الآية ١٤٣ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٤٣ من سورة الأنعام

ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ ۖ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٤٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 118 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٣ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٣ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذا بيان لجهل العرب قبل الإسلام فيما كانوا حرموا من الأنعام ، وجعلوها أجزاء وأنواعا : بحيرة ، وسائبة ، ووصيلة وحاما ، وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها في الأنعام والزروع والثمار ، فبين أنه تعالى أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ، وأنه أنشأ من الأنعام حمولة وفرشا .

ثم بين أصناف الأنعام إلى غنم وهو بياض وهو الضأن ، وسواد وهو المعز ، ذكره وأنثاه ، وإلى إبل ذكورها وإناثها ، وبقر كذلك .

وأنه تعالى لم يحرم شيئا من ذلك ولا شيئا من أولاده .

بل كلها مخلوقة لبني آدم ، أكلا وركوبا ، وحمولة ، وحلبا ، وغير ذلك من وجوه المنافع ، كما قال تعالى ( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) الآية [ الزمر : 6 ] .

وقوله : ( أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ) رد عليهم في قولهم : ( ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ) .

وقوله : ( نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ) أي : أخبروني عن يقين : كيف حرم الله عليكم ما زعمتم تحريمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك؟

وقال العوفي عن ابن عباس قوله : ( ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ) فهذه أربعة أزواج ، ( ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين ) يقول : لم أحرم شيئا من ذلك ( أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ) يعني : هل يشمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى فلم تحرمون بعضا وتحلون بعضا؟

( نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ) يقول : كله حلال .

وأول من دخل في هذه الآية : عمرو بن لحي بن قمعة ، فإنه أول من غير دين الأنبياء ، وأول من سيب السوائب ، ووصل الوصيلة ، وحمى الحامي ، كما ثبت ذلك في الصحيح .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) قال أبو جعفر: وهذا تقريعٌ من الله جل ثناؤه العادلين به الأوثان من عبدة الأصنام، الذين بحروا البحائر، وسيَّبوا السوائب، ووصلوا الوصائل= وتعليم منه نبيَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به, الحجةَ عليهم في تحريمهم ما حرموا من ذلك.

فقال للمؤمنين به وبرسوله: وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، ومن الأنعام أنشأ حمولة وفرشًا .

ثم بين جل ثناؤه " الحمولة " و " الفرش ", فقال: (ثمانية أزواج).

* * * وإنما نصب " الثمانية ", لأنها ترجمة عن " الحمولة " و " الفرش "، وبدل منها.

كأن معنى الكلام: ومن الأنعام أنشأ ثمانية أزواج= فلما قدّم قبل " الثمانية "" الحمولة " و " الفرش " بيّن ذلك بعد فقال: (ثمانية أزواج)، على ذلك المعنى.

* * * (من الضأن اثنين ومن المعز اثنين)، فذلك أربعة, لأن كل واحد من الأنثيين من الضأن زوج, فالأنثى منه زوج الذكر, والذكر منه زوج الأنثى, وكذلك ذلك من المعز ومن سائر الحيوان.

فلذلك قال جل ثناؤه: (ثمانية أزواج)، كما قال: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ، [سورة الذاريات: 49]، لأن الذَّكر زوج الأنثى، والأنثى زوج الذكر, فهما وإن كانا اثنين فيهما زوجان, كما قال جل ثناؤه: وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ، [سورة الأعراف: 189]، وكما قال: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ، [سورة الأحزاب: 37] ، وكما:- 14067- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن جويبر, عن الضحاك: (من الضأن اثنين)، ذكر وأنثى,(ومن البقر اثنين)، ذكر وأنثى=(ومن الإبل اثنين)، ذكر وأنثى .

* * * ويقال للاثنين: " هما زوج "، (1) كما قال لبيد: مِـنْ كُـلِّ مَحْـفُوفٍ يُظِـلُّ عِصِيَّـهُ زَوْجٌ عَلَيْـــهِ كِلَّـــةٌ وَقِرَامُهَــا (2) * * * ثم قال لهم: كلوا مما رزقكم الله من هذه الثمار واللحوم, واركبوا هذه الحمولة، أيها المؤمنون, فلا تتبعوا خطوات الشيطان في تحريم ما حرم هؤلاء الجهلة بغير أمري إياهم بذلك .

= قل، يا محمد، لهؤلاء الذين حرّموا ما حرموا من الحرث والأنعام اتباعًا للشيطان، من عبدة الأوثان والأصنام الذين زعموا أن الله حرم عليهم ما هم محرمون من ذلك=: آلذكرين حرم ربكم، أيها الكذبة على الله، من الضأن والمعز؟

فإنهم إن ادعوا ذلك وأقرّوا به, كذبوا أنفسهم وأبانوا جهلهم.

لأنهم إذا قالوا: " يحرم الذكرين من ذلك ", أوجبوا تحريم كل ذكرين من ولد الضأن والمعز, وهم يستمتعون بلحوم الذكران منها وظهورها.

وفي ذلك فساد دعواهم وتكذيب قولهم =(أم الأنثيين)، فإنهم إن قالوا: " حرم ربنا الأنثيين ", أوجبوا تحريم لحوم كل أنثى من ولد الضأن والمعز على أنفسهم وظهورها.

وفي ذلك أيضًا تكذيب لهم, ودحض دعواهم أنّ ربهم حرم ذلك عليهم, إذ كانوا يستمتعون بلحوم بعض ذلك وظهوره =(أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين)، يقول: أم حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين, يعني أرحام أنثى الضأن وأنثى المعز، فلذلك قال: " أرحام الأنثيين "، وفي ذلك أيضًا لو أقرُّوا به فقالوا: " حرم علينا ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ", بُطولُ قولهم وبيان كذبهم, لأنهم كانوا يقرّون بإقرارهم بذلك أنّ الله حرّم عليهم ذكور الضأن والمعز وإناثها، أن يأكلوا لحومها أو يركبوا ظهورها, وقد كانوا يستمتعون ببعض ذكورها وإناثها.

* * * و " ما " التي في قوله: (أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين)، نصب عطفًا بها على " الأنثيين " .

(3) * * * =(نبئوني بعلم)، يقول: قل لهم: خبروني بعلم ذلك على صحته: أيَّ ذلك حرم ربكم عليكم، وكيف حرم؟

(4) =(إن كنتم صادقين)، فيما تنحلونه ربكم من دعواكم، وتضيفونه إليه من تحريمكم .

* * * وإنما هذا إعلامٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه أنّ كل ما قاله هؤلاء المشركون في ذلك وأضافوه إلى الله, فهو كذب على الله, وأنه لم يحرم شيئًا من ذلك, وأنهم إنما اتّبعوا في ذلك خطوات الشيطان, وخالفوا أمره .

* * * وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 14068- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) الآية, إن كل هذا لم أحرم منه قليلا ولا كثيرًا، ذكرًا ولا أنثى .

14069- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (من الضأن اثنين ومن المعز اثنين)، قال: سلهم: (آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) ، أي: لم أحرم من هذا شيئًا =(بعلم إن كنتم صادقين)، فذكر من الإبل والبقر نحو ذلك .

14070- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (ثمانية أزواج)، في شأن ما نهى الله عنه من البحيرة .

14071- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (ثمانية أزواج)، قال: هذا في شأن ما نهى الله عنه من البحائر والسُّيَّب = قال ابن جريج يقول: من أين حرمت هذا؟

من قبل الذكرين أم من قبل الأنثيين, أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟

وإنها لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى, فمن أين جاء التحريم؟

فأجابوا هم: وجدنا آباءنا كذلك يفعلون .

14072- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين، ومن البقر اثنين ومن الإبل اثنين , يقول: أنـزلت لكم ثمانية أزواج من هذا الذي عددت، ذكر وأنثى, فالذكرين حرمت عليكم أم الأنثيين، أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟

يقول: أي: ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، ما تشتمل إلا على ذكر أو أنثى, فما حرمت عليكم ذكرًا ولا أنثى من الثمانية.

إنما ذكر هذا من أجل ما حرَّموا من الأنعام .

14073- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن أبي رجاء, عن الحسن: (أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين)، قال: ما حملت الرَّحم .

14074- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (قل آلذكرين حرم أم الأنثيين)، قال: هذا لقولهم: مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا .

قال: وقال ابن زيد في قوله: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين)، قال: " الأنعام "، هي الإبل والبقر والضأن والمعز, هذه " الأنعام " التي قال الله: " ثمانية أزواج " .

قال: وقال في قوله: هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ، نحتجرها على من نريد، وعمن نريد.

وقوله: وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ، قال: لا يركبها أحد= وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا ، فقال: (آلذكرين حرم أم الأنثيين)، أيّ هذين حرم على هؤلاء؟

أي: أن تكون لهؤلاء حِلا وعلى هؤلاء حرامًا .

14075- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين)، يعني: هل تشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى؟

فهل يحرمون بعضًا ويحلون بعضًا؟

.

14076- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين)، فهذه أربعة أزواج= وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ ، يقول: لم أحرم شيئًا من ذلك =(نبئوني بعلم إن كنتم صادقين)، يقول: كله حلال .

* * * و " الضأن " جمع لا واحد له من لفظه, وقد يجمع " الضأن "،" الضَّئين والضِّئين ", مثل " الشَّعير " و " الشِّعير ", كما يجمع " العبد " على " عَبيد، وعِبيد ".

(5) وأما الواحد من ذكوره فـ" ضائن ", والأنثى " ضائنة ", وجمع " الضائنة "" ضوائن ".

وكذلك " المعز "، جمع على غير واحد, وكذلك " المعزى "، وأما " الماعز ", فجمعه " مواعز " .

-------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير (( الزوج )) فيما سلف 1 : 514 / 2 : 446 / 7 : 515 / 12 : 150 .

(2) من قصيدته العجيبة المعلقة ، وهذا البي في أوائل الشعر ، يصف هوادج ظعن الحي .

و (( المحفوف )) ، يعني الهودج ، حف بالثياب والأنماط .

و (( العصى )) ، خشب الهودج ، تظلله وتستره الثياب والأنماط .

و (( الكلة )) الستر الرقيق .

و (( الرقام )) ستر فيه رقم ونقوش وتماثيل .

(3) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 360 .

(4) انظر تفسير (( النبأ )) ، فيما سلف من فهارس اللغة ( نبأ ) .

(5) كل ذلك بفتح الضاد ، والشين ، و العين = ثم بكسر الضاد ، والشين ، والعين .

وقد نصوا على ذلك في (( الضئين )) و (( الشعير )) ، ولم أوفق إلى العثور على ذلك في (( العبيد )) ، وهو موجود إن شاء الله فيما أذكر .

وقالوا : إن كسر (( الضاد )) لغة تميمية .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقينفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى ثمانية أزواج ثمانية منصوب بفعل مضمر ، أي وأنشأ ثمانية أزواج ; عن الكسائي .

وقال الأخفش سعيد : هو منصوب على البدل من حمولة وفرشا .

وقال الأخفش علي بن سليمان : يكون منصوبا ب كلوا أي كلوا لحم ثمانية أزواج .

ويجوز أن يكون منصوبا على البدل من ما على الموضع .

ويجوز أن يكون منصوبا بمعنى كلوا المباح ثمانية أزواج من الضأن اثنين .

ونزلت الآية في مالك بن عوف وأصحابه حيث قالوا : ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا فنبه الله عز وجل نبيه والمؤمنين بهذه الآية على ما أحله لهم ; لئلا يكونوا بمنزلة من حرم ما أحله الله تعالى .

والزوج خلاف الفرد ; يقال : زوج أو فرد .

كما يقال : خسا أو زكا ، شفع أو وتر .

فقوله : [ ص: 103 ] ثمانية أزواج يعني ثمانية أفراد .

وكل فرد عند العرب يحتاج إلى آخر يسمى زوجا ، فيقال للذكر زوج وللأنثى زوج .

ويقع لفظ الزوج للواحد وللاثنين ; يقال هما زوجان ، وهما زوج ; كما يقال : هما سيان وهما سواء .

وتقول : اشتريت زوجي حمام .

وأنت تعني ذكرا وأنثى .الثانية قوله تعالى من الضأن اثنين أي الذكر والأنثى .

والضأن : ذوات الصوف من الغنم ، وهي جمع ضائن .

والأنثى ضائنة ، والجمع ضوائن .

وقيل : هو جمع لا واحد له .

وقيل في جمعه : ضئين ; كعبد وعبيد .

ويقال فيه ضئين .

كما يقال في شعير : شعير ، كسرت الضاد اتباعا .

وقرأ طلحة بن مصرف " من الضأن اثنين " بفتح الهمزة ، وهي لغة مسموعة عند البصريين .

وهو مطرد عند الكوفيين في كل ما ثانيه حرف حلق .

وكذلك الفتح والإسكان في المعز .

وقرأ أبان بن عثمان ( من الضأن اثنان ومن المعز اثنان ) رفعا بالابتداء .

وفي حرف أبي ( ومن المعز اثنان ) وهي قراءة الأكثر .

وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بالفتح .

قال النحاس : الأكثر في كلام العرب المعز والضأن بالإسكان .

ويدل على هذا قولهم في الجمع : معيز ; فهذا جمع معز .

كما يقال : عبد وعبيد .

قال امرؤ القيس :ويمنحها بنو شمجى بن جرم معيزهم حنانك ذا الحنانومثله ضأن وضئين .

والمعز من الغنم خلاف الضأن ، وهي ذوات الأشعار والأذناب القصار ، وهو اسم جنس ، وكذلك المعز والمعيز والأمعوز والمعزى .

وواحد المعز ماعز ; مثل صاحب وصحب وتاجر وتجر .

والأنثى ماعزة وهي العنز ، والجمع مواعز .

وأمعز القوم كثرت معزاهم .

والمعاز صاحب المعزى .

قال أبو محمد الفقعسي يصف إبلا بكثرة اللبن ويفضلها على الغنم في شدة الزمان :يكلن كيلا ليس بالممحوق إذ رضي المعاز باللعوقوالمعز الصلابة من الأرض .

والأمعز : المكان الصلب الكثير الحصى ; والمعزاء أيضا .

واستمعز الرجل في أمره : جد .قل آلذكرين منصوب ب حرم أم الأنثيين عطف عليه .أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وزيدت مع ألف الوصل مدة للفرق بين الاستفهام والخبر .

ويجوز حذف الهمزة لأن " أم " تدل على الاستفهام .

كما قال :تروح من الحي أم تبتكرالثالثة قال العلماء : الآية احتجاج على المشركين في أمر البحيرة وما ذكر معها .

وقولهم : ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا .

فدلت على إثبات [ ص: 104 ] المناظرة في العلم ; لأن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام بأن يناظرهم ، ويبين لهم فساد قولهم .

وفيها إثبات القول بالنظر والقياس .

وفيها دليل بأن القياس إذا ورد عليه النص بطل القول به .

ويروى : " إذا ورد عليه النقض " ; لأن الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصحيحة ، وأمرهم بطرد علتهم .

والمعنى : قل لهم إن كان حرم الذكور فكل ذكر حرام .

وإن كان حرم الإناث فكل أنثى حرام .

وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، يعني من الضأن والمعز ، فكل مولود حرام ، ذكرا كان أو أنثى .

وكلها مولود فكلها إذا حرام لوجود العلة فيها ، فبين انتقاض علتهم وفساد قولهم ; فأعلم الله سبحانه أن ما فعلوه من ذلك افتراء عليهنبئوني بعلم أي بعلم إن كان عندكم ، من أين هذا التحريم الذي افتعلتموه ؟

ولا علم عندهم ; لأنهم لا يقرءون الكتب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذه الأنعام التي امتن الله بها على عباده، وجعلها كلها حلالا طيبا، فصلها بأنها: { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ } ذكر وأنثى { وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ } كذلك، فهذه أربعة، كلها داخلة فيما أحل الله، لا فرق بين شيء منها، فقل لهؤلاء المتكلفين، الذين يحرمون منها شيئا دون شيء، أو يحرمون بعضها على الإناث دون الذكور، ملزما لهم بعدم وجود الفرق بين ما أباحوا منها وحرموا: { آلذَّكَرَيْنِ } من الضأن والمعز { حَرَّمَ } الله، فلستم تقولون بذلك وتطردونه، { أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ } حرم الله من الضأن والمعز، فليس هذا قولكم، لا تحريم الذكور الخلص، ولا الإناث الخلص من الصنفين.

بقي إذا كان الرحم مشتملا على ذكر وأنثى، أو على مجهول فقال: { أَمْ } تحرمون { ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ } أي: أنثى الضأن وأنثى المعز، من غير فرق بين ذكر وأنثى، فلستم تقولون أيضا بهذا القول.

فإذا كنتم لا تقولون بأحد هذه الأقوال الثلاثة، التي حصرت الأقسام الممكنة في ذلك، فإلى أي شيء تذهبون؟.

{ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } في قولكم ودعواكم، ومن المعلوم أنهم لا يمكنهم أن يقولوا قولا سائغا في العقل، إلا واحدا من هذه الأمور الثلاثة.

وهم لا يقولون بشيء منها.

إنما يقولون: إن بعض الأنعام التي يصطلحون عليها اصطلاحات من عند أنفسهم، حرام على الإناث دون الذكور، أو محرمة في وقت من الأوقات، أو نحو ذلك من الأقوال، التي يعلم علما لا شك فيه أن مصدرها من الجهل المركب، والعقول المختلة المنحرفة، والآراء الفاسدة، وأن الله، ما أنزل -بما قالوه- من سلطان، ولا لهم عليه حجة ولا برهان.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم بين الحمولة والفرش فقال : ( ثمانية أزواج ) نصبها على البدل من الحمولة والفرش ، أي : وأنشأ من الأنعام ثمانية أزواج أصناف ، ( من الضأن اثنين ) أي : الذكر والأنثى ، فالذكر زوج والأنثى زوج ، والعرب تسمي الواحد زوجا إذا كان لا ينفك عن الآخر ، والضأن النعاج ، وهي ذوات الصوف من الغنم ، والواحد ضائن والأنثى ضائنة ، والجمع ضوائن ، ( ومن المعز اثنين ) قرأ ابن كثير وابن عامر وأهل البصرة " من المعز " بفتح العين ، والباقون بسكونها ، والمعز والمعزى جمع لا واحد له من لفظه ، وهي ذوات الشعر من الغنم ، وجمع الماعز معيز ، وجمع الماعزة مواعز ، ( قل ) يا محمد ( آلذكرين حرم ) الله عليكم ، يعني ذكر الضأن والمعز ، ( أم الأنثيين ) يعني أنثى الضأن والمعز ، ( أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ) منهما ، فإنها لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى ، ( نبئوني ) أخبروني ( بعلم ) قال الزجاج : فسروا ما حرمتم بعلم ، ( إن كنتم صادقين ) أن الله تعالى حرم ذلك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثمانية أزواج» أصناف بدل من حمولة وفرشا «من الضأن» زوجين «اثنين» ذكر وأنثى «ومن المعَز» بالفتح والسكون «اثنين قل» يا محمد لمن حرم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى ونسب ذلك إلى الله «آلذكرين» من الضأن والمعز «حرم» الله عليكم «أم الأنثيين» منهما «أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين» ذكرا كان أو أنثى «نَبِّئوني بعلم» عن كيفية تحريم ذلك «إن كنتم صادقين» فيه المعنى من أين جاء التحريم؟

فإن كان من قبل الذكورة فجميع الذكور حرام أو الأنوثة فجميع الإناث، أو اشتمال الرحم فالزوجان، فمن أين التخصيص؟

والإستفهام للإنكار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذه الأنعام التي رزقها الله عباده من الإبل والبقر والغنم ثمانية أصناف: أربعة منها من الغنم، وهي الضأن ذكورًا وإناثًا، والمعز ذكورًا وإناثًا.

قل -أيها الرسول- لأولئك المشركين: هل حَرَّم الله الذكرين من الغنم؟

فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا في ذلك؛ لأنهم لا يحرمون كل ذكر من الضأن والمعز، وقل لهم: هل حَرَّم الله الأنثيين من الغنم؟

فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا أيضًا؛ لأنهم لا يحرمون كل أنثى من ولد الضأن والمعز، وقل لهم: هل حَرَّم الله ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الضأن والمعز من الحمل؟

فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا أيضًا؛ لأنهم لا يحرمون كل حَمْل مِن ذلك، خبِّروني بعلم يدل على صحة ما ذهبتم إليه، إن كنتم صادقين فيما تنسبونه إلى ربكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين القرآن بعد ذلك بعض ما كان عليه الجاهليون من جهالات ، وناقشهم فيما أحلوه وحرموه مناقشة منطقية حكيمة فقال :{ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين } أى .

من الضأن زوجين اثنين هما الكبش والنعجة ، { وَمِنَ المعز اثنين } أى .

ومن المعز زوجين اثنين هما التيس والعنز .ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبكتهم على جهلهم فقال { قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين } .أى : قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ وإلزامهم الحجة : أحرم الله الذكرين وحدهما من الضأن والمعز أم الأنثيين وحدهما ، أم الأجنة التى اشتملت عليها أرحام إناث الزوجين كليهما سواء أكانت تلك الأجنة ذكوراً أم إناثا؟وقوله : { نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } أى : أخبرونى بأمر معلوم من جهته - تعالى - جاءت به الأنبياء ، يدل على أنه - سبحانه - قد حرم شيئاً مما حرمتموه إن كنتم صادقين فى دعوى التحريم .والأمر هنا للتعجيز لأنهم لا دليل عندهم من العقل أو النقل على صحة تحريمهم لبعض الأنعام دون بعض .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية إنعامه على عباده بالمنافع النباتية أتبعها بذكر إنعامه عليهم بالمنافع الحيوانية.

فقال: ﴿ وَمِنَ الانعام حَمُولَةً وَفَرْشًا ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الواو في قوله: ﴿ وَمِنَ الأنعام حَمُولَةً وَفَرْشًا ﴾ توجب العطف على ما تقدم من قوله: ﴿ وَهُوَ الذي أَنشَأَ جنات معروشات  ﴾ والتقدير: وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشاً وكثر أقوالهم في تفسير الحمولة والفرش وأقربها إلى التحصيل وجهان: الأول: أن الحمولة ما تحمل الأثقال والفرش ما يفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش.

والثاني: الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض بسبب صغر أجرامها مثل الفرش المفروش عليها.

ثم قال تعالى: ﴿ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ يريد ما أحلها لكم.

قالت المعتزلة: إنه تعالى أمر بأكل الرزق، ومنع من أكل الحرام، ينتج أن الرزق ليس بحرام.

ثم قال: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان ﴾ أي في التحليل والتحريم من عند أنفسكم كما فعله أهل الجاهلية ﴿ خطوات ﴾ جمع خطوة وهي ما بين القدمين قال الزجاج: وفي ﴿ خطوات الشيطان ﴾ ثلاثة أوجه: بضم الطاء وفتحها وبإسكانها، ومعناه: طرق الشيطان أي لا تسلكوا الطريق الذي يسوله لكم الشيطان.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ أي بين العداوة، أخرج آدم من الجنة، وهو القائل: ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: في انتصاب قوله: ﴿ ثمانية ﴾ وجهان: الأول: قال الفراء: انتصب ثمانية بالبدل من قوله: ﴿ حَمُولَةً وَفَرْشًا ﴾ والثاني: أن يكون التقدير: كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج.

البحث الثاني: الواحد إذا كان وحده فهو فرد، فإذا كان معه غيره من جنسه سمي زوجاً، وهما زوجان بدليل قوله: ﴿ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ وبدليل قوله: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿ مّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين...

وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَمِنْ الضأن اثنين ﴾ يعني الذكر والأنثى، والضأن ذوات الصوف من الغنم.

قال الزجاج: وهي جمع ضائن وضائنة مثل تاجر وتاجرة ويجمع الضأن أيضاً على الضئين بكسر الضاد وفتحها وقوله: ﴿ وَمِنَ المعز اثنين ﴾ قرئ ﴿ وَمِنَ المعز ﴾ بفتح العين، والمعز ذوات الشعر من الغنم ويقال للواحد: ماعز وللجمع: معزى.

فمن قرأ ﴿ المعز ﴾ بفتح العين فهو جمع ماعز، مثل خادم وخدم وطالب وطلب، وحارس وحرس.

ومن قرأ بسكون العين فهو أيضاً جمع ماعز كصاحب وصحب، وتاجر وتجر، وراكب وركب.

وأما انتصاب اثنين فلأن تقدير الآية أنشأ ثمانية أزواج أنشأ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين وقوله: ﴿ قُلْ ءآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين ﴾ نصب الذكرين بقوله: ﴿ حَرَّمَ ﴾ والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله.

قال المفسرون: إن المشركين من أهل الجاهلية كانوا يحرمون بعض الأنعام، فاحتج الله تعالى على إبطال قولهم بأن ذكر الضأن والمعز والإبل والبقر وذكر من كل واحد من هذه الأربعة زوجين، ذكراً وأنثى.

ثم قال إن كان حرم منها الذكر وجب أن يكون كل ذكورها حراماً وإن كان حرم الأنثى، وجب أن يكون كل إناثها حراماً، وقوله: ﴿ أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين ﴾ تقديره: إن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وجب تحريم الأولاد كلها لأن الأرحام تشتمل على الذكور والإناث، هذا ما أطبق عليه المفسرون في تفسير هذه الآية، وهو عندي بعيد جداً، لأن لقائل أن يقول: هب أن هذه الأنواع الأربعة، أعني: الضأن، والمعز، والإبل، والبقر، محصورة في الذكور والإناث، إلا أنه لا يجب أن تكون علة تحريم ما حكموا بتحريمه محصورة في الذكورة والأنوثة، بل علة تحريمها كونها بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حاماً أو سائر الاعتبارات، كما أنا إذا قلنا: أنه تعالى حرم ذبح بعض الحيوانات لأجل الأكل.

فإذا قيل: إن ذلك الحيوان إن كان قد حرم لكونه ذكراً وجب أن يحرم كل حيوان ذكر، وإن كان قد حرم لكونه أنثى وجب أن يحرم كل حيوان أنثى، ولما لم يكن هذا الكلام لازماً علينا، فكذا هذا الوجه الذي ذكره المفسرون في تفسير هذه الآية، ويجب على العاقل أن يذكر في تفسير كلام الله تعالى وجهاً صحيحاً فأما تفسيره بالوجوه الفاسدة فلا يجوز والأقرب عندي فيه وجهان: أحدهما: أن يقال: إن هذا الكلام ما ورد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم، بل هو استفهام على سبيل الإنكار يعني أنكم لا تقرون بنبوة نبي، ولا تعرفون شريعة شارع، فكيف تحكمون بأن هذا يحل وأن ذلك يحرم؟

وثانيهما: أن حكمهم بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام مخصوص بالإبل، فالله تعالى بين أن النعم عبارة عن هذه الأنواع الأربعة، فلما لم تحكموا بهذه الأحكام في الأقسام الثلاثة، وهي: الضأن والمعز والبقر، فكيف خصصتم الإبل بهذا الحكم على التعيين؟

فهذا ما عندي في هذه الآية والله أعلم بمراده.

ثم قال تعالى: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وصاكم الله بهذا ﴾ والمراد هل شاهدتم الله حرم هذا إن كنتم لا تؤمنون برسول؟

وحاصل الكلام من هذه الآية: أنكم لا تعترفون بنبوة أحد من الأنبياء، فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة؟

ولما بين ذلك قال: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا لِيُضِلَّ الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحي، لأنه هو الذي غير شريعة إسمعيل، والأقرب أن يكون هذا محمولاً على كل من فعل ذلك، لأن اللفظ عام والعلة الموجبة لهذا الحكم عامة، فالتخصيص تحكم محض.

قال المحققون: إذا ثبت أن من افترى على الله الكذب في تحريم مباح استحق هذا الوعيد الشديد، فمن افترى على الله الكذب في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والنبوات والملائكة ومباحث المعاد كان وعيده أشد وأشق.

قال القاضي: ودل ذلك على أن الإضلال عن الدين مذموم، لا يليق بالله، لأنه تعالى إذا ذم الإضلال الذي ليس فيه إلا تحريم المباح، فالذي هو أعظم منه أولى بالذم.

وجوابه: أنه ليس كل ما كان مذموماً منا كان مذموماً من الله تعالى ألا ترى أن الجمع بين العبيد والإماء وتسليط الشهوة عليهم وتمكينهم من أسباب الفجور مذموم منا وغير مذموم من الله تعالى فكذا هاهنا.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾ قال القاضي: لا يهديهم إلا ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها.

وقال أصحابنا: المراد منه الإخبار بأنه تعالى لا يهدي أولئك المشركين، أي لا ينقلهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، والكلام في ترجيح أحد القولين على الآخر معلوم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حَمُولَةً وَفَرْشًا ﴾ عطف على جنات.

أي: وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال وما يفرش للذبح، أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش.

وقيل: (الحمولة) الكبار التي تصلح للحمل ﴿ والفرش ﴾ الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم، لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها، مثل الفرش المفروش عليها ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان ﴾ في التحليل والتحريم من عند أنفسكم فعل كما أهل الجاهلية ﴿ ثمانية أزواج ﴾ بدل من حمولة وفرشاً ﴿ اثنين ﴾ زوجين اثنين، يريد الذكر والأنثى، كالجمل والناقة، والثور والبقرة، والكبش والنعجة، والتيس والعنز- والواحد إذا كان وحده فهو فرد، فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منها زوجاً، وهما زوجان، بدليل قوله: ﴿ خَلَقَ الزوجين الذكر والانثى ﴾ [النجم: 45] والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿ مّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين ﴾ ، ﴿ وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين ﴾ ونحو تسميتهم الفرد بالزوج، بشرط أن يكون معه آخر من جنسه: تسميتهم الزجاجة كأساً بشرط أن يكون فيها خمر.

والضأن والمعز جمع ضائن وماعز، كتاجر وتجر.

وقرئا بفتح العين.

وقرأ أبيّ: ﴿ ومن المعزى ﴾ وقرئ: ﴿ اثنان ﴾ على الابتداء.

الهمزة في ﴿ آلذكرين ﴾ للإنكار والمراد بالذكرين: الذكر من الضأن والذكر من المعز.

وبالإثنيين: الأنثى من الضأن والأنثى من المعز، على طريق الجنسية.

والمعنى إنكار أن يحرّم الله تعالى من جنسين الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها، ولا مما تحمل إناث، الجنسين وكذلك الذكران من جنسي الإبل والبقر والأنثيان منهما وما تحمل إناثهما وذلك أنهم كانوا يحرّمون ذكورة الأنعام تارة، وإناثها تارة، وأولادهما كيفما كانت ذكوراً وإناثاً، أو مختلطة تارة، وكانوا يقولون قد حرّمها الله، فأنكر ذلك عليهم ﴿ نَبّئُونِي بِعِلْمٍ ﴾ أخبروني بأمر معلوم من جهة الله تعالى يدلّ على تحريم ما حرّمتم ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ في أنّ الله حرّمه ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء ﴾ بل أكنتم شهداء.

ومعنى الهمزة الإنكار، يعني أم شاهدتم ربكم حين أمركم بهذا التحريم؟

وذكر المشاهدة على مذهبهم، لأنهم كانوا لا يؤمنون برسول وهم يقولون: الله حرّم هذا الذي نحرّمه، فتهكم بهم في قوله: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء ﴾ على معنى: أعرفتم التوصية به مشاهدين، لأنكم لا تؤمنون بالرسل ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ فنسب إليه تحريم ما لم يحرّم ﴿ لِيُضِلَّ الناس ﴾ وهو عمرو بن لحي بن قمعة الذي بحر البحائر وسيب السوائب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا ﴾ عَطْفٌ عَلى جَنّاتٍ أيْ وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ ما يَحْمِلُ الأثْقالَ وما يَفْرِشُ لِلذَّبْحِ، أوْ ما يَفْرِشُ المَنسُوجَ مِن شَعَرِهِ وصُوفِهِ ووَبَرِهِ.

وقِيلَ الكِبارُ الصّالِحَةُ لِلْحَمْلِ والصِّغارُ الدّانِيَةُ مِنَ الأرْضِ مِثْلَ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها.

﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ كُلُوا مِمّا أُحِلَّ لَكم مِنهُ.

﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم.

﴿ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ظاهِرَةُ العَداوَةِ.

﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ بَدَلٌ مِن حُمُولَةً وفَرْشًا، أوْ مَفْعُولُ كُلُوا، ولا تَتَّبِعُوا مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما أوْ فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ أوْ حالٌ مِن ما بِمَعْنى مُخْتَلِفَةٌ أوْ مُتَعَدِّدَةٌ والزَّوْجُ ما مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ يُزاوِجُهُ وقَدْ يُقالُ لِمَجْمُوعِهِما والمُرادُ الأوَّلُ.

﴿ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ﴾ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ الكَبْشِ والنَّعْجَةِ، وهو بَدَلٌ مِن ثَمانِيَةَ وقُرِئَ «اثْنانِ» عَلى الِابْتِداءِ.

والضَّأْنُ اسْمُ جِنْسٍ كالإبِلِ وجَمْعُهُ ضَئِينَ أوْ جَمْعُ ضائِنٍ كَتاجِرٍ وتَجْرٍ.

وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.

﴿ وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ ﴾ التَّيْسِ والعَنْزِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ وهو جَمْعُ ماعِزٍ كَصاحِبٍ وصَحَبٍ وحارِسٍ وحَرَسٍ، وقُرِئَ «المِعْزى» .

﴿ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ ﴾ ذَكَرَ الضَّأْنِ وذَكَرَ المَعَزِ.

﴿ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ أمْ أُنْثَيَيْهِما ونُصِبَ الذَّكَرَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ بِحَرَّمَ ﴿ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ أوْ ما حَمَلَتْ إناثُ الجِنْسَيْنِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ ﴾ بِأمْرٍ مَعْلُومٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في دَعْوى التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثمانية أزواج} بدل من حَمُولَةً وَفَرْشًا {مّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين} زوجين اثنين يريد الذكر والأنثى والواحد إذا كان وحده فهو فرد وإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجاً وهما زوجان بدليل قوله خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى ويدل عليه قوله ثمانية أزواج ثم فسرها بقوله مّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين والضأن والمعز جمع ضائن وماعز كتاجر وتجر وفتح عين المعز مكي وشامي وأبو عمرو وهما لغتان والهمزة فى {قل آلذكرين حَرَّمَ أَمِ الأنثيين أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين} للإنكار والمراد بالذكرين الذكر من الضأن والذكر من المعز والانثيين الأنثى من الضأن والأنثى من المعز والمعنى إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما تحمل الإناث وذلك أنهم كانوا يحرمون ذكورة الأنعام تارة وإناثها طوراً وأولادها كيفا كانت ذكورا أو إناثا أو مختلطة وكانوا يقولون قد حرمها الله فأنكر

ذلك عليهم وانتصب آلذكرين يحرم وكذا أَمِ الأنثيين أي أم حرم الأنثيين وكذا ما فى أم ما اشتملت {نَبّئُونِي بِعِلْمٍ} أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم {إِن كُنتُمْ صادقين} في أن الله حرمه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ الزَّوْجُ يُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَرِينَيْنِ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى في الحَيَواناتِ المُتَزاوِجَةِ ويُطْلَقُ عَلى مَجْمُوعِهِما والمُرادُ بِهِ هُنا الأوَّلُ وإلّا كانَتْ أرْبَعَةً وإيرادُها بِهَذا العُنْوانِ وهَذا العَدَدِ أوْفَقُ لِما سِيقَ لَهُ الكَلامُ و ﴿ ثَمانِيَةَ ﴾ عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ بَدَلٌ مِن ﴿ حَمُولَةً وفَرْشًا ﴾ مَنصُوبٌ بِما نَصَبَهُما وهو ظاهِرٌ عَلى تَفْسِيرِ الحَمُولَةِ والفَرْشِ بِما يَشْمَلُ الأزْواجَ الثَّمانِيَةَ أمّا لَوْ خُصَّ ذَلِكَ بِالإبِلِ فَفِيهِ خَفاءٌ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وأنْشَأ ثَمانِيَةَ وأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جَنّاتٍ وحُذِفَ الفِعْلُ وحُرِفَ العَطْفُ وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ ووَجْهُهُ لا يَخْفى وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِكُلُوا الَّذِي قَبْلَهُ والتَّقْدِيرُ كُلُوا لَحْمَ ثَمانِيَةِ أزْواجٍ ﴿ ولا تَتَّبِعُوا ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ وأنْ يَكُونَ حالًا مِن ما مُرادًا بِها الأنْعامُ ويُؤَوَّلُ بِنَحْوِ مُخْتَلِفَةٍ أوْ مُتَعَدِّدَةٍ لِيَكُونَ بَيانًا لِلْهَيْئَةِ وهو عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُ في الحالِ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا أوْ مُؤَوَّلًا بِهِ ظاهِرٌ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّهُ يَأْباهُ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِظُهُورِ أنَّهُ مَسُوقٌ لِتَوْضِيحِ حالِ الأنْعامِ بِتَفْصِيلِها أوَّلًا إلى حَمُولَةٍ وفَرْشٍ ثُمَّ تَفْصِيلُها إلى ثَمانِيَةِ أزْواجٍ حاصِلَةٍ مِن تَفْصِيلِ الأوَّلِ إلى الإبِلِ والبَقَرِ وتَفْصِيلِ الثّانِي إلى الضَّأْنِ والمَعْزِ ثُمَّ تَفْصِيلِ كُلِّ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ إلى الذَّكَرِ والأُنْثى كُلُّ ذَلِكَ لِتَحْرِيرِ المَوادِّ الَّتِي تَقَوَّلُوا فِيها عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ثُمَّ تُبْكِيتُهم بِإظْهارِ كَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ في كُلِّ مادَّةٍ مِن تِلْكَ المَوادِّ بِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلَيْها مُفَصَّلَةً.

انْتَهى.

وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ﴾ عَلى مَعْنى زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ الكَبْشِ والنَّعْجَةِ ونَصَبَ ﴿ اثْنَيْنِ ﴾ قِيلَ: عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ أوْ كُلٍّ مِن كُلٍّ إنْ لُوحِظَ العَطْفُ عَلَيْهِ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ.

وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: الظّاهِرُ أنَّ ﴿ مِنَ الضَّأْنِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأنْعامِ واثْنَيْنِ مِن ﴿ حَمُولَةً وفَرْشًا ﴾ أوْ مِن ﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ إنْ جَوَّزْنا أنْ يَكُونَ لِلْبَدَلِ بَدَلٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ البَدَلُ اثْنَيْنِ حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ قُدِّمَتْ عَلَيْها.

وقُرِئَ ( اثْنانِ ) عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ والجُمْلَةُ بَيانِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ والضَّأْنُ اسْمُ جِنْسٍ كالإبِلِ جَمْعُ ضَئِينٍ كَأمِيرٍ وكَعَبِيدٍ أوْ جَمْعُ ضائِنٍ كَتاجِرٍ وتُجُرٍ وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو لُغَةٌ فِيهِ ﴿ ومِنَ المَعْزِ ﴾ زَوْجَيْنِ ﴿ اثْنَيْنِ ﴾ التَّيْسِ والعَنْزِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ العَيْنِ وهو جَمْعُ ماعِزٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ وحارِسٍ وحَرْسٍ وقَرَأ أُبَيٌّ ( ومِنَ المِعْزى ) وهو اسْمُ جَمْعِ مَعْزٍ وهَذِهِ الأزْواجُ الأرْبَعَةُ عَلى ما اخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ تَفْصِيلٌ لِلْفَرْشِ قالَ: ولَعَلَّ تَقْدِيمَها في التَّفْصِيلِ مَعَ تَأخُّرٍ أصْلِها في الإجْمالِ لِكَوْنِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ عُرْضَةً لِلْأكْلِ الَّذِي هو مُعْظَمُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الحِلُّ والحُرْمَةُ وهو السِّرُّ في الِاقْتِصارِ عَلى الأمْرِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلِانْتِفاعِ بِالحَمْلِ والرُّكُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حَرَّمُوهُ في السّائِبَةِ وأخَواتِها ومِنَ النّاسِ مِن عِلَلِ التَّقْدِيمِ بِأشْرَفِيَّةِ الغَنَمِ ولِهَذا رَعاها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو لا يُناسِبُ المَقامَ كَما لا يَخْفى ﴿ قُلْ ﴾ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِعَجْزِهِمْ عَنِ الجَوابِ ﴿ آلذَّكَرَيْنِ ﴾ ذَكَرَ الضَّأْنِ وذَكَرَ المَعْزِ ﴿ حَرَّمَ ﴾ اللَّهُ تَعالى ﴿ أمِ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ أيْ أُنْثى ذَيْنَكَ الصِّنْفَيْنِ ونَصَبَ الذَّكَرَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ بِحَرَّمَ ﴿ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ أيْ أمِ الَّذِي حَمَلَتْهُ إناثُ النَّوْعَيْنِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ ﴾ أيْ أخْبِرُونِي بِأمْرٍ مَعْلُومٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ أوْ نَبِّئُونِي بِبَيِّنَةٍ مُتَلَبِّسَةٍ بِعِلْمٍ صادِرَةٍ عَنْهُ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ (143) في دَعْوى التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والأمْرُ تَأْكِيدٌ لِلتَّبْكِيتِ وإظْهارُ الِانْقِطاعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ يعني: خلق البساتين يعني: الكروم وما يعرش وهو الذي يبسط مثل القرع ونحو ذلك وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ يعني: كل شجرة قائمة على أصولها وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ يعني: خلق النخل والزرع مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ يعني: طعمه مثل الحامض والحلو والمر وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً يعني: المنظر وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ يعني: في الطعم كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وإنما ذكر ثمره بلفظ التذكير، لأنه انصرف إلى المعنى يعني: ثمره الذي ذكرها وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ يعني: أعطوا زكاته يوم كيله ورفعه.

قرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر حَصادِهِ بنصب الحاء.

وروى الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: العُشْر ونصف العشر.

وروى سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: عند الزرع أي يعطي القبض وهو بأطراف الأصابع، ويعطي عند الصرام القبض، ويدعهم يتتبعون آثار الصرام.

وعن الربيع بن أنس وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: لقاط السنبل.

وقال الحسن: نسختها آية الزكاة.

وقال إبراهيم: نسختها العشر ونصف العشر: وقال الضحاك: نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن وهكذا قال عكرمة.

وقال سفيان.

سألت السدي عن قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: هذه السورة مكية نسختها العشر ونصف العشر قلت عمن؟

قال عن العلماء.

قال الفقيه الذي قال إنه صار منسوخاً يعني: أداؤه يوم الحصاد بغير تقدير صار منسوخاً ولكن أصل الوجوب لم يصر منسوخاً.

وبيّن النبي  التقدير وهو العشر أو نصف العشر.

ثم قال: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قال ابن عباس  ما: عمد ثابت بن قيس إلى خمسمائة نخلة فصرمها وقسمها في يوم واحد فأمسى ولم يكن لأهله شيء فنزل وَلا تُسْرِفُوا يعني: ولا تتصدقوا بكله، ودعوا لعيالكم شيئاً.

وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: جد لمعاذ بن جبل نخله فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منه شيء.

فنزل وَلا تُسْرِفُوا ويقال: وَلا تُسْرِفُوا يعني: ولا تنفقوا في المعصية.

قال مجاهد: لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهباً في طاعة الله تعالى ما يكون إسرافاً، ولو أنفقت درهماً في طاعة الشيطان كان إسرافاً.

وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه سئل عن قوله تعالى: وَلا تُسْرِفُوا قال: الإسراف ما قصرت عن حق الله تعالى.

ويقال: وَلا تُسْرِفُوا يقول: لا تشركوا الآلهة في الحرث والأنعام.

وقد ذكر قوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ بلفظ التذكير لأنه انصرف إلى المعنى يعني: من ثمر ما ذكرنا.

ثم قال: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ يعني: المشركين الذين يشركون الآلهة في الحرث والأنعام.

ثم قال: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً يعني: أنشأ لكم وخلق لكم من الأنعام حمولة وفرشاً أي: مما يحمله عليه من الإبل والبقر وفرشاً مثل الغنم وصغار الإبل.

وقال القتبي: الفرش ما لا يطيق الحمل عليه، وهي ما دون الحفاف التي لا تصلح للركوب.

كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي: من الحرث والأنعام حلالا طيبا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ يعني: لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة غير ناصح لكم.

ثم قال: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يعني: ثمانية أفراد لكم: يقال لكل فرد معه آخر زوج يقول: خلقت لكم ثمانية أصناف.

ويقال: كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج نزلت الآية في مالك بن عوف وأصحابه حيث قالوا: ما فى بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا.

ففي هذه الآية دليل إثبات المناظرة في العلم، لأن الله تعالى أمر النبيّ  بأن يناظرهم ويبيّن فساد قولهم.

وفيها إثبات القول بالنظر والقياس، وفيها دليل أن القياس إذا ورد عليه النص بطل القول به، ويروى إذا ورد عليه النقض لأن الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصحيحة، وأمرهم بطرد علّتهم، وأمرهم بأن يثبتوا وجه الحرمة إن كان سبب الحرمة الأنوثة والذكورة أو اشتمال الرحم.

فإن كان سبب الحرمة الأنوثة ينبغي أن يكون كل أنثى حراماً لوجود العلة.

وإن كان سبب الحرمة الذكورة ينبغي أن يكون كل ذكر حراماً لوجود العلة وإن كان محرماً لاشتمال الرحم وقد حرم الأولاد كلها ووجهت حرمتها لوجود العلة فيها فبّين انتقاض علتهم وفساد قولهم، وذلك قوله: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يعني: ثمانية أصناف مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ يعني: قولهم وذلك قوله: وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ يعني: الذكر والأنثى قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ يعني: قل لهم من أين جاء هذا التحريم من قبل الذكرين حُرِّمَ أم من قبل الأُنثيين؟

أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ يعني: أم من قبل اشتمال الرحم فإنها لا تشتمل إلا على الذكر والأنثى.

نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ يعني: أخبروني بسبب التحريم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن الله حرم ما تقولون وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ يعني: من أين جاء هذا التحريم.

ثم قال: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ يعني: إذا لم تقدروا على إثبات تحريم ذلك بالعقل فهل لكم كتاب يشهد على تحريم هذا؟

فذلك قوله: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا يعني: أمركم الله بهذا التحريم فسكت مالك بن عوف وتحير فقال له النبيّ  : «مَا لَكَ لاَ تتكلم» فقال: بل تكلم أنت فأسمع قال الله عزّ وجلّ: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بغير حجة وبيان لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: ليصرف الناس عن حكم الله تعالى بالجهل إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: لا يرشدهم إلى الحجة ويقال لا يوفقّهم إلى الهدى مجازاةً لكفرهم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وَمِنَ الْمَعْزِ بنصب العين.

وقرأ الباقون بالجزم.

ومعناهما واحد.

ثم بيَّن لهم ما حرم عليهم فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقالتْ طائفة: هذا حكم صدَقَاتِ المسلمين حتى نزلَت الزكاةُ المفروضةُ، فنسخَتْها.

قال ع «١» : والنسخ غَيْرُ مترتِّب في هذه الآية، ولا تَعَارُضَ بينها وبيْن آية الزكاة، بل تَنْبَنِي هذه على النَّدْبِ، وتلك على الفرض.

وقوله سبحانه: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ النهْيُ عن الإسراف: إما للناس عن التمنُّع عن أدائها لأن ذلك إسراف من الفعْلِ، وإما للولاة عن التشطُّط على الناسِ والإذاءة لهم، وكلٌّ قد قيلَ به في تأويل الآية.

وقوله سبحانه: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً حَمُولَةً: عطْفٌ على جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ.

التقدير: وأنشأنا من الأنعامِ حمولةً، والحَمُولَةُ: ما تحمل الأثقال مِنَ الإبل والبقر عنْدَ مَنْ عادته أنْ يحمل عليها، والفَرْش: ما لا يحمل ثقلاً كالغنم وصِغَار البَقَر والإبل، وهذا هو المرويُّ عن ابْنِ مسعود وابن عباس والحَسَن «٢» وغيرهم، ولا مَدْخَل في الآية لغَيْر الأنعام، وقوله: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ: نصُّ إباحةٍ، وإزالةُ مَا سَنَّه الكفرة من البَحِيرَة والسَّائبة وغير ذلك، ثم تابع النهْيَ عن تلك السُّنَن/ الآفكة بقوله سبحانه: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وهي جمع خُطْوَة، أي: لا تَمْشُوا في طريقه، قُلْتُ: ولفظ البخاريِّ: خُطُواتِ من الخَطْو، والمعنى: آثاره.

انتهى.

ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤) قُلْ لآ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)

وقوله سبحانه: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ، واختلف في نَصْبِها فقيل: على البدل من «مَا» في قوله: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، وقيل: على الحال، وقيل: على البدل من قوله: حَمُولَةً وَفَرْشاً، وهذا أصوب الأقوال، وأجراها على «١» معنى الآيةِ، والزَّوْج: الذكر، والزَّوْج الأنثى، فكل واحدٍ منهما زَوْجُ صاحبِهِ، وهي أربعة أنواعٍ فتجيء ثمانية أزواجٍ، والضَّأْن:

جمع ضَائِنَة وضَائِن.

وقوله سبحانه: قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ، هذا تقسيمٌ على الكفَّار حتى يتبيَّن كذبهم على اللَّه، أي: لا بد أن يكون حَرَّم الذكَرَيْن فيلزمكم تحريمُ جميعِ الذُّكور، أو الأنثيين فيلزمكم تحريمُ جميع الإناث، أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ، فيلزمكم تحريمُ الجميعِ، وأنتم لم تلتزموا شيئاً يوجبه هذا التقسيمُ، وفي هذه السؤالاتِ تقريعٌ وتوبيخٌ، ثم أتْبَعَ تقريعَهُم بقوله: نَبِّئُونِي، أي: أخبروني بِعِلْمٍ، أي: من جهة نبوَّة أو كتابٍ من كتب الله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، وإِنْ شرطٌ، وجوابه في نَبِّئُونِي.

وقوله سبحانه: وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ ...

الآية:

القولُ في هذه الآية في المعنى وترتيبِ التقسيمِ كما تقدَّم، فكأنه قال: أنتم الذين تدَّعون أن اللَّه حرم خصائصَ مِنْ هذه الأنعام لا يَخْلُو تحريمه مِنْ أن يكون في الذَّكَرَيْن أو في الأُنْثَيَيْن، أو فيما اشتملت عليه أرحامُ الأنثيين، لكنه لم يُحَرِّم لا هذا ولا هذا ولا هذا فلم يَبْقَ إلا أنه لم يَقَعْ تحريمٌ، قال الفَخْر «٢» : والصحيحُ عندي أن هذه الآية لم ترد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم، بل هي استفهام على سبيل الإنكار، وحاصلُ الكلام: أنكم لا تعترفُون بنبوَّة أحد من الأنبياء، فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة.

انتهى.

وقوله سبحانه: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا: استفهامٌ على سبيل التوبيخ، وشُهَداءَ: جمعُ شهيدٍ، وباقي الآية بيِّن.

وقوله تعالى: قُلْ لآ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ...

الآية: هذه الآيةُ نزلَتْ بمكَّة، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقْتِ شيء محرّم

غير هذه الأشياء، ثم نزلَت، سورة المائدة بالمدينة، وزيدَ في المحرَّمات كالخمر، وكأكل كل ذي نابٍ من السباعِ ممَّا وردَتْ به السُّنَّة.

قال ع «١» : ولفظة التحريمِ، إذا وردَتْ على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنَّها صالحةٌ أن تنتهي بالشيء المذكور غَايَةَ المنْعِ والحظرِ، وصالحةٌ بحسب اللغة أنْ تقف دون الغاية في حَيِّز الكراهية ونحوها، فما اقترنت به قرينةُ التسليمِ من الصحابة المتأوِّلينِ، وأجمع عليه الكلُّ منهم، ولم تَضْطَرِبْ فيه ألفاظ الأحاديث، وأمضاه الناسُ- وجب بالشَّرْعِ أنْ يكون تحريمه قَدْ وصَل الغايةَ من الحَظْر والمَنْع، ولحق بالخنزير والميتة، وهذه صفة تحريم الخمر، وما اقترنت به قرينةُ اضطراب ألفاظ الحديثِ، واختلف الأمة فيه، مع علمهم بالأحاديث كقوله- عليه السلام-: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السّباع حرام» «٢» ، وقد روي عنه

«نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ» «١» ، ثم اختلفتِ الصحابة ومَنْ بعدهم في تحريمِ ذلك، فجاز لهذه الوجوه لِمَنْ ينظر أَنْ يحمل لفظ التحريم على المَنْع الذي هو على الكراهية ونحوها، وما اقترنت به/ قرينةُ التأويل كتحريمه- عليه السلام-

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ﴾ الضَّأْنُ: ذَواتُ الصُّوفِ مِنَ الغَنَمِ، والمَعِزِ: ذَواتُ الشَّعْرِ مِنها.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "المَعِزُ" بِفَتْحِ العَيْنِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: بِتَسْكِينِ العَيْنِ.

والمُرادُ بِالأُنْثَيَيْنِ الذَّكَرُ والأُنْثى.

﴿ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ ﴾ مِنَ الضَّأْنِ والمَعْزِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكم ﴿ أمِ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ مِنها: المَعْنى: فَإنْ كانَ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الذَّكَرَيْنِ، فَكُلُّ الذُّكُورِ حَرامٌ، وإنْ كانَ حَرَّمَ الأُنْثَيَيْنِ، فَكُلُّ الإناثِ حَرامٌ، وإنْ كانَ حَرَّمَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ، فَهي تَشْتَمِلُ عَلى الذُّكُورِ، وتَشْتَمِلُ عَلى الإناثِ، وتَشْتَمِلُ عَلى الذُّكُورِ والإناثِ، فَيَكُونُ كُلُّ جَنِينٍ حَرامًا.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآَيَةِ: ألْحَقَكُمُ التَّحْرِيمُ مِن جِهَةِ الذَّكَرَيْنِ، أمْ مِن جِهَةِ الأُنْثَيَيْنِ؟

فَإنْ قالُوا: مِن جِهَةِ الذَّكَرَيْنِ، حَرُمَ عَلَيْهِمْ كُلُّ ذَكَرٍ، وإنْ قالُوا: مِن جِهَةِ الأُنْثَيَيْنِ، حَرُمَتْ عَلَيْهِمْ كُلُّ أُنْثى؛ وإنْ قالُوا: مِن جِهَةِ الرَّحِمِ، حَرُمَ عَلَيْهِمُ الذَّكَرُ والأُنْثى.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: إنْ قالُوا: حَرُمَ الذَّكَرَيْنِ، أوْجَبُوا تَحْرِيمَ كُلِّ ذَكَرٍ مِنَ الضَّأْنِ والمَعْزِ، وهم يَسْتَمْتِعُونَ بِلُحُومِ بَعْضِ الذُّكْرانِ مِنها وظُهُورِهِ، وفي ذَلِكَ فَسادُ دَعْواهم.

وإنْ قالُوا: حَرُمَ الأُنْثَيَيْنِ أوْجَبُوا تَحْرِيمَ لُحُومِ كُلِّ أُنْثى مِن ولَدِ الضَّأْنِ والمَعْزِ، وهم يَسْتَمْتِعُونَ بِلُحُومِ بَعْضِ ذَلِكَ وَظُهُورِهِ.

وإنْ قالُوا: ما اشْتَمَلَتْ، عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ، فَقَدْ كانُوا يَسْتَمْتِعُونَ بِبَعْضِ ذُكُورِها وإناثِها.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فاحْتَجَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآَيَةِ والَّتِي بَعْدَها، لِأنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ أجْناسًا مِنَ النَّعَمِ، بَعْضُها عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ، وبَعْضُها عَلى النِّساءِ دُونَ الرِّجالِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ إبْطالٌ لِما حَرَّمُوهُ مِنَ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ ، إبْطالُ قَوْلِهِمْ: ﴿ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَسِّرُوا ما حَرَّمْتُمْ بِعِلْمٍ، أيْ: أنْتُمْ لا عِلْمَ لَكم، لِأنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِكِتابٍ.

﴿ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ ﴾ أيْ: هَلْ شاهَدْتُمُ اللهَ قَدْ حَرَّمَ هَذا، إذا كُنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِرَسُولٍ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ، ومَن جاءَ بَعْدَهُ.

والظّالِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ "حَمُولَةً"؛ عُطِفَ عَلى ﴿ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ  ﴾ ؛ واَلتَّقْدِيرُ: "وَأنْشَأْنا مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً"؛ والحَمُولَةُ: ما تَحْمِلُ الأثْقالَ مِنَ الإبِلِ؛ والبَقَرِ؛ عِنْدَ مَن عادَتُهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْها؛ والهاءُ في "حَمُولَةً"؛ لِلْمُبالَغَةِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ والفَرْشُ: ما لا يَحْمِلُ ثِقْلًا؛ كالغَنَمِ؛ وصِغارِ البَقَرِ والإبِلِ؛ هَذا هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنِ ؛ وغَيْرِهِمْ؛ يُقالُ لَهُ: "اَلْفَرْشُ"؛ و"اَلْفَرِيشُ"؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ تَسْمِيَتَهُ "فَرْشًا"؛ إنَّما هي لِوَطاءَتِهِ؛ وأنَّهُ مِمّا يُمْتَهَنُ ويُتَوَطَّأُ؛ ويُتَمَكَّنُ مِنَ التَصَرُّفِ فِيهِ؛ إذْ قَرُبَ جِسْمُهُ مِنَ الأرْضِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: اَلْحَمُولَةُ: اَلْإبِلُ؛ والخَيْلُ؛ والبِغالُ؛ والحَمِيرُ؛ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِنهُ تَفْسِيرٌ لِنَفْسِ اللَفْظَةِ؛ لا مِن حَيْثُ هي في هَذِهِ الآيَةِ؛ ولا تَدْخُلُ في الآيَةِ لِغَيْرِ الأنْعامِ؛ وإنَّما خُصَّتْ بِالذِكْرِ مِن جِهَةِ ما شَرَعَتْ فِيها العَرَبُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِمّا رَزَقَكُمُ ﴾ نَصُّ إباحَةِ وإزالَةِ ما سَنَّهُ الكُفّارُ مِنَ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ تابَعَ النَهْيَ عن تِلْكَ السُنَنِ؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ ﴾ ؛ وهي جَمْعُ "خُطْوَةٌ"؛ أيْ: "لا تَمْشُوا في طُرُقِهِ المُضِلَّةِ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ" اِخْتِلافُ القُرّاءِ في "خُطُواتِ"؛ ومِن شاذِّها قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ والأعْرَجُ ؛ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "خُطُؤاتِ"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ والطاءِ؛ وبِالهَمْزَةِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: وذَلِكَ جَمْعُ "خَطْأةٌ"؛ مِن "اَلْخَطَأُ"؛ ومِنَ الشاذِّ قِراءَةُ أبِي السَمّالِ: "خَطَواتِ"؛ بِالواوِ دُونَ هَمْزَةٍ؛ وهو جَمْعُ "خَطْوَةٌ"؛ وهي ذَرْعُ ما بَيْنَ قَدَمَيِ الماشِيَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَهْيَ عن ذَلِكَ بِتَقْرِيرِ عَداوَةِ الشَيْطانِ لِابْنِ آدَمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى "ثَمانِيَةَ"؛ اِخْتُلِفَ في نَصْبِها؛ فَقالَ الأخْفَشُ؛ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "كُلُوا لَحْمَ ثَمانِيَةِ أزْواجٍ..."؛ فَحُذِفَ الفِعْلُ؛ والمُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وقِيلَ نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِن "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ﴾ ؛ وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى الحالِ؛ وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ حَمُولَةً وفَرْشًا ﴾ ؛ وهَذا أصْوَبُ الأقْوالِ؛ وأجْراها مَعَ مَعْنى الآيَةِ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَها "أنْشَأ"؛ و"اَلزَّوْجُ": اَلذَّكَرُ؛ و"اَلزَّوْجُ": اَلْأُنْثى؛ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجُ صاحِبِهِ؛ وهي أرْبَعَةُ أنْواعٍ؛ فَتَجِيءُ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ.

و"اَلضَّأْنُ": جَمْعُ "ضائِنَةٌ"؛ و"ضائِنٌ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ والحَسَنُ: "مِنَ الضَأنِ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيِّ: "وَمِنَ المَعْزِ"؛ بِسُكُونِ العَيْنِ؛ وهو جَمْعُ "ماعِزٌ"؛ و"ماعِزَةٌ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "وَمِنَ المَعَزِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ فَـ "ضَأْنٌ"؛ و"مَعْزٌ"؛ كَـ "راكِبٌ"؛ و"رَكْبٌ"؛ و"تاجِرٌ"؛ و"تَجْرٌ"؛ و"ضَأنٌ"؛ و"مَعَزٌ"؛ كَـ "خادِمٌ"؛ و"خَدَمٌ"؛ ونَحْوِهِ؛ وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: "مِنَ الضَأْنِ اثْنانِ"؛ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ المُقَدَّمِ؛ ويُقالُ في جَمْعِ "ماعِزٌ": "مَعْزٌ"؛ و"مَعَزٌ"؛ و"مَعِيزٌ"؛ و"مِعْزى"؛ و"أمْعُوزٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ ﴾ ؛ هَذا تَقْسِيمٌ عَلى الكُفّارِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ كَذِبُهم عَلى اللهِ تَعالى ؛ أيْ: "لا بُدَّ أنْ يَكُونَ حَرَّمَ الذَكَرَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الذُكُورِ؛ أوِ الأُنْثَيَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الإناثِ؛ أمْ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ الجَمِيعِ؛ وأنْتُمْ لَمْ تَلْتَزِمُوا شَيْئًا مِمّا يُوجِبُهُ هَذا التَقْسِيمُ"؛ وفي هَذِهِ السُؤالاتِ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ.

ثُمَّ أتْبَعَ تَقْرِيرَهُمْ؛ وتَوْبِيخَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى "نَبِّئُونِي"؛ أخْبِرُونِي؛ "بِعِلْمٍ"؛ أيْ: مِن جِهَةِ نُبُوءَةٍ؛ أو كِتابٍ مِن كُتُبِ اللهِ تَعالى ؛ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ؛ و"إنْ"؛ شَرْطٌ؛ وجَوابُهُ في "نَبِّئُونِي"؛ وجازَ تَقْدِيمُ جَوابِ هَذا الشَرْطِ؛ لَمّا كانَتْ "إنْ"؛ لا يَظْهَرُ لَها عَمَلٌ في الماضِي؛ ولَوْ كانَتْ ظاهِرَةَ العَمَلِ لَما جازَ تَقَدُّمُ الجَوابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ حال من ﴿ من الأنعام ﴾ [الأنعام: 142].

ذكر توطئة لتقسيم الأنعام إلى أربعة أصناف الّذي هو توطئة للردّ على المشركين لقوله: والأزواج جمع زوج، والزوج اسم لذات منضمَّة إلى غيرها على وجه الملازمة، فالزّوج ثان لواحد، وكلّ من ذيْنِك الاثنين يقال له: زوج، باعتبار أنّه مضموم، وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجَنَّة ﴾ في سورة البقرة (35)، ويطلق الزوج غالباً على الذّكر والأنثى من بني آدم المتلازمين بعقدة نكاح، وتوسّع في هذا الإطلاق فأطلق بالاستعارة على الذّكر والأنثى من الحيوان الّذي يتقارن ذكره وأنثاه مثل حمار الوحش وأتانه، وذكر الحمام وأنثاه، لشبهها بالزوجين من الإنسان.

ويطلق الزّوج على الصنف من نوع كقوله تعالى: ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين في سورة الرّعد (3).

وكلا الإطلاقين الأخيرين صالح للإرادة هنا لأنّ الإبل والبقر والضأن والمعز أصناف للأنعام، ولأنّ كلّ ذلك منه ذكر وأنثى.

إذ المعنى أنّ الله خلق من الأنعام ذكرها وأنثاها، فالأزواج هنا أزواج الأصناف، وليس المراد زوْجاً بعينه، إذ لا تعرف بأعيانها، فثمانية أزواج هي أربعة ذكور من أربعة أصناف وأربعُ إناث كذلك.

وقوله: من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } أُبدل ﴿ اثنين ﴾ من قوله: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ قوله: ﴿ اثنين ﴾ : بدلَ تفصيل، والمراد: اثنين منها أي من الأزواج، أي ذَكَرٌ وأنثى كلّ واحد منهما زوج للآخر، وفائدة هذا التّفصيل التوصّل لذكر أقسام الذّكور والإناث توطئة للاستدلال الآتي في قوله: ﴿ قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين ﴾ الآية.

وسُلك في التّفصيل طريق التّوزيع تمييزاً للأنواع المتقاربة، فإنّ الضأن والمعز متقاربان، وكلاهما يذبح، والإبلَ والبقرَ متقاربة، والإبلُ تنحر، والبقر تذبح وتُنحر أيضاً.

ومن البقر صنف له سنام فهو أشبه بالإبل ويوجد في بلاد فارس ودخل بلاد العرب وهو الجاموس، والبقرُ العربي لا سنام له وثَورها يسمّى الفريش.

ولمّا كانوا قد حرّموا في الجاهليّة بعض الغنم، ومنها ما يسمّى بالوصيلة كما تقدّم، وبعض الإبل كالبَحيرة والوصيلة أيضاً، ولم يحرّموا بعض المعز ولا شيئاً من البقر، ناسب أن يؤتى بهذا التّقسيم قبل الاستدلال تمهيداً لتحكّمهم إذْ حرّموا بعض أفراد من أنواع، ولم يحرّموا بعضاً من أنواع أخرى، وأسباب التّحريم المزعومة تتأتى في كلّ نوع فهذا إبطال إجمالي لما شرعوه وأنَّه ليس من دين الله ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.

وهذا الاستدلال يسمى في علم المناظرة والبحث بالتحكّم.

والضأن بالهمز اسم جمع للغَنم لا واحد له من لفظه، ومفرد الضأن شاة وجمعها شاءٌ.

وقيل هو جمع ضَائن.

والضأن نوع من الأنعام ذواتتِ الظلف له صوف.

والمعز اسم جمع مفرده ماعِز، وهو نوع من الأنعام شبيه بالضأن من ذوات الظلف له شعر مستطيل، ويقال: مَعْز بسكون العين ومَعز بفتح العين وبالأول قرأ نافع.

وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف.

وقرأ بالثّاني الباقون.

وبعد أن تمّ ذكر المنّة والتّمهيد للحجّة، غيرّ أسلوب الكلام، فابتدئ بخطاب الرّسول عليه الصّلاة والسلام بأن يجادل المشركين ويظهر افتراءهم على الله فيما زعموه من تحريم ما ابتدعوا تحريمه من أنواع وأصناف الأنعام على من عيّنوه من النّاس بقوله: ﴿ قل ءآلذكرين حرم ﴾ الآيات.

فهذا الكلام ردّ على المشركين، لإبطال ما شرعوه بقرينة قوله: ﴿ نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ﴾ وقوله: ﴿ أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ﴾ الآية.

فقوله: قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين إلى آخرها في الموضعين، اعتراض بعد قوله: ﴿ ومن المعز اثنين ﴾ وقوله: ﴿ ومن البقر اثنين ﴾ .

وضمير: ﴿ حرّم ﴾ عائد إلى اسم الله في قوله: ﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ [الأنعام: 142]، أو في قوله: ﴿ وحرموا ما رزقهم الله ﴾ [الأنعام: 140] الآية.

وفي تكرير الاستفهام مرّتين تعريض بالتّخطئة، فالتّوبيخ والتّقريع الّذي يعقبه التّصريح به في قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ وقوله: ﴿ أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن أفترى على الله كذباً ﴾ الآية.

فلا تردّد في أنّ المقصود من قوله: ﴿ قل ءآلذكرين حرم ﴾ في الموضعين إبطال تحريم ما حرّم المشركون أكله، ونفي نسبة ذلك التّحريم إلى الله تعالى.

وإنَّما النظر في طريق استفادة هذا المقصود من نظم الكلام.

وهو من المعضلات.

فقال الفخر: «أطبق المفسّرون على أنّ تفسير هذه الآية أنّ المشركين كانوا يحرّمون بعض الأنعام فاحتجّ الله على إبطال قولهم بأنْ ذكَرَ الضأن والمعز والإبل والبقر.

وذكر من كلّ واحد من هذه الأربعة زوجين ذكراً وأنثى، ثمّ قال: إن كان حُرّم منها الذّكر وجب أن يكون كلّ ذكورها حراماً، وإن كان حُرم الأنثى وجب أن يكون كلّ إناثها حراماً، وأنَّه إن كان حرّم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وجب تحريم الأولاد كلّها».

حاصل المعنى نفي أن يكون الله حرّم شيئاً ممّا زعموا تحريمه إياه بطريق السبّر والتّقسيم وهو من طريق الجدل.

قلت: هذا ما عزاه الطّبري إلى قتادة، ومجاهد، والسدّي، وهذا لا يستقيم لأنّ السبر غير تامّ إذ لا ينحصر سبب التّحريم في النّوعيّة بل الأكثر أنّ سببه بعض أوصاف الممنوع وأحواله.

5 وقال البغوي: قالوا: ﴿ هذه أنعَام وحرث حجر ﴾ [الأنعام: 138] وقالوا: ﴿ ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرّم على أزواجنا ﴾ [الأنعام: 139] وحرّموا البحيرة والسّائبة والوصيلة والحامي، فلمّا قام الإسلام جَادَلوا النّبيء صلى الله عليه وسلم وكان خطيبهم مالكَ بن عوف الجُشَمي قالوا: يا محمّد بلغَنا أنَّك تحرّم أشياء ممّا كان آباؤنا يفعلونه.

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّكم قد حرّمتم أصنافاً من النّعم على غير أصل، وإنَّما خلق الله هذه الأزواج الثّمانية للأكل والانتفاع بها، فمِن أيْن جاء هذا التّحريم أمِن قِبلَ الذّكر أم من قِبَل الأنثى.

فسكت مالك بن عوف وتحيَّر اه (أي وذلك قبل أن يُسلم مالك بن عوف) ولم يعزه البغوي إلى قائل وهو قريب ممّا قاله قتادة والسّدي ومجاهد فتبيّن أنّ الحجاج كلّه في تحريم أكل بعض هذه الأنواع من الأنعام، وفي عدم التّفرقة بين ما حرّموا أكله وما لم يحرّموه مع تماثل النّوع أو الصنف.

والّذي يؤخذ من كلام أئمَّة العربيّة في نظم الاستدلال على المشركين أنّ الاستفهام في قوله: ﴿ ءآلذكرين حرم ﴾ في الموضعين.

استفهام إنكاري، قال في «الكشاف» الهمزة في ﴿ ءآلذكرين ﴾ للإنكار.

والمعنى: إنكار أن يحرّم الله تعالى من جنسي الغنم شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها وما تحمل إناثها وكذلك في جنسي الإبل والبقر، وبيّنه صاحب «المفتاح» في باب الطلب بقوله: وإن أردتَ به (أي بالاستفهام) الإنكا فانسجه على منوال النّفي فَقُل (في إنكار نفس الضرب) أضربت زيداً، وقل (في إنكار أن يكون للمخاطب مضروبٌ) أزيداً ضربت أم عمراً، فإنَّك إذا أنكرت من يُردّد الضّرب بينهما (أي بزعمه) تولّد منه (أي من الإنكار عليه) إنكار الضرب على وجه بُرهاني ومنه قوله تعالى: ﴿ ءآلذكرين حرم أم الأنثيين ﴾ .

قال شارحه القطب الشّيرازي: لاستلزام انتفاء محلّ التّحريم انتفاءَ التّحريم لأنَّه عرض يمتنع وجوده، أي التّحريم، دون محلّ يقوم به فإذا انتفى (أي محلّه) انتفى هو أي التّحريم ا ه.

أقول وجه الاستدلال: أنّ الله لو حرّم أكل بعض الذّكور من أحد النّوعين لحرّم البعضَ الآخر، ولو حرّم أكل بعض الإناث لحرّم البعض الآخر.

لأنّ شأن أحكام الله أن تكون مطّردة في الأشياء المتّحدة بالنّوع والصّفة، ولو حَرّم بعض ما في بطون الأنعام على النّساء لحرّم ذلك على الرّجال، وإذْ لم يحرّم بعضها على بعض مَع تماثل الأنواع والأحوال.

أنتجَ أنَّه لم يحرّم البعض المزعوم تحريمُه، لأنّ أحكام الله منوطة بالحكمة، فدلّ على أنّ ما حرّموه إنَّما حرّموه من تلقاء أنفسهم تحكّماً واعتباطاً، وكان تحريمهم ما حرّموه افتراءً على الله.

ونهضت الحجّة عليهم، الملجئةُ لهم، كما أشار إليه كلام النّبيء صلى الله عليه وسلم لمالك بن عوف الجُشمي المذكورُ آنفاً، ولذلك سَجَّل عليهم بقوله: ﴿ نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ﴾ فقوله: ﴿ ءآلذكرين حرم ﴾ أي لو حرّم الله ءآلذكرين لسوّى في تحريمهما بين الرّجال والنّساء.

وكذلك القول في الأنثيين، والاستفهام في قوله: ﴿ ءآلذكرين حرم ﴾ في الموضعين مُستعمل في التّقرير والإنكار بقرينة قوله قبله: ﴿ سيجزيهم وصفهم إنَّه حكيم عليم ﴾ [الأنعام: 139].

وقوله: ﴿ ولا تتَّبعوا خطوات الشّيطان ﴾ [البقرة: 168].

ومعلوم أنّ استعمال الاستفهام في غير معنى طلب الفهم هو إما مجاز أو كناية.

ولذلك تعيَّن أن تكون ﴿ أم ﴾ منقطعة بمعنى (بل) ومعناها الإضراب الانتقالي تعديداً لهم ويُقَدّر بعدها استفهام.

فالمفرد بعد ﴿ أم ﴾ مفعول لفعل محذوف، والتّقدير: أم أحرّم الأنثيين.

وكذلك التّقدير في قوله: ﴿ أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ﴾ وكذلك التّقدير في نظيره.

وقوله: ﴿ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ﴾ مع قوله: ﴿ ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ﴾ من مسلك السير والتقسيم المذكور في مسالك العلة من علم أصول الفقه.

وجملة: ﴿ نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ﴾ بدل اشتمال من جملة؛ ﴿ ءآلذكرين حرم أم الأنثيين ﴾ لأنّ إنكار أن يكون الله حرّم شيئاً من ذكور وإناث ذينك الصنفين يقتضي تكذيبهم في زعمهم أنّ الله حرّم ما ذكروه فيلزم منه طلبُ الدّليل على دعواهم.

فموقع جملة ﴿ ءآلذكرين ﴾ بمنزلة الاستفسار في علم آداب البحث.

وموقع جملة: ﴿ نبئوني بعلم إم كنتم صادقين ﴾ بمنزلة المنع.

وهذا تهكّم لأنَّه لا يَطلب تلقّي علم منهم.

وهذا التَّهكّم تابع لصورة الاستفهام وفرعٌ عنها.

وهو هنا تجريد للمجاز أو للمعنى الملزوم المنتقل منه في الكناية.

وتثنية ءآلذكرين والأنثيين: باعتبار ذكور وإناث النّوعين.

وتعدية فعل: ﴿ حَرّم ﴾ إلى ﴿ الذّكرين ﴾ و ﴿ الأنثيين ﴾ وما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، على تقدير مضاف معلوم من السّياق، أي: حرّم أكل ءآلذكرين أم الأنثيين إلى آخره.

والتّعريف في قوله: ﴿ ءآلذكرين ﴾ وقوله: ﴿ أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ﴾ تعريف الجنس كما في «الكشاف».

والباء في ﴿ بعلم ﴾ : يحتمل أن تكون لتعدية فعل الإنباء، فالعلم بمعنى المعلوم.

ويحتمل أن تكون للملابسة، أي نبّئوني إنباء ملابساً للعلم، فالعلم ما قابل الجهل أي إنباء عالم.

ولمَّا كانوا عاجزين عن الإنباء دلّ ذلك على أنَّهم حرّموا ما حرّموه بجهالة وسوء عقل لا بعلم، وشأن من يتصدّى للتحريم والتّحليل أن يكون ذا علم.

وقوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أي في قولكم: إنّ الله حرّم ما ذكرتم أنَّه محرّم، لأنَّهم لو كانوا صادقين في تحريم ذلك لاستطاعوا بيان ما حرّمه الله، ولأبدوا حكمة تحريم ما حرّموه ونسبوا تحريمه إلى الله تعالى.

وقوله: ﴿ ومن الإبل اثنين ﴾ إلى قوله ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ عطف على: ﴿ ومن المعز اثنين ﴾ لأنَّه من تمام تفصيل عدد ثمانية أزواج، والقول فيه كالقول في سابقه، والمقصود إبطال تحريم البحيرة والسّائبة والحامي وما في بطون البحائر والسّوائب.

و ﴿ أم ﴾ في قوله: ﴿ أم كنتم شهداء ﴾ منقطعة للإضراب الانتقالي.

فتؤذن باستفهام مقدّر بعدها حيثما وقعت.

وهو إنكاري تقريري أيضاً بقربنة السّياق.

والشّهداء: الحاضرون جمعُ شَهيد وهو الحاضر، أي شُهداء حين وصّاكم الله، ف ﴿ إذْ ﴾ ظرف ل ﴿ شهداء ﴾ مضاف إلى جملة: ﴿ وصاكم ﴾ .

والإيصاء: الأمر بشيء يُفعل في غيبة الآمر فيؤكَّد على المأمور بفعله لأنّ شأن الغائب التّأكيد.

وأطلق الإيصاء على ما أمر الله به لأنّ النّاس لم يشاهدوا الله حين فعلهم ما يأمرهم به، فكانَ أمر الله مؤكَّداً فعبّر عنه بالإيصاء تنبيهاً لهم على الاحتراز من التّفويت في أوامر الله، ولذلك أطلق على أمر الله الإيصاءُ في مواضع كثيرة من القرآن، كقوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ [النساء: 11].

والإشارة في قوله: ﴿ بهذا ﴾ إلى التحريم المأخوذ من قوله: ﴿ حرم ﴾ وذلك لأنّ في إنكار مجموع التّحريم تضمُّنا لإبطال تحريم معيَّن ادّعوه.

وهم يعرفونه.

فلذلك صحّت الإشارة إلى التّحريم على الإجمال، وخصّ بالإنكار حالة المشاهدة، تهكّماً بهم، لأنَّهم كانوا يكذّبون الرّسول صلى الله عليه وسلم فحالهم حَال من يضع نفسه موضع من يحضر حضرة الله تعالى لسماع أوامره.

أو لأنّ ذلك لمّا لم يكن من شرع إبراهيم ولا إسماعيل عليهم السّلام، ولم يأت به رسول من الله، ولم يدّعوه، فلم يبق إلاّ أنّ يدّعوا أنّ الله خاطبهم به مباشرة.

وقوله: ﴿ فمن أظلم ممن أفترى على الله كذباً ﴾ مترتّب على الإنكار في قوله: ﴿ ءآلذكرين حرم أم الأنثيين ﴾ إلى قوله ﴿ إذ وصاكم الله بهذا ﴾ ، أي فيترتّب على ذلك الإبطال والإنكار أن يتوجّه سؤال من المتكلّم مشوبٌ بإنكار.

عمّن اتّصف بزيادة ظلم الظّالمين الّذين كذبوا على الله ليضلّوا النّاس، أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً، فإذا ثبت أنّ هؤلاء المخاطبين قد افتروا على الله كذباً، ثبت أنَّهم من الفريق الّذي هو أظلم الظالمين.

والمشركون إمّا أن يكونوا ممّن وضع الشّرك وهم كبراء المشركين: مثل عَمرو بن لُحي، واضععِ عبادة الأصنام، وأوللِ من جعل البحيرة والسّائبة والوصيلة والحامي، ومن جاء بعده من طواغيت أهل الشّرك الّذين سنّوا لهم جعل شيء من أموالهم لبيوت الأصنام وسدنتها، فهؤلاء مُفترون، وإمَّا أن يكونوا ممّن اتَّبع أولئك بعزم وتصلّب وشاركوهم فهم اتَّبعوا أناساً ليسوا بأهل لأنّ يُبلِّغوا عن الله تعالى، وكان حقّهم أن يتوخَّوا من يتَّبعون ومن يظنّون أنَّه مبلّغ عن الله وهم الرّسل، فمن ضلالهم أنَّهم لمّا جاءهم الرّسول الحقّ عليه الصلاة والسلام كذّبوه، وقد صدّقوا الكَذَبَة وأيَّدوهم ونصروهم.

ويستفاد من الآية أنّ من الظلم أن يُقدِم أحد على الإفتاء في الدّين ما لم يكن قد غلب على ظنّه أنَّه يفتي بالصّواب الّذي يُرضي الله، وذلك إنْ كان مجتهداً فبالاستناد إلى الدّليل الّذي يغلب على ظنّه مصادفته لمراد الله تعالى، وإن كان مقلّداً فبالاستناد إلى ما يغلب على ظنّه أنَّه مذهب إمامه الّذي قلَّده.

وقوله: ﴿ بغير علم ﴾ تقدّم القول في نظيره آنفاً.

وقوله: ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ يجوز أن يكون تعليلاً لكونهم من أظلم النّاس، لأنّ معنى الزّيادة في الظلم لا يتحقّق إلاّ إذا كان ظلمهم لا إقلاع عنه، لأنّ الضّلال يزداد رسوخاً في النّفس بتكررّ أحواله ومظاهره، لأنَّهم لمّا تعمّدوا الإضلال أو اتَّبعوا متعمّديه عن تصلّب، فهم بمعزل عن تطلب الهدى وإعادة النّظر في حال أنفسهم، وذلك يغريهم بالازدياد والتملّي من تلك الأحوال، حتّى تصير فيهم ملكة وسجيّة، فيتعذّر إقلاعهم عنها، فعلى هذا تكون ﴿ إنّ ﴾ مفيدة معنى التّعليل.

ويجوز أن تكون الجملة تهديداً ووعيداً لهم، إن لم يقلعوا عمّا هم فيه، بأنّ الله يحرمهم التّوفيق ويذرهم في غيّهم وعمههم، فالله هَدى كثيراً من المشركين هم الّذين لم يكونوا بهذه المثابة في الشّرك، أي لم يكونوا قادة ولا متصلّبين في شركهم، والّذين كانوا بهذه المثابة هم الّذين حرمهم الله الهدى، مثل صناديد قريش أصحاب القليب يوم بدر، فأمّا الّذين اتَّبعوا الإسلام بالقتال مثل معظم أهل مكّة يوم الفتح، وكذلك هوازن ومَن بعدها، فهؤلاء أسلموا مذعنين ثمّ علموا أنّ آلهتهم لم تغن عنهم شيئاً فحصل لهم الهدى بعد ذلك، وكانوا من خيرة المسلمين ونصروا الله حقّ نصره.

فالمراد من نفي الهدى عنهم: إمَّا نفيه عن فريق من المشركين، وهم الّذين ماتُوا على الشّرك، وإمَّا نفي الهدى المحض الدالّ على صفاء النّفس ونور القلب، دون الهدى الحاصل بعد الدّخول في الإسلام، فذلك هدى في الدرجة الثّانية كما قال تعالى: ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتَل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ [الحديد: 10].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ أمّا الزَّوْجُ فاسْمٌ يَنْطَلِقُ عَلى الواحِدِ وعَلى الِاثْنَيْنِ، يُقالُ لِلِاثْنَيْنِ زَوْجٌ، ويُقالُ لِلْواحِدِ زَوْجٌ لِأنَّهُ لا يَكُونُ زَوْجًا إلّا ومَعَهُ آخَرُ لَهُ مِثْلُ اسْمِهِ، قالَ لَبِيدٌ: مِن كُلِّ مَحْفُوفٍ يَظَلُّ عِصِيَّهُ زَوْجٌ عَلَيْهِ كِلَّةٌ وقِرامُها فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ لِأنَّها ثَمانِيَةُ آحادٍ.

ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ: ﴿ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ﴾ يَعْنِي ذَكَرًا وأُنْثى.

﴿ وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ ﴾ يَعْنِي ذَكَرًا وأُنْثى.

﴿ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ إبْطالًا لِما حَرَّمَتْهُ الجاهِلِيَّةُ مِنها في البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِ.

﴿ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ يَعْنِي قَوْلَهُمْ: ﴿ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ ما أرادَهُ في الضَّأْنِ والمَعِزِ وأنَّ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ أزْواجٍ حَلالٌ لا يَحْرُمُ مِنها شَيْءٌ بِتَحْرِيمِكم.

حَكى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  حِينَ أتاهُ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، فَقالَ لَهُ: أحَلَّلْتَ ما حَرَّمَهُ آباؤُنا، يَعْنِي مِنَ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: ﴿ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ فَسَكَتَ عَوْفٌ لِظُهُورِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس قال: الأزواج الثمانية من الإِبل والبقر والضأن والمعز.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ثمانية أزواج...

﴾ الآية.

يقول: أنزلت لكم ثمانية أزواج الآية، من هذا الذي عددن ذكراً وأنثى.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ثمانية أزواج ﴾ قال: الذكر والأنثى زوجان.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ قال: في شأن ما نهى الله عنه عن البحيرة والسائبة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ليث بن أبي سليم قال: الجاموس والبختي من الأزواج الثمانية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ﴾ قال: فهذه أربعة أزواج ﴿ قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين ﴾ يقول: لم أحرم شيئاً من ذلك ﴿ أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ﴾ يعني هل تشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى، فلم تحرمون بعضاً وتحلون بعضاً؟

﴿ نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ﴾ يقول: كله حلال: يعني ما تقدم ذكره مما حرمه أهل الجاهلية.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ﴾ قال: ما حملت الرحم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ءآلذكرين حرم...

﴾ الآية.

قال: إنما ذكر هذا من أجل ما حرموا من الأنعام، وكانوا يقولون: الله أمرنا بهذا.

فقال: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ الآية.

انتصب (ثمانية) بالبدل من ﴿ حَمُولَةً وَفَرْشًا ﴾ في قول الفراء والزجاج (١) (٢) ﴿ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ ) (٣) قال الفراء: (الذكر زوج، والأنثى زوج) (٤) (٥) (٦) وقال ابن قتيبة: (والثمانية الأزواج: الضأن، والماعز، والإبل، والبقر، [فالضأن والماعز ذكرا في هذه الآية، والإبل والبقر (٧) (٨) ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى  ﴾ ) (٩) وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ﴾ يعني: الذكر والأنثى، والضأن: ذوات الصوف من الغنم (١٠) قال الزجاج: (وهي جمع ضائن وضائنة مثل: تاجرٍ وتَجرٍ) (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ﴾ وقرئ (المعز) (١٤) (١٥) (١٦) كالتَّيْسِ في أَمْعُوزِهِ المُتَرَبَّلِ (١٧) وقالوا (١٨) وَيَمْنَعها (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ نصب (الذكرين) (٢٥) (٢٦) قال المفسرون: (إن المشركين من أهل الجاهلية كانوا يقولون: ﴿ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ ، ﴿ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا ﴾ الآية [الأنعام: 139] كما أخبر الله تعالى عنهم في الآيات التي مضت أنهم كانوا يحرمون أجناسًا من النعم بعضها على الرجال والنساء، وبعضها على النساء دون الرجال، فاحتج الله عليهم في هذه الآية والتي بعدها، فقال: يُقايسهم في تحريم ما حرموا: ﴿ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ ﴾ من الضأن والمعز حرم الله عليكم ﴿ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ ؟

فإن كان حرّم من النعم ذكورها فكل ذكورها حرام، وإن كان حرّم الأثنيين فكل الإناث حرام (٢٧) وقال الفراء: (يقول: أجاءكم التحريم فيما حرمتم من الذكرين أم من الأنثيين؟

فلو قالوا: من قبل الذكر حرم كل ذكر، ولو قالوا: من قبل الأنثى (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ ، ما في موضع نصب، نصبته باتباعه (٣٠) (٣١) وقال الفراء: (يقول: أحرّم عليكم من قِبل اشتمال الرحم، فلو قالوا ذلك لحرم عليهم الذكر والأنثى؛ لأن الرحم يشتمل على الذكر والأنثى) (٣٢) وقال ابن قتيبة: (يقول: فإن كان التحريم من جهة اشتمال الرحم، فالأرحام تشتمل على الذكور، وتشتمل على الإناث، وتشتمل على الذكور والإناث، فكل جنين حرام) (٣٣) قال مجاهد: (يقول: إنما الأنعام ثمانية أزواج، فمن أين جاء التحريم أمن قبل الذكر أم من قبل الأنثى، أما اشتملت عليه الأرحام، وهي لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى، فإن قالوا: من قبل الأنثيين، جاء التحريم، حرم عليهم كل أنثى.

فإن قالوا: من قبل الذكرين، حرم عليهم كل ذكر، وعرفوا أن الأرحام لا تشتمل (٣٤) (٣٥) وهذا معنى قول ابن عباس (٣٦) (٣٧) (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ ﴾ قال أبو إسحاق: (أي: فسّروا ما حرّمتم بعلم، أي: فأنتم لا علم لكم؛ لأنكم لا تؤمنون بالكتاب) (٣٩) (١) "معاني الزجاج" 2/ 299، وهو قول الطبري في "تفسيره" 8/ 65.

(٢) "معاني الفراء" 1/ 359.

(٣) "تأويل مشكل القرآن" ص 339، وفيه: (وإن شئت جعلته منصوبًا بالرد إلى الحمولة، والفرش تبيينا لها) ا.

هـ، وبعضهم قدر: وأنشأ ثمانية أزواج، أو كلوا لحم ثمانية أزواج، انظر: "معاني الأخفش" 2/ 289، و"إعراب النحاس" 1/ 586، و"المشكل" 1/ 275، و"البيان" 1/ 345 - 346، و"التبيان" 361، و"الفريد" 2/ 241، و"الدر المصون" 5/ 192.

(٤) "معاني الفراء" 1/ 359، وقال الزجاج في "معانيه" 2/ 299: (والزوج في اللغة: الواحد الذي يكون معه آخر) ا.

هـ، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 505.

(٥) في (ش): (يريد بالزوج: الذكر الواحد زوج، وبالأنثى: زوج).

(٦) لم أقف عليه.

(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

(٨) قال ابن الأنباري في "الأضداد" ص 373 - 375: (من ادعى أن الزوج يقع على الاثنين، فقد خالف كتاب الله جل وعز، وجميع كلام العرب إذ لم يوجد فيهما شاهد له، ولا دليل على صحة تأويله.

وإنما يقال للاثنين: زوجان، قال الله عز وجل ﴿ ثمانية أزواج ﴾ الآية فكان المعنى: ثمانية أفراد أنشأ من الضأن اثنين، وكذلك ما بعدهما، فالأزواج معناها: الأفراد لا غير) ا.

هـ ملخصًا.

وانظر: "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 515 - 517، و"الزاهر" 2/ 198 (٩) "تأويل مشكل القرآن" ص 339 - 340، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 289، و"تهذيب اللغة" 2/ 1575، و"اللسان" 3/ 1885 مادة (زوج).

وقد ذكر الأخفش في "معانيه" والطبري في "تفسيره" 8/ 65: (أنه يقال للاثنين: هما زوج).

(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2083.

(١١) "معاني الزجاج" 2/ 299، وفيه: (والضأن: جمع ضائن وضَأن مثل تاجر وتَجْر).

(١٢) لفظ: (أيضاً) ساقط من (أ).

(١٣) أي: بكسر الضاد وفتحها، قال القرطبي في "تفسيره" 7/ 113 - 114: (الضأن: ذوات الصوف من الغنم، وهي جمع ضائن، والأنثى ضائنة والجمع ضوائن وقيل: هو جمع لا واحد له، وقيل في جمعه: ضئين كعَبْد وعبيد، ويقال فيه: ضِئين، كما يقال في شَعير: شِعير، كسرت الضاد إتباعًا) ا.

هـ وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 289، و"معاني النحاس" 2/ 505، و"اللسان" 4/ 2542 (ضأن) == و"البحر المحيط" 4/ 235، و"الدر المصون" 5/ 193 - 194.

(١٤) قرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو: (ومن المَعَز) بفتح العين، وقرأ الباقون: بسكون العين.

انظر: "السبعة" ص 271، و"المبسوط" ص 176، و"الغاية" ص 251، و"التذكرة" 2/ 412، و"التيسير" ص 108، و"النشر" 2/ 216.

(١٥) النص في "تهذيب اللغة" 4/ 3420 (معز).

وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 289.

(١٦) جاء في "النوادر" لأبي زيد ص 78، (والأُمْعُوز: القطيع من الضباء) اهـ، وذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3421، وأبو علي في "الحجة" 3/ 419، عن أبي زيد، وانظر: "اللسان" 7/ 4232 (معز).

(١٧) هذا عجز بيت لربيعة بن مقروم الضبي، وصدره: أَخْلَصْتُهُ صُنْعًا فآضَ مُحَمْلَجَا وهو في "النوادر" ص 77، و"الحجة" لأبي علي 3/ 419، و"الدر المصون" 5/ 194، وقوله: محملجا: أي كثير اللحم، يقال للعير الذي دوخل خلقه اكتنازًا: محملج.

انظر: "اللسان" 2/ 1006 (حملج)، وقوله: المتربل: الذي قد أكل الربل، وهو ضرب من الشجر.

انظر: "اللسان" 3/ 1572 (ربل).

(١٨) العبارة في "الحجة" 3/ 419، وكليب جمع كلب، وضئين جمع ضأن، انظر: "الدر المصون" 5/ 193.

(١٩) الشاهد لامرئ القيس في "ديوانه" ص 169، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 587، و"الحجة" لأبي علي 3/ 419، و"تفسير القرطبي" 7/ 114، و"الدر المصون" 5/ 194، وقوله: وحنانك ذا الحنان، يعني: رحمتك يا ذا الرحمة.

(٢٠) كذا في الأصل، وفي سائر المراجع السابقة، (ابن جرم)، بدل حزم وهو == المشهور، وبنو شمجى -بالفتح- بن جَرْم: حي من قُضاعة.

انظر: "الاشتقاق" لابن دريد ص 394، و"اللسان" 4/ 2321 (شمج).

(٢١) "تهذيب اللغة" 4/ 3421، وانظر: "الجمهرة" 2/ 817، و"الصحاح" 3/ 896 (معز).

(٢٢) هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 418 - 419، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 392، و"إعراب القراءات" 1/ 172، و"الحجة" لابن خالويه ص 152، ولابن زنجلة ص 275، و"الكشف" 1/ 456.

(٢٣) قوله: (التقدير أنشأ) مكرر في (ش).

(٢٤) "الحجة" لأبي علي 3/ 418 - 419، وذهب الأكثر إلى أنه بدل من ﴿ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ .

انظر: "الكشاف" 2/ 56 - 57، و"البيان" 1/ 346، و"التبيان" 361، و"الفريد" 2/ 241، و"الدر المصون" 5/ 193.

(٢٥) في (أ): (الذكر)، وهو تحريف.

(٢٦) أي الذكرين: مفعول به مقدم لحرم.

انظر: "الدر المصون" 5/ 195.

(٢٧) ذكره عن المفسرين: الثعلبي في "الكشف" 185 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 197، والرازي 13/ 217، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 68، من عدة طرق جيدة، عن ابن عباس، ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد نحوه، وهو قول الزجاج في "معانيه" 2/ 299، والنحاس في "معانيه" 2/ 505، والنص أصله لابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص340 - 341.

(٢٨) في (أ): (أنثى).

(٢٩) "معاني الفراء" 1/ 360.

(٣٠) هذه عبارة الفراء في "معانيه" 1/ 360، وأم عاطفة، وما موصولة في محل نصب معطوف علي الأنثيين.

انظر: "الدر المصون" 5/ 195.

(٣١) "معاني الزجاج" 2/ 299.

(٣٢) "معاني الفراء" 1/ 360.

(٣٣) "تأويل مشكل القرآن" ص 341.

(٣٤) لفظ: (لا تشتمل) ساقط من (أ).

(٣٥) لم أقف عليه عن مجاهد، وأخرجه الطبري 8/ 66، عن ابن جريج فقط.

(٣٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 67، وابن أبي حاتم 5/ 1403 بسند جيد وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 95.

(٣٧) "تنوير المقباس" 2/ 68 - 69، وذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 569 عن الكلبي.

(٣٨) "تفسير مقاتل" 1/ 594.

(٣٩) "معاني الزجاج" 2/ 299، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 2/ 506، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 67.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ثمانية أزواج ﴾ بدل من حمولة وفرشاَ، وسماها أزواجاً، لأن الذكر زوج للأنثى والأنثى زوج للذكر ﴿ مَّنَ الضأن اثنين ﴾ يريد الذكر والأنثى، وكذلك فيما بعده ﴿ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ ﴾ يعني الذكر من الضأن والذكر من المعز، ويعني بالأنثيين الأنثى من الضأن، والأنثى من المعز، وكذل فيما بعده من الإبل والبقر والهمزة للإنكار ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ ﴾ تعجيز وتوبيخ ﴿ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ يعني في تحريم ما لم يحرم الله، وذلك إشارة إلى العرب في تحريمهم أشياء كالبحيرة وغيرها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حصاده ﴾ بفتح الحاء: أبو عمرو وعاصم وابن عامر وسهل ويعقوب، الباقون: بالكسر وكلاهما مصدر ﴿ من الضان ﴾ بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية والأعشى والأصبهاني عن ورش ويزيد وحمزة في الوقف.

﴿ ومن المعز ﴾ ساكن العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وأبو جعفر وابن فليح وزمعة والخزاعي عن البزي والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل عنه، الباقون: بفتحها ﴿ إلا أن تكون ﴾ بتاء التأنيث: ابن كثير وابن عامر ويزيد وحمزة وعباس مَن طريق ابن رومي عنه.

﴿ ميتة ﴾ بالتخفيف والرفع: ابن عامر وزاد يزيد التشديد.

الباقون: بالياء وبالنصب.

﴿ الحوايا ﴾ ممالة: علي وحمزة وخلف.

﴿ فقل ربكم ﴾ وبابه مظهراً: الحلواني عن قالون والبرجمي.

الوقوف: ﴿ متشابه ﴾ ط.

﴿ ولا تسرفوا ﴾ ط ﴿ المسرفين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ حمولة ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ وفرشاً ﴾ ط ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن ﴿ ثمانية ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ جنات ﴾ ﴿ أزواج ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ المعز اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ صادقين ﴾ ه لا لأن ﴿ اثنين ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ أيضاً ﴿ ومن البقر اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لأن "أم" في قوله: ﴿ أم كنتم ﴾ بمعنى ألف استفهام توبيخ.

﴿ بهذا ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ولانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه.

﴿ لغير الله ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ظفر ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى.

﴿ بعظم ﴾ ط ﴿ ببغيهم ﴾ ز للابتداء بأن وإثبات وصف الصدق مطلقاً.

وللوصل وجه لأن المعنى وإنا لصادقون فيما أخبرنا عن التحريم ببغيهم.

﴿ واسعة ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ بأسنا ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ تخرصون ﴾ ه ﴿ البالغة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ حرم هذا ﴾ ج لذلك ﴿ معهم ﴾ ج لتناهي جزاء الشرط مع العطف ﴿ يعدلون ﴾ ه.

التفسير: إنه  جعل مدار هذا الكتاب الكريم على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر وإنه بالغ في تقرير هذه الأصول وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة منكري البعث والقيامة، ثم أتبعه حكاية أقوالهم الركيكة تنبيهاً على ضعف عقولهم، فلما تمم هذه المقاصد عاد إلى ما هو المقصود الأصلي وهو إقامة الدلائل على إثبات ذاته ووجوب توحيده فقال: ﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ الآية نشأ الشيء ينشأ نشأ إذا ظهر وارتفع، وأنشأه الله ينشئه إنشاء أظهره ورفعه ﴿ جنات معروشات وغير معروشات ﴾ يقال: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القبضان.

وقيل: كلاهما الكرم فإن بعض الأعناب تعرش وبعضها يبقى على وجه الأرض منبسطاً كالقرع والبطيخ.

وقيل: المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عروش يحمل عليها فتمسكه وهو الكرم وما يجري مجراه، وغير معروشات هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وقوة ساقة عن التعريش.

وقيل: المعروشات ما في البساتين والعمارات مما غرسه الناس واهتموا به فعرشوه، وغير معروشات ما أنبته الله وحشياً في البراري والجبال فيبقى غير معروش.

﴿ والنخل والزرع ﴾ فسر ابن عباس الزرع بجميع الحبوب التي الذكر تقتات ﴿ مختلفاً أكله ﴾ والأكل كل ما يؤكل والمراد ههنا ثمر النخل والزرع فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما كقوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها  ﴾ أي إليهما.

والمراد أن لكل شيء منهما طعماً غير طعم الآخر و ﴿ مختلفاً ﴾ حال مقدّرة أي أنشأه مقدرّاً اختلاف أكله لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك ﴿ متشابهاً وغير متشابه ﴾ في القدر واللون والطعم.

ثم قال ﴿ كلوا من ثمره ﴾ وقد قال في الآية المتقدمة أعني نظير هذه الآية وذلك قوله: ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ الآية إلى قوله ﴿ انظروا إلى ثمره  ﴾ تنبيهاً على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم متقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الأول سعادة روحانية أبدية، والحاصل من الانتفاع سعادة جسمانية زائلة.

وفائدة هذا الأمر الإباحة، وقدم إباحة الأكل على إخراج الحق كيلا يظن أنه يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المتشاركين فيه.

وفي الآية إشارة إلى أن خلق هذه النعم إما للأكل وإما للتصدق، والأول لكونه حق النفس مقدم على الثاني لأنه حق الغير.

وفيه أن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق لأن قوله: ﴿ كلوا ﴾ خطاب عام يتناول الكل، ويمكن أن يستدل به على أن الأصل عدم وجوب الصوم وأن من ادعى إيجابه فهو المحتاج إلى الدليل، وأن المجنون إذا أفاق في أثناء النهار لا يلزمه قضاء ما مضى، وأن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام.

قال علماء الأصول: من المعلوم من لغة العرب أن صيغة الأمر تفيد ترجيح جانب الفعل؛ فحملها على الإباحة أو الوجوب لا يصار إليه إلا بدليل منفصل، وفائدة قوله: ﴿ إذا أثمر ﴾ وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل منه هي أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت اطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع، أما قوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ فعن ابن عباس في رواية عطاء وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك.، أن الآية مدنية والحق هو الزكاة المفروضة وعلى هذا فكيف يؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل.

والجواب أن المراد فاعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد واهتموا به حتى لا تؤخروه عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء، وقال مجاهد: الآية مكية وإن هذا حق في المال سوى الزكاة وكان يقول: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، وكذا إذا دسته وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته وزيف بقوله صلى الله عليه وآله: "ليس في المال حق سوى الزكاة" وبأن قوله: ﴿ وآتوا حقه ﴾ إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوماً قبل ورود هذه الآية والإلزام الإجمال.

وعن سعيد بن جبير أن هذا كان قبل وجوب الزكاة فلما فرض العشر أو نصف العشر فيما سقي بالسواقي نسخ، والقول الأول أصح.

ثم إن أبا حنيفة احتج بالآية على وجوب الزكاة في الثمار لأنه قال: ﴿ وآتوا حقه ﴾ بعد ذكر الأنواع الخمسة وهي العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان.

واعترض عليه بأن لفظ الحصاد مخصوص بالزرع.

وأجيب بأن الحصد في اللغة عبارة عن القطع وذلك يتناول الكل.

واحتج هو أيضاً بها على أن العشر واجب في القليل والكثير للإطلاق.

والجواب أن بيانه في الحديث "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" .

ثم قال تعالى: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ولأهل اللغة فيه تفسيران: فعن ابن الأعرابي: السرف تجاوز ما حد لك.

فعلى هذا إذا أعطى الكل ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف كما جاء في الخبر "إبدأ بنفسك ثم بمن تعول" وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فخذها فقسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئاً فنزلت الآية ﴿ ولا تسرفوا ﴾ أي لا تعطوا كله وإذا منع الصدقة فقد أسرف وبه فسر الآية سعيد بن المسيب، فإن مجاوزة الحد تكون إلى طرف الإفراط وإلى طرف التفريط.

وقال عمر: سرف المال ما ذهب منه في غير منفعة.

وعلى هذا فقد قال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الأنعام والحرث.

وقالالزهري: ولا تنفقوا في معصية الله  .

وعن مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهباً فأنفقه رجل في طاعة الله  لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله كان مسرفاً، وهذا المعنى أراد حاتم الطائي حين قيل له لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ والمقصود منه الزجر فإن كل مكلف لا يحبه الله فإنه من أهل النار لأن محبة الله  عبارة عن إرادة إيصال الثواب إليه.

قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ معطوف على جنات أي وأنشأ من الأنعام هذين الجنسين.

فالحمولة ما يحمل الأثقال "فعولة" بمعنى "فاعلة" والفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش مصدر بمعنى "مفعول".

وقيل: الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها مثل الفرش المفروش عليها.

﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ قالت المعتزلة.

أي مما أحلها لكم ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ لا تسلكوا طريقه الذي يدعوكم إليه في التحليل والتحريم من عن أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية ﴿ إنه لكم عدوّ مبين ﴾ بين العداوة.

وفي انتصاب ﴿ ثمانية أزواج ﴾ وجهان: قال الفراء: هو بدل من قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ .

وجوز غيره أن يكون مفعول ﴿ كلوا ﴾ والعرب تسمي الواحد فرداً إذا كان وحده فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجاً وهما زوجان، قال عز من قائل: ﴿ خلق الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ وقال: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿ من الضأن اثنين ﴾ أي زوجين اثنين ﴿ ومن المعز اثنين ﴾ وفي الآية الثانية: ﴿ ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ﴾ قال الجوهري: الضائن خلاف الماعز والجمع يعني اسم الجمع الضأن والمعز مثل راكب وركب وسافر وسفر.

وضأن أيضاً مثل حارس وحرس.

وقال في الكشاف: إنه قرىء بفتح العين.

والضأن ذوات الصوف من الغنم والمعز ذوات الشعر منها ﴿ قل ءالذكرين حرم الأنثيين ﴾ نصب بقوله: ﴿ حرم ﴾ والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله.

ويريد بالذكرين الذكر من الضأن وهو الكبش، والذكر من المعز وهو التيس، وبالأنثيين الأنثى من الضأن وهيالنعجة، والأنثى من المعز وهي العنز، وذلك على طريق الجنسية والمشاكلة.

ومعنى الاستفهام إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما يشتمل عليه أرحام الأنثيين أي مما يحمل إناث الجنسين، وكذلك الذكر من جنسي الإبل والبقر يعني الجمل والثور والأنثيان منهما الناقة والبقرة وما يحمل إناثهما وذلك أنهم كانوا يحرّمون ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى وأولادها كيفما كانت ذكوراً أو إناثاً، أو من خلط تارة وكانوا يقولون: قد حرمها الله فقيل لهم: إنكم لا تقرون بنبوّة نبي ولا شريعة شارع فكيف تحكمون بأن هذا يحل وهذا يحرم؟

وأكد ذلك بقوله: ﴿ نبؤني بعلم ﴾ أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في أن الله حرمه.

واعلم أنه  منّ على عباده بإنشاء الأزواج الثمانية من الأنعام لمنافعهم وإباحتها لهم إلا أنه فصل بين بعض المعدود وبعضه بالاحتجاج على من حرمها وليس ذلك بأجنبي وإنما هي جملة معترضة جيء بها تأكيداً وتشديداً للتحليل، فالاعتراضات في الكلام لاتساق إلا للتوكيد، أما قوله: ﴿ أم كنتم شهداء ﴾ فـ"أم" منقطعة أي بل أكنتم شهداء ومعناه الإنكار وفحواه أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل وتقولون إن الله حرم هذا فلم يبق إلا المشاهدة فتهكم بهم بذلك وسجل عليهم وعلى مثالهم بالظلم بقوله: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، قال المفسرون: يريد عمرو بن لحي بن قمعة الذي غيَّر شريعة إسماعيل  وبَحَّر البحائر وسَيَّب السوائب.

والأقرب أن للفظ عام فيتناول كل مفتر وإذا استحق هذا الوعيد على افتراء الكذب في تحريم مباح فكيف إذا كذب على الله  في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والملائكة وفي النبوّات وفي المعاد؟!

قال القاضي: في الآية دلالة على أن الإضلال عن الدين مذموم فلا يجوز أن ينسب إلى الله  .

وأجيب بأنه ليس كل ما كان مذموماً منا كان مذموماً من الله  فإن تمكين العبيد من أسباب الفجور وتسليط الشهوة عليهم مذموم منّا دونه ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قال القاضي: لا يهديهم إلى ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها.

وقالت الأشاعرة: معناه أنه لا ينقل المشركين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم لما بيّن فساد طريقة الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطاعم أتبعه البيان الصحيح في الباب فقال: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ﴾ أي طعاماً محرماً ﴿ على طاعم يطعمه ﴾ على آكل يأكله ﴿ إلا أن يكون ﴾ ذلك المأكول أو الموجود أو الطعام ﴿ ميتة أو دماً مسفوحاً ﴾ مصبوباً سائلاً.

قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء وما خرج من الأوداج عند الذبح فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، وما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل.

وسئل أبو مجلز عما يتلطّخ باللحم من الدم وعن القدر التي سلف في أمثالها، وانتصاب ﴿ فسقاً ﴾ على أنه معطوف على المنصوبات قبله، و ﴿ أهل ﴾ صفة له منصوبة المحل سمي ما أهل به لغير الله فسقاً لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود.

وجوز أن يكون ﴿ فسقاً ﴾ مفعولاً له من ﴿ أهل ﴾ وعلى هذا فقد عطف ﴿ أهل ﴾ على ﴿ يكون ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما يرجع إليه المستكن في ﴿ يكون ﴾ قالت العلماء: إن هذه السورة مكية وقد بيّن في الآية أنه لم يجد فيما أوحي إليه قرآناً أو غيره محرماً سوى هذه الأربعة، وقد أكد هذا بما في النحل وفي البقرة مصدرة بكلمة "إنما" الدالة على الحصر فصارت المدنية مطابقة للمكية، والذي جاء في المائدة ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم  ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع إلا ما ذكيتم  ﴾ من أقسام الميتة ولكنه خص بالذكر لأنهم كانوا يحكمون على تلك الأشياء بالتحليل فثبت أن الشريعة من أولها إلى اخرها كانت مستقرة على هذا الحكم.

وعلى هذا الحصر بقي الكلام في الخمر وفي سائر النجاسات والمستقذرات فنقول: إنه  قد وصف الخمر بأنه رجس وههنا علل تحريم لحم الخنزير بكونه رجساً فعلمنا أن النجاسة علة لتحريم الأكل وكل نجس فإنه يحرم أكله، هذا بعد إجماع الأمة على تحريم الخبائث والنجاسات.

وإن جوزنا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد كما روي أنه صلى الله عليه وآله نهى عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور.

فلا إشكال.

وقيل: المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرم على اليهود وزيف بأن تحريم شيء خامس نسخ والأصل عدمه.

ثم بين  أنه حرم على اليهود أشياء أخر سوى هذه الأربعة فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ وذلك نوعان: الأول أنه حرم عليهم ﴿ كل ذي ظفر ﴾ وفيه لغات: ضم الفاء والعين وهي الفصحى، وكسرهما وهي قراءة ابن السماك، والضم مع السكون والكسر مع السكون وهي قراءة الحسن، واختلف في ذي الظفر فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه الإبل فقط، وعنه في رواية أخرى وهو قول مجاهد أنه الإبل والنعام، وقيل: كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب، وسمي الحافر ظفراً على الاستعارة، وزيف بأن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً وبأن البقرة والغنم مباحان لهم كما يجيء مع أن لهما حافراً فإذن يجب حمل الظفر على المخلب والبراثن من الجوارح والسباع بل على كل ما له إصبع من دابة وطائر.

وكان بعض ذوات الظفر حلالاً لهم فلما ظلموا عمم التحريم.

فعموم التحريم خاص بهم ولهذا قدم الجار في قوله ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ فيستدل بذلك على حل بعض هذه الحيوانات على المسلمين وهو ما سوى ذات المخلب والناب فيكون الخبر مبيناً للآية لا مخالفاً كما ظن صاحب التفسير الكبير.

النوع الثاني قوله ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ﴾ قال في الكشاف: هو كقولك: "من زيد أخذت ماله" تريد بالإضافة يعني إضافة الأخذ إلى زيد بواسطة من زيادة الربط.

والمعنى أنه حرم عليهم من كل ذي ظفر كله ومن البقرة والغنم بعضهما وذلك شحومهما فقط، هذا أيضاً ليس على الإطلاق لقوله: ﴿ إلا ما حملت ظهورهما ﴾ قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم فإني لم أحرمه.

وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها.

وقيل: إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحفة وهي الشحمة التي على الظهر الملتزقة بالجلد فيما بين الكتفين إلى الوركين.

وهي بالحقيقة لحم سمين لأنه يحمر عند الهزال ولهذا لو حلف لا يأكل الشحم فأكل من ذلك اللحم السمين لم يحنث على الأصح.

والاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو الحوايا ﴾ قال الجوهري: الحوايا الأمعاء واحدها حوية وفي معناها حاوية البطن وحاوياء البطن.

وقال الواحدي: هي المباعر والمصارين والفحوى، أو ما اشتمل على الأمعاء يعني أن الشحوم المتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة، والاستثناء الثالث: ﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾ قال جمهور المفسرين: يعني شحم الآلية.

وقال ابن جريج: كل شحم في القوائم والجنب والرأس وفي العينين والأذنين فإنه مخلوط بعظم فهو حلال لهم.

والحاصل أن الشحم الذي حرم الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية.

وقيل: إن الحوايا غير معطوف على المستثنى وإنما هو معطوف على المستثنى منه والتقدير: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم.

ودخوله كلمة "أو" كدخولها في قوله  : ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً  ﴾ والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا واعص هذا فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا ﴿ ذلك ﴾ الجزاء وهو تحريم الطيبات ﴿ جزيناهم ببغيهم ﴾ بسبب قتلهم الأنبياء وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل وغير ذلك من قبائح أفعالهم ﴿ وإنا لصادقون ﴾ في هذه الأخبار أو فيما يوعد به العصاة.

قال القاضي: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم لأن التكليف تعريض للثواب والتعريض للثواب إحسان.

وأجيب بأن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد الثواب ويمكن أن يكون بشؤم الجرم المتقدم ﴿ فإن كذبوك ﴾ في ادعاء النبوّة والرسالة أو في تبليغ الأحكام، وعلى أصول المعتزلة فإن كذبوك في إنجاز إيعاد العصاة وزعموا أن الله واسع الرحمة وأنه يخلف الوعيد جوداً وكرماً.

﴿ فقل ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ فلذلك لا يعجل بالعقوبة ﴿ ولا يردّ بأسه ﴾ إذا جاء وقت عذابه ﴿ عن القوم المجرمين ﴾ يعني المكذبين.

وعلى أصولهم رحمته واسعة لأهل طاعته ولا يرد بأسه مع ذلك عن الذين ارتكبوا الكبائر فماتوا قبل التوبة.

ثم حكى أعذار الكفار الواهية فقال: ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ﴾ وإنما جاز العطف عل الضمير المرفوع المتصل من غير أن أكد بالمنفصل لمكان الفصل بعد حرف العطف بلا الزائدة لتأكيد النفي.

أخبر الله  بما سوف يقولونه ولما قالوه.

قال في سورة النحل: ﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء  ﴾ وإنما قال في سورة النحل بزيادة "نحن" و "من دونه" مرتين لأن الإشراك مستنكر مطلقاً.

فلفظ الإشراك يدل على إثبات شريك لا يجوز إثباته، وعلى تحليل أشياء وتحريم أشياء من دون الله فلم يحتج إلى لفظ من دونه، وأما العبادة فإنها غير مستنكرة على الإطلاق وإنما المستنكر عبادة شيء مع الله  ، ولا تدل على تحريم شيء فلم يكن بد من تقييده بقوله: ﴿ من دونه ﴾ ولما حذف من الآية لفظة ﴿ من دونه ﴾ مرتين حذف معه ﴿ نحن ﴾ لتطرد الآية في حكم التخفيف.

أما تفسير الآية فزعمت المعتزلة أنها تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: الأول أن الذي حكى عن الكفار في معرض الذم والتقبيح وذلك قولهم: "لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك" هو صريح قول المجبرة فيكون هذا المذهب مذموماً.

الثاني قوله: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ فلم يذكر المكذب به تنبيهاً على أنهم جاؤا بالتكذيب المطلق لأن الله عز وعلا ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئته القبائح وإرادتها، والرسل أخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله ورسوله وكتبه ونبذ أدلة السمع والعقل وراء ظهره.

والحاصل أن هذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين منهم والمتأخرين في تكذيب الأنبياء وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم لأنهم يقولون الكل بمشيئة الله  .

الثالث قوله: ﴿ حتى ذاقوا بأسنا ﴾ وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله  في هذا المذهب.

الرابع قوله: ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ﴾ وإنه استفهام على سبيل الإنكار أي لا علم لهؤلاء القائلين ولا حجة.

الخامس: ﴿ إن تتبعون إلا الظن ﴾ السادس: ﴿ وإن أنتم إلا تخرصون ﴾ السابع: ﴿ قل فلَّله الحجة البالغة ﴾ لأنه أزال الأعذار بالتمكين والإقدار فلم يبق لكم على الله حجة وإنما الحجة البالغة له عليكم وذلك أنكم تقولون: لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله لزم أن يكون الإله عاجزاً مغلوباً.

وهذا الكلام غير لازم لأن الله قادر على أن يحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء إلا أن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف وهذا هو المراد من قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وبوجه آخر إن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فلَّله الحجة الكاملة عليكم فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته فتوالوا جميع أهل الأديان ولا تعادوهم.

أجابت الأشاعرة بأنا قد بينا بالدلائل القاطعة من أول القرآن إلى ههنا صحة مذهبنا فوجب تأويل هذه الآية دفعاً للتناقض فنقول: إن القوم كانوا يتمسكون بمشيئة الله  في إبطال دعوة الأنبياء، وفي أن التكليف عبث فبين الله  أن ذلك من تكاذيبهم وأكاذيبهم، وأن التشبث بهذا العذر لا يفيدهم لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه، شاء الكفر من الكافر ومع ذلك بعث الأنبياء وأمر بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر فجرى بما يكون إلى قيام الساعة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله "المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة" ثم إن ظاهر آخر الآية معناه وهو قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وحمل المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر تعسف والله أعلم.

ثم لما أبطل جميع حجج الكفار بين أنه ليس لهم على قولهم شهود فقال: ﴿ قل هلم ﴾ ومعناه إذا كان لازماً أقبل وإذا كان متعدياً أحضر.

قال الخليل: أصله "هالم" من قولهم لمَّ الله شعثه أي جمعه كأنه قال: لمَّ نفسك إلينا أي أقرب والهاء للتنبيه واستعطاف المأمور، ثم حذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسماً واحداً يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث في لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها "هلما هلموا هلمي هلممن" والأول أفصح وقد يوصل بإلى كقوله  : ﴿ والقائلين لإخوانهم هلم إلينا  ﴾ وقال الفراء: أصلها "هل أم" أرادوا بهل حرف الاستفهام ومعنى أم اقصد.

وقيل: إن أصل استعماله أن قالوا هل لك في الطعام أم أي اقصد.

ثم شاع في الكل.

أمر الله  نبيه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه.

وإنما لم يقل شهداء يشهدون لأنه ليس الغرض أحضار أناس يشهدون بالتحريم وإنما المراد إحضار شهدائهم الموسومين بالشهادة لهم المعروفين بنصرة مذهبهم ولهذا قال: ﴿ فإن شهدوا ﴾ أي فإن وقعت شهادتهم ﴿ فلا تشهد معهم ﴾ أي لا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأن شهادتهم محض الهوى والتعصب ولأجل ذلك قال أيضاً: ﴿ ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ﴾ فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالتكذيب وليرتب عليه باقي الآية فيعلم أن المتصف بهذه الصفات لا تكون شهادتهم عند العقلاء مقبولة.

التأويل: ﴿ وهو الذي أنشأ جنات ﴾ في القلوب ﴿ معروشات ﴾ من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان ﴿ وغير معروشات ﴾ هي الصفات الروحانية التي جبلت القلوب عليها كالسخاء والحياء والوفاء والمودة والفتوة والشفقة والعفة والعلم والحلم والعقل والشجاعة والقناعة ونخل الإيمان وزرع الأعمال الصالحة وزيتون الأخلاق الحميدة ورمان الإخلاص بالشواهد والأحوال ﴿ متشابهاً ﴾ أعمالها ﴿ وغير متشابه ﴾ أحوالها ﴿ كلوا من ثمره ﴾ انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والإخلاص بالشواهد والأحوال لا بالدعاوى والقيل والقال.

﴿ وآتوا حقه ﴾ وحقه دعوة الخلق وتربيتهم بالحكمة والمواعظة الحسنة و ﴿ يوم حصاده ﴾ أوان بلوغ السالك مبلغ الرجال البالغين عند إدراك ثمرة الكمال للواصلين دون السالك الذي يتردد بعد بين المنازل والمراحل.

﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالشروع في الكلام في غير وقته والحرص على الدعوة قبل أوانها.

﴿ ومن الأنعام ﴾ أي ومن الصفات الحيوانية التي هي مركوزة في الإنسان ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها ما هو مستعد للأكل والشرب لصلاح القالب وقيام البشرية.

﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ فرزق القلب هو التحقيق من حيثالبرهان، ورزق الروح هو المحبة بصدق التحرز عن الأكوان، ورزق السر هو شهود العرفان يلحظ العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق بقدر ما ينبغي.

﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾ يخرجكم بالتفريط والإفراط إلى ضد المقصود.

ثم إن الصفات الحيوانية ثمان بعضها ذكور وبعضها إناث يتولد منها صفات أخر كلها محمودة إذ استعملت في محالها، وبمقدار ما ينبغي ﴿ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ﴾ والضأن والمعز من جنس الفرشية كما أن الإبل والبقر من جنس الحمولية.

والذكر من الضأن والمعز هما صفة شهوة البطن والفرج والأنثى منهما صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها وصفة التسليم عند تحمل الأذى، والذكر من الإبل والبقر صفتا الظلومية والجهولية، وأنثاهما الحمولية والاستسلام للاستعمال.

فبهذه الصفات الإنسانية صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها وهن أيضاً حملة عرش القلب فافهم، وقد أحل الله  استعمالها واستعمال المتولد منها على قانون الشرعية والطريقة، ومن زعم أنه يجب تركها وفصلها بالكلية فقد افترى ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ﴾ الكلام في نفسه حق وصدق إلا أنهم لما ذكروه في معرض الإلزام دفعاً للأذية والآلام كذبوا فيما قالوا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ ﴾ .

ذكر هذا - والله أعلم - مقابل ما كان منهم من تحريم ما أحل الله لهم ورزقهم من الحرث، والزرع، والأنعام، والانتفاع بها، فقال: أنشأ جنات وبساتين من تأمل فيها وتفكر، عرف أن منشئها مالك حكيم مدبر؛ لأنه ينبتها ويخرجها من الأرض في لحظة ما لو اجتمع الخلائق على تقديرها: أن كيف خرج؟

وكم خرج؟

وأي قدر ثبت؟

ما قدروا على ذلك؛ كقوله: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ  ﴾ ، ويخرج من الورق والثمار على ميزان واحد: ما لو جهدوا كل الجهد أن يعرفوا الفضل والتفاوت بين الأوراق والثمار ما قدروا، وما وجدوا فيها تفاوتاً.

ويخرج - أيضاً - كل عام من الثمار والأوراق ما يشبه العام الأول؛ فدل ذلك كله أن منشئها ومحدثها مالك حكيم، وضع كل شيء موضعه، وأن ما أنشأ [أنشأ] لحكمة وتدبير لم ينشئها عبثاً؛ فله الحكم والتدبير في الحل الحرمة والقسمة، ليس لأحد دونه حكم ولا تدبير في التحريم والتحليل: ﴿ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ  ﴾ ، وهذا لهذا وهذا لهذا؛ إنما ذلك إلى مالكها؛ فخرج هذا - والله أعلم - مقابل ما كان منهم من قوله: ﴿ وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ  ﴾ ، [وقوله: ﴿ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ ﴾ ] ﴿ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات التي كان فيها ذكر تحكمهم على الله، وإشراك أنفسهم في حكمه.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ ﴾ : قيل: معروشات: مبسوطات ما ينبت منبسطا على وجه الأرض، ﴿ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ ﴾ : ما يقوم بساقه، لا ينبسط على الأرض.

وقيل: معروشات: ما يتخذ له العريش، من نحو العرجون والقرع وغيره، وغير معروشات: ما لا يقع الحاجة إلى العرش؛ من نحو: النخيل والأشجار المثمرة، وهما واحد.

وقيل: على القلب، معروشات: ما تقوم بساقها، وغير معروشات: ما لا ساق لها، والله أعلم.

وتعريشه ما ذكر على أثره.

﴿ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ﴾ .

منها ما يكون متشابهاً في اللون ومختلفاً في الأكل والطعم، ومنها ما يكون مختلفاً في اللون والمنظر متشابهاً في الطعم والأكل؛ ليعلموا أن منشئها واحد، وأنه حكيم أنشأها على حكمة، وأنه مدبر: أنشأها عن تدبير، لم ينشئها عبثاً.

[و] من الناس من يقول: إن قوله: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في الذي ذكر، وهو الرمان والزيتون؛ لأن ورقهما متشابه، والثمرة مختلفة.

ومنهم من يقول: فيهما وفي غيرهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ ﴾ .

كأنه قال: كلوا من ثمره إذا أثمر، ولا تحرّموا؛ خرج على مقابلة ما كان منهم من التحريم، أي كلوا منها، ولا تحرموا؛ ليضيع ويفسد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ .

ذكر - عز وجل - الإيتاء مما يحصد بعد ذكر النخيل، والزرع، والزيتون، والرمان، حبّاً وغير حب، وما يقع فيه الكيل وما لا يقع، مجملا عاما ولم يفصل بين قليله وكثيره.

ففيه دلالة وجوب الصدقة والعشر في قليل ما تخرج الأرض وكثيره.

وكذلك قوله -  - في سورة البقرة: ﴿ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ  ﴾ .

وحديث معاذ -  - عن النبي  أنه قال: "في كل ما أخرجت الأرض العشر، أو نصف العشر" وحديث ابن عمر -  - عن النبي  أنه كتب إلى أهل اليمن بذلك.

وما روي عن أنس -  - عن النبي  [أنه] قال: "فيما أخرجت الأرض - قليله وكثيره - العشر" وخبر معاذ، قال: "بعثني رسول الله  إلى اليمن، فأمرني أن آخذ [من كل حالم] دينارا، أو عدله معافريّاً، وأمرني أن آخذ من كل أربعين مسنة، ومن كل ثلاثين تبيعاً، ومن كل ما سقت السماء العشر، وما سقي بالديالي نصف العشر" .

إلى هذا كله يذهب أبو حنيفة - رحمه الله - ويوجب الصدقة في قليل الخارج من الأرض وكثيره.

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل الحق الذي ذكره الله في قوله: ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ : قال قوم: هي صدقة سوى الزكاة؛ واحتجوا بأن الآية مكية، وأن الزكاة فرضت بالمدينة ، وهي منسوخة بآية الزكاة.

وقال قوم: هي الزكاة، فإن نسخ إنما نسخ قدرها، لم ينسخ الحق رأساً؛ لأنهم كانوا يتصدقون بالكل، فما نسخ إنما نسخ بآية الزكاة قدرها.

ألا ترى أنه قال في [آية] أخرى: ﴿ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴾ .

والإسراف في اللغة هو المجاوزة عن الحدّ الذي حد له كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً  ﴾ .

وقيل في قوله: ﴿ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ ﴾ ، أي: لا تمنعوا الكل ولكن كلوا بعضه، وآتوا حقه من بعضه.

وقيل: الإسراف - هاهنا - هو الشرك؛ كأنه قال: ولا تشركوا آلهتكم فيما رزقكم الله من الحرث والأنعام؛ فتحرموه ولا تنتفعوا به، والإسراف هو الذي لا ينتفع به أحد، وما كانوا جعلوا لشركائهم لا ينتفعون به هم ولا انتفع به أحد؛ يكون مقابل قوله: ﴿ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ...

﴾ الآية [الأنعام: 138].

وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - [فإنهما] يذهبان إلى ما روي عن أبي سعيد الخدري -  - [قال]: قال رسول الله  : [ "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمسة أواق صدقة" وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله  ] "لا صدقة في الزرع، ولا في الكرم، ولا في النخل، إلا ما بلغ خمسة أوسق" ، وذلك مائة فرق.

وعن ابن عمر وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة -  م - عن النبي  مثله.

وما روى موسى بن طلحة أن النبي  قال: "ليس في الخضراوات صدقة" [وعن عمر مثله، وعن علي مثله، وكذلك روي عن جماعة السلف: أن لا صدقة إلا في الحنطة والشعير والحبوب، وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه - معنى ذلك كله لا صدقة] تؤخذ إلا فيما بلغ خمسة أوسق"، وليس في الخضراوات صدقة تؤخذ، وما عليه في نفسه صدقة يؤديها هو.

ثم إن كان ذلك الحق الذي ذكر في الآية الزكاة، فإن الآية تدل - والله أعلم - على أن زكاة الحب والثمار إنما تجب فيما بيّن: الجنات المعروشات وغير المعروشات؛ فدخل في ذلك - والله أعلم - العنب، وغير العنب، والثمار كلها، وقال: ﴿ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ﴾ ، فدخل جميع ما تخرج الأرض من كل الأصناف التي سبق ذكرها، وقال: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ ، فجعل الحق الواجب فيه يوم يحصد؛ فيجوز أن يكون عُفي عما قبل ذلك.

فإن كان هذا هو التأويل، فهو - والله أعلم - معنى ما روي عن النبي  ولو لم يكن قوله -  -: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ ﴾ عفوا عن صدقة ما يؤكل منه ما كان في ذلك فائدة؛ لأنّ الثمرة تؤكل ولا تصلح لغير ذلك إلا للوجه الذي ذكرنا، وهو أنهم كانوا يحرمونها ولا ينتفعون بها؛ فقال - عز وجل -: كلوا وانتفعوا به، ولا تضيعوه.

وإذا كان قوله: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ ﴾ عفوا عن صدقة ما يؤكل منه، ظهرت فائدة الكلام، وهو على هذا التأويل - والله أعلم - ما روي أن النبي  قال: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فالربع" وعن أبي سعيد الخدري -  - عن النبي  قال: "ليس في العرايا صدقة" وعن عمر بن الخطاب -  - أنه كان يبعث أبا خيثمة خارصا للنخل، ويقول له: "إذا وجدت أهل بيت في حائطهم، فلا تخرص بقدر ما يأكلون".

وعن مكحول قال: قال رسول الله  : "خفضوا على الناس في الخرص؛ فإن في المال العرية والوصية" فدلت هذه الأحاديث [على] أنه لا صدقة فيما يؤكل من الثمر رطباً إذا لم يكن فيما يأكلون إسراف.

وقدر النبي  لذلك الثلث أو الربع، وذلك - والله أعلم - يشبه ما دلت عليه الآية على تأويل من جعل الحق زكاة؛ لأن الله -  - قال: ﴿ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴾ ؛ فاحتمل أن يكون - أيضاً - معنى ذلك: ولا تسرفوا في الأكل؛ فيجحف ذلك بأهل الصدقة، ويحتمل أن يكون ذلك نهياً عن الإسراف في جميع الأشياء، على ما ذكرنا من قبل.

وإذا صح أن لا صدقة فيما يؤكل من الرطب والعنب والثمار بهذا الأخبار، وأن الصدقة إنما تجب فيما يلحقه الحصاد يابسا يمكن ادخاره - فالواجب ألا يكون في شيء من الخضر التي تؤكل رطبة صدقة، وألا تكون الصدقة واجبة إلا فيما يبس منها، ويمكن أن يدخر.

فأما البقول والرطاب والبطيخ والقثاء والخيار والتفاح وأشباهها: فلا صدقة فيها، هذا كله يدل لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - إلا أنا لا نعلم مخالفا أن فيما يباع من الرطب صدقة، وإن كان يؤكل كهيئة، فهذا يفسد ما احتججنا به لأبي يوسف ومحمد ومن وافقهما، وتأويل ما روي "أن لا صدقة في الخضراوات"، "وليس في أقل من خمسة أوسق صدقة تؤخذ"، وإنما عليه في نفسه أن يؤديها، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ : على أولئك خاصّة في ذلك الوقت، أو يقول: وآتوا حقه ولا تصرفوا إلى الأصنام التي تصرفون إليها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ .

هو صلة قوله: ﴿ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ ﴾ إلى آخر ما ذكر، وأنشأ - أيضاً - من الأنعام حمولة وفرشاً.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: الحمولة: ما يحمل عليها أنشأها للحمل، والفرش: الصغار منها التي لا تحمل.

وقيل: الحمولة: من نحو الإبل والبقر والبغال وغيرها من الحيوان، والفرش: هو الغنم والمعز التي تؤكل وأنشأها للحم.

ويحتمل الفرش: ما يؤخذ من الأنعام، ويتخذ منه الفرش والبسط.

وقال الحسن: الحمولة: ما يحمل عليها وهو خالص، والفرش: كل شيء من أنواع المال من الحيوان وغيره؛ يقال: أفرشه الله له، أي: جعله له.

قال ابن عباس -  -: الحمولة: الإبل والخيل والبغال والحمير، وكل شيء يحمل عليه، وإما الفرش فالغنم.

وعن ابن عمر -  - قال: الحمولة: الإبل، والفرش: البقر والغنم.

وقال أبو عوسجة: الحمولة: مراكب النساء، والفرش: ما يكون للنتاج.

وقال القتبي: الحمولة: كبار الإبل التي يحمل عليها، والفرش: صغارها التي لم تدرك أن يحمل عليها، وهي ما دون الحقاق، والحقاق: هي التي تصلح أن تركب، أي: حق ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ .

قوله: [ ﴿ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ ووجهوا شكر ذلك إليه، ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ في تحريم ما أحل الله لكم، وجعل ذلك لكم] رزقا؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ .

وقوله: ﴿ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا  ﴾ وقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا  ﴾ ، يقول: كلوا مما رزقكم الله؛ وكذلك قوله: ﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ ﴾ ، وانتفعوا به، ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ : في تحريم ذلك على أنفسكم، واعرفوا نعمه التي أنعمها عليكم، ووجهوا شكر نعمه إليه، ولا توجهوها إلى غيره.

ثم قوله: ﴿ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ .

قيل: آثار الشيطان.

وقيل: أعمال الشيطان.

وقيل: دعاء الشيطان وتزيينه، وكله واحد.

وأصله: أن كل من أجاب آخر إلى ما يدعو إليه ويأتمر بأمره، يقال: قد اتبع أثره، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز جل -: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

أي: إنه فيما يدعوكم إلى تحريم ما أحل الله لكم ورزقكم - يقصد قصد إهلاككم وتعذيبكم، لا قصد منفعة لكم في ذلك، وكل من قصد إهلاك آخر فهو عدوّ له، وهو يخرج على ما ذكرنا من تذكير المنن والنعم التي أنعمها عليهم، يقول: هو الذي جعل لكم ذلك؛ فلا تصرفوا شكره إلى غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

أي: أنشأ - أيضاً - ثمانية أزواج، على ما ذكر: أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنشأ من الأنعام - أيضاً - حمولة وفرشاً، وأنشأ - أيضاً - ثمانية أزواج مما عد علينا.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر هو تفسير قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً ﴾ ، ويكون ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ﴾ التي ذكر في الآية بيان الحمولة والفرش التي ذكر في الآية الأولى.

ثم في قوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : في الآية تعريف المحاجة مع الكفرة وتعليمها من الله؛ لأنهم كانوا يحرمون أشياء على الإناث ويحللونها للذكور؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ  ﴾ ؛ فقال الله - عز وجل: ﴿ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ ﴾ : يعرفنا المحاجة معهم؛ وطلب العلة التي بها حرم، فقال: ﴿ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ ﴾ ، فإن قالوا: حرم الذكر، فيجب أن كل ذكر محرم، ثم من الذكور ما يحل، فتناقضوا في قولهم، وإن قالوا: حرم الأنثى، فيجب أن كل أنثى - أيضاً - تكون محرمة، فإذا لم تحرم كل أنثى ظهر تناقضهم؛ لأنه لا يجوز أن يجب حرمة شيء أو حله لمعنى، ثم يرتفع ذلك الحكم والمعنى موجود، أو حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فإن كان لهذا، فيجب أن لكل مشتمل عليه أرحام الأنثيين محرم، فإذا لم يحرم ذلك [دل أن التحريم لم يكن لهذا].

وفيه دلالة أن الحكم إذا وجب لعلة، فذلك الحكم واجب ما دامت العلة قائمة موجودة، وفيه الأمر بالمقايسة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ .

أي: ليس عندهم علم يعلمون ذلك وينبئونه، ذكر - هاهنا - ﴿ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ : في مقالتكم: إنه حرم، وقال في الآية التي تليها: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا ﴾ ، أي: بتحريمها، أي: ليس لكم شهداء على تحريم ما تحرمون: لا من جهة الكتاب، ولا رسول، ولا استدلال؛ لأن العلوم ثلاثة: علم استدلال وهو علم العقل، وعلم المشاهدة والعيان وهو علم الحس، وعلم السمع والخبر؛ فيخبر أنه ليس لهم من هذه العلوم شيء.

أما علم الاستدلال: فلا عقل يدل على تحريم ما حرمتم.

ولا علم مشاهدة؛ لأنكم لم تشاهدوا الله حرم ذلك.

ولا علم من جهة السمع والخبر؛ لأنهم [كانوا] لا يؤمنون بالكتب، ولا صدقوا الرسل فيقولون: أخبرنا الرسل بتحريم ذلك، أو وجدنا في الكتب حُرْمتها، فبهتوا في ذلك وضجروا.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمّد ونبوّته  ؛ لأنهم كانوا لا يحرمون هذه الأشياء ظاهرا فيما بينهم، ورسول الله  نشأ بين أظهرهم منذ كان صغيراً إلى كبره، وعرفوا أنه لم يختلف إلى أحد عرف ذلك، ثم أخبر [الله - عز وجل -] [عن حل] ما حرموا وفساد ما صنعوا؛ ليدلهم أنه إنما عرف ذلك بالله، وبه علم حل ما حرموا، وحرمة ما أحلوا، لا بأحد من الخلائق.

وقوله - عز جل -: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً  ﴾ .

أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا؛ لأنه هو الذي أنشأهم وأنشأ لهم جميع ما يحتاجون إليه ويقضون حوائجهم، وبه كان جميع نعمهم التي يتنعمون ويتقلبون فيها؛ فلا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، فقال: حرم كذا ولم يكن حرم، أو: أمر بكذا ولم يكن أمر.

ألا ترى: أنه قال - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً  ﴾ ، و ﴿ قِيلاً  ﴾ ، فكما لم يكن أحد أصدق منه حديثاً، فعلى ذلك لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا بعد علمه: أنه هو الفاعل لذلك كله، وهو المنشئ ما ذكر.

وقوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ .

في الظاهر استفهام، ولكن في الحقيقة إيجاب؛ لأنه لا يحتمل الاستفهام؛ كأنه قال: لا أحد أفحش ظلماً ممن افترى على الله كذبا على الإيجاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

لأنه يقصد بالافتراء على الله قصد إضلال الناس وإغوائهم.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر والظلم.

وقيل: ﴿ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ \[أي أنهم يختمون\] بالكفر.

ويحتمل: لا يهديهم؛ إذا كانوا هم عند الله ظلمة كفرة، وإن كانوا عند أنفسهم عدولا على الحق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

خَلَق لكم ثمانية أصناف؛ من الضأن زوجين: ذكرًا وأنثى، ومن المعز اثنين، قل -أيها الرسول- للمشركين-: هل حرّم الله تعالى الذَّكرَيْن منهما لعلة الذكورة؟

فإن قالوا: نعم فقل لهم: لِمَ تحرمون الإناث؟

أم أنه حَرَّم الأُنْثَيَيْن لِعِلَّة الأنوثة؟

فإن قالوا: نعم، فقل لهم: لِمَ تُحرِّمون الذَّكَرَيْن؟

أم أنه حَرَّم ما اشتملت عليه أرحام الأنْثَيَيْن لِعِلَّة اشتمال الرحم عليه؟

فإن قالوا: نعم، فقل لهم: لِمَ تُفرِّقون بين ما اشتملت عليه الأرحام بتحريم ذكوره تارة وتحريم إناثه تارة، أخبروني -أيها المشركون- بما تستندون عليه من علم صحيح إن كنتم صادقين في دعواكم أن تحريم ذلك من الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.DYJ8M"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل