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذا ذم وتوبيخ من الله للمشركين الذين ابتدعوا بدعا وكفرا وشركا ، وجعلوا لله جزءا من خلقه ، وهو خالق كل شيء سبحانه وتعالى عما يشركون; ولهذا قال تعالى : ( وجعلوا لله مما ذرأ ) أي : مما خلق وبرأ ( من الحرث ) أي : من الزروع والثمار ( والأنعام نصيبا ) أي : جزءا وقسما ، ( فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ) .
وقوله : ( فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ) قال علي بن أبي طلحة ، والعوفي ، عن ابن عباس ; أنه قال في تفسير هذه الآية : إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثا ، أو كانت لهم ثمرة ، جعلوا لله منه جزءا وللوثن جزءا ، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه .
وإن سقط منه شيء فيما سمي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن .
وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن .
فسقى شيئا جعلوه لله ؛ جعلوا ذلك للوثن .
وإن سقط شيء من الحرث والثمرة الذي جعلوه لله ، فاختلط بالذي جعلوه للوثن ، قالوا : هذا فقير .
ولم يردوه إلى ما جعلوه لله .
وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله .
فسقى ما سمي للوثن تركوه للوثن ، وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، فيجعلونه للأوثان ، ويزعمون أنهم يحرمونه لله ، فقال الله عز وجل ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ) الآية .
وهكذا قال مجاهد ، وقتادة ، والسدي ، وغير واحد .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسيره : كل شيء جعلوه لله من ذبح يذبحونه ، لا يأكلونه أبدا حتى يذكروا معه أسماء الآلهة .
وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه ، وقرأ الآية حتى بلغ : ( ساء ما يحكمون ) أي : ساء ما يقسمون ، فإنهم أخطئوا أولا في القسمة ، فإن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه ، وله الملك ، وكل شيء له وفي تصرفه وتحت قدرته ومشيئته ، لا إله غيره ، ولا رب سواه .
ثم لما قسموا فيما زعموا لم يحفظوا القسمة التي هي فاسدة ، بل جاروا فيها ، كما قال تعالى : ( ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ) [ النحل : 57 ] ، وقال تعالى : ( وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين ) [ الزخرف : 15 ] ، وقال تعالى : ( ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى ) [ النجم : 21 ، 22 ] .
القول في تأويل قوله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء العادلون بربهم الأوثانَ والأصنام لربهم =(مما ذرأ) خالقهم, يعني: مما خلق من الحرث والأنعام.
* * * يقال منه: " ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذَرْءًا، وذَرْوًا "، (15) إذا خَلَقهم .
* * * =" نصيبًا "، يعني قسمًا وجزءًا .
(16) * * * ثم اختلف أهل التأويل في صفة النصيب الذي جعلوا لله، والذي جعلوه لشركائهم من الأوثان والشيطان.
فقال بعضهم: كان ذلك جزءًا من حُروثهم وأنعامهم يُفْرِزُونه لهذا، (17) وجزءًا آخر لهذا .
* ذكر من قال ذلك: 13899- حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا عتاب بن بشير, عن خصيف, عن عكرمة عن ابن عباس (فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله)، الآية, قال: كانوا إذا أدخلوا الطعام فجعلوه حُزَمًا، جعلوا منها لله سَهْمًا، وسهمًا لآلهتهم.
وكان إذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لآلهتهم إلى الذي جعلوه لله، ردُّوه إلى الذي جعلوه لآلهتهم.
وإذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لله إلى الذي جعلوه لآلهتهم، أقرُّوه ولم يردُّوه.
فذلك قوله: (سَاءَ ما يحكمون) .
13900- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا)، قال: جعلوا لله من ثمراتهم وما لهم نصيبًا، وللشيطان والأوثان نصيبًا.
فإن سقط من ثمرة ما جَعَلوا لله في نصيب الشيطان تركوه ، وإن سقط مما جعلوه للشيطان في نصيب الله التقَطُوه وحفظُوه وردُّوه إلى نصيب الشيطان ، وإن انفجر من سِقْي ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه، (18) وإن انفجر من سِقْي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدُّوه.
فهذا ما جعلوا من الحروث وسِقْي الماء .
وأما ما جعلوا للشيطان من الأنعام فهو قول الله: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ ، [سورة المائدة: 103] .
13901- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا فقالوا هذا لله بزعمهم)، الآية, وذلك أن أعداءَ الله كانوا إذا احترثُوا حرثًا، أو كانت لهم ثمرة, جعلوا لله منها جزءًا وللوَثَن جزءًا, فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه.
فإن سقط منه شيء فيما سُمِّي لله ردُّوه إلى ما جعلوا للوثن.
وإن سبقهم الماء إلى الذي جعلوه للوثن، فسقى شيئًا جعلوه لله.
جعلوا ذلك للوثن, وإن سقط شيء من الحرث والثمرة التي جعلوا لله.
فاختلط بالذي جعلوا للوثن, قالوا: " هذا فقير "!
ولم يردوه إلى ما جعلوا لله .
وإن سبقهم الماء الذي جعلوا لله فسقى ما سُمِّي للوثن، تركوه للوثن .
وكانوا يحرِّمون من أنعامهم البَحيرة والسائبة والوصيلةَ والحام, فيجعلونه للأوثان, ويزعمون أنهم يحرّمونه لله.
فقال الله في ذلك: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا)، الآية .
13902- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا)، قال: يسمون لله جزءًا من الحرث، ولشركائهم وأوثانهم جزءًا ، فما ذهبت به الريح مما سمّوا لله إلى جزء أوثانهم تركوه, وما ذهب من جزء أوثانهم إلى جزء الله ردُّوه، وقالوا: " الله عن هذا غنيّ" !
و " الأنعام " السائبة والبحيرة التي سمُّوا .
13903- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, نحوه .
13904- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا)، الآية, عمَدَ ناس من أهل الضلالة فجزَّءوا من حروثهم ومواشيهم جزءًا لله وجزءًا لشركائهم .
وكانوا إذا خالط شيء مما جزّءوا لله فيما جزءوا لشركائهم خلَّوه.
فإذا خالط شيء مما جزءوا لشركائهم فيما جزءوا لله ردّوه على شركائهم .
وكانوا إذا أصابتهم السَّنةُ استعانوا بما جزءوا لله، وأقرُّوا ما جزءوا لشركائهم ، قال الله: (ساء ما يحكمون) .
13905- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا)، قال: كانوا يجزئون من أموالهم شيئًا, فيقولون: " هذا لله, وهذا للأصنام "، التي يعبدون .
فإذا ذهب بعيرٌ مما جعلوا لشركائهم، (19) فخالط ما جعلوا لله ردُّوه.
وإن ذهب مما جعلوه لله فخالط شيئًا مما جعلوه لشركائهم تركوه .
وإن أصابتهم سنة, أكلوا ما جعلوا لله، وتركوا ما جعلوا لشركائهم, فقال الله: (ساء ما يحكمون) .
13906- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا) إلى (يحكمون)، قال: كانوا يقسمون من أموالهم قِسْمًا فيجعلونه لله, ويزرعون زَرْعًا فيجعلونه لله, ويجعلون لآلهتهم مثل ذلك.
فما خرج للآلهة أنفقوه عليها, وما خرج لله تصدقوا به .
فإذا هلك الذي يصنعون لشركائهم، وكثر الذي لله قالوا: " ليس بُدٌّ لآلهتنا من نفقة " ، وأخذوا الذي لله فأنفقوه على آلهتهم.
وإذا أجدب الذي لله، وكثر الذي لآلهتهم, قالوا: " لو شاء أزكى الذي له " !
فلا يردُّون عليه شيئًا مما للآلهة .
قال الله: لو كانوا صادقين فيما قسموا، لبئس إذًا ما حكموا: أن يأخذوا مني ولا يعطوني .
فذلك حين يقول: (ساء ما يحكمون).
* * * وقال آخرون: " النصيب " الذي كانوا يجعلونه لله فكان يصل منه إلى شركائهم: أنهم كانوا لا يأكلون ما ذبحوا لله حتى يسمّوا الآلهة, وكانوا ما ذبحوه للآلهة يأكلونه ولا يسمون الله عليه .
* ذكر من قال ذلك: 13907- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا) حتى بلغ: (وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم)، قال: كل شيء جعلوه لله من ذِبْح يذبحونه، (20) لا يأكلونه أبدًا حتى يذكروا معه أسماء الآلهة.
وما كان للآلهة لم يذكروا اسمَ الله معه ، وقرأ الآية حتى بلغ: (ساء ما يحكمون) .
* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالآية ما قال ابن عباس ومَنْ قال بمثل قوله في ذلك, لأن الله جل ثناؤه أخبر أنهم جعلوا لله من حرثهم وأنعامهم قسمًا مقدرُا, فقالوا: " هذا لله " وجعلوا مثله لشركائهم, وهم أوثانهم، بإجماع من أهل التأويل عليه, فقالوا: " هذا لشركائنا " = وإن نصيب شركائهم لا يصل منه إلى الله, بمعنى: لا يصل إلى نصيب الله, وما كان لله وصَل إلى نصيب شركائهم .
فلو كان وصول ذلك بالتسمية وترك التسمية, كان أعيان ما أخبر الله عنه أنه لم يصل، جائزًا أن تكون قد وصلت, وما أخبر عنه أنه قد وصل، لم يصل.
وذلك خلاف ما دلّ عليه ظاهر الكلام، لأن الذبيحتين تُذبح إحداهما لله، والأخرى للآلهة, جائز أن تكون لحومهما قد اختلطت، وخلطوها إذ كان المكروه عندهم تسمية الله على ما كان مذبوحًا للآلهة، دون اختلاط الأعيان واتصال بعضها ببعض .
* * * وأما قوله : (ساء ما يحكمون)، فإنه خبر من الله جل ثناؤه عن فعل هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم .
يقول جل ثناؤه: وقد أساؤوا في حكمهم، (21) إذ أخذوا من نصيبي لشركائهم، ولم يعطوني من نصيب شركائهم .
وإنما عنى بذلك تعالى ذكره الخبرَ عن جهلهم وضلالتهم، وذهابهم عن سبيل الحق، بأنهم لم يرضوا أن عدلوا بمن خلقهم وغذاهم، وأنعم عليهم بالنعم التي لا تحصى، ما لا يضرهم ولا ينفعهم, حتى فضّلوه في أقسامهم عند أنفسهم بالقَسْم عليه .
---------------------- الهوامش : (15) في المخطوطة أيضًا (( وذروا )) ، كأنه يعني تسهيل الهمزة ، ولم أجد ذكر ذلك في مصادر هذا الفعل ، ولا أظنه أراد : (( وذروءًا )) ، فإن أحدًا لم يذكر ذلك .
(16) انظر تفسير (( نصيب )) فيما سلف 9 : 324 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(17) في المطبوعة : (( يقرونه )) ، وفي المخطوطة : (( يفررون )) غير تامة النقط ، وصواب قراءتها ما أثبت .
(( فرزت الشيء )) و (( أفرزته )) ، إذا عزلته عن غيره ، ومزته .
و (( الفِرْز)) ( بكسر فسكون ) : النصيب المفروز لصاحبه ، واحدًا كل أو اثنين .
(18) (( السقي )) ( بكسر السين وسكون القاف ) : والشرب ( بكسر فسكون ) ، وهو مورد الماء كالجدول ، يسقى به الزرع .
(19) في المطبوعة : (( فإذا ذهب مما جعلوا )) غير ما كان في المخطوطة لغير طائل .
(20) (( الذبح )) ( بكسر فسكون ) ، هو (( الذبيح )) ، و (( المذبوح )) ، وهو كل ما أعد للذبح من الأضاحي ، وغيرها من الحيوان .
(21) انظر تفسير (( ساء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سوأ ) = وتفسير (( يحكم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) .
قوله تعالى وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمونقوله تعالى وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فيه مسألة واحدة :[ ص: 82 ] ويقال : ذرأ يذرأ ذرءا ، أي خلق .
وفي الكلام حذف واختصار ، وهو وجعلوا لأصنامهم نصيبا ; دل عليه ما بعده .
وكان هذا مما زينه الشيطان وسوله لهم ، حتى صرفوا من مالهم طائفة إلى الله بزعمهم وطائفة إلى أصنامهم ; قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة .
والمعنى متقارب .
جعلوا لله جزءا ولشركائهم جزءا ، فإذا ذهب ما لشركائهم بالإنفاق عليها وعلى سدنتها عوضوا منه ما لله ، وإذا ذهب ما لله بالإنقاق على الضيفان والمساكين لم يعوضوا منه شيئا ، وقالوا : الله مستغن عنه وشركاؤنا فقراء .
وكان هذا من جهالاتهم وبزعمهم .
والزعم الكذب .
قال شريح القاضي : إن لكل شيء كنية وكنية الكذب : زعموا .
وكانوا يكذبون في هذه الأشياء لأنه لم ينزل بذلك شرع .
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : من أراد أن يعلم جهل العرب فليقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام إلى قوله : قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم .
قال ابن العربي : وهذا الذي قاله كلام صحيح ، فإنها تصرفت بعقولها العاجزة في تنويع الحلال والحرام سفاهة بغير معرفة ولا عدل ، والذي تصرفت بالجهل فيه من اتخاذ الآلهة أعظم جهلا وأكبر جرما ; فإن الاعتداء على الله تعالى أعظم من الاعتداء على المخلوقات .
والدليل في أن الله واحد في ذاته واحد في صفاته واحد في مخلوقاته أبين وأوضح من الدليل على أن هذا حلال وهذا حرام .
وقد روي أن رجلا قال لعمرو بن العاص : إنكم على كمال عقولكم ووفور أحلامكم عبدتم الحجر !
فقال عمرو : تلك عقول كادها باريها .
فهذا الذي أخبر الله سبحانه من سخافة العرب وجهلها أمر أذهبه الإسلام ، وأبطله الله ببعثه الرسول عليه السلام .
فكان من الظاهر لنا أن نميته حتى لا يظهر ، وننساه حتى لا يذكر ; إلا أن ربنا تبارك وتعالى ذكره بنصه وأورده بشرحه ، كما ذكر كفر الكافرين به .
وكانت الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن قضاءه قد سبق ، وحكمه قد نفذ بأن الكفر والتخليط لا ينقطعان إلى يوم القيامة .
وقرأ يحيى بن وثاب والسلمي والأعمش والكسائي " بزعمهم " بضم الزاي .
والباقون بفتحها ، وهما لغتان .فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله أي إلى المساكين .
ساء ما يحكمون أي ساء الحكم حكمهم .
قال ابن زيد : كانوا إذا ذبحوا ما لله ذكروا عليه اسم الأوثان ، وإذا ذبحوا ما لأوثانهم لم يذكروا عليه اسم الله ، فهذا معنى فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله .
فكان تركهم لذكر الله مذموما منهم وكان داخلا في ترك أكل ما لم يذكر اسم الله عليه .
يخبر تعالى، عمَّا عليه المشركون المكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم، من سفاهة العقل، وخفة الأحلام، والجهل البليغ، وعدَّد تبارك وتعالى شيئا من خرافاتهم، لينبه بذلك على ضلالهم والحذر منهم، وأن معارضة أمثال هؤلاء السفهاء للحق الذي جاء به الرسول، لا تقدح فيه أصلا، فإنهم لا أهلية لهم في مقابلة الحق، فذكر من ذلك أنهم { جعلوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا } ولشركائهم من ذلك نصيبا، والحال أن الله تعالى هو الذي ذرأه للعباد، وأوجده رزقا، فجمعوا بين محذورين محظورين، بل ثلاثة محاذير، منَّتهم على الله، في جعلهم له نصيبا، مع اعتقادهم أن ذلك منهم تبرع، وإشراك الشركاء الذين لم يرزقوهم، ولم يوجدوا لهم شيئا في ذلك، وحكمهم الجائر في أن ما كان لله لم يبالوا به، ولم يهتموا، ولو كان واصلا إلى الشركاء، وما كان لشركائهم اعتنوا به واحتفظوا به ولم يصل إلى الله منه شيء، وذلك أنهم إذا حصل لهم -من زروعهم وثمارهم وأنعامهم، التي أوجدها الله لهم- شيء، جعلوه قسمين: قسمًا قالوا: هذا لله بقولهم وزعمهم، وإلا فالله لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه، ولا يقبل عمل مَن أشرك به.
وقسمًا جعلوه حصة شركائهم من الأوثان والأنداد.
فإن وصل شيء مما جعلوه لله، واختلط بما جعلوه لغيره، لم يبالوا بذلك، وقالوا: الله غني عنه، فلا يردونه، وإن وصل شيء مما جعلوه لآلهتهم إلى ما جعلوه لله، ردوه إلى محله، وقالوا: إنها فقيرة، لا بد من رد نصيبها.
فهل أسوأ من هذا الحكم.
وأظلم؟" حيث جعلوا ما للمخلوق، يجتهد فيه وينصح ويحفظ، أكثر مما يفعل بحق الله.
ويحتمل أن تأويل الآية الكريمة، ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن الله تعالى أنه قال: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من أشرك معي شيئا تركته وشركه".
وأن معنى الآية أن ما جعلوه وتقربوا به لأوثانهم، فهو تقرب خالص لغير الله، ليس لله منه شيء، وما جعلوه لله -على زعمهم- فإنه لا يصل إليه لكونه شركًا، بل يكون حظ الشركاء والأنداد، لأن الله غني عنه، لا يقبل العمل الذي أُشرِك به معه أحد من الخلق.
قوله - عز وجل - : ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ) الآية ، كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا ، وللأوثان نصيبا فما جعلوه لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين ، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها ، فإن سقط شيء مما جعلوه لله تعالى في نصيب الأوثان تركوه وقالوا : إن الله غني عن هذا ، وإن سقط شيء من نصيب الأصنام فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان ، وقالوا : إنها محتاجة ، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به ، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوا للأصنام جبروه بما جعلوه لله ، فذلك قوله تعالى ( وجعلوا لله مما ذرأ ) خلق ( من الحرث والأنعام نصيبا ) وفيه اختصار مجازه : وجعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا .
( فقالوا هذا لله بزعمهم ) قرأ الكسائي ( بزعمهم ) بضم الزاي ، والباقون بفتحها ، وهما لغتان ، وهو القول من غير حقيقة ، ( وهذا لشركائنا ) يعني الأوثان ، ( فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ) ومعناه : ما قلنا أنهم كانوا يتمون ما جعلوه للأوثان مما جعلوه لله ، ولا يتمون ما جعلوه لله مما جعلوه للأوثان .
وقال قتادة كانوا إذا أصابتهم سنة استعانوا بما جزءوا لله وأكلوا منه ووفروا ما جزءوا لشركائهم ولم يأكلوا منه شيئا ( ساء ما يحكمون ) أي : بئس ما يصنعون .
«وجعلوا» أي كفار مكة «لله مما ذرأ» خلق «من الحرث» الزرع «والأنعام نصيبا» يصرفونه إلى الضيفان والمساكين ولشركائهم نصيبا يصرفونه إلى سدنتها «فقالوا هذا لله بزعمهم» بالفتح والضم «وهذا لشركائنا» فكانوا إذا سقط في نصيب الله شيء من نصيبها التقطوه أو نصيبها شيء من نصيبه تركوه وقالوا إن الله غني عن هذا كما قال تعالى «فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله» أي لجهته «وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء» بئس «ما يحكمون» حكمهم هذا.
وجعل المشركون لله -جلَّ وعلا- جزءًا مما خلق من الزروع والثمار والأنعام يقدمونه للضيوف والمساكين، وجعلوا قسمًا آخر من هذه الأشياء لشركائهم من الأوثان والأنصاب، فما كان مخصصًا لشركائهم فإنه يصل إليها وحدها، ولا يصل إلى الله، وما كان مخصصا لله تعالى فإنه يصل إلى شركائهم.
بئس حكم القوم وقسمتهم.
لقد حكت هذه الآيات الكريمة بعض الرذائل التى كانت متفشية فى المجتمع الجاهلى ، أما الرذيلة الأولى فملخصها أنهم كانوا يجعلون من زروعهم وأنعامهم وسائر أموالهم نصيباً لله ونصيباً لأوثانهم ، فيشركونها فى أموالهم فما كان لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين ، وما كان للأوثان أنفقوه عليها وعلى سدنتها فإذا رأوا ما جعلوه لله أزكى بدلوه بما للأوثان ، وإذا رأوا ما جعلوه للأوثان أزكى تركوه لها .استمع إلى القرآن وهو يقص ذلك بأسلوبه الحكيم فيقول : { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً } ." ذرأ " بمعنى خلق يقال : ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءًا أى : خلقهم وأوجدهم وقيل .
الذرأ الخلق على وجه الاختراع .أى : وجعل هؤلاء المشركون مما خلقه الله - تعالى - من الزروع والأنعام نصيباً لله يعطونه للمساكين وللضيوف وغيرهم ، وجعلوا لأصنامهم نصيباً آخر يقدمونه لسدنتها ، وإنما لم يذكر النصيب الذى جعلوه لأصنامهم اكتفاء بدلالة ما بعده وهو قوله : { فَقَالُواْ هذا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَآئِنَا } .أى : فقالوا فى القسم الأول : هذا لله نتقرب به إليه .وقالوا فى الثانى : وهذا لشركائنا نتوسل به إليها .وقوله - تعالى - فى القسم الأول { هذا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ } أى : بتقولهم ووضعهم الذى لا علم لهم به ولا هدى .قال الجمل : ومن المعلوم أن الزعم هو الكذب ، وإنما نسبوا للكذب فى هذه المقالة مع أن كل شىء لله ، لأن هذا الجعل لم يأمرهم به الله وإنما هو مجرد اختراع منهم .وقال أبو السعود : وإنما قيد الأول بالزعم للتنبيه على أنه فى الحقيقة جعل لله - تعالى - غير مستتبع لشىء من الثواب كالتطوعات التى يبتغى بها وجه الله - لا لما قيل من أنه للتنبيه على أن ذلك مما اخترعوه ، فإن ذلك مستفاد من الجعل ولذلك لم يقيد به الثانى ، ويجوز أن يكون ذلك تمهيداً لما بعده على معنى أن قولهم هذا لله مجرد زعم منهم لا يعلمون بمقتضاه الذى هو اختصاصه - تعالى - به .ثم فصل - سبحانه - ما كانوا يعملونه بالنسبة للقسمة فقال : { فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إلى الله وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَآئِهِمْ } .أى : فما كان من هذه الزروع والأنعام من القسم الذى يتقرب به إلى شركائهم ، فإنهم يحرمون الضيفان والمساكين منه ولا يصل إلى الله منه شىء ، وما كان منها من القسم الذى يتقرب به إلى الله عن طريق إكرام الضيف والصدقة ، فإنهم يجورون عليه ويأخذون منه ما يعطونه لسدنة الأصنام وخدامها .فهم يجعلون قسم الأصنام لسدنتها وأتباعها وحدهم ، بينما القسم الذى جعلوه لله بزعمهم ينتقصونه ويضعون الكثير منه فى غير موضعه ، ويقولون : إن الله غنى وإن آلهتنا محتاجة .وقد عقب القرآن على هذه القسمة الجائرة بقوله : { سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } أى : ساء وقبح حكمهم وقسمتهم حيث آثروا مخلوقا عاجزا عن كل شىء ، على خالق قادر على كل شىء ، فهم بجانب عملهم الفاسد من أساسه لم يعدلوا فى القسمة .هذه هى الرذيلة الأولى من رذائلهم ، أما الرزيلة الثانية فهى أن كثيراً منهم كانوا يقتلون أولادهم ، ويئدون بناتهم لأسباب لا تمت إلى العقل السليم بصلة وقد حكى القرآن ذلك فى قوله .
اعلم أنه تعالى لما بين قبح طريقتهم في إنكارهم البعث، والقيامة ذكر عقيبه أنواعاً من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهاً على ضعف عقولهم، وقلة محصولهم، وتنفيراً للعقلاء عن الالتفات إلى كلماتهم، فمن جملتها أنهم يجعلون لله من حروثهم، كالتمر والقمح، ومن أنعامهم كالضأن والمعز والإبل والبقر، نصيباً، فقالوا: ﴿ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ ﴾ يريد بكذبهم.
فإن قيل: أليس أن جميع الأشياء لله فكيف نسبوا إلى الكذب في قولهم: هذا لله؟
قلنا: إفرازهم النصيبين نصيباً لله؛ ونصيباً للشيطان هو الكذب.
قال الزجاج: وتقدير الكلام جعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً ودل على هذا المحذوف تفصيله القسمين فيما بعد، وهو قوله: ﴿ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنَا ﴾ وجعل الأوثان شركاءهم لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونها عليها.
ثم قال تعالى: ﴿ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَائِهِمْ ﴾ وفي تفسيره وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم نصيباً، وللأوثان نصيباً، فما كان للصنم أنفقوه عليه، وما كان لله أطعموه الصبيان والمساكين، ولا يأكلون منه البتة.
ثم إن سقط مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب الله أخذوه وردوه إلى نصيب الصنم، وقالوا: إنه فقير.
الثاني: قال الحسن والسدي: كان إذا هلك ما لأوثانهم أخذوا بدله مما لله، ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله عز وجل.
الثالث: قال مجاهد: المعنى أنه إذا انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدوه، وإن كان على ضد ذلك تركوه.
الرابع: قال قتادة: إذا أصابهم القحط استعانوا بما لله ووفروا ما جعلوه لشركائهم.
الخامس: قال مقاتل: إن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة لها، وقالوا لو شاء زكى نصيب نفسه وإن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة، قالوا لابد لآلهتنا من نفقة، فأخذوا نصيب الله فأعطوه السدنة، فذلك قوله: ﴿ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ ﴾ يعني من نماء الحرث والأنعام ﴿ فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله ﴾ يعني المساكين وإنما قال: ﴿ إِلَى الله ﴾ لأنهم كانوا يفرزونه لله ويسمونه نصيب الله، وما كان لله فهو يصل إليهم، ثم إنه تعالى ذم هذا الفعل ﴿ فَقَالَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾ وذكر العلماء في كيفية هذه الإساءة وجوهاً كثيرة: الأول: أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانب الله تعالى، وهو سفه.
الثاني: أنهم جعلوا بعض النصيب لله وجعلوا بعضه لغيره مع أنه تعالى الخالق للجميع، وهذا أيضاً سفه.
الثالث: أن ذلك الحكم حكم أحدثوه من قبل أنفسهم، ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع، فكان أيضاً سفهاً.
الرابع: أنه لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز النصيب لكل حجر ومدر.
الخامس: أنه لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام، ولا قدرة لها أيضاً على الانتفاع بذلك النصيب فكان إفراز النصيب لها عبثاً، فثبت بهذا الوجوه أنه ﴿ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾ والمقصود من حكاية أمثال هذه المذاهب الفاسدة، أن يعرف الناس قلة عقول القائلين بهذه المذاهب، وأن يصير ذلك سبباً لتحقيرهم في أعين العقلاء، وأن لا يلتفت إلى كلامهم أحد ألبتة.
<div class="verse-tafsir"
كانوا يعينون أشياء من حرث ونتاج لله، وأشياء منها لآلهتهم؛ فإذا رأوا ما جعلوه لله زاكياً نامياً يزيد في نفسه خيراً رجعوا فجعلوه للآلهة، وإذا زكا ما جعلوه للأصنام تركوه لها واعتلوا بأنّ الله غنيّ، وإنما ذاك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها: وقوله: ﴿ مِمَّا ذَرَأَ ﴾ فيه أن الله كان أولى بأن يجعل له الزاكي، لأنه هو الذي ذرأه وزكاه، ولا يرد إلى ما لا يقدر على ذرء ولا تزكيه ﴿ بِزَعْمِهِمْ ﴾ وقرئ: بالضم، أي قد زعموا أنه لله والله لم يأمرهم بذلك ولا شرع لهم تلك القسمة التي هي من الشرك، لأنهم أشركوا بين الله وبين أصنامهم في القربة ﴿ فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله ﴾ أي لا يصلّ إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين ﴿ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَائِهِمْ ﴾ من إنفاق عليها بذبح النسائك عندها والإجراء على سدنتها ونحو ذلك ﴿ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾ في إيثار آلهتهم على الله تعالى وعملهم ما لم يشرع لهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجَعَلُوا ﴾ أيْ مُشْرِكُو العَرَبِ.
﴿ لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ ﴾ خَلَقَ.
﴿ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ﴾ رُوِيَ: أنَّهم كانُوا يُعَيِّنُونَ شَيْئًا مِن حَرْثٍ ونِتاجٍ لِلَّهِ ويَصْرِفُونَهُ إلى الضِّيفانِ والمَساكِينِ، وشَيْئًا مِنهُما لِآلِهَتِهِمْ ويُنْفِقُونَهُ عَلى سَدَنَتِها ويَذْبَحُونَهُ عِنْدَها، ثُمَّ إنْ رَأوْا ما عَيَّنُوا لِلَّهِ أزْكى بَدَّلُوهُ بِما لِآلِهَتِهِمْ وإنْ رَأوْا ما لِآلِهَتِهِمْ أزْكى تَرَكُوهُ لَها حُبًّا لِآلِهَتِهِمْ.
وَفِي قَوْلِهِ مِمّا ذَرَأ تَنْبِيهٌ عَلى فَرْطِ جَهالَتِهِمْ فَإنَّهم أشْرَكُوا الخالِقَ في خَلْقِهِ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، ثُمَّ رَجَّحُوهُ عَلَيْهِ بِأنْ جَعَلُوا الزّاكِيَ لَهُ، وفي قَوْلِهِ بِزَعْمِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا اخْتَرَعُوهُ لَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ بِهِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالضَّمِّ في المَوْضِعَيْنِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، وقَدْ جاءَ فِيهِ الكَسْرُ أيْضًا كالوِدِّ والوُدِّ.
﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ حُكْمُهم هَذا.
<div class="verse-tafsir"
{وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً} أي وللأصنام نصيباً فاكتفى بدلالة قوله تعالى {فَقَالُواْ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنَا} بزعمهم علي وكذا ما بعده أي زعموا أنه لله والله لم يأمرهم بذلك ولا شرع لهم تلك القسمة {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله} أي لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين {وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَائِهِمْ} من إنفاقهم عليها والإجراء على سدنتها رُوي أنهم كانوا يعينون أشياء من حرث ونتاج لله وأشياء منهما لآلهتم فإذا رأوا ما جعلوا لله زاكياً نامياً رجعوا فجعلوه للأصنام وإذا زكا ما جعلوه للأصنام تركوه لها وقالوا إن الله غني وإنما ذاك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها وفي قوله {مِمَّا ذَرَأَ} إشارة إلى أن الله كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه ثم ذم صنيعهم بقوله {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} في إيثار آلهتهم على الله وعملهم على مالم يشرع لهم وموضع ما رفع أى ساءالحكم حكمهم أو نصب أي ساء حكماً حكمهم
﴿ وجَعَلُوا ﴾ أيْ مُشْرِكُو العَرَبِ ﴿ لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ ﴾ أيْ خَلَقَ قالَ الرّاغِبُ: الذَّرْءُ إظْهارُ اللَّهِ تَعالى ما أبْدَعَهُ يُقالُ: ذَرَأ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ أيْ أوْجَدَ أشْخاصَهم وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الذَّرْءُ الخَلْقُ عَلى وجْهِ الِاخْتِراعِ وأصْلُهُ الظُّهُورُ ومِنهُ مُلِحٌّ ذَرانِيٌّ لِظُهُورِ بَياضِهِ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِجَعَلَ وما مَوْصُولَةٌ وجُمْلَةُ ذَرَأ صِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِذَرَأ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مِمّا مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَصِيبًا ﴾ وأنْ يَكُونَ ﴿ مِنَ الحَرْثِ ﴾ حالًا أيْضًا مِن ما أوْ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ و ﴿ نَصِيبًا ﴾ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مَفْعُولُ جَعَلَ وهو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا لِاثْنَيْنِ أوَّلُهُما ﴿ مِمّا ذَرَأ ﴾ عَلى أنَّ مِن تَبْعِيضِيَّةٌ وثانِيهِما ﴿ نَصِيبًا ﴾ وقِيلَ: الأمْرُ بِالعَكْسِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُ سَدادَ المَعْنى وأيًّا ما كانَ فَهَذا شُرُوعٌ في تَقْبِيحِ أحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ بِحِكايَةِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمُ الشَّنِيعَةِ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّهم كانُوا إذا حَرَثُوا حَرْثًا أوْ كانَتْ لَهم ثَمَرَةٌ جَعَلُوا لِلَّهِ تَعالى مِنهُ جُزْءًا وجُزْءًا لِلْوَثَنِ فَما كانَ مِن حَرْثٍ أوْ ثَمَرَةٍ أوْ شَيْءٍ مِن نَصِيبِ الأوْثانِ حَفِظُوهُ وأحْصَوْهُ فَإنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِمّا سُمِّيَ لِلصَّمَدِ رَدُّوهُ إلى ما جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ وإنْ سَبَقَهُمُ الماءُ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ فَسَقى شَيْئًا مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ وإنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنَ الحَرْثِ والثَّمَرَةِ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى فَسَقى ما سَمَّوْهُ لِلْوَثَنِ تَرَكُوهُ لِلْوَثَنِ وكانُوا يُحَرِّمُونَ مِن أنْعامِهِمُ البُحَيْرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامِيَ فَيَجْعَلُونَهُ لِلْأوْثانِ ويَزْعُمُونَ أنَّهم يُحَرِّمُونَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يُعَيِّنُونَ شَيْئًا مِن حَرْثٍ ونِتاجٍ لِلَّهِ تَعالى فَيَصْرِفُونَهُ إلى الضِّيفانِ والمَساكِينِ وأشْياءَ مِنهُما لِآلِهَتِهِمْ فَيُنْفِقُونَ مِنها لِسَدَنَتِها ويَذْبَحُونَ عِنْدَها فَإذا رَأوْا ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى زاكِيًا نامِيًا يَزِيدُ في نَفْسِهِ خَيْرًا رَجَعُوا فَجَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ وإذا زَكا ما جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ تَرَكُوهُ مُعْتَلِّينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى غَنِيٌّ وما ذاكَ إلّا لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ حَيْثُ أشْرَكُوا الخالِقَ القادِرَ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ثُمَّ رَجَّحُوهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأنْ جَعَلُوا الزّاكِيَ لَهُ واخْتارَ هَذِهِ الرِّوايَةَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وأصْلُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وجَعَلُوا لِلَّهِ ..
إلَخْ.
ولِشُرَكائِهِمْ فَطُوِيَ ذِكْرُ الشُّرَكاءِ لِأنَّهُ عَلى ما قِيلَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ عِنْدَهم وأُشِيرَ إلى تَقْدِيرِهِ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا ﴾ أيِ الأوْثانِ وسَمَّوْهم شُرَكاءَهم لِأنَّهم جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ فَهم شُرَكاؤُهم فِيها ويُحْتَمَلُ أنَّ الإضافَةَ لِأدْنى مُلابَسَةٍ حَيْثُ إنَّهم زَعَمُوا كَوْنَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ( بِزُعْمِهِمْ ) بِضَمِّ الزّايِ وهو لُغَةٌ فِيهِ وجاءَ الكَسْرُ أيْضًا فَهو مُثَلَّثٌ كالوِدِّ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ وإنَّما قُيِّدَ بِهِ الأوَّلُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ يُجْعَلُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ غَيْرَ مُسْتَتْبَعٍ لِشَيْءٍ مِنَ الثَّوابِ كالتَّطَوُّعاتِ الَّتِي يُبْتَغى بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا اخْتَرَعُوهُ لَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الجَعْلِ ولِذَلِكَ لَمْ يُقَيَّدْ بِهِ الثّانِي.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ ﴿ هَذا لِلَّهِ ﴾ مُجَرَّدُ زَعْمٍ مِنهم لا يَعْلَمُونَ بِمُقْتَضاهُ الَّذِي هو اخْتِصاصُهُ بِهِ تَعالى فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ﴾ بَيانٌ وتَفْصِيلٌ لَهُ أيْ فَما عَيَّنُوهُ لِشُرَكائِهِمْ لا يُصْرَفُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي يُصْرَفُ إلَيْها ما عَيَّنُوهُ لِلَّهِ تَعالى وما عَيَّنُوهُ لِلَّهِ تَعالى يُصْرَفُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي يُصْرَفُ إلَيْها ما عَيَّنُوهُ لِآلِهَتِهِمْ ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ (136) فِيما فَعَلُوا مِن إيثارِ مَخْلُوقٍ عاجِزٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ عَلى خالِقٍ قادِرٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وعَمَلِهِمْ بِما لَمْ يُشْرَّعْ لَهم و( ساءَ ) يَجْرِي مَجْرى بِئْسَ فَما سَواءٌ كانَتْ مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً فاعِلٌ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ حُكْمُهم هَذا وقِيلَ: إنَّ ( ساءَ ) هُنا غَيْرُ الجارِيَةِ مَجْرى بِئْسَ فَلا تَحْتاجُ إلى مَخْصُوصٍ بِالذَّمِّ بَلْ إلى فاعِلٍ فَقَطْ فَإنَّ فاعِلَ الجارِيَةَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُعَرَّفًا بِاللّامِ أوْ مُضافًا في الأشْهَرِ واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.
<div class="verse-tafsir"
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كانوا يسمون لله جزءاً من الحرث، ولأوثانهم جزءاً.
فما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه.
وما ذهبت به الريح من الجزء الذي سموه لله إلى جزء الأصنام تركوه وقالوا إن الله غني عن هذا.
وقال السدي: ما خرج من نصيب الأصنام أنفقوه عليها، وما خرج من نصيب الله تصدقوا به.
فإذا هلك الذي لشركائهم وكثر الذي لله قالوا: ليس لآلهتنا بدّ من النفقة.
فأخذوا الذي لله، وأنفقوه على الأصنام.
وإذا هلك الذي لله وكثر الذي للأصنام قالوا: لو شاء الله لأزكى ماله فلا يزيدون عليه شيئاً.
فذلك قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ يعني: مما خلق من الحرث والأنعام نَصِيباً يعني: جعلوا لله نصيباً، ولشركائهم نصيباً، فاقتصر على المذكور لأن في الكلام دليلاً على المسكوت عنه فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ يقول بقولهم ولم يأمرهم الله بذلك وَهذا لِشُرَكائِنا يعني: للأصنام فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ يعني: لأصنامهم فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ يقول: فلا يضعون شيئاً في نصيب الله وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ يقول: يوضع في نصيبهم ساءَ مَا يَحْكُمُونَ يعني: لو كان معه شريك كما يقولون ما عدلوا في القسمة.
ويقال: ساءَ مَا يَحْكُمُونَ حيث وصفوا لله شريكاً.
قرأ الكسائي (بزعمهم) بضم الزاي وقرأ الباقون بالنصب وهما لغتان ومعناهما واحد.
ثم قال تعالى: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ يعني: زين لهم شركاؤهم وهم الشياطين قتل أولادهم، لأنهم يقتلون أولادهم مخافة الفقر والحمية، ويدفنون بناتهم أحياء فزين لهم الشيطان ذلك، كما زيّن لهم تحريم الحرث والأنعام.
ويقال: كان واحد منهم ينذر أنه إذا ولد كذا وكذا ولد يذبح واحداً منهم كما فعل عبد المطلب.
فزين لهم الشيطان قتل أولادهم.
فذلك قوله وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام وَكَذلِكَ زَيَّنَ بضم الزاي قَتْلَ بضم اللام أَوْلادِهِمْ بفتح الدال شُرَكائِهِمْ بالخفض.
وإنما قرئ زَيَّنَ بالضم على فعل ما لم يسم فاعله ومعناه: قتل شركائهم على معنى التقديم، وهم أولادهم لأن أولادهم شركاؤهم في أموالهم، فصار شركاؤهم نعتاً للأولاد، وصار الأولاد نصباً على وجه التفسير.
وقرأ الباقون زَيَّنَ بالنصب لأنه فعل ماض شُرَكاؤُهُمْ بالضم لأنه جعل الشركاء على وجه الفاعل.
ثم قال: لِيُرْدُوهُمْ يعني: ليهلكوهم بذلك وَلِيَلْبِسُوا يعني: ليخلطوا وليشبهوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ يعني: دين إبراهيم وإسماعيل.
ثم قال: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ يعني: لو شاء الله لمنعهم من ذلك منع اضطرار وقهر وأهلكهم فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ يعني: دعهم وما يكذبون بأن الله أمرهم بذلك، ومعناه: أن الله مع قدرته عليهم قد تركهم إلى وقت قدرهم، فاتركهم أنت أيضاً إلى الوقت الذي تؤمر بقتالهم.
ويقال: معناه دعهم فإنّ لهم موعداً بين يدي الله فيحاسبهم ويجازيهم بها.
قوله تعالى: وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحرث وهو نوع من الزرع حرموها على النساء.
حِجْرٌ يعني: حرام والحجر يكون عبارة عن العقل كقوله تعالى: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: 5] أي: لذي لب وعقل ويكون عبارة عن الحرام كقوله: حِجْراً مَحْجُوراً [الفرقان: 22] يعني: حراما محرما وكقوله هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ [الأنعام: 138] يعني: حراماً لاَّ يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ من الرجال دون النساء، وهو مالك بن عوف كان يفتيهم بالحل والحرمة.
وكان يقول: هذا يجوز وهذا لا يجوز لأشياء كانوا حرموها برأيهم.
ثم قال وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وهي الحام من الإبل كانوا يتركونها ولا يركبونها وَأَنْعامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا يعني: عند الذبيحة ويقال: عند الركوب وهي البحيرة افْتِراءً عَلَيْهِ يعني: اختلاقاً وكذباً على الله بأنه أمرهم بذلك سَيَجْزِيهِمْ يعني: سيعاقبهم بِما كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: يكذبون على الله بأنه أمرهم وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا قال الكلبي يعني: البحيرة والوصيلة حلال لذكورنا ما دامت في الأحياء، وليس للنساء فيه شركة ولا نصيب.
فذلك قوله: وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً يعني: من هذه الأنعام فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ يعني: الرجال والنساء في أكلها.
وقال الضحاك: كانت الناقة إذا ولدت فصيلاً ذكراً حرموا لحم الفصيل ولبن الناقة على النساء دون الرجال، وإن وضعت فصيلاً ميتاً اشتركت الرجال والنساء في لحم الفصيل ولبن الناقة.
ذكر في أول الكلام خالِصَةٌ لفظ التأنيث، لأنه انصرف إلى المعنى، ومعناه: حمله ما في بطون هذه الأنعام.
ثم قال وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ذكر بلفظ التذكير، لأنه انصرف إلى قوله: مَا فِي بُطُونِ قرأ عاصم في رواية أبي بكر وأن تَكُنْ بالتاء على معنى التأنيث مَيْتَةً بالنصب يعني: وإن تكن الجماعة ميتة صارت الميتة خبر كان.
وقرأ ابن عامر وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً بالضم يعني: وإن كانت ميتة جعلها اسم كان رفعاً وقرأ ابن كثير وَإِنْ يَكُنْ بالياء مَيْتَةً بالضم يعني وإن: كان ما فيه ميتة بلفظ التذكير وجعل الميتة اسم كان.
وقرأ الباقون وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً جعلوا الميتة خبر كان بلفظ التذكير.
ثم قال: سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ صار نصباً لنزع الخافض يعني: سيعاقبهم بكذبهم إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ حَكِيمٌ عليهم بالعذاب عَلِيمٌ بهم.
وفي الآية دليل أن العالم ينبغي أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به حتى يعلم فساد قوله، ويعلم كيف يرد عليه لأن الله تعالى أعلم النبيّ وأصحابه قول من خالفهم في زمانهم، ليعرفوا فساد قولهم.
قوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ يعنوا: دفنوا بناتهم أحياء وقتلوهن سَفَهاً صار نصباً لنزع الخافض يعني: جهلاً منهم بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير حجة منهم في قتلهن وهم ربيعة ومضر كانوا يقتلون بناتهم لأجل الحمية.
وروي عن رسول الله أن رجلاً من أصحابه كان لا يزال مغتماً بين يديه فقال له رسول الله «مَا لَكَ تَكن مَحْزُوناً» ؟
فقال: يا رسول الله إني قد أذنبت في الجاهلية ذنباً، فأخاف أن لا يغفر لي وإني أسلمت فقال له: «أَخْبِرْنِي عَنْ ذَنْبِكَ» فقال: يا رسول الله: إني كنت من الذين يقتلون بناتهم فولدت لي بنت، فتشفعت إليَّ امرأتي بأن أتركها فتركتها حتى كبرت، وأدركت فصارت من أجمل النساء فخطبوها، فدخلت عليَّ الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج.
فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب بها إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي فسرت بذلك وزيّنتها بالثياب والحلي، وأخذت عليَّ المواثيق بأن لا أخونها فذهبت بها إلى رأس بئر، فنظرت إلى البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر، فالتزمت بي وجعلت تبكي وتقول: يا أبت أي شيء تريد أن تفعل بي فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت عليّ الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمي فجعلت مرة أنظر في البئر، ومرة أنظر إليها، وأرحمها حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة وهي تنادي في البئر يا أبت قتلتني.
فمكثت هناك حتى انقطع صوتها.
فرجعت فبكى رسول الله وأصحابه وقال «لَوْ أُمِرْتُ أَنْ أعَاقِبَ أَحَداً بِمَا فَعَلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ لَعَاقَبْتُكَ بِمَا فَعَلْتَ» .
ثم قال: وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ يعني: ما أعطاهم افْتِراءً يعني: كذباً عَلَى اللَّهِ بأنه قد حرم ذلك عليهم قَدْ أَضَلُّوا عن الهدى وَما كانُوا مُهْتَدِينَ يعني: وما هم بمهتدين ويقال: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ من قبل فخذلهم الله بذلك قرأ ابن كثير وابن عامر قتلوا بالتشديد لتكثير الفعل والباقون بالتخفيف.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ، يعني: مشركي العربِ الذين تقدَّم الردُّ عليهم من أول السورة، وذَرَأَ: معناه: خلَق وأنشأَ وبَثَّ، وسبَبُ نزول هذه الآية أنَّ العرب كانَتْ تجعل من غَلاَّتها وزُرُوعها وثمارها وأنعامها جُزْءاً تسميِّه للَّه، وَجْزْءاً تسميه لأصنامها، وكانت عادتها التحفِّي والاهتبال بنَصيبِ الأصنام أكْثَرَ منها بنصيب اللَّهِ إذ كانوا يعتقدون أن الأصنام بها فَقْر، وليس ذلك باللَّه سبحانه، فكانوا إذا جمعوا الزَّرْعَ، فهبَّت الريحُ، فحملَتْ مِنَ الذي للَّه إلى الذي لشركائِهِمْ، أقروه، وإذا حملَتْ من الذي لشركائِهِمْ إلى الذي للَّه، ردُّوه، وإذا لم يُصِيبُوا في نصيبِ شركائهم شيئاً، قالوا: لا بُدَّ للآلهة مِنْ نفقةٍ، فيجعلون نصيب اللَّه تعالى في ذلك قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهدٌ والسديُّ وغيرهم «١» أنهم كانوا يفعلُونَ هذا ونحوه من الفعْلِ وكذلك في الأنعامِ كانوا إذا أصابتهم السَّنَةُ، أكلوا نصيبَ اللَّه، وتحامَوْا نصيبَ شركائهم.
وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ، الكثير هنا يرادُ به مَنْ كان يَئِدُ «٢» مِنْ مشركي العرب، والشركاء هاهنا: الشياطين الآمِرُونَ بذلك، المزيِّنون له، والحاملون عليه أيضاً من بني آدم، ومقصد الآية الذمُّ للوأد والإنحاء على فعلته، ولِيُرْدُوهُمْ: معناه: ليهلكوهم من الرّدى، ولِيَلْبِسُوا: معناه: ليخلّطوا.
وقوله سبحانه: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ يقتضي أن لا شيء إلا بمشيئة اللَّه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذَرَأ، بِمَعْنى خَلَقَ.
﴿ مِنَ الحَرْثِ ﴾ وهو الزَّرْعُ.
﴿ والأنْعامِ ﴾ : الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ.
وكانُوا إذا زَرَعُوا، خَطُّوا خَطًّا، فَقالُوا: هَذا لَلَّهِ، وهَذا لِآَلِهَتِنا فَإذا حَصَدُوا ما جَعَلُوهُ لَلَّهِ فَوَقَعَ مِنهُ شَيْءٌ فِيما جَعَلُوهُ لِآَلِهَتِهِمْ، تَرَكُوهُ وقالُوا: هي إلَيْهِ مُحْتاجَةٌ؛ وإذا حَصَدُوا ما جَعَلُوهُ لِآَلِهَتِهِمْ، فَوَقَعَ مِنهُ شَيْءٌ في مالِ اللَّهِ، أعادُوهُ إلى مَوْضِعِهِ وكانُوا يَجْعَلُونَ مِنَ الأنْعامِ شَيْئًا لَلَّهِ؛ فَإذا ولَدَتْ إناثُها مَيِّتًا أكَلُوهُ، وإذا ولَدَتْ أنْعامُ آَلِهَتِهِمْ مَيِّتًا عَظَّمُوهُ فَلَمْ يَأْكُلُوهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآَيَةِ: وجَعَلُوا لَلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا، وجَعَلُوا لَشُرَكائِهِمْ نَصِيبًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا ﴾ ، فَدَلَّ بِالإشارَةِ إلى النَّصِيبَيْنِ عَلى نَصِيبِ الشُّرَكاءِ؛ وكانُوا إذا زَكا ما لَلَّهِ، ولَمْ يُزَكِّ ما لَشُرَكائِهِمْ، رَدُّوا الزّاكِي عَلى أصْنامِهِمْ، وقالُوا: هَذِهِ أحْوَجُ، واللَّهُ غَنِيٌّ؛ وإذا زَكا ما لَلْأصْنامِ، ولَمْ يُزَكِّ ما لَلَّهِ، أقَرُّوهُ عَلى ما بِهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانُوا يَصْرِفُونَ ما جَعَلُوا لَلَّهِ إلى الضِّيفانِ والمَساكِينَ.
فَمَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: إلى هَؤُلاءِ.
ويَصْرِفُونَ نَصِيبَ آَلِهَتِهِمْ في الزَّرْعِ إلى النَّفَقَةِ عَلى خُدّامِها.
فَأمّا نَصِيبُها في الأنْعامِ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ لَلنَّفَقَةِ عَلَيْها أيْضًا.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ، فَيَذْبَحُونَهُ لَها.
والثّالِثُ: أنَّهُ البَحِيرَةُ، والسّائِبَةُ، والوَصِيلَةُ، والِحامِ.
وقالَ الحَسَنُ: كانَ إذا هَلَكَ ما لِأوْثانِهِمْ غَرَّمُوهُ، وإذا هَلَكَ ما لِلَّهِ لَمْ يُغَرِّمُوهُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا لا يَأْكُلُونَ ما جَعَلُوهُ لَلَّهِ حَتّى يَذْكُرُوا عَلَيْهِ اسْمَ أوْثانِهِمْ، ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلى ما جَعَلُوهُ لَلْأوْثانِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: "بِزَعْمِهِمْ" فَقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الزّايِ؛ وقَرَأ الكِسائِيُّ، والأعْمَشُ: بِضَمِّها.
وفي الزَّعْمِ ثَلاثُ لُغاتٍ: ضَمُّ الزّايِ، وفَتْحُها، وكَسْرُها.
ومِثْلُهُ: السَّقْطُ، .
والسَّقْطُ والسِّقْطُ، والفَتْكُ، والفِتْكُ، والفُتْكُ؛ والزَّعْمُ، والزِّعْمُ، والزُّعْمُ.
قالَ الفَرّاءُ: فَتْحُ الزّايِ في الزَّعْمِ، لِأهْلِ الحِجازِ؛ وضَمُّها لِأسَدٍ؛ وكَسْرُها لَبَعْضِ قَيْسٍ فِيما يَحْكِي الكِسائِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في "وَجَعَلُوا"؛ عائِدٌ عَلى كُفّارِ العَرَبِ العادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الأوثانَ؛ الَّذِينَ تَقَدَّمَ الرَدُّ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ السُورَةِ.
و"ذَرَأ"؛ مَعْناهُ: "خَلَقَ؛ وأنْشَأ؛ وبَثَّ في الأرْضِ"؛ يُقالُ: "ذَرَأ اللهُ تَعالى الخَلْقَ؛ يَذْرَؤُهُمْ؛ ذَرْءًا؛ وذُرُوءًا"؛ أيْ: "خَلَقَهُمْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَجَعَلُوا - مِن كَذا وكَذا - نَصِيبًا"؛ يَتَضَمَّنُ بَقاءَ نَصِيبٍ آخَرَ؛ لَيْسَ بِداخِلٍ في حُكْمِ الأوَّلِ؛ فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: "فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا"؛ ثُمَّ اعْتَرَضَهم أثْناءَ القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ زَعْمٌ؛ وتَقَوُّلٌ؛ و"اَلزَّعْمُ"؛ في كَثِيرِ كَلامِ العَرَبِ أقْرَبُ إلى غَيْرِ اليَقِينِ والحَقِّ؛ يُقالُ: "زَعْمٌ"؛ بِفَتْحِ الزايِ؛ وبِهِ قَرَأتِ الجَماعَةُ؛ و"زُعْمٌ"؛ بِضَمِّها؛ و[بِها] قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ و"زِعْمٌ" بِكَسْرِ الزايِ؛ ولا أحْفَظُ أحَدًا قَرَأ بِهِ.
و"اَلْحَرْثُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ يُرِيدُ بِهِ الزَرْعَ والأشْجارَ؛ وما يَكُونُ مِنَ الأرْضِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "لِشُرَكائِنا"؛ يُرِيدُ بِهِ الأصْنامَ والأوثانَ؛ وسَمَّوْهم "شُرَكاءَ" عَلى مُعْتَقَدِهِمْ فِيهِمْ أنَّهم يُساهِمُونَهم في الخَيْرِ؛ والشَرِّ؛ ويُكْسِبُونَهم ذَلِكَ.
وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَجْعَلُ مِن غَلّاتِها؛ وزَرْعِها؛ وثِمارِها؛ ومِن أنْعامِها؛ جُزْءًا تُسَمِّيهِ لِلَّهِ تَعالى ؛ وجُزْءًا تُسَمِّيهِ لِأصْنامِها؛ وكانَتْ عادَتُها التَحَفِّي؛ والِاهْتِبالَ بِنَصِيبِ الأصْنامِ أكْثَرَ مِنها بِنَصِيبِ اللهِ تَعالى إذْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الأصْنامَ بِها فَقْرٌ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ بِاللهِ تَعالى ؛ فَكانُوا إذا جَمَعُوا الزَرْعَ فَهَبَّتِ الرِيحُ فَحَمَلَتْ مِنَ الذِي لِلَّهِ تَعالى إلى الَّذِي لِشُرَكائِهِمْ أقَرُّوهُ؛ وإذا حَمَلَتْ مِنَ الذِي لِشُرَكائِهِمْ إلى اللهِ تَعالى رَدُّوهُ؛ وإذا تَفَجَّرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوا لِلَّهِ تَعالى في نَصِيبِ شُرَكائِهِمْ تَرَكُوهُ؛ وإنْ بِالعَكْسِ سَدُّوهُ؛ وإذا لَمْ يُصِيبُوا في نَصِيبِ شُرَكائِهِمْ شَيْئًا قالُوا: لا بُدَّ لِلْآلِهَةِ مِن نَفَقَةٍ؛ فَيَجْعَلُونَ نَصِيبَ اللهِ تَعالى في ذَلِكَ؛ قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ ومُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: إنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ هَذا ونَحْوَهُ مِنَ الفِعْلِ؛ وكَذَلِكَ في الأنْعامِ؛ وكانُوا إذا أصابَتْهُمُ السَنَةُ أكَلُوا نَصِيبَ اللهِ تَعالى وتَحامَوْا نَصِيبَ شُرَكائِهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى "فَلا يَصِلُ"؛ وقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "يَصِلُ"؛ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِن حِمايَتِهِمْ نَصِيبَ آلِهَتِهِمْ في هُبُوبِ الرِيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما ذَلِكَ في أنَّهم كانُوا إذا ذَبَحُوا لِلَّهِ تَعالى ذَكَرُوا آلِهَتَهم عَلى ذَلِكَ الذَبْحِ؛ وإذا ذَبَحُوا لِآلِهَتِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ تَعالى ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فَلا يَصِلُ إلى ذِكْرِ اللهِ تَعالى "؛ وقالَ: "فَهُوَ يَصِلُ إلى ذِكْرِ شُرَكائِهِمْ"؛ و"ما"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ساءَ الَّذِي يَحْكُمُونَ"؛ ولا يُتَّجَهُ عِنْدِي أنْ يُجْرى هُنا "ساءَ"؛ مُجْرى "نِعْمَ"؛ و"بِئْسَ"؛ لِأنَّ المُفَسَّرَ هُنا مُضْمَرٌ؛ ولا بُدَّ مِن إظْهارِهِ بِاتِّفاقٍ مِنَ النُحاةِ؛ وإنَّما اتُّجِهَ أنْ تُجْرى مُجْرى "بِئْسَ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ساءَ مَثَلا القَوْمُ ﴾ ؛ لِأنَّ المُفَسَّرَ ظاهِرٌ في الكَلامِ.
<div class="verse-tafsir"
عَطفٌ على نظائره ممّا حكيت فيه أقوالهم وأعمالهم من قوله: ﴿ وما قدروا الله حقّ قدره إذ قالوا ما أنزل اللَّه على بشر من شيء ﴾ [الأنعام: 91] وقوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجنّ ﴾ [الأنعام: 100] وقوله: ﴿ وأقسموا بالله جَهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنُنّ بها ﴾ [الأنعام: 109] وقوله: ﴿ وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ﴾ [الأنعام: 124] وما تخلّل ذلك فهو إبطال لأقوالهم، ورد لمذاهبهم، وتمثيلات ونظائر، فضمير الجماعة يعود على المشركين الّذين هم غرض الكلام من أوّل السّورة من قوله: ﴿ ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون ﴾ [الأنعام: 1].
وهذا ابتداءُ بيان تشريعاتهم الباطلة، وأوّلُها مَا جعلوه حقّاً عليهم في أموالهم للأصنام: ممّا يشبه الصّدقات الواجبة، وإنَّما كانوا يوجبونها على أنفسهم بالالتزام مثل النّذور، أو بتعيين من الّذين يشرعون لهم كما سيأتي.
والجعل هنا معناه الصّرف والتّقسيم، كما في قول عمر في قضيّة: ما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم المختصم فيها العبّاس وعليّ رضي الله عنهم «فيجعَلُه رسولُ اللَّه مجعل ماللِ اللَّه» أي يضعه ويصرفه، وحقيقة معنى الجعل هو التّصيير، فكما جاء صيّر لمعان مجازية، كذلك جاء (جعل)، فمعنى ﴿ وجعلوا لله ﴾ : صرفوا ووضعوا لله، أي عيّنوا له نصيباً، لأنّ في التّعيين تصييراً تقديرياً ونقلاً.
وكَذلِك قول النّبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي طلحةَ: " أرى أن تجعلَها في الأقربِين " أي أن تصرفها إليهم، و ﴿ جعل ﴾ هذا يتعدّى إلى مفعول واحد، وهذه التّعدية هي أكثر أحوال تعديته، حتّى أنّ تعديته إلى مفعولين إنَّما ما في الحقيقة مفعولٌ وحالٌ منه.
ومعنى: ﴿ ذرأ ﴾ أنشأ شيئاً وكثّره.
فأطلق على الإنماء لأنّ إنشاء شيء تكثير وإنماء.
و ﴿ ممّا ذرأ ﴾ متعلّق ب ﴿ جَعلوا ﴾ ، و ﴿ من ﴾ تبعيضية، فهو في معنى المفعول، و ﴿ مَا ﴾ موصولة، والإتيان بالموصول لأجل دلالة صلته على تسفيه آرائهم، إذ ملَّكوا الله بعض مَلْكه، لأنّ ما ذرأه هو مِلْكُه، وهو حقيق به بلا جَعْل منهم.
واختيار فعل: ﴿ ذرأ ﴾ هنا لأنّه الّذي يدلّ على المعنى المراد، إذ المقصود بيان شرائعهم الفاسدة في نتائج أموالهم.
ثمّ سيبيّن شرعهم في أصول أموالهم في قوله: ﴿ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ﴾ [الأنعام: 138] الآية.
و ﴿ من الحرث والأنعام ﴾ بيان ﴿ ما ﴾ الموصولة.
والحرثُ مراد به الزّرع والشّجر، وهو في الأصل من إطلاق المصدر على اسم المفعول، ثمّ شاع ذلك الإطلاق حتّى صار الحرث حقيقة عرفية في الجنّات والمزارع، قال تعالى: ﴿ أن اغْدُوا على حرثكم إن كنتم صارمين ﴾ [القلم: 22].
والنّصيب: الحظ والقِسْم وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ أولئك لهم نصيب ممّا كسبوا ﴾ في سورة البقرة (202)، والتّقدير: جعلوا لله نصيباً ولغيره نصيباً آخر، وفهم من السّياق أنّ النّصيب الآخر لآلهتهم.
وقد أفصح عنه في التّفريع بقوله: فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا } .
والإشارتان إلى النّصيب المعيّن لله والنّصيب المعيّن للشركاء، واسما الإشارة مشار بكلّ واحد منهما إلى أحد النّصيبين على الإجمال إذ لا غرض في المقام في تعيين ما جعلوه لله وما جعلوه لشركائهم.
والزّعم: الاعتقاد الفاسد، أو القريب من الخطأ، كما تقدّم عند قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك في سورة النساء (60)، وهو مثلّث الزاي، والمشهور فيه فتح الزاي، ومثله الرّغم بالرّاء مثلّث الراء.
« وقرأ الجمهور بفتح الزاي وقرأه الكسائي بضمّ الزاي ويتعلّق قولهم: بزعمهم } ب ﴿ قالوا ﴾ وجُعل قوله: ﴿ بزعمهم ﴾ موالياً لبعض مقول القول ليكون متّصلاً بما جعلوه لله فيرتَّبُ التّعجيب من حكمهم بأنّ ما كان لله يصل إلى شركائهم، أي ما اكتفوا بزعمهم الباطل حتّى نكلوا عنه وأشركوا شركاؤهم فيماجعلوه لله بزعمهم.
والباء الداخلة على ﴿ بزعمهم ﴾ إمّا بمعنى ﴿ مِن ﴾ أي، قالوا ذلك بألسنتهم، وأعلنوا به قولاً ناشئاً عن الزعم، أي الاعتقاد الباطل، وإمّا للسببيّة، أي قالوا ذلك بسبب أنّهم زعموا.
ومحلّ الزّعم هو ما اقتضته القسمة بين الله وبين الآلهة، وإلاّ فإنّ القول بأنّه ملك لله قول حقّ، لكنّهم لما قالوه على معنى تعيين حقّ الله في ذلك النّصيب دون نصيب آخر.
كان قولهم زعماً باطلاً.
والشّركاء هنا جمع شريك، أي شريك الله سبحانه في الإلهية، ولمّا شاع ذلك عندهم صار كالعَلم بالغلبة، فلذلك استغنى عن الإضافة إلى ما فيه المعنى المشتقّ منه أعني الشّركة ثمّ لأجل غلبته في هذا المعنى صار بمنزلة اللّقب، فلذلك أضافوه إلى ضميرهم، فقالوا: لشركائنا، إضافة معنوية لا لفظيّة، أي للشّركاء الّذين يُعرفون بنا.
قال ابن عبَّاس وأصحابه: كان المشركون يجعلون لله من حروثهم (يعني زرعهم وشجرهم) وأنعامهم نصيباً وللأوثان نصيباً فما كان للأصنام أنفقوه عليها وما كان لله أطعموه الضيفان والمساكين ولا يأكلون منه البتة.
وكانوا يجعلون البَحيرة والسائبة والوصيلة والحامي للأصنام.
وذكر ابن إسحاق: أنّ (خَوْلاَن) كان لهم صنم اسمه (عَمّ أنَس) يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قِسَما بينه وبين الله، فما دخل في حق (عَمّ أنس) من حَقّ الله الّذي سَمَّوه له تركوه للصّنم وما دخل في حقّ الله من حقّ (عَمّ أنس) ردّوه عليه، ومنهم بطن يقال لهم (الأدِيم) قال: وفيهم نزل قوله تعالى: وجعلوا لله مما ذرأ الآية.
وقوله: ﴿ فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ﴾ .
قال ابن عبّاس وقتادة: كانوا إذا جمعوا الزرع فهبت الرّيح فحملت من الّذي لله إلى الّذي لشركائهم أقَرّوه وقالوا: إنّ الله غنيّ عنه، وإذا حملت من الّذي لشركائهم إلى الّذي للَّهِ ردّوه، وإذا هلك ما لأصنامهم بقحط أخذوا بدله ممّا لله، ولا يفعلون ذلك فيما لله، وإذا انفجر من سقي ما جعلوه لله فساح إلى ما للّذي للأصنام تركوه وإذا انفجر من سقي ما للأصنام فدخل في زرع الّذي لله سَدّوه.
وكانوا إذا أصابتهم سَنَةٌ استعانوا بما جعلوه لله فأنفقوه على أنفسهم وأقرّوا ما جعلوه لشركائهم للشركاء، وإذا هلك الّذي جعلوه للأصنام وكثر الّذي جعلوه لله قالوا: ليس لآلهتنا بدّ من نفقة وأخذوا الّذي جعلوه لله فأنفقوه عليها، وإذا أجدب الّذي لله وكثر الّذي لآلهتهم قالوا: لو شاء الله أزكى الّذي له فلا يردّون على ما جعلوه لله شيئاً ممّا لآلهتهم، فقوله: ﴿ فلا يصل إلى الله ﴾ مبالغة في صونه من أن يعطى لما لله لأنَّه إذا كان لا يصل فهو لا يُتْرك إذا وَصل بالأوْلى.
وعدّي ﴿ يصل ﴾ إلى اسم الجلالة وإلى اسم شركائهم.
والمراد لا يصل إلى النّصيب المجعول لله أو إلى لشركائهم لأنَّهم لما جعلوا نصيباً لله ونصيباً لشركائهم فقد استشعروا ذلك النّصيب محوزاً لمن جُعل إليه وفي حرزه فكأنّه وصل إلى ذاته.
وجملة: ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ استئناف لإنشاء ذمّ شرائعهم.
وساء هنا بمعنى بِئس: و ﴿ مَا هي فاعل ساء ﴾ وهي موصولة وصلتها ﴿ يحكمون ﴾ ، وحذف العائد المنصوب، وحذف المخصوص بالذّم لدلالة: ﴿ جعلوا ﴾ عليه، أي: ساء ما يحكمون جَعْلُهم، وسمَّاه حكماً تهكّما، لأنَّهم نصبوا أنفسهم لتعيين الحقوق، ففَصَلوا بحكمهم حقّ الله من حقّ الأصنام، ثمّ أباحوا أن تأخذ الأصنام حقّ الله ولا يَأخذ الله حقّ الأصنام، فكان حكماً باطلاً كقوله: ﴿ أفحكم الجاهليّة يبغون ﴾ [المائدة: 50].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا ﴾ .
﴿ مِمّا ذَرَأ ﴾ مِمّا خَلَقَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الظُّهُورِ، ومِنهُ قِيلَ مِلْحٌ ذُرٌّ أيْ لِبَياضِهِ، وقِيلَ لِظُهُورِ الشَّيْبِ ذُرْأةً، والحَرْثُ: الزَّرْعُ، والأنْعامُ: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، مَأْخُوذٌ مِن نِعْمَةِ الوَطْءِ.
وَهَذا إخْبارٌ مِنهُ عَنْ كُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن تابَعَهم مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، كانُوا يَجْعَلُونَ لِلَّهِ في زُرُوعِهِمْ ومَواشِيهِمْ نَصِيبًا، ولِأوْثانِهِمْ وأصْنامِهِمْ نَصِيبًا، فَجَعَلَ اللَّهُ أوْثانَهم شُرَكاءَهُمْ؛ لِأنَّهم قَدْ أشْرَكُوهم في أمْوالِهِمْ بِالنَّصِيبِ الَّذِي قَدْ جَعَلُوهُ فِيها لَهم، ونَصِيبُهم في الزَّرْعِ جُزْءٌ مِنها يَجْعَلُونَهُ مَصْرُوفًا في النَّفَقَةِ عَلَيْها وعَلى خُدّامِها.
وَفي نَصِيبِهِمْ مِنَ الأنْعامِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كَنَصِيبِهِمْ مِنَ الزَّرْعِ مَصْرُوفٌ في النَّفَقَةِ عَلَيْها وعَلى خُدّامِها.
والثّانِي: أنَّهُ قُرْبانٌ لِأوْثانِهِمْ كانُوا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَيْها.
والثّالِثُ: أنَّهُ البَحِيرَةُ، والسّائِبَةُ، والوَصِيلَةُ، والِحامُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ﴾ فاخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في المُرادِ بِذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ إذا اخْتَلَطَ بِأمْوالِهِمْ شَيْءٌ مِمّا جَعَلُوهُ لِأوْثانِهِمْ، رَدُّوهُ، وإذا اخْتَلَطَ بِها ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ لَمْ يَرُدُّوهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ إذا هَلَكَ ما لِأوْثانِهِمْ غَرُمُوهُ، وإذا هَلَكَ ما لِلَّهِ لَمْ يَغْرُمُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَصْرِفُونَ بَعْضَ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ في النَّفَقَةِ عَلى أوْثانِهِمْ ولا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِيما جَعَلُوهُ لِأوْثانِهِمْ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
والرّابِعُ: أنَّ كُلَّ شَيْءٍ جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِن ذَبائِحِهِمْ لَمْ يَأْكُلُوهُ حَتّى يَذْكُرُوا عَلَيْهِ اسْمَ أوْثانِهِمْ، ولا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ فِيما جَعَلُوهُ لِأوْثانِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ ﴾ الآية.
قال: جعلوا لله من ثمارهم ومائهم نصيباً وللشيطان والأوثان نصيباً، فأن سقط من ثمرة ما جعلوا لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن سقط مما جعلوا للشيطان في نصيب الله ردوه إلى نصيب الشيطان، فإن انفجر من سقى ما جعلوا لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن انفجر من سقى ما جعلوا للشيطان في نصيب الله سرحوه، فهذا ما جعل لله من الحرث وسقي الماء، وأما ما جعلوه للشيطان من الأنعام فهو قول الله: ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ [ المائدة: 103] الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً ﴾ الآية.
قال: كانوا إذا احترثوا حرثاً أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله منه جزأ وجزأ للوثن، فما كان من حرث أو ثمرة، أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، فإن سقط منه شيء مما سمي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقي شيئاً مما جعلوه لله جعلوه للوثن وإن سقط شيء من الحرث والثمرة الذي جعلوه لله فاختلط بالذي جعلوه للوثن قالوا: هذا فقير ولم يردوه إلى ما جعلوا لله، وإن سبقهم الماء الذي سموا لله فسقي ما سموا للوثن تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أنعامهم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، فيجعلونه للأوثان ويزعمون أنهم يحرمونه لله.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ﴾ قال: يسمون لله جزأ من الحرث، ولشركائهم وأوثانهم جزأ فما ذهبت به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم وتركوه وقالوا: إن الله عن هذا غني، وما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه، والأنعام التي سموا لله: البحيرة والسائبة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا ﴾ الآية، قال ابن عباس (١) (٢) (٣) ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ ﴾ ).
قال ابن عباس: (خلق، ﴿ مِنَ الْحَرْثِ ﴾ قال: يريد التمر والقمح، وجميع ما يؤكل، (الأنعام) يريد: الضأن والماعز والإبل والبقر، ﴿ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ ﴾ يريد: بكذبهم) (٤) وقد ذكرنا تفسير الزُّعم (٥) فإن قيل: أليس جميع الأشياء لله فكيف نسبوا إلى الكذب في قولهم: ﴿ هَذَا لِلَّهِ ﴾ ؟
قلنا: إفرازهم النصيبين نصيبًا لله، ونصيبًا للشيطان، وحكمهم بذلك كذب منهم (٦) (٧) (٨) ﴿ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا ﴾ ) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ ﴾ معناه ما ذكرنا عن ابن عباس (١١) وقال الحسن (١٢) (١٣) وقال مجاهد: (هو أنه إذا انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدوه، وإن كان على ضد ذلك تركوه) (١٤) (١٥) ﴿ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ ﴾ يعني: من تمام الحرث والأنعام ﴿ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ﴾ يعني: إلى المساكين) (١٦) ﴿ إِلَى اللَّهِ ﴾ لأنهم كانوا يفرزونه لله ويسمونه نصيب الله ﴿ وَمَا كَانَ لِلَّهِ ﴾ من التمام فهو يصل إلى آلهتهم ثم ذم الله فعلهم فقال: ﴿ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ أي: ساء الحكم حكمهم حيث صرفوا ما جعلوا لله على جهة التبرر للأوثان (١٧) (١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 40 - 41، وابن أبي حاتم 4/ 1390، والبيهقي في "سننه" 10/ 10، من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 88.
(٢) أخرج الطبري 8/ 41 - 42، من طرق جيدة عن مجاهد وقتادة والسدي نحوه، وذكر هود الهواري في "تفسيره" 1/ 562، عن الحسن والكلبي نحوه، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 591.
(٣) في (أ): (أطعم للضيفان).
(٤) "تنوير المقباس" 2/ 63، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 123.
(٥) يعني: بضم الزاي وفتحها.
انظر: "اللسان" 3/ 1834 (زعم).
(٦) لفظ: (منهم) ساقط من (ش).
(٧) في (أ): (ذلك أمره لله تعالى فإنه يرضى به).
(٨) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 204.
(٩) هذا قول النحاس في "معانيه" 2/ 494، وذكره عن الزجاج الرازي في "تفسيره" 13/ 204، ولم أقف عليه في "معاني الزجاج".
(١٠) انظر: "إعراب النحاس" 1/ 581، و"تفسير الرازي" 13/ 204.
(١١) سبق تخريجه (١٢) ذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 562، والماوردي 2/ 174، والواحدي في "الوسيط" 1/ 124، وابن الجوزي 3/ 129.
(١٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 401، وابن أبي حاتم 4/ 1390، بسند جيد.
(١٤) "تفسير مجاهد" 1/ 223، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 40 - 41، وابن أبي حاتم 4/ 1391، بسند جيد.
(١٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 218 - 219، والطبري 8/ 41، بسند جيد.
(١٦) "تفسير مقاتل" 1/ 591.
(١٧) في (ش): (التبرر إلى الأوثان).
<div class="verse-tafsir"
﴿ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ ﴾ الأمر هنا للتهديد، والمكانة التمكن ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ تهديد ﴿ مَن تَكُونُ لَهُ ﴾ يحتمل أن تكون من موصوله في موضع نصب على المفعولية أو استفهامية في موضع رفع بالابتداء ﴿ عاقبة الدار ﴾ أي الآخرة أو الدنيا، والول أرجح لقوله: ﴿ عقبى الدار * جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ [الرعد: 22-23] ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً ﴾ الضمير في جعلوا لكفار العرب.
قال السهيلي: هم حيّ من خولان، يقال لهم: الديم كانوا يجعلون من زروعهم وثمارهم ومن أنعامهم نصيباً لله ونصيباً لأصنامهم، ومعنى ذرأ: خلق وأنشأ، ففي ذلك رد عليهم، لن الله لاذي خلقها وذرأها: هو مالكها لا رب غيره ﴿ بِزَعْمِهِمْ ﴾ أي بدعواهم وقولهم من غير دليل ولا شرع، وأكثر ما يقال الزعم: في الكذب، وقرئ بفتح الزاي والكسائي بالضم وهما لغتان ﴿ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إلى الله ﴾ الآية كانوا إذا هبت الريح فحملت شيئاً من الذي لله إلى الذي للأصنام أقروه، وإن حملت شيئاً من الذي للأصنام إلى الذي لله ردّوه، وإذا أصابتهم سنة أكلوا نصيب الله ةتحاموا نصيب شركائهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عما تعملون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ﴿ مكاناتكم ﴾ بالجمع حيث كان: أبو بكر وحماد.
الباقون ﴿ مكانتكم ﴾ على التوحيد.
﴿ من يكون ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بتاء التأنيث.
﴿ بزعمهم ﴾ بضم الزاي علي وكذلك ما بعده الباقون: بالفتح ﴿ زين ﴾ على البناء للمفعول ﴿ قتل ﴾ بالرفع ﴿ أولادهم ﴾ بالنصب ﴿ شركائهم ﴾ بالجر ابن عامر.
الآخرون ﴿ زين ﴾ على البناء للفاعل ﴿ قتل ﴾ بالنصب ﴿ أولادهم ﴾ بالجر ﴿ شركاؤهم ﴾ بالرفع ﴿ وإن تكن ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد ﴿ ميتة ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر ويزيد، وقرأ ﴿ ميتة ﴾ بالتشديد ابن كثير وابن عامر: الباقون: بالتخفيف.
الوقوف: ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ مما عملوا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ذو الرحمة ﴾ ط ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ لآت ﴾ لا لأن الواو بعده للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التقرير مع فاء التعقيب ﴿ تعملون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول سواء كان من استفهامية أو موصولة ﴿ عاقبة الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ لشركائنا ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ إلى الله ﴾ ج للفصل بين المتضادين معنى مع الاتفاق حكماً ﴿ شركائهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ دينهم ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ افتراء عليه ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ أزواجنا ﴾ ج للشرط مع العطف.
﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ وصفهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه.
التفسير: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره ﴿ أن لم يكن ﴾ وهو للتعليل والمعنى الأمر ما قصصنا عليك، أو ذلك الذي ذكر لانتفاء كون ربك مهلك القرى و"أن" هي الناصبة للأفعال أو مخففة من الثقيلة، وعلى هذا يكون ضمير الشأن محذوفاً أي أن الحديث كذا، ويجوز أن يكون، ﴿ أن لم يكن ﴾ بدلاً من ﴿ ذلك ﴾ كقوله: ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ﴾ ومعنى قوله: ﴿ بظلم ﴾ أي بسبب ظلم أقدموا عليه وهذا أليق بأصول الأشاعرة.
أو المراد ظالماً لكم فيكون من فعل الله وهذا أنسب بأصول المعتزلة.
ومعناه أنه لو أهلكهم قبل بعثة الرسل ولم ينبهوا برسول ولا كتاب كان ظالماً.
وعلى هذا التفسير يمكن للأشاعرة أن يقولوا إنه لو فعل ذلك لم يكن ظلماً ولكنه يكون في صورة الظلم فأطلق الظلم على نفسه مجازاً وإلا فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله.
وأما قوله: ﴿ وأهلها غافلون ﴾ فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به وإنما معناه أنه لا يبين لهم كيفية الحال وأن لا يزيل عذرهم وعلتهم.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب ألبتة لأنها تدل على أنه تعالى ما يعذب أحداً على أمر من الأمور قبل بعثة الرسل لكن بعدها.
والمعتزلة قالوا: إنها تدل من وجه آخر على تقرير الوجوب قبل الشرع لأن قوله: ﴿ بظلم ﴾ إن كان عائداً إلى العبد دل على أنه يمكن أن يصدر منه الظلم والقبيح قبل البعثة، وإن كان عائداً إلى الله فقد تم الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه.
ثم لما شرح أحوال أهل الثواب والعقاب ذكر كلاماً كلياً فقال: ﴿ ولكل درجات ﴾ أي ولكل عامل في عمله درجات، وعلى حسب تلك الدرجات يكون الجزاء إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
ومعنى ﴿ مما عملوا ﴾ أي من جزاء أعمالهم.
وقيل: إن أول الآية مختصة بأهل الطاعات لأن لفظ الدرجة يليق بهم ولأهل المعصية تكون الدركات وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما ربك بغافل عما يعملون ﴾ قالت الأشاعرة: في الآية دليل على مسألة الجبر والقدر فإنه حكم لكل واحد بدرجة معينة في وقت معين وبحسب فعل معين، وأثبت تلك الدرجة في اللوح المحفوظ وأشهد عليها الملائكة وخلاف علمه وإثباته وإِشهاده محال.
ثم بين أنه ليس يحتاج إلى طاعة المطيعين ولا يدخل عليه نقص بمعصية العاصين فقال: ﴿ وربك الغني ذو الرحمة ﴾ أما أنه غني في ذاته وصفاته وأفعاله وفي أحكامه عن كل ما سواه فلوجوب وجوده، وأن ما سواه ممكن لذاته مفتقر في الوجود وفي الأمور التابعة للوجود إليه فلا غنيّ إلا هو، وأما أنه ذو الرحمة فلأن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات من الروحانيات ومن الجسمانيات فهو من الحق وبإيجاده وتخليقه، والاستقراء دل على أن الخير غالب كالصحة والشبع والسمع والبصر وما ذلك إلا لرحمته الكاملة ورأفته الشاملة.
والذي يتصوّر من رحمة الوالدين وغيرهما فإنما ذلك بإيجاد داعية ذلك فيهم ومع ذلك فتمكن الشخص من الانتفاع بها ليس إلا منه .
ومن هذا يعلم تنزهه عن الظلم والسفه والكذب والعبث.
ومن رحمته تكليف الخلائق ليعرضهم للمنافع الباقيات الدائمات.
ثم لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة كان لظانّ أن يظن أن للرحمة معدناً مخصوصاً وموضعاً معيناً فبين بقوله : ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق وقادر على أن يخلق قوماً آخرين ويضع رحمته فيهم، وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم.
ومعنى الإذهاب الإهلاك وأن لا يبلغهم مبلغ التكليف ﴿ ويستخلف من بعدكم ﴾ أي: من بعد ذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون، إلا على طريق البدل من فائت، وقوله: ﴿ ما يشاء ﴾ أي خلق ثالث ورابع.
ثم اختلفوا فقال بعضهم: خلقاً آخرين من أمثال الجن والإنس لكن أطوع، وقال أبو مسلم: يعني خلقاً ثالثاً مخالفاً للثقلين ليكون أقوى في دلالة القدرة.
ثم بيّن سبب قدرته على ذلك فقال ﴿ كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ﴾ لأن من قدر على تصوير النطفة المتشابهة الأجزاء بهذه الصور المخصومة قدر على تصويرها بصور أخرى مخالفة لها.
وقال في الكشاف: المعنى كما أنشأكم من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح ، ثم ذكر حال المعاد فقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ قال الحسن: أي من مجيء الساعة لأنهم كانوا ينكرون القيامة، ويحتمل أن يقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ إشارة إلى لطفه أي ما يتعلق بالوعد والثواب فهو آت لا محالة.
وقوله: ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ أي خارجين عن قدرتنا وحكمنا إشارة إلى قهره، يقال: أعجزه الشيء أي فاته.
فالجزم في جانب الوعد والتعريض في جانب الوعيد دليل على أن جانب الرحمة والإحسان أغلب.
ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله بتهديد منكري البعث فقال: ﴿ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ﴾ قال الواحدي: قراءة الإفراد أوجه لأن المصدر لا يجمع في أغلب الأحوال، وقال في الكشاف: المكانة تكون مصدراً.
يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكين.
وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة، فمعنى الآية اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها.
يقال للرجل: على مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه ﴿ إني عامل ﴾ على مكانتي التي أنا عليها.
والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، والغرض تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ ﴿ فسوف تعلمون ﴾ أينا تكون له العاقبة المحمودة، والفاء لتعقيب الجزاء ألا يعادي أي قل اعملوا فستجزون وهكذا في سورة الزمر بخلاف سورة هود حيث لم يقل هناك "قل" فصار استئنافاً ومحل "من" نصب إن كان بمعنى "الذي" أو رفع والجملة مفعول تعلمون إن كان بمعنى أيّ و ﴿ عاقبة الدار ﴾ العاقبة الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها وهي مصدر كالعافية.
وهذا طريق من الإنذار لطيف المسلك فيه إنصاف وأدب ووثوق بأن المنذر محق ولهذا قيل له فإن الكافر تكون العاقبة عليه لا له.
ثم حكى أنواعاً من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهاً على ضعف عقولهم وقلة محصولهم وتنفيراً للعقلاء عن الالتفات إلى أقوال أمثالكم فقال: ﴿ وجعلوا لله ﴾ قال الزجاج: وجعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً بدليل قوله: ﴿ فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ﴾ وجعل الأوثان شركاء لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونها عليها.
ثم قال: ﴿ فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ﴾ وفي تفسيره وجوه: قال ابن عباس: كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم نصيباً وللأوثان نصيباً، فما كان للصنم أنفقوه عليه وما كان لله أطعموه الضيفان والمساكين ولا يأكلون منه ألبتة.
ثم إن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا إن الله غنيّ عن هذا، وإن سقط شيء مما جعلوا للأوثان في نصيب الله أخذوه وردّوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير.
وإنما ذلك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها.
وعن الحسن والسدي: كان إذا هلك لأوثانهم شيء أخذوا بدله مما لله ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله تعالى.
وقال مجاهد: إنه إذا انفجر من سقى ما جعلوه للشيطان في نصيب الله عز وجل سدوه وإن كان على ضد ذلك تركوه، وقال قتادة: إذا أصابهم شدة استعانوا بالله وإذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى شركائهم.
وقال مقاتل: إن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة.
وقالوا: لو شاء زكى نصيب نفسه.
وأما إن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة قالوا لا بدّ لآلهتنا من نفقة وأخذوا نصيب الإله فأعطوه السدنة.
فمعنى ﴿ فلا يصل إلى الله ﴾ أنه لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين، ومعنى الوصول إلى شركائهم أنهم ينفقونه عليها بذبح نسائك عندها والأجراء على سدنتها ونحو ذلك.
وقوله: ﴿ مما ذرأ ﴾ فيه أن الله كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه أي خلقه.
ثم إنه ذم فعلهم فقال: ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ وذكر العلماء فيه وجوهاً: الأول أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانبه وهو سفه.
الثاني جعلوا بعض الحرث لله وبعضه لغيره مع أنه هو الخالق للجميع.
الثالث أن ذلك حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع وأشار إليه بقوله ﴿ بزعمهم ﴾ الرابع لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز نصيب لكل حجر ومدر.
الخامس لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ولا قدرة لها على الانتفاع بذلك النصيب، فإفراز النصيب لها عبث.
النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة قوله: ﴿ وكذلك زين ﴾ كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياءً خوفاً من الفقر أو من التزويج، وكان الرجل يحلف بالله إن ولد له كذا غلاماً لينحرن أحدهم كما فعل عبد المطلب على ابنه عبد الله، والشركاء على الوجه الأول الشياطين الذين أطاعوهم في معصية الله تعالى، وعلى الثاني هم السدنة والخدام، والأول قول مجاهد، والثاني للكلبي.
وتقدير الكلام ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله والآلهة، أو مثل ذلك التزيين البليغ الذي علم من الشياطين زين لهم شركاؤهم من الشياطين أو من سدنة الأصنام ﴿ قتل أولادهم ﴾ بالوأد أو بالنحر.
ثم إن وجه القراءة الأكثري ظاهر وليس فيها إلا تقديم المفعول وذلك لشدة الاعتناء به، وأما قراءة أبن عامر فخطأها الزمخشري من جهة الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف فإن ذلك قد جوز بالظرف كقوله: لله در اليوم من لامها *** وضعف بغير الظرف كقوله: فزججتها بمزجة *** زج القلوص أبي مزادة وحملوه على ضرورة الشعر مع الاستكراه، والحق عندي في هذا المقام أن القرآن حجة على غيره وليس غيره حجة عليه، والقراآت السبع كلها متواترة فكيف يمكن تخطئة بعضها؟
فإذا ورد في القرآن المعجز مثل هذا التركيب لزم القول بصحته وفصاحته وأن لا يلتفت إلى أنه هل ورد له نظير في أشعار العرب وتراكيبهم أم لا، وإن ورد فكثير أم لا؟
ومع ذلك فقد وجهه بعض الفضلاء بأن المضاف إليه من الأول محذوف على نحو قوله: بين ذراعي وجبهة الأسد *** والمضاف مضمر مع الثاني كقراءة من قرأ ﴿ والله يريد الآخرة ﴾ بالجر على تقدير غرض الآخرة، فتقدير الآية: قتل شركائهم أولادهم قتل شركائهم.
ومعنى ﴿ ليردوهم ﴾ ليهلكوهم بالإغواء.
قال ابن عباس: ليردوهم في النار.
واللام محمول على العاقبة إن كان التزيين من السدنة، وعلى حقيقة التعليل إن كان من الشيطان ﴿ وليلبسوا عليهم دينهم ﴾ ليخلطوه عليهم ويشبهوه ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق.
وقيل: دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه، وقيل: وليوقعوهم في دين ملتبس ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ لما فعل المشركون ما زين لهم، أو لما فعل الشياطين والسدنة التزيين أو الإرداء أو اللبس أو جميع ما ذكر إن جعل الضمير جارياً مجرى اسم الإشارة.
والمعتزلة حملوا هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر.
ثم قال: ﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ على قانون قوله: ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ وفيه مع التهديد التسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر والشرك.
قيل: إنما قال في هذه الآية ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ ليكون مناسباً لقوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ وقال فيما قبل: ﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ لأنه وقع عقيب آيات فيها ذكر الرب كقوله: ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم ﴾ الآيات.
النوع الثالث من أحكامهم الباطلة أنهم قسموا أنعامهم أقساماً فأوّلها أن قولوا ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ وحجر "فعل" بمعنى "مفعول" كالذبح والطحن ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وأصل الحجر المنع وسمي العقل الحجر لمنعه من القبائح، وفلان في حجر القاضي أي في منعه.
كانوا إذا عينوا شيئاً من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: ﴿ لا يطعمها إلا من نشاء ﴾ يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء ﴿ و ﴾ ثانيها أن قالوا: ﴿ هذه أنعام حرمت ظهورها ﴾ وهي البحائر والسوائب والحوامي وقد سبق في المائدة.
﴿ و ﴾ ثالثها: ﴿ أنعام لا يذكرون اسم الله عليها ﴾ في الذبح وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام.
وقيل: هي أنعام لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها وإنما فعلوا ذلك كله من غير حكم من الله وشرع منه بل ﴿ افتراء عليه ﴾ وانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء.
ثم قال: ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ والمقصود منه الوعيد، ﴿ و ﴾ النوع الرابع من قضاياهم الفاسدة أن ﴿ قالوا ما في بطون هذه الأنعام ﴾ يعنون أجنة البحائر والسوائب ﴿ خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ﴾ هذا إن ولد حياً ﴿ وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ﴾ أي اشترك فيه الذكور والإناث، من قرأ بنصب ميتة فتقديره وإن يكن ما في بطونها ميتة، ومن قرأ بالرفع فعلى أن "كان تامة"، أو لأن التقدير: وإن يكن لهم أو هناك ميتة.
وإنما جاز تذكير الفعل وتأنيثه لأن تأنيث الميتة غير حقيقي، أو لأن الميتة لكل ميت ذكر أو أنثى فكأنه قيل: ميت ولهذا جاز عود الضمير إليه مذكراً في قوله: ﴿ فهم فيه شركاء ﴾ وتذكير الضمير في قوله: ﴿ فهم ﴾ للتغليب ﴿ سيجزيهم وصفهم ﴾ أي جزاء وصفهم على الله الكذب في التحليل والتحريم ﴿ إنه حكيم عليم ﴾ ليكون الزجر واقعاً على حد الحكمة وبحسب الاستحقاق.
فإن قيل: كيف أنث ﴿ خالصة ﴾ وذكر ﴿ محرماً ﴾ ؟
قلنا: الأول حمل على المعنى لأن ما في بطون الأنعام في معنى الأجنة، والثاني حمل على اللفظ، وفي الأول وجهان آخران: أن تكون التاء للمبالغة مثل رواية الشعر وأن يكون مصدراً كالعاقبة أي ذو خالصة.
ثم إنه جمع قبائح أحكامهم وأفعالهم وحكم عليهم بالخسران والسفاهة وعدم العلم والضلال وعدم الاهتداء فقال ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم ﴾ الآية.
وذلك أن الولد نعمة عظيمة من الله تبقي ذكره ونسله فالسعي في إبطال مثل هذه النعمة لضرر مظنون هو الفقر أو نحوه، أو لفائدة موهومة هي القربة إلى الأصنام دليل خفة العقل وعدم العلم وأنه موجب لخسران الدارين.
وكذا تحريم ما أحل الله من الطيبات بالهوى والتقليد بل لمحض الافتراء على الله وإن ذلك من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، ولهذا سجل عليهم آخراً بالضلال ثم بعدم الاهتداء ليحصل كلا الأمرين لهم بالمطابقة كما حصل بالتضمن والله أعلم.
التأويل: ﴿ مهلك القرى ﴾ أي قرى أشخاص الإنسان ﴿ بظلم ﴾ وهو صرف الاستعداد الفطري في استيفاء اللذات الفانية ﴿ وأهلها غافلون ﴾ لم يبلغوا مبلغ التكليف بعد.
﴿ وربك الغني ﴾ عن كل مخلوق عامة وعن الإنسان خاصة ﴿ ذو الرحمة ﴾ خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح عليهم.
﴿ واعملوا على مكانتكم ﴾ أي على ما جبلتم عليه ﴿ إني عامل ﴾ على ما جبلت عليه ﴿ قتل أولادهم شركاؤهم ﴾ من الشياطين والنفس والهوى والدنيا ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ لأنهم ذهبوا مذهب الطبع لا مذهب الشرع، والعمل بالطبع وإن كان فيه نوع مجاهدة النفس لا يكون له نور إذا لم يكن لامتثال الشرع ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم ﴾ لأن ذلك نتيجة انتزاع الرحمة عن قلوبهم وحرموا ما رزقهم الله صورة وهو ظاهر، ومعنى وهو استعداد حصول مراتب أهل القرب ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ لأن خشية الفقر حملتهم على قتل الأولاد.
وقال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ...
﴾ الآية، يخبر - عز وجل - عن سفههم من وجوه: أحدها: أنهم كانوا يجعلون لله نصيباً مما كان لله في الحقيقة مع علمهم أن الله هو الذي أنشأ لهم تلك الأشياء وهو ذرأها، ثم يجعلون لله في ذلك نصيباً [وللأصنام نصيباً] يسفههم لأنهم إذا علموا أن الله هو الذي ذرأ لهم تلك الأشياء وأنشأها لهم، فإليه الاختيار في جعل ذلك لا إليهم [إذ علموا] أنهم إنما يملكون هم بجعل الله لهم، وهو المالك عليها حقيقة.
والثاني: ما يبين سفههم - أيضاً - أنهم يجعلون لله في ذلك نصيباً وللأصنام نصيباً من الثمار والحروث وغيرها، ثم إذا وقع [شيء] مما جعلوا لله وخالط ما جزّءوا وجعلوه لشركائهم تركوه، وإذا خالط شيء مما جعلوا لشركائهم، ووقع فيما جعلوه لله أخذوه وردوه على شركائهم وانتفعوا به، وتركوا الآخر للأصنام إيثاراً للأصنام عليه، وإعظاما لها.
أو إذا زكا نصيب الأصنام ونما، ولم يزك نصيب الله، ولم ينمُ تركوا ذلك للأصنام، ويقولون: لو شاء الله لأزكى نصيبه، وإذا زكا الذي كانوا يجعلون لله، ولا يزكو نصيب الأصنام أخذوا نصيب الله فقسموه بين المساكين وبين الأصنام نصفين.
يسفههم - عز وجل - بصنيعهم الذي يصنعون ويبين عن جوهرهم بإيثارهم الأصنام، وإعظامهم إياها، والتفضيل في القسمة والتجزئة، مع علمهم أن الله هو الذي ذرأ ذلك وأنشأه لهم، وأن الأصنام التي أشركوها في أموالهم وعبادتهم لله لا يملكون من ذلك شيئاً.
وذلك منهم سفه وجور؛ حيث أشركوا في أموالهم وعبادتهم مع الله أحداً لا يستحق بذلك شيئاً، وهو كما جعلوا لله البنات، وهم كانوا يأنفون عن البنات، كقوله: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ...
﴾ الآية [النحل: 58]: وقال: ﴿ أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ ﴾ وقال: ﴿ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ ﴾ تأنفون أنتم عن البنات وتضيفونهن إليه؟!
فهو إذاً جور وظلم؛ فعلى ذلك تفضيل الأصنام في القسمة وإيثارهم إياها على الله، وإشراكهم مع الله، مع علمهم أنه كان جميع ذلك بالله، وهو أنشأه لهم - جور وسفه.
ثم أخبر أنهم: ﴿ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ .
أي بئس الحكم حكمهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ، أي: كما زين لهم جعل النصيب للأصنام [و] التجزئة لها، وصرف ما خلق الله لهم عنه إلى الأصنام كذلك زين لهم قتل أولادهم.
أو كما زين لهم تحريم ما أحل الله لهم من السائبة والوصيلة والحامي كذلك زين لهم شركاؤهم قتل أولادهم.
وأصله: أن الشفقة التي جعل الله في الخلق لأولادهم [و] الرحمة التي جبلت طبائعهم عليها تمنعهم عن قتلهم، وخاصة أولادهم الضعفاء والصغار، وكذلك الشهوة التي خلق فيهم تمنعهم عن تحريم ما أحل الله لهم، لكن [زين لهم ذلك] شركاؤهم، وحسنوا عليهم تحريم ما أحل لهم وقتل أولادهم، فما حسن عليهم الشركاء وزين لهم من تحريم ما أحل لهم وقتل أولادهم غلب على الشفقة التي جبلت فيهم، والشهوة التي خلق ومكن فيهم.
ثم اختلف في شركائهم: قال بعضهم شركاؤهم: شياطينهم التي تدعوهم إلى ذلك.
وقيل: شركاؤهم: كبراؤهم ورؤساؤهم الذي يستتبعونهم.
[ثم] يحتمل: قتل الكبراء أولادهم؛ تكبرا منهم وتجبرا؛ لأنهم كانوا يأنفون عن أولادهم الإناث، وقتل الأتباع؛ مخافة العيلة والفقر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُرْدُوهُمْ ﴾ .
قيل: ليهلكوهم، إنهم كانوا يقصدون في التحسين والتزيين الإرداء والإهلاك، وإن كانوا يرونهم في [ذلك] الشفقة، وكذلك كانوا يقصدون بالتزيين تلبيس الدين عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ﴾ .
يحتمل: وجوهاً: قال بعضهم: لو شاء الله لأهلكهم فلم يفعلوا ذلك.
وقيل: لأعجزهم ومنعهم عن ذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ ﴾ .
وقيل: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ﴾ ، أي: لأراهم قبح فعلهم؛ حتى لم يفعلوا.
وأصله: أنه إذا علم منهم أنهم يفعلون ما فعلوا ويختارون ما اختاروا من التزيين ولبس الدين عليهم شاء ما فعلوا واختاروا، [وقد] ذكرنا ذلك في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ .
أي: ذرهم ولا تكافئهم بافترائهم على الله.
ويحتمل: ذرهم وما يفترون؛ فإن الله يكافئهم ولا يفوتون.
ويحتمل: ذرهم وما يفترون؛ فإن ضرر ذلك الافتراء عليهم، ليس علينا ولا عليك، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ .
قيل: هذه الآية صلة قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ هذا الذي جعلوا للشركاء هو الحجر الذي ذكر في هذه الآية؛ لأنهم كانوا [لا] ينتفعون بذلك ويحرمونه، وهو حجر.
وأصل الحجر: المنع، وعن ابن عباس - - قال: الحجر: ما حرموا [أنفسهم] من أشياء: من الوصيلة، والسائبة، والحامي، وتحريمهم ما حرموا من أشياء: كانوا يحلون أشياء حرمها الله، ويحرمون أشياء أحلها الله في الجاهلية من الحرث والأنعام.
وفي حرف [أُبي] وابن عباس - ما -: (حرج)، على تأخير الجيم وتقديم الراء.
وعن الحسن: (حُجر)، برفع الحاء.
وأصل الحجر: المنع، ممنوع: محجور، يقال: حجرت عليه، أي: منعته، والحجر أيضاً: موضع بمكة، والاحتجار: الاستئثار، وهو أن يأخذ الشيء ولا يعطي منه أحداً شيئاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ ﴾ ، يعني: لا يطعمها إلا من يشاء الله [بزعمهم]؛ لأنهم كانوا يحرمون أشياء ويأتون [أشياء] فواحش، فيقولون: إن الله أمرهم بذلك؛ كقوله في الأعراف: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
وقال بعضهم: قوله ﴿ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ يعني: الذين سنوا لهم، أي: لا يطعمها إلا من يشاء أولئك الذين سنوا ذلك، وحرموا ذلك على نسائهم؛ على ما روي عن النبي أنه قال: "إن شئت قد ذكرت لكم أول من بدل دين إسماعيل، وبحر البحيرة والسائبة" فعلى ذلك أضافوا المشيئة إلى أولئك الذين سنوا لهم ذلك، وحرموا على إناثهم وأحلوا لذكورهم.
وقال بعضهم قوله: ﴿ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ ﴾ هؤلاء الرجال، كانت مضافة إلى الرجال دون النساء، وفي ذلك تسفيه أحلامهم؛ لأنهم [كانوا] ينكرون الرسالة لما كان يحرمون من الطيبات، ثم يتبعون الذي حرم عليهم الطيبات التي أحلها الله لهم [لأنهم ينكرون الرسالة لما كان] من البحيرة، والسائبة، ونحوهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ﴾ هو ما ذكر من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، وهو الحجر الذي ذكر في هذه الآية، يجعلون تلك الأشياء لشركائهم، لا ينتفعون بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: لا ينتفعون بها؛ ليعرفوا أنعم الله؛ ليشكروا الله عليها.
وقيل: ﴿ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: لا يذبحون للأكل، ولا يذكرون اسم الله عليها.
ويحتمل: لا يذكرون اسم الله عليها وقت الركوب؛ كما يذكر اسم الله عليها وقت الركوب، وهو قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا ﴾ \[الآية\] [الزخرف: 13]؛ لأنهم كانوا لا يركبونها؛ ولكن يسيبونها.
وقيل: لا يحجون عليها.
والأول كأنه أقرب: كانوا لا ينتفعون بها؛ ليعرفوا نعم الله، ويشكروه عليها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ .
بأن الله أمرهم بذلك، وهو حرم عليهم، وهو أحل؛ فذلك هو الافتراء على الله، أو بما أشركوا شركاءهم في عبادة الله وفي نعمه.
﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا ﴾ .
قيل: هو صلة قوله: ﴿ وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ ، يحرمون على النساء، ويحلون للرجال، يعني إذا ولدوا حيّاً [كان ينتفع] بذلك رجالهم دون نسائهم، وإذا ولدوا ميتاً اشتركوا فيه الإناث والذكور [و] يذكر في هذا كله سفه أولئك في صنيعهم، ويذكر في قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ ﴾ إلى آخر [منته و] نعمه التي أنعم عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ﴾ .
أي: افتراءهم على الله، وتحريمهم ما أحل الله لهم، وتحليلهم ما حرم عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلَٰدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .
أخبر أنهم قد خسروا بقتلهم الأولاد، وتحريمهم ما أحل لهم ورزقهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .
وبالله الهداية والرشاد.
<div class="verse-tafsir"
وابتدع المشركون بالله أن جعلوا لله مما خلق من الزروع والأنعام قِسْمًا، فزعموا أنه لله، وقِسْمًا آخر لأوثانهم وأنصابهم، فما خصَّصوه لشركائهم لا يصل إلى المصارف التي شرع الله الصرف فيها كالفقراء والمساكين، وما خصَّصوه لله فهو يصل إلى شركائهم من الأوثان يصرف في مصالحها، ألا ساء حكمهم وقسمتهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.DB8OQ"