الآية ١٣٨ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٣٨ من سورة الأنعام

وَقَالُوا۟ هَـٰذِهِۦٓ أَنْعَـٰمٌۭ وَحَرْثٌ حِجْرٌۭ لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَـٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَـٰمٌۭ لَّا يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ١٣٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣٨ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣٨ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " الحجر " : الحرام ، مما حرموا الوصيلة ، وتحريم ما حرموا .

وكذلك قال مجاهد ، والضحاك ، والسدي ، وقتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .

وقال قتادة : ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ) الآية : تحريم كان عليهم من الشياطين في أموالهم ، وتغليظ وتشديد ، وكان ذلك من الشياطين ، ولم يكن من الله تعالى .

وقال ابن زيد بن أسلم : ( حجر ) إنما احتجزوها لآلهتهم .

وقال السدي : ( لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ) يقولون : حرام أن نطعم إلا من شئنا .

وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى : ( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ) [ يونس : 59 ] ، وكقوله تعالى : ( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ) [ المائدة : 103 ] .

وقال السدي : أما ( وأنعام حرمت ظهورها ) فهي البحيرة والسائبة والحام ، وأما الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها قال : إذا أولدوها ، ولا إن نحروها .

وقال أبو بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النجود قال لي أبو وائل : تدري ما في قوله : ( وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ) ؟

قلت : لا .

قال : هي البحيرة ، كانوا لا يحجون عليها .

وقال مجاهد : كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من شأنها ، لا إن ركبوا ، ولا إن حلبوا ، ولا إن حملوا ، ولا إن سحبوا ولا إن عملوا شيئا .

( افتراء عليه ) أي : على الله ، وكذبا منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه; فإنه لم يأذن لهم في ذلك ولا رضيه منهم ( سيجزيهم بما كانوا يفترون ) أي : عليه ، ويسندون إليه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء الجهلة من المشركين أنهم كانوا يحرمون ويحللون من قِبَل أنفسهم، من غير أن يكون الله أذن لهم بشيء من ذلك .

يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء العادلون بربهم من المشركين، جهلا منهم, لأنعام لهم وحرث: هذه أنعامٌ وهذا حرث حجر= يعني بـ" الأنعام " و " الحرث " ما كانوا جعلوه لله ولآلهتهم، التي قد مضى ذكرها في الآية قبل هذه .

* * * وقيل: إن " الأنعام "، السائبة والوصيلة والبحيرة التي سمَّوا .

(1) 13914- حدثني بذلك محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " الأنعام "، السائبة والبحيرة التي سمُّوا .

* * * و " الحِجْر " في كلام العرب، الحرام.

(2) يقال: " حَجَرت على فلان كذا "، أي حرَّمت عليه, ومنه قول الله: وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ، [سورة الفرقان: 22] ، ومنه قول المتلمس: حَـنَّتْ إلَـى النَّخْلَةِ القُصْوَى فَقُلْتُ لَهَا: حِجْــرٌ حَــرَامٌ, أَلا ثَـمَّ الدَّهَـارِيسُ (3) وقول رؤبة، [العجاج]: (4) * وَجَارَةُ البَيْتِ لَهَا حُجْرِيُّ * (5) يعني المحرّمَ ، ومنه قول الآخر: (6) فَبِــتُّ مُرْتَفِقًــا, والعَيْـنُ سَـاهِرَةٌ كَـأَنَّ نَـوْمِي عَـلَيَّ اللَّيْـلَ مَحْجُـورُ (7) أي حرام.

يقال : " حِجْر " و " حُجْر ", بكسر الحاء وضمها .

* * * وبضمها كان يقرأ، فيما ذُكر، الحسنُ وقتادة .

(8) 13915- حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد قال، حدثني أبي [قال، حدثني عمي] قال، حدثني أبي, عن الحسين, عن قتادة أنه: كان يقرؤها: " وَحَرْثٌ حُجْرٌ"، يقول: حرام, مضمومة الحاء .

(9) * * * وأما القرأة من الحجاز والعراق والشام، فعلى كسرها.

وهي القراءة التي لا أستجيز خلافها، لإجماع الحجة من القرأة عليها, وأنها اللغة الجُودَى من لغات العرب .

(10) * * * وروي عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: " وَحَرْثٌ حِرْجٌ"، بالراء قبل الجيم .

13916- حدثني بذلك الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن ابن عباس: أنه كان يقرؤها كذلك .

* * * وهي لغة ثالثة، معناها ومعنى " الحجر " واحد.

وهذا كما قالوا: " جذب " و " جبذ ", و " ناء " و " نأى ".

ففي" الحجر "، إذًا، لغات ثلاث: " حجر " بكسر الحاء، والجيم قبل الراء=" وحُجر " بضم الحاء، والجيم قبل الراء= و " حِرْج "، بكسر الحاء، والراء قبل الجيم .

* * * وبنحو الذي قلنا في تأويل الحجر قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13917- حدثني عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث, عن حميد, عن مجاهد وأبي عمرو: (وحرث حجر)، يقول: حرام .

13918- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (وحرث حجر)، فالحجر .

ما حرّموا من الوصيلة, وتحريم ما حرموا .

13919- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وحرث حجر)، قال: حرام .

13920- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (هذه أنعام وحرث حجر) الآية, تحريمٌ كان عليهم من الشياطين في أموالهم، وتغليظ وتشديد.

وكان ذلك من الشياطين، ولم يكن من الله .

13921- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما قوله: (وقالوا هذه أنعام وحرث حجر)، فيقولون: حرام، أن نطعم إلا من شئنا .

13922- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (هذه أنعام وحرث حجر)، نحتجرها على مَنْ نريد وعمن نريد, لا يطعمها إلا مَنْ نشاء، بزعمهم.

قال: إنما احتجروا ذلك لآلهتهم, وقالوا: لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم)، قالوا: نحتجرها عن النساء, ونجعلها للرجال .

13923- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (أنعام وحرث حجر)، أما " حجر ", يقول: محرَّم .

وذلك أنهم كانوا يصنعون في الجاهلية أشياء لم يأمر الله بها, كانوا يحرّمون من أنعامهم أشياء لا يأكلونها, ويعزلون من حرثهم شيئًا معلومًا لآلهتهم, ويقولون: لا يحل لنا ما سمّينا لآلهتنا.

13924- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (أنعام وحرث حجر)، ما جعلوه لله ولشركائهم .

13925- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

* * * القول في تأويل قوله : وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وحرّم هؤلاء الجهلة من المشركين ظهورَ بعض أنعامهم, فلا يركبون ظهورها, وهم ينتفعون برِسْلِها ونِتَاجها وسائر الأشياء منها غير ظهورها للركوب .

(11) وحرموا من أنعامهم أنعامًا أخر، فلا يحجُّون عليها، ولا يذكرون اسم الله عليها إن ركبوها بحالٍ، ولا إن حلبوها، ولا إن حمَلوا عليها .

* * * وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13926- حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن عاصم قال: قال لي أبو وائل : أتدري ما " أنعام لا يذكرون اسم الله عليها "؟

قال: قلت: لا!

قال: أنعام لا يحجون عليها .

13927- حدثنا محمد بن عباد بن موسى قال، حدثنا شاذان قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن عاصم قال: قال لي أبو وائل: أتدري ما قوله: (حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها) ؟

قال: قلت: لا!

قال: هي البحيرة، كانوا لا يحجون عليها .

(12) 13928- حدثنا أحمد بن عمرو البصري قال، حدثنا محمد بن سعيد الشهيد قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن عاصم, عن أبي وائل: (وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها)، قال: لا يحجون عليها .

(13) 13929- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي أما: (أنعام حرمت ظهورها)، فهي البحيرة والسائبة والحام= وأما " الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها ", قال: إذا أولدوها, (14) ولا إن نحروها .

13930- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها)، قال: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من شأنها، لا إن ركبوها, ولا إن حلبوا, ولا إن حملوا, ولا إن منحوا, ولا إن عملوا شيئًا .

13931- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وأنعام حرمت ظهورها)، قال: لا يركبها أحد=(وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها) .

* * * وأما قوله: (افتراء على الله), فإنه يقول: فعل هؤلاء المشركون ما فعلوا من تحريمهم ما حرموا, وقالوا ما قالوا من ذلك, كذبًا على الله, وتخرّصًا الباطلَ عليه; لأنهم أضافوا ما كانوا يحرّمون من ذلك، على ما وصفه عنهم جل ثناؤه في كتابه، إلى أنّ الله هو الذي حرّمه, فنفى الله ذلك عن نفسه, وأكذبهم, وأخبر نبيه والمؤمنين أنهم كذبة فيما يدّعون .

(15) * * * ثم قال عز ذكره: (سيجزيهم)، يقول: سيثيبهم ربُّهم بما كانوا يفترونَ على الله الكذبَ ثوابَهم, ويجزيهم بذلك جزاءهم .

(16) ------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير (( الأنعام )) فيما سلف 6 : 257 / 9 : 457 = وتفسير (( الحرث )) فيما سلف 4 : 240 - 243 ، 397 /6 : 257 / 7 : 134 .

(2) المخطوطة ، ليس فيها (( الحرام )) ، وزيادتها في المطبوعة هي الصواب الموافق لما في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 207 .

(3) ديوانه قصيدة 4 ، ومختارات ابن الشجري : 32 ، ومجاز القرآن 1 : 207 ، وسيأتي في التفسير 19 : 302 ( بولاق ) ، اللسان ( دهرس ) ، ومعجم ، استعجم : 1304 ، ومعكم ياقوت ( نخلة القصوى ، ونسبه لجرير وهو المتلمس ، جرير بن عبد المسيح ، من قصيدته التي قالها في مهربه إلى الشام من عمرو بن هند ، وقصة المتلمس وطرفة ، وعمرو بن هند ، مشهورة .

وهكذا جاء هنا (( النخلة القصوى )) ، وهي رواية ، والرواية الأخرى (( نخلة القصوى )) بغير تعريف كما سيأتي براوية أبي جعفر في التفسير 19 : 302 ( بولاق ) .

وقد ذكروا أن (( نخلة القصوى )) المذكورة هنا ، هي : (( نخلة اليمانية )) ، وهو واد ينصب من بطن قرن المنازل ، وهو طريق اليمن إلى مكة .

وظاهر هذا الشعر ، فيما أداني إليه اجتهادي ، يدل على أن (( نخلة القصوى )) بأرض العراق ، مفضيًا إلى الحيرة ، ديار عمرو بن هند ، فإنه قال هذا الشعر ، وقد حرم عليه عمرو بن هند أرض العراق ، فحنت ناقته إلى ديارها بالعراق ، فقال لها : أنِّـى طَـرِبْتِ وَلَمْ تُلْحَيْ عَلَى طَرَبٍ ، ودُونَ إلْفِــكِ أَمْــرَاتٌ أَمَــا لِيسُ يقول : كيف تشتاقين إلى أرض فيها هلاكي ؟

ثم عاد يقول : ولست ألومك على الشوق الذي أثار حنينك ، فإنه لا بد لمن حالت بينه وبين إلفه الفلوات ، أن يحن .

ثم بين العلة في استنكاره حنينها فقال لها : وكأنه يخاطب نفسه ، ويعتذر إليها من ملامة هذه البائسة !

.

حَـنَّتْ إلَى النَّخْلَةِ القُصْوَى فَقُلْتُ لَهَا : بَسْــلٌ عَلَيْـكِ ، أَلا تِلْـكَ الدَّهَـارِيسُ (( بسل عليك )) : حرام عليك ، وهذه رواية أخرى .

و(( الدهاريس )) ، الدواهي .

يقول : ما ألومها على الحنين إلى إلفها ، ولكني ألومها على الحنين إلى الأرض فيها هلاكي .

وقال لها : إن نخلة القصوى التي تحنين إليها ، حرام عليك ، فإن فيها الدواهي والغوائل .

فتبين بهذا أنه يعني ديار عمرو بن هند الذي فر منه ، ثم قال لها بعد ذلك : أُمِّــي شَـآمِيةً ، إِذْ لا عِـرَاقَ لَنَـا ، قَوْمًــا نَــوَدُّهُمُ إذْ قَوْمُنَـا شُـوسُ .

يقول : اقصدي نخلة الشآمية ، فإن العراق قد حرم علينا ، وفي الشام أحبابنا ، وأهل مودتنا ، وأما قومنا بالعراق فإنهم ينظرون إلينا بأعين شوس من البغضاء .

فثبت بقوله : (( إذ لا عراق لنا )) أن (( نخلة القصوى )) من أرض العراق .

وفي هذا كفاية في تحقيق الموضع إن شاء الله .

(4) هكذا نسبة هنا إلى (( رؤبة )) والصواب أنه (( العجاج )) أبوه ، بلا شك في ذلك ، ولذلك وضعته بين الأقواس ، وكأنه سهو من الناسخ ، أو من أبي جعفر .

(5) ديوان العجاج : 68 ، واللسان ( حجر ) من رجز له طويل مشهور ، ذكر فيه نفسه بالعفاف والصيانة فقال : إِنّــي امْــرُؤٌ عَـنْ جَـارَتِي كَـفِىُّ عَـــنِ الأذَى ، إنَّ الأذَى مَقْـــلِيُّ وَعَـــنْ تَبغِّــي سِــرِّهَا غَنِــيُّ ثم قال بعد أبيات : وَجَــارَةُ البَيْــتِ لَهَــا حُجْــرِيُّ ومَحْرُمَـــاتٌ هَتْكُهَـــا بُجْــرِيُّ وفسره صاحب اللسان فقال : (( لها خاصة )) .

(6) ينسب إلى أعشى باهلة نسبه ابن بري في اللسان ( رفق ) ، ولم أجده في مكان آخر .

(7) اللسان ( رفق ) .

(( مرتفقًا )) ، أي : متكئًا على مرفق يده .

(8) في المطبوعة والمخطوطة : (( الحسين )) ، وهو خطأ ، صوابه (( الحسن )) ، وهو البصري .

(9) الأثر : 13915 - هذا إسناد فيه إشكال .

(( عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث سعيد بن ذكوان التميمي العنبري )) ، مضى مرارًا ، وهو يروي عن أبيه : (( عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان )) وأبوه : (( عبد الصمد ابن عبد الوارث )) ، يروي عن أبيه : (( عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان )) ، و (( عبد الوارث بن سعيد ابن ذكوان )) ، يروي عن (( حسين المعلم )) ، وهو (( حسين بن ذكوان العوذي )) ، و (( حسين المعلم )) ، يروي عن (( قتادة )) ، فالأرجح إذن أن يكون الإسناد هكذا : (( حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد ، قال حدثني أبي ، قال حدثني أبي ، عن الحسين ، عن قتادة )) بإسقاط (( قال حدثني عمي )) ، التي وضعتها بين قوسين ، وبذلك يكون الإسناد مستقيمًا ، فإني لم أجد (( عبد الصمد بن عبد الوارث )) يروي عن (( عمه )) ، ولم أجد له عما يروى عنه .

وأيضًا فإن قوله : (( حدثني عمي )) يقتضي أن يكون (( سعيد بن ذكوان )) جدهم ، هو الراوي عن (( حسين المعلم )) ، ولم تذكر قط رواية عن (( سعيد بن ذكوان )) ، ولا له ذكر في كتب الرجال .

فصح بذلك أن الصواب إسقاط ما وضعته بين القوسين ، هذا وأذكر أن هذا الإسناد قد مر قبل كما أثبته ، ولكني لم أستطع أن أعثر عليه بعد .

والزيادة إن شاء الله خطأ من الناسخ ، واختلط عليه إسناد (( محمد بن سعد عن أبه ، عن عمه ...

)) رقم : 305 .

فعجل وزاد : (( قال حدثني عمي )) .

(10) (( الجودي )) ، تأنيث (( الأجود )) ، وهي قليلة الاستعمال فيما بعد طبعة أبي جعفر ، كما أسلفت في التعليق على أول استعمال لها فيما مضى 6 : 437 ، تعليق : 1 ، وهذه هي المرة الثانية التي استعملها فيها أبو جعفر .

(11) (( الرسل )) ( بكسر فسكون ) : اللبن .

و (( النتاج )) ( بكسر النون ) : ما تضع من أولادها .

(12) الأثر : 13927 - (( محمد بن عباد بن موسى الختلي )) ، مضى برقم : 11318 ، ونقلت هناك عن ابن أبي حاتم 4 / 1 / 15 ، أنه روى عن هشام بن محمد الكلبي ، والوليد بن صالح ، وروى عنه أبو بكر بن أبي الدنيا .

ثم توقفت في هذه الترجمة المختصرة التي ذكرها ابن أبي حاتم ، وشككت في صحة ما فيها ، فإن أبا بكر بن أبي الدنيا ، إنما يروي عن أبيه (( عباد بن موسى الختلي )) .

ولا أدري أروى عن ولده (( محمد بن عباد )) أم لم يرو عنه ، فإنهم لم يذكروا ذلك في ترجمة أبي بكر ابن أبي الدنيا .

و (( شاذان )) هو : (( الأسود بن عامر )) ، ثقة صدوق .

مترجم في التهذيب .

(13) الأثر : 13928 - (( أحمد بن عمرو البصري )) ، مضى ما قلت فيه برقم : 9875 .

و(( محمد بن سعيد الشهيد )) ، لم أعرف من هو ، ولم أجد له ذكرًا .

(14) لعل الصواب : (( لا إن أولدوها )) .

(15) انظر تفسير (( الافتراء )) فيما سلف : ص : 136 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(16) انظر تفسير (( الجزاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جزى ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترونذكر تعالى نوعا آخر من جهالتهم .

وقرأ أبان بن عثمان ( حجر ) بضم الحاء والجيم .

وقرأ الحسن وقتادة ( حجر ) بفتح الحاء وإسكان الجيم ، لغتان بمعنى .

وعن الحسن أيضا ( حجر ) بضم الحاء .

قال أبو عبيد عن هارون قال : كان الحسن يضم الحاء في ( حجر ) في جميع القرآن إلا في قوله : برزخا وحجرا محجورا فإنه كان يكسرها هاهنا .

وروي عن [ ص: 86 ] ابن عباس وابن الزبير ( وحرث حرج ) الراء قبل الجيم ; وكذا في مصحف أبي ; وفيه قولان : أحدهما أنه مثل جبذ وجذب .

والقول الآخر - وهو أصح - أنه من الحرج ; فإن الحرج بكسر الحاء لغة في الحرج بفتح الحاء وهو الضيق والإثم ; فيكون معناه الحرام .

ومنه فلان يتحرج أي يضيق على نفسه الدخول فيما يشتبه عليه من الحرام .

والحجر : لفظ مشترك .

وهو هنا بمعنى الحرام ، وأصله المنع .

وسمي العقل حجرا لمنعه عن القبائح .

وفلان في حجر القاضي أي منعه .

حجرت على الصبي حجرا .

والحجر العقل ; قال الله تعالى : هل في ذلك قسم لذي حجر والحجر الفرس الأنثى .

والحجر القرابة .

قال :يريدون أن يقصوه عني وإنه لذو حسب دان إلي وذو حجروحجر الإنسان وحجره لغتان ، والفتح أكثر .

أي حرموا أنعاما وحرثا وجعلوها لأصنامهم وقالوا لا يطعمها إلا من نشاء وهم خدام الأصنام .

ثم بين أن هذا تحكم لم يرد به شرع ; ولهذا قال : بزعمهم .وأنعام حرمت ظهورها يريد ما يسيبونه لآلهتهم على ما تقدم من النصيب .

وقال مجاهد : المراد البحيرة والوصيلة والحام .وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها يعني ما ذبحوه لآلهتهم .

قال أبو وائل : لا يحجون عليها .افتراء أي للافتراء على الله لأنهم كانوا يقولون : الله أمرنا بهذا .

فهو نصب على المفعول له .

وقيل : أي يفترون افتراء ، وانتصابه لكونه مصدرا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومن أنواع سفاهتهم أن الأنعام التي أحلها الله لهم عموما، وجعلها رزقا ورحمة، يتمتعون بها وينتفعون، قد اخترعوا فيها بِدعًا وأقوالا من تلقاء أنفسهم، فعندهم اصطلاح في بعض الأنعام [والحرث] أنهم يقولون فيها: { هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ } أي: محرم { لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ } أي: لا يجوز أن يطعمه أحد، إلا من أردنا أن يطعمه، أو وصفناه بوصف -من عندهم-.

وكل هذا بزعمهم لا مستند لهم ولا حجة إلا أهويتهم، وآراؤهم الفاسدة.

وأنعام ليست محرمة من كل وجه، بل يحرمون ظهورها، أي: بالركوب والحمل عليها، ويحمون ظهرها، ويسمونها الحام، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها، بل يذكرون اسم أصنامهم وما كانوا يعبدون من دون الله عليها، وينسبون تلك الأفعال إلى الله، وهم كذبة فُجَّار في ذلك.

{ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } على الله، من إحلال الشرك، وتحريم الحلال من الأكل، والمنافع.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقالوا ) يعني : المشركين ، ( هذه أنعام وحرث حجر ) أي حرام ، يعني : ما جعلوا لله ولآلهتهم من الحرث والأنعام على ما مضى ذكره .

وقال مجاهد : يعني بالأنعام البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، ( لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ) يعنون الرجال دون النساء ، ( وأنعام حرمت ظهورها ) يعني الحوامي كانوا لا يركبونها ، ( وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ) أي : يذبحونها باسم الأصنام لا باسم الله ، وقال أبو وائل : معناه لا يحجون عليها ولا يركبونها لفعل الخير ، لأنه لما جرت العادة بذكر اسم الله على فعل الخير عبر بذكر الله تعالى عن فعل الخير .

( افتراء عليه ) يعني : أنهم يفعلون ذلك ويزعمون أن الله أمرهم به افتراء عليه ( سيجزيهم بما كانوا يفترون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقالوا هذه أنعام وحرث حجر» حرام «لا يطعمها إلا من شاء» من خَدَمَةِ الأوثان وغيرهم «بزَعمهم» أي لا حجة لهم فيه «وأنعام حرمت ظهورها» فلا تركب كالسوائب والحوامي «وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها» عند ذبحها بل يذكرون اسم أصنامهم ونسبوا ذلك إلى الله «افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون» عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال المشركون: هذه إبل وزرع حرام، لا يأكلها إلا مَن يأذنون له -حسب ادعائهم- مِن سدنة الأوثان وغيرهم.

وهذه إبل حُرِّمت ظهورها، فلا يحل ركوبها والحملُ عليها بحال من الأحوال.

وهذه إبل لا يَذكرون اسم الله تعالى عليها في أي شأن من شئونها.

فعلوا ذلك كذبًا منهم على الله، سيجزيهم الله بسبب ما كانوا يفترون من كذبٍ عليه سبحانه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

استمع إلى القرآن وهو يقص ذلك فيقول : { وَقَالُواْ هذه أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ } .حجر : بمعنى المحجور أى : الممنوع من التصرف فيه ، ومنه قيل للعقل حجر لكون الإنسان فى منع منه مما تدعوه إليه نفسه من اثام .أى : ومن بين أوهام المشركين وضلالتهم أنهم يقتطعون بعض أنعامهم وأقواتهم من الحبوب وغيرها ويقولون : هذه الأنعام وتلك الزروع محجورة علينا أى : محرمة ممنوعة ، لا يأكل منها إلا من نشاء ، يعنون : خدم الأوثان والرجال دون النساء أى : لا يأكل منها إلا خدم الأوثان والرجال فقط .وقوله : { بِزَعْمِهِمْ } متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل قالوا .

أى : قالوا ذلك متلبسين بزعمهم الباطل من غير حجة .وقوله : { وَقَالُواْ هذه } الإشارة إلى ما جعلوه لآلهتهم ، والتأنيث باعتبار الخبر وهو قوله : { أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ } وقوله { حِجْرٌ } صفة لأنعام وحرث ، وقوله { لاَّ يَطْعَمُهَآ } صفة ثانية لأنعام وحرث .هذا هو النوع الأول الذى ذكرته الآية من أنواع ضلالاتهم .أما النوع الثانى فهو قوله - تعالى - { وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا } أى : وقالوا مشيرين إلى طائفة أخرى من أنعامهم : هذه أنعام حرمت ظهورها فلا تركب ولا يحمل عليها ، يعنون بها البحائر والسوائب والوصائل والحوامى التى كانوا يزعمون أنها تعتق وتقصى لأجل الآلهة .فقوله { وَأَنْعَامٌ } خبر لمبتدأ محذو والجملة معطوفة على قوله { هذه أَنْعَامٌ } .وأما النوع الثالث من أنواع اختراعاتهم الذى ذكرته الآية فهو قوله : { وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا } .أى : وقالوا أيضاً هذه أنعام لا يذكر اسم الله عليها عند الذبح ، وإنما يذكر عليها أسماء الأصنام لأنها ذبحت من أجلها .وقد عقب - سبحانه - على تلك الأقسام الثلاثة الباطلة بقوله : { افترآء عَلَيْهِ } أى فعلوا ما فعلوا من هذه الأباطيل وقالوا ما قالوا من تلك المزاعم من أجل الافتراء على الله وعلى دينه ، فإنه - سبحانه - لم يأذن لهم فى ذلك ولا رضيه منهم .ثم ختمت الآية بهذا التهديد الشديد حيث قال : - سبحانه - { سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أى : سيجزيهم الجزاء الشديد الأليم بسبب هذا الافتراء القبيح .ثم يحكى القرآن الرذيلة الرابعة من رذائلهم وملخصها : أنهم زعموا أن الأجنة التى فى بطون هذه الأنعام المحرمة ، ما ولد منها حياً فهو حلال للرجال ومحرم على النساء ، وما ولد ميتاً اشترك فى أكله الرجال والنساء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع ثالث من أحكامهم الفاسدة، وهي أنهم قسموا أنعامهم أقساماً: فأولها: إن قالوا: ﴿ هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ فقوله: ﴿ حجر ﴾ فعل بمعنى مفعول، كالذبح والطحن، ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وأصل الحجر المنع، وسمى العقل حجراً لمنعه عن القبائح، وفلان في حجر القاضي: أي في منعه، وقرأ الحسن وقتادة ﴿ حجر ﴾ بضم الحاء وعن ابن عباس ﴿ حَرَجٌ ﴾ وهو من الضيق، وكانوا إذا عينوا شيئاً من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: ﴿ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء ﴾ يعنون خدم الأوثان، والرجال دون النساء.

والقسم الثاني: من أنعامهم الذي قالوا فيه: ﴿ وأنعام حُرّمَتْ ظُهُورُهَا ﴾ وهي البحائر والسوائب والحوامي، وقد مر تفسيره في سورة المائدة.

والقسم الثالث: ﴿ أنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا ﴾ في الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام، وقيل لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها.

ثم قال: ﴿ افتراء عَلَيْهِ ﴾ فانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد، لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء.

ثم قال تعالى: ﴿ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ والمقصود منه الوعيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حِجْرٌ ﴾ فعل بمعنى مفعول كالذبح والطحن، ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع؛ لأنّ حكمه حكم الأسماء غير الصفات: وقرأ الحسن وقتادة ﴿ حِجرٌ ﴾ بضم الحاء.

وقرأ ابن عباس: ﴿ حرج ﴾ ، وهو من التضييق وكانوا إذا عينوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: ﴿ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء ﴾ يعنون خدم الأوثان، والرجال دون النساء ﴿ وأنعام حُرّمَتْ ظُهُورُهَا ﴾ وهي البحائر والسوائب والحوامي ﴿ وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا ﴾ في الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام.

وقيل: لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها.

والمعنى: أنهم قسموا أنعامهم فقالوا: هذا أنعام حجر، وأنعام محرّمة الظهور، وهذه أنعام لا يذكر عليها اسم الله.

فجعلوها أجناساً بهواهم، ونسبوا ذلك التجنيس إلى الله ﴿ افتراء عَلَيْهِ ﴾ أي فعلوا ذلك كله على جهة الافتراء- تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- وانتصابه على أنه مفعول له: أو حال، أو مصدر مؤكد، لأنّ قولهم ذلك في معنى الافتراء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالُوا هَذِهِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما جُعِلَ لِآلِهَتِهِمْ.

﴿ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ حَرامٌ فَعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالذَّبْحِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والكَثِيرُ والذَّكَرُ والأُنْثى.

وقُرِئَ «حُجْرٍ» بِالضَّمِّ وحَرَجٌ أيْ مَضِيقٌ.

﴿ لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ ﴾ يَعْنُونَ خَدَمَ الأوْثانِ والرِّجالِ دُونَ النِّساءِ.

﴿ بِزَعْمِهِمْ ﴾ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ.

﴿ وَأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها ﴾ يَعْنِي البَحائِرَ والسَّوائِبَ والحَوامِي.

﴿ وَأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها ﴾ في الذَّبْحِ وإنَّما يَذْكُرُونَ أسْماءَ الأصْنامِ عَلَيْها، وقِيلَ لا يَحُجُّونَ عَلى ظُهُورِها.

﴿ افْتِراءً عَلَيْهِ ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّ ما قالُوا تَقَوُّلٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ قالُوا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ أوْ عَلى الحالِ، أوْ عَلى المَفْعُولِ لَهُ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِالمَحْذُوفِ.

﴿ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ بِسَبَبِهِ أوْ بَدَلُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَالُواْ هذه أنعام وَحَرْثٌ} للأوثان {حِجْرٍ} حرام فعل بمعنى المفعول كالذبح والطعن ويستوى فى الوصف به المذكر والمؤنث

الأنعام (١٣٨ _ ١٤١)

والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات وكانوا إذا عينوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا {لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ} يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء والزعم قول الظن يشوبه الكذب {وأنعام حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} هي البحائر والسوائب والحوامي {وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا} حالة الذبح وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام {افتراء عَلَيْهِ} هو مفعول له أو حال أي قسموا أنعامهم قسم حجر وقسم لا يركب وقسم لا يذكر اسم الله عليها ونسبوا ذلك إلى الله افتراء عليه {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} وعيد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالُوا ﴾ حِكايَةٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ كُفْرِ أُولَئِكَ الكُفّارِ وقِيلَ: تَتِمَّةٌ لِما تَقَدَّمَ ﴿ هَذِهِ ﴾ أيْ ما جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ والتَّأْنِيثُ لِلْخَبَرِ ﴿ أنْعامٌ وحَرْثٌ ﴾ أيْ زَرْعٌ ﴿ حِجْرٌ ﴾ أيْ مَمْنُوعٌ مِنها وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالذَّبْحِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والكَثِيرُ والذَّكَرُ والأُنْثى لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ ولِذَلِكَ وقَعَ صِفَةً لِأنْعامٍ وحَرْثٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ ( حُجْرٌ ) بِضَمِّ الحاءِ وقَرَأ أيْضًا بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ وبِضَمِّ الحاءِ والجِيمِ مَعًا ويَحْتَمِلُ في هَذا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالحُلْمِ أوْ أنْ يَكُونَ جَمْعًا كَسُقُفٍ ورُهُنٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( حِرْجٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ وتَقْدِيمِ الرّاءِ عَلى الجِيمِ أيْ ضِيقٌ وأصْلُهُ حَرِجٌ بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وقِيلَ: هو مَقْلُوبٌ مِن حَجَرٍ كَعَمِيقٍ ومُعِيقٍ ﴿ لا يَطْعَمُها ﴾ أيْ يَأْكُلُها ﴿ إلا مَن نَشاءُ ﴾ يَعْنُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ الرِّجالَ دُونَ النِّساءِ وقِيلَ: يَعْنُونَ ذَلِكَ وخَدَمَ الأوْثانِ والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِأنْعامٍ وحَرْثٍ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِزَعْمِهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ قالُوا أيْ قالُوا ذَلِكَ مُتَلَبِّسِينَ بِزَعْمِهِمُ الباطِلِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ وأنْعامٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هَذِهِ أنْعامٌ ﴾ أيْ قالُوا مُشِيرِينَ إلى طائِفَةٍ مِن أنْعامِهِمْ وهَذِهِ أنْعامٌ وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ أوَّلًا إلى ما جُعِلَ لِآلِهَتِهِمُ السّابِقِ وما بَيْنَهُما كالِاعْتِراضِ وهَذا عَطْفٌ عَلى أنْعامٍ المُتَقَدِّمِ إدْخالُهُ فِيما تَقَدَّمَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ السَّوائِبُ ونَحْوُها وهي بِزَعْمِهِمْ تَعْتَقُ وتُعْفى لِأجَلِ الآلِهَةِ ﴿ حُرِّمَتْ ﴾ أيْ مُنِعَتْ ﴿ ظُهُورُها ﴾ فَلا تُرْكَبُ ولا يُحْمَلُ عَلَيْها ﴿ وأنْعامٌ ﴾ أيْ وهَذِهِ أنْعامٌ عَلى ما مَرَّ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها ﴾ صِفَةٌ لِأنْعامٍ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى تَعْيِينًا لِلْمَوْصُوفِ وتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ في رَأْيٍ لا أنَّهُ واقِعٌ في كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ كَنَظائِرِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْعامٌ ذُبِحَتْ عَلى الأصْنامِ فَإنَّها الَّتِي لا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها وإنَّما يُذْكَرُ عَلَيْها اسْمُ الأصْنامِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي وائِلٍ أنَّ المَعْنى لا يَحُجُّونَ عَلَيْها ولا يُلَبُّونَ.

وعَنْ مُجاهِدٍ كانَتْ لَهم طائِفَةٌ مِن أنْعامِهِمْ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها ولا في شَيْءٍ مِن شَأْنِها لا إنْ رَكِبُوا ولا إنْ حَلَبُوا ولا ولا ﴿ افْتِراءً عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ونُصِبَ افْتِراءٌ عَلى المَصْدَرِ إمّا عَلى أنَّ قَوْلَهُمُ المَحْكِيَّ بِمَعْنى الِافْتِراءِ وإمّا عَلى تَقْدِيرِ عامِلٍ مِن لَفْظِهِ أيِ افْتَرَوُا افْتِراءً أوْ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ قالُوا أيْ مُفْتَرِينَ أوْ عَلى العِلَّةِ أيْ لِلِافْتِراءِ وهو بَعِيدٌ مَعْنًى و( عَلَيْهِ ) قِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا أوْ بِافْتِراءِ المُقَدَّرِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ وبِافْتِراءٍ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأخِيرَيْنِ ولا يَخْفى بُعْدُ تَعَلُّقِهِ بِقالُوا والَّذِي دَعاهُمُ إلَيْهِ ومَنَعَهم مِن تَعَلُّقِهِ بِالمَصْدَرِ عَلى ما قِيلَ إنَّ المَصْدَرَ إذا وقَعَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لا يَعْمَلُ لِعَدَمِ تَقْدِيرِهِ بِأنْ والفِعْلِ وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ تَأْوِيلَهُ بِذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ لِتَعَلُّقِ الجارِّ بِهِ فَإنَّهُ مِمّا يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِافْتِراءٍ أيِ افْتِراءً كائِنًا عَلَيْهِ ﴿ سَيَجْزِيهِمْ ﴾ لا بُدَّ ﴿ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ (138) أيْ بِسَبَبِهِ أوْ بَدَلَهُ وأُبْهِمَ الجَزاءُ لِلتَّهْوِيلِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كانوا يسمون لله جزءاً من الحرث، ولأوثانهم جزءاً.

فما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه.

وما ذهبت به الريح من الجزء الذي سموه لله إلى جزء الأصنام تركوه وقالوا إن الله غني عن هذا.

وقال السدي: ما خرج من نصيب الأصنام أنفقوه عليها، وما خرج من نصيب الله تصدقوا به.

فإذا هلك الذي لشركائهم وكثر الذي لله قالوا: ليس لآلهتنا بدّ من النفقة.

فأخذوا الذي لله، وأنفقوه على الأصنام.

وإذا هلك الذي لله وكثر الذي للأصنام قالوا: لو شاء الله لأزكى ماله فلا يزيدون عليه شيئاً.

فذلك قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ يعني: مما خلق من الحرث والأنعام نَصِيباً يعني: جعلوا لله نصيباً، ولشركائهم نصيباً، فاقتصر على المذكور لأن في الكلام دليلاً على المسكوت عنه فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ يقول بقولهم ولم يأمرهم الله بذلك وَهذا لِشُرَكائِنا يعني: للأصنام فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ يعني: لأصنامهم فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ يقول: فلا يضعون شيئاً في نصيب الله وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ يقول: يوضع في نصيبهم ساءَ مَا يَحْكُمُونَ يعني: لو كان معه شريك كما يقولون ما عدلوا في القسمة.

ويقال: ساءَ مَا يَحْكُمُونَ حيث وصفوا لله شريكاً.

قرأ الكسائي (بزعمهم) بضم الزاي وقرأ الباقون بالنصب وهما لغتان ومعناهما واحد.

ثم قال تعالى: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ يعني: زين لهم شركاؤهم وهم الشياطين قتل أولادهم، لأنهم يقتلون أولادهم مخافة الفقر والحمية، ويدفنون بناتهم أحياء فزين لهم الشيطان ذلك، كما زيّن لهم تحريم الحرث والأنعام.

ويقال: كان واحد منهم ينذر أنه إذا ولد كذا وكذا ولد يذبح واحداً منهم كما فعل عبد المطلب.

فزين لهم الشيطان قتل أولادهم.

فذلك قوله وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام وَكَذلِكَ زَيَّنَ بضم الزاي قَتْلَ بضم اللام أَوْلادِهِمْ بفتح الدال شُرَكائِهِمْ بالخفض.

وإنما قرئ زَيَّنَ بالضم على فعل ما لم يسم فاعله ومعناه: قتل شركائهم على معنى التقديم، وهم أولادهم لأن أولادهم شركاؤهم في أموالهم، فصار شركاؤهم نعتاً للأولاد، وصار الأولاد نصباً على وجه التفسير.

وقرأ الباقون زَيَّنَ بالنصب لأنه فعل ماض شُرَكاؤُهُمْ بالضم لأنه جعل الشركاء على وجه الفاعل.

ثم قال: لِيُرْدُوهُمْ يعني: ليهلكوهم بذلك وَلِيَلْبِسُوا يعني: ليخلطوا وليشبهوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ يعني: دين إبراهيم وإسماعيل.

ثم قال: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ يعني: لو شاء الله لمنعهم من ذلك منع اضطرار وقهر وأهلكهم فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ يعني: دعهم وما يكذبون بأن الله أمرهم بذلك، ومعناه: أن الله مع قدرته عليهم قد تركهم إلى وقت قدرهم، فاتركهم أنت أيضاً إلى الوقت الذي تؤمر بقتالهم.

ويقال: معناه دعهم فإنّ لهم موعداً بين يدي الله فيحاسبهم ويجازيهم بها.

قوله تعالى: وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحرث وهو نوع من الزرع حرموها على النساء.

حِجْرٌ يعني: حرام والحجر يكون عبارة عن العقل كقوله تعالى: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: 5] أي: لذي لب وعقل ويكون عبارة عن الحرام كقوله: حِجْراً مَحْجُوراً [الفرقان: 22] يعني: حراما محرما وكقوله هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ [الأنعام: 138] يعني: حراماً لاَّ يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ من الرجال دون النساء، وهو مالك بن عوف كان يفتيهم بالحل والحرمة.

وكان يقول: هذا يجوز وهذا لا يجوز لأشياء كانوا حرموها برأيهم.

ثم قال وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وهي الحام من الإبل كانوا يتركونها ولا يركبونها وَأَنْعامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا يعني: عند الذبيحة ويقال: عند الركوب وهي البحيرة افْتِراءً عَلَيْهِ يعني: اختلاقاً وكذباً على الله بأنه أمرهم بذلك سَيَجْزِيهِمْ يعني: سيعاقبهم بِما كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: يكذبون على الله بأنه أمرهم وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا قال الكلبي يعني: البحيرة والوصيلة حلال لذكورنا ما دامت في الأحياء، وليس للنساء فيه شركة ولا نصيب.

فذلك قوله: وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً يعني: من هذه الأنعام فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ يعني: الرجال والنساء في أكلها.

وقال الضحاك: كانت الناقة إذا ولدت فصيلاً ذكراً حرموا لحم الفصيل ولبن الناقة على النساء دون الرجال، وإن وضعت فصيلاً ميتاً اشتركت الرجال والنساء في لحم الفصيل ولبن الناقة.

ذكر في أول الكلام خالِصَةٌ لفظ التأنيث، لأنه انصرف إلى المعنى، ومعناه: حمله ما في بطون هذه الأنعام.

ثم قال وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ذكر بلفظ التذكير، لأنه انصرف إلى قوله: مَا فِي بُطُونِ قرأ عاصم في رواية أبي بكر وأن تَكُنْ بالتاء على معنى التأنيث مَيْتَةً بالنصب يعني: وإن تكن الجماعة ميتة صارت الميتة خبر كان.

وقرأ ابن عامر وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً بالضم يعني: وإن كانت ميتة جعلها اسم كان رفعاً وقرأ ابن كثير وَإِنْ يَكُنْ بالياء مَيْتَةً بالضم يعني وإن: كان ما فيه ميتة بلفظ التذكير وجعل الميتة اسم كان.

وقرأ الباقون وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً جعلوا الميتة خبر كان بلفظ التذكير.

ثم قال: سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ صار نصباً لنزع الخافض يعني: سيعاقبهم بكذبهم إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ حَكِيمٌ عليهم بالعذاب عَلِيمٌ بهم.

وفي الآية دليل أن العالم ينبغي أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به حتى يعلم فساد قوله، ويعلم كيف يرد عليه لأن الله تعالى أعلم النبيّ  وأصحابه قول من خالفهم في زمانهم، ليعرفوا فساد قولهم.

قوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ يعنوا: دفنوا بناتهم أحياء وقتلوهن سَفَهاً صار نصباً لنزع الخافض يعني: جهلاً منهم بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير حجة منهم في قتلهن وهم ربيعة ومضر كانوا يقتلون بناتهم لأجل الحمية.

وروي عن رسول الله  أن رجلاً من أصحابه كان لا يزال مغتماً بين يديه فقال له رسول الله  «مَا لَكَ تَكن مَحْزُوناً» ؟

فقال: يا رسول الله إني قد أذنبت في الجاهلية ذنباً، فأخاف أن لا يغفر لي وإني أسلمت فقال له: «أَخْبِرْنِي عَنْ ذَنْبِكَ» فقال: يا رسول الله: إني كنت من الذين يقتلون بناتهم فولدت لي بنت، فتشفعت إليَّ امرأتي بأن أتركها فتركتها حتى كبرت، وأدركت فصارت من أجمل النساء فخطبوها، فدخلت عليَّ الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج.

فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب بها إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي فسرت بذلك وزيّنتها بالثياب والحلي، وأخذت عليَّ المواثيق بأن لا أخونها فذهبت بها إلى رأس بئر، فنظرت إلى البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر، فالتزمت بي وجعلت تبكي وتقول: يا أبت أي شيء تريد أن تفعل بي فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت عليّ الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمي فجعلت مرة أنظر في البئر، ومرة أنظر إليها، وأرحمها حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة وهي تنادي في البئر يا أبت قتلتني.

فمكثت هناك حتى انقطع صوتها.

فرجعت فبكى رسول الله  وأصحابه وقال «لَوْ أُمِرْتُ أَنْ أعَاقِبَ أَحَداً بِمَا فَعَلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ لَعَاقَبْتُكَ بِمَا فَعَلْتَ» .

ثم قال: وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ يعني: ما أعطاهم افْتِراءً يعني: كذباً عَلَى اللَّهِ بأنه قد حرم ذلك عليهم قَدْ أَضَلُّوا عن الهدى وَما كانُوا مُهْتَدِينَ يعني: وما هم بمهتدين ويقال: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ من قبل فخذلهم الله بذلك قرأ ابن كثير وابن عامر قتلوا بالتشديد لتكثير الفعل والباقون بالتخفيف.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ، يعني: مشركي العربِ الذين تقدَّم الردُّ عليهم من أول السورة، وذَرَأَ: معناه: خلَق وأنشأَ وبَثَّ، وسبَبُ نزول هذه الآية أنَّ العرب كانَتْ تجعل من غَلاَّتها وزُرُوعها وثمارها وأنعامها جُزْءاً تسميِّه للَّه، وَجْزْءاً تسميه لأصنامها، وكانت عادتها التحفِّي والاهتبال بنَصيبِ الأصنام أكْثَرَ منها بنصيب اللَّهِ إذ كانوا يعتقدون أن الأصنام بها فَقْر، وليس ذلك باللَّه سبحانه، فكانوا إذا جمعوا الزَّرْعَ، فهبَّت الريحُ، فحملَتْ مِنَ الذي للَّه إلى الذي لشركائِهِمْ، أقروه، وإذا حملَتْ من الذي لشركائِهِمْ إلى الذي للَّه، ردُّوه، وإذا لم يُصِيبُوا في نصيبِ شركائهم شيئاً، قالوا: لا بُدَّ للآلهة مِنْ نفقةٍ، فيجعلون نصيب اللَّه تعالى في ذلك قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهدٌ والسديُّ وغيرهم «١» أنهم كانوا يفعلُونَ هذا ونحوه من الفعْلِ وكذلك في الأنعامِ كانوا إذا أصابتهم السَّنَةُ، أكلوا نصيبَ اللَّه، وتحامَوْا نصيبَ شركائهم.

وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ، الكثير هنا يرادُ به مَنْ كان يَئِدُ «٢» مِنْ مشركي العرب، والشركاء هاهنا: الشياطين الآمِرُونَ بذلك، المزيِّنون له، والحاملون عليه أيضاً من بني آدم، ومقصد الآية الذمُّ للوأد والإنحاء على فعلته، ولِيُرْدُوهُمْ: معناه: ليهلكوهم من الرّدى، ولِيَلْبِسُوا: معناه: ليخلّطوا.

وقوله سبحانه: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ يقتضي أن لا شيء إلا بمشيئة اللَّه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ الحَرْثُ: الزَّرْعُ، والحِجْرِ:الحَرامُ؛ والمَعْنى: أنَّهم حَرَّمُوا أنْعامًا وحَرْثًا جَعَلُوهُ لِأصْنامِهِمْ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما قِيلَ لَلْحَرامِ: حَجْرٌ، لِأنَّهُ حَجَرَ عَلى النّاسِ أنْ يُصِيبُوهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: "حُجْرٌ" بِضَمِّ الحاءِ.

قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: حِجْرٌ، وحُجْرٌ، بِكَسْرِ الحاءِ وضَمِّها؛ وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "حَرَجٌ"، مُثِّلَ: "جَذَبَ" و"جَبَذَ" وفي هَذِهِ الأنْعامِ الَّتِي جَعَلُوها لَلْأصْنامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها البَحِيرَةُ، والسّائِبَةُ، والوَصِيلَةُ، والِحامِ.

والثّانِي: أنَّها الذَّبائِحُ الَّتِي لَلْأوْثانِ؛ وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ ﴾ هو كَقَوْلِكَ: لا يَذُوقُها إلّا مَن نُرِيدُ.

وفِيمَن أطْلَقُوا لَهُ تَناوُلَها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم مَنَعُوا مِنها النِّساءَ، وجَعَلُوها لَلرِّجالِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، والثّانِي: عَكْسُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ زَعْمٌ مِنهم، لا حُجَّةَ فِيهِ ولا بُرْهانَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الحامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: البَحِيرَةُ، كانُوا لا يَحُجُّونَ عَلَيْها، قالَهُ أبُو وائِلٍ.

والثّالِثُ: البَحِيرَةُ، والسّائِبَةُ، والِحامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها ﴾ هي قُرْبانُ آَلِهَتِهِمْ، يَذْكُرُونَ عَلَيْها اسْمَ الأوْثانِ خاصَّةً.

وقالَ أبُو وائِلٍ: هي الَّتِي كانُوا لا يَحُجُّونَ عَلَيْها؛ وقَدْ ذَكَرْنا هَذا عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ حُرِّمَتْ ظُهُورُها ﴾ ، فَعَلى قَوْلِهِ، الصِّفَتانِ لَمَوْصُوفٍ واحِدٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ مِن إبِلِهِمْ طائِفَةٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها في شَيْءٍ؛ لا إنْ رُكِبُوا، ولا إنْ حُمِّلُوا، ولا إنْ حابَوْا، ولا إنَّ نَتَجُوا.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ افْتِراءً عَلى اللَّهِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ أسْماءِ أوْثانِهِمْ وتَرْكَ ذِكْرِ اللَّهِ هو الِافْتِراءُ.

والثّانِي: أنَّ إضافَتَهم ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى، هو الِافْتِراءُ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هو حَرَّمَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْها افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ تَعْدِيدَ ما شَرَعُوهُ لِأنْفُسِهِمْ؛ والتَزَمُوهُ عَلى جِهَةِ القُرْبَةِ؛ كَذِبًا مِنهم عَلى اللهِ تَعالى ؛ وافْتِراءً عَلَيْهِ؛ فَوَصَفَ تَعالى أنَّهم عَمَدُوا إلى بَعْضِ أنْعامِهِمْ؛ وهِيَ: اَلْإبِلُ؛ والبَقَرُ؛ والغَنَمُ؛ أوِ الإبِلُ بِانْفِرادِها؛ وأمّا غَيْرُها إذا انْفَرَدَ فَلا يُقالُ لَهُ أنْعامٌ؛ وإلى بَعْضِ زُرُوعِهِمْ وثِمارِها؛ وسُمِّيَ ذَلِكَ "حَرْثًا"؛ إذْ عَنِ الحَرْثِ يَكُونُ؛ وقالُوا: هَذِهِ حِجْرٌ؛ أيْ: حَرامٌ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حِجْرٌ"؛ بِكَسْرِ الحاءِ؛ وسُكُونِ الجِيمِ؛ وقَرَأ قَتادَةُ ؛ والحَسَنُ ؛ والأعْرَجُ: "حُجْرٌ"؛ بِضَمِّ الحاءِ؛ وسُكُونِ الجِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأُبَيٌّ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وابْنُ الزُبَيْرِ ؛ والأعْمَشُ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "حِرْجٌ"؛ بِكَسْرِ الحاءِ؛ وتَقْدِيمِ الراءِ عَلى الجِيمِ؛ وسُكُونِها؛ فالأُولى والثانِيَةُ بِمَعْنى: "اَلتَّحْجِيرُ"؛ وهو المَنعُ؛ والتَحْرِيمُ؛ والأخِيرَةُ مِن "اَلْحِرْجُ"؛ وهو التَضْيِيقُ؛ والتَحْرِيمُ.

وكانَتْ هَذِهِ الأنْعامُ - عَلى ما قالَ ابْنُ زَيْدٍ - مُحَلَّلَةً لِلرِّجالِ؛ مُحَرَّمَةً عَلى النِساءِ؛ وقِيلَ: كانَتْ وقْفًا لِمَطْعَمِ سَدَنَةِ بُيُوتِ الأصْنامِ وخَدَمَتِها؛ حَكاهُ المَهْدَوِيُّ؛ فَذَلِكَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ مَن نَشاءُ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "بِزَعْمِهِمْ"؛ ﴾ أيْ: بِتَقَوُّلِهِمُ الَّذِي هو أقْرَبُ إلى الباطِلِ مِنهُ إلى الحَقِّ؛ وزَعْمُهم هُنا هو في قَوْلِهِمْ: "حِجْرٌ"؛ وتَحْرِيمُهم بِذَلِكَ ما لَمْ يُحَرِّمِ اللهُ تَعالى ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِزَعَمِهِمْ"؛ بِفَتْحِ الزايِ؛ والعَيْنِ؛ وكَذَلِكَ في الَّذِي تَقَدَّمَ.

﴿ وَأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها ﴾ ؛ كانَتْ لِلْعَرَبِ سُنَنٌ؛ إذا فَعَلَتِ الناقَةُ كَذا مِن جَوْدَةِ النَسْلِ؛ والمُواصَلَةِ بَيْنَ الإناثِ؛ ونَحْوَهُ؛ حُرِّمَ ظُهُورُها فَلَمْ تُرْكَبْ؛ وإذا فَعَلَ الفَحْلُ كَذا؛ وكَذا؛ حُرِّمَ ظَهْرُهُ؛ فَعَدَّدَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الرَدِّ عَلَيْهِمْ؛ إذْ شَرَعُوا ذَلِكَ بِرَأْيِهِمْ وكَذِبِهِمْ.

﴿ وَأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْها ﴾ ؛ قِيلَ: كانَتْ لَهم سُنَّةٌ في أنْعامٍ ما؛ ألّا يُحَجَّ عَلَيْها؛ فَكانَتْ تُرْكَبُ في كُلِّ وجْهٍ؛ إلّا في الحَجِّ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْها ﴾ ؛ هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ ويُرْوى ذَلِكَ عن أبِي وائِلٍ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ ذَلِكَ في الذَبائِحِ؛ يُرِيدُ أنَّهم جَعَلُوا لِآلِهَتِهِمْ مِنها نَصِيبًا؛ لا يَذْكُرُونَ اللهَ تَعالى عَلى ذَبْحِها؛ وقَوْلُهُ تَعالى "اِفْتِراءً"؛ مَصْدَرٌ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ؛ أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَفْتَرُونَ ذَلِكَ"؛ و ﴿ "سَيَجْزِيهِمْ"؛ ﴾ وعِيدٌ بِمُجازاةِ الآخِرَةِ؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ"؛ عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى ؛ و ﴿ "يَفْتَرُونَ"؛  ﴾ أيْ: "يَكْذِبُونَ ويَخْتَلِقُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ وكذلك زَيَّن لكثير من المشركين قتلَ أولادهم شركاؤُهم ﴾ [الأنعام: 137] وهذا ضرب آخر من دينهم الباطل، وهو راجع إلى تحجير التّصرّف على أنفسهم في بعض أموالهم، وتعيين مصارفه، وفي هذا العطف إيماء إلى أنّ ما قالوه هو من تلقين شركائهم وسدنة أصنامهم كما قلنا في مَعْنى زيّن لهم شركاؤُهم.

والإشارة بهذه وهذه إلى حاضر في ذهن المتكلّمين عند صدور ذلك القول: وذلك أن يقول أحدهم هذه الأصناف مصرفها كذا، وهذه مصرفها كذا، فالإشارة من مَحكِيّ قولهم حين يَشْرعون في بيان أحكام دينهم، كما يقول القَاسم: هذا لفلان، وهذا للآخر.

وأجمل ذلك هنا إذ لا غرض في بيانه لأنّ الغرض التّعجيب من فساد شرعهم، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ﴾ [الأنعام: 136] وقد صنّفوا ذلك ثلاثة أصناف: صنف محجّر على مالكه انتفاعه به، وإنَّما ينتفع به من يعّينه المالك.

والّذي يؤخذ ممّا روي عن جابر بن زيد وغيره: أنَّهم كانوا يعيّنون مِن أنعامهم وزرعهم وثمارهم شيئاً يحجّرون على أنفسهم الانتفاع به، ويعيّنونه لمن يشاءون من سدنة بيوت الأصنام، وخدمتها، فتنحر أو تذبح عندما يرى من عُيِّنَت له ذلك، فتكون لحاجة النّاس والوافدين على بيوت الأصنام وإضافتهم، وكذلك الزّرع والثّمار تدفع إلى من عُيّنت له، يصرفها حيث يتعيّن.

ومن هذا الصّنف أشياء معيَّنة بالاسم، لها حكم منضبط مثل البَحِيرة: فإنَّها لا تُنحر ولا تُؤكل إلاّ إذا ماتَت حتف أنفها، فيحلّ أكلها للرّجال دون النّساء، وإذا كان لها دَرّ لا يشربه إلاّ سدنة الأصنام وضيوفهم، وكذلك السائبة يَنتفع بدَرّها أبناءُ السَّبيل والسَدنة، فإذا ماتت فأكْلُهَا كالبَحِيرة، وكذلك الحامي، كما تقدّم في سورة المائدة.

فمعنى ﴿ لا يطعمها ﴾ لا يأكل لحمها، أي يَحرم أكل لحمها.

ونون الجماعة في ﴿ نشاء ﴾ مراد بها القائلون، أي يقولون لا يطعمها إلاّ من نشاء، أي من نُعيِّن أن يطعمها، قال في «الكشاف»: يعنون خدَم الأوثان والرّجال دون النّساء.

والحرث أصله شق الأرض بآلة حديديّة ليزرع فيها أو يغرس، ويطلق هذا المصدر على المكان المحروث وعلى الأرض المزروعة والمغروسة وإن لم يكن بها حرث ومنه قوله تعالى: ﴿ أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين ﴾ [القلم: 22] فسمّاه حرثاً في وقت جذاذ الثّمار.

والحِجْر: اسم للمحجّر الممنوع، مثل ذبح للمذبوح، فمنع الأنعام منع أكل لحومها، ومنع الحرث منع أكل الحبّ والتّمر والثّمار، ولذلك قال: ﴿ لا يطعمها إلا من نشاء ﴾ .

وقوله: ﴿ بزعمهم ﴾ معترض بين ﴿ لا يطعمها إلاّ من نشاء ﴾ وبين: ﴿ وأنعام حرمت ظهورها ﴾ .

والباء في: ﴿ بزعمهم ﴾ بمعنى (عن)، أو للملابسة، أي يقولون ذلك باعتقادهم الباطل، لأنَّهم لمّا قالوا: ﴿ لا يطعمها ﴾ لم يريدوا أنَّهم منعوا النّاس أكلها إلاّ من شاءوه، لأنّ ذلك من فعلهم وليس من زعمهم.

وإنَّما أرادوا بالنَّفي نفي الإباحة، أي لا يحلّ أن يطعمها إلاّ من نشاء، فالمعنى: اعتقدوها حراماً لغير من عيّنوه، حتّى أنفسهم، وما هي بحرام، فهذا موقع قوله: ﴿ بزعمهم ﴾ .

وتقدّم القول على الباء من قوله: ﴿ بزعمهم ﴾ آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ فقالوا هذا لله بزعمهم ﴾ [الأنعام: 136].

والصّنف الثّاني: أنعام حُرّمت ظهورها، أي حُرّم ركوبها، منها الحامي: لا يَركبه أحد، وله ضابط متّبع كما تقدّم في سورة المائدة، ومنها أنعام يحرّمون ظهورها، بالنّذر، يقول أحدهم: إذا فعلتْ النّاقةُ كذا من نسللٍ أو مواصلة بين عِدة من إناث، وإذا فعل الفحل كذا وكذا، حَرم ظهره.

وهذا أشار إليه أبو نواس في قوله مادحاً الأمين: وإذا المَطيُّ بنا بلغّن محمداً *** فظهورهن على الرجال حرام فقوله: ﴿ وأنعام حرمت ظهورها ﴾ معطوف على: ﴿ أنعام وحرث حجر ﴾ فهو كخبر عن اسم الإشارة.

وعُلم أنَّه عطف صنف لوروده بعد استيفاء الأوصاف الّتي أجريت على خبر اسم الإشارة والمعطوف عليه عقبه.

والتّقدير: وقالوا هذه أنعام وحرث حجر وهذه أنعام حرّمت ظهورها وبُني فعل: ﴿ حرمت ﴾ للمجهول: لظهور الفاعل، أي حرّم الله ظهورها بقرينة قوله: ﴿ افتراء عليه ﴾ .

والصّنف الثّالث: أنعام لا يذكرون اسم الله عليها، أي لا يذكرون اسم الله عند نحرها أو ذبحها، يزعمون أنّ ما أهدي للجنّ أو للأصنام يُذكر عليه اسم مَا قُرّب له، ويزعمون أنّ الله أمر بذلك لتكون خالصَة القربان لما عُيّنت له، فلأجل هذا الزعم قال تعالى: ﴿ افتراء عليه ﴾ إذ لا يعقل أن ينسب إلى الله تحريمُ ذِكر اسمه على ما يقرّب لغيره لولا أنَّهم يزعمون أنّ ذلك من القربان الّذي يُرضي الله تعالى، لأنَّه لشركائه، كما كانوا يقولون: «لَبَّيْك لا شريكْ لك، إلاّ شريكاً هُوَ لكْ، تَمْلِكُه ومَا مَلكْ».

وعن جماعة من المفسّرين، منهم أبو وائل، الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها كانت لهم سنّة في بعض الأنعام أن لا يُحجّ عليها، فكانت تُركب في كلّ وجه إلاّ الحجّ، وأنَّها المراد بقوله: ﴿ وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ﴾ لأنّ الحجّ لا يخلو من ذكر الله حين الكون على الرّاحلة من تلبية وتكبير، فيكون: ﴿ لا يذكرون اسم الله عليها ﴾ كناية عن منع الحجّ عليها، والظاهر أنّ هذه هي الحامي والبحيرة والسّائبة، لأنَّهم لمّا جعلوا نفعها للأصنام لم يجيزوا أن تستعمل في غير خدمة الأصنام.

وقوله: ﴿ وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ﴾ معطوف على قوله: ﴿ وأنعام حرمت ظهورها ﴾ وهو عطف صنف على صنف، بقرينة استيفاء أوصاف المعطوف عليه، كما تقدّم في نظيره.

وانتصب: ﴿ افتراء عليه ﴾ على المفعولية المطلقة ل ﴿ قالوا ﴾ ، أي قالوا ذلك قولَ افتراء، لأنّ الافتراء بعض أنواع القول، فصحّ أن ينتصب على المفعول المطلق المبين لنوع القول، والافتراء الكذب الّذي لا شبهة لقائله فيه وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ﴾ في سورة آل عمران (94)، وعند قوله: ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب في سورة العقود (103).

وإنَّما كان قولهم افتراء: لأنَّهم استندوا فيه لشيء ليس وارداً لهم من جانب الله، بل هو من ضلال كبرائهم.

وجملة: سيجزيهم بما كانوا يفترون} استئناف بياني، لأنّ الافتراء على الخالق أمر شنيع عند جميع الخلق، فالإخبار به يثير سؤال من يسأل عمّا سيلقونه من جزاء افترائهم، فأجيب بأنّ الله سيجزيهم بما كانوا يفترون.

وقد أبهم الجزاء للتهويل لتذهب النّفوس كلّ مذهب ممكن في أنواع الجزاء على الإثم، والباء بمعنى (عن)، أو للبدلية والعوض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ أيْ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا  ﴾ أيْ حَرامًا، قالَ الشّاعِرُ فَبِتُّ مُرْتَفِقًا والعَيْنُ ساهِرَةٌ كَأنَّ نَوْمِي عَلَيَّ اللَّيْلَ مَحْجُورٌ ﴿ لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: جَعَلُوها لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ.

وَفي الأنْعامِ والحَرْثِ الَّتِي قالُوا إنَّهُ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الأنْعامَ الَّتِي يَحْكُمُونَ فِيها بِهَذا الحُكْمِ عِنْدَهم هي البَحِيرَةُ والحامُ خاصَّةً، والحَرْثُ ما جَعَلُوهُ لِأوْثانِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ الأنْعامَ هي ذَبائِحُ الأوْثانِ، والحَرْثُ ما جَعَلُوهُ لَها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها السّائِبَةُ.

والثّانِي: أنَّها الَّتِي لا يَحُجُّونَ عَلَيْها، قالَهُ أبُو وائِلٍ.

﴿ وَأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها ﴾ وهي قُرْبانُ أوْثانِهِمْ يَذْكُرُونَ عَلَيْها اسْمَ الأوْثانِ، ولا يَذْكُرُونَ عَلَيْها اسْمَ اللَّهِ تَعالى.

﴿ افْتِراءً عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى اللَّهِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ إضافَتَهم ذَلِكَ إلى اللَّهِ هو الِافْتِراءُ عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّ ذِكْرَهم أسْماءَ أوْثانِهِمْ عِنْدَ الذَّبِيحَةِ بَدَلًا مِنِ اسْمِ اللَّهِ هو الِافْتِراءُ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ﴾ قال: الحجر ما حرموا من الوصيلة، وتحريم ما حرموا.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ﴾ قال: ما جعلوا لله ولشركائهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ وحرث حجر ﴾ قال: حرام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ﴾ قال: إنما احتجروا ذلك الحرث لآلهتهم.

وفي قوله: ﴿ لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ﴾ قالوا: يحتجرها عن النساء ويجعلها للرجال، وقالوا: إن شئنا جعلنا للبنات فيه نصيباً وإن شئنا لم نجعل، وهذا أمر افتروه على الله.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ﴾ يقولون: حرام أن نطعم إلا من شئنا ﴿ وأنعام حرمت ظهورها ﴾ قال: البحيرة والسائبة والحامي ﴿ وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ﴾ قال: لا يذكرون اسم الله عليها إذا ولدوها ولا إن نحروها.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي وائل في قوله: ﴿ وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ﴾ قال: لم يكن يحج عليها وهي البحيرة.

وأخرج أبو الشيخ عن أبان بن عثمان.

أنه قرأها ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس.

أنه كان يقرأها ﴿ وحرث حرج ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن الزبير أنه قرأ ﴿ أنعام وحرث حرج ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ بزعمهم ﴾ بنصب الزاي فيهما.

وأخرج أبو عبيد وابن الأنباري في المصاحف عن هرون قال: في قراءة عبد الله ﴿ هذه أنعام وحرث حرج ﴾ .

وأخرج ابن الأنباري عن الحسن أنه كان يقرأ ﴿ وحرث حجر ﴾ بضم الحاء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ معنى الحجر في اللغة: الحرام، وأصله (١) (٢) ﴿ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ ، فأعلم الله عز وجل أن هذا التحريم زعم منهم، لا حجة لهم فيه، ولا برهان) (٣) ﴿ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ﴾ قال ابن عباس: (يريد: مما سيبوا لآلهتهم) (٤) قال الزجاج: (وهي نحو ما وصفنا من البحيرة والسائبة والحامي الذي قد حمي ظهره أن يركب) (٥) ﴿ وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ قال ابن عباس: (يريد: يقتلونها لآلهتهم، إما يقذفونها (٦) (٧) وقال الزجاج: (يذبحونها لأصنامهم ولا يذكرون اسم الله عليها، فأعلم الله عز وجل أن ذلك افتراء (٨) ﴿ افْتِرَاءً عَلَيْهِ ﴾ أي: يفعلون ذلك افتراء، وهذا يسميه سيبويه مفعول له (٩) ﴿ لَا يَذْكُرُونَ ﴾ بمعنى: يفترون، كأنه قال: يفترون افتراء) (١٠) (١) الحجر بكسر الحاء وضمها، وسكون الجيم: الحرام.

انظر: "العين" 3/ 74، و"الجمهرة" 1/ 436، و"تهذيب اللغة" 1/ 747، و"الصحاح" 2/ 623 و"المجمل" 1/ 264، و"المفردات" ص 220، و"اللسان" 2/ 782 (حجر).

(٢) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 207، و"معاني الأخفش" 2/ 287 - 288، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 143، و"تفسير غريب القرآن" ص 171، و"تفسير الطبري" 8/ 46 و"تفسير المشكل" ص80، و"تفسير الرازي" 13/ 207، والقرطبي 7/ 94.

(٣) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 132، ولم أقف عليه في "معاني الزجاج".

(٤) لم أقف عليه، وهو ظاهر كلام القرطبي في "تفسيره" 7/ 95.

(٥) الذي عند الزجاج في "معانيه" 2/ 294 تعريف الحامي فقط.

(٦) في (أ): (يقذوفها)، وهو تحريف.

(٧) لم أقف عليه.

(٨) في (ش): (أن ذلك افتراء عليه، أي: يفعلون ذلك افتراء)، وهو قريب من نص الزجاج.

(٩) أي مفعول لأجله.

انظر: "الكتاب" 1/ 367، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 584: (افتراء) مفعول من أجله ومصدر.

اهـ.

وانظر: "المشكل" 1/ 272، و"غرائب التفسير" 1/ 389، و"التبيان" ص360، و"الفريد" 2/ 236، و"الدر المصون" 5/ 182.

(١٠) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 294، و"معاني النحاس" 2/ 496 - 497.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالُواْ هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ أي حرام، وهو فعل بمعنى مفعول، نحو ذِبْح، فيستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع ﴿ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ ﴾ أي لا يأكلها إلا من شاؤوا وهم قائمون على الأصنام، والرجال دون النساء ﴿ وأنعام حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ﴾ أي لا تركب وهي السائبة وأخواتها ﴿ وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا ﴾ قيل معناه لا يحج عليها فلا يذكر اسم الله بالتلبية، وقيل: لا يذكر اسم الله عليها إذا ذبحت ﴿ افترآء عَلَيْهِ ﴾ كانوا قد قسموا أنعامهم على هذه الأقسام، ونسبوا ذلك إلى الله افتراء وكذباً، ونصب على الحال أو مفعول من أجله، أو مصدر مؤكد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عما تعملون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ﴿ مكاناتكم ﴾ بالجمع حيث كان: أبو بكر وحماد.

الباقون ﴿ مكانتكم ﴾ على التوحيد.

﴿ من يكون ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بتاء التأنيث.

﴿ بزعمهم ﴾ بضم الزاي علي وكذلك ما بعده الباقون: بالفتح ﴿ زين ﴾ على البناء للمفعول ﴿ قتل ﴾ بالرفع ﴿ أولادهم ﴾ بالنصب ﴿ شركائهم ﴾ بالجر ابن عامر.

الآخرون ﴿ زين ﴾ على البناء للفاعل ﴿ قتل ﴾ بالنصب ﴿ أولادهم ﴾ بالجر ﴿ شركاؤهم ﴾ بالرفع ﴿ وإن تكن ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد ﴿ ميتة ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر ويزيد، وقرأ ﴿ ميتة ﴾ بالتشديد ابن كثير وابن عامر: الباقون: بالتخفيف.

الوقوف: ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ مما عملوا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ذو الرحمة ﴾ ط ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ لآت ﴾ لا لأن الواو بعده للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التقرير مع فاء التعقيب ﴿ تعملون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول سواء كان من استفهامية أو موصولة ﴿ عاقبة الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ لشركائنا ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ إلى الله ﴾ ج للفصل بين المتضادين معنى مع الاتفاق حكماً ﴿ شركائهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ دينهم ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ افتراء عليه ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ أزواجنا ﴾ ج للشرط مع العطف.

﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ وصفهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه.

التفسير: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره ﴿ أن لم يكن ﴾ وهو للتعليل والمعنى الأمر ما قصصنا عليك، أو ذلك الذي ذكر لانتفاء كون ربك مهلك القرى و"أن" هي الناصبة للأفعال أو مخففة من الثقيلة، وعلى هذا يكون ضمير الشأن محذوفاً أي أن الحديث كذا، ويجوز أن يكون، ﴿ أن لم يكن ﴾ بدلاً من ﴿ ذلك ﴾ كقوله: ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ بظلم ﴾ أي بسبب ظلم أقدموا عليه وهذا أليق بأصول الأشاعرة.

أو المراد ظالماً لكم فيكون من فعل الله وهذا أنسب بأصول المعتزلة.

ومعناه أنه  لو أهلكهم قبل بعثة الرسل ولم ينبهوا برسول ولا كتاب كان ظالماً.

وعلى هذا التفسير يمكن للأشاعرة أن يقولوا إنه لو فعل ذلك لم يكن ظلماً ولكنه يكون في صورة الظلم فأطلق الظلم على نفسه مجازاً وإلا فهو  يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله.

وأما قوله: ﴿ وأهلها غافلون ﴾ فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به وإنما معناه أنه لا يبين لهم كيفية الحال وأن لا يزيل عذرهم وعلتهم.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب ألبتة لأنها تدل على أنه تعالى ما يعذب أحداً على أمر من الأمور قبل بعثة الرسل لكن بعدها.

والمعتزلة قالوا: إنها تدل من وجه آخر على تقرير الوجوب قبل الشرع لأن قوله: ﴿ بظلم ﴾ إن كان عائداً إلى العبد دل على أنه يمكن أن يصدر منه الظلم والقبيح قبل البعثة، وإن كان عائداً إلى الله  فقد تم الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه.

ثم لما شرح أحوال أهل الثواب والعقاب ذكر كلاماً كلياً فقال: ﴿ ولكل درجات ﴾ أي ولكل عامل في عمله درجات، وعلى حسب تلك الدرجات يكون الجزاء إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

ومعنى ﴿ مما عملوا ﴾ أي من جزاء أعمالهم.

وقيل: إن أول الآية مختصة بأهل الطاعات لأن لفظ الدرجة يليق بهم ولأهل المعصية تكون الدركات وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما ربك بغافل عما يعملون ﴾ قالت الأشاعرة: في الآية دليل على مسألة الجبر والقدر فإنه  حكم لكل واحد بدرجة معينة في وقت معين وبحسب فعل معين، وأثبت تلك الدرجة في اللوح المحفوظ وأشهد عليها الملائكة وخلاف علمه وإثباته وإِشهاده محال.

ثم بين أنه ليس يحتاج إلى طاعة المطيعين ولا يدخل عليه نقص بمعصية العاصين فقال: ﴿ وربك الغني ذو الرحمة ﴾ أما أنه غني في ذاته وصفاته وأفعاله وفي أحكامه عن كل ما سواه فلوجوب وجوده، وأن ما سواه ممكن لذاته مفتقر في الوجود وفي الأمور التابعة للوجود إليه فلا غنيّ إلا هو، وأما أنه ذو الرحمة فلأن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات من الروحانيات ومن الجسمانيات فهو من الحق وبإيجاده وتخليقه، والاستقراء دل على أن الخير غالب كالصحة والشبع والسمع والبصر وما ذلك إلا لرحمته الكاملة ورأفته الشاملة.

والذي يتصوّر من رحمة الوالدين وغيرهما فإنما ذلك بإيجاد داعية ذلك فيهم ومع ذلك فتمكن الشخص من الانتفاع بها ليس إلا منه  .

ومن هذا يعلم تنزهه  عن الظلم والسفه والكذب والعبث.

ومن رحمته تكليف الخلائق ليعرضهم للمنافع الباقيات الدائمات.

ثم لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة كان لظانّ أن يظن أن للرحمة معدناً مخصوصاً وموضعاً معيناً فبين  بقوله  : ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق وقادر على أن يخلق قوماً آخرين ويضع رحمته فيهم، وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم.

ومعنى الإذهاب الإهلاك وأن لا يبلغهم مبلغ التكليف ﴿ ويستخلف من بعدكم ﴾ أي: من بعد ذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون، إلا على طريق البدل من فائت، وقوله: ﴿ ما يشاء ﴾ أي خلق ثالث ورابع.

ثم اختلفوا فقال بعضهم: خلقاً آخرين من أمثال الجن والإنس لكن أطوع، وقال أبو مسلم: يعني خلقاً ثالثاً مخالفاً للثقلين ليكون أقوى في دلالة القدرة.

ثم بيّن سبب قدرته على ذلك فقال ﴿ كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ﴾ لأن من قدر على تصوير النطفة المتشابهة الأجزاء بهذه الصور المخصومة قدر على تصويرها بصور أخرى مخالفة لها.

وقال في الكشاف: المعنى كما أنشأكم من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح  ، ثم ذكر حال المعاد فقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ قال الحسن: أي من مجيء الساعة لأنهم كانوا ينكرون القيامة، ويحتمل أن يقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ إشارة إلى لطفه أي ما يتعلق بالوعد والثواب فهو آت لا محالة.

وقوله: ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ أي خارجين عن قدرتنا وحكمنا إشارة إلى قهره، يقال: أعجزه الشيء أي فاته.

فالجزم في جانب الوعد والتعريض في جانب الوعيد دليل على أن جانب الرحمة والإحسان أغلب.

ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله بتهديد منكري البعث فقال: ﴿ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ﴾ قال الواحدي: قراءة الإفراد أوجه لأن المصدر لا يجمع في أغلب الأحوال، وقال في الكشاف: المكانة تكون مصدراً.

يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكين.

وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة، فمعنى الآية اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها.

يقال للرجل: على مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه ﴿ إني عامل ﴾ على مكانتي التي أنا عليها.

والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، والغرض تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ ﴿ فسوف تعلمون ﴾ أينا تكون له العاقبة المحمودة، والفاء لتعقيب الجزاء ألا يعادي أي قل اعملوا فستجزون وهكذا في سورة الزمر بخلاف سورة هود حيث لم يقل هناك "قل" فصار استئنافاً ومحل "من" نصب إن كان بمعنى "الذي" أو رفع والجملة مفعول تعلمون إن كان بمعنى أيّ و ﴿ عاقبة الدار ﴾ العاقبة الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها وهي مصدر كالعافية.

وهذا طريق من الإنذار لطيف المسلك فيه إنصاف وأدب ووثوق بأن المنذر محق ولهذا قيل له فإن الكافر تكون العاقبة عليه لا له.

ثم حكى أنواعاً من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهاً على ضعف عقولهم وقلة محصولهم وتنفيراً للعقلاء عن الالتفات إلى أقوال أمثالكم فقال: ﴿ وجعلوا لله ﴾ قال الزجاج: وجعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً بدليل قوله: ﴿ فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ﴾ وجعل الأوثان شركاء لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونها عليها.

ثم قال: ﴿ فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ﴾ وفي تفسيره وجوه: قال ابن عباس: كان المشركون يجعلون لله  من حروثهم وأنعامهم نصيباً وللأوثان نصيباً، فما كان للصنم أنفقوه عليه وما كان لله أطعموه الضيفان والمساكين ولا يأكلون منه ألبتة.

ثم إن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا إن الله غنيّ عن هذا، وإن سقط شيء مما جعلوا للأوثان في نصيب الله  أخذوه وردّوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير.

وإنما ذلك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها.

وعن الحسن والسدي: كان إذا هلك لأوثانهم شيء أخذوا بدله مما لله ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله تعالى.

وقال مجاهد: إنه إذا انفجر من سقى ما جعلوه للشيطان في نصيب الله عز وجل سدوه وإن كان على ضد ذلك تركوه، وقال قتادة: إذا أصابهم شدة استعانوا بالله وإذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى شركائهم.

وقال مقاتل: إن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة.

وقالوا: لو شاء زكى نصيب نفسه.

وأما إن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة قالوا لا بدّ لآلهتنا من نفقة وأخذوا نصيب الإله  فأعطوه السدنة.

فمعنى ﴿ فلا يصل إلى الله ﴾ أنه لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين، ومعنى الوصول إلى شركائهم أنهم ينفقونه عليها بذبح نسائك عندها والأجراء على سدنتها ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ مما ذرأ ﴾ فيه أن الله  كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه أي خلقه.

ثم إنه  ذم فعلهم فقال: ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ وذكر العلماء فيه وجوهاً: الأول أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانبه وهو سفه.

الثاني جعلوا بعض الحرث لله وبعضه لغيره مع أنه  هو الخالق للجميع.

الثالث أن ذلك حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع وأشار إليه بقوله ﴿ بزعمهم ﴾ الرابع لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز نصيب لكل حجر ومدر.

الخامس لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ولا قدرة لها على الانتفاع بذلك النصيب، فإفراز النصيب لها عبث.

النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة قوله: ﴿ وكذلك زين ﴾ كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياءً خوفاً من الفقر أو من التزويج، وكان الرجل يحلف بالله إن ولد له كذا غلاماً لينحرن أحدهم كما فعل عبد المطلب على ابنه عبد الله، والشركاء على الوجه الأول الشياطين الذين أطاعوهم في معصية الله تعالى، وعلى الثاني هم السدنة والخدام، والأول قول مجاهد، والثاني للكلبي.

وتقدير الكلام ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله والآلهة، أو مثل ذلك التزيين البليغ الذي علم من الشياطين زين لهم شركاؤهم من الشياطين أو من سدنة الأصنام ﴿ قتل أولادهم ﴾ بالوأد أو بالنحر.

ثم إن وجه القراءة الأكثري ظاهر وليس فيها إلا تقديم المفعول وذلك لشدة الاعتناء به، وأما قراءة أبن عامر فخطأها الزمخشري من جهة الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف فإن ذلك قد جوز بالظرف كقوله: لله در اليوم من لامها *** وضعف بغير الظرف كقوله: فزججتها بمزجة *** زج القلوص أبي مزادة وحملوه على ضرورة الشعر مع الاستكراه، والحق عندي في هذا المقام أن القرآن حجة على غيره وليس غيره حجة عليه، والقراآت السبع كلها متواترة فكيف يمكن تخطئة بعضها؟

فإذا ورد في القرآن المعجز مثل هذا التركيب لزم القول بصحته وفصاحته وأن لا يلتفت إلى أنه هل ورد له نظير في أشعار العرب وتراكيبهم أم لا، وإن ورد فكثير أم لا؟

ومع ذلك فقد وجهه بعض الفضلاء بأن المضاف إليه من الأول محذوف على نحو قوله: بين ذراعي وجبهة الأسد *** والمضاف مضمر مع الثاني كقراءة من قرأ ﴿ والله يريد الآخرة  ﴾ بالجر على تقدير غرض الآخرة، فتقدير الآية: قتل شركائهم أولادهم قتل شركائهم.

ومعنى ﴿ ليردوهم ﴾ ليهلكوهم بالإغواء.

قال ابن عباس: ليردوهم في النار.

واللام محمول على العاقبة إن كان التزيين من السدنة، وعلى حقيقة التعليل إن كان من الشيطان ﴿ وليلبسوا عليهم دينهم ﴾ ليخلطوه عليهم ويشبهوه ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق.

وقيل: دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه، وقيل: وليوقعوهم في دين ملتبس ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ لما فعل المشركون ما زين لهم، أو لما فعل الشياطين والسدنة التزيين أو الإرداء أو اللبس أو جميع ما ذكر إن جعل الضمير جارياً مجرى اسم الإشارة.

والمعتزلة حملوا هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر.

ثم قال: ﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ على قانون قوله: ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ وفيه مع التهديد التسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر والشرك.

قيل: إنما قال في هذه الآية ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ ليكون مناسباً لقوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ وقال فيما قبل: ﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه  ﴾ لأنه وقع عقيب آيات فيها ذكر الرب كقوله: ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم  ﴾ الآيات.

النوع الثالث من أحكامهم الباطلة أنهم قسموا أنعامهم أقساماً فأوّلها أن قولوا ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ وحجر "فعل" بمعنى "مفعول" كالذبح والطحن ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وأصل الحجر المنع وسمي العقل الحجر لمنعه من القبائح، وفلان في حجر القاضي أي في منعه.

كانوا إذا عينوا شيئاً من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: ﴿ لا يطعمها إلا من نشاء ﴾ يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء ﴿ و ﴾ ثانيها أن قالوا: ﴿ هذه أنعام حرمت ظهورها ﴾ وهي البحائر والسوائب والحوامي وقد سبق في المائدة.

﴿ و ﴾ ثالثها: ﴿ أنعام لا يذكرون اسم الله عليها ﴾ في الذبح وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام.

وقيل: هي أنعام لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها وإنما فعلوا ذلك كله من غير حكم من الله وشرع منه بل ﴿ افتراء عليه ﴾ وانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء.

ثم قال: ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ والمقصود منه الوعيد، ﴿ و ﴾ النوع الرابع من قضاياهم الفاسدة أن ﴿ قالوا ما في بطون هذه الأنعام ﴾ يعنون أجنة البحائر والسوائب ﴿ خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ﴾ هذا إن ولد حياً ﴿ وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ﴾ أي اشترك فيه الذكور والإناث، من قرأ بنصب ميتة فتقديره وإن يكن ما في بطونها ميتة، ومن قرأ بالرفع فعلى أن "كان تامة"، أو لأن التقدير: وإن يكن لهم أو هناك ميتة.

وإنما جاز تذكير الفعل وتأنيثه لأن تأنيث الميتة غير حقيقي، أو لأن الميتة لكل ميت ذكر أو أنثى فكأنه قيل: ميت ولهذا جاز عود الضمير إليه مذكراً في قوله: ﴿ فهم فيه شركاء ﴾ وتذكير الضمير في قوله: ﴿ فهم ﴾ للتغليب ﴿ سيجزيهم وصفهم ﴾ أي جزاء وصفهم على الله الكذب في التحليل والتحريم ﴿ إنه حكيم عليم ﴾ ليكون الزجر واقعاً على حد الحكمة وبحسب الاستحقاق.

فإن قيل: كيف أنث ﴿ خالصة ﴾ وذكر ﴿ محرماً ﴾ ؟

قلنا: الأول حمل على المعنى لأن ما في بطون الأنعام في معنى الأجنة، والثاني حمل على اللفظ، وفي الأول وجهان آخران: أن تكون التاء للمبالغة مثل رواية الشعر وأن يكون مصدراً كالعاقبة أي ذو خالصة.

ثم إنه  جمع قبائح أحكامهم وأفعالهم وحكم عليهم بالخسران والسفاهة وعدم العلم والضلال وعدم الاهتداء فقال ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم ﴾ الآية.

وذلك أن الولد نعمة عظيمة من الله تبقي ذكره ونسله فالسعي في إبطال مثل هذه النعمة لضرر مظنون هو الفقر أو نحوه، أو لفائدة موهومة هي القربة إلى الأصنام دليل خفة العقل وعدم العلم وأنه موجب لخسران الدارين.

وكذا تحريم ما أحل الله من الطيبات بالهوى والتقليد بل لمحض الافتراء على الله وإن ذلك من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، ولهذا سجل عليهم آخراً بالضلال ثم بعدم الاهتداء ليحصل كلا الأمرين لهم بالمطابقة كما حصل بالتضمن والله أعلم.

التأويل: ﴿ مهلك القرى ﴾ أي قرى أشخاص الإنسان ﴿ بظلم ﴾ وهو صرف الاستعداد الفطري في استيفاء اللذات الفانية ﴿ وأهلها غافلون ﴾ لم يبلغوا مبلغ التكليف بعد.

﴿ وربك الغني ﴾ عن كل مخلوق عامة وعن الإنسان خاصة ﴿ ذو الرحمة ﴾ خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح عليهم.

﴿ واعملوا على مكانتكم ﴾ أي على ما جبلتم عليه ﴿ إني عامل ﴾ على ما جبلت عليه ﴿ قتل أولادهم شركاؤهم ﴾ من الشياطين والنفس والهوى والدنيا ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ لأنهم ذهبوا مذهب الطبع لا مذهب الشرع، والعمل بالطبع وإن كان فيه نوع مجاهدة النفس لا يكون له نور إذا لم يكن لامتثال الشرع ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم ﴾ لأن ذلك نتيجة انتزاع الرحمة عن قلوبهم وحرموا ما رزقهم الله صورة وهو ظاهر، ومعنى وهو استعداد حصول مراتب أهل القرب ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ لأن خشية الفقر حملتهم على قتل الأولاد.

وقال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ...

﴾ الآية، يخبر - عز وجل - عن سفههم من وجوه: أحدها: أنهم كانوا يجعلون لله نصيباً مما كان لله في الحقيقة مع علمهم أن الله هو الذي أنشأ لهم تلك الأشياء وهو ذرأها، ثم يجعلون لله في ذلك نصيباً [وللأصنام نصيباً] يسفههم لأنهم إذا علموا أن الله هو الذي ذرأ لهم تلك الأشياء وأنشأها لهم، فإليه الاختيار في جعل ذلك لا إليهم [إذ علموا] أنهم إنما يملكون هم بجعل الله لهم، وهو المالك عليها حقيقة.

والثاني: ما يبين سفههم - أيضاً - أنهم يجعلون لله في ذلك نصيباً وللأصنام نصيباً من الثمار والحروث وغيرها، ثم إذا وقع [شيء] مما جعلوا لله وخالط ما جزّءوا وجعلوه لشركائهم تركوه، وإذا خالط شيء مما جعلوا لشركائهم، ووقع فيما جعلوه لله أخذوه وردوه على شركائهم وانتفعوا به، وتركوا الآخر للأصنام إيثاراً للأصنام عليه، وإعظاما لها.

أو إذا زكا نصيب الأصنام ونما، ولم يزك نصيب الله، ولم ينمُ تركوا ذلك للأصنام، ويقولون: لو شاء الله لأزكى نصيبه، وإذا زكا الذي كانوا يجعلون لله، ولا يزكو نصيب الأصنام أخذوا نصيب الله فقسموه بين المساكين وبين الأصنام نصفين.

يسفههم - عز وجل - بصنيعهم الذي يصنعون ويبين عن جوهرهم بإيثارهم الأصنام، وإعظامهم إياها، والتفضيل في القسمة والتجزئة، مع علمهم أن الله هو الذي ذرأ ذلك وأنشأه لهم، وأن الأصنام التي أشركوها في أموالهم وعبادتهم لله لا يملكون من ذلك شيئاً.

وذلك منهم سفه وجور؛ حيث أشركوا في أموالهم وعبادتهم مع الله أحداً لا يستحق بذلك شيئاً، وهو كما جعلوا لله البنات، وهم كانوا يأنفون عن البنات، كقوله: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ...

﴾ الآية [النحل: 58]: وقال: ﴿ أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ  ﴾ وقال: ﴿ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ  ﴾ تأنفون أنتم عن البنات وتضيفونهن إليه؟!

فهو إذاً جور وظلم؛ فعلى ذلك تفضيل الأصنام في القسمة وإيثارهم إياها على الله، وإشراكهم مع الله، مع علمهم أنه كان جميع ذلك بالله، وهو أنشأه لهم - جور وسفه.

ثم أخبر أنهم: ﴿ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ .

أي بئس الحكم حكمهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ، أي: كما زين لهم جعل النصيب للأصنام [و] التجزئة لها، وصرف ما خلق الله لهم عنه إلى الأصنام كذلك زين لهم قتل أولادهم.

أو كما زين لهم تحريم ما أحل الله لهم من السائبة والوصيلة والحامي كذلك زين لهم شركاؤهم قتل أولادهم.

وأصله: أن الشفقة التي جعل الله في الخلق لأولادهم [و] الرحمة التي جبلت طبائعهم عليها تمنعهم عن قتلهم، وخاصة أولادهم الضعفاء والصغار، وكذلك الشهوة التي خلق فيهم تمنعهم عن تحريم ما أحل الله لهم، لكن [زين لهم ذلك] شركاؤهم، وحسنوا عليهم تحريم ما أحل لهم وقتل أولادهم، فما حسن عليهم الشركاء وزين لهم من تحريم ما أحل لهم وقتل أولادهم غلب على الشفقة التي جبلت فيهم، والشهوة التي خلق ومكن فيهم.

ثم اختلف في شركائهم: قال بعضهم شركاؤهم: شياطينهم التي تدعوهم إلى ذلك.

وقيل: شركاؤهم: كبراؤهم ورؤساؤهم الذي يستتبعونهم.

[ثم] يحتمل: قتل الكبراء أولادهم؛ تكبرا منهم وتجبرا؛ لأنهم كانوا يأنفون عن أولادهم الإناث، وقتل الأتباع؛ مخافة العيلة والفقر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُرْدُوهُمْ ﴾ .

قيل: ليهلكوهم، إنهم كانوا يقصدون في التحسين والتزيين الإرداء والإهلاك، وإن كانوا يرونهم في [ذلك] الشفقة، وكذلك كانوا يقصدون بالتزيين تلبيس الدين عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ﴾ .

يحتمل: وجوهاً: قال بعضهم: لو شاء الله لأهلكهم فلم يفعلوا ذلك.

وقيل: لأعجزهم ومنعهم عن ذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ  ﴾ .

وقيل: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ﴾ ، أي: لأراهم قبح فعلهم؛ حتى لم يفعلوا.

وأصله: أنه إذا علم منهم أنهم يفعلون ما فعلوا ويختارون ما اختاروا من التزيين ولبس الدين عليهم شاء ما فعلوا واختاروا، [وقد] ذكرنا ذلك في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ .

أي: ذرهم ولا تكافئهم بافترائهم على الله.

ويحتمل: ذرهم وما يفترون؛ فإن الله يكافئهم ولا يفوتون.

ويحتمل: ذرهم وما يفترون؛ فإن ضرر ذلك الافتراء عليهم، ليس علينا ولا عليك، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ .

قيل: هذه الآية صلة قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ هذا الذي جعلوا للشركاء هو الحجر الذي ذكر في هذه الآية؛ لأنهم كانوا [لا] ينتفعون بذلك ويحرمونه، وهو حجر.

وأصل الحجر: المنع، وعن ابن عباس -  - قال: الحجر: ما حرموا [أنفسهم] من أشياء: من الوصيلة، والسائبة، والحامي، وتحريمهم ما حرموا من أشياء: كانوا يحلون أشياء حرمها الله، ويحرمون أشياء أحلها الله في الجاهلية من الحرث والأنعام.

وفي حرف [أُبي] وابن عباس -  ما -: (حرج)، على تأخير الجيم وتقديم الراء.

وعن الحسن: (حُجر)، برفع الحاء.

وأصل الحجر: المنع، ممنوع: محجور، يقال: حجرت عليه، أي: منعته، والحجر أيضاً: موضع بمكة، والاحتجار: الاستئثار، وهو أن يأخذ الشيء ولا يعطي منه أحداً شيئاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ ﴾ ، يعني: لا يطعمها إلا من يشاء الله [بزعمهم]؛ لأنهم كانوا يحرمون أشياء ويأتون [أشياء] فواحش، فيقولون: إن الله أمرهم بذلك؛ كقوله في الأعراف: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ .

وقال بعضهم: قوله ﴿ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ يعني: الذين سنوا لهم، أي: لا يطعمها إلا من يشاء أولئك الذين سنوا ذلك، وحرموا ذلك على نسائهم؛ على ما روي عن النبي  أنه قال: "إن شئت قد ذكرت لكم أول من بدل دين إسماعيل، وبحر البحيرة والسائبة" فعلى ذلك أضافوا المشيئة إلى أولئك الذين سنوا لهم ذلك، وحرموا على إناثهم وأحلوا لذكورهم.

وقال بعضهم قوله: ﴿ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ ﴾ هؤلاء الرجال، كانت مضافة إلى الرجال دون النساء، وفي ذلك تسفيه أحلامهم؛ لأنهم [كانوا] ينكرون الرسالة لما كان يحرمون من الطيبات، ثم يتبعون الذي حرم عليهم الطيبات التي أحلها الله لهم [لأنهم ينكرون الرسالة لما كان] من البحيرة، والسائبة، ونحوهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ﴾ هو ما ذكر من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، وهو الحجر الذي ذكر في هذه الآية، يجعلون تلك الأشياء لشركائهم، لا ينتفعون بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: لا ينتفعون بها؛ ليعرفوا أنعم الله؛ ليشكروا الله عليها.

وقيل: ﴿ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: لا يذبحون للأكل، ولا يذكرون اسم الله عليها.

ويحتمل: لا يذكرون اسم الله عليها وقت الركوب؛ كما يذكر اسم الله عليها وقت الركوب، وهو قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا ﴾ \[الآية\] [الزخرف: 13]؛ لأنهم كانوا لا يركبونها؛ ولكن يسيبونها.

وقيل: لا يحجون عليها.

والأول كأنه أقرب: كانوا لا ينتفعون بها؛ ليعرفوا نعم الله، ويشكروه عليها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ .

بأن الله أمرهم بذلك، وهو حرم عليهم، وهو أحل؛ فذلك هو الافتراء على الله، أو بما أشركوا شركاءهم في عبادة الله وفي نعمه.

﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا ﴾ .

قيل: هو صلة قوله: ﴿ وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ ، يحرمون على النساء، ويحلون للرجال، يعني إذا ولدوا حيّاً [كان ينتفع] بذلك رجالهم دون نسائهم، وإذا ولدوا ميتاً اشتركوا فيه الإناث والذكور [و] يذكر في هذا كله سفه أولئك في صنيعهم، ويذكر في قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ ﴾ إلى آخر [منته و] نعمه التي أنعم عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ﴾ .

أي: افتراءهم على الله، وتحريمهم ما أحل الله لهم، وتحليلهم ما حرم عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلَٰدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .

أخبر أنهم قد خسروا بقتلهم الأولاد، وتحريمهم ما أحل لهم ورزقهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .

وبالله الهداية والرشاد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال المشركون: هذه أنعام وزروع ممنوعة لا يأكل منها إلا من يشاؤون بزعمهم وافترائهم من خدَّام الأوثان وغيرهم، وهذه أنعام حُرِّمت ظهورها؛ فلا تُرْكَب، ولا يُحْمَل عليها، وهي البَحِيرة والسائبة والحامي، وهذه أنعام لا يذكرون اسم الله عليها عند الذبح، وإنما يذبحونها باسم أصنامهم؛ ارتكبوا ذلك كله كذبًا على الله أن ذلك من عنده، سيجزيهم الله بعذابه بسبب ما كانوا يفترون عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.7GYxy"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله