الآية ١٤٢ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٤٢ من سورة الأنعام

وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ حَمُولَةًۭ وَفَرْشًۭا ۚ كُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ١٤٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٢ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٢ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ومن الأنعام حمولة وفرشا ) أي : وأنشأ لكم من الأنعام ما هو حمولة وما هو فرش ، قيل : المراد بالحمولة ما يحمل عليه من الإبل ، والفرش الصغار منها .

كما قال الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله في قوله : ( حمولة ) ما حمل عليه من الإبل ، ( وفرشا ) وقال : الصغار من الإبل .

رواه الحاكم ، وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

وقال ابن عباس : الحمولة : الكبار ، والفرش هي الصغار من الإبل .

وكذا قال مجاهد .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( ومن الأنعام حمولة وفرشا ) فأما الحمولة فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه ، وأما الفرش فالغنم .

واختاره ابن جرير ، قال : وأحسبه إنما سمي فرشا لدنوه من الأرض .

وقال الربيع بن أنس ، والحسن ، والضحاك ، وقتادة : الحمولة : الإبل والبقر ، والفرش : الغنم .

وقال السدي : أما الحمولة فالإبل ، وأما الفرش فالفصلان والعجاجيل والغنم ، وما حمل عليه فهو حمولة .

قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الحمولة ما تركبون ، والفرش ما تأكلون وتحلبون ، شاة لا تحمل ، تأكلون لحمها وتتخذون من صوفها لحافا وفرشا .

وهذا الذي قاله عبد الرحمن في تفسير هذه الآية الكريمة حسن يشهد له قوله تعالى : ( أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ) [ يس : 71 ، 72 ] ، وقال تعالى : ( وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ومن ثمرات النخيل والأعناب ) إلى أن قال : ( ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين ) [ النحل : 69 - 80 ] ، وقال تعالى : ( الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون ) [ غافر : 79 - 81 ] .

وقوله تعالى : ( كلوا مما رزقكم الله ) أي : من الثمار والزروع والأنعام ، فكلها خلقها الله تعالى وجعلها رزقا لكم ، ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) أي : طرائقه وأوامره ، كما اتبعها المشركون الذين حرموا ما رزقهم الله ، أي : من الثمار والزروع افتراء على الله ، ( إنه لكم ) أي : إن الشيطان - أيها الناس - لكم ( عدو مبين ) أي : بين ظاهر العداوة ، كما قال تعالى : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) [ فاطر : 6 ] ، وقال تعالى : ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ) الآية ، [ الأعراف : 27 ] ، وقال تعالى : ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ) [ الكهف : 50 ] .

والآيات في هذا كثيرة في القرآن .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشًا, مع ما أنشأ من الجنات المعروشات وغير المعروشات .

* * * و " الحمولة "، ما حمل عليه من الإبل وغيرها.

و " الفرش "، صغار الإبل التي لم تدرك أن يُحْمَل عليها .

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: " الحمولة "، ما حمل عليه من كبار الإبل ومسانّها= و " الفرش "، صغارها التي لا يحمل عليها لصغرها .

* ذكر من قال ذلك: 14047- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن عبد الله في قوله: (حمولة وفرشًا)، قال: " الحمولة "، الكبار من الإبل=" وفرشًا "، الصغار من الإبل .

14048- .

.

.

.

وقال، حدثنا أبي, عن أبي بكر الهذلي, عن عكرمة, عن ابن عباس: " الحمولة "، هي الكبار, و " الفرش "، الصغار من الإبل .

14049- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن أبي يحيى, عن مجاهد قال: " الحمولة "، ما حمل من الإبل, و " الفرش "، ما لم يحمل .

14050- وبه عن إسرائيل, عن خصيف, عن مجاهد: " الحمولة "، ما حمل من الإبل, و " الفرش "، ما لم يحمل .

14051- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (وفرشًا)، قال: صغار الإبل .

14052- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن عبد الله في قوله: (حمولة وفرشًا)، قال: " الحمولة "، الكبار, و " الفرش "، الصغار .

14053- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن ابن مسعود في قوله: (حمولة وفرشًا)،" الحمولة "، ما حمل من الإبل, و " الفرش "، هنّ الصغار .

14054- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص عن عبد الله: أنه قال في هذه الآية: (حمولة وفرشًا)، قال: " الحمولة "، ما حمل عليه من الإبل, و " الفرش "، الصغار = قال ابن المثنى, قال محمد, قال شعبة: إنما كان حدثني سفيان، عن أبي إسحاق .

14055- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه قال، قال الحسن: " الحمولة "، من الإبل والبقر .

* * * وقال بعضهم: " الحمولة "، من الإبل, وما لم يكن من " الحمولة "، فهو " الفرش " .

14056- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, عن الحسن: (حمولة وفرشًا)، قال: " الحمولة "، ما حمل عليه, و " الفرش "، حواشيها, يعني صغارها .

14057- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (ومن الأنعام حمولة وفرشًا)، فـ" الحمولة "، ما حمل من الإبل, و " الفرش "، صغار الإبل, الفصيل وما دون ذلك مما لا يحمل .

* * * ويقال: " الحمولة "، من البقر والإبل = و " الفرش "، الغنم .

* * * وقال آخرون: " الحمولة "، ما حمل عليه من الإبل والخيل والبغال وغير ذلك, و " الفرش "، الغنم .

* ذكر من قال ذلك: 14058- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (ومن الأنعام حمولة وفرشًا)، فأما " الحمولة "، فالإبل والخيل والبغال والحمير, وكل شيء يحمل عليه، وأما " الفرش "، فالغنم .

14059- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر, عن الربيع بن أنس: " الحمولة "، من الإبل والبقر= و " فرشًا ".

المعز والضأن .

14060- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ومن الأنعام حمولة وفرشًا)، قال: أما " الحمولة "، فالإبل والبقر .

قال: وأما " الفرش "، فالغنم .

14061- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, كان غير الحسن يقول: " الحمولة "، الإبل والبقر, و " الفرش "، الغنم .

14062- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ومن الأنعام حمولة وفرشًا)، أما " الحمولة "، فالإبل .

وأما " الفرش "، فالفُصْلان والعَجَاجيل والغنم.

(87) وما حمل عليه فهو " حمولة " .

14063- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (حمولة وفرشًا)،" الحمولة "، الإبل, و " الفرش ", الغنم .

14064- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي بكر الهذلي, عن الحسن: (وفرشًا)، قال: " الفرش "، الغنم .

14065- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (حمولة وفرشًا) قال: " الحمولة "، ما تركبون, و " الفرش "، ما تأكلون وتحلبون, شاة لا تحمل, تأكلون لحمها, وتتخذون من أصوافها لحافًا وفرشًا .

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن " الحمولة "، هي ما حمل من الأنعام, لأن ذلك من صفتها إذا حملت, لا أنه اسم لها، كالإبل والخيل والبغال، فإذا كانت إنما سميت " حمولة " لأنها تحمل, فالواجب أن يكون كل ما حَمَل على ظهره من الأنعام فحمولة.

وهي جمع لا واحد لها من لفظها, كالرَّكوبة، و " الجزورة " .

وكذلك " الفرش "، إنما هو صفة لما لطف فقرب من الأرض جسمه, ويقال له: " الفرش " .

وأحسبها سميت بذلك تمثيلا لها في استواء أسنانها ولطفها بالفَرْش من الأرض, وهي الأرض المستوية التي يتوطَّؤُها الناس .

فأما " الحمولة "، بضم " الحاء "، فإنها الأحمال, وهي" الحمول " أيضًا بضم الحاء .

* * * القول في تأويل قوله : كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: كلوا مما رزقكم الله، أيها المؤمنون, فأحلّ لكم ثمرات حروثكم وغروسكم، ولحوم أنعامكم, إذ حرّم بعض ذلك على أنفسهم المشركون بالله, فجعلوا لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا وللشيطان مثله, فقالوا: هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا =(ولا تتبعوا خطوات الشيطان)، كما اتبعها باحرُو البحيرة، ومسيِّبو السوائب, فتحرموا على أنفسكم من طيب رزق الله الذي رزقكم ما حرموه, فتطيعوا بذلك الشيطان، وتعصوا به الرحمن ، كما:- 14066- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) ، لا تتبعوا طاعته، هي ذنوب لكم, وهي طاعة للخبيث .

* * * = إن الشيطان لكم عدو يبغي هلاككم وصدكم عن سبيل ربكم=(مبين)، قد أبان لكم عدواته، (88) بمناصبته أباكم بالعداوة, حتى أخرجه من الجنة بكيده، وخدَعه حسدًا منه له، (89) وبغيًا عليه .

(90) -------------------- الهوامش : (87) (( العجاجيل )) جمع (( عجول )) ( بكسر العين ، وتشديد الجيم وفتحها ، وسكون الواو ) وهو (( العجل )) ولد البقر .

(88) في المطبوعة والمخطوطة : (( أبان لكم عدوانه )) ، وصوابها ما أثبت .

(89) في المطبوعة : (( وحسدًا منه )) بالواو ، والصواب ما في المخطوطة .

(90) انظر تفسير (( خطوات الشيطان )) فيما سلف 2 : 300 - 302 / 4 : 258 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبينقوله تعالى ومن الأنعام حمولة وفرشا عطف على ما تقدم .

أي وأنشأ حمولة وفرشا من الأنعام .

وللعلماء في الأنعام ثلاثة أقوال : أحدها : أن الأنعام الإبل خاصة ; وسيأتي في " النحل " بيانه .

الثاني : أن الأنعام الإبل وحدها ، وإذا كان معها بقر وغنم فهي أنعام أيضا .

الثالث : وهو أصحها قاله أحمد بن يحيى : الأنعام كل ما أحله الله عز وجل من الحيوان .

ويدل على صحة هذا قوله تعالى : أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم وقد تقدم .

والحمولة ما أطاق الحمل والعمل ; عن ابن مسعود وغيره .

ثم قيل : يختص اللفظ بالإبل .

وقيل : كل ما احتمل عليه الحي من حمار أو بغل أو بعير ; عن أبي زيد ، سواء كانت عليه الأحمال أو لم تكن .قال عنترة :ما راعني إلا حمولة أهلها وسط الديار تسف حب الحمحموفعولة بفتح الفاء إذا كانت بمعنى الفاعل استوى فيها المؤنث والمذكر ; نحو قولك : رجل فروقة وامرأة فروقة للجبان والخائف .

ورجل صرورة وامرأة صرورة إذا لم يحجا ; ولا جمع له .

فإذا كانت بمعنى المفعول فرق بين المذكر والمؤنث بالهاء كالحلوبة والركوبة .

والحمولة " بضم الحاء " : الأحمال .

وأما الحمول " بالضم بلا هاء " فهي الإبل التي عليها الهوادج ، كان فيها نساء أو لم يكن ; عن أبي زيد .

وفرشا قال الضحاك : الحمولة من الإبل والبقر .

والفرش : الغنم .

النحاس : واستشهد لصاحب هذا القول بقوله : ثمانية أزواج قال : ف ( ثمانية ) بدل من قوله : حمولة وفرشا .

وقال الحسن : الحمولة الإبل .

والفرش : الغنم .

وقال ابن عباس : الحمولة كل ما حمل من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير .

والفرش : الغنم .

وقال ابن زيد : الحمولة ما يركب ، والفرش ما يؤكل لحمه ويحلب ; مثل الغنم والفصلان والعجاجيل ; سميت فرشا للطافة أجسامها وقربها من الفرش ، وهي الأرض المستوية التي يتوطؤها الناس .

قال الراجز :أورثني حمولة وفرشا أمشها في كل يوم مشا[ ص: 102 ] وقال آخر :وحوينا الفرش من أنعامكم والحمولات وربات الحجلقال الأصمعي : لم أسمع له بجمع .

قال : ويحتمل أن يكون مصدرا سمي به ; من قولهم : فرشها الله فرشا ، أي بثها بثا .

والفرش : المفروش من متاع البيت .

والفرش : الزرع إذا فرش .

والفرش : الفضاء الواسع .

والفرش في رجل البعير : اتساع قليل ، وهو محمود .

وافترش الشيء انبسط ; فهو لفظ مشترك .

وقد يرجع قوله تعالى : وفرشا إلى هذا .

قال النحاس : ومن أحسن ما قيل فيهما أن الحمولة المسخرة المذللة للحمل .

والفرش ما خلقه الله عز وجل من الجلود والصوف مما يجلس عليه ويتمهد .

وباقي الآية قد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { و } خلق وأنشأ { من الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا } أي: بعضها تحملون عليه وتركبونه، وبعضها لا تصلح للحمل والركوب عليها لصغرها كالفصلان ونحوها، وهي الفرش، فهي من جهة الحمل والركوب، تنقسم إلى هذين القسمين.

وأما من جهة الأكل وأنواع الانتفاع، فإنها كلها تؤكل وينتفع بها.

ولهذا قال: { كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } أي: طرقه وأعماله التي من جملتها أن تحرموا بعض ما رزقكم الله.

{ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } فلا يأمركم إلا بما فيه مضرتكم وشقاؤكم الأبدي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ومن الأنعام ) أي : وأنشأ من الأنعام ، ( حمولة ) وهي كل ما يحمل عليها من الإبل ، ( وفرشا ) وهي الصغار من الإبل التي لا تحمل .

( كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) لا تسلكوا طريقه وآثاره في تحريم الحرث والأنعام ، ( إنه لكم عدو مبين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» أنشأ «من الأنعام حمولة» صالحة للحمل عليها كالإبل الكبار «وفرشا» لا تصلح له كالإبل الصغار والغنم سميت فرشا لأنها كالفرش للأرض لدونها منها «كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان» طرائقه من التحريم والتحليل «إنه لكم عدوٌ مبين» بين العداوة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأوجد من الأنعام ما هو مهيَّأ للحمل عليه لكبره وارتفاعه كالإبل، ومنها ما هو مهيَّأ لغير الحمل لصغره وقربه من الأرض كالبقر والغنم، كلوا مما أباحه الله لكم وأعطاكموه من هذه الأنعام، ولا تحرموا ما أحلَّ الله منها اتباعًا لطرق الشيطان، كما فعل المشركون.

إن الشيطان لكم عدو ظاهر العداوة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حال الأنعام ، وأبطل ما تقولوه عليه فى شأنها بالتحريم والتحليل فقال : { وَمِنَ الأنعام حَمُولَةً وَفَرْشاً } .الحمولة ، هى الأنعام الكبار الصالحة للحمل .

والفرش هى صغارها الدانية من الأرض ، مثل الفرش المفروش عليها .وقيل الحمولة كل ما حمل عليه من إبل وبقر وبغل وحمار .

والفرش ما اتخذ من صوفه ووبره وشعره ما يفرش .أى : وأنشأ لكم - سبحانه - من الأنعام حمولة وهى ما تحمولن عليه أثقالكم ، كما أنشأ لكم منها فرشا وهى صغارهاه التى تفرش للذبائح من الضأن والمعز والإبل والبقر .والجملة معطوفة على جنات ، والجهة الجامعة بينهما إباحة الانتفاع بهما .وقوله { كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } .أى : كلوا مما رزقكم الله من هذه الثمار والزروع والأنعام وغيرها ، وانتفعوا منها بسائر أنواع الانتفاع المشروعة ، ولا تتبعوا وساوس الشيطان وطرقه فى التحريم والتحليل كما أتبعها أهل الجاهلية ، إذ حرموا ما رزقهم الله افتراء عليه ، إن الشيطان عداوته ، ظاهرة واضحة لكم ، فهو يمنعكم مما يحفظ روحكم ، ويطهر قلوبكم ، فالجملة الكريمة { إِنَّهُ لَكُمْ } تعليل للنهى عن اتباع خطوات الشيطان .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية إنعامه على عباده بالمنافع النباتية أتبعها بذكر إنعامه عليهم بالمنافع الحيوانية.

فقال: ﴿ وَمِنَ الانعام حَمُولَةً وَفَرْشًا ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الواو في قوله: ﴿ وَمِنَ الأنعام حَمُولَةً وَفَرْشًا ﴾ توجب العطف على ما تقدم من قوله: ﴿ وَهُوَ الذي أَنشَأَ جنات معروشات  ﴾ والتقدير: وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشاً وكثر أقوالهم في تفسير الحمولة والفرش وأقربها إلى التحصيل وجهان: الأول: أن الحمولة ما تحمل الأثقال والفرش ما يفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش.

والثاني: الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض بسبب صغر أجرامها مثل الفرش المفروش عليها.

ثم قال تعالى: ﴿ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ يريد ما أحلها لكم.

قالت المعتزلة: إنه تعالى أمر بأكل الرزق، ومنع من أكل الحرام، ينتج أن الرزق ليس بحرام.

ثم قال: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان ﴾ أي في التحليل والتحريم من عند أنفسكم كما فعله أهل الجاهلية ﴿ خطوات ﴾ جمع خطوة وهي ما بين القدمين قال الزجاج: وفي ﴿ خطوات الشيطان ﴾ ثلاثة أوجه: بضم الطاء وفتحها وبإسكانها، ومعناه: طرق الشيطان أي لا تسلكوا الطريق الذي يسوله لكم الشيطان.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ أي بين العداوة، أخرج آدم من الجنة، وهو القائل: ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: في انتصاب قوله: ﴿ ثمانية ﴾ وجهان: الأول: قال الفراء: انتصب ثمانية بالبدل من قوله: ﴿ حَمُولَةً وَفَرْشًا ﴾ والثاني: أن يكون التقدير: كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج.

البحث الثاني: الواحد إذا كان وحده فهو فرد، فإذا كان معه غيره من جنسه سمي زوجاً، وهما زوجان بدليل قوله: ﴿ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ وبدليل قوله: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿ مّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين...

وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَمِنْ الضأن اثنين ﴾ يعني الذكر والأنثى، والضأن ذوات الصوف من الغنم.

قال الزجاج: وهي جمع ضائن وضائنة مثل تاجر وتاجرة ويجمع الضأن أيضاً على الضئين بكسر الضاد وفتحها وقوله: ﴿ وَمِنَ المعز اثنين ﴾ قرئ ﴿ وَمِنَ المعز ﴾ بفتح العين، والمعز ذوات الشعر من الغنم ويقال للواحد: ماعز وللجمع: معزى.

فمن قرأ ﴿ المعز ﴾ بفتح العين فهو جمع ماعز، مثل خادم وخدم وطالب وطلب، وحارس وحرس.

ومن قرأ بسكون العين فهو أيضاً جمع ماعز كصاحب وصحب، وتاجر وتجر، وراكب وركب.

وأما انتصاب اثنين فلأن تقدير الآية أنشأ ثمانية أزواج أنشأ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين وقوله: ﴿ قُلْ ءآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين ﴾ نصب الذكرين بقوله: ﴿ حَرَّمَ ﴾ والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله.

قال المفسرون: إن المشركين من أهل الجاهلية كانوا يحرمون بعض الأنعام، فاحتج الله تعالى على إبطال قولهم بأن ذكر الضأن والمعز والإبل والبقر وذكر من كل واحد من هذه الأربعة زوجين، ذكراً وأنثى.

ثم قال إن كان حرم منها الذكر وجب أن يكون كل ذكورها حراماً وإن كان حرم الأنثى، وجب أن يكون كل إناثها حراماً، وقوله: ﴿ أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين ﴾ تقديره: إن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وجب تحريم الأولاد كلها لأن الأرحام تشتمل على الذكور والإناث، هذا ما أطبق عليه المفسرون في تفسير هذه الآية، وهو عندي بعيد جداً، لأن لقائل أن يقول: هب أن هذه الأنواع الأربعة، أعني: الضأن، والمعز، والإبل، والبقر، محصورة في الذكور والإناث، إلا أنه لا يجب أن تكون علة تحريم ما حكموا بتحريمه محصورة في الذكورة والأنوثة، بل علة تحريمها كونها بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حاماً أو سائر الاعتبارات، كما أنا إذا قلنا: أنه تعالى حرم ذبح بعض الحيوانات لأجل الأكل.

فإذا قيل: إن ذلك الحيوان إن كان قد حرم لكونه ذكراً وجب أن يحرم كل حيوان ذكر، وإن كان قد حرم لكونه أنثى وجب أن يحرم كل حيوان أنثى، ولما لم يكن هذا الكلام لازماً علينا، فكذا هذا الوجه الذي ذكره المفسرون في تفسير هذه الآية، ويجب على العاقل أن يذكر في تفسير كلام الله تعالى وجهاً صحيحاً فأما تفسيره بالوجوه الفاسدة فلا يجوز والأقرب عندي فيه وجهان: أحدهما: أن يقال: إن هذا الكلام ما ورد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم، بل هو استفهام على سبيل الإنكار يعني أنكم لا تقرون بنبوة نبي، ولا تعرفون شريعة شارع، فكيف تحكمون بأن هذا يحل وأن ذلك يحرم؟

وثانيهما: أن حكمهم بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام مخصوص بالإبل، فالله تعالى بين أن النعم عبارة عن هذه الأنواع الأربعة، فلما لم تحكموا بهذه الأحكام في الأقسام الثلاثة، وهي: الضأن والمعز والبقر، فكيف خصصتم الإبل بهذا الحكم على التعيين؟

فهذا ما عندي في هذه الآية والله أعلم بمراده.

ثم قال تعالى: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وصاكم الله بهذا ﴾ والمراد هل شاهدتم الله حرم هذا إن كنتم لا تؤمنون برسول؟

وحاصل الكلام من هذه الآية: أنكم لا تعترفون بنبوة أحد من الأنبياء، فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة؟

ولما بين ذلك قال: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا لِيُضِلَّ الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحي، لأنه هو الذي غير شريعة إسمعيل، والأقرب أن يكون هذا محمولاً على كل من فعل ذلك، لأن اللفظ عام والعلة الموجبة لهذا الحكم عامة، فالتخصيص تحكم محض.

قال المحققون: إذا ثبت أن من افترى على الله الكذب في تحريم مباح استحق هذا الوعيد الشديد، فمن افترى على الله الكذب في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والنبوات والملائكة ومباحث المعاد كان وعيده أشد وأشق.

قال القاضي: ودل ذلك على أن الإضلال عن الدين مذموم، لا يليق بالله، لأنه تعالى إذا ذم الإضلال الذي ليس فيه إلا تحريم المباح، فالذي هو أعظم منه أولى بالذم.

وجوابه: أنه ليس كل ما كان مذموماً منا كان مذموماً من الله تعالى ألا ترى أن الجمع بين العبيد والإماء وتسليط الشهوة عليهم وتمكينهم من أسباب الفجور مذموم منا وغير مذموم من الله تعالى فكذا هاهنا.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾ قال القاضي: لا يهديهم إلا ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها.

وقال أصحابنا: المراد منه الإخبار بأنه تعالى لا يهدي أولئك المشركين، أي لا ينقلهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، والكلام في ترجيح أحد القولين على الآخر معلوم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حَمُولَةً وَفَرْشًا ﴾ عطف على جنات.

أي: وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال وما يفرش للذبح، أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش.

وقيل: (الحمولة) الكبار التي تصلح للحمل ﴿ والفرش ﴾ الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم، لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها، مثل الفرش المفروش عليها ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان ﴾ في التحليل والتحريم من عند أنفسكم فعل كما أهل الجاهلية ﴿ ثمانية أزواج ﴾ بدل من حمولة وفرشاً ﴿ اثنين ﴾ زوجين اثنين، يريد الذكر والأنثى، كالجمل والناقة، والثور والبقرة، والكبش والنعجة، والتيس والعنز- والواحد إذا كان وحده فهو فرد، فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منها زوجاً، وهما زوجان، بدليل قوله: ﴿ خَلَقَ الزوجين الذكر والانثى ﴾ [النجم: 45] والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿ مّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين ﴾ ، ﴿ وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين ﴾ ونحو تسميتهم الفرد بالزوج، بشرط أن يكون معه آخر من جنسه: تسميتهم الزجاجة كأساً بشرط أن يكون فيها خمر.

والضأن والمعز جمع ضائن وماعز، كتاجر وتجر.

وقرئا بفتح العين.

وقرأ أبيّ: ﴿ ومن المعزى ﴾ وقرئ: ﴿ اثنان ﴾ على الابتداء.

الهمزة في ﴿ آلذكرين ﴾ للإنكار والمراد بالذكرين: الذكر من الضأن والذكر من المعز.

وبالإثنيين: الأنثى من الضأن والأنثى من المعز، على طريق الجنسية.

والمعنى إنكار أن يحرّم الله تعالى من جنسين الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها، ولا مما تحمل إناث، الجنسين وكذلك الذكران من جنسي الإبل والبقر والأنثيان منهما وما تحمل إناثهما وذلك أنهم كانوا يحرّمون ذكورة الأنعام تارة، وإناثها تارة، وأولادهما كيفما كانت ذكوراً وإناثاً، أو مختلطة تارة، وكانوا يقولون قد حرّمها الله، فأنكر ذلك عليهم ﴿ نَبّئُونِي بِعِلْمٍ ﴾ أخبروني بأمر معلوم من جهة الله تعالى يدلّ على تحريم ما حرّمتم ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ في أنّ الله حرّمه ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء ﴾ بل أكنتم شهداء.

ومعنى الهمزة الإنكار، يعني أم شاهدتم ربكم حين أمركم بهذا التحريم؟

وذكر المشاهدة على مذهبهم، لأنهم كانوا لا يؤمنون برسول وهم يقولون: الله حرّم هذا الذي نحرّمه، فتهكم بهم في قوله: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء ﴾ على معنى: أعرفتم التوصية به مشاهدين، لأنكم لا تؤمنون بالرسل ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ فنسب إليه تحريم ما لم يحرّم ﴿ لِيُضِلَّ الناس ﴾ وهو عمرو بن لحي بن قمعة الذي بحر البحائر وسيب السوائب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا ﴾ عَطْفٌ عَلى جَنّاتٍ أيْ وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ ما يَحْمِلُ الأثْقالَ وما يَفْرِشُ لِلذَّبْحِ، أوْ ما يَفْرِشُ المَنسُوجَ مِن شَعَرِهِ وصُوفِهِ ووَبَرِهِ.

وقِيلَ الكِبارُ الصّالِحَةُ لِلْحَمْلِ والصِّغارُ الدّانِيَةُ مِنَ الأرْضِ مِثْلَ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها.

﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ كُلُوا مِمّا أُحِلَّ لَكم مِنهُ.

﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم.

﴿ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ظاهِرَةُ العَداوَةِ.

﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ بَدَلٌ مِن حُمُولَةً وفَرْشًا، أوْ مَفْعُولُ كُلُوا، ولا تَتَّبِعُوا مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما أوْ فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ أوْ حالٌ مِن ما بِمَعْنى مُخْتَلِفَةٌ أوْ مُتَعَدِّدَةٌ والزَّوْجُ ما مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ يُزاوِجُهُ وقَدْ يُقالُ لِمَجْمُوعِهِما والمُرادُ الأوَّلُ.

﴿ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ﴾ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ الكَبْشِ والنَّعْجَةِ، وهو بَدَلٌ مِن ثَمانِيَةَ وقُرِئَ «اثْنانِ» عَلى الِابْتِداءِ.

والضَّأْنُ اسْمُ جِنْسٍ كالإبِلِ وجَمْعُهُ ضَئِينَ أوْ جَمْعُ ضائِنٍ كَتاجِرٍ وتَجْرٍ.

وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.

﴿ وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ ﴾ التَّيْسِ والعَنْزِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ وهو جَمْعُ ماعِزٍ كَصاحِبٍ وصَحَبٍ وحارِسٍ وحَرَسٍ، وقُرِئَ «المِعْزى» .

﴿ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ ﴾ ذَكَرَ الضَّأْنِ وذَكَرَ المَعَزِ.

﴿ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ أمْ أُنْثَيَيْهِما ونُصِبَ الذَّكَرَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ بِحَرَّمَ ﴿ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ أوْ ما حَمَلَتْ إناثُ الجِنْسَيْنِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ ﴾ بِأمْرٍ مَعْلُومٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في دَعْوى التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمِنَ الأنعام حَمُولَةً وَفَرْشًا} عطف على جنات أي وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال وما يفرش للذبح أو الحمولة الكبار التي تصلح للحمل والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض مثل الفرش المفروش عليها {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} أي ما أحل لكم منها ولا تحرموها كما في الجاهلية {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان} طرقه في التحليل والتحريم كفعل أهل الجاهلية {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مبين} فانهموه على دينكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ حالِ الأنْعامِ وإبْطالِ ما تَقَوَّلُوا عَلى اللَّهِ تَعالى في شَأْنِها بِالتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ جَنّاتٍ ﴾ والجِهَةُ الجامِعَةُ إباحَةُ الِانْتِفاعِ بِهِما والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِإنْشاءٍ والحَمُولَةُ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ لا واحِدَ لَهُ كالرَّكُوبَةِ.

والمُرادُ بِهِ ما يَحْمِلُ الأثْقالَ مِنَ الأنْعامِ وبِالفَرْشِ ما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ أوْ ما يُفْرَشُ المَنسُوجُ مِن صُوفِهِ وشَعَرِهِ ووَبَرِهِ وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ ورُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وإلى الثّانِي ذَهَبَ الجُبّائِيُّ وقِيلَ: الحَمُولَةُ لِلْكِبارِ الصّالِحَةِ لِلْحَمْلِ والفَرْشُ الصِّغارُ الدّانِيَةُ مِنَ الأرْضِ مِثْلُ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَكِنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ خَصَّ ذَلِكَ بِكِبارِ الإبِلِ وصِغارِها وهو إحْدى رِواياتٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وفي رِوايَةٍ أُخْرى الحَمُولَةُ الإبِلُ والخَيْلُ والبِغالُ والحَمِيرُ وكُلُّ شَيْءٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ والفَرْشُ الغَنَمُ ﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ كُلُوا بَعْضَ ما رَزَقَكُمُ اللَّهُ تَعالى وهو الحَلالُ فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ.

والرِّزْقُ شامِلٌ لِلْحَلالِ والحَرامِ والمُعْتَزِلَةُ خَصُّوهُ بِالحَلالِ كَما تَقَدَّمَ أوائِلَ الكِتابِ وادَّعَوْا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أحَدُ أدِلَّتِهِمْ عَلى ذَلِكَ ورَكَّبُوا شَكْلًا مَنطِقِيًّا أجْزاؤُهُ سَهْلَةُ الحُصُولِ تَقْدِيرُهُ الحَرامُ لَيْسَ بِمَأْكُولٍ شَرْعًا وهو طاهِرٌ والرِّزْقُ ما يُؤْكَلُ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ فالحَرامُ لَيْسَ بِرِزْقٍ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا إنَّما يُفِيدُ لَوْ صَدَقَ كُلُّ رِزْقٍ مَأْكُولٍ شَرْعًا والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ أمّا إذا كانَتْ تَبْعِيضِيَّةً فَظاهِرٌ وأمّا إنْ كانَتِ ابْتِدائِيَّةً فَلِأنَّهُ لَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى تَناوُلِ الجَمِيعِ وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ اسْتَحِلُّوا الأكْلَ مِمّا أعْطاكُمُ اللَّهُ تَعالى ﴿ ولا تَتَّبِعُوا ﴾ في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ بِتَقْلِيدِ أسْلافِكُمُ المُجازِفِينَ في ذَلِكَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمُ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ طَرْقَهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِنهم بِإغْوائِهِ واسْتِتْباعِهِ إيّاهم ﴿ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ (142) أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ فَقَدْ أخْرَجَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ وقالَ: ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا ﴾ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِن شَرِّهِ إنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.

* * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿ ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ قائِلًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ أيِ القُوى النَّفْسانِيَّةُ ﴿ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ ﴾ أيْ مِنَ الحَواسِّ والأعْضاءِ الظّاهِرَةِ أوْ مِنَ الصُّوَرِ الإنْسانِيَّةِ بِأنْ جَعَلْتُمُوهُمُ أتْباعَكم بِإغْوائِكم إيّاهم وتَزْيِينِ اللَّذائِذِ الجُسْمانِيَّةِ لَهم ﴿ وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ﴾ وانْتَفَعَ كُلٌّ مِنّا في صُورَةِ الجَمْعِيَّةِ الإنْسانِيَّةِ بِالآخَرِ ﴿ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا ﴾ بِالمَوْتِ أوِ المَعادِ عَلى أقْبَحِ الهَيْئاتِ وأسْوَأِ الأحْوالِ ﴿ قالَ النّارُ ﴾ أيْ نارُ الحِرْمانِ ووِجْدانُ الآلامِ ﴿ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ ولا يَشاءُ إلّا ما يَعْلَمُ ولا يَعْلَمُ سُبْحانَهُ الشَّيْءَ إلّا عَلى ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِهِ ﴿ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ ﴾ لا يُعَذِّبُكم إلّا بِهَيْئاتِ نُفُوسِكم عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِهاتِيكَ الهَيْئاتِ فَيُعَذِّبُ عَلى حَسَبِها ﴿ وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا ﴾ أيْ نَجْعَلُ بَعْضَهم ولِيَّ بَعْضٍ أوِ إلَيْهِ وقَرِينَهُ في العَذابِ ﴿ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ مِنَ المَعاصِي حَسَبَ اسْتِعْدادِهِمْ.

﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ ﴾ وهي عِنْدَ كَثِيرٍ مِن أرْبابِ الإشارَةِ العُقُولِ وهي رُسُلٌ خاصَّةٌ ذاتِيَّةٌ إلى ذَوِيِها مُصَحَّحَةٌ لِإرْسالِ الرُّسُلِ الآخَرِ وهي رُسُلٌ خارِجِيَّةٌ.

وبَعْضُ المُعْتَزِلَةِ حَمَلَ الرَّسُولَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ عَلى العَقْلِ أيْضًا وهَذِهِ الأسْئِلَةُ عِنْدَ بَعْضِ المُؤَوِّلِينَ والأجْوِبَةُ والشَّهاداتُ كُلُّها بِلِسانِ الحالِ وإظْهارِ الأوْصافِ ﴿ ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى ﴾ أيِ الأبْدانِ أوِ القُلُوبِ ﴿ بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ ﴾ بَلْ يُنْبِهُّمْ بِالعَقْلِ وإرْشادِهِ إقامَةَ الحُجَّةِ ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴿ ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ ﴾ مَراتِبُ في القُرْبِ والبُعْدِ ﴿ ورَبُّكَ الغَنِيُّ ﴾ لِذاتِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ ﴿ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ العامَّةِ الشّامِلَةِ فَخَلَقَ العِبادَ لِيَرْبَحُوا عَلَيْهِ لا لِيَرْبَحَ عَلَيْهِمْ والغَنِيُّ عِنْدَ الكَثِيرِ مُشِيرٌ إلى نَعْتِ الجَلالِ وذُو الرَّحْمَةِ إلى صِفَةِ الجَمالِ ﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ لِغِناهُ الذّاتِيِّ عَنْكم ﴿ ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ ﴾ مِن أهْلِ طاعَتِهِ بِرَحْمَتِهِ ﴿ قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ أيْ جِهَتِكم مِنَ الِاسْتِعْدادِ ﴿ إنِّي عامِلٌ ﴾ عَلى مَكانَتِي مِن ذَلِكَ ﴿ وهُوَ الَّذِي أنْشَأ ﴾ في قُلُوبِ عِبادِهِ ﴿ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ ﴾ كَكَرْمِ العِشْقِ والمَحَبَّةِ ﴿ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ﴾ وهي الصِّفاتُ الرُّوحانِيَّةُ الَّتِي جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلَيْها كالسَّخاءِ والوَفاءِ والعِفَّةِ والحِلْمِ والشَّجاعَةِ ﴿ والنَّخْلَ ﴾ أيْ نَخْلَ الإيمانِ ﴿ والزَّرْعَ ﴾ أيْ زَرْعَ إراداتِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿ والزَّيْتُونَ ﴾ أيْ زَيْتُونَ الإخْلاصِ ﴿ والرُّمّانَ ﴾ أيْ رُمّانَ شَجَرِ الإلْهامِ وقِيلَ: في كُلِّ غَيْرِ ذَلِكَ وبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ ﴿ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ ﴾ وهو المُشاهَداتُ والمُكاشَفاتُ ﴿ إذا أثْمَرَ وآتُوا ﴾ المُرِيدِينَ ﴿ حَقَّهُ ﴾ وهو الإرْشادُ والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ ﴿ يَوْمَ حَصادِهِ ﴾ أوانَ وُصُولِكم فِيهِ إلى مَقامِ التَّمْكِينِ والِاسْتِقامَةِ ﴿ ولا تُسْرِفُوا ﴾ بِالكِتْمانِ عَنِ المُسْتَحِقِّينَ أوْ بِالشُّرُوعِ في الكَلامِ في غَيْرِ وقْتِهِ والدَّعْوَةِ قَبْلَ أوانِها ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ لا يَرْتَضِي فِعْلَهم ﴿ ومِنَ الأنْعامِ ﴾ أيْ قُوى الإنْسانِ ﴿ حَمُولَةً ﴾ ما هو مُسْتَعِدٌّ لِحَمْلِ الأمانَةِ وتَكالِيفِ الشَّرْعِ ﴿ وفَرْشًا ﴾ ما هو مُسْتَعِدٌّ لِإصْلاحِ القَلْبِ وقِيامِ البَشَرِيَّةِ ﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ وهو مُخْتَلِفٌ فَرِزْقُ القَلْبِ هو التَّحْقِيقُ مِن حَيْثُ البُرْهانِ ورِزْقُ الرُّوحِ هو المَحَبَّةُ بِصِدْقِ التَّحَرُّزِ عَنِ الأكْوانِ ورِزْقُ السِّرِّ هو شُهُودُ العِرْفانِ بِلَحْظِ العِيانِ ﴿ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ بِالمَيْلِ إلى الشَّهَواتِ الفانِيَةِ والِاحْتِجابِ بِالسُّوى ﴿ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ يُرِيدُ أنْ يَحْجُبَكم عَنْ مَوْلاكم واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِسُلُوكِ الرَّشادِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ يعني: خلق البساتين يعني: الكروم وما يعرش وهو الذي يبسط مثل القرع ونحو ذلك وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ يعني: كل شجرة قائمة على أصولها وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ يعني: خلق النخل والزرع مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ يعني: طعمه مثل الحامض والحلو والمر وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً يعني: المنظر وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ يعني: في الطعم كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وإنما ذكر ثمره بلفظ التذكير، لأنه انصرف إلى المعنى يعني: ثمره الذي ذكرها وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ يعني: أعطوا زكاته يوم كيله ورفعه.

قرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر حَصادِهِ بنصب الحاء.

وروى الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: العُشْر ونصف العشر.

وروى سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: عند الزرع أي يعطي القبض وهو بأطراف الأصابع، ويعطي عند الصرام القبض، ويدعهم يتتبعون آثار الصرام.

وعن الربيع بن أنس وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: لقاط السنبل.

وقال الحسن: نسختها آية الزكاة.

وقال إبراهيم: نسختها العشر ونصف العشر: وقال الضحاك: نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن وهكذا قال عكرمة.

وقال سفيان.

سألت السدي عن قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: هذه السورة مكية نسختها العشر ونصف العشر قلت عمن؟

قال عن العلماء.

قال الفقيه الذي قال إنه صار منسوخاً يعني: أداؤه يوم الحصاد بغير تقدير صار منسوخاً ولكن أصل الوجوب لم يصر منسوخاً.

وبيّن النبي  التقدير وهو العشر أو نصف العشر.

ثم قال: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قال ابن عباس  ما: عمد ثابت بن قيس إلى خمسمائة نخلة فصرمها وقسمها في يوم واحد فأمسى ولم يكن لأهله شيء فنزل وَلا تُسْرِفُوا يعني: ولا تتصدقوا بكله، ودعوا لعيالكم شيئاً.

وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: جد لمعاذ بن جبل نخله فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منه شيء.

فنزل وَلا تُسْرِفُوا ويقال: وَلا تُسْرِفُوا يعني: ولا تنفقوا في المعصية.

قال مجاهد: لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهباً في طاعة الله تعالى ما يكون إسرافاً، ولو أنفقت درهماً في طاعة الشيطان كان إسرافاً.

وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه سئل عن قوله تعالى: وَلا تُسْرِفُوا قال: الإسراف ما قصرت عن حق الله تعالى.

ويقال: وَلا تُسْرِفُوا يقول: لا تشركوا الآلهة في الحرث والأنعام.

وقد ذكر قوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ بلفظ التذكير لأنه انصرف إلى المعنى يعني: من ثمر ما ذكرنا.

ثم قال: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ يعني: المشركين الذين يشركون الآلهة في الحرث والأنعام.

ثم قال: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً يعني: أنشأ لكم وخلق لكم من الأنعام حمولة وفرشاً أي: مما يحمله عليه من الإبل والبقر وفرشاً مثل الغنم وصغار الإبل.

وقال القتبي: الفرش ما لا يطيق الحمل عليه، وهي ما دون الحفاف التي لا تصلح للركوب.

كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي: من الحرث والأنعام حلالا طيبا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ يعني: لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة غير ناصح لكم.

ثم قال: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يعني: ثمانية أفراد لكم: يقال لكل فرد معه آخر زوج يقول: خلقت لكم ثمانية أصناف.

ويقال: كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج نزلت الآية في مالك بن عوف وأصحابه حيث قالوا: ما فى بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا.

ففي هذه الآية دليل إثبات المناظرة في العلم، لأن الله تعالى أمر النبيّ  بأن يناظرهم ويبيّن فساد قولهم.

وفيها إثبات القول بالنظر والقياس، وفيها دليل أن القياس إذا ورد عليه النص بطل القول به، ويروى إذا ورد عليه النقض لأن الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصحيحة، وأمرهم بطرد علّتهم، وأمرهم بأن يثبتوا وجه الحرمة إن كان سبب الحرمة الأنوثة والذكورة أو اشتمال الرحم.

فإن كان سبب الحرمة الأنوثة ينبغي أن يكون كل أنثى حراماً لوجود العلة.

وإن كان سبب الحرمة الذكورة ينبغي أن يكون كل ذكر حراماً لوجود العلة وإن كان محرماً لاشتمال الرحم وقد حرم الأولاد كلها ووجهت حرمتها لوجود العلة فيها فبّين انتقاض علتهم وفساد قولهم، وذلك قوله: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يعني: ثمانية أصناف مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ يعني: قولهم وذلك قوله: وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ يعني: الذكر والأنثى قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ يعني: قل لهم من أين جاء هذا التحريم من قبل الذكرين حُرِّمَ أم من قبل الأُنثيين؟

أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ يعني: أم من قبل اشتمال الرحم فإنها لا تشتمل إلا على الذكر والأنثى.

نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ يعني: أخبروني بسبب التحريم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن الله حرم ما تقولون وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ يعني: من أين جاء هذا التحريم.

ثم قال: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ يعني: إذا لم تقدروا على إثبات تحريم ذلك بالعقل فهل لكم كتاب يشهد على تحريم هذا؟

فذلك قوله: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا يعني: أمركم الله بهذا التحريم فسكت مالك بن عوف وتحير فقال له النبيّ  : «مَا لَكَ لاَ تتكلم» فقال: بل تكلم أنت فأسمع قال الله عزّ وجلّ: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بغير حجة وبيان لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: ليصرف الناس عن حكم الله تعالى بالجهل إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: لا يرشدهم إلى الحجة ويقال لا يوفقّهم إلى الهدى مجازاةً لكفرهم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وَمِنَ الْمَعْزِ بنصب العين.

وقرأ الباقون بالجزم.

ومعناهما واحد.

ثم بيَّن لهم ما حرم عليهم فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

خَوْفَ العَيْلَة والافتقار، وكان منهم من يفعله غيرة مخافة السّباء، وقَدْ ضَلُّوا: إخبارٌ عنهم بالحَيْرة، وَما كانُوا: يريد في هذه الفَعْلَةِ، ويحتمل أن يريدَ: وما كانوا قبل ضلالهم بهذه الفَعْلة مهتدين، ولكنَّهم زادوا بهذه الفعلة ضلالا.

وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ...

الآية: تنبيهٌ على مواضع الاِعتبار، وأَنْشَأَ: معناه: خلق واخترع، ومَعْرُوشاتٍ، قال ابنُ عَبَّاس: ذلك في ثَمَر العِنَبِ، مِنْها: ما عرش وسمك، ومنها: ما لم يعرش «١» ، ومُتَشابِهاً: يريد: في المنظر، وغَيْرَ مُتَشابِهٍ: في الطعم قاله ابن جُرَيْج وغيره «٢» ، وقوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ: نصٌّ في الإباحة، وقوله سبحانه: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ:

قال ابن عباس وجماعة: هي في الزكاة المفْرُوضة «٣» .

قال ع «٤» : وهذا القولُ مُعْتَرَضٌ بأن السورة مكِّيَّةٌ وبأنَّه لا زكاة فيما ذُكِرَ من الرُّمَّانِ، وما في معناه، وحكى الزجَّاج أنَّ هذه الآية قيل فيها: إنها نزلَتْ بالمدينة، وقال مجاهدٌ وغيره: بل قوله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ: نَدْبٌ إلى إعطاء حقوقٍ مِنَ المال غَيْر الزكاة «٥» ، والسُّنَّة أن يُعْطِيَ الرجُلُ من زرعه عند الحصَادِ، وعِنْدَ الذَّرْوِ، وعنْدَ تكديسه في البَيْدَرِ «٦» ، فإذا صفى وكال، أخرج من ذلك الزكاة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا ﴾ هَذا نَسَقٌ عَلى ما قَبْلُهُ؛ والمَعْنى: أنْشَأ جَنّاتٍ، وأنْشَأ حُمُولَةً وفَرْشًا.

وفي ذَلِكَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الحُمُولَةَ: ما حَمَلَ مِنَ الإبِلِ، والفَرْشِ: صِغارُها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّ الحُمُولَةَ: ما انْتَفَعَتْ بِظُهُورِها، والفَرْشِ: الرّاعِيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الحُمُولَةَ: الإبِلُ، والخَيْلُ، والبِغالُ، والحَمِيرُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ.

والفَرْشُ: الغَنَمُ: رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: الحُمُولَةُ: مِنَ الإبِلِ، والفَرْشِ: مِنَ الغَنَمِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: الحُمُولَةُ: الإبِلُ والبَقَرُ.

والفَرْشُ: الغَنَمُ، وما لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: حُمُولَةٌ بِضَمِّ الحاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لا تُحَرِّمُوا ما حَرَّمْتُمْ مِمّا جَرى ذِكْرُهُ، ﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ: طَرَقَهُ.

قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ حَمُولَةً وفَرْشًا ﴾ والزَّوْجُ، في اللُّغَةِ: الواحِدُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ آَخَرُ.

قالَ المُصَنِّفُ: وهَذا كَلامٌ يَفْتَقِرُ إلى تَمامٍ، وهو أنْ يُقالَ: الزَّوْجُ: ما كانَ مَعَهُ آَخِرٌ مَن جِنْسِهِ، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما: زَوْجٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ "حَمُولَةً"؛ عُطِفَ عَلى ﴿ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ  ﴾ ؛ واَلتَّقْدِيرُ: "وَأنْشَأْنا مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً"؛ والحَمُولَةُ: ما تَحْمِلُ الأثْقالَ مِنَ الإبِلِ؛ والبَقَرِ؛ عِنْدَ مَن عادَتُهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْها؛ والهاءُ في "حَمُولَةً"؛ لِلْمُبالَغَةِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ والفَرْشُ: ما لا يَحْمِلُ ثِقْلًا؛ كالغَنَمِ؛ وصِغارِ البَقَرِ والإبِلِ؛ هَذا هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنِ ؛ وغَيْرِهِمْ؛ يُقالُ لَهُ: "اَلْفَرْشُ"؛ و"اَلْفَرِيشُ"؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ تَسْمِيَتَهُ "فَرْشًا"؛ إنَّما هي لِوَطاءَتِهِ؛ وأنَّهُ مِمّا يُمْتَهَنُ ويُتَوَطَّأُ؛ ويُتَمَكَّنُ مِنَ التَصَرُّفِ فِيهِ؛ إذْ قَرُبَ جِسْمُهُ مِنَ الأرْضِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: اَلْحَمُولَةُ: اَلْإبِلُ؛ والخَيْلُ؛ والبِغالُ؛ والحَمِيرُ؛ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِنهُ تَفْسِيرٌ لِنَفْسِ اللَفْظَةِ؛ لا مِن حَيْثُ هي في هَذِهِ الآيَةِ؛ ولا تَدْخُلُ في الآيَةِ لِغَيْرِ الأنْعامِ؛ وإنَّما خُصَّتْ بِالذِكْرِ مِن جِهَةِ ما شَرَعَتْ فِيها العَرَبُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِمّا رَزَقَكُمُ ﴾ نَصُّ إباحَةِ وإزالَةِ ما سَنَّهُ الكُفّارُ مِنَ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ تابَعَ النَهْيَ عن تِلْكَ السُنَنِ؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ ﴾ ؛ وهي جَمْعُ "خُطْوَةٌ"؛ أيْ: "لا تَمْشُوا في طُرُقِهِ المُضِلَّةِ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ" اِخْتِلافُ القُرّاءِ في "خُطُواتِ"؛ ومِن شاذِّها قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ والأعْرَجُ ؛ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "خُطُؤاتِ"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ والطاءِ؛ وبِالهَمْزَةِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: وذَلِكَ جَمْعُ "خَطْأةٌ"؛ مِن "اَلْخَطَأُ"؛ ومِنَ الشاذِّ قِراءَةُ أبِي السَمّالِ: "خَطَواتِ"؛ بِالواوِ دُونَ هَمْزَةٍ؛ وهو جَمْعُ "خَطْوَةٌ"؛ وهي ذَرْعُ ما بَيْنَ قَدَمَيِ الماشِيَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَهْيَ عن ذَلِكَ بِتَقْرِيرِ عَداوَةِ الشَيْطانِ لِابْنِ آدَمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى "ثَمانِيَةَ"؛ اِخْتُلِفَ في نَصْبِها؛ فَقالَ الأخْفَشُ؛ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "كُلُوا لَحْمَ ثَمانِيَةِ أزْواجٍ..."؛ فَحُذِفَ الفِعْلُ؛ والمُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وقِيلَ نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِن "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ﴾ ؛ وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى الحالِ؛ وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ حَمُولَةً وفَرْشًا ﴾ ؛ وهَذا أصْوَبُ الأقْوالِ؛ وأجْراها مَعَ مَعْنى الآيَةِ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَها "أنْشَأ"؛ و"اَلزَّوْجُ": اَلذَّكَرُ؛ و"اَلزَّوْجُ": اَلْأُنْثى؛ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجُ صاحِبِهِ؛ وهي أرْبَعَةُ أنْواعٍ؛ فَتَجِيءُ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ.

و"اَلضَّأْنُ": جَمْعُ "ضائِنَةٌ"؛ و"ضائِنٌ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ والحَسَنُ: "مِنَ الضَأنِ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيِّ: "وَمِنَ المَعْزِ"؛ بِسُكُونِ العَيْنِ؛ وهو جَمْعُ "ماعِزٌ"؛ و"ماعِزَةٌ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "وَمِنَ المَعَزِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ فَـ "ضَأْنٌ"؛ و"مَعْزٌ"؛ كَـ "راكِبٌ"؛ و"رَكْبٌ"؛ و"تاجِرٌ"؛ و"تَجْرٌ"؛ و"ضَأنٌ"؛ و"مَعَزٌ"؛ كَـ "خادِمٌ"؛ و"خَدَمٌ"؛ ونَحْوِهِ؛ وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: "مِنَ الضَأْنِ اثْنانِ"؛ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ المُقَدَّمِ؛ ويُقالُ في جَمْعِ "ماعِزٌ": "مَعْزٌ"؛ و"مَعَزٌ"؛ و"مَعِيزٌ"؛ و"مِعْزى"؛ و"أمْعُوزٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ ﴾ ؛ هَذا تَقْسِيمٌ عَلى الكُفّارِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ كَذِبُهم عَلى اللهِ تَعالى ؛ أيْ: "لا بُدَّ أنْ يَكُونَ حَرَّمَ الذَكَرَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الذُكُورِ؛ أوِ الأُنْثَيَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الإناثِ؛ أمْ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ الجَمِيعِ؛ وأنْتُمْ لَمْ تَلْتَزِمُوا شَيْئًا مِمّا يُوجِبُهُ هَذا التَقْسِيمُ"؛ وفي هَذِهِ السُؤالاتِ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ.

ثُمَّ أتْبَعَ تَقْرِيرَهُمْ؛ وتَوْبِيخَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى "نَبِّئُونِي"؛ أخْبِرُونِي؛ "بِعِلْمٍ"؛ أيْ: مِن جِهَةِ نُبُوءَةٍ؛ أو كِتابٍ مِن كُتُبِ اللهِ تَعالى ؛ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ؛ و"إنْ"؛ شَرْطٌ؛ وجَوابُهُ في "نَبِّئُونِي"؛ وجازَ تَقْدِيمُ جَوابِ هَذا الشَرْطِ؛ لَمّا كانَتْ "إنْ"؛ لا يَظْهَرُ لَها عَمَلٌ في الماضِي؛ ولَوْ كانَتْ ظاهِرَةَ العَمَلِ لَما جازَ تَقَدُّمُ الجَوابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عُطف: ﴿ حمولة ﴾ على: ﴿ جنات معروشات ﴾ [الأنعام: 141] أي: وأنشأ من الأنعام حمولة وفَرْشاً، فينسحب عليه القصر الّذي في المعطوف عليه، أي هو الّذي أنشأ من الأنعام حمولة وفرشاً لا آلهة المشركين، فكان المشركون ظالمين في جعلهم للأصنام حقّاً في الأنعام.

و (مِنْ) في قوله: ﴿ ومن الأنعام ﴾ ابتدائيّة لأنّ الابتداء معنى يصلح للحمولة وللفرش لأنَّه أوسع معاني (مِن).

والمجرور: إمَّا متعلّق ب ﴿ أنشأ ﴾ [الأنعام: 141]، وإمَّا حال من ﴿ حمولة ﴾ أصلها صفة فلمّا قدمت تحوّلت.

وأيًّا ما كان فتقديم المجرور على المفعول الّذي هو أولى بالتّقديم في ترتيب المتعلّقات، أو تقديمُ الصّفة على الموصوف، لقصد الاهتمام بأمر الأنعام، لأنَّها المقصود الأصلي من سياق الكلام، وهو إبطال تحريم بعضها، وإبطالُ جعل نصيب منها للأصنام، وأمَّا الحمل والفَرْش فذلك امتنان أُدمج في المقصود توفيراً للأغراض، ولأنّ للامتنان بذلك أثراً واضحاً في إبطال تحريم بعضها الّذي هو تضييق في المنّة ونبذ للنّعمة، وليتمّ الإيجاز إذ يغني عن أن يقول: وأنشأ لكم الأنعام وأنشأ منها حمولة وفرشاً، كما سيأتي.

والأنعام: الإبل، والبقر، والشّاء، والمعز، وقد تقدّم في صدر سورة العقود، والحمولة بفتح الحاء ما يحمل عليه المتاع أو النّاس يقال: حمل المتاع وحمل فلاناً، قال تعالى: ﴿ إذا ما أتَوْك لتحملهم ﴾ [التوبة: 92] ويلزمها التّأنيث، والإفراد مثل (صَرورة) للّذي لم يحجّ يقال: امرأة صَرورة ورجل صّرورة.

والفرش: اختلف في تفسيره في هذه الآية.

فقيل: الفرش ما لا يُطيق الحَمل من الإبل أي فهو يركب كما يُفرش الفَرش، وهذا قول الراغب.

وقيل: الفَرش الصّغار من الإبل أو من الأنعام كلّها، لأنَّها قريبة من الأرض فهي كالفرش، وقيل: الفرش ما يذبح لأنّه يفرش على الأرض حين الذبح أو بعده، أي فهو الضان والمعز والبقر لأنَّها تذبح.

وفي «اللّسان» عن أبي إسحاق: أجمع أهل اللّغة على أنّ الفرش هو صغار الإبل.

زاد في «الكشاف»: «أو الفَرْش: ما يُنْسَج من وبره وصوفه وشَعْره الفرْش» يريد أنه كما قال تعالى: ﴿ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين ﴾ [النحل: 80]، وقال: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دِفْءٌ ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم ﴾ [النحل: 5 7] الآية، ولأنَّهم كانوا يفترشون جلود الغنم والمعز للجلوس عليها.

ولفظ ﴿ فرشا ﴾ صالح لهذه المعاني كلّها، ومحامله كلّها مناسبة للمقام، فينبغي أن تكون مقصودة من الآية، وكأنّ لفظ الفرش لا يوازنه غيره في جمع هذه المعاني، وهذا من إعجاز القرآن من جانب فصاحته، فالحمولة الإبل خاصّة، والفَرش يكون من الإبل والبقر والغنم على اختلاف معاني اسم الفرش الصّالحة لكلّ نوع مع ضميمته إلى كلمة (من) الصالحة للابتداء.

فالمعنى: وأنشأ من الأنعام ما تحملون عليه وتركبونه، وهو الإبل الكبيرة والإبل الصّغيرة، وما تأكلونه وهو البقر والغنم، وما هو فرش لكم وهو ما يُجزّ منها، وجلودها.

وقد علم السّامع أنّ الله لمّا أنشأ حمولة وفرشاً من الأنعام فقد أنشأ الأنعام أيضاً، وأول ما يتبادر للنّاس حين ذكر الأنعام أن يتذكّروا أنَّهم يأكلون منها، فحصل إيجاز في الكلام ولذلك عقّب بقوله: ﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ .

وجملة: ﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ معترضة مثل آية: ﴿ كلوا من ثمره إذا أثمر ﴾ [الأنعام: 141].

ومناسبة الأمر بالأكل بعد ذكر الأنعام: أنَّه لمّا كان قوله: ﴿ وفرشا ﴾ شيئاً ملائماً للذّبح، كما تقدّم، عقّب بالإذن بأكل ما يصلح للأكل منها.

واقتصر على الأمر بالأكل لأنَّه المقصود من السّياق إبطالاً لتحريم ما حرّموه على أنفسهم، وتمهيداً لقوله: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ فالأمر بالأكل هنا مستعمل في النَّهي عن ضدّه وهو عدم الأكل من بعضها، أي لا تحرّموا ما أحلّ لكم منها اتّباعاً لتغرير الشّيطان بالسوسوسة لزعماء المشركين الّذين سنّوا لهم تلك السّنن الباطلة، وليس المراد بالأمر الإباحة فقط.

وعدل عن الضّمير بأن يقول: كلوا مِنها: إلى الإتيان بالموصول، ﴿ مما رزقكم الله ﴾ لما في صلة الموصول من الإيماء إلى تضليل الّذين حرّموا على أنفسهم، أو على بعضهم، الأكل من بعضها، فعطّلوا على أنفسهم بعضاً ممّا رزقهم الله.

ومعنى: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ النّهي عن شؤون الشّرك فإنّ أول خطوات الشّيطان في هذا الغرض هي تسويلهُ لهم تحريم بعض ما رزقهم الله على أنفسهم.

وخطوات الشّيطان تمثيل، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ يأيّها النّاس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيّباً ولا تتّبعوا خطوات الشّيطان ﴾ في سورة البقرة (168).

وجملة: إنه لكم عدوٌ مبين} تعليل للنّهي، وموقع (إنّ) فيه يغني عن فاء التّفريع كما تقدّم غير مرّة، وقد تقدّم بيانه في آية البقرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ﴾ أمّا الجَنّاتُ فَهي البَساتِينُ يَحُفُّها الشَّجَرُ، وأمّا الرَّوْضَةُ فَهي الخَضْراءُ بِالنَّباتِ، وأمّا الزَّهْرَةُ فَهي بِاخْتِلافِ الألْوانِ الحَسَنَةِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مَعْرُوشاتٍ ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ تَعْرِيشُ النّاسِ الكُرُومَ وغَيْرَها، بِأنْ تُرْفَعَ أغْصانُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّ تَعْرِيشَها هو رَفْعُ حِظارِها وحِيطانِها.

والثّالِثُ: أنَّها المُرْتَفِعَةُ عَنِ الأرْضِ لِعُلُوِّ شَجَرِها، فَلا يَقَعُ ثَمَرُها عَلى الأرْضِ، لِأنَّ أصْلَهُ الِارْتِفاعُ ولِذَلِكَ سُمِّيَ السَّرِيرُ عَرْشًا لِارْتِفاعِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها  ﴾ و [الحَجَّ: ٤٥] أيْ عَلى أعالِيها وما ارْتَفَعَ مِنها.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْرُوشاتِ ما عَرَّشَهُ النّاسُ، وغَيْرَ المَعْرُوشاتِ ما نَبَتَ في البَرارِي والجِبالِ.

﴿ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ﴾ وإنَّما قُدِّمَ ذِكْرُ الأكْلِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: تَسْهِيلًا لِإيتاءِ حَقِّهِ.

والثّانِي: تَغْلِيبًا لَحَقِّهِمْ وافْتِتاحًا بِنَفْعِهِمْ بِأمْوالِهِمْ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ فِيهِ: العُشْرُ فِيما سُقِيَ بِغَيْرِ آلَةٍ، ونِصْفُ العُشْرِ فِيما سُقِيَ بِآلَةٍ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّها صَدَقَةٌ غَيْرُ الزَّكاةِ، مَفْرُوضَةٌ يَوْمَ الحَصادِ والصِّرامِ وهي إطْعامُ مَن حَضَرَ وتَرْكُ ما تَساقَطَ مِنَ الزَّرْعِ والثَّمَرِ، قالَهُ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ هَذا كانَ مَفْرُوضًا قَبْلَ الزَّكاةِ ثُمَّ نُسِخَ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ.

﴿ وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ هَذا الإسْرافَ المَنهِيَّ عَنْهُ هو أنْ يَتَجاوَزَ رَبُّ المالِ إخْراجَ القَدْرِ المَفْرُوضِ عَلَيْهِ إلى زِيادَةٍ تُجْحِفُ بِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

وَقَدْ رَوى سَعْدُ بْنُ سِنانٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «اَلْمُعْتَدِي في الصَّدَقَةِ كَمانِعِها وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِماسٍ وقَدْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ ثَمَرَتِهِ حَتّى لَمْ يَبْقَ فِيها ما يَأْكُلُهُ.

» والثّانِي: هو أنْ يَأْخُذَ السُّلْطانُ مِنهُ فَوْقَ الواجِبِ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: هو أنْ يَمْنَعَ رَبَّ المالِ مِن دَفْعِ القَدْرِ الواجِبِ عَلَيْهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِهَذا السَّرَفِ ما كانُوا يُشْرِكُونَ آلِهَتَهم فِيهِ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والخامِسُ: هو أنْ يُسْرِفَ في الأكْلِ مِنها قَبْلَ أنْ يُؤَدِّيَ زَكاتَها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الحَمُولَةَ كِبارُ الإبِلِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْها، والفَرْشَ صِغارُها الَّتِي لا يُحْمَلُ عَلَيْها، مَأْخُوذٌ مِنِ افْتِراشِ الأرْضِ بِها عَلى الِاسْتِواءِ كالفَرْشِ.

وَقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الِافْتِراشُ الإضْجاعُ لِلنَّحْرِ، فَتَكُونُ الحَمُولَةُ كِبارَها، والفَرْشُ صِغارَها، قالَ الرّاجِزُ: أوْرَثَنِي حَمُولَةً وفَرْشًا أمُشُّها في كُلِّ يَوْمٍ مَشًّا أيْ أمْسَحُها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ الحَمُولَةَ ما حُمِلَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ، والفَرْشُ: الغَنَمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْلَمَةَ: وحُوِينا الفَرْشَ مِن أنْعامِكم ∗∗∗ والحَمُولاتِ ورَبّاتِ الحَجَلِ والثّالِثُ: أنَّ الحَمُولَةَ ما حَمَلَ مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ، والخَيْلِ، والبِغالِ، والحَمِيرِ، والفَرْشُ ما خُلِقَ لَهم مِن أصْوافِها وجُلُودِها.

﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِنَ الحَمُولَةِ لِيُبَيِّنَ أنَّ الِانْتِفاعَ بِظَهْرِها لا يَمْنَعُ مِن جَوازِ أكْلِها.

والثّانِي: أنَّهُ إذْنٌ مِنهُ في عُمُومِ أكْلِ المُباحِ مِن أمْوالِهِمْ، ونَهى عَنْ أكْلِ ما لا يَمْلِكُونَهُ.

﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها طَرِيقُهُ الَّتِي يَدْعُوكم إلَيْها مِن كُفْرٍ وضَلالٍ.

والثّانِي: أنَّها تَخَطِّيهِ إلى تَحْرِيمِ الحَلالِ وتَحْرِيمِ الحَرامِ، وقَدْ ذَكَرْنا ما في ذَلِكَ مِن زِيادَةِ التَّأوِيلِ ومِنَ الِاحْتِمالِ، وأنَّهُ الِانْتِقالُ مِن مَعْصِيَةٍ إلى أُخْرى حَتّى يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ المَعاصِي، مَأْخُوذٌ مِن خَطْوِ القَدَمِ: انْتِقالُها مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ.

﴿ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما بانَ لَكم مِن عَداوَتِهِ لِأبِيكم آدَمَ.

والثّانِي: ما بانَ لَكم مِن عَداوَتِهِ لِأوْلِيائِهِ مِنَ الشَّياطِينِ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: الحمولة ما حمل عليه من الإِبل، والفرش صغار الإِبل التي لا تحمل.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: الحمولة الكبار من الإِبل، والفرش الصغار من الإِبل.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن الأنعام حمولة وفرشاً ﴾ قال: الإِبل خاصة، والحمولة ما حمل عليه، والفرش ما أكل منه.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ قال: الفرش الصغار من الأنعام.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت أمية بن أبي الصلت وهو يقول: ليتني كنت قبل ما قد رآني ** في قلال الجبال أرعى الحمولا وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الحمولة الإِبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، والفرش الغنم.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية في قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ قال: الحمولة الإِبل والبقر، والفرش الضان والمعز.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ جنات معروشات ﴾ مرفوعات على دعائم وشبهها ﴿ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ﴾ متروكات على وجه الأرض، وقيل: المعروشات على ما غرسه الناس في العمران وغير معروشات: ما أنبته الله في الجبال والبراري ﴿ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ ﴾ في اللون والطعم والرائحة والحجم، وذلك دليل على أن الخالق مختار مريد ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ في اللون والطعم والرائحة والحجم، وذلك دليل على أن الخالق مختار مريد ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ قيل: حقه هنا الزكاة وهو ضعيف لوجهين: أحدهما: أن الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة، والآخر: أن الزكاة لا تعطى يوم الحصاد، وإنما تعطى يوم ضم الحبوب والثمار، وقيل: حقه ما يصدق به على المساكين يوم الحصاد، وكان ذلك واجباً ثم نسخ بالعشر، وقيل: هو ما يسقط من السنبل، والأمر على هذا للندب ﴿ حَمُولَةً وَفَرْشاً ﴾ عطف على جنات، والحمولة الكبار، والفرش الصغار: كالعجاجيل جمع عجل والفصلان وقيل: الحمولة الإبل لأنها يحمل عليها، والفرش: الغنم لأنها تفرش للذبح ويفرش ما ينسج من صوفها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حصاده ﴾ بفتح الحاء: أبو عمرو وعاصم وابن عامر وسهل ويعقوب، الباقون: بالكسر وكلاهما مصدر ﴿ من الضان ﴾ بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية والأعشى والأصبهاني عن ورش ويزيد وحمزة في الوقف.

﴿ ومن المعز ﴾ ساكن العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وأبو جعفر وابن فليح وزمعة والخزاعي عن البزي والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل عنه، الباقون: بفتحها ﴿ إلا أن تكون ﴾ بتاء التأنيث: ابن كثير وابن عامر ويزيد وحمزة وعباس مَن طريق ابن رومي عنه.

﴿ ميتة ﴾ بالتخفيف والرفع: ابن عامر وزاد يزيد التشديد.

الباقون: بالياء وبالنصب.

﴿ الحوايا ﴾ ممالة: علي وحمزة وخلف.

﴿ فقل ربكم ﴾ وبابه مظهراً: الحلواني عن قالون والبرجمي.

الوقوف: ﴿ متشابه ﴾ ط.

﴿ ولا تسرفوا ﴾ ط ﴿ المسرفين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ حمولة ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ وفرشاً ﴾ ط ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن ﴿ ثمانية ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ جنات ﴾ ﴿ أزواج ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ المعز اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ صادقين ﴾ ه لا لأن ﴿ اثنين ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ أيضاً ﴿ ومن البقر اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لأن "أم" في قوله: ﴿ أم كنتم ﴾ بمعنى ألف استفهام توبيخ.

﴿ بهذا ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ولانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه.

﴿ لغير الله ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ظفر ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى.

﴿ بعظم ﴾ ط ﴿ ببغيهم ﴾ ز للابتداء بأن وإثبات وصف الصدق مطلقاً.

وللوصل وجه لأن المعنى وإنا لصادقون فيما أخبرنا عن التحريم ببغيهم.

﴿ واسعة ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ بأسنا ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ تخرصون ﴾ ه ﴿ البالغة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ حرم هذا ﴾ ج لذلك ﴿ معهم ﴾ ج لتناهي جزاء الشرط مع العطف ﴿ يعدلون ﴾ ه.

التفسير: إنه  جعل مدار هذا الكتاب الكريم على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر وإنه بالغ في تقرير هذه الأصول وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة منكري البعث والقيامة، ثم أتبعه حكاية أقوالهم الركيكة تنبيهاً على ضعف عقولهم، فلما تمم هذه المقاصد عاد إلى ما هو المقصود الأصلي وهو إقامة الدلائل على إثبات ذاته ووجوب توحيده فقال: ﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ الآية نشأ الشيء ينشأ نشأ إذا ظهر وارتفع، وأنشأه الله ينشئه إنشاء أظهره ورفعه ﴿ جنات معروشات وغير معروشات ﴾ يقال: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القبضان.

وقيل: كلاهما الكرم فإن بعض الأعناب تعرش وبعضها يبقى على وجه الأرض منبسطاً كالقرع والبطيخ.

وقيل: المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عروش يحمل عليها فتمسكه وهو الكرم وما يجري مجراه، وغير معروشات هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وقوة ساقة عن التعريش.

وقيل: المعروشات ما في البساتين والعمارات مما غرسه الناس واهتموا به فعرشوه، وغير معروشات ما أنبته الله وحشياً في البراري والجبال فيبقى غير معروش.

﴿ والنخل والزرع ﴾ فسر ابن عباس الزرع بجميع الحبوب التي الذكر تقتات ﴿ مختلفاً أكله ﴾ والأكل كل ما يؤكل والمراد ههنا ثمر النخل والزرع فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما كقوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها  ﴾ أي إليهما.

والمراد أن لكل شيء منهما طعماً غير طعم الآخر و ﴿ مختلفاً ﴾ حال مقدّرة أي أنشأه مقدرّاً اختلاف أكله لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك ﴿ متشابهاً وغير متشابه ﴾ في القدر واللون والطعم.

ثم قال ﴿ كلوا من ثمره ﴾ وقد قال في الآية المتقدمة أعني نظير هذه الآية وذلك قوله: ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ الآية إلى قوله ﴿ انظروا إلى ثمره  ﴾ تنبيهاً على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم متقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الأول سعادة روحانية أبدية، والحاصل من الانتفاع سعادة جسمانية زائلة.

وفائدة هذا الأمر الإباحة، وقدم إباحة الأكل على إخراج الحق كيلا يظن أنه يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المتشاركين فيه.

وفي الآية إشارة إلى أن خلق هذه النعم إما للأكل وإما للتصدق، والأول لكونه حق النفس مقدم على الثاني لأنه حق الغير.

وفيه أن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق لأن قوله: ﴿ كلوا ﴾ خطاب عام يتناول الكل، ويمكن أن يستدل به على أن الأصل عدم وجوب الصوم وأن من ادعى إيجابه فهو المحتاج إلى الدليل، وأن المجنون إذا أفاق في أثناء النهار لا يلزمه قضاء ما مضى، وأن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام.

قال علماء الأصول: من المعلوم من لغة العرب أن صيغة الأمر تفيد ترجيح جانب الفعل؛ فحملها على الإباحة أو الوجوب لا يصار إليه إلا بدليل منفصل، وفائدة قوله: ﴿ إذا أثمر ﴾ وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل منه هي أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت اطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع، أما قوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ فعن ابن عباس في رواية عطاء وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك.، أن الآية مدنية والحق هو الزكاة المفروضة وعلى هذا فكيف يؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل.

والجواب أن المراد فاعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد واهتموا به حتى لا تؤخروه عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء، وقال مجاهد: الآية مكية وإن هذا حق في المال سوى الزكاة وكان يقول: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، وكذا إذا دسته وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته وزيف بقوله صلى الله عليه وآله: "ليس في المال حق سوى الزكاة" وبأن قوله: ﴿ وآتوا حقه ﴾ إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوماً قبل ورود هذه الآية والإلزام الإجمال.

وعن سعيد بن جبير أن هذا كان قبل وجوب الزكاة فلما فرض العشر أو نصف العشر فيما سقي بالسواقي نسخ، والقول الأول أصح.

ثم إن أبا حنيفة احتج بالآية على وجوب الزكاة في الثمار لأنه قال: ﴿ وآتوا حقه ﴾ بعد ذكر الأنواع الخمسة وهي العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان.

واعترض عليه بأن لفظ الحصاد مخصوص بالزرع.

وأجيب بأن الحصد في اللغة عبارة عن القطع وذلك يتناول الكل.

واحتج هو أيضاً بها على أن العشر واجب في القليل والكثير للإطلاق.

والجواب أن بيانه في الحديث "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" .

ثم قال تعالى: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ولأهل اللغة فيه تفسيران: فعن ابن الأعرابي: السرف تجاوز ما حد لك.

فعلى هذا إذا أعطى الكل ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف كما جاء في الخبر "إبدأ بنفسك ثم بمن تعول" وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فخذها فقسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئاً فنزلت الآية ﴿ ولا تسرفوا ﴾ أي لا تعطوا كله وإذا منع الصدقة فقد أسرف وبه فسر الآية سعيد بن المسيب، فإن مجاوزة الحد تكون إلى طرف الإفراط وإلى طرف التفريط.

وقال عمر: سرف المال ما ذهب منه في غير منفعة.

وعلى هذا فقد قال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الأنعام والحرث.

وقالالزهري: ولا تنفقوا في معصية الله  .

وعن مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهباً فأنفقه رجل في طاعة الله  لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله كان مسرفاً، وهذا المعنى أراد حاتم الطائي حين قيل له لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ والمقصود منه الزجر فإن كل مكلف لا يحبه الله فإنه من أهل النار لأن محبة الله  عبارة عن إرادة إيصال الثواب إليه.

قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ معطوف على جنات أي وأنشأ من الأنعام هذين الجنسين.

فالحمولة ما يحمل الأثقال "فعولة" بمعنى "فاعلة" والفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش مصدر بمعنى "مفعول".

وقيل: الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها مثل الفرش المفروش عليها.

﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ قالت المعتزلة.

أي مما أحلها لكم ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ لا تسلكوا طريقه الذي يدعوكم إليه في التحليل والتحريم من عن أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية ﴿ إنه لكم عدوّ مبين ﴾ بين العداوة.

وفي انتصاب ﴿ ثمانية أزواج ﴾ وجهان: قال الفراء: هو بدل من قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ .

وجوز غيره أن يكون مفعول ﴿ كلوا ﴾ والعرب تسمي الواحد فرداً إذا كان وحده فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجاً وهما زوجان، قال عز من قائل: ﴿ خلق الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ وقال: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿ من الضأن اثنين ﴾ أي زوجين اثنين ﴿ ومن المعز اثنين ﴾ وفي الآية الثانية: ﴿ ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ﴾ قال الجوهري: الضائن خلاف الماعز والجمع يعني اسم الجمع الضأن والمعز مثل راكب وركب وسافر وسفر.

وضأن أيضاً مثل حارس وحرس.

وقال في الكشاف: إنه قرىء بفتح العين.

والضأن ذوات الصوف من الغنم والمعز ذوات الشعر منها ﴿ قل ءالذكرين حرم الأنثيين ﴾ نصب بقوله: ﴿ حرم ﴾ والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله.

ويريد بالذكرين الذكر من الضأن وهو الكبش، والذكر من المعز وهو التيس، وبالأنثيين الأنثى من الضأن وهيالنعجة، والأنثى من المعز وهي العنز، وذلك على طريق الجنسية والمشاكلة.

ومعنى الاستفهام إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما يشتمل عليه أرحام الأنثيين أي مما يحمل إناث الجنسين، وكذلك الذكر من جنسي الإبل والبقر يعني الجمل والثور والأنثيان منهما الناقة والبقرة وما يحمل إناثهما وذلك أنهم كانوا يحرّمون ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى وأولادها كيفما كانت ذكوراً أو إناثاً، أو من خلط تارة وكانوا يقولون: قد حرمها الله فقيل لهم: إنكم لا تقرون بنبوّة نبي ولا شريعة شارع فكيف تحكمون بأن هذا يحل وهذا يحرم؟

وأكد ذلك بقوله: ﴿ نبؤني بعلم ﴾ أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في أن الله حرمه.

واعلم أنه  منّ على عباده بإنشاء الأزواج الثمانية من الأنعام لمنافعهم وإباحتها لهم إلا أنه فصل بين بعض المعدود وبعضه بالاحتجاج على من حرمها وليس ذلك بأجنبي وإنما هي جملة معترضة جيء بها تأكيداً وتشديداً للتحليل، فالاعتراضات في الكلام لاتساق إلا للتوكيد، أما قوله: ﴿ أم كنتم شهداء ﴾ فـ"أم" منقطعة أي بل أكنتم شهداء ومعناه الإنكار وفحواه أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل وتقولون إن الله حرم هذا فلم يبق إلا المشاهدة فتهكم بهم بذلك وسجل عليهم وعلى مثالهم بالظلم بقوله: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، قال المفسرون: يريد عمرو بن لحي بن قمعة الذي غيَّر شريعة إسماعيل  وبَحَّر البحائر وسَيَّب السوائب.

والأقرب أن للفظ عام فيتناول كل مفتر وإذا استحق هذا الوعيد على افتراء الكذب في تحريم مباح فكيف إذا كذب على الله  في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والملائكة وفي النبوّات وفي المعاد؟!

قال القاضي: في الآية دلالة على أن الإضلال عن الدين مذموم فلا يجوز أن ينسب إلى الله  .

وأجيب بأنه ليس كل ما كان مذموماً منا كان مذموماً من الله  فإن تمكين العبيد من أسباب الفجور وتسليط الشهوة عليهم مذموم منّا دونه ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قال القاضي: لا يهديهم إلى ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها.

وقالت الأشاعرة: معناه أنه لا ينقل المشركين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم لما بيّن فساد طريقة الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطاعم أتبعه البيان الصحيح في الباب فقال: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ﴾ أي طعاماً محرماً ﴿ على طاعم يطعمه ﴾ على آكل يأكله ﴿ إلا أن يكون ﴾ ذلك المأكول أو الموجود أو الطعام ﴿ ميتة أو دماً مسفوحاً ﴾ مصبوباً سائلاً.

قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء وما خرج من الأوداج عند الذبح فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، وما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل.

وسئل أبو مجلز عما يتلطّخ باللحم من الدم وعن القدر التي سلف في أمثالها، وانتصاب ﴿ فسقاً ﴾ على أنه معطوف على المنصوبات قبله، و ﴿ أهل ﴾ صفة له منصوبة المحل سمي ما أهل به لغير الله فسقاً لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود.

وجوز أن يكون ﴿ فسقاً ﴾ مفعولاً له من ﴿ أهل ﴾ وعلى هذا فقد عطف ﴿ أهل ﴾ على ﴿ يكون ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما يرجع إليه المستكن في ﴿ يكون ﴾ قالت العلماء: إن هذه السورة مكية وقد بيّن في الآية أنه لم يجد فيما أوحي إليه قرآناً أو غيره محرماً سوى هذه الأربعة، وقد أكد هذا بما في النحل وفي البقرة مصدرة بكلمة "إنما" الدالة على الحصر فصارت المدنية مطابقة للمكية، والذي جاء في المائدة ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم  ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع إلا ما ذكيتم  ﴾ من أقسام الميتة ولكنه خص بالذكر لأنهم كانوا يحكمون على تلك الأشياء بالتحليل فثبت أن الشريعة من أولها إلى اخرها كانت مستقرة على هذا الحكم.

وعلى هذا الحصر بقي الكلام في الخمر وفي سائر النجاسات والمستقذرات فنقول: إنه  قد وصف الخمر بأنه رجس وههنا علل تحريم لحم الخنزير بكونه رجساً فعلمنا أن النجاسة علة لتحريم الأكل وكل نجس فإنه يحرم أكله، هذا بعد إجماع الأمة على تحريم الخبائث والنجاسات.

وإن جوزنا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد كما روي أنه صلى الله عليه وآله نهى عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور.

فلا إشكال.

وقيل: المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرم على اليهود وزيف بأن تحريم شيء خامس نسخ والأصل عدمه.

ثم بين  أنه حرم على اليهود أشياء أخر سوى هذه الأربعة فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ وذلك نوعان: الأول أنه حرم عليهم ﴿ كل ذي ظفر ﴾ وفيه لغات: ضم الفاء والعين وهي الفصحى، وكسرهما وهي قراءة ابن السماك، والضم مع السكون والكسر مع السكون وهي قراءة الحسن، واختلف في ذي الظفر فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه الإبل فقط، وعنه في رواية أخرى وهو قول مجاهد أنه الإبل والنعام، وقيل: كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب، وسمي الحافر ظفراً على الاستعارة، وزيف بأن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً وبأن البقرة والغنم مباحان لهم كما يجيء مع أن لهما حافراً فإذن يجب حمل الظفر على المخلب والبراثن من الجوارح والسباع بل على كل ما له إصبع من دابة وطائر.

وكان بعض ذوات الظفر حلالاً لهم فلما ظلموا عمم التحريم.

فعموم التحريم خاص بهم ولهذا قدم الجار في قوله ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ فيستدل بذلك على حل بعض هذه الحيوانات على المسلمين وهو ما سوى ذات المخلب والناب فيكون الخبر مبيناً للآية لا مخالفاً كما ظن صاحب التفسير الكبير.

النوع الثاني قوله ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ﴾ قال في الكشاف: هو كقولك: "من زيد أخذت ماله" تريد بالإضافة يعني إضافة الأخذ إلى زيد بواسطة من زيادة الربط.

والمعنى أنه حرم عليهم من كل ذي ظفر كله ومن البقرة والغنم بعضهما وذلك شحومهما فقط، هذا أيضاً ليس على الإطلاق لقوله: ﴿ إلا ما حملت ظهورهما ﴾ قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم فإني لم أحرمه.

وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها.

وقيل: إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحفة وهي الشحمة التي على الظهر الملتزقة بالجلد فيما بين الكتفين إلى الوركين.

وهي بالحقيقة لحم سمين لأنه يحمر عند الهزال ولهذا لو حلف لا يأكل الشحم فأكل من ذلك اللحم السمين لم يحنث على الأصح.

والاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو الحوايا ﴾ قال الجوهري: الحوايا الأمعاء واحدها حوية وفي معناها حاوية البطن وحاوياء البطن.

وقال الواحدي: هي المباعر والمصارين والفحوى، أو ما اشتمل على الأمعاء يعني أن الشحوم المتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة، والاستثناء الثالث: ﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾ قال جمهور المفسرين: يعني شحم الآلية.

وقال ابن جريج: كل شحم في القوائم والجنب والرأس وفي العينين والأذنين فإنه مخلوط بعظم فهو حلال لهم.

والحاصل أن الشحم الذي حرم الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية.

وقيل: إن الحوايا غير معطوف على المستثنى وإنما هو معطوف على المستثنى منه والتقدير: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم.

ودخوله كلمة "أو" كدخولها في قوله  : ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً  ﴾ والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا واعص هذا فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا ﴿ ذلك ﴾ الجزاء وهو تحريم الطيبات ﴿ جزيناهم ببغيهم ﴾ بسبب قتلهم الأنبياء وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل وغير ذلك من قبائح أفعالهم ﴿ وإنا لصادقون ﴾ في هذه الأخبار أو فيما يوعد به العصاة.

قال القاضي: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم لأن التكليف تعريض للثواب والتعريض للثواب إحسان.

وأجيب بأن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد الثواب ويمكن أن يكون بشؤم الجرم المتقدم ﴿ فإن كذبوك ﴾ في ادعاء النبوّة والرسالة أو في تبليغ الأحكام، وعلى أصول المعتزلة فإن كذبوك في إنجاز إيعاد العصاة وزعموا أن الله واسع الرحمة وأنه يخلف الوعيد جوداً وكرماً.

﴿ فقل ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ فلذلك لا يعجل بالعقوبة ﴿ ولا يردّ بأسه ﴾ إذا جاء وقت عذابه ﴿ عن القوم المجرمين ﴾ يعني المكذبين.

وعلى أصولهم رحمته واسعة لأهل طاعته ولا يرد بأسه مع ذلك عن الذين ارتكبوا الكبائر فماتوا قبل التوبة.

ثم حكى أعذار الكفار الواهية فقال: ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ﴾ وإنما جاز العطف عل الضمير المرفوع المتصل من غير أن أكد بالمنفصل لمكان الفصل بعد حرف العطف بلا الزائدة لتأكيد النفي.

أخبر الله  بما سوف يقولونه ولما قالوه.

قال في سورة النحل: ﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء  ﴾ وإنما قال في سورة النحل بزيادة "نحن" و "من دونه" مرتين لأن الإشراك مستنكر مطلقاً.

فلفظ الإشراك يدل على إثبات شريك لا يجوز إثباته، وعلى تحليل أشياء وتحريم أشياء من دون الله فلم يحتج إلى لفظ من دونه، وأما العبادة فإنها غير مستنكرة على الإطلاق وإنما المستنكر عبادة شيء مع الله  ، ولا تدل على تحريم شيء فلم يكن بد من تقييده بقوله: ﴿ من دونه ﴾ ولما حذف من الآية لفظة ﴿ من دونه ﴾ مرتين حذف معه ﴿ نحن ﴾ لتطرد الآية في حكم التخفيف.

أما تفسير الآية فزعمت المعتزلة أنها تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: الأول أن الذي حكى عن الكفار في معرض الذم والتقبيح وذلك قولهم: "لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك" هو صريح قول المجبرة فيكون هذا المذهب مذموماً.

الثاني قوله: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ فلم يذكر المكذب به تنبيهاً على أنهم جاؤا بالتكذيب المطلق لأن الله عز وعلا ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئته القبائح وإرادتها، والرسل أخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله ورسوله وكتبه ونبذ أدلة السمع والعقل وراء ظهره.

والحاصل أن هذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين منهم والمتأخرين في تكذيب الأنبياء وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم لأنهم يقولون الكل بمشيئة الله  .

الثالث قوله: ﴿ حتى ذاقوا بأسنا ﴾ وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله  في هذا المذهب.

الرابع قوله: ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ﴾ وإنه استفهام على سبيل الإنكار أي لا علم لهؤلاء القائلين ولا حجة.

الخامس: ﴿ إن تتبعون إلا الظن ﴾ السادس: ﴿ وإن أنتم إلا تخرصون ﴾ السابع: ﴿ قل فلَّله الحجة البالغة ﴾ لأنه أزال الأعذار بالتمكين والإقدار فلم يبق لكم على الله حجة وإنما الحجة البالغة له عليكم وذلك أنكم تقولون: لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله لزم أن يكون الإله عاجزاً مغلوباً.

وهذا الكلام غير لازم لأن الله قادر على أن يحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء إلا أن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف وهذا هو المراد من قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وبوجه آخر إن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فلَّله الحجة الكاملة عليكم فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته فتوالوا جميع أهل الأديان ولا تعادوهم.

أجابت الأشاعرة بأنا قد بينا بالدلائل القاطعة من أول القرآن إلى ههنا صحة مذهبنا فوجب تأويل هذه الآية دفعاً للتناقض فنقول: إن القوم كانوا يتمسكون بمشيئة الله  في إبطال دعوة الأنبياء، وفي أن التكليف عبث فبين الله  أن ذلك من تكاذيبهم وأكاذيبهم، وأن التشبث بهذا العذر لا يفيدهم لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه، شاء الكفر من الكافر ومع ذلك بعث الأنبياء وأمر بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر فجرى بما يكون إلى قيام الساعة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله "المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة" ثم إن ظاهر آخر الآية معناه وهو قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وحمل المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر تعسف والله أعلم.

ثم لما أبطل جميع حجج الكفار بين أنه ليس لهم على قولهم شهود فقال: ﴿ قل هلم ﴾ ومعناه إذا كان لازماً أقبل وإذا كان متعدياً أحضر.

قال الخليل: أصله "هالم" من قولهم لمَّ الله شعثه أي جمعه كأنه قال: لمَّ نفسك إلينا أي أقرب والهاء للتنبيه واستعطاف المأمور، ثم حذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسماً واحداً يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث في لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها "هلما هلموا هلمي هلممن" والأول أفصح وقد يوصل بإلى كقوله  : ﴿ والقائلين لإخوانهم هلم إلينا  ﴾ وقال الفراء: أصلها "هل أم" أرادوا بهل حرف الاستفهام ومعنى أم اقصد.

وقيل: إن أصل استعماله أن قالوا هل لك في الطعام أم أي اقصد.

ثم شاع في الكل.

أمر الله  نبيه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه.

وإنما لم يقل شهداء يشهدون لأنه ليس الغرض أحضار أناس يشهدون بالتحريم وإنما المراد إحضار شهدائهم الموسومين بالشهادة لهم المعروفين بنصرة مذهبهم ولهذا قال: ﴿ فإن شهدوا ﴾ أي فإن وقعت شهادتهم ﴿ فلا تشهد معهم ﴾ أي لا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأن شهادتهم محض الهوى والتعصب ولأجل ذلك قال أيضاً: ﴿ ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ﴾ فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالتكذيب وليرتب عليه باقي الآية فيعلم أن المتصف بهذه الصفات لا تكون شهادتهم عند العقلاء مقبولة.

التأويل: ﴿ وهو الذي أنشأ جنات ﴾ في القلوب ﴿ معروشات ﴾ من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان ﴿ وغير معروشات ﴾ هي الصفات الروحانية التي جبلت القلوب عليها كالسخاء والحياء والوفاء والمودة والفتوة والشفقة والعفة والعلم والحلم والعقل والشجاعة والقناعة ونخل الإيمان وزرع الأعمال الصالحة وزيتون الأخلاق الحميدة ورمان الإخلاص بالشواهد والأحوال ﴿ متشابهاً ﴾ أعمالها ﴿ وغير متشابه ﴾ أحوالها ﴿ كلوا من ثمره ﴾ انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والإخلاص بالشواهد والأحوال لا بالدعاوى والقيل والقال.

﴿ وآتوا حقه ﴾ وحقه دعوة الخلق وتربيتهم بالحكمة والمواعظة الحسنة و ﴿ يوم حصاده ﴾ أوان بلوغ السالك مبلغ الرجال البالغين عند إدراك ثمرة الكمال للواصلين دون السالك الذي يتردد بعد بين المنازل والمراحل.

﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالشروع في الكلام في غير وقته والحرص على الدعوة قبل أوانها.

﴿ ومن الأنعام ﴾ أي ومن الصفات الحيوانية التي هي مركوزة في الإنسان ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها ما هو مستعد للأكل والشرب لصلاح القالب وقيام البشرية.

﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ فرزق القلب هو التحقيق من حيثالبرهان، ورزق الروح هو المحبة بصدق التحرز عن الأكوان، ورزق السر هو شهود العرفان يلحظ العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق بقدر ما ينبغي.

﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾ يخرجكم بالتفريط والإفراط إلى ضد المقصود.

ثم إن الصفات الحيوانية ثمان بعضها ذكور وبعضها إناث يتولد منها صفات أخر كلها محمودة إذ استعملت في محالها، وبمقدار ما ينبغي ﴿ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ﴾ والضأن والمعز من جنس الفرشية كما أن الإبل والبقر من جنس الحمولية.

والذكر من الضأن والمعز هما صفة شهوة البطن والفرج والأنثى منهما صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها وصفة التسليم عند تحمل الأذى، والذكر من الإبل والبقر صفتا الظلومية والجهولية، وأنثاهما الحمولية والاستسلام للاستعمال.

فبهذه الصفات الإنسانية صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها وهن أيضاً حملة عرش القلب فافهم، وقد أحل الله  استعمالها واستعمال المتولد منها على قانون الشرعية والطريقة، ومن زعم أنه يجب تركها وفصلها بالكلية فقد افترى ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ﴾ الكلام في نفسه حق وصدق إلا أنهم لما ذكروه في معرض الإلزام دفعاً للأذية والآلام كذبوا فيما قالوا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ ﴾ .

ذكر هذا - والله أعلم - مقابل ما كان منهم من تحريم ما أحل الله لهم ورزقهم من الحرث، والزرع، والأنعام، والانتفاع بها، فقال: أنشأ جنات وبساتين من تأمل فيها وتفكر، عرف أن منشئها مالك حكيم مدبر؛ لأنه ينبتها ويخرجها من الأرض في لحظة ما لو اجتمع الخلائق على تقديرها: أن كيف خرج؟

وكم خرج؟

وأي قدر ثبت؟

ما قدروا على ذلك؛ كقوله: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ  ﴾ ، ويخرج من الورق والثمار على ميزان واحد: ما لو جهدوا كل الجهد أن يعرفوا الفضل والتفاوت بين الأوراق والثمار ما قدروا، وما وجدوا فيها تفاوتاً.

ويخرج - أيضاً - كل عام من الثمار والأوراق ما يشبه العام الأول؛ فدل ذلك كله أن منشئها ومحدثها مالك حكيم، وضع كل شيء موضعه، وأن ما أنشأ [أنشأ] لحكمة وتدبير لم ينشئها عبثاً؛ فله الحكم والتدبير في الحل الحرمة والقسمة، ليس لأحد دونه حكم ولا تدبير في التحريم والتحليل: ﴿ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ  ﴾ ، وهذا لهذا وهذا لهذا؛ إنما ذلك إلى مالكها؛ فخرج هذا - والله أعلم - مقابل ما كان منهم من قوله: ﴿ وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ  ﴾ ، [وقوله: ﴿ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ ﴾ ] ﴿ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات التي كان فيها ذكر تحكمهم على الله، وإشراك أنفسهم في حكمه.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ ﴾ : قيل: معروشات: مبسوطات ما ينبت منبسطا على وجه الأرض، ﴿ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ ﴾ : ما يقوم بساقه، لا ينبسط على الأرض.

وقيل: معروشات: ما يتخذ له العريش، من نحو العرجون والقرع وغيره، وغير معروشات: ما لا يقع الحاجة إلى العرش؛ من نحو: النخيل والأشجار المثمرة، وهما واحد.

وقيل: على القلب، معروشات: ما تقوم بساقها، وغير معروشات: ما لا ساق لها، والله أعلم.

وتعريشه ما ذكر على أثره.

﴿ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ﴾ .

منها ما يكون متشابهاً في اللون ومختلفاً في الأكل والطعم، ومنها ما يكون مختلفاً في اللون والمنظر متشابهاً في الطعم والأكل؛ ليعلموا أن منشئها واحد، وأنه حكيم أنشأها على حكمة، وأنه مدبر: أنشأها عن تدبير، لم ينشئها عبثاً.

[و] من الناس من يقول: إن قوله: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في الذي ذكر، وهو الرمان والزيتون؛ لأن ورقهما متشابه، والثمرة مختلفة.

ومنهم من يقول: فيهما وفي غيرهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ ﴾ .

كأنه قال: كلوا من ثمره إذا أثمر، ولا تحرّموا؛ خرج على مقابلة ما كان منهم من التحريم، أي كلوا منها، ولا تحرموا؛ ليضيع ويفسد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ .

ذكر - عز وجل - الإيتاء مما يحصد بعد ذكر النخيل، والزرع، والزيتون، والرمان، حبّاً وغير حب، وما يقع فيه الكيل وما لا يقع، مجملا عاما ولم يفصل بين قليله وكثيره.

ففيه دلالة وجوب الصدقة والعشر في قليل ما تخرج الأرض وكثيره.

وكذلك قوله -  - في سورة البقرة: ﴿ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ  ﴾ .

وحديث معاذ -  - عن النبي  أنه قال: "في كل ما أخرجت الأرض العشر، أو نصف العشر" وحديث ابن عمر -  - عن النبي  أنه كتب إلى أهل اليمن بذلك.

وما روي عن أنس -  - عن النبي  [أنه] قال: "فيما أخرجت الأرض - قليله وكثيره - العشر" وخبر معاذ، قال: "بعثني رسول الله  إلى اليمن، فأمرني أن آخذ [من كل حالم] دينارا، أو عدله معافريّاً، وأمرني أن آخذ من كل أربعين مسنة، ومن كل ثلاثين تبيعاً، ومن كل ما سقت السماء العشر، وما سقي بالديالي نصف العشر" .

إلى هذا كله يذهب أبو حنيفة - رحمه الله - ويوجب الصدقة في قليل الخارج من الأرض وكثيره.

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل الحق الذي ذكره الله في قوله: ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ : قال قوم: هي صدقة سوى الزكاة؛ واحتجوا بأن الآية مكية، وأن الزكاة فرضت بالمدينة ، وهي منسوخة بآية الزكاة.

وقال قوم: هي الزكاة، فإن نسخ إنما نسخ قدرها، لم ينسخ الحق رأساً؛ لأنهم كانوا يتصدقون بالكل، فما نسخ إنما نسخ بآية الزكاة قدرها.

ألا ترى أنه قال في [آية] أخرى: ﴿ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴾ .

والإسراف في اللغة هو المجاوزة عن الحدّ الذي حد له كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً  ﴾ .

وقيل في قوله: ﴿ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ ﴾ ، أي: لا تمنعوا الكل ولكن كلوا بعضه، وآتوا حقه من بعضه.

وقيل: الإسراف - هاهنا - هو الشرك؛ كأنه قال: ولا تشركوا آلهتكم فيما رزقكم الله من الحرث والأنعام؛ فتحرموه ولا تنتفعوا به، والإسراف هو الذي لا ينتفع به أحد، وما كانوا جعلوا لشركائهم لا ينتفعون به هم ولا انتفع به أحد؛ يكون مقابل قوله: ﴿ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ...

﴾ الآية [الأنعام: 138].

وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - [فإنهما] يذهبان إلى ما روي عن أبي سعيد الخدري -  - [قال]: قال رسول الله  : [ "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمسة أواق صدقة" وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله  ] "لا صدقة في الزرع، ولا في الكرم، ولا في النخل، إلا ما بلغ خمسة أوسق" ، وذلك مائة فرق.

وعن ابن عمر وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة -  م - عن النبي  مثله.

وما روى موسى بن طلحة أن النبي  قال: "ليس في الخضراوات صدقة" [وعن عمر مثله، وعن علي مثله، وكذلك روي عن جماعة السلف: أن لا صدقة إلا في الحنطة والشعير والحبوب، وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه - معنى ذلك كله لا صدقة] تؤخذ إلا فيما بلغ خمسة أوسق"، وليس في الخضراوات صدقة تؤخذ، وما عليه في نفسه صدقة يؤديها هو.

ثم إن كان ذلك الحق الذي ذكر في الآية الزكاة، فإن الآية تدل - والله أعلم - على أن زكاة الحب والثمار إنما تجب فيما بيّن: الجنات المعروشات وغير المعروشات؛ فدخل في ذلك - والله أعلم - العنب، وغير العنب، والثمار كلها، وقال: ﴿ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ﴾ ، فدخل جميع ما تخرج الأرض من كل الأصناف التي سبق ذكرها، وقال: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ ، فجعل الحق الواجب فيه يوم يحصد؛ فيجوز أن يكون عُفي عما قبل ذلك.

فإن كان هذا هو التأويل، فهو - والله أعلم - معنى ما روي عن النبي  ولو لم يكن قوله -  -: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ ﴾ عفوا عن صدقة ما يؤكل منه ما كان في ذلك فائدة؛ لأنّ الثمرة تؤكل ولا تصلح لغير ذلك إلا للوجه الذي ذكرنا، وهو أنهم كانوا يحرمونها ولا ينتفعون بها؛ فقال - عز وجل -: كلوا وانتفعوا به، ولا تضيعوه.

وإذا كان قوله: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ ﴾ عفوا عن صدقة ما يؤكل منه، ظهرت فائدة الكلام، وهو على هذا التأويل - والله أعلم - ما روي أن النبي  قال: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فالربع" وعن أبي سعيد الخدري -  - عن النبي  قال: "ليس في العرايا صدقة" وعن عمر بن الخطاب -  - أنه كان يبعث أبا خيثمة خارصا للنخل، ويقول له: "إذا وجدت أهل بيت في حائطهم، فلا تخرص بقدر ما يأكلون".

وعن مكحول قال: قال رسول الله  : "خفضوا على الناس في الخرص؛ فإن في المال العرية والوصية" فدلت هذه الأحاديث [على] أنه لا صدقة فيما يؤكل من الثمر رطباً إذا لم يكن فيما يأكلون إسراف.

وقدر النبي  لذلك الثلث أو الربع، وذلك - والله أعلم - يشبه ما دلت عليه الآية على تأويل من جعل الحق زكاة؛ لأن الله -  - قال: ﴿ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴾ ؛ فاحتمل أن يكون - أيضاً - معنى ذلك: ولا تسرفوا في الأكل؛ فيجحف ذلك بأهل الصدقة، ويحتمل أن يكون ذلك نهياً عن الإسراف في جميع الأشياء، على ما ذكرنا من قبل.

وإذا صح أن لا صدقة فيما يؤكل من الرطب والعنب والثمار بهذا الأخبار، وأن الصدقة إنما تجب فيما يلحقه الحصاد يابسا يمكن ادخاره - فالواجب ألا يكون في شيء من الخضر التي تؤكل رطبة صدقة، وألا تكون الصدقة واجبة إلا فيما يبس منها، ويمكن أن يدخر.

فأما البقول والرطاب والبطيخ والقثاء والخيار والتفاح وأشباهها: فلا صدقة فيها، هذا كله يدل لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - إلا أنا لا نعلم مخالفا أن فيما يباع من الرطب صدقة، وإن كان يؤكل كهيئة، فهذا يفسد ما احتججنا به لأبي يوسف ومحمد ومن وافقهما، وتأويل ما روي "أن لا صدقة في الخضراوات"، "وليس في أقل من خمسة أوسق صدقة تؤخذ"، وإنما عليه في نفسه أن يؤديها، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ : على أولئك خاصّة في ذلك الوقت، أو يقول: وآتوا حقه ولا تصرفوا إلى الأصنام التي تصرفون إليها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ .

هو صلة قوله: ﴿ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ ﴾ إلى آخر ما ذكر، وأنشأ - أيضاً - من الأنعام حمولة وفرشاً.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: الحمولة: ما يحمل عليها أنشأها للحمل، والفرش: الصغار منها التي لا تحمل.

وقيل: الحمولة: من نحو الإبل والبقر والبغال وغيرها من الحيوان، والفرش: هو الغنم والمعز التي تؤكل وأنشأها للحم.

ويحتمل الفرش: ما يؤخذ من الأنعام، ويتخذ منه الفرش والبسط.

وقال الحسن: الحمولة: ما يحمل عليها وهو خالص، والفرش: كل شيء من أنواع المال من الحيوان وغيره؛ يقال: أفرشه الله له، أي: جعله له.

قال ابن عباس -  -: الحمولة: الإبل والخيل والبغال والحمير، وكل شيء يحمل عليه، وإما الفرش فالغنم.

وعن ابن عمر -  - قال: الحمولة: الإبل، والفرش: البقر والغنم.

وقال أبو عوسجة: الحمولة: مراكب النساء، والفرش: ما يكون للنتاج.

وقال القتبي: الحمولة: كبار الإبل التي يحمل عليها، والفرش: صغارها التي لم تدرك أن يحمل عليها، وهي ما دون الحقاق، والحقاق: هي التي تصلح أن تركب، أي: حق ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ .

قوله: [ ﴿ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ ووجهوا شكر ذلك إليه، ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ في تحريم ما أحل الله لكم، وجعل ذلك لكم] رزقا؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ .

وقوله: ﴿ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا  ﴾ وقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا  ﴾ ، يقول: كلوا مما رزقكم الله؛ وكذلك قوله: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ ﴾ ، وانتفعوا به، ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ : في تحريم ذلك على أنفسكم، واعرفوا نعمه التي أنعمها عليكم، ووجهوا شكر نعمه إليه، ولا توجهوها إلى غيره.

ثم قوله: ﴿ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ .

قيل: آثار الشيطان.

وقيل: أعمال الشيطان.

وقيل: دعاء الشيطان وتزيينه، وكله واحد.

وأصله: أن كل من أجاب آخر إلى ما يدعو إليه ويأتمر بأمره، يقال: قد اتبع أثره، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز جل -: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

أي: إنه فيما يدعوكم إلى تحريم ما أحل الله لكم ورزقكم - يقصد قصد إهلاككم وتعذيبكم، لا قصد منفعة لكم في ذلك، وكل من قصد إهلاك آخر فهو عدوّ له، وهو يخرج على ما ذكرنا من تذكير المنن والنعم التي أنعمها عليهم، يقول: هو الذي جعل لكم ذلك؛ فلا تصرفوا شكره إلى غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

أي: أنشأ - أيضاً - ثمانية أزواج، على ما ذكر: أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنشأ من الأنعام - أيضاً - حمولة وفرشاً، وأنشأ - أيضاً - ثمانية أزواج مما عد علينا.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر هو تفسير قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً ﴾ ، ويكون ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ﴾ التي ذكر في الآية بيان الحمولة والفرش التي ذكر في الآية الأولى.

ثم في قوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : في الآية تعريف المحاجة مع الكفرة وتعليمها من الله؛ لأنهم كانوا يحرمون أشياء على الإناث ويحللونها للذكور؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ  ﴾ ؛ فقال الله - عز وجل: ﴿ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ ﴾ : يعرفنا المحاجة معهم؛ وطلب العلة التي بها حرم، فقال: ﴿ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ ﴾ ، فإن قالوا: حرم الذكر، فيجب أن كل ذكر محرم، ثم من الذكور ما يحل، فتناقضوا في قولهم، وإن قالوا: حرم الأنثى، فيجب أن كل أنثى - أيضاً - تكون محرمة، فإذا لم تحرم كل أنثى ظهر تناقضهم؛ لأنه لا يجوز أن يجب حرمة شيء أو حله لمعنى، ثم يرتفع ذلك الحكم والمعنى موجود، أو حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فإن كان لهذا، فيجب أن لكل مشتمل عليه أرحام الأنثيين محرم، فإذا لم يحرم ذلك [دل أن التحريم لم يكن لهذا].

وفيه دلالة أن الحكم إذا وجب لعلة، فذلك الحكم واجب ما دامت العلة قائمة موجودة، وفيه الأمر بالمقايسة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ .

أي: ليس عندهم علم يعلمون ذلك وينبئونه، ذكر - هاهنا - ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ : في مقالتكم: إنه حرم، وقال في الآية التي تليها: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا ﴾ ، أي: بتحريمها، أي: ليس لكم شهداء على تحريم ما تحرمون: لا من جهة الكتاب، ولا رسول، ولا استدلال؛ لأن العلوم ثلاثة: علم استدلال وهو علم العقل، وعلم المشاهدة والعيان وهو علم الحس، وعلم السمع والخبر؛ فيخبر أنه ليس لهم من هذه العلوم شيء.

أما علم الاستدلال: فلا عقل يدل على تحريم ما حرمتم.

ولا علم مشاهدة؛ لأنكم لم تشاهدوا الله حرم ذلك.

ولا علم من جهة السمع والخبر؛ لأنهم [كانوا] لا يؤمنون بالكتب، ولا صدقوا الرسل فيقولون: أخبرنا الرسل بتحريم ذلك، أو وجدنا في الكتب حُرْمتها، فبهتوا في ذلك وضجروا.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمّد ونبوّته  ؛ لأنهم كانوا لا يحرمون هذه الأشياء ظاهرا فيما بينهم، ورسول الله  نشأ بين أظهرهم منذ كان صغيراً إلى كبره، وعرفوا أنه لم يختلف إلى أحد عرف ذلك، ثم أخبر [الله - عز وجل -] [عن حل] ما حرموا وفساد ما صنعوا؛ ليدلهم أنه إنما عرف ذلك بالله، وبه علم حل ما حرموا، وحرمة ما أحلوا، لا بأحد من الخلائق.

وقوله - عز جل -: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً  ﴾ .

أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا؛ لأنه هو الذي أنشأهم وأنشأ لهم جميع ما يحتاجون إليه ويقضون حوائجهم، وبه كان جميع نعمهم التي يتنعمون ويتقلبون فيها؛ فلا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، فقال: حرم كذا ولم يكن حرم، أو: أمر بكذا ولم يكن أمر.

ألا ترى: أنه قال - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً  ﴾ ، و ﴿ قِيلاً  ﴾ ، فكما لم يكن أحد أصدق منه حديثاً، فعلى ذلك لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا بعد علمه: أنه هو الفاعل لذلك كله، وهو المنشئ ما ذكر.

وقوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ .

في الظاهر استفهام، ولكن في الحقيقة إيجاب؛ لأنه لا يحتمل الاستفهام؛ كأنه قال: لا أحد أفحش ظلماً ممن افترى على الله كذبا على الإيجاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

لأنه يقصد بالافتراء على الله قصد إضلال الناس وإغوائهم.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر والظلم.

وقيل: ﴿ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ \[أي أنهم يختمون\] بالكفر.

ويحتمل: لا يهديهم؛ إذا كانوا هم عند الله ظلمة كفرة، وإن كانوا عند أنفسهم عدولا على الحق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهو الذي أنشأ لكم من الأنعام ما هو صالح لأن يُحْمَل عليه ككبار الإبل، وما ليس صالحًا لذلك كصغاره وكالغنم، كلوا -أيها الناس- مما رزقكم الله من هذه الأشياء التي أباحها لكم، ولا تتبعوا خطوات الشيطان في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحله كما يفعله المشركون، إن الشيطان لكم -أيها الناس- عدو واضح العداوة حيث يريد منكم أن تعصوا الله بذلك.

من فوائد الآيات الأهواء سبب تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله.

وجوب الزكاة في الزروع والثمار عند حصادها، مع جواز الأكل منها قبل إخراج زكاتها، ولا يُحْسَب من الزكاة.

التمتع بالطيبات مع عدم الإسراف ومجاوزة الحد في الأكل والإنفاق.

<div class="verse-tafsir" id="91.grBgV"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله