الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٣٧ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٧ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : وكما زينت الشياطين لهؤلاء المشركين أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق ، ووأد البنات خشية العار .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم : زينوا لهم قتل أولادهم .
وقال مجاهد : ( شركاؤهم ) شياطينهم ، يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خشية العيلة .
وقال السدي : أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات .
وإما ( ليردوهم ) فيهلكوهم ، وإما ( ليلبسوا عليهم دينهم ) أي : فيخلطون عليهم دينهم .
ونحو ذلك قال قتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .
وهذا كقوله تعالى : ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ) [ النحل : 58 ، 59 ] ، وقال تعالى : ( وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت ) [ التكوير : 8 ، 9 ] .
وقد كانوا أيضا يقتلون الأولاد من الإملاق ، وهو الفقر ، أو خشية الإملاق أن يحصل لهم في تانئ المال وقد نهاهم الله عن قتل أولادهم لذلك وإنما كان هذا كله من شرع الشيطان تزيينه لهم ذلك .
قال تعالى : ( ولو شاء الله ما فعلوه ) أي : كل هذا واقع بمشيئته تعالى وإرادته واختياره لذلك كونا ، وله الحكمة التامة في ذلك ، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
( فذرهم وما يفترون ) أي : فدعهم واجتنبهم وما هم فيه ، فسيحكم الله بينك وبينهم .
القول في تأويل قوله : وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكما زيَّن شركاء هؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام لهم ما زينوا لهم, من تصييرهم لربهم من أموالهم قَسْما بزعمهم, وتركهم ما وَصل من القَسْم الذي جعلوه لله إلى قسم شركائهم في قسمهم, وردِّهم ما وَصَل من القسم الذي جعلوه لشركائهم إلى قسم نصيب الله، إلى قسم شركائهم= (كذلك زين لكثير من المشركين قتلَ أولادهم شركاؤهم)، من الشياطين, فحسنوا لهم وأد البنات (22) =(ليردوهم)، يقول: ليهلكوهم=(وليلبسوا عليهم دينهم)، فعلوا ذلك بهم، ليخلطوا عليهم دينهم فيلتبس, فيضلوا ويهلكوا، بفعلهم ما حرم الله عليهم (23) = ولو شاء الله أن لا يفعلوا ما كانوا يفعلون من قتلهم لم يفعلوه, بأن كان يهديهم للحق، ويوفقهم للسداد, فكانوا لا يقتلونهم, ولكن الله خذلهم عن الرشاد فقتلوا أولادهم، وأطاعوا الشياطين التي أغوتهم .
يقول الله لنبيه، متوعدًا لهم على عظيم فريتهم على ربهم فيما كانوا يقولون في الأنصباء التي يقسِمونها: " هذا لله وهذا لشركائنا "، وفي قتلهم أولادهم=" ذرهم "، يا محمد، (24) " وما يفترون "، وما يتقوّلون عليَّ من الكذب والزور, (25) فإني لهم بالمرصاد, ومن ورائهم العذاب والعقاب .
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: 13908- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم) ، زينوا لهم, من قَتْل أولادهم .
13909- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (قتل أولادهم شركاؤهم)، شياطينهم، يأمرونهم أن يَئِدوا أولادهم خيفة العَيْلة .
(26) 13910- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, نحوه .
13911- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم) الآية, قال: شركاؤهم زينوا لهم ذلك =(ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون) .
13912- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم)، قال: شياطينهم التي عبدوها, زينوا لهم قتلَ أولادهم .
13913- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم)، أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات .
وأمَّا(ليردوهم) ، فيهلكوهم .
وأما(ليلبسوا عليهم دينهم)، فيخلطوا عليهم دينهم .
* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته قرأة الحجاز والعراق: ( وَكَذَلِكَ زَيَّن )، بفتح الزاي من " زين "، ( لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ )، بنصب " القتل ",(شُرَكَاؤُهُمْ)، بالرفع = بمعنى أن شركاء هؤلاء المشركين، الذين زينوا لهم قتلَ أولادهم= فيرفعون " الشركاء " بفعلهم, وينصبون " القتل "، لأنه مفعول به .
* * * وقرأ ذلك بعض قرأة أهل الشام: " وَكَذَلِكَ زُيِّنَ" بضم الزاي" لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ" بالرفع " أَوْلادَهُمْ" بالنصب " شُرَكَائِهِمْ" بالخفض= بمعنى: وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ شركائهم أولادَهم ، ففرّقوا بين الخافض والمخفوض بما عمل فيه من الاسم.
وذلك في كلام العرب قبيح غير فصيح .
وقد روي عن بعض أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيِّد قراءة من قرأ بما ذكرت من قرأة أهل الشام, رأيتُ رواة الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه, وذلك قول قائلهم: فَزَجَجْتُــــــهُ مُتَمَكِّنًــــــا زَجَّ القَلُـــوصَ أَبـــي مَــزَادَهْ (27) * * * قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز غيرها: ( وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ )، بفتح الزاي من " زين "، ونصب " القتل " بوقوع " زين " عليه، وخفض " أولادهم " بإضافة " القتل " إليهم, ورفع " الشركاء " بفعلهم، لأنهم هم الذين زينوا للمشركين قتلَ أولادهم، على ما ذكرتُ من التأويل .
وإنما قلت: " لا أستجيز القراءة بغيرها "، لإجماع الحجة من القرأة عليه, وأن تأويل أهل التأويل بذلك ورد, ففي ذلك أوضح البيان على فساد ما خالفها من القراءة .
* * * ولولا أن تأويل جميع أهل التأويل بذلك ورد، ثم قرأ قارئ: " وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ"، بضم الزاي من " زين "، ورفع " القتل "، وخفض " الأولاد " و " الشركاء ", على أن " الشركاء " مخفوضون بالردّ على " الأولاد "، بأنّ" الأولاد " شركاء آبائهم في النسب والميراث = كان جائزًا .
(28) * * * ولو قرأه كذلك قارئ, غير أنه رفع " الشركاء " وخفض " الأولاد "، كما يقال: " ضُرِبَ عبدُ الله أخوك ", فيظهر الفاعل، بعد أن جرى الخبر بما لم يسمَّ فاعله= كان ذلك صحيحًا في العربية جائزًا .
------------------ الهوامش : (22) انظر تفسير (( زين )) فيما سلف ص : 92 ، تعليق : 2 والمراجع هناك .
(23) انظر تفسير (( اللبس )) فيما سلف : 11 : 492 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(24) انظر تفسير ذر فيما سلف : 72 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(25) انظر تفسير (( الافتراء )) فيما سلف : 57 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(26) (( العيلة )) ( بفتح فسكون ) ، الفقر وشدة الحاجة .
(27) معاني القرآن للفراء 1 : 358 ، الإنصاف : 179 ، الخزانة 2 : 251 ، والعيني ( بهامش الخزانة ) 3 : 468 ، وغيرها كثير .
(( زج )) : دفع بالزج ، وهو الحديدة التي في أسفل الرمح .
و (( القلوص )) الناقة الفتية ، و (( أبو مزادة )) اسم رجل .
وهذا البيت شاهد على ما ذهب إليه الكوفيون من جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف وحرف الخفض ، لضرورة الشعر .
والتقدير : زج أبي مزادة القلوص ، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالقلوص ، وهو مفعول ، وليس بظرف ولا حرف خفض .
وهذا وإن كان مقالة الكوفيين ، فإن الفراء قد رده في معاني القرآن 1 : 358 ، وقال هو ليس بشيء .
(28) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 357 .
قوله تعالى وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترونقوله تعالى وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم المعنى : فكما زين لهؤلاء أن جعلوا لله نصيبا ولأصنامهم نصيبا كذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم .
قال مجاهد وغيره : زينت لهم قتل البنات مخافة العيلة .
قال الفراء والزجاج : شركاؤهم هاهنا هم الذين كانوا يخدمون الأوثان .
وقيل : هم الغواة من الناس .
وقيل : هم الشياطين .
وأشار بهذا إلى الوأد الخفي وهو دفن البنت حية مخافة السباء والحاجة ، وعدم ما حرمن من النصرة .
وسمى الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله فأشركوهم مع الله في وجوب طاعتهم .
وقيل : كان الرجل في الجاهلية يحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا غلاما لينحرن أحدهم ; كما فعله عبد المطلب حين نذر ذبح ولده عبد الله .
ثم قيل : في الآية أربع قراءات ، أصحها قراءة الجمهور : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم وهذه قراءة أهل الحرمين وأهل الكوفة وأهل البصرة .
شركاؤهم رفع ب زين لأنهم زينوا ولم يقتلوا .
قتل نصب ب زين و أولادهم مضاف إلى المفعول ، والأصل في المصدر أن يضاف إلى الفاعل ; لأنه أحدثه ولأنه لا يستغنى عنه ويستغنى عن المفعول ; فهو هنا مضاف إلى المفعول لفظا مضاف إلى الفاعل معنى ; لأن التقدير زين لكثير من المشركين قتلهم أولادهم شركاؤهم ، ثم حذف المضاف وهو الفاعل كما حذف من قوله تعالى : لا يسأم الإنسان من دعاء الخير أي من دعائه الخير .
فالهاء فاعلة الدعاء ، أي لا يسأم الإنسان من أن يدعو بالخير .
وكذا قوله : زين لكثير من المشركين في أن يقتلوا أولادهم شركاؤهم .
قال مكي : وهذه القراءة هي الاختيار ; لصحة الإعراب فيها ولأن عليها الجماعة .
القراءة الثانية ( زين ) بضم الزاي ( لكثير من المشركين قتل ) بالرفع ( أولادهم ) بالخفض ( شركاؤهم ) بالرفع قراءة الحسن .
ابن عامر وأهل الشام ( زين ) بضم الزاي ( لكثير من المشركين قتل أولادهم ) برفع ( قتل ) ونصب ( أولادهم ) ( شركائهم ) بالخفض [ ص: 84 ] فيما حكى أبو عبيد ; وحكى غيره عن أهل الشام أنهم قرءوا ( وكذلك زين ) بضم الزاي ( لكثير من المشركين قتل 130 بالرفع أولادهم ) بالخفض ( شركائهم ) بالخفض أيضا .
فالقراءة الثانية قراءة الحسن جائزة ، يكون ( قتل ) اسم ما لم يسم فاعله ، ( شركاؤهم ) رفع بإضمار فعل يدل عليه ( زين ) أي زينه شركاؤهم .
ويجوز على هذا ضرب زيد عمرو ، بمعنى ضربه عمرو ، وأنشد سيبويه : ليبك يزيد ضارع لخصومة أي يبكيه ضارع .
وقرأ ابن عامر وعاصم من رواية أبي بكر ( يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال ) التقدير يسبحه رجال .
وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة " ( قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود ) بمعنى قتلهم النار .
قال النحاس : وأما ما حكاه أبو عبيد عن ابن عامر وأهل الشام فلا يجوز في كلام ولا في شعر ، وإنما أجاز النحويون التفريق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف لأنه لا يفصل ، فأما بالأسماء غير الظروف فلحن .
قال مكي : وهذه القراءة فيها ضعف للتفريق بين المضاف والمضاف إليه ; لأنه إنما يجوز مثل هذا التفريق في الشعر مع الظروف لاتساعهم فيها وهو في المفعول به في الشعر بعيد ، فإجازته في القراءة أبعد .
وقال المهدوي : قراءة ابن عامر هذه على التفرقة بين المضاف والمضاف إليه ، ومثله قول الشاعر :فزججتها بمزجة زج القلوص أبي مزادةيريد : زج أبي مزادة القلوص .
وأنشد :تمر على ما تستمر وقد شفت غلائل عبد القيس منها صدورهايريد شفت عبد القيس غلائل صدورها .
وقال أبو غانم أحمد بن حمدان النحوي : قراءة ابن عامر لا تجوز في العربية ; وهي زلة عالم ، وإذا زل العالم لم يجز اتباعه ويرد قوله إلى الإجماع ، وكذلك يجب أن يرد من زل منهم أو سها إلى الإجماع ; فهو أولى من الإصرار على غير الصواب .
وإنما أجازوا في الضرورة للشاعر أن يفرق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف ; لأنه لا يفصل .
كما قال : كما خط الكتاب بكف يوما يهودي يقارب أو يزيل [ ص: 85 ] وقال آخر :كأن أصوات من إيغالهن بنا أواخر الميس أصوات الفراريجوقال آخر :لما رأت ساتيد ما استعبرت لله در اليوم من لامهاوقال القشيري : وقال قوم هذا قبيح ، وهذا محال ، لأنه إذا ثبتت القراءة بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو الفصيح لا القبيح .
وقد ورد ذلك في كلام العرب وفي مصحف عثمان ( شركائهم ) بالياء وهذا يدل على قراءة ابن عامر .
وأضيف القتل في هذه القراءة إلى الشركاء ; لأن الشركاء هم الذين زينوا ذلك ودعوا إليه ; فالفعل مضاف إلى فاعله على ما يجب في الأصل ، لكنه فرق بين المضاف والمضاف إليه ; وقدم المفعول وتركه منصوبا على حاله ; إذ كان متأخرا في المعنى ، وأخر المضاف وتركه مخفوضا على حاله ; إذ كان متقدما بعد القتل .
والتقدير : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم .
أي أن قتل شركاؤهم أولادهم .
قال النحاس : فأما ما حكاه غير أبي عبيد - وهي القراءة الرابعة - فهو جائز .
على أن تبدل شركاءهم من أولادهم ; لأنهم شركاؤهم في النسب والميراث .ليردوهم اللام لام كي .
والإرداء الإهلاك .وليلبسوا عليهم دينهم الذي ارتضى لهم .
أي يأمرونهم بالباطل ويشككونهم في دينهم .
وكانوا على دين إسماعيل ، وما كان فيه قتل الولد ; فيصير الحق مغطى عليه ; فبهذا يلبسون .ولو شاء الله ما فعلوه بين تعالى أن كفرهم بمشيئة الله .
وهو رد على القدرية .فذرهم وما يفترون يريد قولهم إن لله شركاء .
ومن سفه المشركين وضلالهم، أنه زيَّن لكثير من المشركين شركاؤهم -أي: رؤساؤهم وشياطينهم- قتل أولادهم، وهو: الوأد، الذين يدفنون أولادهم الذكور خشية الافتقار، والإناث خشية العار.
وكل هذا من خدع الشياطين، الذين يريدون أن يُرْدُوهم بالهلاك، ويلبسوا عليهم دينهم، فيفعلون الأفعال التي في غاية القبح، ولا يزال شركاؤهم يزينونها لهم، حتى تكون عندهم من الأمور الحسنة والخصال المستحسنة، ولو شاء الله أن يمنعهم ويحول بينهم وبين هذه الأفعال، ويمنع أولادهم عن قتل الأبوين لهم، ما فعلوه، ولكن اقتضت حكمته التخلية بينهم وبين أفعالهم، استدراجا منه لهم، وإمهالا لهم، وعدم مبالاة بما هم عليه، ولهذا قال: { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } أي: دعهم مع كذبهم وافترائهم، ولا تحزن عليهم، فإنهم لن يضروا الله شيئا.
( وكذلك زين لكثير من المشركين ) أي : كما زين لهم تحريم الحرث والأنعام كذلك زين لكثير من المشركين ، ( قتل أولادهم شركاؤهم ) قال مجاهد شركاؤهم ، أي : شياطينهم زينوا وحسنوا لهم وأد البنات خيفة العيلة ، سميت الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله وأضيف الشركاء إليهم لأنهم اتخذوها .
وقال الكلبي : شركاؤهم : سدنة آلهتهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل الأولاد ، فكان الرجل منهم يحلف لئن ولد له كذا غلام لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله .
وقرأ ابن عامر : " زين " بضم الزاي وكسر الياء ، " قتل " رفع " أولادهم " نصب ، " شركائهم " بالخفض على التقديم ، كأنه قال : زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم ، فصل بين الفعل وفاعله بالمفعول به ، وهم الأولاد ، كما قال الشاعر : فزججته متمكنا زج القلوص أبي مزاده أي : زج أبي مزادة القلوص ، فأضيف الفعل وهو القتل إلى الشركاء ، وإن لم يتولوا ذلك لأنهم هم الذين زينوا ذلك ودعوا إليه ، فكأنهم فعلوه .
قوله - عز وجل - ( ليردوهم ) ليهلكوهم ، ( وليلبسوا عليهم ) ليخلطوا عليهم ، ( دينهم ) قال ابن عباس : ليدخلوا عليهم الشك في دينهم ، وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه بلبس الشيطان ، ( ولو شاء الله ما فعلوه ) أي : لو شاء الله لعصمهم حتى ما فعلوا ذلك من تحريم الحرث والأنعام وقتل الأولاد ، ( فذرهم ) يا محمد ، ( وما يفترون ) يختلقون من الكذب ، فإن الله تعالى لهم بالمرصاد .
«وكذلك» كما زين لهم ما ذكر «زَيَّنَ لكثير من المشركين قتل أولادهم» بالوأد «شركاؤُهم» من الجن بالرفع فاعل زين وفي قراءة ببنائه للمفعول ورفع قتل ونصب الأولاد به وجر شركائهم بإضافته وفيه الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول - ولا يضر - وإضافة القتل إلى الشركاء لأمرهم به «ليردوهم» يهلكوهم «وليلبسوا» يخلطوا «عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون».
وكما زيَّن الشيطان للمشركين أن يجعلوا لله تعالى من الحرث والأنعام نصيبًا، ولشركائهم نصيبًا، زيَّنت الشياطين لكثير من المشركين قَتْلَ أولادهم خشية الفقر؛ ليوقعوا هؤلاء الآباء في الهلاك بقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وليخلطوا عليهم دينهم فيلتبس، فيضلوا ويهلكوا، ولو شاء الله ألا يفعلوا ذلك ما فعلوه، ولكنه قدَّر ذلك لعلمه بسوء حالهم ومآلهم، فاتركهم -أيها الرسول- وشأنهم فيما يفترون من كذب، فسيحكم الله بينك وبينهم.
{ وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المشركين قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } .أى : ومثل ذلك التزيين فى قسمة الزروع والأنعام بين الله والأوثان ، زين للمشركين شركاؤهم من الشياطين أو السدنة قتل بناتهم خشية العار أو الفقر فأطاعوهم فيما أمروهم به من المعاصى والآثام .والتزيين : التحسين ، فمعنى تزيينهم لهم أنهم حسنوا لهم هذه الأفعال القبيحة ، وحضوهم على فعلها .سموا شركاء لأنهم اطاعوهم فيما أمروهم به من قتل الأولاد ، فأشركوهم مع الله فى وجوب طاعتهم ، أو سموا شركاء لأنهم كانوا يشاركون الكفار فى أموالهم التى منها الحرث والأنعام .و { شُرَكَآؤُهُمْ } فاعل { زَيَّنَ } وأخر عن الظرف والمفعول اعتناء بالمقدم واهتماما به ، لأنه موضع التعجب .وقوله : { لِيُرْدُوهُمْ } أى ليهلكوهم؛ من الردى وهو الهلاك .
يقال ردى - كرضى - أى : هلك .وقوله : { وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } معطوف على ليردوهم ، أى : ليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين اسماعيل - عليه السلام - حتى زالوا عنه إلى الشرك .ويلبسوا مأخوذ من اللبس بمعنى الخلط بين الأشياء التى يشبه بعضها بعضاً وأصله التسر بالثوب ، ومنه اللباس ، ويستعمل فى المعانى فيقال : لبس الحق بالباطل يلبسه ستره به .
ولبست عليه الأمر .
خلطته عليه وجعلته مشتبها حتى لا يعرف جهته ، فأنت ترى أن شركاءهم قد حسنوا لهم القبيح من أجل أمرين : إهلاكهم وإدخال الشبهة عليهم فى دينهم عن طريق التخليط والتلبيس .
ثم سلى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وهدد أعداءه فقال : { وَلَوْ شَآءَ الله مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } .أى : ولو شاء الله ألا يفعل الشركاء ذلك التزيين أو المشركون ذلك القتل لما فعلوه ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شىء ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات بسبب ما يفعلونه ، بل دعهم وما يفترونه من الكذب ، فإنهم لسوء استعدادهم آثروا الضلالة على الهداية .والفاء فى قوله { فَذَرْهُمْ } فصيحة .
أى : إذا كان ما قصصناه عليك بمشيئة الله ، فدعهم وافتراءهم ولا تبال بهم ، فإن فيما يشاؤه الله حكما بالغة .ثم حكى القرآن رذيلة ثالثة من رذائلهم المتعددة ، وهى أن أوهام الجاهلية وضلالاتها ساقتهم إلى عزل قسم من أموالهم لتكون حكرا على آلهتهم بحيث لا ينتفع بها أحد سوى سدنتها ، ثم عمدوا إلى قسم من الأنعام فحرموا ركوبها وعمدوا إلى قسم آخر فحرموا أن يذكر اسم الله عليها عند ذبحها أو ركوبها إلى آخر تلك الأوهام المفتراة .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة، ومذاهبهم الباطلة، وقوله: ﴿ وكذلك ﴾ عطف على قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام ﴾ أي كما فعلوا ذلك، فكذلك زين لكثير منهم شركاؤهم قتل الأولاد، والمعنى: أن جعلهم لله نصيباً، وللشركاء نصيباً، نهاية في الجهل بمعرفة الخالق المنعم، وإقدامهم على قتل أولاد أنفسهم نهاية في الجهالة والضلالة، وذلك يفيد التنبيه على أن أحكام هؤلاء وأحوالهم يشاكل بعضها بعضاً في الركاكة والخساسة.
المسألة الثانية: كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياء خوفاً من الفقر أو من التزويج، وهو المراد من هذه الآية.
واختلفوا في المراد بالشركاء، فقال مجاهد: شركاؤهم شياطينهم أمروهم بأن يئدوا أولادهم خشية العيلة، وسميت الشياطين شركاء، لأنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى، وأضيفت الشركاء إليهم، لأنهم اتخذوها كقوله تعالى: ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ وقال الكلبي: كان لآلهتهم سدنة وخدام، وهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل أولادهم، وكان الرجل يقوم في الجاهلية فيحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا غلاماً لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله، وعلى هذا القول: الشركاء هم السدنة، سموا شركاء كما سميت الشياطين شركاء في قول مجاهد.
المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر وحده ﴿ زُيّنَ ﴾ بضم الزاء وكسر الياء، وبضم اللام من ﴿ قَتْلَ ﴾ و ﴿ أولادهم ﴾ بنصب الدال ﴿ شُرَكَائِهِمْ ﴾ بالخفض والباقون ﴿ زيّنَ ﴾ بفتح الزاي والياء ﴿ قَتْلَ ﴾ بفتح اللام ﴿ أولادهم ﴾ بالجر ﴿ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ بالرفع.
أما وجه قراءة ابن عامر فالتقدير: زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، إلا أنه فصل بين المضاف، والمضاف إليه بالمفعول به وهو الأولاد، وهو مكروه في الشعر كما في قوله: فزججتها بمزجة *** زج القلوص أبي مزاده وإذا كان مستكرهاً في الشعر فكيف في القرآن الذي هو معجز في الفصاحة.
قالوا: والذي حمل ابن عامر على هذه القراءة أنه رأى في بعض المصاحف ﴿ شُرَكَائِهِمْ ﴾ مكتوباً بالياء، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء، لأجل أن الأولاد شركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب.
وأما القراءة المشهورة: فليس فيها إلا تقديم المفعول على الفاعل، ونظيره قوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ ﴾ والسبب في تقديم المفعول هو أنهم يقدمون الأهم، والذي هم بشأنه أعنى وموضع التعجب هاهنا إقدامهم على قتل أولادهم، فلهذا السبب حصل هذا التقدير.
ثم قال تعالى: ﴿ لِيُرْدُوهُمْ ﴾ والإرداء في اللغة الإهلاك، وفي القرآن ﴿ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ﴾ قال ابن عباس: ليردوهم في النار، واللام هاهنا محمولة على لام العاقبة كما في قوله: ﴿ فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ ﴿ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ﴾ أي ليخلطوا، لأنهم كانوا على دين إسمعيل، فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة، أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ قال أصحابنا: إنه يدل على أن كل ما فعله المشركون فهو بمشيئة الله تعالى.
قالت المعتزلة: إنه محمول على مشيئة الإلجاء، وقد سبق ذكره مراراً ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ وهذا على قانون قوله تعالى: ﴿ اعملوا مَا شِئْتُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ يدل على أنهم كانوا يقولون: إن الله أمرهم بقتل أولادهم، فكانوا كاذبين في ذلك القول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكذلك ﴾ ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله تعالى والآلهة، أو مثل ذلك التزيين البليغ الذي هو علم من الشياطين.
والمعنى: أن شركاءهم من الشياطين، أو من سدنة الأصنام زينوا لهم قتل أولادهم بالوأد، أو بنحرهم للآلهة وكان الرجل في الجاهلية يحلف: لئن ولد له كذا غلاماً لينحرنّ أحدهم، كما حلف عبد المطلب.
وقرئ: ﴿ زين ﴾ على البناء للفاعل الذي هو شركاؤهم، ونصب ﴿ قَتْلَ أولادهم ﴾ وزين، على البناء للمفعول الذي هو القتل، ورفع شركاؤهم بإضمار فعل دلّ عليه زين، كأنه قيل: لما قيل زين لهم قتل أولادهم من زينه؟
فقيل: زينه لهم شركاؤهم.
وأما قراءة ابن عامر: ﴿ قتل أولادهم شركائهم ﴾ برفع القتل ونصب الأولاد وجرّ الشركاء على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف، فشيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر، لكان سمجاً مردوداً، كما سمج وردّ.
زَجَّ الْقَلْوصِ أَبِي مَزَادَهْ فكيف به في الكلام المنثور فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته.
والذي حمله على ذلك أن رأى في بعض المصاحف شركائهم مكتوباً بالياء.
ولو قرأ بجر الأولادوالشركاء- لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم- لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب ﴿ لِيُرْدُوهْم ﴾ ليهلكوهم بالإغواء ﴿ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ﴾ وليخلطوا، عليهم ويشبهوه.
ودينهم: ما كانوا عليه من دين إسماعيل عليه السلام حتى زلوا عنه إلى الشرك.
وقيل: دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه.
وقيل معناه وليوقعوهم في دين ملتبس.
فإن قلت: ما معنى اللام؟
قلت: إن كان التزيين من الشياطين فهي على حقيقة التعليل، وإن كان من السدنة فعلى معنى الصيرورة ﴿ وَلَوْ شَاء الله ﴾ مشيئة قسر ﴿ مَّا فَعَلُوهُ ﴾ لما فعل المشركون ما زين لهم من القتل.
أو لما فعل الشياطين أو السدنة التزيين أو الإرداء أو اللبس أو جميع ذلك، إن جعلت الضمير جارياً مجرى اسم الإشارة ﴿ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ وما يفترونه من الإفك.
أو وافتراؤهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ في قِسْمَةِ القُرْبانِ.
﴿ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ ﴾ بِالوَأْدِ ونَحْرِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ.
﴿ شُرَكاؤُهُمْ ﴾ مِنَ الجِنِّ أوْ مِنَ السَّدَنَةِ، وهو فاعِلُ زَيَّنَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ زُيِّنَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي هو القَتْلُ ونَصَبَ الأوْلادِ وجَرَّ الشُّرَكاءِ بِإضافَةِ القَتْلِ إلَيْهِ مَفْصُولًا بَيْنَهُما بِمَفْعُولِهِ وهو ضَعِيفٌ في العَرَبِيَّةِ مَعْدُودٌ مِن ضَرُوراتِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: فَزَجَجْتُها بِمَزَجَةٍ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصِ أبِي مُزادَهْ وَقُرِئَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وجَرِّ أوْلادِهِمْ ورُفِعَ شُرَكاؤُهم بِإضْمارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ زَيَّنَ.
﴿ لِيُرْدُوهُمْ ﴾ لِيُهْلِكُوهم بِالإغْواءِ.
﴿ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ﴾ ولِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن دِينِ إسْماعِيلَ، أوْ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ إنْ كانَ التَّزْيِينُ مِنَ الشَّياطِينِ والعاقِبَةِ إنْ كانَ مِنَ السَّدَنَةِ.
﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ ﴾ ما فَعَلَ المُشْرِكُونَ ما زَيَّنَ لَهُمْ، أوِ الشُّرَكاءُ التَّزْيِينَ أوِ الفَرِيقانِ جَمِيعَ ذَلِكَ.
﴿ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ افْتِراءَهم أوْ ما يَفْتَرُونَهُ مِنَ الإفْكِ.
<div class="verse-tafsir"
{وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المشركين} أي كما زين لهم تجزئة المال زين وأد البنات {قتل} مفعول زين {أولادهم شُرَكَاؤُهُمْ} هو فاعل زين زُيِّنَ بالضم قَتْلَ بالرفع أولادهم بالنصب شُرَكَائِهِمْ بالجر شامي على إضافة القتل إلى الشركاء أي الشياطين والفصل بينهما بغير الظرف وهو المفعول وتقديره زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم {لِيُرْدُوهُمْ} ليهلكوهم بالإغواء {وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} وليخلطوا عليهم ويشوبوه ودينهم ما كانوا عليه من دين
إسمعيل حتى زلوا عنه إلى الشرك {وَلَوْ شَاء الله مَا فَعَلُوهُ} وفيه دليل على أن الكائنات كلها بمشيئة الله تعالى {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} وما يفترونه من الإفك أو وافتراءهم لأن ضرر ذلك الافتراء عليهم لا عليك ولا علينا
﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ وهو تَزْيِينُ الشِّرْكِ في قِسْمَةِ القُرُباتِ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ أوْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ المَعْهُودِ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ أيْ مُشْرِكِي العَرَبِ ﴿ قَتْلَ أوْلادِهِمْ ﴾ فَكانُوا يَئِدُونَ البَناتِ الصِّغارَ بِأنْ يَدْفِنُوهُنَّ أحْياءً وكانُوا في ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ فَرِيقَيْنِ أحَدُهُما يَقُولُ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَألْحِقُوا البَناتِ بِاللَّهِ تَعالى فَهو أحَقُّ بِها والآخَرُ يَقْتُلُهُنَّ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وقِيلَ: خَشْيَةَ ذَلِكَ والعارِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ وقِيلَ: السَّبَبُ في قَتْلِ البَناتِ أنَّ النُّعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ أغارَ عَلى قَوْمٍ فَسَبى نِساءَهم وكانَتْ فِيهِنَّ بِنْتُ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ ثُمَّ اصْطَلَحُوا فَأرادَتْ كُلُّ امْرْأةٍ مِنهُنَّ عَشِيرَتَها غَيْرَ ابْنَةِ قَيْسٍ فَإنَّها أرادَتْ مَن سَباها فَحَلَفَ قَيْسٌ لا تُولَدُ لَهُ بِنْتٌ إلّا وأدَها فَصارَ ذَلِكَ سُنَّةً فِيما بَيْنَهم وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَنْذِرُ أحَدُهم إذا بَلَغَ بَنُوهُ عَشْرَةً نُحِرَ واحِدٌ مِنهم كَما فَعَلَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ في قِصَّتِهِ المَشْهُورَةِ وإلَيْها أشارَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» وقَتْلَ مَفْعُولُ زَيَّنَ مُضافٌ إلى أوْلادِهِمْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ شُرَكاؤُهُمْ ﴾ فاعِلٌ لَهُ والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ إمّا الجِنُّ أوِ السَّدَنَةُ ووُسِمُوا بِذَلِكَ لِأنَّهم شُرَكاءُ فِي أمْوالِهِمْ كَما مَرَّ آنِفًا أوْ طاعَتُهم لَهُ كَما يُطاعُ الشَّرِيكُ لِلَّهِ عَزَّ اسْمُهُ ومَعْنى تَزْيِينِهِمْ لَهم ذَلِكَ تَحْسِينُهُ لَهم وحَثُّهم عَلَيْهِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( زُيِّنَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي هو القَتْلُ ونُصِبَ الأوْلادُ وجُرَّ الشُّرَكاءُ بِإضافَةِ القَتْلِ إلَيْهِ مَفْصُولًا بَيْنَهُما بِمَفْعُولِهِ وعَقَّبَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ شَيْءٌ لَوْ كانَ في مَكانِ الضَّرُورِيّاتِ وهو الشِّعْرُ لَكانَ سَمِجًا مَرْدُودًا كَما سَمِجَ: وِرْدٌ زَجَّ القَلُوصَ أبِي مَزادَةَ فَكَيْفَ بِهِ في الكَلامِ المَنثُورِ فَكَيْفَ بِهِ في الكَلامِ المُعْجِزِ ثُمَّ قالَ: والَّذِي حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ المَصاحِفِ ﴿ شُرَكائِهِمْ ﴾ مَكْتُوبًا بِالياءِ ولَوْ قَرَأ بِجَرِّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ لِأنَّ الأوْلادَ شُرَكاؤُهم لَوَجَدَ في ذَلِكَ مَندُوحَةً عَنْ هَذا الِارْتِكابِ.
اهـ.
وقَدْ رَكِبَ في هَذا الكَلامِ عَمْياءَ وتاهَ في تَيْهاءَ فَقَدْ تَخَيَّلَ أنَّ القُرّاءَ أئِمَّةَ الوُجُوهِ السَّبْعَةَ اخْتارَ كُلٌّ مِنهم حَرْفًا قَرَأ بِهِ اجْتِهادًا لا نَقْلًا وسَماعًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الجَهَلَةِ فَلِذَلِكَ غَلِطَ ابْنُ عامِرٍ في قِراءَتِهِ هَذِهِ وأخَذَ يُبَيِّنُ مَنشَأ غَلَطِهِ وهَذا غَلَطٌ صَرِيحٌ يُخْشى مِنهُ الكَفْرُ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى فَإنَّ القِراءاتِ السَّبْعَةَ مُتَواتِرَةٌ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا عَنْ أفْصَحِ مَن نَطَقَ بِالضّادِ فَتَغْلِيطُ شَيْءٍ مِنها في مَعْنى تَغْلِيطِ رَسُولِ اللَّهِ بَلْ تَغْلِيطٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ نَعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ وقالَ أبُو حَيّانَ: عَجَبٌ لِعَجَمِيٍّ ضَعِيفٍ في النَّحْوِ يَرُدُّ عَلى عَرَبِيٍّ صَرِيحٍ مَحْضٍ قِراءَةً مُتَواتِرَةً نَظِيرُها في كَلامِ العَرَبِ في غَيْرِ ما بَيْتٍ وأعْجَبُ بِسُوءِ هَذا الرَّجُلِ بِالقُرّاءِ الأئِمَّةِ الَّذِينَ تَخَيَّرَتْهم هَذِهِ الأُمَّةُ لِنَقْلِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى شَرْقًا وغَرْبًا وقَدِ اعْتَمَدَ المُسْلِمُونَ عَلى نَقْلِهِمْ لِضَبْطِهِمْ ومَعْرِفَتِهِمْ ودِيانَتِهِمْ.
اهـ.
وقَدْ شَنَّعَ عَلَيْهِ أيْضًا غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ ولَعَلَّ عُذْرَهُ في ذَلِكَ جَهْلُهُ بِعَلَمَيِ القِراءَةِ والأُصُولِ.
وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لا يُفَرَّقُ بَيْنَ المُضافِ الَّذِي يَعْمَلُ وبَيْنَ غَيْرِهِ ومُحَقِّقُو النُّحاةِ قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَهُما بِأنَّ الثّانِيَ يُفْصَلُ فِيهِ بِالظَّرْفِ والأوَّلَ إذا كانَ مَصْدَرًا أوْ نَحْوَهُ يُفْصَلُ بِمَعْمُولِهِ مُطْلَقًا لِأنَّ إضافَتَهُ في نِيَّةِ الِانْفِصالِ ومَعْمُولَهُ مُؤَخَّرٌ رُتْبَةً فَفَصْلُهُ كَلا فَصْلٍ فَلِذا ساغَ ذَلِكَ فِيهِ ولَمْ يُخَصُّ بِالشِّعْرِ كَغَيْرِهِ ومِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ وخَطَّأ الزَّمَخْشَرِيَّ بِعَدَمِ التَّفْرِقَةِ وقالَ في كافِيَتِهِ: وظَرْفٌ أوْ شَبِيهُهُ قَدْ يَفْصِلُ جُزْأيْ إضافَةٍ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ فَصْلانِ في اضْطِرارِ بَعْضِ الشِّعْرا وفي اخْتِيارٍ قَدْ أضافُوا المَصْدَرا لِفاعِلٍ مِن بَعْدِ مَفْعُولٍ حَجَزَ كَقَوْلِ بَعْضِ القائِلِينَ لِلرَّجَزِ بِفَرْكِ حَبِّ السُّنْبُلِ الكَنافِجِ ∗∗∗ بِالقاعِ فَرْكِ القُطْنِ المَحالِجِ وعُمْدَتِي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وكَمْ لَها مِن عاضِدٍ وناصِرٍ انْتَهى.
وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ لَوْ سَلَّمْنا أنَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ مُنافِيَةٌ لِقِياسِ العَرَبِيَّةِ لَوَجَبَ قَبُولُها أيْضًا بَعْدَ أنْ تَحَقَّقَ صِحَّةُ نَقْلِها كَما قُبِلَتْ أشْياءُ نافَتِ القِياسَ مَعَ أنَّ صِحَّةَ نَقْلِها دُونَ صِحَّةِ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ بِكَثِيرٍ وما ألْطَفَ قَوْلِ الإمامِ عَلى ما حَكاهُ عَنْهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وكَثِيرٌ ما أرى النَّحْوِيِّينَ مُتَحَيِّرِينَ في تَقْرِيرِ الألْفاظِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ فَإذا اسْتَشْهَدَ في تَقْرِيرِهِ بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ فَرِحُوا بِهِ وأنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنهم لِأنَّهم إذا جَعَلُوا وُرُودَ ذَلِكَ البَيْتِ المَجْهُولِ عَلى وفْقِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ فَلَأنْ يَجْعَلُوا وُرُودَ القُرْآنِ بِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ كانَ أوْلى ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ ما في قَوْلِ السَّكّاكِيِّ: يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِغَيْرِ الظَّرْفِ ونَحْوَ قَوْلِهِ: بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ مَحْمُولٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ مِنَ الأوَّلِ ونَحْوَ قِراءَةِ مَن قَرَأ ( قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكائِهِمْ ) لِاسْتِنادِها إلى الثِّقاتِ وكَثْرَةِ نَظائِرِها ومَن أرادَها فَعَلَيْهِ بِخَصائِصِ ابْنِ جِنِّيٍّ مَحْمُولَةً عِنْدِي عَلى حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ مِنَ الأوَّلِ وإضْمارِ المُضافِ في الثّانِي كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ ( واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ ) بِالجَرِّ أيْ عَرَضَ الآخِرَةِ وما ذَكَرْتُ وإنْ كانَ فِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ إلّا أنَّ تَخْطِئَةَ الثِّقاتِ والفُصَحاءِ أبْعَدُ.
اهـ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ بِبِناءِ ( زُيِّنَ ) لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ قَتْلُ وجَرِّ أوْلادِهِمْ ورَفْعِ شُرَكاؤُهم بِإضْمارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ زُيِّنَ كَما في قَوْلِهِ: لَبَّيْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تَطِيحُ الطَّوائِحُ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: زُيِّنَ لَهم قَتْلُ أوْلادِهِمْ مِن زَيَّنَهُ فَقِيلَ: زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهم ﴿ لِيُرْدُوهُمْ ﴾ أيْ لِيُهْلِكُوهم بِالإغْواءِ ﴿ ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ﴾ أيْ لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن دِينِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى زَلُّوا عَنْهُ إلى الشِّرْكِ أوْ دِينَهُمُ الَّذِي وجَبَ أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ وقِيلَ: المَعْنى لِيُوقِعُوهم في دِينٍ مُلْتَبِسٍ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ إنْ كانَ التَّزْيِينُ مِنَ الشَّياطِينِ لِأنَّ مَقْصُودَهم مِن إغْوائِهِمْ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ ولِلْعاقِبَةِ إنْ كانَ مِنَ السَّدَنَةِ إذْ لَيْسَ مَحَطُّ نَظَرِهِمْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ عاقِبَةٌ ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ أيْ عَدَمَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ ﴿ ما فَعَلُوهُ ﴾ أيْ ما فَعَلَ المُشْرِكُونَ ما زُيِّنَ لَهم مِنَ القَتْلِ أوْ ما فَعَلَ الشُّرَكاءُ مِنَ التَّزْيِينِ أوِ الإرْداءِ واللَّبْسِ أوْ ما فَعَلَ الفَرِيقانِ جَمِيعَ ذَلِكَ عَلى إجْراءِ الضَّمِيرِ المُفْرَدِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ ﴿ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ (137) الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ ما كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فَدَعْهم وافْتِراءَهم أوْ ما يَفْتَرُونَهُ مِنَ الكَذِبِ ولا تُبالِ بِهِمْ فَإنَّ في ما يَشاءُ اللَّهُ تَعالى حِكَمًا بالِغَةً وفِيهِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كانوا يسمون لله جزءاً من الحرث، ولأوثانهم جزءاً.
فما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه.
وما ذهبت به الريح من الجزء الذي سموه لله إلى جزء الأصنام تركوه وقالوا إن الله غني عن هذا.
وقال السدي: ما خرج من نصيب الأصنام أنفقوه عليها، وما خرج من نصيب الله تصدقوا به.
فإذا هلك الذي لشركائهم وكثر الذي لله قالوا: ليس لآلهتنا بدّ من النفقة.
فأخذوا الذي لله، وأنفقوه على الأصنام.
وإذا هلك الذي لله وكثر الذي للأصنام قالوا: لو شاء الله لأزكى ماله فلا يزيدون عليه شيئاً.
فذلك قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ يعني: مما خلق من الحرث والأنعام نَصِيباً يعني: جعلوا لله نصيباً، ولشركائهم نصيباً، فاقتصر على المذكور لأن في الكلام دليلاً على المسكوت عنه فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ يقول بقولهم ولم يأمرهم الله بذلك وَهذا لِشُرَكائِنا يعني: للأصنام فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ يعني: لأصنامهم فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ يقول: فلا يضعون شيئاً في نصيب الله وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ يقول: يوضع في نصيبهم ساءَ مَا يَحْكُمُونَ يعني: لو كان معه شريك كما يقولون ما عدلوا في القسمة.
ويقال: ساءَ مَا يَحْكُمُونَ حيث وصفوا لله شريكاً.
قرأ الكسائي (بزعمهم) بضم الزاي وقرأ الباقون بالنصب وهما لغتان ومعناهما واحد.
ثم قال تعالى: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ يعني: زين لهم شركاؤهم وهم الشياطين قتل أولادهم، لأنهم يقتلون أولادهم مخافة الفقر والحمية، ويدفنون بناتهم أحياء فزين لهم الشيطان ذلك، كما زيّن لهم تحريم الحرث والأنعام.
ويقال: كان واحد منهم ينذر أنه إذا ولد كذا وكذا ولد يذبح واحداً منهم كما فعل عبد المطلب.
فزين لهم الشيطان قتل أولادهم.
فذلك قوله وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام وَكَذلِكَ زَيَّنَ بضم الزاي قَتْلَ بضم اللام أَوْلادِهِمْ بفتح الدال شُرَكائِهِمْ بالخفض.
وإنما قرئ زَيَّنَ بالضم على فعل ما لم يسم فاعله ومعناه: قتل شركائهم على معنى التقديم، وهم أولادهم لأن أولادهم شركاؤهم في أموالهم، فصار شركاؤهم نعتاً للأولاد، وصار الأولاد نصباً على وجه التفسير.
وقرأ الباقون زَيَّنَ بالنصب لأنه فعل ماض شُرَكاؤُهُمْ بالضم لأنه جعل الشركاء على وجه الفاعل.
ثم قال: لِيُرْدُوهُمْ يعني: ليهلكوهم بذلك وَلِيَلْبِسُوا يعني: ليخلطوا وليشبهوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ يعني: دين إبراهيم وإسماعيل.
ثم قال: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ يعني: لو شاء الله لمنعهم من ذلك منع اضطرار وقهر وأهلكهم فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ يعني: دعهم وما يكذبون بأن الله أمرهم بذلك، ومعناه: أن الله مع قدرته عليهم قد تركهم إلى وقت قدرهم، فاتركهم أنت أيضاً إلى الوقت الذي تؤمر بقتالهم.
ويقال: معناه دعهم فإنّ لهم موعداً بين يدي الله فيحاسبهم ويجازيهم بها.
قوله تعالى: وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحرث وهو نوع من الزرع حرموها على النساء.
حِجْرٌ يعني: حرام والحجر يكون عبارة عن العقل كقوله تعالى: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: 5] أي: لذي لب وعقل ويكون عبارة عن الحرام كقوله: حِجْراً مَحْجُوراً [الفرقان: 22] يعني: حراما محرما وكقوله هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ [الأنعام: 138] يعني: حراماً لاَّ يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ من الرجال دون النساء، وهو مالك بن عوف كان يفتيهم بالحل والحرمة.
وكان يقول: هذا يجوز وهذا لا يجوز لأشياء كانوا حرموها برأيهم.
ثم قال وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وهي الحام من الإبل كانوا يتركونها ولا يركبونها وَأَنْعامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا يعني: عند الذبيحة ويقال: عند الركوب وهي البحيرة افْتِراءً عَلَيْهِ يعني: اختلاقاً وكذباً على الله بأنه أمرهم بذلك سَيَجْزِيهِمْ يعني: سيعاقبهم بِما كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: يكذبون على الله بأنه أمرهم وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا قال الكلبي يعني: البحيرة والوصيلة حلال لذكورنا ما دامت في الأحياء، وليس للنساء فيه شركة ولا نصيب.
فذلك قوله: وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً يعني: من هذه الأنعام فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ يعني: الرجال والنساء في أكلها.
وقال الضحاك: كانت الناقة إذا ولدت فصيلاً ذكراً حرموا لحم الفصيل ولبن الناقة على النساء دون الرجال، وإن وضعت فصيلاً ميتاً اشتركت الرجال والنساء في لحم الفصيل ولبن الناقة.
ذكر في أول الكلام خالِصَةٌ لفظ التأنيث، لأنه انصرف إلى المعنى، ومعناه: حمله ما في بطون هذه الأنعام.
ثم قال وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ذكر بلفظ التذكير، لأنه انصرف إلى قوله: مَا فِي بُطُونِ قرأ عاصم في رواية أبي بكر وأن تَكُنْ بالتاء على معنى التأنيث مَيْتَةً بالنصب يعني: وإن تكن الجماعة ميتة صارت الميتة خبر كان.
وقرأ ابن عامر وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً بالضم يعني: وإن كانت ميتة جعلها اسم كان رفعاً وقرأ ابن كثير وَإِنْ يَكُنْ بالياء مَيْتَةً بالضم يعني وإن: كان ما فيه ميتة بلفظ التذكير وجعل الميتة اسم كان.
وقرأ الباقون وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً جعلوا الميتة خبر كان بلفظ التذكير.
ثم قال: سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ صار نصباً لنزع الخافض يعني: سيعاقبهم بكذبهم إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ حَكِيمٌ عليهم بالعذاب عَلِيمٌ بهم.
وفي الآية دليل أن العالم ينبغي أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به حتى يعلم فساد قوله، ويعلم كيف يرد عليه لأن الله تعالى أعلم النبيّ وأصحابه قول من خالفهم في زمانهم، ليعرفوا فساد قولهم.
قوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ يعنوا: دفنوا بناتهم أحياء وقتلوهن سَفَهاً صار نصباً لنزع الخافض يعني: جهلاً منهم بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير حجة منهم في قتلهن وهم ربيعة ومضر كانوا يقتلون بناتهم لأجل الحمية.
وروي عن رسول الله أن رجلاً من أصحابه كان لا يزال مغتماً بين يديه فقال له رسول الله «مَا لَكَ تَكن مَحْزُوناً» ؟
فقال: يا رسول الله إني قد أذنبت في الجاهلية ذنباً، فأخاف أن لا يغفر لي وإني أسلمت فقال له: «أَخْبِرْنِي عَنْ ذَنْبِكَ» فقال: يا رسول الله: إني كنت من الذين يقتلون بناتهم فولدت لي بنت، فتشفعت إليَّ امرأتي بأن أتركها فتركتها حتى كبرت، وأدركت فصارت من أجمل النساء فخطبوها، فدخلت عليَّ الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج.
فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب بها إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي فسرت بذلك وزيّنتها بالثياب والحلي، وأخذت عليَّ المواثيق بأن لا أخونها فذهبت بها إلى رأس بئر، فنظرت إلى البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر، فالتزمت بي وجعلت تبكي وتقول: يا أبت أي شيء تريد أن تفعل بي فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت عليّ الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمي فجعلت مرة أنظر في البئر، ومرة أنظر إليها، وأرحمها حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة وهي تنادي في البئر يا أبت قتلتني.
فمكثت هناك حتى انقطع صوتها.
فرجعت فبكى رسول الله وأصحابه وقال «لَوْ أُمِرْتُ أَنْ أعَاقِبَ أَحَداً بِمَا فَعَلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ لَعَاقَبْتُكَ بِمَا فَعَلْتَ» .
ثم قال: وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ يعني: ما أعطاهم افْتِراءً يعني: كذباً عَلَى اللَّهِ بأنه قد حرم ذلك عليهم قَدْ أَضَلُّوا عن الهدى وَما كانُوا مُهْتَدِينَ يعني: وما هم بمهتدين ويقال: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ من قبل فخذلهم الله بذلك قرأ ابن كثير وابن عامر قتلوا بالتشديد لتكثير الفعل والباقون بالتخفيف.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ، يعني: مشركي العربِ الذين تقدَّم الردُّ عليهم من أول السورة، وذَرَأَ: معناه: خلَق وأنشأَ وبَثَّ، وسبَبُ نزول هذه الآية أنَّ العرب كانَتْ تجعل من غَلاَّتها وزُرُوعها وثمارها وأنعامها جُزْءاً تسميِّه للَّه، وَجْزْءاً تسميه لأصنامها، وكانت عادتها التحفِّي والاهتبال بنَصيبِ الأصنام أكْثَرَ منها بنصيب اللَّهِ إذ كانوا يعتقدون أن الأصنام بها فَقْر، وليس ذلك باللَّه سبحانه، فكانوا إذا جمعوا الزَّرْعَ، فهبَّت الريحُ، فحملَتْ مِنَ الذي للَّه إلى الذي لشركائِهِمْ، أقروه، وإذا حملَتْ من الذي لشركائِهِمْ إلى الذي للَّه، ردُّوه، وإذا لم يُصِيبُوا في نصيبِ شركائهم شيئاً، قالوا: لا بُدَّ للآلهة مِنْ نفقةٍ، فيجعلون نصيب اللَّه تعالى في ذلك قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهدٌ والسديُّ وغيرهم «١» أنهم كانوا يفعلُونَ هذا ونحوه من الفعْلِ وكذلك في الأنعامِ كانوا إذا أصابتهم السَّنَةُ، أكلوا نصيبَ اللَّه، وتحامَوْا نصيبَ شركائهم.
وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ، الكثير هنا يرادُ به مَنْ كان يَئِدُ «٢» مِنْ مشركي العرب، والشركاء هاهنا: الشياطين الآمِرُونَ بذلك، المزيِّنون له، والحاملون عليه أيضاً من بني آدم، ومقصد الآية الذمُّ للوأد والإنحاء على فعلته، ولِيُرْدُوهُمْ: معناه: ليهلكوهم من الرّدى، ولِيَلْبِسُوا: معناه: ليخلّطوا.
وقوله سبحانه: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ يقتضي أن لا شيء إلا بمشيئة اللَّه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ فِيما قَسَمُوا بِالجَهْلِ زُيِّنَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "وَكَذَلِكَ" مُسْتَأْنِفًا غَيْرَ مُشارٍ بِهِ إلى ما قَبْلَهُ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: وهَكَذا زُيِّنَ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ: "زَيَّنَ"، بِفَتْحِ الزّايِ والياءِ، ونَصْبِ اللّامِ مِن "قَتْلِ" وكَسْرِ الدّالِ مِن "أوْلادِهِمْ" ورَفْعِ "الشُّرَكاءُ"؛ وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: بِضَمِّ زايِ "زُيِّنَ" وَرَفْعِ اللّامِ [مِن"قَتْلِ"]، مِن قَتْلِ ونَصْبِ الدّالِ مِن "أوْلادِهِمْ" وخَفْضِ "الشُّرَكاءِ" .
قالَ أبُو عَلِيٍّ" ومَعْناها: قَتْلُ شُرَكائِهِمْ أوْلادَهُمْ؛ فَفَصَلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ، وهَذا قَبِيحٌ، قَلِيلٌ في الِاسْتِعْمالِ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، والحَسَنُ: "زُيِّنَ" بِالرَّفْعِ، "قَتْلُ" بِالرَّفْعِ أيْضًا، "أوْلادِهِمْ" بِالجَرِّ، "شُرَكاؤُهُمْ" رَفْعًا.
قالَ الفَرّاءُ: رَفَعَ القَتْلَ إذْ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ ورَفَعَ الشُّرَكاءَ بِفِعْلٍ نَواهُ، كَأنَّهُ قالَ زَيَّنَهُ لَهم شُرَكاؤُهم.
وكَذَلِكَ قالَ سِيبَوَيْهِ في هَذِهِ القِراءَةِ؛ قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ: مَن زَيَّنَهُ؟
فَقالَ: شُرَكاؤُهم.
قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِضَمِّ الزّايِ، ورَفْعِ اللّامِ، وخَفْضِ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ؛ فَيَصِيرُ الشُّرَكاءُ اسْمًا لَلْأوْلادِ، لَمُشارَكَتِهِمْ لَلْآَباءِ في النَّسَبِ والمِيراثِ والدِّينِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِشُرَكائِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: شُرَكاؤُهم في الشِّرْكِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: قَوْمٌ كانُوا يَخْدِمُونَ الأوْثانَ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ الغُواةُ مِنَ النّاسِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وإنَّما أُضِيفَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اخْتَلَقُوا ذَلِكَ وزَعَمُوهُ.
وَفِي الَّذِي زَيَّنُوهُ لَهم مِن قَتْلِ أوْلادِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ وأْدُ البَناتِ أحْياءً خِيفَةَ الفَقْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَحْلِفُ أحَدُهم، أنَّهُ إنْ وُلِدَ لَهُ كَذا وكَذا غُلامًا أنْ يَنْحَرَ أحَدَهم، كَما حَلَفَ عَبْدُ المَطْلِبِ في نَحْرِ عَبْدِ اللهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُرْدُوهُمْ ﴾ أيْ: لَيُهْلِكُوهم.
وفي هَذِهِ اللّامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها لامُ "كَيْ" والثّانِي: أنَّها لامُ العاقِبَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا ﴾ أيْ: آَلَ أمْرُهم إلى الرَّدى، لا أنَّهم قَصَدُوا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ﴾ أيْ: لَيَخْلِطُوا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيُدْخِلُوا عَلَيْهِمُ الشَّكَّ في دِينِهِمْ؛ وكانُوا عَلى دِينِ إسْماعِيلَ، فَرَجَعُوا عَنْهُ بِتَزْيِينِ الشَّياطِينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا دَفَنُوا بَناتَهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ أيْ: يَكْذِبُونَ؛ وهَذا تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، فَهو مُحْكَمٌ.
وقالَ قَوْمٌ: مَقْصُودُهُ تَرَكَ قِتالَهم، فَهو مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أولادِهِمْ شُرَكاؤُهم لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهم ولَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ اَلْكَثِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ مَن كانَ يَئِدُ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ؛ والشُرَكاءُ هَهُنا الشَياطِينُ الآمِرُونَ بِذَلِكَ؛ المُزَيِّنُونَ لَهُ؛ والحامِلُونَ عَلَيْهِ أيْضًا مِن بَنِي آدَمَ؛ الناقِلِينَ لَهُ عَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ؛ إذْ كُلُّهم مُشْتَرِكُونَ في قُبْحِ هَذا الفِعْلِ؛ وتَبْعاتِهِ في الآخِرَةِ؛ ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ الذَمُّ لِلْوَأْدِ والإنْحاءِ عَلى فِعْلَتِهِ.
واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ؛ فَقَرَأتِ الجَماعَةُ - سِوى ابْنِ عامِرٍ -: "وَكَذَلِكَ زَيَّنَ"؛ بِفَتْحِ الزايِ؛ "قَتْلَ"؛ بِالنَصْبِ؛ "أولادِهِمْ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ "شُرَكاؤُهُمْ"؛ وهَذِهِ أبْيَنُ قِراءَةٍ؛ وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَكَذَلِكَ زُيِّنَ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ "قَتْلُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "أولادِهِمْ" بِكَسْرِ الدالِ؛ "شُرَكاؤُهُمْ"؛ بِالرَفْعِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ ؛ والحَسَنِ ؛ وأبِي عَبْدِ المَلِكِ - قاضِي الجُنْدِ؛ صاحِبِ ابْنِ عامِرٍ -؛ كَأنَّهُ قالَ: "زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهُمْ"؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: وهَذا كَما قالَ الشاعِرُ: لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا يُطِيعُ الطَوائِحُ كَأنَّهُ قالَ: "يَبْكِيهِ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ"؛ وأجازَ قُطْرُبٌ أنْ يَكُونَ الشُرَكاءُ في هَذِهِ القِراءَةِ ارْتَفَعُوا بِالقَتْلِ؛ كَأنَّ المَصْدَرَ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الفاعِلَ؛ كَأنَّهُ قالَ: "أنْ قَتَلَ أولادَهم شُرَكاؤُهُمْ"؛ كَما تَقُولُ: "حَبَّبَ إلَيَّ رُكُوبَ الفَرَسِ زِيدٌ"؛ أيْ: "أنْ رَكِبَ زَيْدٌ الفَرَسَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَحِيحُ إذا أُضِيفَ مَصْدَرٌ إلى مَفْعُولٍ ألّا يُذْكَرَ الفاعِلُ؛ وأيْضًا فالجُمْهُورُ - في هَذِهِ الآيَةِ - عَلى أنَّ الشُرَكاءَ مُزَيِّنُونَ؛ لا قاتِلُونَ؛ والتَوْجِيهُ الَّذِي ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ هو الصَحِيحُ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يُسَبَّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ"؛ بِفَتْحِ الباءِ المُشَدَّدَةِ؛ أيْ: "يُسَبِّحُ رِجالٌ".
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَكَذَلِكَ زُيِّنَ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ "قَتْلُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "أولادَهُمْ"؛ بِنَصْبِ الدالِ؛ "شُرَكائِهِمْ"؛ بِخَفْضِ الشُرَكاءِ؛ وهَذِهِ قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ؛ ورُؤَساءُ العَرَبِيَّةِ لا يُجِيزُونَ الفَصْلَ بِالظُرُوفِ في مِثْلِ هَذا؛ إلّا في الشِعْرِ؛ كَقَوْلِهِ: كَما خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا ∗∗∗ ∗∗∗ يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أو يُزِيلُ فَكَيْفَ بِالمَفْعُولِ في أفْصَحِ الكَلامِ؟
ولَكِنَّ وجْهَها - عَلى ضَعْفِها - أنَّها ورَدَتْ شاذَّةً في بَيْتٍ أنْشَدَهُ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ ؛ وهُوَ: فَزَجَّجْتُها بِمِزَجَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصَ أبِي مَزادَةَ وفِي بَيْتِ الطِرِمّاحِ؛ وهو قَوْلُهُ: يَطُفْنَ بِحُوزِيِّ المَراتِعِ لَمْ تَرُعْ ∗∗∗ ∗∗∗ بِوادِيهِ مِن قَرْعِ القِسِيِّ الكَنائِنِ والشُرَكاءُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - هُمُ الَّذِينَ يَتَأوَّلُونَ وأْدَ بَناتِ الغَيْرِ؛ فَهُمُ القاتِلُونَ؛ والصَحِيحُ مِنَ المَعْنى أنَّهُمُ المُزَيِّنُونَ؛ لا القاتِلُونَ؛ وذَلِكَ مُضَمَّنٌ قِراءَةَ الجَماعَةِ.
وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ الشامِ - ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ -: "زِينَ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ وسُكُونِ الياءِ؛ عَلى الرُتْبَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ مِنَ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهُ قَرَأتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ الشامِ: "وَكَذَلِكَ زُيِّنَ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ "قَتْلُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "أولادِهِمْ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ "شُرَكائِهِمْ"؛ بِالخَفْضِ؛ والشُرَكاءُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - هُمُ الأولادُ المَوْؤُودُونَ؛ لِأنَّهم شُرَكاءُ في النَسَبِ والمَوارِيثِ؛ وكَأنَّ وصْفَهم بِأنَّهم شُرَكاءُ يَتَضَمَّنُ حُرْمَةً لَهُمْ؛ وفِيها بَيانٌ لِفَسادِ الفِعْلِ؛ إذْ هو قَتْلُ مَن لَهُ حُرْمَةٌ.
و"لِيُرْدُوهُمْ"؛ مَعْناهُ: لِيُهْلِكُوهم.
مِن "اَلرَّدى"؛ و"وَلِيَلْبِسُوا"؛ مَعْناهُ: لِيَخْلِطُوا؛ والجَماعَةُ عَلى كَسْرِ الباءِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "وَلِيَلْبَسُوا"؛ بِفَتْحِ الباءِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هي اسْتِعارَةٌ مِن "اَللِّباسُ"؛ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ المَخالِطِ؛ وهَذانِ الفِعْلانِ يُؤَيِّدانِ أوَّلَ قِراءَةٍ في تَرْتِيبِنا؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنْ لا شَيْءَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وفِيها رَدٌّ عَلى مَن قالَ بِأنَّ المَرْءَ يَخْلُقُ أفْعالَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَذَرْهُمْ"؛ ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ و ﴿ "يَفْتَرُونَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: يَخْتَلِقُونَ مِنَ الكَذِبِ في تَشَرُّعِهِمْ بِذَلِكَ؛ واعْتِقادِهِمْ أنَّها مُباحاتٌ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
عطفٌ على جملة: ﴿ وجعلوا لله ممّا ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً ﴾ [الأنعام: 136] والتقدير: جَعَلوا وزيَّنَ لهم شركاؤُهم قتلَ أولادِهم فقتلوا أولادَهم، فهذه حكاية نوع من أنواع تشريعاتهم الباطلة، وهي راجعة إلى تصرّفهم في ذُرّيَّاتهم بعد أن ذكر تصرّفاتهم في نتائج أموالهم.
ولقد أعظم الله هذا التّزيين العجيب في الفساد الّذي حَسَّن أقبح الأشياء وهو قتْلهم أحبّ النّاس إليهم وهم أبناؤهم، فشبه بنفس التزيين للدّلالة على أنّه لو شاء أحد أن يمثّله بشيء في الفظاعة والشّناعة لم يَسَعْه إلاّ أن يشبهه بنفسه لأنَّه لا يبلغ شيء مبلغ أن يكون أظهرَ منه في بابه، فيلجأ إلى تشبيهه بنفسه، على حدّ قولهم «والسّفاهة كاسمها».
والتّقدير: وزيّن شركاء المشركين لكثير فيهم تزييناً مثل ذلك التّزيين الّذي زيّنوه لهم، وهُو هُو نفسه، وقد تقدّم تفصيل ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً ﴾ في سورة [البقرة: 143].
ومعنى التّزيين التّحسين، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ كذلك زيَّنَّا لكلّ أمّة عملهم ﴾ في هذه السورة [108].
ومعنى تزيين ذلك هنا أنَّهم خيَّلوا لهم فوائد وقُرَباً في هذا القتل، بأن يُلقوا إليهم مَضرّة الاستجداء والعار في النّساء، وأنّ النّساء لا يرجى منهنّ نفع للقبيلة، وأنَّهنّ يُجَبِّنّ الآباء عند لقاء العدوّ، ويؤثرن أزواجهن على آبائهن، فقتلهنّ أصلَحُ وأنفع من استبقائهن، ونحوَ هذا من الشّبه والتّمويهات، فيأتونهم من المعاني الّتي تروج عندهم، فإنّ العرب كانوا مُفرطين في الغيرة، والجموح من الغلب والعار كما قال النّابغة: حِذَاراً على أنْ لاَ تُنَالَ مَقَادَتِي *** ولا نسوتي حتَّى يَمُتْنَ حَرائراً وإنَّما قال: لكثير من المشركين} لأنّ قتل الأولاد لم يكن يأتيه جميع القبائل، وكان في ربيعة ومضر، وهما جمهرة العرب، وليس كلّ الآباء من هاتين القبيلتين يفعله.
وأسند التّزيين إلى الشّركاء: إمّا لإرادة الشّياطين الشّركاءِ، فالتّزيين تزيين الشّياطين بالوسوسة، فيكون الإسناد حقيقة عقليّة، وإمّا لأنّ التّزيين نشأ لهم عن إشاعة كبرائهم فيهم، أو بشرع وضعه لهم مَن وضَع عبادة الأصنام وفرض لها حقوقاً في أموالهم مثل عَمْرو بن لُحَي، فيكون إسناد التّزيين إلى الشّركاء مجازاً عقلياً لأنّ الأصنام سبب ذلك بواسطةٍ أو بواسطتين، وهذا كقوله تعالى: ﴿ فما أغنت عنهم آلِهَتُهم التي يَدْعُون من دون الله من شيء لمّا جاء أمر ربّك وما زادوهم غير تتبيب ﴾ [هود: 101].
والمعنيّ بقتل الأولاد في هذه الآية ونحوها هو الوأْد، وهو دفن البنات الصغيرات أحياء فيمتن بغمّة التّراب، كانوا يفعلون ذلك خشية الفقر، كما قال تعالى: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خَشيةَ إملاق ﴾ [الإسراء: 31]، وخشيةَ أن تفتضح الأنثى بالحاجة إذا هلك أبوها، أو مخافة السّباء، وذكر في «الروض الأنُف» عن النّقّاش في «تفسيره»: أنَّهم كانوا يئدون من البنات من كانت زَرقاء أو برشاء، أو شَيْماء، أو رَسْحاءَ، تشاؤما بِهنّ وهذا من خَوَر أوْهَامهم وأنّ ذلك قوله تعالى: ﴿ وإذا الموءودة سُئِلت بأي ذنب قتلت ﴾ [التكوير: 8، 9]، وقيل: كانوا يفعلون ذلك من شدّة الغيرة خشية أن يأتين ما يَتعيَّر منه أهلهنّ.
وقد ذكر المبرّد في «الكامل»، عن أبي عبيدة: أنّ تميماً مَنَعت النّعمانَ بن المُنذر الإتاوة فوجّه إليهم أخاه الريان بن المنذر فاستاق النّعم وسبَى الذّراري، فوفدت إليه بنو تميم فأنابوا وسألوه النّساء فقال النّعمان: كلّ امرأة اختارت أباها رُدّت إليه وإن اختارت صاحبها (أي الّذي صارت إليه بالسبي) تُركت عليه فكُلّهنّ اختارت أباها إلاّ ابنة لقيس بن عاصم اختارت صاحبَها عمرو بن المشمرِج، فنذر قيس أن لا تولد له ابنة إلاّ قتلها فهذا شيء يَعتلّ به مَنْ وأدوا، يقولون: فعلناه أنفة، وقد أكذب الله ذلك في القرآن، أي بقوله: ﴿ قد خَسِر الذين قتلوا أولادهم سَفَهاً ﴾ [الأنعام: 140].
وذكر البخاري، أنّ أسماء بنت أبي بكر، قالت: كان زيدُ بن عَمرو بن نُفَيل يُحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتُلْها أنا أكفيكَ مؤونتها، فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئتَ دفعتُها إليك وإن شئتَ كفيتك مؤونتها.
والمعروف أنَّهم كانوا يئدون البنت وقت ولادتها قبل أن تراها أُمّها، قال الله تعالى: ﴿ وإذَا بشِّر أحدهم بالأنْثى ظَلّ وجهه مُسْوَدّا وهو كظيم يتوارى من القوم من سُوء ما بشِّر به أيُمْسِكه على هُون أم يدسّه في التّراب ألاَ ساء ما يحكمون ﴾ [النحل: 58، 59].
وكان صعصعة بن معاوية من مجاشع، وهو جدّ الفرزدق، يفدي الموءودة، يفعل مثل فعل زيد بن عمرو بن نفيل.
وقد افتخر الفرزدق بذلك في شعره في قوله: ومنّا الّذي منع الوائداتْ *** وأحيا الوئيد فلم تُوءَد وقد أدرك جدّه الإسلام فأسلم.
ولا يعرف في تاريخ العرب في الجاهليّة قتل أولادهم غير هذا الوأد إلاّ ما ورد من نذر عبد المطّلب الّذي سنذكره، ولا ندري هل كان مثل ذلك يقع في الجاهليّة قبل عبد المطّلب أو أنّه هو الذي ابتكر ذلك ولم يتابَع عليه.
ولا شكّ أنّ الوأد طريقة سنّها أيمّة الشّرك لقومهم، إذ لم يكونوا يصدرون إلاّ عن رأيهم، فهي ضلالة ابتدعوها لقومهم بعلّة التخلّص من عوائق غزوهم أعداءَهم، ومن معرّة الفاقة والسباء، وربّما كان سدنة الأصنام يحرّضونهم على إنجاز أمر الموءودة إذا رأوا من بعضهم تثاقلا، كما أشار إليه «الكشاف» إذ قال: «والمعنى أنّ شركاؤهم من الشّياطين أو من سدنة الأصنام زيَّنوا لهم قتل أولادهم بالوأد أو بالنّحر».
وقال ابن عطيّة: والشّركاء على هذه القراءة هم الّذين يتناولون وأد بنات الغير فهم القاتلون.
وفي قصّة عبد المطّلب ما يشهد لذلك فإنَّه نذر إن رزقه الله عشرة أولاد ذكور، ثمّ بلغوا معه أن يمنعوه من عدوّه، لينحرنّ أحدهم عند الكعبة، فلمّا بلغ بنوه عشرة بهذا المبلغ دَعاهم إلى الوفاء بنذره فأطاعوه واستقسم بالأزلام عند (هُبل) الصّنم وكان (هبل) في جوف الكعبة، فخرج الزلم على ابنه عبد الله فأخذه ليذبحه بين (إساف) و(نائلة) فقالت له قريش: لا تذبحْه حتّى تُعذِر فيه، فإن كان له فداء فديناه، وأشاروا عليه باستفتاء عَرّافة بخيبرَ فركبوا إليها فسألوها وقصّوا عليها الخبر فقالت: قَرّبوا صاحبكم وقَرّبوا عشراً من الإبل ثمّ اضربوا عليها وعليه بالقداح فإن خرجتْ على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتّى يرضى رَبّكم، وكذلك فعلوا فخرج القِدح على عبد الله، فلم يزل عبد المطلب يزيد عشراً من الإبل ويضرب عليها بالقداح ويخرج القِدح على عبد الله حتّى بلغت الإبل مائة فضرب عليها فخرج القِدح على الإبل فنحرها.
ولعلّ سدنة الأصنام كانوا يخلطون أمر الموءودة بقصد التقرّب إلى أصنام بعض القبائل (كما كانت سنّة موروثة في الكنعانيين من نَبط الشّام يقرّبون صبيانهم إلى الصنم ملوك، فتكون إضافة القتل إلى الشّركاء مستعملة في حقيقتها ومجازها.
وقرأ الجمهور: ﴿ زَيَّنَ ﴾ بفتح الزاي ونصب: ﴿ قتل ﴾ على المفعوليّة ل ﴿ زيَّن ﴾ ، ورفععِ شركاؤهم على أنّه فاعل: ﴿ زين ﴾ ، وجرّ ﴿ أولادهم ﴾ بإضافة قَتْل إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله.
وقرأه ابن عامر: ﴿ زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائِهم ﴾ ببناء فعل ﴿ زين ﴾ للنّائب، ورفع ﴿ قتل ﴾ على أنه نائب الفاعل، ونصب ﴿ أولادهم ﴾ على أنَّه مفعول ﴿ قتل ﴾ ، وجَرّ ﴿ شركائهم ﴾ على إضافة ﴿ قتل ﴾ إليه من إضافة المصدر إلى فاعله، وكذلك رسمت كلمة ﴿ شركائهم ﴾ في المصحف العثماني الّذي ببلاد الشّام، وذلك دليل على أنّ الّذين رَسموا تلك الكلمة راعوا قراءة ﴿ شركائهم ﴾ بالكسر وهم من أهل الفصاحة والتّثبت في سند قراءات القرآن، إذا كتب كلمة ﴿ شركائهم ﴾ بصورة الياء بعد الألف، وذلك يدلّ على أنّ الهمزة مكسورة، والمعنى، على هذه القراءة: أنّ مزيِّنا زَيَّن لكثير من المشركين أن يَقْتُلَ شركاؤُهم أولادَهم، فإسناد القتل إلى الشّركاء على طريقة المجاز العقلي إمّا لأنّ الشّركاء سبب القتل إذا كان القتل قُرباناً للأصنام، وإمَّا لأنّ الّذين شرعوا لهم القتل هم القائمون بديانة الشّرك مثل عمرو بن لُحي ومن بعده، وإذا كان المراد بالقتل الوأْدَ، فالشركاء سببَ وإن كان الوأد قُرباناً للأصنام وإن لم يكن قرباناً لهم (وهو المعروف) فالشركاء سبب السبب، لأنه من شرائع الشرك.
وهذه القراءة ليس فيها ما يناكد فصاحة الكلام لأنّ الإعراب يُبيِّن معاني الكلمات ومواقعها، وإعرابها مختلف من رفع ونصب وجرّ بحيث لا لبس فيه، وكلماتها ظاهرٌ إعرابها عليها، فلا يعدّ ترتيب كلماتها على هذا الوصف من التّعقيد المخلّ بالفصاحة، مثل التّعْقيد الّذي في قول الفرزدق: وما مِثْلُه في النّاس إلاّ مُمَلَّكاً *** أبُو أمِّه حَيّ أبُوهُ يقاربهْ لأنَّه ضَمَ إلى خلل ترتيب الكلام أنَّه خَلل في أركان الجملة وما حفّ به من تعدّد الضّمائر المتشابهة وليس في الآية ممّا يخالف متعارف الاستعمال إلاّ الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، والخَطْبُ فيه سهل: لأنّ المفعول ليس أجنبياً عن المضاف والمضاف إليه، وجاء الزمخشري في ذلك بالتّهويل، والضّجيج والعويل، كيف يفصَل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول وزاد طنبور الإنكار نغمة.
فقال: والذي حَمَله على ذلك أنّه رأى في بعض المصاحف: ﴿ شركائهم ﴾ مكتوباً بالياء، وهذا جري على عادة الزمخشري في توهين القراءات المتواترة، إذا خالفت ما دُوّن عليه علم النّحو، لتوهّمه أنّ القراءات اختيارات وأقيسة من القُرّاء، وإنَّما هي روايات صحيحة متواترة وفي الإعراب دلالة على المقصود لا تناكد الفصاحة.
ومُدوّناتُ النّحو ما قصد بها إلاّ ضبط قواعد العربيّة الغالبة ليجري عليها النّاشئون في اللّغة العربيّة، وليست حاصرة لاستعمال فصحاء العرب، والقرّاءُ حجّة على النّحاة دون العكس، وقواعد النّحو لا تمنع إلاّ قياس المولَّدين على ما ورد نادراً في الكلام الفصيح، والنّدرة لا تنافي الفصاحة، وهل يظنّ بمثل ابن عامر أنّه يَقرأ القرآن متابعة لصورة حروف التهجّي في الكتابة.
ومثل هذا لا يروج على المبتدئين في علم العربيّة، وهلاّ كان رسم المصحف على ذلك الشّكل هادياً للزمخشري أن يتفطّن إلى سبب ذلك الرسم.
أمَّا ابن عطيّة فقال: «هي قراءة ضعيفة في استعمال العَرب» يريد أنّ ذلك الفصل نادر، وهذا لا يُثبت ضعف القراءة لأنّ الندور لا ينَافي الفصاحة.
وبَعَّد ابنُ عطيّة هذه القراءة بعدم مناسبتها للتّعليل بقوله: ﴿ ليردوهم ﴾ وتبعيد ابن عطيّة لها تَوَهُّمٌ: إذ لا منافاة بين أن يُزيّنوا لهم قتلَ أولادهم وبين التّعليل فإنّ التّعليل يستعمل في العاقبة مجازاً مثل قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آلُ فرعون ليكونَ لهم عدوّاً وحَزناً ﴾ [القصص: 8].
ومن العجيب قول الطّبري: والقراءَة الّتي لا أستجيز غيرها بفتح الزاي ونصب: ﴿ القتل ﴾ وخفض: ﴿ أولادهم ﴾ ورفع: ﴿ شركائهم ﴾ .
وذلك على عادته في نصب نفسه حكماً في التّرجيح بين القراءات.
واللاّم في: ﴿ ليردوهم ﴾ لام العاقبة إن كان المراد بالشّركاء الأصنام، أي زيَّنوا لهم ذلك قصداً لنفعهم، فانكشف عن أضرارٍ جهلوها.
وإن كان المراد بالشّركاء الجنّ، أي الشّياطين فاللاّم للتّعليل: لأنّ الإيقاع في الشرّ من طبيعة الوسواس لأنَّه يستحسن الشرّ وينسَاق إليه انسياق العقرب للَّسع من غير قصد إلى كون ما يدعونهم إليه مردِيا ومُلْبِساً فإنَّهم أولياؤهم لا يقصدون إضرارهم ولكنّهم لمّا دعوهم إلى أشياء هي في نفس الأمر مضارّ كان تزيينهم مُعلّلاً بالإرداء والإلباس وإن لم يفقهوه بخلاف من دعا لسبب فتبيّن خلافه، والضّمير للشّركاء والتّعليل للتّزيين.
والإرْدَاء: الإيقاع في الرّدى، والردَى: الموت، ويستعمل في الضرّ الشّديد مجازاً أو استعارة وذلك المراد هنا.
ولَبَس عليه أوقعه في اللّبس، وهو الخلط والاشتباه، وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ولا تَلبسوا الحقّ بالباطل ﴾ في سورة [البقرة: 42]، وفي قوله: ﴿ وللبَسْنا عليهم ما يلبسون ﴾ في هذه السّورة [9].
أي أن يخلطوا عليهم دينهم فيوهموهم الضّلال رشداً وأنّه مراد الله منهم، فهم يتقرّبون إلى الله وإلى الأصنام لتقرّبهم إلى الله، ولا يفرّقون بين ما يرضاه الله وما لا يرضاه، ويخيّلون إليهم أنّ وأد البنات مصلحة.
ومن أقولهم: دَفْن البناهْ من المَكْرمَاهْ (البناه.
والمكرماه.
بالهاء ساكنة في آخرهما.
وأصلها تاء جمع المؤنث فغيّرت لتخفيف المثَل) وهكذا شأن الشّبه والأدلّة الموهومة التي لا تستند إلى دليل.
فمعنى: وليلبسوا عليهم دينهم } أنَّهم يحدثون لهم ديناً مختلطاً من أصناف الباطل، كما يقال: وسِّعْ الجبّة، أي اجعلها واسعة، وقيل: المراد ليدخلوا عليهم اللّبس في الدّين الّذي كانوا عليه وهو دين إسماعيل عليه السّلام، أي الحنيفيّة، فيجعلوا فيه أشياء من الباطل تختلط مع الحقّ.
والقول في معنى: ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفسرون ﴾ كالقول في قوله آنفاً ﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ [الأنعام: 112] وضمير الرّفع في: ﴿ فعلوه ﴾ يعود إلى المشركين، أي: لو شاء الله لعصمهم من تزيين شركائهم، أو يعود إلى الشّركاء، أي: لو شاء الله لصدّهم عن إغواء أتباعهم، وضمير النّصب يعود إلى القتل أو إلى التّزيين على التوزيع، على الوجهين في ضمير الرّفع.
والمراد: ب ﴿ ما يَفترون ﴾ ما يفترونه على الله بنسبة أنّه أمرهم بما اقترفوه، وكان افتراؤهم اتِّباعاً لافتراء شركائهم، فسمّاه افتراء لأنَّهم تقلّدوه عن غير نظر ولا استدلال، فكأنَّهم شاركوا الّذين افتروه من الشّياطين، أو سدنة الأصنام، وقادة دين الشّرك، وقد كانوا يموّهون على النّاس أنّ هذا ممّا أمر الله به كما دلّ عليه قوله في الآية بعد هذه: ﴿ افتراء عليه ﴾ [الأنعام: 138] وقوله في آخر السّورة: ﴿ قل هلمّ شهداءكم الذين يشهدون أنّ الله حرّم هذا ﴾ [الأنعام: 150].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ ﴾ أمّا شُرَكاؤُهم ها هُنا فَفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الشَّياطِينُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ كانُوا يَخْدِمُونَ الأوْثانَ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الغُواةُ مِنَ النّاسِ.
وَفي الَّذِي زَيَّنُوهُ لَهم مِن قَتْلِ أوْلادِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ أحَدُهم يَحْلِفُ إنْ وُلِدَ لَهُ كَذا وكَذا غُلامًا أنْ يَنْحَرَ أحَدَهم كَما حَلَفَ عَبْدُ المُطَّلِبِ في نَحْرِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ وأدُ البَناتِ أحْياءً خِيفَةَ الفَقْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ لِيُرْدُوهُمْ ﴾ أيْ لِيُهْلِكُوهم، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى ﴾ يَعْنِي إذا هَلَكَ.
وَفي ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قَصَدُوا أنْ يَرُدُّوهم بِذَلِكَ كَما قَصَدُوا إغْواءَهم.
والثّانِي: أنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا ذَلِكَ وإنَّما آلَ إلَيْهِ فَصارَتْ.
هَذِهِ لامُ العاقِبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ لِأنَّ عاقِبَتَهُ صارَتْ كَذَلِكَ وإنْ لَمْ يَقْصِدُوها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ﴾ قال: زينوا لهم من قتل أولادهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ﴾ قال: شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خيفة العيلة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ الآية.
قال الزجاج (١) ﴿ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ ) (٢) ﴿ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ فشبه تزيين الشركاء بخطأهم في القسم) (٣) قال مجاهد (٤) ﴿ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ : شياطينهم أمروهم أن يئدوا أولادهم خشية العيلة) (٥) ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ (٦) وقال الكلبي (٧) (٨) (٩) (١٠) ولما تقدم ذكر المشركين كنى عنهم في قوله: (شركاؤهم) كقوله تعالى: ﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا ﴾ لما تقدم ذكر النفس كنى عنها، ومثله ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ ﴾ وأضيف المصدر الذي هو القتل إلى المفعولين الذين هم الأولاد كقوله: ﴿ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ﴾ ، أي: من دعائه الخير فحذف ذكر الفاعل، كذلك التقدير في الآية: قتلهم أولادهم (١١) وقرأ ابن عامر (١٢) ﴿ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ ﴾ شركائهم أولادهم، ولكنه فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به، وهو الأولاد، والمفعول به مفعول المصدر، قال أبو علي: (وهو قبيح، قليل في الاستعمال؛ لأنهم لا يفصلون بين المضاف والمضاف إليه بالظرف الذي توسعوا فيه، وفصلوا به في كثير من المواضع، نحو قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ ﴾ .
ونحو قول الشاعر: عَلَى أَنَّني بَعْدَ مَا قَدْ مَضى ...
ثلاثُون لِلْهَجرِ حَوْلًا كَمِيلًا (١٣) [فصل بين العدد والمعدود (١٤) فَلا تَلْحَني فيها فإنَّ بِحُبِّهَا ...
أَخَاكَ مُصابُ القَلْبِ جَمٌّ بَلابِلُهْ (١٥) (١٧) (١٨) كَمَا خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا ...
يَهودِي يُقَارِبُ أَوْ يُزيلُ (١٩) فأن لا يجوز في المفعول به الذي لم يتسع فيه بالفصل أجدر، ووجه ذلك على ضعفه وقلة الاستعمال أنه قد جاء في الشعر [الفصل] (¬5) على حد ما قرأه، قال الطرماح: يُطِفْنَ بِحُوزِي المَرَاتِعِ لَمْ يُرَعْ (٢٠) (٢١) وأنشد أبو الحسن (٢٢) زَجَّ القلوصِ أبي مزَادَةْ (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ لِيُرْدُوهُمْ ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: في النار) (٢٥) (٢٦) ﴿ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ﴾ .
قال ابن عباس: (يدخلوا عليهم الشك في دينهم) (٢٧) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿وَ (٢٩) (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: وما يقولون أن لله شريكًا) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 65.]].
(١) في (أ): (قال الزجل)، وهو تحريف.
(٢) ذكره السمين في "الدر" 5/ 161، عن الزجاج، ولم أقف عليه في "معاني الزجاج".
(٣) ذكره السمين في "الدر" 5/ 161، عن ابن الأنباري.
(٤) "تفسير مجاهد" 1/ 224، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 40/ 41، وابن أبي حاتم 4/ 1391 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 88 (٥) العيلة، بفتح فسكون: الفقر، وشدة الحاجة.
انظر: "اللسان" 5/ 3194 (عيل).
(٦) كتبت الآية في النسخ خطأ بلفظ (أين شركاؤكم الذين كنتم تدعون من دون الله)، واستشهد الواحدي في "الوسيط" 1/ 125، على الموضوع بقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ .
(٧) ذكره الثعلبي في "الكشف" 184 ب، والماوردي في "تفسيره" 2/ 174، والبغوي 3/ 192 - 193، وابن الجوزي 3/ 130.
(٨) انظر تفصيل ذلك في: "تاريخ الطبري" 2/ 239 - 243.
(٩) عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم: أبو قثم الهاشمي القرشي، والد رسول الله ، أصغر ولد عبد المطلب وأحبهم إليه، ويلقب بالذبيح.
انظر: "تاريخ الطبري" 2/ 239 - 246، و"الأعلام" 4/ 100.
(١٠) سبق تخريجه.
(١١) هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 410.
(١٢) قرأ ابن عامر: (وكذلك زُيِّنَ (زَيَّنَ) لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم) (زُيِّن) بضم الزاي وكسر الياء بالبناء للمفعول و (قَتْلُ) برفع اللام نائب فاعل (أَوْلَادَهُم) بنصب الدال مفعول للمصدر (شُرَكَائِهِم) بهمزة مجرورة على إضافة المصدر إليه وهو من إضافة المصدر إلى فاعله.
وقرأ الباقون: (زَيَّنَ) بفتح الزاي == والياء مبينًا للفاعل.
و (قَتْلَ) بنصب اللام على المفعولية (أَوْلَادِهِمْ) بجر الدال على الإضافة (شُرَكَاؤُهُم) بهمزة مرفوعة على الفاعلية.
انظر: "السبعة" ص 270، و"المبسوط" ص 175، و"الغاية" ص 250، و"التذكرة" 2/ 411، و"التيسير" ص 107، و"النشر" 2/ 263 - 265.
(١٣) الشاهد للعباس بن مرداس في "ديوانه" ص 136، وهو بلا نسبة في "الكتاب" 2/ 158، و"المقتضب" 3/ 55، و"مجالس ثعلب" ص 424، و"المسائل الحلبيات" ص 258، و"الإيضاح العضدي" 1/ 242، و"المسائل البصريات" 2/ 835، و"الإنصاف" ص 265، و"الدر المصون" 5/ 163، و"مغني اللبيب" 2/ 572.
وكميلاً: أي كامل.
والشاهد: الفصل بين ثلاثين وبين تمييزها، وهو حولًا.
انظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 908.
(١٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(١٥) لم أهتد إلى قائله.
وهو في "الكتاب" 2/ 133، و"الأصول" 1/ 205، و"المسائل الحلبيات" ص 258، و"كتاب الشعر" 1/ 240، 270، و"المقرب" 1/ 108، == و"الدر المصون" 5/ 163، و"مغني اللبيب" 2/ 693، وقوله: (فلا تلحني) أي: تلمني.
و (جَمّ)، بفتح الجيم وتشديد الميم: كثير.
و (بلابله): جمع بلبلة بالفتح، وهي شدة الهم، والوسوسة.
والشاهد: رفع مصاب على أنه خبر أن مع إلغاء الجار والمجرور؛ لأنه من صلة الخبر وتمامه.
انظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 969.
(١٦) جاء في النسخ: إذا نصبت عمرًا بضارب، والتصحيح من "الحجة" لأبي علي 3/ 412.
(١٧) الشاهد لأبي حية النميري في "الكتاب" 1/ 178 - 179، و"الإنصاف" ص 349، وبلا نسبة في "المقتضب" 4/ 377، و"الأصول" 2/ 227، 3/ 467، و"الخصائص" 2/ 405، و"غرائب التفسير" للكرماني 1/ 388، و"أمالي" ابن الشجري 2/ 577، و"تفسير ابن عطية" 5/ 360، والقرطبي 7/ 93، و"البحر المحيط" 4/ 229، و"الدر المصون" 5/ 163.
والشاهد: (بكف يومًا يهودي) حيث فصل بالظرف بين المضاف والمضاف إليه.
(١٨) لفظ: (الفصل) ساقط من (أ).
(١٩) جاء في (ش): حاشية على البيت.
قال: (أي: بفحل منتحى المراتع قد حاز بمرتعه ناحية).
(٢٠) الشاهد للطرماح في "ديوانه" ص 486، و"تهذيب اللغة" 1/ 700 (حاز)، و"تفسير ابن عطية" 5/ 361، و"اللسان" 2/ 1046 (حوز)، و"البحر المحيط" 4/ 229، 230، و"الدر المصون" 5/ 364، وبلا نسبة في: "الحجة" لأبي علي 3/ 123، و"الخصائص" 2/ 406، و"الإنصاف" ص 347.
والشاعر يصف بقر الوحش، وقوله: (بحوزي)، الحوزي: المتوحد: وهو الفحل منها، وهو من حزت الشيء إذا جمعته أو نحيته والمراتع: موضع الرتع.
ولم يرع، أي: لم يخف.
والقرع: الضرب.
والقسي: جمع قوس.
والكنائن: جمع كنانة: جراب يوضع فيه السهام.
انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 700 (حاز)، و"حاشية الإنصاف".
والشاهد: الفصل بين المصدر المضاف (قرع)، وفاعله المضاف إليه.
(الكنائن) بالمفعول به للمصدر وهو (القسي).
(٢١) أبو الحسن الأخفش الأوسط: إمام لغوي، تقدمت ترجمته.
(٢٢) الشاهد لم أهتد إلى قائله.
وصدره: فَزَجَجْتُها بِمزَجَّةٍ ......
وفي رواية: (فزججتها متمكنًا) وهو في: "الكتاب" 1/ 176، و"معاني الفراء" 1/ 358، و"تفسير الطبري" 8/ 44، و"الخصائص" 2/ 406، و"المدخل" للحدادي ص 321، و"الكشاف" 2/ 54، و"تفسير ابن عطية" 5/ 361، و"الإنصاف" ص 347، و"البيان" 1/ 342، و"تفسير الرازي" 13/ 206 و"الفريد" 2/ 233، و"المقرب" 1/ 54، و"القرطبي" 7/ 92، و"البحر المحيط" 4/ 229، و"الدر المصون" 5/ 166 - 170، وقوله: (فزججتها) الضمير للراحلة.
والزج: الدفع بالرمح.
والقلوص: الناقة الفتية.
وأبو مزادة؛ كنية رجل.= والشاهد: الفصل بين المضاف زج والمفاف إليه: أبي مزادة بالمفعول، وهو القلوص.
انظر: "حاشية تفسير الطبري" 12/ 138 ط.
شاكر.
(٢٣) "الحجة" لأبي علي 3/ 409 - 414، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 582، و"معاني القراءات" 1/ 388، و"إعراب القراءات" 1/ 171، و"الحجة" لابن خالويه ص 150، ولابن زنجلة ص 273، و"الكشف" 1/ 453، و"المشكل" 1/ 269.
وقد ذكر قول أبي علي الفارسي وغيره، السمين في "الدر" 5/ 166، وقال: (وهذه الأقوال التي ذكرتها جميعًا لا ينبغي أن يتلفت إليها؛ لأنها طعن في المتواتر، وإن كانت صادرة عن أئمة أكابر، وأيضًا فقد انتصر لها من يقابلهم، وأورد من "لسان العرب" نظمه ونثره ما يشهد لصحة هذه القراءة لغة).
اهـ.
ثم ذكر عدة أقوال وشواهد عن كبار الأئمة في جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه إذا كان الفاصل معمولًا للمضاف المصدر.
وهذا هو الحق؛ لأنها قراءة متواترة، والقراءة سنة متبعة تؤخذ بالنقل والسماع لا بالاجتهاد، فينبغي تصحيح قواعد العربية بالقراءة ولا يلتفت إلى الاعتراض عليها.
(٢٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 126، والرازي 13/ 206، والخازن 2/ 188.
(٢٥) الرَّدَى، بالفتح: الهلاك.
انظر: "الجمهرة" 2/ 1057، و"تهذيب اللغة" 2/ 1387، و"الصحاح" 6/ 2355، "المجمل" 2/ 428، و"المفردات" ص 351، و"اللسان" 3/ 1631 (ردى).
(٢٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 126، والبغوي في "تفسيره" 3/ 193، وابن الجوزي 3/ 131، والخازن 2/ 188.
(٢٧) "تنوير المقباس" 2/ 64، وظاهر سياق الواحدي في "الوسيط" والبغوي وابن الجوزي والخازن في تفاسيرهم أنه من قول ابن عباس.
وانظر: "الحجة" لأبي علي 3/ 280.
(٢٨) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).
(٢٩) انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 516، والرازي 13/ 206، والقرطبي 7/ 94.
(٣٠) انظر: "تنوير المقباس" 2/ 65.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المشركين قَتْلَ أولادهم ﴾ كانوا يقتلون أولادهم بالوأد ويذبحونهم، قرباناً إلى الأصنام.
وشركاؤهم هنا هم: الشياطين، أو القائمون على الأصنام.
وقرأ الجمهور بفتح الزاي من زين على البناء للفاعل، ونصب قتل على أنه مفعول وخفض أولادهم بالإضافة ورفع شركاؤهم على أنه فاعل بزين، والشركاء على هذه القراءة هم الذين زينوا القتل، وقرأ ابن عباس بضم الزاي على البناء للمفعول، ورفع قتل على أنه مفعول لم يسم فاعل، ونصب أولادهم على أنه مفعول بقتل، وخفض شركائهم على الإضافة إلى قتل إضافة المصدر إلى فاعله، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله: أولادهم، وذلك ضعيف في العربية وقد سمع في الشعر، والشركاء على هذه القراءة هم القاتلون للأولاد ﴿ لِيُرْدُوهُمْ ﴾ أي ليهلكوهم وهو من الردى بمعنى الهلاك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عما تعملون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ﴿ مكاناتكم ﴾ بالجمع حيث كان: أبو بكر وحماد.
الباقون ﴿ مكانتكم ﴾ على التوحيد.
﴿ من يكون ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بتاء التأنيث.
﴿ بزعمهم ﴾ بضم الزاي علي وكذلك ما بعده الباقون: بالفتح ﴿ زين ﴾ على البناء للمفعول ﴿ قتل ﴾ بالرفع ﴿ أولادهم ﴾ بالنصب ﴿ شركائهم ﴾ بالجر ابن عامر.
الآخرون ﴿ زين ﴾ على البناء للفاعل ﴿ قتل ﴾ بالنصب ﴿ أولادهم ﴾ بالجر ﴿ شركاؤهم ﴾ بالرفع ﴿ وإن تكن ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد ﴿ ميتة ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر ويزيد، وقرأ ﴿ ميتة ﴾ بالتشديد ابن كثير وابن عامر: الباقون: بالتخفيف.
الوقوف: ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ مما عملوا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ذو الرحمة ﴾ ط ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ لآت ﴾ لا لأن الواو بعده للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التقرير مع فاء التعقيب ﴿ تعملون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول سواء كان من استفهامية أو موصولة ﴿ عاقبة الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ لشركائنا ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ إلى الله ﴾ ج للفصل بين المتضادين معنى مع الاتفاق حكماً ﴿ شركائهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ دينهم ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ افتراء عليه ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ أزواجنا ﴾ ج للشرط مع العطف.
﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ وصفهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه.
التفسير: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره ﴿ أن لم يكن ﴾ وهو للتعليل والمعنى الأمر ما قصصنا عليك، أو ذلك الذي ذكر لانتفاء كون ربك مهلك القرى و"أن" هي الناصبة للأفعال أو مخففة من الثقيلة، وعلى هذا يكون ضمير الشأن محذوفاً أي أن الحديث كذا، ويجوز أن يكون، ﴿ أن لم يكن ﴾ بدلاً من ﴿ ذلك ﴾ كقوله: ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ﴾ ومعنى قوله: ﴿ بظلم ﴾ أي بسبب ظلم أقدموا عليه وهذا أليق بأصول الأشاعرة.
أو المراد ظالماً لكم فيكون من فعل الله وهذا أنسب بأصول المعتزلة.
ومعناه أنه لو أهلكهم قبل بعثة الرسل ولم ينبهوا برسول ولا كتاب كان ظالماً.
وعلى هذا التفسير يمكن للأشاعرة أن يقولوا إنه لو فعل ذلك لم يكن ظلماً ولكنه يكون في صورة الظلم فأطلق الظلم على نفسه مجازاً وإلا فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله.
وأما قوله: ﴿ وأهلها غافلون ﴾ فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به وإنما معناه أنه لا يبين لهم كيفية الحال وأن لا يزيل عذرهم وعلتهم.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب ألبتة لأنها تدل على أنه تعالى ما يعذب أحداً على أمر من الأمور قبل بعثة الرسل لكن بعدها.
والمعتزلة قالوا: إنها تدل من وجه آخر على تقرير الوجوب قبل الشرع لأن قوله: ﴿ بظلم ﴾ إن كان عائداً إلى العبد دل على أنه يمكن أن يصدر منه الظلم والقبيح قبل البعثة، وإن كان عائداً إلى الله فقد تم الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه.
ثم لما شرح أحوال أهل الثواب والعقاب ذكر كلاماً كلياً فقال: ﴿ ولكل درجات ﴾ أي ولكل عامل في عمله درجات، وعلى حسب تلك الدرجات يكون الجزاء إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
ومعنى ﴿ مما عملوا ﴾ أي من جزاء أعمالهم.
وقيل: إن أول الآية مختصة بأهل الطاعات لأن لفظ الدرجة يليق بهم ولأهل المعصية تكون الدركات وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما ربك بغافل عما يعملون ﴾ قالت الأشاعرة: في الآية دليل على مسألة الجبر والقدر فإنه حكم لكل واحد بدرجة معينة في وقت معين وبحسب فعل معين، وأثبت تلك الدرجة في اللوح المحفوظ وأشهد عليها الملائكة وخلاف علمه وإثباته وإِشهاده محال.
ثم بين أنه ليس يحتاج إلى طاعة المطيعين ولا يدخل عليه نقص بمعصية العاصين فقال: ﴿ وربك الغني ذو الرحمة ﴾ أما أنه غني في ذاته وصفاته وأفعاله وفي أحكامه عن كل ما سواه فلوجوب وجوده، وأن ما سواه ممكن لذاته مفتقر في الوجود وفي الأمور التابعة للوجود إليه فلا غنيّ إلا هو، وأما أنه ذو الرحمة فلأن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات من الروحانيات ومن الجسمانيات فهو من الحق وبإيجاده وتخليقه، والاستقراء دل على أن الخير غالب كالصحة والشبع والسمع والبصر وما ذلك إلا لرحمته الكاملة ورأفته الشاملة.
والذي يتصوّر من رحمة الوالدين وغيرهما فإنما ذلك بإيجاد داعية ذلك فيهم ومع ذلك فتمكن الشخص من الانتفاع بها ليس إلا منه .
ومن هذا يعلم تنزهه عن الظلم والسفه والكذب والعبث.
ومن رحمته تكليف الخلائق ليعرضهم للمنافع الباقيات الدائمات.
ثم لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة كان لظانّ أن يظن أن للرحمة معدناً مخصوصاً وموضعاً معيناً فبين بقوله : ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق وقادر على أن يخلق قوماً آخرين ويضع رحمته فيهم، وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم.
ومعنى الإذهاب الإهلاك وأن لا يبلغهم مبلغ التكليف ﴿ ويستخلف من بعدكم ﴾ أي: من بعد ذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون، إلا على طريق البدل من فائت، وقوله: ﴿ ما يشاء ﴾ أي خلق ثالث ورابع.
ثم اختلفوا فقال بعضهم: خلقاً آخرين من أمثال الجن والإنس لكن أطوع، وقال أبو مسلم: يعني خلقاً ثالثاً مخالفاً للثقلين ليكون أقوى في دلالة القدرة.
ثم بيّن سبب قدرته على ذلك فقال ﴿ كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ﴾ لأن من قدر على تصوير النطفة المتشابهة الأجزاء بهذه الصور المخصومة قدر على تصويرها بصور أخرى مخالفة لها.
وقال في الكشاف: المعنى كما أنشأكم من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح ، ثم ذكر حال المعاد فقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ قال الحسن: أي من مجيء الساعة لأنهم كانوا ينكرون القيامة، ويحتمل أن يقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ إشارة إلى لطفه أي ما يتعلق بالوعد والثواب فهو آت لا محالة.
وقوله: ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ أي خارجين عن قدرتنا وحكمنا إشارة إلى قهره، يقال: أعجزه الشيء أي فاته.
فالجزم في جانب الوعد والتعريض في جانب الوعيد دليل على أن جانب الرحمة والإحسان أغلب.
ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله بتهديد منكري البعث فقال: ﴿ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ﴾ قال الواحدي: قراءة الإفراد أوجه لأن المصدر لا يجمع في أغلب الأحوال، وقال في الكشاف: المكانة تكون مصدراً.
يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكين.
وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة، فمعنى الآية اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها.
يقال للرجل: على مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه ﴿ إني عامل ﴾ على مكانتي التي أنا عليها.
والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، والغرض تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ ﴿ فسوف تعلمون ﴾ أينا تكون له العاقبة المحمودة، والفاء لتعقيب الجزاء ألا يعادي أي قل اعملوا فستجزون وهكذا في سورة الزمر بخلاف سورة هود حيث لم يقل هناك "قل" فصار استئنافاً ومحل "من" نصب إن كان بمعنى "الذي" أو رفع والجملة مفعول تعلمون إن كان بمعنى أيّ و ﴿ عاقبة الدار ﴾ العاقبة الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها وهي مصدر كالعافية.
وهذا طريق من الإنذار لطيف المسلك فيه إنصاف وأدب ووثوق بأن المنذر محق ولهذا قيل له فإن الكافر تكون العاقبة عليه لا له.
ثم حكى أنواعاً من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهاً على ضعف عقولهم وقلة محصولهم وتنفيراً للعقلاء عن الالتفات إلى أقوال أمثالكم فقال: ﴿ وجعلوا لله ﴾ قال الزجاج: وجعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً بدليل قوله: ﴿ فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ﴾ وجعل الأوثان شركاء لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونها عليها.
ثم قال: ﴿ فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ﴾ وفي تفسيره وجوه: قال ابن عباس: كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم نصيباً وللأوثان نصيباً، فما كان للصنم أنفقوه عليه وما كان لله أطعموه الضيفان والمساكين ولا يأكلون منه ألبتة.
ثم إن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا إن الله غنيّ عن هذا، وإن سقط شيء مما جعلوا للأوثان في نصيب الله أخذوه وردّوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير.
وإنما ذلك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها.
وعن الحسن والسدي: كان إذا هلك لأوثانهم شيء أخذوا بدله مما لله ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله تعالى.
وقال مجاهد: إنه إذا انفجر من سقى ما جعلوه للشيطان في نصيب الله عز وجل سدوه وإن كان على ضد ذلك تركوه، وقال قتادة: إذا أصابهم شدة استعانوا بالله وإذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى شركائهم.
وقال مقاتل: إن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة.
وقالوا: لو شاء زكى نصيب نفسه.
وأما إن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة قالوا لا بدّ لآلهتنا من نفقة وأخذوا نصيب الإله فأعطوه السدنة.
فمعنى ﴿ فلا يصل إلى الله ﴾ أنه لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين، ومعنى الوصول إلى شركائهم أنهم ينفقونه عليها بذبح نسائك عندها والأجراء على سدنتها ونحو ذلك.
وقوله: ﴿ مما ذرأ ﴾ فيه أن الله كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه أي خلقه.
ثم إنه ذم فعلهم فقال: ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ وذكر العلماء فيه وجوهاً: الأول أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانبه وهو سفه.
الثاني جعلوا بعض الحرث لله وبعضه لغيره مع أنه هو الخالق للجميع.
الثالث أن ذلك حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع وأشار إليه بقوله ﴿ بزعمهم ﴾ الرابع لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز نصيب لكل حجر ومدر.
الخامس لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ولا قدرة لها على الانتفاع بذلك النصيب، فإفراز النصيب لها عبث.
النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة قوله: ﴿ وكذلك زين ﴾ كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياءً خوفاً من الفقر أو من التزويج، وكان الرجل يحلف بالله إن ولد له كذا غلاماً لينحرن أحدهم كما فعل عبد المطلب على ابنه عبد الله، والشركاء على الوجه الأول الشياطين الذين أطاعوهم في معصية الله تعالى، وعلى الثاني هم السدنة والخدام، والأول قول مجاهد، والثاني للكلبي.
وتقدير الكلام ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله والآلهة، أو مثل ذلك التزيين البليغ الذي علم من الشياطين زين لهم شركاؤهم من الشياطين أو من سدنة الأصنام ﴿ قتل أولادهم ﴾ بالوأد أو بالنحر.
ثم إن وجه القراءة الأكثري ظاهر وليس فيها إلا تقديم المفعول وذلك لشدة الاعتناء به، وأما قراءة أبن عامر فخطأها الزمخشري من جهة الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف فإن ذلك قد جوز بالظرف كقوله: لله در اليوم من لامها *** وضعف بغير الظرف كقوله: فزججتها بمزجة *** زج القلوص أبي مزادة وحملوه على ضرورة الشعر مع الاستكراه، والحق عندي في هذا المقام أن القرآن حجة على غيره وليس غيره حجة عليه، والقراآت السبع كلها متواترة فكيف يمكن تخطئة بعضها؟
فإذا ورد في القرآن المعجز مثل هذا التركيب لزم القول بصحته وفصاحته وأن لا يلتفت إلى أنه هل ورد له نظير في أشعار العرب وتراكيبهم أم لا، وإن ورد فكثير أم لا؟
ومع ذلك فقد وجهه بعض الفضلاء بأن المضاف إليه من الأول محذوف على نحو قوله: بين ذراعي وجبهة الأسد *** والمضاف مضمر مع الثاني كقراءة من قرأ ﴿ والله يريد الآخرة ﴾ بالجر على تقدير غرض الآخرة، فتقدير الآية: قتل شركائهم أولادهم قتل شركائهم.
ومعنى ﴿ ليردوهم ﴾ ليهلكوهم بالإغواء.
قال ابن عباس: ليردوهم في النار.
واللام محمول على العاقبة إن كان التزيين من السدنة، وعلى حقيقة التعليل إن كان من الشيطان ﴿ وليلبسوا عليهم دينهم ﴾ ليخلطوه عليهم ويشبهوه ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق.
وقيل: دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه، وقيل: وليوقعوهم في دين ملتبس ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ لما فعل المشركون ما زين لهم، أو لما فعل الشياطين والسدنة التزيين أو الإرداء أو اللبس أو جميع ما ذكر إن جعل الضمير جارياً مجرى اسم الإشارة.
والمعتزلة حملوا هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر.
ثم قال: ﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ على قانون قوله: ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ وفيه مع التهديد التسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر والشرك.
قيل: إنما قال في هذه الآية ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ ليكون مناسباً لقوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ وقال فيما قبل: ﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ لأنه وقع عقيب آيات فيها ذكر الرب كقوله: ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم ﴾ الآيات.
النوع الثالث من أحكامهم الباطلة أنهم قسموا أنعامهم أقساماً فأوّلها أن قولوا ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ وحجر "فعل" بمعنى "مفعول" كالذبح والطحن ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وأصل الحجر المنع وسمي العقل الحجر لمنعه من القبائح، وفلان في حجر القاضي أي في منعه.
كانوا إذا عينوا شيئاً من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: ﴿ لا يطعمها إلا من نشاء ﴾ يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء ﴿ و ﴾ ثانيها أن قالوا: ﴿ هذه أنعام حرمت ظهورها ﴾ وهي البحائر والسوائب والحوامي وقد سبق في المائدة.
﴿ و ﴾ ثالثها: ﴿ أنعام لا يذكرون اسم الله عليها ﴾ في الذبح وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام.
وقيل: هي أنعام لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها وإنما فعلوا ذلك كله من غير حكم من الله وشرع منه بل ﴿ افتراء عليه ﴾ وانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء.
ثم قال: ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ والمقصود منه الوعيد، ﴿ و ﴾ النوع الرابع من قضاياهم الفاسدة أن ﴿ قالوا ما في بطون هذه الأنعام ﴾ يعنون أجنة البحائر والسوائب ﴿ خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ﴾ هذا إن ولد حياً ﴿ وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ﴾ أي اشترك فيه الذكور والإناث، من قرأ بنصب ميتة فتقديره وإن يكن ما في بطونها ميتة، ومن قرأ بالرفع فعلى أن "كان تامة"، أو لأن التقدير: وإن يكن لهم أو هناك ميتة.
وإنما جاز تذكير الفعل وتأنيثه لأن تأنيث الميتة غير حقيقي، أو لأن الميتة لكل ميت ذكر أو أنثى فكأنه قيل: ميت ولهذا جاز عود الضمير إليه مذكراً في قوله: ﴿ فهم فيه شركاء ﴾ وتذكير الضمير في قوله: ﴿ فهم ﴾ للتغليب ﴿ سيجزيهم وصفهم ﴾ أي جزاء وصفهم على الله الكذب في التحليل والتحريم ﴿ إنه حكيم عليم ﴾ ليكون الزجر واقعاً على حد الحكمة وبحسب الاستحقاق.
فإن قيل: كيف أنث ﴿ خالصة ﴾ وذكر ﴿ محرماً ﴾ ؟
قلنا: الأول حمل على المعنى لأن ما في بطون الأنعام في معنى الأجنة، والثاني حمل على اللفظ، وفي الأول وجهان آخران: أن تكون التاء للمبالغة مثل رواية الشعر وأن يكون مصدراً كالعاقبة أي ذو خالصة.
ثم إنه جمع قبائح أحكامهم وأفعالهم وحكم عليهم بالخسران والسفاهة وعدم العلم والضلال وعدم الاهتداء فقال ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم ﴾ الآية.
وذلك أن الولد نعمة عظيمة من الله تبقي ذكره ونسله فالسعي في إبطال مثل هذه النعمة لضرر مظنون هو الفقر أو نحوه، أو لفائدة موهومة هي القربة إلى الأصنام دليل خفة العقل وعدم العلم وأنه موجب لخسران الدارين.
وكذا تحريم ما أحل الله من الطيبات بالهوى والتقليد بل لمحض الافتراء على الله وإن ذلك من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، ولهذا سجل عليهم آخراً بالضلال ثم بعدم الاهتداء ليحصل كلا الأمرين لهم بالمطابقة كما حصل بالتضمن والله أعلم.
التأويل: ﴿ مهلك القرى ﴾ أي قرى أشخاص الإنسان ﴿ بظلم ﴾ وهو صرف الاستعداد الفطري في استيفاء اللذات الفانية ﴿ وأهلها غافلون ﴾ لم يبلغوا مبلغ التكليف بعد.
﴿ وربك الغني ﴾ عن كل مخلوق عامة وعن الإنسان خاصة ﴿ ذو الرحمة ﴾ خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح عليهم.
﴿ واعملوا على مكانتكم ﴾ أي على ما جبلتم عليه ﴿ إني عامل ﴾ على ما جبلت عليه ﴿ قتل أولادهم شركاؤهم ﴾ من الشياطين والنفس والهوى والدنيا ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ لأنهم ذهبوا مذهب الطبع لا مذهب الشرع، والعمل بالطبع وإن كان فيه نوع مجاهدة النفس لا يكون له نور إذا لم يكن لامتثال الشرع ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم ﴾ لأن ذلك نتيجة انتزاع الرحمة عن قلوبهم وحرموا ما رزقهم الله صورة وهو ظاهر، ومعنى وهو استعداد حصول مراتب أهل القرب ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ لأن خشية الفقر حملتهم على قتل الأولاد.
وقال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ...
﴾ الآية، يخبر - عز وجل - عن سفههم من وجوه: أحدها: أنهم كانوا يجعلون لله نصيباً مما كان لله في الحقيقة مع علمهم أن الله هو الذي أنشأ لهم تلك الأشياء وهو ذرأها، ثم يجعلون لله في ذلك نصيباً [وللأصنام نصيباً] يسفههم لأنهم إذا علموا أن الله هو الذي ذرأ لهم تلك الأشياء وأنشأها لهم، فإليه الاختيار في جعل ذلك لا إليهم [إذ علموا] أنهم إنما يملكون هم بجعل الله لهم، وهو المالك عليها حقيقة.
والثاني: ما يبين سفههم - أيضاً - أنهم يجعلون لله في ذلك نصيباً وللأصنام نصيباً من الثمار والحروث وغيرها، ثم إذا وقع [شيء] مما جعلوا لله وخالط ما جزّءوا وجعلوه لشركائهم تركوه، وإذا خالط شيء مما جعلوا لشركائهم، ووقع فيما جعلوه لله أخذوه وردوه على شركائهم وانتفعوا به، وتركوا الآخر للأصنام إيثاراً للأصنام عليه، وإعظاما لها.
أو إذا زكا نصيب الأصنام ونما، ولم يزك نصيب الله، ولم ينمُ تركوا ذلك للأصنام، ويقولون: لو شاء الله لأزكى نصيبه، وإذا زكا الذي كانوا يجعلون لله، ولا يزكو نصيب الأصنام أخذوا نصيب الله فقسموه بين المساكين وبين الأصنام نصفين.
يسفههم - عز وجل - بصنيعهم الذي يصنعون ويبين عن جوهرهم بإيثارهم الأصنام، وإعظامهم إياها، والتفضيل في القسمة والتجزئة، مع علمهم أن الله هو الذي ذرأ ذلك وأنشأه لهم، وأن الأصنام التي أشركوها في أموالهم وعبادتهم لله لا يملكون من ذلك شيئاً.
وذلك منهم سفه وجور؛ حيث أشركوا في أموالهم وعبادتهم مع الله أحداً لا يستحق بذلك شيئاً، وهو كما جعلوا لله البنات، وهم كانوا يأنفون عن البنات، كقوله: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ...
﴾ الآية [النحل: 58]: وقال: ﴿ أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ ﴾ وقال: ﴿ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ ﴾ تأنفون أنتم عن البنات وتضيفونهن إليه؟!
فهو إذاً جور وظلم؛ فعلى ذلك تفضيل الأصنام في القسمة وإيثارهم إياها على الله، وإشراكهم مع الله، مع علمهم أنه كان جميع ذلك بالله، وهو أنشأه لهم - جور وسفه.
ثم أخبر أنهم: ﴿ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ .
أي بئس الحكم حكمهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ، أي: كما زين لهم جعل النصيب للأصنام [و] التجزئة لها، وصرف ما خلق الله لهم عنه إلى الأصنام كذلك زين لهم قتل أولادهم.
أو كما زين لهم تحريم ما أحل الله لهم من السائبة والوصيلة والحامي كذلك زين لهم شركاؤهم قتل أولادهم.
وأصله: أن الشفقة التي جعل الله في الخلق لأولادهم [و] الرحمة التي جبلت طبائعهم عليها تمنعهم عن قتلهم، وخاصة أولادهم الضعفاء والصغار، وكذلك الشهوة التي خلق فيهم تمنعهم عن تحريم ما أحل الله لهم، لكن [زين لهم ذلك] شركاؤهم، وحسنوا عليهم تحريم ما أحل لهم وقتل أولادهم، فما حسن عليهم الشركاء وزين لهم من تحريم ما أحل لهم وقتل أولادهم غلب على الشفقة التي جبلت فيهم، والشهوة التي خلق ومكن فيهم.
ثم اختلف في شركائهم: قال بعضهم شركاؤهم: شياطينهم التي تدعوهم إلى ذلك.
وقيل: شركاؤهم: كبراؤهم ورؤساؤهم الذي يستتبعونهم.
[ثم] يحتمل: قتل الكبراء أولادهم؛ تكبرا منهم وتجبرا؛ لأنهم كانوا يأنفون عن أولادهم الإناث، وقتل الأتباع؛ مخافة العيلة والفقر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُرْدُوهُمْ ﴾ .
قيل: ليهلكوهم، إنهم كانوا يقصدون في التحسين والتزيين الإرداء والإهلاك، وإن كانوا يرونهم في [ذلك] الشفقة، وكذلك كانوا يقصدون بالتزيين تلبيس الدين عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ﴾ .
يحتمل: وجوهاً: قال بعضهم: لو شاء الله لأهلكهم فلم يفعلوا ذلك.
وقيل: لأعجزهم ومنعهم عن ذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ ﴾ .
وقيل: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ﴾ ، أي: لأراهم قبح فعلهم؛ حتى لم يفعلوا.
وأصله: أنه إذا علم منهم أنهم يفعلون ما فعلوا ويختارون ما اختاروا من التزيين ولبس الدين عليهم شاء ما فعلوا واختاروا، [وقد] ذكرنا ذلك في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ .
أي: ذرهم ولا تكافئهم بافترائهم على الله.
ويحتمل: ذرهم وما يفترون؛ فإن الله يكافئهم ولا يفوتون.
ويحتمل: ذرهم وما يفترون؛ فإن ضرر ذلك الافتراء عليهم، ليس علينا ولا عليك، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ .
قيل: هذه الآية صلة قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ هذا الذي جعلوا للشركاء هو الحجر الذي ذكر في هذه الآية؛ لأنهم كانوا [لا] ينتفعون بذلك ويحرمونه، وهو حجر.
وأصل الحجر: المنع، وعن ابن عباس - - قال: الحجر: ما حرموا [أنفسهم] من أشياء: من الوصيلة، والسائبة، والحامي، وتحريمهم ما حرموا من أشياء: كانوا يحلون أشياء حرمها الله، ويحرمون أشياء أحلها الله في الجاهلية من الحرث والأنعام.
وفي حرف [أُبي] وابن عباس - ما -: (حرج)، على تأخير الجيم وتقديم الراء.
وعن الحسن: (حُجر)، برفع الحاء.
وأصل الحجر: المنع، ممنوع: محجور، يقال: حجرت عليه، أي: منعته، والحجر أيضاً: موضع بمكة، والاحتجار: الاستئثار، وهو أن يأخذ الشيء ولا يعطي منه أحداً شيئاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ ﴾ ، يعني: لا يطعمها إلا من يشاء الله [بزعمهم]؛ لأنهم كانوا يحرمون أشياء ويأتون [أشياء] فواحش، فيقولون: إن الله أمرهم بذلك؛ كقوله في الأعراف: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
وقال بعضهم: قوله ﴿ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ يعني: الذين سنوا لهم، أي: لا يطعمها إلا من يشاء أولئك الذين سنوا ذلك، وحرموا ذلك على نسائهم؛ على ما روي عن النبي أنه قال: "إن شئت قد ذكرت لكم أول من بدل دين إسماعيل، وبحر البحيرة والسائبة" فعلى ذلك أضافوا المشيئة إلى أولئك الذين سنوا لهم ذلك، وحرموا على إناثهم وأحلوا لذكورهم.
وقال بعضهم قوله: ﴿ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ ﴾ هؤلاء الرجال، كانت مضافة إلى الرجال دون النساء، وفي ذلك تسفيه أحلامهم؛ لأنهم [كانوا] ينكرون الرسالة لما كان يحرمون من الطيبات، ثم يتبعون الذي حرم عليهم الطيبات التي أحلها الله لهم [لأنهم ينكرون الرسالة لما كان] من البحيرة، والسائبة، ونحوهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ﴾ هو ما ذكر من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، وهو الحجر الذي ذكر في هذه الآية، يجعلون تلك الأشياء لشركائهم، لا ينتفعون بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: لا ينتفعون بها؛ ليعرفوا أنعم الله؛ ليشكروا الله عليها.
وقيل: ﴿ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: لا يذبحون للأكل، ولا يذكرون اسم الله عليها.
ويحتمل: لا يذكرون اسم الله عليها وقت الركوب؛ كما يذكر اسم الله عليها وقت الركوب، وهو قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا ﴾ \[الآية\] [الزخرف: 13]؛ لأنهم كانوا لا يركبونها؛ ولكن يسيبونها.
وقيل: لا يحجون عليها.
والأول كأنه أقرب: كانوا لا ينتفعون بها؛ ليعرفوا نعم الله، ويشكروه عليها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ .
بأن الله أمرهم بذلك، وهو حرم عليهم، وهو أحل؛ فذلك هو الافتراء على الله، أو بما أشركوا شركاءهم في عبادة الله وفي نعمه.
﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا ﴾ .
قيل: هو صلة قوله: ﴿ وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ ، يحرمون على النساء، ويحلون للرجال، يعني إذا ولدوا حيّاً [كان ينتفع] بذلك رجالهم دون نسائهم، وإذا ولدوا ميتاً اشتركوا فيه الإناث والذكور [و] يذكر في هذا كله سفه أولئك في صنيعهم، ويذكر في قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ ﴾ إلى آخر [منته و] نعمه التي أنعم عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ﴾ .
أي: افتراءهم على الله، وتحريمهم ما أحل الله لهم، وتحليلهم ما حرم عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلَٰدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .
أخبر أنهم قد خسروا بقتلهم الأولاد، وتحريمهم ما أحل لهم ورزقهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .
وبالله الهداية والرشاد.
<div class="verse-tafsir"
وكما حسَّن الشيطان للمشركين هذا الحكم الجائر حسَّن لكثير من المشركين شركاؤهم من الشياطين أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر؛ ليهلكوهم بالوقوع في قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بحق، وليخلطوا عليهم دينهم فلا يعرفون ما هو مشروع وما هو غير مشروع، ولو شاء الله ألا يفعلوا ذلك ما فعلوه، ولكنه شاء ذلك لحكمة بالغة، فاترك -أيها الرسول- هؤلاء المشركين وافتراءهم الكذب على الله، فإن ذلك لا يضرك، وسلِّم أمرهم لله.
من فوائد الآيات تفاوت مراتب الخلق في أعمال المعاصي والطاعات يوجب تفاوت مراتبهم في درجات العقاب والثواب.
ذَمَّ الله المشركين بسبع صفات هي: الخسران والسفاهة وعدم العلم وتحريم ما رزقهم الله والافتراء على الله والضلال وعدم الاهتداء؛ فهذه أمور سبعة، وكل واحد منها سبب تام في حصول الذم.
اتباع الشيطان موجب لانحراف الفطرة حتى تصل لاستحسان القبيح مثل قتل الأولاد ومساواة أصنامهم بالله سبحانه وتعالى.
<div class="verse-tafsir" id="91.N8ylk"