الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٥٢ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 123 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥٢ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أنزل الله : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) و إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) الآية [ النساء : 10 ] ، فانطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله ويفسد .
فاشتد ذلك عليهم ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل : ( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ) [ البقرة : 220 ] ، قال : فخلطوا طعامهم بطعامهم ، وشرابهم بشرابهم .
رواه أبو داود .
وقوله : ( حتى يبلغ أشده ) قال الشعبي ، ومالك ، وغير واحد من السلف : يعني : حتى يحتلم .
وقال السدي : حتى يبلغ ثلاثين سنة ، وقيل : أربعون سنة ، وقيل : ستون سنة .
قال : وهذا كله بعيد هاهنا ، والله أعلم .
وقوله : ( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ) يأمر تعالى بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء ، كما توعد على تركه في قوله تعالى : ( ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين ) [ المطففين : 1 - 6 ] .
وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال والميزان .
وفي كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي ، من حديث الحسين بن قيس أبي علي الرحبي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والميزان : " إنكم وليتم أمرا هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم .
ثم قال : لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسين ، وهو ضعيف في الحديث ، وقد روي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفا .
قلت : وقد رواه ابن مردويه في تفسيره ، من حديث شريك ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم معشر الموالي قد بشركم الله بخصلتين بها هلكت القرون المتقدمة : المكيال والميزان .
وقوله تعالى : ( لا نكلف نفسا إلا وسعها ) أي : من اجتهد في أداء الحق وأخذه ، فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده فلا حرج عليه .
وقد روى ابن مردويه من حديث بقية ، عن مبشر بن عبيد ، عن عمرو بن ميمون بن مهران ، عن أبيه ، عن سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها ) فقال : " من أوفى على يده في الكيل والميزان ، والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما ، لم يؤاخذ " وذلك تأويل ( وسعها ) هذا مرسل غريب .
وقوله : ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) كما قال تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم ) [ المائدة : 8 ] ، وكذا التي تشبهها في سورة النساء [ الآية : 135 ] ، يأمر تعالى بالعدل في الفعال والمقال ، على القريب والبعيد ، والله تعالى يأمر بالعدل لكل أحد ، في كل وقت ، وفي كل حال .
وقوله : ( وبعهد الله أوفوا ) قال ابن جرير : يقول وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا .
وإيفاء ذلك : أن تطيعوه فيما أمركم ونهاكم ، وتعملوا بكتابه وسنة رسوله ، وذلك هو الوفاء بعهد الله .
ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ) يقول تعالى : هذا وصاكم به ، وأمركم به ، وأكد عليكم فيه ( لعلكم تذكرون ) أي : تتعظون وتنتهون عما كنتم فيه قبل هذا ، وقرأ بعضهم بتشديد " الذال " ، وآخرون بتخفيفها .
القول في تأويل قوله : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)، ولا تقربوا ماله إلا بما فيه صلاحه وتثميره ، كما:- 14147- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن ليث, عن مجاهد: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)، قال: التجارة فيه.
14148- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)، فليثمر مالَه .
14149- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا فضيل بن مرزوق العنـزي, عن سليط بن بلال, عن الضحاك بن مزاحم في قوله: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)، قال: يبتغي له فيه, ولا يأخذ من ربحه شيئًا .
(1) 14150- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)، قال: " التي هي أحسن "، أن يأكل بالمعروف إن افتقر, وإن استغنى فلا يأكل.
قال الله: وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، [سورة النساء: 6].
قال: وسئل عن الكسوة، فقال: لم يذكر الله الكسوة، إنما ذكر الأكل .
* * * وأما قوله: (حتى يبلغ أشده)، فإن " الأشُدّ" جمع " شَدٍّ", كما " الأضُرّ" جمع " ضر ", وكما " الأشُرّ" جمع " شر "، (2) و " الشد " القوة, وهو استحكام قوة شبابه وسنه, كما " شَدُّ النهار " ارتفاعه وامتداده.
يقال: " أتيته شدَّ النهار ومدَّ النهار ", وذلك حين امتداده وارتفاعه; وكان المفضل فيما بلغني ينشد بيت عنترة: عَهْــدِي بِــهِ شَـدَّ النَّهَـارِ كَأَنَّمَـا خُــضِبَ اللَّبَــانُ وَرَأْسُـهُ بِـالْعِظْلِمِ (3) ومنه قول الآخر: (4) تُطِيــفُ بِــهِ شَـدَّ النَّهَـارِ ظَعِينَـةٌ طَوِيلَــةُ أَنْقَــاءِ اليَــدَيْنِ سَـحُوقُ (5) وكان بعض البصريين يزعم أن " الأشد " مثل " الآنُك ".
(6) * * * فأما أهل التأويل، فإنهم مختلفون في الحين الذي إذا بلغه الإنسان قيل: " بلغ أشدّه ".
فقال بعضهم: يقال ذلك له إذا بلغ الحُلُم .
* ذكر من قال ذلك: 14151- حدثني أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا عمي قال، أخبرني يحيى بن أيوب, عن عمرو بن الحارث, عن ربيعة في قوله: (حتى يبلغ أشده)، قال: الحلم .
14152- حدثني أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا عمي قال، حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, عن أبيه, مثله = قال ابن وهب: وقال لي مالك مثله .
(7) 14153- حدثت عن الحماني قال، حدثنا هشيم, عن مجاهد, عن عامر: (حتى يبلغ أشده)، قال: " الأشد "، الحلم, حيث تكتب له الحسنات، وتكتب عليه السيئات .
* * * وقال آخرون: إنما يقال ذلك له، إذا بلغ ثلاثين سنة .
* ذكر من قال ذلك: 14154- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (حتى يبلغ أشده)، قال: أما " أشده "، فثلاثون سنة, ثم جاء بعدها: حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ .
[سورة النساء: 6].
* * * وفي الكلام محذوف، ترك ذكره اكتفاءً بدلالة ما ظهر عما حذف .
وذلك أن معنى الكلام: " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ", فإذا بلغ أشده فآنستم منه رشدًا، فادفعوا إليه ماله = لأنه جل ثناؤه لم ينه أن يُقرب مال اليتيم في حال يُتمه إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، ليحِلَّ لوليّه بعد بلوغه أشده أن يقربه بالتي هي أسوأ, (8) ولكنه نهاهم أن يقرَبوه حياطةً منه له، وحفظًا عليه، (9) ليسلموه إليه إذا بلغ أشده .
* * * القول في تأويل قوله : وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا = وأن أوفوا الكيل والميزان.
يقول: لا تبخسوا الناس الكيلَ إذا كلتموهم، والوزنَ إذا وزنتموهم, ولكن أوفوهم حقوقهم.
وإيفاؤهم ذلك، إعطاؤهم حقوقهم تامة (10) =" بالقسط"، يعني بالعدل ، كما:- 14155- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (بالقسط)، بالعدل .
* * * وقد بينا معنى: " القسط" بشواهده فيما مضى، وكرهنا إعادته .
(11) * * * وأما قوله: (لا نكلف نفسًا إلا وسعها)، فإنه يقول: لا نكلف نفسًا، من إيفاء الكيل والوزن، إلا ما يسعها فيحلّ لها ولا تحرَجُ فيه .
(12) وذلك أن الله جل ثناؤه، علم من عباده أن كثيرًا منهم تَضيق نفسه عن أن تطيب لغيره بما لا يجبُ عليها له, فأمر المعطي بإيفاء رب الحق حقَّه الذي هو له، ولم يكلِّفه الزيادة، لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها.
وأمر الذي له الحق، بأخذ حقه، ولم يكلفه الرضا بأقل منه, لما في النقصان عنه من ضيق نفسه.
فلم يكلف نفسًا منهما إلا ما لا حرج فيه ولا ضيق, فلذلك قال: (لا نكلف نفسًا إلا وسعها) .
وقد استقصينا بيان ذلك بشواهده في موضع غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته .
(13) * * * القول في تأويل قوله : وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: (وإذا قلتم فاعدلوا)، وإذا حكمتم بين الناس فتكلمتم فقولوا الحق بينهم, واعدلوا وأنصفوا ولا تجوروا، (14) ولو كان الذي يتوجه الحق عليه والحكم، ذا قرابة لكم, ولا تحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق حكمتم بينه وبين غيره, أن تقولوا غير الحق فيما احتكم إليكم فيه =(وبعهد الله أوفوا)، يقول: وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا.
وإيفاء ذلك: أن يطيعوه فيما أمرهم به ونهاهم, وأن يعملوا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, وذلك هو الوفاء بعهد الله .
(15) وأما قوله: (ذلكم وصاكم به)، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل للعادلين بالله الأوثان والأصنام من قومك: هذه الأمور التي ذكرت لكم في هاتين الآيتين, هي الأشياء التي عهد إلينا ربنا، ووصاكم بها ربكم، وأمركم بالعمل بها = لا بالبحائر، والسوائب، والوصائل، والحام، وقتل الأولاد، ووأد البنات، واتباع خطوات الشيطان (16) =(لعلكم تذكرون)، يقول: أمركم بهذه الأمور التي أمركم بها في هاتين الآيتين، ووصاكم بها وعهد إليكم فيها, لتتذكروا عواقبَ أمركم، وخطأ ما أنتم عليه مقيمون, فتنـزجروا عنها، وترتدعوا وتُنيبوا إلى طاعة ربكم .
* * * وكان ابن عباس يقول: هذه الآيات، هنَّ الآيات المحكمات .
14156- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن علي بن صالح, عن أبي إسحاق, عن عبد الله بن قيس, عن ابن عباس قال: هن الآيات المحكمات, قوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا .
(17) 14157- حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا أبي قال، سمعت يحيى بن أيوب يحدّث، عن يزيد بن أبى حبيب, عن مرثد بن عبد الله, عن عبيد الله بن عديّ بن الخيار قال، سمع كعب الأحبار رجلا يقرأ: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ، فقال: والذي نفس كعب بيده, إنّ هذا لأوَّل شيء في التوراة: " بسم الله الرحمن الرحيم "، قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ .
(18) 14158- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبيه, عن سعيد بن مسروق, عن رجل, عن الربيع بن خثيم أنه قال لرجل: هل لك في صحيفة عليها خاتم محمد؟
ثم قرأ هؤلاء الآيات: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا .
14159- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق الرازي, عن أبي سنان, عن عمرو بن مرة قال: قال الربيع: ألا أقرأ عليكم صحيفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
= لم يقل: " خاتمها " = فقرأ هذه الآيات: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ .
14160- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن الأعمش, عن إبراهيم, عن علقمة قال: جاء إليه نفر فقالوا: قد جالست أصحابَ محمد، فحدثنا عن الوَحي.
فقرأ عليهم هذه الآيات من " الأنعام ": قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، قالوا: ليس عن هذا نسألك !
قال: فما عندنا وحيٌ غيره .
14161- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: هؤلاء الآيات التي أوصى بها من محكم القرآن .
14162- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وإذا قلتم فاعدلوا)، قال: قولوا الحق .
----------------- الهوامش : (1) الأثر : 14149 - (( فضيل بن مرزوق العنزي )) ، الرقاشي ، الأغر .
مضى برقم : 5437 .
و (( سليط بن بلال )) ، لا أدري من هو ، ولم أجد له ترجمة .
(2) هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة : (( الأضر )) و (( الأشر )) ، ولم أجد لشيء من ذلك أصلا في كتب العربية ، وهذان اللفظان محرفان فيما أرجح ، ولكني تركتهما على حالهما ، حتى أقف على الصواب في قراءتهما إن شاء الله .
ولكنهم مثلوا له بقولهم (( قد )) و (( أقد)) وهو قريب التحريف في الأولى ، ولكن الثانية مبهمة .
(3) من معلقته المشهورة ، وهذا البيت من أبيات وصف فيها بطلا مثله ، يقول قبله : لَمَّــا رَآنِــي قَـدْ قَصَـدْتُ أُرِيــدُهُ أَبْـــدَى نَوَاجِــذَهُ لِغَــيْرِ تَبَسُّــمِ فَطَعَنْتُــهُ بِــالرُّمْحِ ثُــمَّ عَلَوْتُــهُ بِمُهَنَّــدٍ صَــافِي الحَــدِيدَةِ مِخْـذَمِ و (( اللبان )) الصدر .
و (( العظلم )) ، صبغ أحمر .
يصفه قتيلا سال دمه ، فخصب رأسه وأطرافه ، لا حراك به .
(4) لم أعرف قائله .
(5) (( الظعينة )) ، يعني زوجته .
(( الأنقاء )) جمع (( نقو )) ( بكسر فسكون ) ، وهو كل عظم فيه مخ ، كعظام اليدين والساقين ، وامرأة (( سحوق )) : طويلة كأنها نخلة مستوية قد انجرد عنها كربها .
(6) (( آنك )) ( بالمد وضم النون ) هو .
الرصاص القلعي ، وهو القزدير .
ويعني أنه مفرد لا جمع .
(7) الأثران : 14151 ، 14152 - (( أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري )) ، مضى برقم : 2747 ، 6613 ، 10330 ، وهو ابن أخي (( عبد الله بن وهب )) و (( عمه )) ، هو : (( عبد الله بن وهب )) .
(8) في المطبوعة : (( ويحل )) بالواو ، والذي في المخطوطة حق السياق .
(9) في المطبوعة : (( أن يقربوا )) ، والصواب ما في المخطوطة .
(10) انظر تفسير (( الإيفاء )) فيما سلف 9 : 426 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(11) انظر تفسير (( القسط )) فيما سلف 10 : 334 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(12) انظر تفسير (( التكليف )) فيما سلف 5 : 45 / 6 : 129 ، 130 / 8 : 579 .
= وتفسير (( الوسع )) فيما سلف 5 : 45 /6 : 129 ، 130 .
(13) انظر ما سلف 5 : 45 ، 46 / 6 : 129 ، 130 .
(14) انظر تفسير (( العدل )) فيما سلف من فهارس اللغة ( عدل ) .
(15) انظر تفسير (( العهد )) فيما سلف من فهارس اللغة ( عهد ) .
= وتفسير (( الإيفاء )) فيما سلف ص : 224 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(16) انظر تفسير (( وصى )) فيما ص : 221 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(17) الأثر : 14156 - (( على بن صالح بن صالح بن حي الهمداني )) ثقة ، مضى برقم : 178 ، 11975 .
وفي المخطوطة والمطبوعة : (( علي بن أبي صالح )) ، وهو خطأ لا شك فيه ، والزيادة سهو من الناسخ ، وإنما هو (( علي بن صالح )) ، فهو الذي يروي عن إسحاق السبيعي ، ويروي عنه وكيع ، وكما في المستدرك ، كما سيأتي في التخريج .
و (( أبو إسحاق )) هو السبيعي .
و (( عبد الله بن قيس )) ، راوى هذا الخبر ، خص براوية هذا الخبر عن ابن عباس ، ورواية أبي إسحاق السبيعي عنه .
مترجم في التهذيب ( 5 : 365 ) ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 138 .
وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 288 ، وقال : (( صحيح )) ، ووافقه الذهبي .
وقد أشرت إلى ذلك في تخريج الخبر رقم : 6573 ، فراجعه .
ورواه الحاكم أيضًا في المستدرك 2 : 317 ، بإسناد آخر من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن خليفة ، عن ابن عباس ، وقال : (( هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه )) ، ووافقه الذهبي .
و (( عبد الله بن خليفة الهمداني )) ، مضى برقم : 5796 .
(18) الأثر : 14157 - (( وهب بن جرير بن حازم الأزدي )) ، الحافظ الثقة .
وأبو (( جرير بن حازم الأزدي )) ، ثقة ، روى له الجماعة .
و (( يحيى بن أيوب الغافقي )) ، ثقة ، مضى برقم : 3877 ، 4330 .
و (( يزيد بن أبي حبيب المصري )) ، مضى مرارًا ، آخرها : 11871 .
و (( مرثد بن عبد الله اليزني )) ، الفقيه المصري ، مضى برقم : 2839 ، 2840 ، 10890 .
و (( عبيد الله بن عدي بن الخيار النوفلي القرشي )) ثقة ، قليل الحديث ، من فقهاء قريش وعلمائهم ، أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرين .
مترجم في التهذيب .
وهذا خبر إسناده صحيح إلى كعب الأحبار .
قوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن أي بما فيه صلاحه وتثميره ، وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه .
وهذا أحسن الأقوال في هذا ; فإنه جامع .
قال مجاهد : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن بالتجارة فيه ، ولا تشتر منه ولا تستقرض .قوله تعالى : حتى يبلغ أشده يعني قوته ، وقد تكون في البدن ، وقد تكون في المعرفة بالتجربة ، ولا بد من حصول الوجهين ; فإن الأشد وقعت هنا مطلقة وقد جاء بيان حال اليتيم في سورة " النساء " مقيدة ، فقال : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فجمع بين قوة البدن وهو بلوغ النكاح ، وبين قوة المعرفة وهو إيناس الرشد ; فلو مكن اليتيم من ماله قبل حصول المعرفة وبعد حصول القوة لأذهبه في شهوته وبقي صعلوكا لا مال له .
وخص اليتيم بهذا الشرط لغفلة الناس عنه وافتقاد الأبناء لآبائهم فكان الاهتبال بفقيد الأب أولى .
وليس بلوغ الأشد مما يبيح قرب ماله بغير الأحسن ; لأن الحرمة في حق البالغ ثابتة .
وخص اليتيم بالذكر لأن خصمه الله .
والمعنى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ على الأبد حتى يبلغ أشده .
وفي الكلام حذف ; فإذا بلغ أشده وأونس منه الرشد فادفعوا إليه ماله .واختلف العلماء في أشد اليتيم ; فقال ابن زيد : بلوغه .
وقال أهل المدينة .
بلوغه وإيناس رشده .
وعند أبي حنيفة : خمس وعشرون سنة .
قال ابن العربي : وعجبا من أبي حنيفة ، فإنه يرى أن المقدرات لا تثبت قياسا ولا نظرا وإنما تثبت نقلا ، وهو يثبتها بالأحاديث الضعيفة ، ولكنه سكن دار الضرب فكثر عنده المدلس ، ولو سكن المعدن كما قيض الله لمالك لما صدر عنه إلا إبريز الدين .
وقد قيل : إن انتهاء الكهولة فيها مجتمع الأشد ; كما قال سحيم بن وثيل :أخو خمسين مجتمع أشدي ونجذني مداورة الشؤونيروى " نجدني " بالدال والذال .
والأشد واحد لا جمع له ; بمنزلة الآنك وهو الرصاص .
وقد قيل : واحده شد ; كفلس وأفلس .
وأصله من شد النهار أي ارتفع ; يقال : أتيته شد النهار ومد النهار .
وكان محمد بن الضبي ينشد بيت عنترة :عهدي به شد النهار كأنما خضب اللبان ورأسه بالعظلموقال آخر :تطيف به شد النهار ظعينة طويلة أنقاء اليدين سحوقوكان سيبويه يقول : واحده شدة .
قال الجوهري : وهو حسن في المعنى ; لأنه يقال : بلغ الغلام شدته ، ولكن لا تجمع فعلة على أفعل ، وأما أنعم فإنما هو جمع نعم ; من قولهم : يوم بؤس ويوم نعم .
وأما قول من قال : واحده شد ; مثل كلب وأكلب ، وشد مثل ذئب وأذؤب فإنما هو قياس .
كما يقولون في واحد الأبابيل : إبول ، قياسا على عجول ، وليس هو شيئا سمع من العرب .
قال أبو زيد : أصابتني شدى على فعلى ; أي شدة .
وأشد الرجل إذا كانت معه دابة شديدة .قوله تعالى وأوفوا الكيل والميزان بالقسط أي بالاعتدال في الأخذ والعطاء عند البيع والشراء .
والقسط : العدل .لا نكلف نفسا إلا وسعها أي طاقتها في إيفاء الكيل والوزن .
وهذا يقتضي أن هذه الأوامر إنما هي فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفظ [ ص: 124 ] والتحرز وما لا يمكن الاحتراز عنه من تفاوت ما بين الكيلين ، ولا يدخل تحت قدرة البشر فمعفو عنه .
وقيل : الكيل بمعنى المكيال .
يقال : هذا كذا وكذا كيلا ; ولهذا عطف عليه بالميزان .
وقال بعض العلماء : لما علم الله سبحانه من عباده أن كثيرا منهم تضيق نفسه عن أن تطيب للغير بما لا يجب عليها له أمر المعطي بإيفاء رب الحق حقه الذي هو له ، ولم يكلفه الزيادة ; لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها .
وأمر صاحب الحق بأخذ حقه ولم يكلفه الرضا بأقل منه ; لما في النقصان من ضيق نفسه .
وفي موطأ مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه عن عبد الله بن عباس أنه قال : ما ظهر الغلول في قوم قط إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب ، ولا فشا الزنى في قوم إلا كثر فيهم الموت ، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق ، ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم ، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو .
وقال ابن عباس أيضا : إنكم معشر الأعاجم قد وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم : الكيل والميزان .قوله تعالى وإذا قلتم فاعدلوا يتضمن الأحكام والشهادات .
ولو كان ذا قربى أي ولو كان الحق على مثل قراباتكم .
كما تقدم في " النساء " .وبعهد الله أوفوا عام في جميع ما عهده الله إلى عباده .
ويحتمل أن يراد به جميع ما انعقد بين إنسانين .
وأضيف ذلك العهد إلى الله من حيث أمر بحفظه والوفاء به .ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون تتعظون .
{ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ } بأكل، أو معاوضة على وجه المحاباة لأنفسكم، أو أخذ من غير سبب.
{ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي: إلا بالحال التي تصلح بها أموالهم، وينتفعون بها.
فدل هذا على أنه لا يجوز قربانها، والتصرف بها على وجه يضر اليتامى، أو على وجه لا مضرة فيه ولا مصلحة، { حَتَّى يَبْلُغَ } اليتيم { أَشُدَّه } أي: حتى يبلغ ويرشد، ويعرف التصرف، فإذا بلغ أشده، أُعطي حينئذ مالُه، وتصرف فيه على نظره.
وفي هذا دلالة على أن اليتيم -قبل بلوغ الأشُد- محجور عليه، وأن وليه يتصرف في ماله بالأحظ، وأن هذا الحجر ينتهي ببلوغ الأشُد.
{ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ } أي: بالعدل والوفاء التام، فإذا اجتهدتم في ذلك، فـ { لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } أي: بقدر ما تسعه، ولا تضيق عنه.
فمَن حرَص على الإيفاء في الكيل والوزن، ثم حصل منه تقصير لم يفرط فيه، ولم يعلمه، فإن الله عفو غفور .
وبهذه الآية ونحوها استدل الأصوليون، بأن الله لا يكلف أحدا ما لا يطيق، وعلى أن من اتقى الله فيما أمر، وفعل ما يمكنه من ذلك، فلا حرج عليه فيما سوى ذلك.
{ وَإِذَا قُلْتُمْ } قولا تحكمون به بين الناس، وتفصلون بينهم الخطاب، وتتكلمون به على المقالات والأحوال { فَاعْدِلُوا } في قولكم، بمراعاة الصدق فيمن تحبون ومن تكرهون، والإنصاف، وعدم كتمان ما يلزم بيانه، فإن الميل على من تكره بالكلام فيه أو في مقالته من الظلم المحرم.
بل إذا تكلم العالم على مقالات أهل البدع، فالواجب عليه أن يعطي كل ذي حق حقه، وأن يبين ما فيها من الحق والباطل، ويعتبر قربها من الحق وبُعدها منه.
وذكر الفقهاء أن القاضي يجب عليه العدل بين الخصمين، في لحظه ولفظه.
{ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا } وهذا يشمل العهد الذي عاهده عليه العباد من القيام بحقوقه والوفاء بها، ومن العهد الذي يقع التعاقد به بين الخلق.
فالجميع يجب الوفاء به، ويحرم نقضه والإخلال به.
{ ذَلِكُمْ } الأحكام المذكورة { وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ما بينه لكم من الأحكام، وتقومون بوصية الله لكم حق القيام، وتعرفون ما فيها، من الحكم والأحكام.
( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) يعني : بما فيه صلاحه وتثميره .
وقال مجاهد : هو التجارة فيه .
وقال الضحاك : هو أن يبتغي له فيه ولا يأخذ من ربحه شيئا ، ( حتى يبلغ أشده ) قال الشعبي ومالك : الأشد : الحلم ، حتى يكتب له الحسنات وتكتب عليه السيئات .
قال أبو العالية : حتى يعقل وتجتمع قوته .
وقال الكلبي : الأشد ما بين الثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة .
وقيل : إلى أربعين سنة .
وقيل : إلى ستين سنة .
وقال الضحاك : عشرون سنة .
وقال السدي : ثلاثون سنة .
وقال مجاهد : الأشد ثلاث وثلاثون سنة .
والأشد جمع شد ، مثل قد وأقد ، وهو استحكام قوة شبابه وسنه ، ومنه شد النهار وهو ارتفاعه .
وقيل بلوغ الأشد أن يؤنس رشده بعد البلوغ .
وتقدير الآية : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى يبلغ أشده فادفعوا إليه ماله إن كان رشيدا .
( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ) بالعدل ، ( لا نكلف نفسا إلا وسعها ) أي : طاقتها في إيفاء الكيل والميزان ، أي : لم يكلف المعطي أكثر مما وجب عليه ، ولم يكلف صاحب الحق الرضا بأقل من حقه ، حتى لا تضيق نفسه عنه ، بل أمر كل واحد منهما بما يسعه مما لا حرج عليه فيه .
( وإذا قلتم فاعدلوا ) فاصدقوا في الحكم والشهادة ، ( ولو كان ذا قربى ) أي : ولو كان المحكوم والمشهود عليه ذا قرابة ، ( وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ) تتعظون ، قرأ حمزة والكسائي وحفص تذكرون خفيفة الذال ، كل القرآن ، والآخرون بتشديدها .
قال ابن عباس : هذه الآيات محكمات في جميع الكتب ، لم ينسخهن شيء وهن محرمات على بني آدم كلهم ، وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ، ومن تركهن دخل النار .
«ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي» أي بالخصلة التي «هي أحسن» وهي ما فيه صلاحه «حتى يبلغ أشدَّه» بأن يحتلم «وأوفوا الكيل والميزان بالقسط» بالعدل وترك البخس «لا نكلف نفسا إلا وسعها» طاقتها في ذلك فإن أخطأ في الكيل والوزن والله يعلم صحة نيته فلا مؤاخذة عليه كما ورد في حديث «وإذا قلتم» في حكم أو غيره «فاعدلوا» بالصدق «ولو كان» المقول له أو عليه «ذا قربى» قرابة «وبعهد الله أوفوا ذلكم وصَّاكم به لعلكم تذكَّرون» بالتشديد تتعظون والسكون.
ولا تقربوا أيها الأوصياء مال اليتيم إلا بالحال التي تصلح بها أمواله ويَنْتَفِع بها، حتى يصل إلى سن البلوغ ويكون راشدًا، فإذا بلغ ذلك فسلموا إليه ماله، وأوفوا الكيل والوزن بالعدل الذي يكون به تمام الوفاء.
وإذا بذلتم جهدكم فلا حرج عليكم فيما قد يكون من نقص، لا نكلف نفسًا إلا وسعها.
وإذا قلتم فتحرَّوا في قولكم العدل دون ميل عن الحق في خبر أو شهادة أو حكم أو شفاعة، ولو كان الذي تعلق به القول ذا قرابة منكم، فلا تميلوا معه بغير حق، وأوفوا بما عهد الله به إليكم من الالتزام بشريعته.
ذلكم المتلوُّ عليكم من الأحكام، وصَّاكم به ربكم؛ رجاء أن تتذكروا عاقبة أمركم.
والوصية السادسة تأتى فى مطلع الآية الثانية فتقول : { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } .أى : لا تقربوا مال اليتيم الذى فقد الأب الحانى ، ولا تتعرضوا لما هو من حقه بوجه من الوجوه إلا بالوجه الذى ينفعه فى الحال أو المآل ، كتربيته وتعليمه ، وحفظ ماله واستثماره .وإذن ، فكل تصرف مع اليتيم أو فى ماله لا يقع فى تلك الدائرة - دائرة الأنفع والأحسن - محظور ، ومنهى عنه .قال بعض العلماء : وكثيرا ما يتعلق النهى فى القرآن بالقربان من الشىء ، وضابطه بالاستقراء : أن كل منهى عنه كان من شأنه أن تميل إليه النفوس وتدفع إليه الأهواء النهى فيه عن " القربان " ويكون القصد التحذير من أن يأخذ ذلك الميل فى النفس مكانة تصل بها إلى اقتراف المحرم ، وكان من ذلك فى الوصايا السابقة النهى عن الفواحش ، ومن هذا الباب { وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة } { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى } { وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ } إلخ .أما المحرمات التى لم يؤلف ميل النفوس إليها ولا إقتضاء الشهوات لها ، فإن الغالب فيها أن يتعلق النهى عنها بنفس الفعل لا بالقربان منه .
ومن ذلك فى الوصايا السابقة الشرك بالله ، وقتل الأولاد ، وقتل النفس التى حرم الله قتلها ، فإنها وإن كان الفعل المنهى عنه فيها أشد قبحا وأعظم جرما عند الله من أكل مال اليتيم وفعل الفواحش ، إلا أنها ليست ذات دوافع نفسية يميل إليها الإنسان بشهوته ، وإنما هى فى نظر العقل على المقابل من ذلك ، يجد الإنسان فى نفسه مرارة من ارتكابها ، ولا يقدم عليها إلا وهو كاره لها أو فى حكم الكاره .وقوله : { حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } ليس غاية للنهى ، إذ ليس المعنى فإذا بلغ أشده فاقربوه لأن هذا يقتضى إباحة أكل الولى له بعد بلوغ الصبى ، بل هو غاية لما يفهم من النهى كأنه قيل : احفظوه حتى يصير بالغا رشيداً فحينئذ سلموا إليه ماله .والخطاب للأولياء والأوصياء .
أى : احفظوا ماله حتى يبلغ الحلم فإذا بلغه فادفعوه إليه .والأشد : قوة الإنسان واشتعال حرارته : من الشدة بمعنى القوة والارتفاع .
يقال : شد النهار إذا ارتفع .
وهو مفرد جاء بصيغة الجمع .
ولا واحد له .والوصية السابعة : { وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } .أى : أتموا الكيل إذا كلتم للناس أو اكتلتم عليهم لأنفسكم ، وأوفوا الميزان إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون أو لغيركم فيما تبيعون .فالجملة الكريمة أمر من الله - تعالى - لعباده بإقامة العدل فى التعامل : بحيث يعطى صاحب الحق حقه من غير نقصان ولا بخس ، ويأخذ صاحب الحق حقه من غير طلب الزيادة .والكيل والوزن : مصدران أريد بهما ما يكال وما يوزن ، كالعيش بمعنى ما يعاش به .
وبالقسط حال من فاعل أوفوا أى : أوفوهما مقسطين أى : متلبسين بالقسط .
ويجوز أن يكون حالا من الفعول أى : أوفوا الكيل والميزان بالقسط أى : تامّين .وهذه الوصية هى مبدأ العدل والتعادل ، وكل مجتمع محتاج إليها ، فالناس لا بد لهم من التعامل ، ولا بد لهم من التبادل ، والكيل والوزن هما وسيلة ذلك ، فلا بد من أن يكونا منضبطين بالقسط .والمجتمعات الأمينة التى لا تجد فيها أحدا يغبن عن جهل أو غفلة ، وهى أيضاً المجتمعات الأمينة التى لا تجد فيها من يحاول أن يأخذ أكثر من حقه .
أو يعطى أقل مما يبج عليه .وقوله { لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } أى : لا نكلف نفسها إلا ما يسعها ولا يعسر عليها .
والجملة مستأنفة جىء بها عقيب الأمر بإيفاء الكيل والميزان بالعدل ، للترخيص فيما خرج عن الطاقة ، ولبيان قاعدة من قواعد الإسلام الرافعة للحرج وذلك لأن التبادل التجاري لا يمكن أن يتحقق على وجه كامل من المساواة أو التعادل ، فلا بد من تقبل اليسير من الغبن فى هذا الجانب أو ذاك .والوصية الثامنة تقول : { وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى } .أى : وإذا قلتم قولا فاعدلوا فيه ولو كان المقول له أو عليه صاحب قرابة منكم .إذ العدل هو أساس الحكم السليم : العدل فى القول ، والعدل فى الحكم ، والعدل فى كل فعل .وإنما خصصت الآية العدل فى القول مع أن العدل مطلوب فى الأقوال والأفعال وفى كل شىء ، لأن أكثر ما يكون فيه العدل أقوال كالشهادة ، والحكم ، ثم الأقوال هى التى تراود النفوس فى كل حال .
فالإنسان حين تصادفه قضية من القضايا القولية أو العملية يحدث نفسه فى شأنها ، ويراوده معنى العدل وكأنه يطالبه بأن ينطق به ويؤيده ، فيقول فى نفسه سأفعل كذا لأنه العدل ، فإذا لم يكن صادقا فى هذا القول فقد جافى العدل وقال زوراً وكذبا .أما قوله { وَلَوْ كَانَ ذَا قربى } فهو أخذ بالإنسان عما جرت به عادته من التأثر بصلات القربى فى المحاباة للأقرباء والظلم لغيرهم .فالقرآن يرتفع بالضمير البشرى إلى مستوى سامق رفيع ، على هدى من العقيدة فى الله ، بأن يكلفه بتحرى العدل فى كل أحواله ولو إزاء أقرب المقربين إليه .أما الوصية التاسعة والأخيرة فى هذه الآية فهى قوله - تعالى - { وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ } أى : كونوا أوفياء مع الله فى كل ما عهد إليكم به من العبادات والمعاملات وغيرها .إذ الوفاء أصل من الأصول التى يتحقق بها الخير والصلاح ، وتستقر عليها أمور الناس .وقوله : { وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ } يفيد الحصر لتقديم المعمول ، وفى هذا إشعار بأن هناك عهوداً غير جديرة بأن تنسب إلى الله ، وهى العهود القائمة على الظلم أو الباطل ، أو الفساد ، فمثل هذه العهود غير جديرة بالاحترام ، ويجب العمل على التخلص منها .ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - { ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أى : ذلكم المتلو عليكم فى هذه الآية من الأوامر والنواهى وصاكم الله به فى كتابه رجاء أن تتذكروا وتعتبروا وتعملوا بما أمرتم به وتجتنبوا ما نهيتم عنه أو رجاء أن يذكِّر بعضكم بعضا فإن التناصح واجب بين المسلمين .
اعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى خمسة أنواع من التكاليف، وهي أمور ظاهرة جلية لا حاجة فيها إلى الفكر والاجتهاد، ثم ذكر تعالى في هذه الآية أربعة أنواع من التكاليف، وهي أمور خفية يحتاج المرء العاقل في معرفته بمقدارها إلى التفكر، والتأمل والاجتهاد.
فالنوع الأولى: من التكاليف المذكورة في هذه الآية قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ .
واعلم أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إصلاح لهم خير ﴾ والمعنى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بأن يسعى في تنميته وتحصيل الربح به ورعاية وجوه الغبطة له، ثم إن كان القيم فقيراً محتاجاً أخذ بالمعروف، وإن كان غنياً فاحترز عنه كان أولى فقوله: ﴿ إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ معناه كمعنى قوله: ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ .
وأما قوله: ﴿ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ فالمعنى احفظوا ماله حتى يبلغ أشده، فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله.
وأما معنى الأشد وتفسيره: قال الليث: الأشد مبلغ الرجل الحكمة والمعرفة.
قال الفراء: الأشد.
وأحدها شد في القياس، ولم أسمع لها بواحد.
وقال أبو الهيثم: واحدة الأشد شدة كما أن واحدة الأنعم نعمة، والشدة: القوة والجلادة، والشديد الرجل القوي، وفسروا بلوغ الأشد في هذه الآية بالاحتلام بشرط أن يؤنس منه الرشد، وقد استقصينا في هذا الفصل في أول سورة النساء.
والنوع الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط ﴾ اعلم أن كل شيء بلغ تمام الكمال، فقد وفى وتم.
يقال: درهم واف، وكيل واف، وأوفيته حقه، ووفيته إذا أتممته، وأوفى الكيل إذا أتمه ولم ينقص منه شيئاً وقوله: ﴿ والميزان ﴾ أي الوزن بالميزان وقوله: ﴿ بالقسط ﴾ أي بالعدل لا بخس ولا نقصان.
فإن قيل: إيفاء الكيل والميزان، هو عين القسط، فما الفائدة في هذا التكرير؟
قلنا: أمر الله المعطي بإيفاء ذي الحق حقه من غير نقصاه، وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة.
واعلم أنه لما كان يجوز أن يتوهم الإنسان أنه يجب على التحقيق وذلك صعب شديد في العدل أتبعه الله تعالى بما يزيل هذا التشديد فقال: ﴿ لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ أي الواجب في إيفاء الكيل والوزن هذا القدر الممكن في إيفاء الكيل والوزن.
أما التحقيق فغير واجب.
قال القاضي: إذا كان تعالى قد خفف على المكلف هذا التخفيف مع أن ما هو التضييق مقدور له، فكيف يتوهم أنه تعالى يكلف الكافر الإيمان مع أنه لا قدرة له عليه؟
بل قالوا: يخلق الكفر فيه، ويريده منه، ويحكم به عليه، ويخلق فيه القدرة الموجبة لذلك الكفر، والداعية الموجبة له، ثم ينهاه عنه فهو تعالى لما لم يجوز ذلك القدر من التشديد والتضييق على العبد، وهو إيفاء الكيل والوزن على سبيل التحقيق، فكيف يجوز أن يضيف على العبد مثل هذا التضييق والتشديد؟
واعلم أنا نعارض القاضي وشيوخه في هذا الموضع بمسألة العلم ومسألة الداعي، وحينئذ ينقطع ولا يبقى لهذا الكلام رواء ولا رونق.
النوع الثالث: من التكاليف المذكورة في هذه الآية، قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ﴾ واعلم أن هذا أيضاً من الأمور الخفية التي أوجب الله تعالى فيها أداء الأمانة، والمفسرون حملوه على أداء الشهادة فقط، والأمر والنهي فقط، قال القاضي وليس الأمر كذلك بل يدخل فيه كل ما يتصل بالقول، فيدخل فيه ما يقول المرء في الدعوة إلى الدين وتقرير الدلائل عليه بأن يذكر الدليل ملخصاً عن الحشو والزيادة بألفاظ مفهومة معتادة، قريبة من الأفهام، ويدخل فيه أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقعاً على وجه العدل من غير زيادة في الإيذاء والإيحاش، ونقصان عن القدر الواجب، ويدخل فيه الحكايات التي يذكرها الرجل حتى لا يزيد فيها ولا ينقص عنها، ومن جملتها تبليغ الرسالات عن الناس، فإنه يجب أن يؤديها من غير زيادة ولا نقصان، ويدخل فيه حكم الحاكم بالقول، ثم إنه تعالى بين أنه يجب أن يسوي فيه بين القريب والبعيد، لأنه لما كان المقصود منه طلب رضوان الله تعالى لم يختلف ذلك بالقريب والبعيد.
والنوع الرابع: من هذه التكاليف قوله تعالى: ﴿ وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ ﴾ وهذا من خفيات الأمور لأن الرجل قد يحلف مع نفسه، فيكون ذلك الحلف خفياً، ويكون بره وحنثه أيضاً خفياً، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام قال: ﴿ ذلكم وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .
فإن قيل: فما السبب في أن جعل خاتمة الآية الأولى بقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ وخاتمة هذه الآية بقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .
قلنا: لأن التكاليف الخمسة المذكورة في الأولى أمور ظاهرة جلية، فوجب تعقلها وتفهمها وأما التكاليف الأربعة المذكورة في هذه الآية فأمور خفية غامضة، لابد فيها من الاجتهاد والفكر حتى يقف على موضع الاعتدال، فلهذا السبب قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ بالتخفيف والباقون ﴿ تذكرن ﴾ بتشديد الذال في كل القرآن وهما بمعنى واحد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ إلاّ بالخصلة التي هي أحسن ما يفعل بمال اليتيم، وهي حفظه وتثميره والمعنى: احفظوه عليه حتى يبلغ أشدّه فادفعوه إليه ﴿ بالقسط ﴾ بالسوية والعدل؛ ﴿ لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ إلاّ ما يسعها ولا تعجز عنه.
وإنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك؛ لأن مراعاة الحدّ من القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج، فأمر ببلوغ الوسع وأن ما وراءه معفوٌّ عنه ﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ﴾ ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة القاتل، فما ينبغي أن يزيد في القول أو ينقص، كقوله: ﴿ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين ﴾ [النساء: 135] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ أيْ بِالفِعْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ ما يَفْعَلُ بِمالِهِ كَحِفْظِهِ وتَثْمِيرِهِ.
﴿ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ﴾ حَتّى يَصِيرَ بالِغًا، وهو جَمْعُ شِدَّةٍ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ أوْ شَدٍّ كَصَرٍّ وأصُرٍّ وقِيلَ مُفْرَدٌ كَأنَّكَ.
﴿ وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ﴾ بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ.
﴿ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ إلّا ما يَسَعُها ولا يَعْسُرُ عَلَيْها، وذَكَرَهُ عَقِيبَ الأمْرِ مَعْناهُ أنَّ إيفاءَ الحَقِّ عُسْرٌ عَلَيْكم فَعَلَيْكم بِما في وُسْعِكم وما وراءَهُ مَعْفُوٌّ عَنْكم.
﴿ وَإذا قُلْتُمْ ﴾ في حُكُومَةٍ ونَحْوِها.
﴿ فاعْدِلُوا ﴾ فِيهِ.
﴿ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ﴾ ولَوْ كانَ المَقُولُ لَهُ أوْ عَلَيْهِ مِن ذَوِي قَرابَتِكم.
﴿ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا ﴾ يَعْنِي ما عُهِدَ إلَيْكم مِن مُلازَمَةِ العَدْلِ وتَأْدِيَةِ أحْكامِ الشَّرْعِ.
﴿ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ تَتَّعِظُونَ بِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ والكِسائِيُّ تَذَكَّرُونَ بِتَخْفِيفِ الذّالِ حَيْثُ وقَعَ إذا كانَ بِالتّاءِ والباقُونَ بِتَشْدِيدِها.
<div class="verse-tafsir"
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)
{ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أَحْسَنُ} إلا بالخصلة التي هي أحسن وهي حفظه وتثميره {حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} أشده مبلغ حلمه فادفعوه إليه وواحده شد كفلس وأفلس {وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط} بالسوية والعدل {لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} إلا ما يسعها ولا تعجز عنه وإنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك لأن مراعاة الحد من القسط الذى لا زيادة ولا نقصان مما فيه حرج فأمر
الأنعام ١٤٦ ١٤٩ ببلوغ الوسع وأن ما وراءه معفو عنه {وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا} فاصدقوا {وَلَوْ كَانَ ذَا قربى} ولو كان المقوم له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة للقائل كقوله {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين} وَبِعَهْدِ الله يوم الميثاق أو في الأمر والنهي والوعد والوعيد والنذر واليمين {أَوْفُواْ ذلكم} أى مامر {وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} بالتخفيف حيث كان حمزة وعلي وحفص على حذف إحدى التاءين غيرهم بالتشديد أصله تتذكرون فأدغم التاء الثانية في الذال أي أمركم به لتتعظوا
﴿ ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ ﴾ أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ أيْ بِالفِعْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ ما يُفْعَلُ بِمالِهِ كَحِفْظِهِ وتَثْمِيرِهِ وقِيلَ: المُرادُ لا تَقْرَبُوا مالَهُ إلّا وأنْتُمْ مُتَّصِفُونَ بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ في مَصْلَحَتِهِ فَمَن لَمْ يَجِدْ نَفْسَهُ عَلى أحْسَنِ الخِصالِ يَنْبَغِي أنْ لا يَقْرَبَهُ وفِيهِ بُعْدٌ والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ﴾ فَإنَّهُ غايَةٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ لا لِلنَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: احْفَظُوهُ حَتّى يَبْلُغَ فَإذا بَلَغَ فَسَلِّمُوهُ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ ﴾ والأشُدُّ عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: هو مُفْرَدُ كَأنَّكَ ولَمْ يَأْتِ في المُفْرَداتِ عَلى هَذا الوَزْنِ غَيْرُهُما وقِيلَ: هو جَمْعُ شِدَّةٍ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ وقُدِّرَ فِيهِ زِيادَةُ الهاءِ لِكَثْرَةِ جَمْعِ فَعَلٍ عَلى أفْعُلٍ كَقَدَحٍ وأقْدُحٍ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ جَمْعُ شُدٍّ بِضَمِّ الشِّينِ كَوُدٍّ وأوُدٍّ وقِيلَ جَمْعُ شَدٍّ بِفَتْحِها وأيًّا ما كانَ فَهو مِنَ الشِّدَّةِ أيِ القُوَّةِ أوِ الِارْتِفاعِ مِن شَدَّ النَّهارُ إذا ارْتَفَعَ ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ.
عَهْدِي بِهِ شَدُّ النَّهارِ كَأنَّما خَضَّبَ البَنانَ ورَأْسَهُ بِالعَظْلَمِ .
والمُرادُ بِبُلُوغِ الأشُدِّ عِنْدَ الشَّعْبِيِّ وجَماعَةٍ بُلُوغُ الحُلُمِ وقِيلَ: أنْ يَبْلُغَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وقالَ السُّدِّيُّ: أنْ يَبْلُغَ ثَلاثِينَ إلّا أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ ﴾ وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في زَمَنِ دَفْعِ مالِ اليَتِيمِ إلَيْهِ وأشْبَعْنا الكَلامَ في تَحْقِيقِ الحَقِّ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿ وأوْفُوا ﴾ أيْ أتِمُّوا ﴿ الكَيْلَ ﴾ أيِ المَكِيلَ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ ﴿ والمِيزانَ ﴾ كَذَلِكَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ مَكِيلَ الكَيْلِ ومَوْزُونَ المِيزانِ ﴿ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ أوْفُوا ﴾ أيْ مُقْسِطِينَ وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ تامًّا ولَعَلَّ الإتْيانَ بِهَذِهِ الحالِ لِلتَّأْكِيدِ.
وفِي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ فَإنْ قِيلَ: إيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ هو عَيْنُ القِسْطِ فَما الفائِدَةُ مِنَ التَّكْرِيرِ قُلْنا: أمْرُ اللَّهِ تَعالى المُعْطِي بِإيفاءِ ذِي الحَقِّ حَقَّهُ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ وأمْرُ صاحِبِ الحَقِّ بِأخْذِ حَقِّهِ مِن غَيْرِ طَلَبِ الزِّيادَةِ فَتَدَبَّرْ.
﴿ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ إلّا ما يَسَعُها ولا يَعْسُرُ عَلَيْها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها عَقِيبَ الأمْرِ بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ بِالعَدْلِ لِلتَّرْخِيصِ فِيما خَرَجَ عَنِ الطّاقَةِ لِما أنَّ في مُراعاةِ ذَلِكَ كَما هو حَرَجًا مَعَ كَثْرَةِ وُقُوعِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَلَيْكم بِما في وُسْعِكم في هَذا الأمْرِ وما وراءَهُ مَعْفُوٌّ عَنْكم وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جِيءَ بِها لِتَهْوِينِ أمْرِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكْلِيفاتِ لِيُقْبِلُوا عَلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ: جَمِيعُ ما كَلَّفْناكم بِهِ مُمْكِنٌ غَيْرُ شاقٍّ ونَحْنُ لا نُكَلِّفُ ما لا يُطاقُ ﴿ وإذا قُلْتُمْ ﴾ قَوْلًا في حُكُومَةٍ أوْ شَهادَةٍ أوْ نَحْوِهِما ﴿ فاعْدِلُوا ﴾ فِيهِ وقُولُوا الحَقَّ ﴿ ولَوْ كانَ ﴾ المَقُولُ لَهُ أوْ عَلَيْهِ ﴿ ذا قُرْبى ﴾ أيْ صاحِبَ قَرابَةٍ مِنكم ﴿ وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا ﴾ أيْ ما عَهِدَ إلَيْكم مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ أوْ أيِّ عَهْدٍ كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ ما عاهَدْتُمُ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ مِن أيْمانِكم ونُذُورِكم والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وتَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أيْ ما فُصِّلَ مِنَ التَّكالِيفِ الجَلِيلَةِ ﴿ وصّاكم بِهِ ﴾ أمَرَكم بِهِ أمْرًا مُؤَكَّدًا ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ (152) ما في تَضاعِيفِهِ وتَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ( تَذَكَّرُونَ ) بِتَخْفِيفِ الذّالِ والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ في كُلِّ القُرْآنِ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ.
وخُتِمَتِ الآيَةُ الأوْلى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ وهَذِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ وقَتْلِ الأوْلادِ وقُرْبانِ الزِّنا وقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ غَيْرَ مُسْتَنْكِفِينَ ولا عاقِلِينَ قُبْحَها فَنَهاهم سُبْحانَهُ لَعَلَّهم يَعْقِلُونَ قُبْحَها فَيَسْتَنْكِفُوا عَنْها ويَتْرُكُوها وأمّا حِفْظُ أمْوالِ اليَتامى عَلَيْهِمْ وإيفاءُ الكَيْلِ والعَدْلُ في القَوْلِ والوَفاءُ بِالعَهْدِ فَكانُوا يَفْعَلُونَهُ ويَفْتَخِرُونَ بِالِاتِّصافِ بِهِ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ لَعَلَّهم يَذْكُرُونَ إنْ عَرَضَ لَهم نِسْيانٌ قالَهُ القُطْبُ الرّازِيُّ: ثُمَّ قالَ فَإنْ قُلْتَ إحْسانُ الوالِدَيْنِ مِن قَبِيلِ الثّانِي أيْضًا فَكَيْفَ ذُكِرَ مِنَ الأوَّلِ قُلْتُ: أعْظَمُ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى ويَتْلُوها نِعْمَةُ الوالِدَيْنِ لِأنَّهُما المُؤَثِّرانِ في الظّاهِرِ ومِنهُما نِعْمَةُ التَّرْبِيَةِ والحِفْظِ عَنِ الهَلاكِ في وقْتِ الصِّغَرِ فَلَمّا نَهى عَنِ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى نَهى بَعْدَهُ عَنِ الكُفْرانِ في نِعْمَةِ الأبَوَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَرْتَكِبُوا الكُفْرانَ فَبِطَرِيقِ الأوْلى أنْ لا يَرْتَكِبُوا الكُفْرَ.
وقالَ الإمامُ: السَّبَبُ في خَتْمِ كُلِّ آيَةٍ بِما خُتِمَتْ أنَّ التَّكالِيفَ الخَمْسَةَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ الأُولى ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ فَوَجَبَ تَعَقُّلُها وتَفَهُّمُها والتَّكالِيفَ الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورٌ خَفِيَّةٌ غامِضَةٌ لا بُدَّ فِيها مِنَ الِاجْتِهادِ والفِكْرِ الكَثِيرِ حَتّى يَقِفَ عَلى مَوْضِعِ الِاعْتِدالِ وهو التَّذَكُّرُ.
انْتَهى.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ أكْثَرَ التَّكْلِيفاتِ الأُوَلِ أُدِّيَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ وهو في مَعْنى المَنعِ والمَرْءُ حَرِيصٌ عَلى ما مُنِعَ فَناسَبَ أنْ يُعَلَّلَ الإيصاءُ بِذَلِكَ بِما فِيهِ إيماءٌ إلى مَعْنى المَنعِ والحَبْسِ وهَذا بِخِلافِ التَّكْلِيفاتِ الأُخَرِ فَإنَّ أكْثَرَها قَدْ أُدِّيَ بِصِيغَةِ الأمْرِ ولَيْسَ المَنعُ فِيهِ ظاهِرًا كَما في النَّهْيِ فَيَكُونُ تَأْكِيدُ الطَّلَبِ والمُبالَغَةُ فِيهِ لِيَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ ويَتَذَكَّرَ إذا نَسِيَ فَلْيُتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ يعني: قل لمالك بن عوف وأصحابه الذين يحرمون الأشياء على أنفسهم، وقالوا ما قالوا أبيّن لكم ما حرم الله عليكم وما أمركم به أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً يقال: معناه أتل ما حرم ربكم عليكم، فقد تم الكلام.
ثم قال: وأمركم أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً يقول: نهاكم عن عقوق الوالدين، وأمركم ببرهم، ويقال: معناه حرم عليكم ألا تشركوا به شيئاً.
ويقال: معناه حرم عليكم الشرك.
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً يعني: أمركم بالإحسان إلى الوالدين وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ يعني: من خشية الفقر نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ زنى السر والعلانية وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ يعني: إلا بالقصاص أو بالرجم أو بترك الإسلام، فإنّ القتل بهذه الأشياء من الحقوق ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ يقول: أمركم به في القرآن لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أمر الله بما حرمه في هذه الآيات.
وروي عن عبد الله بن قيس عن ابن عباس قال: هذه الآيات المحكمات: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ إلى ثلاث آيات وقال الربيع بن خثيم لرجل: هل لك في صحيفة عليها خاتم محمد ؟
ثم قرأ هذه الآيات قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ويقال: هذه الآيات هن أم الكتاب، وهن إمام في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ولا يجوز أن يرد عليها النسخ.
ثم قال: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ يقول: لا تأكلوا مال اليتيم ولا تباشروه إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني: إلا بالقيام عليه لإصلاح ماله حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ يعني: احفظوا ماله حتى يبلغ رشده.
قال مقاتل: يعني ثماني عشرة سنة.
وقال الكلبي: الأشُدُّ ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة.
ويقال: حتى يبلغ مبلغ الرجل.
ويقال: بلوغ الأشد ما بين ثماني عشرة إلى أربعين سنة.
ثم قال: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ يعني: أتموا الكيل والميزان عند البيع والشراء بِالْقِسْطِ يعني: بالعدل لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها يعني: إلا جهدها في العدل يعني: إذا اجتهد الإنسان في الكيل والوزن، فلو وقعت فيه زيادة قليلة أو نقصان، فإنه لا يؤاخذ به إذا اجتهد جهده وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا يعني: اصدقوا وقولوا الحق وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى يعني وإن كان الحق على ذي قرابة، فقولوا الحق، ولا تمنعوا الحق وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا يقول: أتموا العهود التي بينكم وبين الله.
والعهد الذي بينكم وبين الناس.
ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ يقول: أمركم به في الكتاب لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يعني: تتعظون فتمتنعون عما حرم الله عليكم.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص تَذَكَّرُونَ بتخفيف الذال.
وقرأ الباقون بالتشديد.
لأن أصله تتذكرون.
فأدغم إحدى التاءين في الذال.
قوله تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً قرأ حمزة والكسائي وإن هذا بكسر الألف على معنى الابتداء.
وقرأ الباقون بالنصب على معنى البناء.
وقرأ ابن عامر وَأَنَّ هذا بجزم النون.
لأن أن إذا خففت منعت عملها.
ومعنى الآية: إن هذا الإسلام ديني الذي ارتضيته طريقاً مستقيما فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ يعني: لا تتبعوا اليهودية والنصرانية.
ويقال: هذا صراطي مستقيماً.
يعني: طريق السنة والجماعة فاتبعوه ولا تتبعوا السبل يعني: الأهواء المختلفة.
وروي عن عبد الله بن مسعود : إن النبي خطَّ بالأرض خطاً مستقيماً، ثم خطّ بجنبيه خطوطاً، ثم قال: هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل يعني: الطريق الذي بجنبي الخط، يعني به: الأهواء المختلفة.
ثم قال: فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ يعني: فيضلكم عن دينه ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ يعني يجتنبون الأهواء المختلفة.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)
وقوله سبحانه: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً: هذا أمر من اللَّه عزَّ وجلَّ لنبيِّه- عليه السلام- أنْ يدعو جميع الخَلْق إلى سماع تلاوة ما حَرَّم اللَّه بشَرْع الإسلام المبعوثِ به إلى الأسود والأحمر، وما نصبَتْ بقوله: أَتْلُ، وهي بمعنى «الَّذِي» ، و «أنْ» ، في قوله: أَلَّا تُشْرِكُوا في موضع رفع، التقدير: الأمر أنْ، أو ذَاكَ أنْ، وقال كعب الأحبار: هذه الآية هي مفتتحُ التوراة: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ...
» إلى آخر الآيات «١» ، وقال ابن عباس: هذه الآيات هي المحْكَمَات المذْكُورة في آل عمران، اجتمعت عليها شرائعُ الخَلْقِ، ولم تنسخ قطُّ في «٢» ملة، وقد قيل: إنها العَشْر الكلمات المنزَّلة على موسى، والإملاق: الفَقْر وعدَمُ المال قاله ابن عباس وغيره، قال القُشَيْريُّ: خوفُ الفقر قرينةُ الكفر، وحُسْنُ الثقةِ بالرَّبِّ سبحانه نتيجةُ الأَيمان.
انتهى من «التحبير» .
وقوله سبحانه: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
، قال مجاهد: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
: التجارة فيه «٣» ، والأَشُدُّ هنا: الحَزْمُ والنظرُ في الأمور وحُسْنُ التصرُّف فيها، وليس هذا بالأَشُدِّ المقرونِ بالأربعين، بل هذا يكون مع صِغَر السِّنِّ في ناسٍ كثيرٍ.
وقوله سبحانه: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ
: أمر بالاعتدال.
وقوله سبحانه: لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
: يقتضي أن هذه الأوامر إنما هِيَ فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفّظ والتحرّز.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أكْلُ الوَصِيِّ المُصْلِحِ لَلْمالِ بِالمَعْرُوفِ وقْتَ حاجَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: التِّجارَةُ فِيهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ حَفِظَهُ لَهُ إلى وقْتِ تَسْلِيمِهِ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ حِفْظُهُ عَلَيْهِ، وتَثْمِيرُهُ لَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ: و"حَتّى" مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى؛ فالمَعْنى: احْفَظُوهُ عَلَيْهِ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ، فَإذا بَلَغَ أشُدَّهُ، فادْفَعُوهُ إلَيْهِ.
فَأمّا الأشُدُّ، فَهو اسْتِحْكامُ قُوَّةِ الشَّبابِ والسِّنِّ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى الآَيَةِ: حَتّى يَتَناهى في النَّباتِ إلى حَدِّ الرِّجالِ.
يُقالُ: بَلَغَ أشُدَّهُ: إذا انْتَهى مُنْتَهاهُ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ في النُّقْصانِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأشُدُّ لا واحِدَ لَهُ مِنهُ؛ فَإنْ أُكْرِهُوا عَلى ذَلِكَ، قالُوا: شَدَّ، بِمَنزِلَةِ: ضَبَّ، والجُمَعُ: أضُبُّ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقالَ جَماعَةٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: واحِدُ الأشُدِّ: شُدٌّ، بِضَمِّ الشِّينِ.
وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: واحِدُ الأشُدِّ: شِدَّةٌ، كَقَوْلِهِمْ: نِعْمَةٌ، وأنْعُمٌ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الأشُدُّ: اسْمٌ لا واحِدَ لَهُ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في الأشُدِّ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، رَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ما بَيْنَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ إلى ثَلاثِينَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ عَلَيْها السَّلامُ.
والرّابِعُ: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ.
والخامِسُ: خَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والسّادِسُ: أرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
والسّابِعُ: ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وقالَ: ثُمَّ جاءَ بَعْدَ هَذِهِ الآَيَةِ: ﴿ حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ ﴾ فَكَأنَّهُ يُشِيرُ إلى النُّسَخِ.
والثّامِنُ: بُلُوغُ الحُلُمِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والشَّعْبِيُّ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ورَبِيعَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ، وهو الصَّحِيحُ.
ولا أظُنُّ بِالَّذِينِ حَكَيْنا عَنْهُمُ الأقْوالَ الَّتِي قَبْلَهُ فَسَّرُوا هَذِهِ الآَيَةَ بِما ذُكِرَ عَنْهم، وإنَّما أظُنُّ أنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا التَّفاسِيرَ، نَقَلُوا هَذِهِ الأقْوالَ مِن تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: " ولِما بَلَغَ أشَدّه " [يُوسُفَ:٢٢، والقَصَصِ:١٤] إلى هَذا المَكانِ؛ وذَلِكَ نِهايَةُ الأشُدِّ، وهَذا ابْتِداءُ تَمامِهِ؛ ولَيْسَ هَذا مِثْلُ ذاكَ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَرَكَ ذِكْرَهُ اكْتِفاءً بِدَلالَةٍ ما ظَهَرَ عَمّا حَذَفَ، لِأنَّ المَعْنى: حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ؛ فَإذا بَلَغَ أشُدَّهُ، فَآَنَسْتُمْ مِنهُ رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِ مالَهُ.
قالَ المُصَنَّفُ: إنْ أرادَ بِما ظَهَرَ ما ظَهَرَ في هَذِهِ الآَيَةِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ وإنَّما اسْتُفِيدَ إيناسُ الرُّشْدِ والإسْلامِ مِن آَيَةٍ أُخْرى؛ وإنَّما أُطْلِقَ في هَذِهِ الآَيَةِ ما قُيِّدَ في غَيْرِها، فَحَمْلَ المُطْلَقَ عَلى المُقَيَّدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوْفُوا الكَيْلَ ﴾ أيْ: أتِمُّوهُ ولا تُنْقِصُوا مِنهُ.
والمِيزان أيْ: وزَنَ المِيزانَ.
والقِسْطُ: العَدْلُ.
﴿ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ أيْ: ما يَسَعُها، ولا تَضِيقُ عَنْهُ.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: لَمّا كانَ الكَيْلُ والوَزْنُ يَتَعَذَّرُ فِيهِما التَّحْدِيدُ بِأقَلِّ القَلِيلِ، كَلَّفَنا الِاجْتِهادُ في التَّحَرِّي، دُونَ تَحْقِيقِ الكَيْلِ والوَزْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ﴾ أيْ: إذا تَكَلَّمْتُمْ أوْ شَهِدْتُمْ، فَقُولُوا الحَقَّ، وَلَوْ كانَ المَشْهُودُ لَهُ أوْ عَلَيْهِ ذا قَرابَةٍ.
وعَهْدُ اللَّهِ يَشْتَمِلُ عَلى ما عَهِدَهُ إلى الخَلْقِ وأوْصاهم بِهِ، وعَلى ما أوْجَبَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ مِن نَذْرٍ وغَيْرِهِ.
﴿ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ: لَتُذَكِّرُوهُ وتَأْخُذُوا بِهِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَذْكُرُونَ"[الأنْعامِ:١٥٣] "وَيَذْكُرُونَ"[الأنْعامِ:١٢٦] "وَيَذْكُرُ الإنْسانُ"[مَرْيَمَ:٦٧] و أنْ يَذْكُرَ [الفَرْقانِ:٦٢]، و"لِيَذْكُرُوا"[الإسْراءِ: ٤١] مُشَدِّدًا ذَلِكَ كُلَّهُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ كُلُّ ذَلِكَ بِالتَّشْدِيدِ إلّا قَوْلُهُ: ﴿ أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ ﴾ فَإنَّهم خَفَّفُوهُ.
رَوى أبانُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "يَذْكُرُونَ" خَفِيفَةَ الذّالِ في جَمِيعِ القُرْآَنِ.
قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ:" يُذَكِّرُونَ" مُشَدَّدًا إذا كانَ بِالياءِ، ومُخَفَّفًا إذا كانَ بِالتّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى وبِعَهْدِ اللهِ أوفُوا ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ هَذا نَهْيٌ عَنِ القُرْبِ الَّذِي يَعُمُّ وُجُوهُ التَصَرُّفِ؛ وفِيهِ سَدُّ الذَرِيعَةِ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى ما يَحْسُنُ؛ وهو التَثْمِيرُ؛ والسَعْيُ في نَمائِهِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: اَلَّتِي هي أحْسَنُ: اَلتِّجارَةُ فِيهِ؛ مِمَّنْ كانَ مِنَ الناظِرِينَ لَهُ مالٌ يَعِيشُ بِهِ؛ فالأحْسَنُ - إذا ثَمَرَ مالُ يَتِيمٍ - ألّا يَأْخُذُ مِنهُ نَفَقَةً؛ ولا أُجْرَةً ولا غَيْرَها؛ مَن كانَ مِنَ الناظِرِينَ لا مالَ لَهُ؛ ولا يَتَّفِقُ لَهُ نَظَرٌ إلّا بِأنْ يُنْفِقَ عَلى نَفْسِهِ مِن رِبْحِ نَظَرِهِ؛ وإلّا دَعَتْهُ الضَرُورَةُ إلى تَرْكِ مالِ اليَتِيمِ دُونَ نَظَرٍ؛ فالأحْسَنُ أنْ يَنْظُرَ؛ ويَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ؛ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
و"اَلْأشُدُّ": جَمْعُ "شَدٌّ"؛ وجَمْعُ "شِدَّةٌ"؛ وهو هُنا الحَزْمُ؛ والنَظَرُ في الأُمُورِ؛ وحُسْنُ التَصَرُّفِ فِيها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ هَذا بِالأشُدِّ المَقْرُونِ بِبُلُوغِ الأرْبَعِينَ؛ بَلْ هَذا يَكُونُ مَعَ صِغَرِ السِنِّ في ناسٍ كَثِيرٍ؛ وتِلْكَ الأشُدُّ هي التَجارِبُ؛ والعَقْلُ المُحَنَّكُ؛ ولَكِنْ قَدْ خَلَطَهُما المُفَسِّرُونَ؛ وقالَ رَبِيعَةُ؛ والشَعْبِيُّ ؛ ومالِكٌ - فِيما رُوِيَ عنهُ -؛ وأبُو حَنِيفَةَ: بُلُوغُ الأشُدِّ: اَلْبُلُوغُ مَعَ ألّا يَثْبُتَ سَفَهٌ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْأشُدُّ: ثَلاثُونَ سَنَةً؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ سَنَةً؛ وحَكى الزَجّاجُ عن فِرْقَةٍ: ثَمانِيَةَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ وضَعَّفَهُ؛ ورَجَّحَ البُلُوغَ مَعَ الرُشْدِ؛ وحَكى النَقّاشُ أنَّ الأشُدَّ هُنا: مِن خَمْسَ عَشْرَةَ؛ إلى ثَلاثِينَ؛ والفِقْهُ ما رَجَّحَ الزَجّاجُ ؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: اَلرُّشْدُ؛ وزَوالُ السَفَهِ؛ مَعَ البُلُوغِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ؛ وألْيَقُها بِهَذا المَوْضِعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَأوفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ بِالِاعْتِدالِ في الأخْذِ؛ والإعْطاءِ؛ و"اَلْقِسْطُ": اَلْعَدْلُ؛ وقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الأوامِرَ إنَّما هي فِيما يَقَعُ تَحْتَ قُدْرَةِ البَشَرِ؛ مِنَ التَحَفُّظِ؛ والتَحَرُّزِ؛ لا أنَّهُ مُطالَبٌ بِغايَةِ العَدْلِ في نَفْسِ الشَيْءِ المُتَصَرِّفِ فِيهِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: لَمّا كانَ الَّذِي يُعْطِي ناقِصًا يَتَكَلَّفُ في ذَلِكَ مَشَقَّةً؛ والَّذِي يُعْطِي زائِدًا يَتَكَلَّفُ أيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ؛ رَفَعَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - الأمْرَ بِالمُعادَلَةِ؛ حَتّى لا يَتَكَلَّفَ واحِدٌ مِنهُما مَشَقَّةً.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ﴾ ؛ يَتَضَمَّنُ الشَهاداتِ؛ والأحْكامَ؛ والتَوَسُّطَ بَيْنَ الناسِ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ أيْ: ولَوْ كانَ مَيْلُ الحَقِّ عَلى قَراباتِكم.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَبِعَهْدِ اللهِ ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ جَمِيعُ ما عَهِدَهُ اللهُ تَعالى إلى عِبادِهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ جَمِيعُ ذَلِكَ؛ مَعَ جَمِيعِ ما انْعَقَدَ بَيْنَ إنْسانَيْنِ؛ ويُضافُ إلى ذَلِكَ العَهْدُ إلى اللهِ تَعالى ؛ مِن حَيْثُ قَدْ أمَرَ تَعالى بِحِفْظِهِ والوَفاءِ بِهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "لَعَلَّكُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِحَسَبِنا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "تَذَّكَّرُونَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ والكافِ؛ جَمِيعًا؛ وكَذَلِكَ "يَذَّكَّرُونَ"؛ و"يَذَّكَّرُ الإنْسانُ"؛ وما جَرى مِن ذَلِكَ مُشَدَّدًا كُلُّهُ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنِ عامِرٍ ؛ كُلَّ ذَلِكَ بِالتَشْدِيدِ؛ إلّا قَوْلَهُ تَعالى "أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ"؛ فَإنَّهم خَفَّفُوها؛ ورَوى أبانُ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "تَذْكُرُونَ"؛ خَفِيفَةَ الذالِ؛ في كُلِّ القُرْآنِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تَذَكَّرُونَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ؛ إذا كانَ الفِعْلُ بِالتاءِ؛ وإذا كانَ بِالياءِ قَرَأهُ بِالتَشْدِيدِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ؛ في سُورَةِ "اَلْفُرْقانِ": "لِمَن أرادَ أنْ يَذْكُرَ"؛ بِسُكُونِ الذالِ؛ وتَخْفِيفِ الكافِ؛ وقَرَأ ذَلِكَ الكِسائِيُّ ؛ بِتَشْدِيدِهِما؛ وفَتْحِهِما.
﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ .
عطف جملة: ﴿ ولا تقربوا ﴾ على الجملة التي فَسَّرت فعل: ﴿ أتْلُ ﴾ [الأنعام: 151] عطف محرّمات ترجع إلى حفظ قواع التّعامل بين النّاس لإقامة قواعد الجامعة الإسلاميّة ومدنيتها وتحقيق ثقة النّاس بعضهم ببعض.
وابتدأها بحفظ حقّ الضّعيف الذي لا يستطيع الدّفع عن حقّه في ماله، وهو اليتيم، فقال: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ والقِربان كناية عن ملابسة مال اليتيم.
والتّصرّف فيه كما تقدّم آنفاً في قوله: ﴿ ولا تقربوا الفواحش ﴾ [الأنعام: 151].
ولمَّا اقتضى هذا تحريم التصرّف في مال اليتيم، ولو بالخزن والحفظ، وذلك يعرّض ماله للتّلف، استُثني منه قوله: ﴿ إلا بالتي هي أحسن ﴾ أي إلاّ بالحالة التي هي أحسن، فاسم الموصول صفة لموصوف محذوف يقدّر مناسباً للموصول الذي هو اسم للمؤنَّث، فيقدر بالحالة أو الخَصلة.
والباء للملابسة، أي إلاّ ملابسين للخصلة أو الحالة التي هي أحسن حالات القرب، ولك أن تقدّره بالمرّة من: ﴿ تقربوا ﴾ أي إلاّ بالقَربة التي هي أحسن.
وقد التزم حذف الموصوف في مثل هذا التّركيب واعتباره مؤنَّثاً يجري مجرى المثل، ومنه قوله تعالى: ﴿ ادفع بالتي هي أحسن السيئة ﴾ [المؤمنون: 96] أي بالخصلة الحسنة ادفَعْ السيّئة، ومن هذا القبيل أنَّهم أتوا بالموصول مؤنَّثاً وصفاً لمحذوف ملتزم الحذف وحذفوا صلته أيضاً في قولهم في المثل: «بعد اللَّتَيَّا والتي»، أي بعد الدّاهية الحقيرة والدّاهية الجليلة كما قال سُلْمِيّ بنُ ربيعةَ الضبِّي: ولقد رأبْتُ ثَأى العشيرة بينَها *** وكفيتُ جانبها اللَّتَيَّا والتِي و ﴿ أحسنُ ﴾ اسم تفضيل مسلوب المفاضلة، أي الحسنة، وهي النّافعة التي لا ضرّ فيها لليتيم ولا لِماله.
وإنَّما قال هنا: ﴿ ولا تقربوا ﴾ تحذيراً من أخذ ماله ولو بأقلّ أحوال الأخذ لأنَّه لا يدفع عن نفسه، ولذلك لم يقل هنا: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ والأشُدّ: اسم يدلّ على قوّة الإنسان، وهو مشتقّ من الشدّ وهو التوثّق، والمراد به في هذه الآية ونظائرها، ممّا الكلام فيه على اليتيم، بلوغه القوّة التي يخرج بها من ضعف الصّبا، وتلك هي البلوغ مع صحّة العقل، لأنّ المقصود بلوغه أهليّة التصرّف في ماله.
وما منع الصّبي من التصرّف في المال إلاّ لضعف في عقله بخلاف المراد منه في أوصاف الرّجال فإنَّه يُعنى به بلوغ الرجل منتهى حدّ القوّة في الرّجال وهو الأربعون سنة إلى الخمسين قال تعالى: ﴿ حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ﴾ [الأحقاف: 15] وقال سُحيم بن وَثيل: أخُو خمسين مُجتمع أشُدّي *** وَنَجَّذني مداورة الشُّؤون والبلوغ: الوصول، وهو هنا مجاز في التدرّج في أطوار القوّة المخرِجة من وهن الصّبا.
و ﴿ حتى ﴾ غاية للمستثنى: وهو القربان بالتي هي أحسن، أي التصرّف فيه إلى أن يبلغ صاحبه أشدّه أي فيسلم إليه، كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿ فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ [النساء: 6] الآية.
ووجه تخصيص حقّ اليتيم في ماله بالحفظ: أنّ ذلك الحقّ مظنّة الاعتداء عليه من الولي، وهو مظنة انعدام المدافع عنه، لأنَّه ما من ضعيف عندهم إلاّ وله من الأقارب والموالي من يدفع عنه إذا استجاره أو استنجده، فأمّا اليتيم فإنّ الاعتداء عليه إنَّما يكون من أقرب النّاس إليه، وهو وليّه، لأنَّه لم يكن يلي اليتيم عندهم إلاّ أقرب النّاس إليه، وكان الأولياء يتوسّعون في أموال أيتامهم، ويعتدُون عليها، ويضيعون الأيتام لكيلا ينشأوا نشأة يعرفون بها حقوقهم، ولذلك قال تعالى: ﴿ ألم يجدك يتيماً فآوى ﴾ [الضحى: 6] لأنّ اليتيم مظنّة الإضاعة فلذلك لم يوص الله تعالى بمال غير اليتيم، لأنّ صاحبه يدفع عن نفسه، أو يستدفع بأوليائه ومنجديه.
﴿ وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط ﴾ .
عطف الأمر بإيفاء الكيل والميزان، وذلك في التّبايع، فقد كانوا يبيعون التّمر والزّبيب كيلاً، وكانوا يتوازنون الذّهب والفضّة، فكانوا يُطَفّفون حرصاً على الرّبح، فلذلك أمرهم بالوفاء.
وعدل عن أن يأتي فيه بالنَّهي عن التّطفيف كما في قول شعيب: ﴿ ولا تَنقصوا المكيال والميزان ﴾ [هود: 84] إشارة إلى أنَّهم مأمورون بالحدّ الذي يتحقّق فيه العدل وافياً، وعدمُ النّقص يساوي الوفاء، ولكن في اختيار الأمر بالإيفاء اهتماماً به لتكون النّفوس ملتفتة إلى جانب الوفاء لا إلى جانب ترك التّنقيص، وفيه تذكير لهم بالسّخاء الذي يتمادحُون به كأنَّه قيل لهم: أين سخاؤكم الذي تتنافسون فيه فهلا تظهرونه إذا كِلْتم أو وزنتم فتزيدوا على العدل بأن توفّروا للمُكتال كرماً بله أن تسرقوه حقّه.
وهذا تنبيه لهم على اختلال أخلاقهم وعدم توازنها.
والباء في قوله: ﴿ بالقسط ﴾ للملابسة والقسط العدل، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ قائماً بالقسط ﴾ في سورة آل عمران (18)، أي أوفوا متلبّسين بالعدل بأن لا تظلموا المكتال حقّه.
لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}.
ظاهر تعقيب جملة: ﴿ وأوفوا الكيل ﴾ إلخ بجملة: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ أنَّها متعلّقة بالتي وليتها فتكون احتراساً، أي لا نكلّفكم تمام القسط في الكيل والميزان بالحبّة والذرّة ولكنّا نكلّفكم ما تظنّون أنَّه عدل ووفاء.
والمقصود من هذا الاحتراسسِ أنّ لا يَترك النّاسُ التّعامل بينهم خشية الغلط أو الغفلة، فيفضي ذلك إلى تعطيل منافع جمّة.
وقد عدل في هذا الاحتراس عن طريق الغيبة الذي بُنيَ عليه المقول ابتداء في قوله: ﴿ ما حرم ربكم عليكم ﴾ [الأنعام: 151] لِما في هذا الاحتراس من الامتنان، فتولّى الله خطاب النّاس فيه بطريق التكلّم مباشرة زيادة في المنّة، وتصديقاً للمبلّغ، فالوصاية بإيفاء الكيل والميزان راجعة إلى حفظ مال المشتري في مظنّة الإضاعة، لأنّ حالة الكيل والوزن حالة غفلة المشتري، إذ البائع هو الذي بيده المكيال أو الميزان، ولأنّ المشتري لرغبته في تحصيل المكيل أو الموزون قد يتحمّل التّطفيف، فأوصِي البائع بإيفاء الكيل والميزان.
وهذا الأمر يدلّ بفحوى الخطاب على وجوب حفظ المال فيما هو أشدّ من التّطفيف، فإنّ التّطفيف إن هو إلاّ مخالسة قَدْر يسير من المبيع، وهو الذي لا يظهر حين التّقدير فأكل ما هو أكثر من ذلك من المال أوْلى بالحفظ، وتجنّب الاعتداء عليه.
ويجوز أن تكون جملة: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ تذييلاً للجمل التي قبلها، تسجيلاً عليهم بأنّ جميع ما دُعوا إليه هو في طاقتهم ومكنتهم.
وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ في آخر سورة البقرة (286).
وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى}.
هذا جامعٌ كلّ المعاملات بين النّاس بواسطة الكلام وهي الشّهادة، والقضاء، والتّعديل، والتّجريح، والمشاورة، والصّلح بين النّاس، والأخبار المخبِرة عن صفات الأشياء في المعاملات: من صفات المبيعات، والمؤاجرات، والعيوب؛ وفي الوعود، والوصايا، والأيمان؛ وكذلك المدائح والشّتائم كالقذف، فكلّ ذلك داخل فيما يصدر عن القول.
والعدل في ذلك أن لا يكون في القول شيء من الاعتداء على الحقوق: بإبطالها، أو إخفائها، مثل كتمان عيوب المبيع، وادّعاء العيوب في الأشياء السّليمة، والكذب في الأثمان، كأن يقول التّاجر: أُعطيت في هذه السلعة كذا، لثمن لم يُعْطَه، أو أنّ هذه السّلعة قامتْ علي بكذا.
ومنه التزام الصّدق في التّعديل والتّجريح وإبداء النّصيحة في المشاورة، وقول الحقّ في الصّلح.
وأمّا الشّهادة والقضاء فأمر العدل فيهما ظاهر، وإذا وَعَد القائل لا يُخلِف، وإذا أوْصَى لا يظلم أصحابَ حقوق الميراث، ولا يحلف على الباطل، وإذا مدحَ أحداً مدحه بما فيه، وأمَّا الشّتم فالإمساك عنه واجب ولو كان حقّاً فذلك الإمساك هو العدل لأنّ الله أمر به.
وفي التّعليق بأداة الشّرط في قوله: ﴿ وإذا قلتم ﴾ إشارة إلى أنّ المرء في سعة من السكوت إن خشي قولَ العدل.
وأمَّا أن يقول الجور والظّلم والباطل فليس له سبيل إلى ذلك، والكذب كلّه من القول بغير العدل، على أنّ من السكوت ما هو واجب.
وفي «الموطأ» أنّ رجلاً خطب إلى رجل أختَه فذكر الأخُ أنَّها قد كانت أحدثَتْ فبلغ ذلك عُمر بن الخطّاب فضربه أو كاد يضربه ثمّ قال: «مَالَك ولِلْخَبَر».
والواو في قوله: ﴿ ولو كان ﴾ واو الحال، ولو وصلية تفيد المبالغة في الحال التي من شأنها أن يظُنّ السّامع عدمَ شموللِ الحكم إيَّاها لاختصاصها من بين بقيّة الأحوال التي يشملها الحكم، وقد تقدّم بيانها عند قوله تعالى: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ﴾ في سورة آل عمران (91)، فإنّ حالة قرابة المقوللِ لأجله القولُ قد تحمل القائل على أن يقول غير العدل، لنفع قريبه أو مصانعته، فنبّهوا على وجوب التزام العدل في القول في تلك الحالة، فالضّمير المستتر في (كان) كائد إلى شيء معلوم من الكلام: أي ولو كان الذي تعلّق به القول ذا قربى.
والقربى: القرابة ويُعلم أنَّه ذو قرابة من القائل، أي إذا قلتم قولاً لأجله أو عليه فاعدلوا ولا تقولوا غير الحقّ، لا لدفع ضرّه بأن تغمصوا الحقّ الذي عليه، ولا لنفعه بأن تختلقوا له حقّاً على غيره أو تبرءوه ممّا صدر منه على غيره، وقد قال الله تعالى في العدل في الشّهادة والقضاء: ﴿ كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ﴾ [النساء: 135].
وقد جاء طلب الحقّ في القول بصيغة الأمر بالعدل، دون النّهي عن الظلم أو الباطل: لأنَّه قيّده بأداة الشّرط المقتضي لصدور القول: فالقول إذا صدر لا يخلو عن أن يكون حقّاً أو باطلاً، والأمر بأن يكون حقّاً أوفَى بمقصد الشّارع لوجهين: أحدهما: أنّ الله يحبّ إظهار الحقّ بالقول، ففي الأمر بأن يكون عدلاً أمر بإظهاره ونهي عن السّكوت بدون موجب.
الثّاني: أنّ النَّهي عن قول الباطل أو الزّور يصدق بالكلام الموجَّه الذي ظاهره ليس بحقّ، وذلك مذموم إلاّ عند الخوف أو الملاينة، أو فيما لا يرجع إلى إظهار حقّ، وتلك هي المعاريض التي ورد فيها حديث: «إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب».
ختم هذه المتلوات بالأمر بإيفاء العهد بقوله: ﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ .
وعهد الله المأمور بالإيفاء به هو كلّ عهد فيه معنى الانتساب إلى الله الذي اقتضته الإضافة، إذ الإضافة هنا يصحّ أن تكون إضافة المصْدر إلى الفاعل، أي ما عهد اللَّهُ به إليكم من الشّرائع، ويصحّ أن تكون إضافة المصدر إلى مفعوله، أي ما عاهدتم الله أن تفعلوه، والتزمتموه وتقلّدتموه، ويصحّ أن تكون الإضافة لأدنى ملابسة، أي العهد الذي أمر الله بحفظه، وحذر من ختره، وهو العهود التي تنعقد بين الناس بعضهم مع بعض سواء كان بين القبائل أم كان بين الآحاد.
ولأجل مراعاة هذه المعاني النّاشئة عن صلاحيّة الإضافة لإفادتها عُدِل إلى طريق إسناد اسم العهد إلى اسم الجلالة بطريق الإضافة دون طريق الفعل، بأن يقال: وبما عاهدتم الله عليه، أو نحن ذلك ما لا يحتمل إلاّ معنى واحداً.
وإذْ كان الخطاب بقوله: ﴿ تعالوا ﴾ [الأنعام: 151] للمشركين تعيّن أن يكون العهد شيئاً قد تقرّرت معرفته بينهم، وهو العهود التي يعقدونها بالموالاة والصّلح أو نحو ذلك فهو يدعوهم إلى الوفاء بما عاقدوا عليه.
وأضيف إلى الله لأنَّهم كانوا يتحالفون عند التّعاقد ولذلك يسمّون العهد حِلْفاً، قال الحارث بن حلِّزة: واذْكروا حِلْف ذي المجاز وما *** قُدم فيه العهودُ والكفلاء وقال عمرو بن كلثوم: ونُوجد نحن أمنعَهم ذماراً *** وأوفاهم إذا عقَدوا يميناً فالآية آمرة لهم بالوفاء، وكان العرب يتمادحون به.
ومن العهود المقرّرة بينهم: حلف الفضول، وحلف المطيَّبين، وكلاهما كان في الجاهليّة على نفي الظّلم والجور عن القاطنين بمكّة، وذلك تحقيق لعهد الله لإبراهيم عليه السّلام أن يجعل مكّة بلداً آمناً ومن دخله كان آمناً، وقد اعتدى المشركون على ضعفاء المؤمنين وظلموهم مثللِ عمار، وبلال، وعامر بن فهيرة، ونحوهم، فهو يقول لهم فيما يتلو عليهم أنّ خفر عهد الله بأمان مكّة، وخفر عهودكم بذلك، أولى بأن تحرّموه من مزاعمكم الكاذبة فيما حرّمتم وفصّلتم، فهذا هو الوجه في تفسير قوله: ﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ .
وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بأمر العهد وصرف ذهن السّامع عند، ليتقرّر في ذهنه ما يرد بعده من الأمر بالوفاء، أي إن كنتم تَرَون الوفاء بالعهد مدحة فعهد الله أولى بالوفاء وأنتم قد اخترتموه، فهذا كقوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ﴾ ثمّ قال ﴿ وصَدّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ﴾ [البقرة: 217] ﴿ ذلكم وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .
تكرار لقوله المماثل له قبله، وقد علمت أنّ هذا التّذييل ختم به صنف من أصناف الأحكام.
وجاء مع هذه الوصيّة بقوله: ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ لأنّ هذه المطالب الأربعة عرف بين العرب أنَّها محامد، فالأمر بها، والتّحريض عليها تذكير بما عرفوه في شأنها ولكنّهم تناسوه بغلبة الهوى وغشاوة الشّرك على قلوبهم.
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو جعفر، ويعقوبُ: تذّكرون بتشديد الذال لإدغام التّاء الثّانية في الذال بعد قلبها، وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص، وخلَف بتخفيف الذال على حذف التّاء ا- لثّانية تخفيفاً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ إنَّما خَصَّ مالَ اليَتِيمِ بِالذِّكْرِ وإنْ كانَ مالُ غَيْرِهِ في التَّحْرِيمِ بِمَثابَتِهِ، لِأنَّ الطَّمَعَ فِيهِ لِقِلَّةِ مَراعِيهِ أقْوى، فَكانَ بِالذِّكْرِ أوْلى.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: حِفْظُ مالِهِ عَلَيْهِ إلى أنْ يَكْبُرَ لِيَتَسَلَّمَهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ هو التِّجارَةُ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: هو ألّا يَأْخُذَ مِنَ الرِّبْحِ إذا اتَّجَرَ لَهُ بِالمالِ شَيْئًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: هو أنْ يَأْكُلَ الوَلِيُّ بِالمَعْرُوفِ مِن مالِهِ إنِ افْتَقَرَ، ويَتْرُكَ إنِ اسْتَغْنى، ولا يَتَعَدّى مِنَ الأكْلِ إلى اللِّباسِ ولا غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ الَّتِي هي أحْسَنُ: حِفْظُ أُصُولِهِ وتَثْمِيرُ فُرُوعِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ﴾ والأشُدُّ القُوَّةُ والشَّبابُ.
وَفي حَدِّها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الحُلُمُ حِينَ تُكْتَبُ لَهُ الحَسَناتُ وعَلَيْهِ السَّيِّئاتُ، قالَهُ رَبِيعَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومالِكٌ.
والثّانِي: أنَّ الأشُدَّ ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ الأشُدَّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ نَذْكُرُها مِن بَعْدُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ﴾ يَعْنِي بِالعَدْلِ، أُمِرَ في مالِ البائِعِ مِن تَأْدِيَةٍ بِمِثْلِ ما أُمِرَ بِهِ في مالِ اليَتِيمِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَمّا كانَ العَدْلُ في الوَزْنِ والكَيْلِ مُسْتَحَقًّا، وكانَ تَحْدِيدُ أقَلِّ القَلِيلِ مُتَعَذِّرًا، كانَ ذَلِكَ عَفْوًا، لِأنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُسْعِ فَلَمْ يُكَلِّفْهُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: إذا حَكَمْتُمْ فَأنْصِفُوا.
الثّانِي: إذا شَهِدْتُمْ فاصْدُقُوا.
الثّالِثُ: إذا تَوَسَّطْتُمْ فَلا تَمِيلُوا.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ عَهْدَ اللَّهِ كُلُّ ما أوْجَبَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ مِن نَذْرٍ وغَيْرِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ الحَلِفُ بِاللَّهِ أنْ يَلْزَمَ الوَفاءُ بِهِ إلّا في مَعْصِيَةٍ.
﴿ ذَلِكم وصّاكم بِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى الَّذِينَ هادُوا وما أوْصاهم بِهِ في التَّوْراةِ.
والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى المُسْلِمِينَ وما وصّاهم بِهِ في القُرْآنِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُرْآنُ.
والثّانِي: الشَّرْعُ وسُمِّيَ ذَلِكَ صِراطًا، والصِّراطُ هو الطَّرِيقُ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ فَصارَ طَرِيقًا إلَيْها.
﴿ فاتَّبِعُوهُ ﴾ يَعْنِي في العَمَلِ بِهِ.
﴿ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما تَقَدَّمَ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ نَسَخَها بِالقُرْآنِ، وهو مُحْتَمَلٌ.
والثّانِي: ما تَقَدَّمَ مِنَ الأدْيانِ المُتَقَدِّمَةِ نَسَخَها بِالإسْلامِ وهو مُحْتَمَلٌ.
والثّالِثُ: البِدَعُ والشُّبُهاتُ.
﴿ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ يَعْنِي عَنْ طَرِيقِ دِينِهِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنْ يَكُونَ سَبِيلُهُ نُصْرَةَ دِينِهِ وجِهادَ أعْدائِهِ، فَنَهى عَنِ التَّفَرُّقِ وأمَرَ بِالِاجْتِماعِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتماً فليقرأ هؤلاء الآيات ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ إلى قوله: ﴿ لعلهم يتقون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم م «أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟
ثم تلا ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ إلى ثلاث آيات، ثم قال فمن وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئاً فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه» .
وأخرج عبد بن حميد وأبو عبيد وابن المنذر عن منذر الثوري قال: قال الربيع بن خيثم: أيسرك أن تلقى صحيفة من محمد صلى الله عليه وسلم بخاتم؟
قلت: نعم فقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة الأنعام ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ إلى آخر الآيات.
وأخرج ابن شيبة وابن الضريس وابن المنذر عن كعب قال: أول ما نزل من التوراة عشر آيات، وهي العشر التي أنزلت من آخر الأنعام ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ إلى آخرها.
وأخرج أبو الشيخ عن عبيد الله بن عبد الله بن عدي بن الخيار قال: سمع كعب رجلاً يقرأ ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً ﴾ فقال كعب: والذي نفس كعب بيده أنها لأوّل آية في التوراة، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ إلى آخر الآيات.
وأخرج ابن سعد عن مزاحم بن زفر قال: قال رجل للربيع بن خيثم: أوصني.
قال: ائتني بصحيفة، فكتب فيها ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ الآيات.
قال إنما أتيتك لتوصيني؟!
قال: عليك بهولاء.
وأخرج أبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن علي بن أبي طالب قال: لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج إلى منى وأنا معه وأبو بكر، وكان أبو بكر رجلاً نسابة، فوقف على منازلهم ومضاربهم بمنى، فسلم عليهم وردوا السلام، وكان في القوم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مفروق، وكان مفروق قد غلب عليهم بياناً ولساناً، فالتفت إلى رسول الله صلى عليه وسلم فقال له: إلام تدعو يا أخا قريش؟
فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وقام أبو بكر يظله بثوبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ادعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واني رسول الله، وإن تأووني وتنصروني وتمنعوني حتى أؤدي حق الله الذي أمرني به» ، فإن قريشاً قد تظاهرت على أمر الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد.
قال له: وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش؟
فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً ﴾ إلى قوله: ﴿ تتقون ﴾ فقال له مفروق: وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإِحسان ﴾ [ النحل: 90] الآية.
فقال له مفروق: دعوت والله يا قريشي إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك؟
وقال هانئ بن قبيصة: قد سمعت مقالتك واستحسنت قولك يا أخا قريش، ويعجبني ما تكلمت به، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لم تلبثوا إلا يسيراً حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم يعني أرض فارس وأنهار كسرى ويفرشكم بناتهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟» فقال له النعمان بن شريك: اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ﴾ [ الأحزاب: 45] الآيه.
ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم قابضاً على يد أبي بكر.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ﴾ قال: من خشية الفاقة.
قال: وكان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته مخافة الفاقة عليها والسبا ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ قال: سرها وعلانيتها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ﴾ قال: خشية الفقر ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساً في السر ويستقبحونه في العلانية، فحرَّم الله الزنا في السر والعلانية.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها ﴾ قال: العلانية ﴿ وما بطن ﴾ قال: السر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أرأيتم الزاني والسارق وشارب الخمر ما تقولون فيهم؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: «هن فواحش وفيهن عقوبة» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حازم الرهاوي أنه سمع مولاه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «مسئلة الناس من الفواحش» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن جابر قال: بلغني من الفواحش التي نهى الله عنها في كتابه تزويج الرجل المرأة، فإذا نفضت له ولدها طلقها من غير ريبة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها ﴾ قال: نكاح الأمهات والبنات ﴿ وما بطن ﴾ قال: الزنا.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله: ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها ﴾ قال: ظلم الناس ﴿ وما بطن ﴾ قال: الزنا والسرقة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولا تقتلوا النفس ﴾ يعني نفس المؤمن التي حرم الله قتلها إلا بالحق.
وأخرج أحمد والنسائي وابن قانع والبغوي والطبراني وابن مردويه عن سلمة بن قيس الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع «ألا إنما هي أربع: لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، فما أنا بأشح عليهن مني إذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية في قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ قال طلب التجارة فيه والربح منه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ قال: يبتغي لليتيم في ماله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ قال: التي هي أحسن أن يأكل بالمعروف، إن افتقر وإن واستغنى فلا يأكل.
قال الله: ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ [ النساء: 6] فسئل عن الكسوة؟
فقال: لم يذكر الله كسوة وإنما ذكر الأكل.
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم ﴾ قال: ليس له أن يلبس من ماله قلنسوه ولا عمامة ولكن يده مع يده.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله: ﴿ حتى يبلغ أشده ﴾ قال: الأشد الحلم إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن قيس في قوله: ﴿ حتى يبلغ أشده ﴾ قال: خمس عشرة سنة.
وأخرج أبو الشيخ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن.
أنه كان يقول في هذه الآية: الأشد الحلم لقوله: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ [ النساء: 6] .
وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: الأشد: الحلم.
وأخرج ابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ فقال: من أوفى على يديه في الكيل والميزان والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما لم يؤاخذ، وذلك تأويل وسعها.
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ﴾ يعني العدل ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ يعني إلا طاقتها.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ بالقسط ﴾ قال: بالعدل.
وأخرج الترمذي وضعفه وابن عدي وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر التجار إنكم قد وليتم أمراً هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم: المكيال والميزان» .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقص قوم المكيال والميزان إلا سلط الله عليهم الجوع» .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ﴾ قال: قولوا الحق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ﴾ يعني ولو كان قرابتك فقل فيه الحق.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذلكم وصاكم ﴾ به فضمن التحريم معنى الوصية، والوصية في المعنى أعمّ من التحريم، لأن الوصية تكون بتحريم وبتحليل، وبوجوب وندب، ولاينكر أن يريد بالتحريم، لأن الوصية تكون بتحريم وبتحليل، وبوجوب وندب، ولا ينكر أن يريد بالتحريم الوصية لأن العرب قد تذكر اللفظ الخاص وتريد به العموم، كما تذكر اللفظ العام وتريد به الخصوص، إذ تقرر هذا، فتقدير الكلام: قل تعالوا أتل ما وصاكم به ربكم، ثم أبدل منه على وجه التفسير له والبيان، فقال: أن لا تشركوا به شيئاً، أي وصاكم ألا تشركوا به شيئاً ووصاكم بالإحسان بالوالدين، ووصاكم أن لا تقتلوا أولادكم، فجمعت الوصية ترك الإشارك وفعل الإحسان بالوالدين وما بعد ذلك ويؤيد هذا التأويل الذي تأولنا: أن الآيات اشتملت على أوامر: كالإحسان بالوالدين وقول العدل والوفاء في الوزن، وعلى نواهي: كالإشارك وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، فلابد أن يكون اللفظ المقدم في أولها لفظاً يجمع الأوامر والنواهي، لأنها أجملت فيه، ثم فسرت بعد ذلك، ويصلح لذلك لفظ الوصية لأنه جامع للأمر والنهي، فلذلك جعلنا التحريم بمعنى الوصية ويدل على ذلك ذكر لفظ الوصية بعد ذلك، وإن لم يتأول على ما ذكرناه: لزم في الآية إشكال، وهو عطف الأوامر على النواهي، وعطف النواهي على الأوامر، فإن الأوامر طلب فعلها، والنواهي طلب تركها، وواو العطف تقتضي الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا يصح ذلك إلا على الوجه الذي تأولناه من عموم الوصية للفعل والترك.
وتحتمل الآية عندي تأويلاً آخر، وهو: أن يكون لفظ التحريم على ظاهره، ويعم فعل المحرمات، وترك الواجبات لأن ترك الواجبات حرام ﴿ وَلاَ تقتلوا أولادكم خَشْيَةَ إملاق ﴾ [الإسراء: 31] الإملاق الفاقة، ومن هنا للتعليل تقديره: من أجل إملاق، وإنما نهى عن قتل الأولاد لأجل الفاقة، لأن العرب كانوا يفعلون ذلك، فخرج مخرج الغالب فلا يفهم منه إباحة قتلهم بغير ذلك الوجه ﴿ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ [الأنعام: 151] قيل ما ظهر: الزنا، وما بطن: اتخاذ الأخدان والصحيح أن ذلك عموم في جميع الفواحش ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ﴾ [الإسراء: 33] فسره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل دم امرئ مسلم إلى بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ النهي عن القرب يعم وجوه التصرف، وفيه سدّ الذريعة، لأنه إذا نهى عن أن يقرب المال، فالنهي عن أكله أولى وأحرى.
والتي هي أحسن منفعة اليتيم وتثمير ماله ﴿ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ هو البلوغ مع الرشد، وليس المقصود هنا السن وحده، وإنما المقصود معرفته بمصالحه ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ لما أمر بالقسط في الكيل والوزن، وقد علم أن القسط الذي لا زيادة فيه ولانقصان مما يجري فيه الحرج ولا يتحقق الوصول إليه أمر بما في الوسع من ذلك وعفا عما سواه ﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ﴾ أي ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة القائل، فلا ينبغي أن يزيد ولا ينقص بل يعدل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تذكرون ﴾ بتخفيف الذال حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد فحذفوا إحدى التاءين.
الباقون: بالتشديد لأجل إدغام تاء التفعل في الذال ﴿ وأن هذا ﴾ بسكون النون.
ابن عامر ويعقوب ﴿ وإن هذا ﴾ بكسر الهمزة وتشديد النون: حمزة وعلي وخلف، الباقون: ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ صراطي ﴾ بفتح الياء: ابن عامر والأعشى والبرجمي ﴿ فتفرق ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ أن يأتيهم ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في النحل: علي وحمزة وخلف.
الباقون: بالتاء الفوقانية.
﴿ فارقوا ﴾ وكذلك في الروم: حمزة وعلي الباقون ﴿ فرقوا ﴾ بالتشديد ﴿ عشر ﴾ بالتنوين ﴿ أمثالها ﴾ بالرفع: يعقوب.
الباقون بالإضافة ﴿ ربي إلي ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع، ﴿ قيماً ﴾ بكسر القاف وفتح الياء: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.
الباقون: بالعكس مع تشديد الباء.
﴿ محياي ﴾ بالسكون ﴿ مماتي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.
الباقون: بالعكس.
﴿ وأنا أوّل ﴾ بالمد: نافع وأبو جعفر.
الوقوف: ﴿ شيئاً ﴾ ط للحذف أي وأحسنوا بالوالدين ﴿ إحساناً ﴾ ج لابتداء النهي مع احتمال العطف أي وأن لا تقتلوا، ﴿ من إملاق ﴾ ط.
﴿ وإياهم ﴾ ج للعطف مع العارض.
﴿ وما بطن ﴾ ط للفصل بين الحكمين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالحق ﴾ ط لانتهاء بيان الأحكام إلى توكيد الإيصاء للأحكام ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ج للفصل بين الحكمين ﴿ بالقسط ﴾ ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ ذا قربى ﴾ ج لتناهي جواب "إذا" وتقدّم مفعول ﴿ أوفوا ﴾ ﴿ تذكرون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ وإن هذا ﴾ بالكسر.
﴿ فاتبعوه ﴾ ج للفصل بين النقيضين معنى مع الاتفاق نظماً.
﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه لا لأن التقدير فاتبعوه لئلا تقولوا ﴿ من قبلنا ﴾ ص.
﴿ لغافلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ أهدى منهم ﴾ ج للفاء مع أن "قد" لتوكيد الابتداء.
﴿ ورحمة ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ وصدف عنها ﴾ ط ﴿ يصدفون ﴾ ه ﴿ بعض آيات ربك ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ منتظرون ﴾ ه ﴿ في شيء ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ أمثالها ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ج لاحتمال أن ﴿ دينا ﴾ نصب على البدل من محل ﴿ إلى صراط ﴾ أو على الإغراء أي الزموا.
﴿ حنيفاً ﴾ ج لابتداء النفي مع اتحاد المعنى ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا.
﴿ لا شريك له ﴾ ج ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار ﴿ إلا عليها ﴾ ج لتفصيل الأمرين على التهويل مع اتفاق الجملتين ﴿ أخرى ﴾ ج لأنّ "ثم" لترتيب الإخبار مع اتحاد المقصود ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ آتاكم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ز للتفصيل بين تحذير وتبشير والوصل للعطف أوضح ﴿ رحيم ﴾ ه.
التفسير: لما بين فساد ما يقوله الكفار في باب التحليل والتحريم أتبعه البيان الشافي في الباب فقال: ﴿ قل تعالوا ﴾ وهو من الخاص الذي صار عاماً لأن أصله أن يقوله من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه.
و "ما" في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ إما منصوب بفعل التلاوة أي أتل الذي حرمه ربكم فالعائد محذوف.
وقوله: ﴿ عليكم ﴾ يكون متعلقاً بـ ﴿ أتل ﴾ أوبـ ﴿ حرم ﴾ وإما منصوب بـ ﴿ حرم ﴾ على أن "ما" استفهامية فلا راجع.
والمعنى أقل أي شيء حرم لأن التلاوة نوع من القول وتقديم المفعول للتخصيص.
فإن قيل: قوله ﴿ أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ﴾ كالتفصيل لما أجمله في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ فيلزم أن يكون ترك الشرك والإحسان إلى الوالدين محرماً.
فالجواب أن المراد من التحريم البيان المضبوط، أو الكلام تم عند قوله: ﴿ ما حرم ربكم ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ عليكم أن لا تشركوا ﴾ أو "أن" مفسرة أي ذلك التحريم هو قوله: ﴿ لا تشركوا ﴾ وهذا في النواهي واضح، وأما الأوامر فيعلم بالقرينة أن التحريم راجع إلى أضدادها وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان وترك العدل في القول ونكث عهد الله.
ولا يجوز أن يجعل "أن" ناصبة وإلا لزم عطف الطلب أعني الامر على الخبر.
واعلم أنه بيّن فرق المشركين في هذه السورة أحسن بيان، وذلك أن منهم من يجعل الأصنام شركاء لله فأشار إليهم بقوله: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ ومنهم عبدة الكواكب الذين أبطل قولهم بقوله: ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ ومنهم القائلون بيزدان واهرمن ومنهم الذين يقولون الملائكة بنات الله والمسيح ابن الله وزيف معتقدهم بقوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ﴾ ثم عمم النهي بقوله: ﴿ لا تشكروا به شيئاً ﴾ ثم حث على إحسان الوالدين وكفى به خصلة شريفة أن جعله تالياً لتوحيده.
ثم أوجب رعاية حقوق الأولاد بعد رعاية حقوق الوالدين.
ومعنى ﴿ من إملاق ﴾ أي من خوف الفقر كما صرح بذلك في الآية الأخرى ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ كانوا يدفنون البنات أحياء بعضهم للغيرة وبعضهم لخوف الإملاق وهو السبب الغالب فلذلك أزيل الوهم بقوله: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ فكما يجب على الوالد الاتكال في رزق نفسه على الله فكذا القول في حال الولد، قال شمر: أملق لازم ومعتد.
أملق الرجل إذا افتقر، وأملق الدهر ما عنده إذا أفسده.
وإنما قال ههنا: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ وقال في بالعكس لأن التقدير في الآية من إملاق بكم نحن نرزقكم وإياهم، وهناك زيدت الخشية التي تتعلق بالمستقبل فالتقدير خشية إملاق يقع بهم نحن نزرقهم وإياكم، ثم نهى عن قربان الفواحش كلها.
ومعنى ما ظهر منها وما بطن كما مر في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ وفيه أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وامتثال أمره ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس.
ثم أفرز من جملة الفواحش قتل النفس المحرمة تنبيهاً على فظاعتها ولما نيط بها من الاستثناء وهو قوله ﴿ إلا بالحق ﴾ وذلك أن قتل النفس المحرمة قد يكون حقاً لجرم صدر عنها كما جاء في الحديث " لا يحل دم امرىءٍ مسلم إلا لإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق" وينخرط في سلكه جزاء قاطع الطريق.
والحاصل أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا يثبت إلا لأمر منفصل.
ثم لما بيّن النواهي الخمسة أتبعه الكلام الذي يقرب إلى القلوب القبول فقال: ﴿ ذلكم وصاكم ﴾ لما في لفظ التوصية من الرأفة والاستعطاف.
ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا.
ثم ذكر أربعة أنواع أخر من التكاليف وذلك قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتم إلا بالتي ﴾ أي بالخصلة أو الطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي السعي في تثميره وإنمائه ورعاية وجوه الغبطة لأجله كما مر في أول سورة النساء ﴿ حتى يبلغ أشده ﴾ أي احفظوا ماله إلى هذه الغاية أي أوان الاحتلام ولكن بشرط أن يؤنس منه الرشد.
قال الفراء: واحد الأشد شدته في القياس ولم يسمع.
وقال أبو الهيثم: الواحد شدّة كأنعم في نعمة، والشدّة القوّة ومنه قولهم: "بلغ الغلام شدّته" وقيل: إنه واحد جاء على بناء الجمع كآنك ولا نظير لهما ﴿ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ﴾ بالعدل والسوية.
وإيفاء الكيل إتمامه خلاف البخس.
وقوله: ﴿ والميزان ﴾ أي الوزن بالميزان.
فإن قيل: إيفاء الكيل والوزن هو عين القسط فما فائدة التكرار؟
قلنا: أمر الله المعطى بإيفاء إيتاء ذي الحق حقه من غير نقصان وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة.
ثم قال: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ليعلم أن الواجب هو القدر الممكن من العدالة والسوية لا التحقيق المؤدي إلى الحرج والعسر.
فزعمت المعتزلة ههنا أن هذا القدر من التضييق حيث لم يجوزه الله فكيف يكلف الكافر الإيمان مع أنه لا قدرة له عليه أو يخلق القدرة الموجبة للكفر والداعية المقتضية له ثم ينهاه عنه وعورض بالعلم والداعي كما تقدّم مراراً ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ﴾ المقول له أو عليه ﴿ ذا قربى ﴾ حمله المفسرون على أداء الشهادة وعلى الأمر والنهي والأولى أن يحمل على الأقوال كلها ويدخل فيه قول الرجل في الدعاء إلى الدين.
وتقرير الدلائل عليه بأن يذكر الدليل مخلصاً عن الحشو ومبرأ عن النقص ومجرداً عن العصبية والجدال على مقتضى الهوى والتشهي، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذا الحكاية الرواية والرسالة.
وحكم الحاكم بحيث يستوي فيه بين القريب والبعيد ولا ينظر إلا إلى رضا الله، وختم الأوامر بقوله: ﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ كما قال: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ ويندرج في هذه الخاتمة بالحقيقة جميع الأنواع المذكورة ﴿ وإن هذا صراطي ﴾ من قرأ بالفتح والتخفيف فبإعماله في ضمير الشأن والتقدير: تعالوا أتل ما حرم وأتل أنه هذا صراطي، وكذا فيمن قرأ بالتشديد وبالفتح إلا أن ضمير الشأن لا يقدر.
وإن شئت جعلتها خفضاً متعلقاً بما قبله أي ذلكم وصاكم به وبأن هذا، أو بما بعده والتقدير وبأن هذا صراطي مستقيماً ﴿ فاتبعوه ﴾ ومن كسر فلأن التلاوة في معنى القول أو على الاستئناف والمعنى اتبعوا صراطي أنه مستقيم ﴿ ولا تتبعوا السبل ﴾ المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات ﴿ فتفرق بكم ﴾ الباء للتعدية أي فيفرقكم ذلك الأتباع ﴿ عن سبيله ﴾ المستقيم وهو دين الإسلام.
وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله أنه خط خطاً ثم قال: هذا سبيل الرشد.
ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية.
فهذه الآية بالحقيقة إجمال لما في الآيتين المتقدمتين ولهذا ختمها بالتقوى التي هي ملاك العمل وخير الزاد وختم الأولى بقوله ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لأنها أمور ظاهرة جلية يكفي في تعقلها أدنى مسكة وعقل، وختم الثانية بقوله: ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ لأن المذكور فيها أمور خفية تحتاج إلى التدبر والتذكر حتى يقف فيها على موضع الاعتدال.
أو نقول: الأمور الخمسة المذكورة في الآية الأولى كلها عظام جسام وكانت الوصية بها من أبلغ الوصايا فختم الآية بما في الإنسان من أشرف السجايا وهو العقل الذي امتاز به الإنسان عن سائر الحيوان، وأما المذكورة في الثانية فأشياء يقبح تعاطيها وارتكابها وكانت الوصية بها تجري مجرى الزجر والوعظ فختمها بقوله: ﴿ تذكرون ﴾ أي تتعظون بمواعظ الله .
قوله: ﴿ ثم آتينا موسى الكتاب ﴾ معطوف على ﴿ وصاكم ﴾ فسئل كيف صح عطفه عليه بثم والإيتاء قبل الوصية بدهر طويل؟
وأجيب بأن التكاليف التسعة المذكورة تكاليف لا تختلف بحسب اختلاف الشرائع كما روي عن ابن عباس أن هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، وقيل: إنهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار، وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة.
وأما الشرائع التي كانت التوراة مختصة بها فهي إنما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب المبارك.
وقيل: إن في الآية حذفاً تقديره: ثم قل يا محمد صلى الله عليه وآله إنا آتينا.
والمعنى اتل ما أوحي إليك ثم اتل عيلهم خبر ما آتينا موسى.
وقيل: هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله: ﴿ ووهبنا له إسحق ويعقوب ﴾ وقوله: ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ مفعول له أي لتتم نعمتنا على الذي أحسن أي على من كان محسناً صالحاً، أو المراد إتمام للنعمة والكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وكل ما أمر به، أو تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته أي زيادة على علمه.
وقرىء ﴿ أحسن ﴾ بالرفع أي على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه ﴿ وتفصيلاً لكل شيء ﴾ فيدخل في ذلك بيان نبوة رسولنا صلى الله عليه وآله وصحة دينه وشرعه ﴿ وهدى ﴾ دلالة ﴿ ورحمة ﴾ لكي يؤمنوا بلقاء ما وعدهم ربهم به من ثواب وعقاب ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ لا شك أنه القرآن ﴿ مبارك ﴾ كثير الخير والنفع أو ثابت لا يتطرق إليه النسخ كما في الكتابين ﴿ فاتبعوه واتقوا ﴾ لكي ترحموا لأن الغرض من التقوى رحمة الله ، أو اتقوا لترحموا جزاء على التقوى، أو اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة.
قال الفراء قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ مفعول ﴿ واتقوا ﴾ وقال الكسائي: التقدير: إنا أنزلناه لئلا تقولوا.
وقال البصريون: إنا أنزلناه كراهة أن تقولوا والخطاب لأهل مكة ﴿ إنما أنزل الكتاب ﴾ أي التوراة والإنجيل ﴿ على طائفتين من قبلنا ﴾ اليهود والنصارى ﴿ وإن كنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام في ﴿ لغافلين ﴾ هي الفارقة بينها وبين النافية والأصل وإنه كنا ومعنى الدراسة القراءة.
وإنما قالوا: ﴿ لكنا أهدى منهم ﴾ لحدة أذهانهم وكثرة حفظهم لأيام العرب ووقائعها وخطبها وأشعارها وأمثالها مع كونهم أميين قطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم.
ثم قال: ﴿ فقد جاءكم ﴾ أي إن صدقتم أن عدم إنزال الكتاب يصلح للعذر وأنه لو أنزل عليكم الكتاب لكنتم أهدى منهم فقد جاءكم ﴿ بينة من ربكم ﴾ فيما يعلم سمعاً ﴿ وهدى ﴾ فيما يعلم سمعاً وعقلاً ﴿ ورحمة ﴾ من الله في إصلاح المعاش والمعاد ﴿ فمن أظلم ﴾ بعد هذه المعجزات والبينات ﴿ ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ﴾ أي منع غيره منها لأن الأول ضلال والثاني إضلال، ثم ختم الآية بأشد الوعيد وأبلغ التهديد ثم ذكر أنهم بعد نصب الأدلة وإزاحة العذر لا يؤمنون ألبتة، وشرح أحوالاً توجب المبادرة إلى الإيمان والتوبة فقال: ﴿ هل ينظرون ﴾ أي ينتظرون ومعنى الاستفهام النفي وتقدير الآية أنهم لا يؤمنون بك إلا عند مجيء أحد هذه الأمور: مجيء الملائكة، أو مجيء الرب ويعني به عذابه وبأسه كما سلف في البقرة، أو مجيء المعجزات القاهرة.
قال في الكشاف: الملائكة ملائكة الموت أو ملائكة العذاب ومجيء الرب مجيء كل آية، ثم قال: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ وأجمعوا على أن المراد بهذه الآية علامات القيامة.
عن البراء بن عازب قال: كنا نتذاكر أمر الساعة إذا أشرف النبي صلى الله عليه وآله فقال: "أتتذاكرون الساعة؟
إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأرض وخسفاً بالمشرق وخسفاً بالمغرب وخسفاً بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى وناراً تخرج من عدن" والمراد أنه إذا بدت أشراط الساعة ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، ولا نفساً ما كسبت في إيمانها خيراً.
ثم أوعدهم بقوله ﴿ قل انتظروا إنا منتظرون ﴾ ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: ﴿ إن الذين فارقوا دينهم ﴾ أو فرقوا ومعنى القراءتين في الحقيقة واحد لأن الذي فرق دينه بمعنى أنه أقر ببعض وكفر ببعض فقد فارقه أي تركه.
قال ابن عباس: يريد أن المشركين بعضهم يعبدون الملائكة ويقولون إنهم بنات الله، وبعضهم يعبدون الأصنام ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فصاروا شيعاً أي فرقاً وإخواناً في الضلالة.
والشيعة كل فرقة تشيع إماماً لها.
وقال مجاهد وقتادة: هم اليهود والنصارى تفرقوا فرقاً وكفر بعضهم بعضاً وأخذوا بعضاً وتركوا بعضاً كقوله: ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ﴾ وعن مجاهد أيضاً أنهم من هذه الأمة وهم أهل البدع والشبهات وفي الحديث "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية - وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة.
وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلها في الهاوية إلا واحدة" ﴿ لست منهم في شيء ﴾ أي إنك بعيد من أقوالهم ومذاهبهم والعقاب اللازم على تلك الأباطيل مقصور عليهم لا يتعداهم إليك.
وقال السدي: معناه لم تؤمر بقتالهم فلما أمر بقتالهم نسخ.
ويحتمل أن يقال: إن النهي عن القتال في وقت لا ينافي الأمر في وقت آخر فلا نسخ ﴿ إنما أمرهم إلى الله ﴾ بالاستئصال والإهلاك ﴿ ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ﴾ وفيه من الوعيد ما فيه.
وفي الآية حث على أن كلمة المسلمين يجب أن تكون واحدة ليستأهلوا الثواب الجزيل كما قال: ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ هي لا إله إلا الله والسيئة الشرك.
والأولى حملها على العموم ﴿ فله عشر أمثالها ﴾ أقام صفة الجنس المميز مقام الموصوف تقديره: عشر حسنات أمثالها كقراءة من قرأ ﴿ عشر أمثالها ﴾ بالرفع والتنوين، قيل: هذا أقل الموعود وقد وعد سبعمائة وبغير حساب.
وقيل: ليس المراد التحديد بل أراد الأضعاف مطلقاً كقول القائل: لئن أسديت إليّ معروفاً لأكافئنك بعشرة أمثاله.
وفي الوعيد لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشراً.
روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وآله قال عن الله تعالى: "الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره" وقال صلى الله عليه وآله يقول الله : " إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة وإن لم يعملها فإن عملها فعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فسيئة" ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ أي لا ينقص من ثواب طاعاتهم ولا يزاد على عقاب سيآتهم.
أسؤلة: ما الحكمة في الأضعاف؟
جوابه كان للأمم أعمار طويلة وطاعات كثيرة فوضع الله لهذه الأمة ليلة القدر خيراً من ألف شهر وأضعاف الأعمال ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ﴾ ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ وأيضاً لو أن الخصماء يتعلقون بهم يوم القيامة فيذهبون بأعمالهم إلى أن تبقى الأضعاف فيقول الله أضعافهم ليست من فعلهم هي من رحمتي فلا أقتص منهم أبداً.
آخر: كيف يوجب الكفر عقاب الأبد؟
جوابه أن الكافر كان على عزم الكفر لو عاش أبداً فاستحق العقاب الأبدي بناء على ذلك الاعتقاد بخلاف المسلم المذنب فإنه يكون على عزم الإقلاع فلا جرم تكون عقوبته منقطعة، وأيضاً الذي جهله الكافر وهو ذات القديم وصفاته شيء لا نهاية له فيكون جهله لا يتناهى فكذا عقابه.
آخر: إعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلاً عن صيام ستين يوماً وهو في كفارة الظهار وتارة بدلاً عن صيام أيام قلائل.
آخر: أحدث في رأس إنسان موضحتين فوجب أرشان فإن عاد ورفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة فههنا ازدادت الجناية وقل العقاب.
آخر: قد يجتمع بسبب أطراف تبان ولطائف تزال ديات متعددة إذا حصل الاندمال، وقد ترتقي إلى نيف وعشرين.
الأذنان أو إبطال حسهما، العينان أو البصر، الأجفان، المارن،الشفتان، اللسان أو النطق، الأسنان، اللحيان، اليدان، الذكر والأنثيان، الحلمتان، الشفران، الإليتان، الرجلان، العقل، السمع، الشم، الصوت، الذوق، الإمناء أو الإحبال، إبطال لذة الجماع، إبطال لذة الطعام، الإفضاء، البطش، المشي.
وقد تضاف إليها موجبات الجوائف والمواضح وسائر الشجات.
فإن عاد الجاني قبل الاندمال وحز الرقبة أوقده بنصفين لم يجب إلاّ دية النفس، وكل ذلك يدل على أن رعاية المماثلة غير معتبرة في الشرع.
والجواب عن الأسئلة الثلاثة أن هذه الأمور من تعبدات الشرع المطهر وتحكماته فلا سبيل بعقولنا إليها.
ويمكن أن يجاب عن الثالث بأن بدل الأطراف لما لم يستقر بالاندمال دخل في دية النفس لعسر ضبط ذلك والجزاء الحقيقي موكول إلى يوم الجزاء والله أعلم.
قال أهل السنة: كل الثواب تفضل من الله فلا إشكال.
وقالت المعتزلة: إن بين الثواب والتفضل فرقاً لأن الثواب هو المنفعة المتسحقة والتفضل هو المنفعة التي لا تكون مستحقة.
ثم اختلفوا فقال الجبائي: العشرة تفضل والثواب غيرها إذ لو كان الواحد ثواباً والتسعة تفضلاً لزم أن يكون الثواب دون التفضل فلا يكون للتكليف فائدة.
وقال آخرون: لا يبعد أن يكون الواحد ثواباًً إلا أنه يكون أعلى شأناً من التسعة الباقية.
ثم لما علم رسوله صلى الله عليه وآله أنواع الدلائل والرد على أصناف المشركين وبالغ في تقرير إثبات القضاء والقدر وردّ على أهل الجاهلية أباطيلهم أمره بأن يقول: ﴿ إنني هداني ربي ﴾ ليعلم أن الهداية لا تحصل إلا بالله عز وجل.
﴿ وقيماً ﴾ "فيعل" من قام كسيد من ساد.
ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى أنه مصدر بمعنى القيام كالصغر والكبر وصف به للمبالغة و ﴿ ملة إبراهيم ﴾ عطف بيان و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من إبراهيم أو من الملة، والمعنى هداني وعرفني ملة إبراهيم حال كونه أو كونها موصوفاً بالحنيفية.
ثم قال في صفة إبراهيم: ﴿ وما كان من المشركين ﴾ رداً على من زعم عليه شيئاً من ذلك.
ثم كما عرفه الدين القويم والطريق المستقيم علمه كيف يصنع به ويؤديه فقال: ﴿ قل إن صلاتي ونسكي ﴾ أي عبادتي وتقربي إليه كما روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة.
وقيل: للمتعبد ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث.
وقيل: المراد بالنسك ههنا الذبائح جمع بين الصلاة والذبح كما في قوله: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ وقيل: صلاتي وحجي أخذاً من مناسك الحج.
﴿ ومحياي ومماتي ﴾ أي حياتي وموتي مصدران ميميان.
وقال في الكشاف: المراد وما آتيه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح.
وفيه أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت بل لا بد أن يكون جيمع حركات المرء وسكناته لله رب العالمين ﴿ وبذلك ﴾ من الإخلاص ﴿ أمرت وأنا أول المسلمين ﴾ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته.
وقال في التفسير الكبير: إنه أمر رسوله أن يبين أن صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته كلها واقعة بخلق الله وتقديره وقضائه، وحكمه وذلك أن المحيا والممات بخلق الله فكذا الصلاة والنسك وبذلك من التوحيد أمرت، ثم لما أمر نبيه بالتوحيد المحض أمره أن يذكر ما يجري مجرى الدليل عليه فقال: ﴿ قل أغير الله أبغي رباً ﴾ وتقريره أن طوائف المشركين من عبدة الأصنام والكواكب ومن اليهود والنصارى والوثنية كلهم معترفون بأن الله خالق الكل فكأنه قال: قل يا محمد منكراً أغير الله أطلب رباً مع أن هؤلاء الذين اتخذوا من دونه آلهة مقرون بأنه خالق تلك الأشياء ولا يدخل في العقل جعل المربوب والعبد شريكاً للرب والمولى.
وبوجه آخر الموجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، وقد ثبت أن الواجب لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته فهو إذن رب كل شيء، وصريح العقل شاهد بأن المربوب لا يكون شريكاً للرب فلا يختص إذن بالربوبية غيره.
ثم لما بين الدليل القاطع على التوحيد ذكر أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب فقال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ ومعناه أن إثم الجاني عليه لا على غيره ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم نفس أخرى وهذا كالرد لقولهم: ﴿ اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴾ ثم بين أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم هناك إلا الله فقال: ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾ ثم ختم السورة ببيان حال المبدإ والوسط والمعاد على سبيل الإجمال فقال ﴿ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ﴾ قيل: الخطاب لبني آدم لأنه جعلهم بحيث يخلف بعضهم بعضاً.
وقيل: لأمة محمد صلى الله عليه وآله لأنه خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم، وقيل: لخواص الأمة الذين هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها بالحق كقوله: ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ﴾ ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في الشرف والعقل والجاه والمال والرزق لا للعجز والبخل ولكن لأجل شبه الابتلاء والامتحان، ولظهور الموفر من المقصر وتميز المطيع من العاصي حسب ما تقتضيه الحكمة والعدالة والتدبير والتقدير.
ثم وصف نفسه بالقدرة الكاملة على إيصال العقاب وإيفاء الثواب فقال ﴿ إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ﴾ فأدخل اللام في قرينة الترغيب وأسقطها عن قرينة الترهيب ترجيحاً لجانب الرحمة والغفران فإن اللطف والرحمة تفيض عنه بالذات والقهر والتعذيب يصدر عنه بالعرض لأن ذلك من ضروريات الملك ولهذا قال "سبقت رحمتي غضبي" وإنما وصف العقاب بالسرعة لأن كل ما هو آت قريب.
وإنما لم يسقط اللام عن قرينة العقاب في سورة الأعراف في قصة أصحاب السبت لأن ذلك قد ورد عقيب ذكر المسخ فناسب التأكيد باللام، وإنما أخر قرينة الرحمة في الموضعين ليقع ختم الكلام على المغفرة والرحمة فيكون أدل على كمال رأفته ووفور إحسانه.
التأويل: ﴿ من إملاق ﴾ فيه ترك التوكل على الله وعدم الثقة بالله ﴿ وأوفوا الكيل ﴾ أوفوا بكيل العمر وميزان الشرع حقوق الربوبية واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد حظوظ العبودية من الألوهية.
﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ بأن لا تعبدوا ولا تحبوا ولا تروا إلا إياه ﴿ وإن هذا صراطي مستقيماً ﴾ إشارة إلى أن الصراط المستقيم الحقيقي إلى الله هو صراط محمد ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ أي على من أحسن من أمتك إسلامه.
وفيه أن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء كانت تتمة للدين الحنيفي الذي هو الإسلام، ولهذا أمر بأن يقتدى بالأنبياء ليجمع بين هداه وهداهم.
ويحتمل أن يراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وآله والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ﴿ أنزلناه مبارك ﴾ وبركته أنه أنزل على قلبه فكان خلقه القرآن ﴿ فقد جاءكم بينة ﴾ ما يبين لكم طريق السير إلى الله ومهدي ما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاء في الكتابين ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ عياناً وتسوقيهم إلى الله قهراً والجاء ﴿ أو يأتي ربك ﴾ إليهم إذ لم يأتوا إليه في متابعتك ﴿ قل انتظروا ﴾ للمستحيلات ﴿ إنا منتظرون ﴾ للميعاد في المعاد ﴿ إن الذين فارقوا ﴾ الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان ﴿ وكانوا شيعاً ﴾ فرقاً مختلفة من المبتدعة والزنادقة والمتزيدة رياء وسمعة وعلماء السوء وملحدة المتفلسفة ﴿ لست منهم في شيء ﴾ لأنك على الحق وهم على الباطل وبينهما تضاد إنما أمرهم إلى الله في بدء الخلقة وقسم الاستعداد كما شاء ﴿ ثم ينبئهم ﴾ يوم الجزاء بما يستحقه كل منهم ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ قبل ذلك حتى يقدر على الإتيان بتلك الحسنة وهي حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد حيث خلقه في أحسن تقويم، وحسنة التربية وحسنة الرزق وحسنة بعثة الرسل وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات من السيئات، وحسنة التوفيق للحسنة وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات ﴿ ومن جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها ﴾ لأن السيئة بذر يزرع في أرض النفس والنفس خبيثة لأنها أمارة بالسوء، والحسنة بذر يزرع في أرض القلب والقلب طيب ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً ﴾ والتحقيق أنه كما للأعداد ثلاث مراتب الآحاد والعشرات والمئات وبعد ذلك تكون الألوف إلى حيث لا يتناهى، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس والقلب والروح والسر.
فالعمل الواحد في مرتبة النفس أي إذا صدر عنها يكون واحداً، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها، وفي مرتبة الروح يكون بمائة، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى، وهذا سر ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت جزاء الحسنات والله أعلم ورسوله.
﴿ قل إنني هداني ربي ﴾ من أسفل سافلين القالب بجذبه العناية الأزلية ﴿ ونسكي ﴾ أي سيري على منهاج "الصلاة معراج المؤمن" ﴿ ومحياي ﴾ أي حياة قلبي وروحي ﴿ ومماتي ﴾ أي موت نفسي لطلب ﴿ رب العالمين ﴾ والوصول إليه ﴿ وأنا أول ﴾ المستسلمين عند الإيجاد لأمر "كن" كما قال: "أول ما خلق الله نوري".
﴿ قل أغير الله ﴾ كيف أطلب غير الله وهو حبيبي والمحب لا يطلب إلا الحبيب وإذا هو رب كل شيء فيكون ما له لي، وإن طلبت غيره دونه يكون ذلك الغير علي لا لي كما قال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ لأن النفس أمارة بالسوء والسوء عليها لا لها ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ فإن كان القلب سليماً من كدورات صفات النفس باقياً على ما جبل عليه من حب الله وطلبه لا يؤاخذ بمعاملة النفس ولا يتألم بعذابها وإنما تكون النفس فقط مأخوذة بوزرها معاقبة بما هي أهله، وإن كان القلب منقلب الحال وأزاغه الله بإصبع القهر إلى محاذاة النفس فتصدأ مرآة القلب بصفات النفس وأخلاقها فيتبع النفس وهواها فيزول عنه الصفاء والطهارة والسلامة والذكر والفكر والتوحيد والإيمان والتوكل والصدق والإخلاص ورعاية وظائف العبودية فيكون مأخوذاً بوزره لا بوزر غيره ﴿ وهو الذي جعل ﴾ كل واحد من بني آدم وقته خليفة ربه في الأرض.
وسر الخلافة أن صوره على صفات نفسه حياً قيوماً سميعاً بصيراً عالماً قادراً مريداً متكلماً ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في استعداد الخلافة ﴿ ليبلوكم ﴾ ليظهر من المتخلق بأخلاقه منكم القائم به وبأوامره في العباد والبلاد، ومن الذي رجع القهقرى إلى صفات البهائم وأبطل الاستعداد للخلافة بالختم والطبع والحبس في سجين الطبيعة ﴿ لغفور رحيم ﴾ لمن وفقه لمرضاته ورفع درجاته الله حسبي.
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ يقول: تعالوا أقرأ عليكم ما حرم ربكم، وأبين لكم ما حرم بحجة وبرهان، وأن ما حرمتم أنتم حرمتم تقليداً منكم لآبائكم، أو حرمتم بهوى أنفسكم، لا حرمتم بأمر أو حجة وبرهان.
ثم بين الذي حرم عليهم فقال: ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ .
الشرك حرام بالعقل، ويلزم كل من عقل التوحيد ومعرفة الرب؛ لما كان منه من تركيب الصور وتقويمها بأحسن صور يرون ويعرفون أنه لم يصورها أحد سواه، ولا قومها، ولا يشركه آخر في ذلك، وما كان منه إليكم من أنواع الإحسان والأيادي، فكيف تشركون غيره في ألوهيته وربوبيته؟!
فذلك حرام بالعقل والسمع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: على الوقف والقطع على قوله: ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ ، والابتداء من قوله: ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ ؛ كأنه لما قال: ﴿ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ .، فقالوا: أي شيء الذي حرم علينا ربنا؟
فقال: ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ .
والوجه الآخر: على الوصل بالأول، ولكن على طرح "لا"؛ فيكون كأنه قال: حرم ربكم عليكم أن تشركوا به شيئاً، وحرف "لا" قد يطرح ويزاد في الكلام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ .
أي: برّاً بهما.
فإن قيل: قال - -: ﴿ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وهاهنا يأمر بالإحسان إليهما، ولم يذكر المحرم؟
قيل: في الأمر بالإحسان إليهما تحريم ترك الإحسان؛ فكأنه قال: حرم عليكم ترك الإحسان إلى الوالدين، وفرض عليكم برهما والإحسان إليهما.
ثم فيه: إنكم تعرفون بالعقل أن الإحسان [إلى الوالدين واجب، والإساءة إليهما حرام عليكم، ولم يكن منهما إليكم من الإحسان أكثر ممّا كان من الله إليكم]، فكيف تختارون الإساءة إلى الله والإشراك في عبادته غيره، ولا تختارون الإساءة إلى الوالدين؟!
بل تختارون الإحسان إليهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ ﴾ .
إنهم كانوا يقتلون أولادهم خشية الفقر والفاقة، فهو مما حرم عليهم، وهذا يدل على أن الحظر في حال لا يوجب الإباحة في حال أخرى؛ لأنه قال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ﴾ ليس فيه إباحة القتل إذا لم يكن هنالك خشية الإملاق، لكن ذكر هذا؛ لأنهم [إنما] كانوا يقتلون في ذلك الحال، ففي ذلك خرج النهي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾ .
أي: على ما يخرج لكم من الزرع والثمار، [والنبات] فرزقكم من ذلك، فعلى ذلك يرزق أولادكم مما يخرج من الأرض من النبات والزروع والثمار، فلا تقتلوهم، فإذا لم تقتلوا أنفسكم خشية الفقر والفاقة، كيف تقتلون أولادكم لذلك؟
فالذي يرزقكم هو الذي يرزق أولادكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ﴾ ، أي: لا تواقعوها.
ويحتمل: لا تدنوا منها، ولكن اجعلوا بينكم وبين الفواحش المحرمات حجاباً من الحلال، وهكذا الحق على المسلم ألا يدنو من الحرام، ويجعل بينه وبين ذلك حجاباً وستراً من الحلال.
ثم اختلف في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ : قيل: الفواحش: الزنا، ما ظهر منها: المخالطة باللسان، والمجالسة معهن، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ : فعل الزنا نفسه؛ كانوا يجتمعون، ويجالسونهن، ولكن لا يجامعونهن بين أيدي الناس، ثم إذا خلوا بهن زنوا بهن.
وقيل: كانوا يزنون بالحرائر سرّاً، وبالإماء ظاهراً؛ فحرم ذلك عليهم.
وقيل: ﴿ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : نكاح الأمهات، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ : هو الزنى، وكان نكاح الأمهات [ظاهراً]، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير، ما.
وقيل: الفواحش: المحرمات جملتها، فما ظهر منها: فيما بينهم وبين الخلق، وما بطن: فيما بينهم وبين الله .
وقيل: ﴿ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : ما يكون بالجوارح، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ : ما يكون بالقلب.
وعن مجاهد قال: ﴿ مَا ظَهَرَ ﴾ : الجمع بن الأختين، وتزوج الرجل امرأة أبيه وما بطن منها: الزنى، وما حرم أيضاً.
ويحتمل قوله: ﴿ مَا ظَهَرَ ﴾ : ما يرى غيرُهُ ويبصر، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ : ما يكون بالعين والقلب؛ على ما روي عن رسول الله أنه قال: "العينان تزنيان، واليدان تزنيان" وما بطن: يكون زنى العين والقلب؛ لأنه لا يعلمه غير الناظر، والله أعلم؛ فيصير كأنه ذكر التحريم في كل حرف من ذلك، أي: حرم عليكم الشرك، وحرم عليكم ترك الإحسان إلى الوالدين، وحرم قتل الأنفس إلا بالحق؛ فيصير كأنه ذكر التحريم في كل من ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قيل: بالحق: إذا ارتد يقتل به، وفي القصاص، وفي الزنى إذا كان محصناً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ .
﴿ ذٰلِكُمْ ﴾ يعني: المحرمات التي ذكر ﴿ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ اختلف فيه: قيل: ﴿ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ : فرض عليكم.
وقيل: ﴿ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ : أمركم به.
وقيل: ﴿ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ : بين لكم المحرم.
وكله يرجع إلى واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أنه لم يحرم إلا ما ذكر ولم يحرم ما حرمتم أنتم من الأنعام وغيرها.
و ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أي: لكي تنتفعوا بعقولكم.
أو نقول: إن ذلكم وصاكم به لتعقلوا؛ لأن حرف "لعل" من الله على الوجوب، أي يعقلون عن الله بما خاطبهم به وأمرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ .
قال أبو بكر الكيساني: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ ﴾ ؛ أي: لا تأكلوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.
وقال: ثم اختلف في الوجه الذي يحسن: قال بعضهم: هو أن يعمل له فيأكل من ماله أجراً لعملِهِ.
وقال آخرون: يأكله قرضاً، وذلك مما اختلفوا فيه.
وقال غيرهم: هو أن ينتفع بدوابه، ويستخدم جواريه، ونحو ذلك، وقال: وذلك مما لا يحتمل تأويل الآية.
وعندنا أن الآية باحتمال هذا أولى؛ لما يقع لهم الضرورة في استخدام مماليكه، وركوب دوابه، والانتفاع بذلك؛ لما يقع لهم المخالطة بأموال اليتامى؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ ﴾ فإذا كان لهم المخالطة، لا يسلمون عن الانتفاع بما ذكرنا.
وقال الحسن: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، أي: إلا بالوجه الذي جعل له، والوجه الذي جعل له هو أن يكون فقيراً، وهو ممن يفرض نفقته في ماله، فله أن يقرب ماله، وعندهم أن نفقة المحارم تفرض في مال اليتيم إذا كانوا فقراء، فبان أن جعل له التناول في ماله، وإن كان لا يفرض نفقته في ماله.
ثم الآية تحتمل وجهين عندنا: أحدهما: ألا تقربوا مال اليتيم إلا بالحفظ والتعاهد له، أمر كافل اليتيم أن يحفظ ماله ويتعاهده.
والثاني: يقرب ماله بطلب الزيادة له والنماء؛ ولذلك قال أبو حنيفة - - بأنه يجوز لكافل اليتيم إذا كان وصيّاً أن يقرب ماله بيعاً إذا كان ذلك خيراً لليتيم؛ إذا وقع له الفضل، وطلب له الزيادة والنماء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ .
قال أبو بكر: قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ أي: حتى يبلغ الوقت الذي يتولى أموره؛ كقوله: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً...
﴾ الآية.
وقال غيره من أهل التأويل: الأشد: ثمانية عشر سنة.
ويشبه أن يكون الأشد هو الإدراك، [أي] حتى يدركوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ يشبه أن يكون قوله: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ في اليتامى أيضاً، أمر أن يوفوا لهم الكيل والميزان، ونهاهم ألا يوفوا لهم على ما نهاهم عن قربان مالهم إلا بالتي هي أحسن، وكذلك قوله: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ﴾ ، أمكن أن يكون هذا في اليتامى أيضاً، أي: إذا قلتم قولا لليتامى، فاعدلوا في ذلك القول، وإن كان ذا قربى منكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ﴾ .
أي: بعهد الله الذي عهد إليكم في اليتامى، أوفوا بقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً ﴾ وغير ذلك؛ أوفوا بما عهد إليكم فيهم.
ويحتمل أن يكون قوله - -: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ : في اليتامى وفي غيرهم في كل الناس، وهو لوجهين: أحدهما: أن في ترك الإيفاء اكتساب الضرر على الناس، ومنع حقوقهم، فأمر بإيفاء ذلك كقوله: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ .
والثاني: للربا؛ لأنه لزم مثله كيلا في الذمة، فإذا لم يوفه حقه وأعطاه دونه، صار ذلك الفضل له ربا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: يحتمل: لا نكلف أحداً ما في تكليفنا إياه تلفه، وإن كان يجوز له تكليف ما في التكليف تلفه؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ...
﴾ الآية [النساء: 66]، وعلى ما أمر [من] بني إسرائيل بقتل أنفسهم.
والثاني: لا نكلف أحداً ما في تكليفنا إياه منعه؛ نحو: من يؤمر بشيء لم يجعل له الوصول إلى ذلك أبداً، ويجوز أن يؤمر بأمر وإن لم يكن له سبب ذلك الأمر بعد أن يجعل لهم الوصول إلى ذلك السبب؛ نحو: من يؤمر بالصلاة وإن لم يكن معه سبب ذلك وهو الطهارة، ونحو: من يؤمر بالحج بقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ ، هذا يدل على أن من جعل في وسعه الوصول إلى شيء، يجوز أن يكلف على ذلك، ويصير باشتغاله بغيره مضيعاً أمره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: هذا في الشهادة؛ كقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ...
﴾ الآية [النساء: 135].
ويحتمل قوله: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ ﴾ : كل قول، والقول أحق أن يحفظ فيه العدالة من الفعل؛ لأنه به تظهر الحكمة من السفه، والحق من الباطل؛ فهو أولى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ﴾ أي: بعهد الله الذي عهد إليكم في التحليل والتحريم، والأمر والنهي، وغير ذلك.
﴿ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .
ذكر - هاهنا - ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ ، وفي الآية الأولى: ﴿ تَعْقِلُونَ ﴾ ، وفي الآية الأخيرة: ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ إذا عقلوا تفكروا واتعظوا، وعرفوا ما يصلح وما لا يصلح [ثم اتقوا المحرمات وما لا يصلح].
أو ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ ، أي: تتعظون بما وعظكم به وزجركم عنه، وتعقلون مهالككم وتتقون محارمكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا ﴾ الذي ذكر في هذه الآيات من أمره ونهيه، وتحريمه وتحليله ﴿ صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ ﴾ على ما قاله أهل التأويل: إنها آيات محكمات، لم ينسخهن شيء في جميع الكتب، وهنّ محرمات على بني آدم كلهم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ﴾ : الذي دعا إليه الرسل من كل شيء هو صراطي مستقيماً ﴿ فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ ﴾ ؛ لأن الرسل يدعون إلى ما يدعون بالحجج والبراهين.
ويحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ﴾ أصل الدين، ووحدانية الله، وإخلاص الأنفس له على غير إشراك في عبادته وألوهيته، وأن يكون قوله: وأن الذي جاء به محمد أو الذي ذكر في القرآن، وإلا ذكر هذا ولم يشر إلى شيء بعينه، فيحتمل ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .
أمر - عز وجل - باتباع ما ذكر من الصراط المستقيم، ونهى عن اتباع السبل؛ لأن غيره من الأديان المختلفة والأهواء المتشتتة لا حجة عليها ولا برهان، وما ذكر من الصراط المستقيم هو دين بحجة وبرهان، لا كغيره من الأديان، وإن كان يدعي كلٌّ مِنْ ذلك أن الذي هو عليه دين الله وسبيله.
﴿ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .
المحرمات والمناهي والمعاصي التي ذكر في هذه [الآية، أو لعلكم] تتقون السبل والأديان المختلفة.
وأصله: أن السبيل المطلق: سبيل الله، والدين المطلق: دين الله، والكتاب المطلق: كتاب الله.
<div class="verse-tafsir"
وحَرَّم أن تتعرضوا لمال اليتيم -وهو الذي فقد أباه قبل البلوغ- إلا بما فيه صَلاح ونفع له وزيادة لماله حتى يبلغ ويُؤنَس منه الرُّشد، وحَرَّم عليكم التَّطْفيف في الكيل والميزان، بل يجب عليكم العدل في الأخذ والإعطاء في البيع والشراء، لا نكلف نفسًا إلا طاقتها، فما لا يمكن الاحتراز منه من الزيادة أو النقصان في المكاييل وغيرها لا مؤاخذة فيه، وحَرَّم عليكم أن تقولوا غير الصواب في خبر أو شهادة دون مُحَاباة قريب أو صديق، وحَرَّم عليكم نَقْض عهد الله إن عاهدتم الله أو عاهدتم بالله، بل يجب عليكم الوفاء بذلك، ذلك المتقدم أَمَرَكم الله به أمرًا مؤكدًا؛ رجاء أن تتذكروا عاقبة أمركم.
<div class="verse-tafsir" id="91.9jNpD"