الآية ١٥٣ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٥٣ من سورة الأنعام

وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٥٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٣ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٣ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) وقوله ( أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) [ الشورى : 13 ] ، ونحو هذا في القرآن ، قال : أمر الله المؤمنين بالجماعة ، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة ، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله ونحو هذا .

قاله مجاهد ، وغير واحد .

وقال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا الأسود بن عامر : شاذان ، حدثنا أبو بكر - هو ابن عياش - عن عاصم - هو ابن أبي النجود - عن أبي وائل ، عن عبد الله - هو ابن مسعود ، رضي الله عنه - قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده ، ثم قال : " هذا سبيل الله مستقيما " وخط على يمينه وشماله ، ثم قال : " هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه " ثم قرأ : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) .

وكذا رواه الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن أبي بكر بن عياش ، به .

وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

وهكذا رواه أبو جعفر الرازي ، وورقاء وعمرو بن أبي قيس ، عن عاصم ، عن أبي وائل شقيق بن سلمة ، عن ابن مسعود به مرفوعا نحوه .

وكذا رواه يزيد بن هارون ومسدد والنسائي ، عن يحيى بن حبيب بن عربي - وابن حبان ، من حديث ابن وهب - أربعتهم عن حماد بن زيد ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، به .

وكذا رواه ابن جرير ، عن المثنى ، عن الحماني ، عن حماد بن زيد ، به .

ورواه الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق ، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي ، عن سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد ، به كذلك .

وقال : صحيح ولم يخرجاه .

وقد روى هذا الحديث النسائي والحاكم ، من حديث أحمد بن عبد الله بن يونس ، عن أبي بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله بن مسعود .

به مرفوعا .

وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث يحيى الحماني ، عن أبي بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زر ، به .

فقد صححه الحاكم كما رأيت من الطريقين ، ولعل هذا الحديث عند عاصم بن أبي النجود ، عن زر ، وعن أبي وائل شقيق بن سلمة كلاهما عن ابن مسعود ، به ، والله أعلم .

قال الحاكم : وشاهد هذا الحديث حديث الشعبي عن جابر ، من وجه غير معتمد .

يشير إلى الحديث الذي قال الإمام أحمد ، وعبد بن حميد جميعا - واللفظ لأحمد - حدثنا عبد الله بن محمد - وهو أبو بكر بن أبي شيبة - أنبأنا أبو خالد الأحمر ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فخط خطا هكذا أمامه ، فقال : " هذا سبيل الله " وخطين عن يمينه ، وخطين عن شماله ، وقال : " هذه سبيل الشيطان " ثم وضع يده في الخط الأوسط ، ثم تلا هذه الآية : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) .

ورواه ابن ماجه في كتاب السنة من سننه ، والبزار عن أبي سعيد بن عبد الله بن سعيد ، عن أبي خالد الأحمر ، به .

قلت : ورواه الحافظ ابن مردويه من طريقين ، عن أبي سعيد الكندي ، حدثنا أبو خالد ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ، وخط عن يمينه خطا ، وخط عن يساره خطا ، ووضع يده على الخط الأوسط وتلا هذه الآية : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ) .

ولكن العمدة على حديث ابن مسعود ، مع ما فيه من الاختلاف إن كان مؤثرا ، وقد روي موقوفا عليه .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن أبان; أن رجلا قال لابن مسعود : ما الصراط المستقيم؟

قال : تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه ، وطرفه في الجنة ، وعن يمينه جواد ، وعن يساره جواد ، وثم رجال يدعون من مر بهم .

فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار ، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة .

ثم قرأ ابن مسعود : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) الآية .

وقال ابن مردويه : حدثنا أبو عمرو ، حدثنا محمد بن عبد الوهاب ، حدثنا آدم ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، حدثنا أبان بن عياش ، عن مسلم بن أبي عمران ، عن عبد الله بن عمر : سأل عبد الله عن الصراط المستقيم ، فقال له ابن مسعود : تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه ، وطرفه في الجنة ، وذكر تمام الحديث كما تقدم ، والله أعلم .

وقد روي من حديث النواس بن سمعان نحوه ، قال الإمام أحمد : حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء ، حدثنا ليث - يعني ابن سعد - عن معاوية بن صالح ; أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه ، عن أبيه ، عن النواس بن سمعان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ضرب الله مثلا صراطا مستقيما ، وعن جنبتي الصراط سوران ، فيهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : أيها الناس ، ادخلوا الصراط المستقيم جميعا ، ولا تتفرجوا ، وداع يدعو من جوف الصراط ، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال : ويحك .

لا تفتحه ، فإنك إن تفتحه تلجه ، فالصراط الإسلام ، والسوران حدود الله ، والأبواب المفتحة محارم الله ، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله ، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم " .

ورواه الترمذي والنسائي ، عن علي بن حجر - زاد النسائي - وعمرو بن عثمان ، كلاهما عن بقية بن الوليد ، عن بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن جبير بن نفير ، عن النواس بن سمعان ، به .

وقال الترمذي : حسن غريب .

وقوله : ( فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) إنما وحد سبحانه سبيله لأن الحق واحد; ولهذا جمع لتفرقها وتشعبها ، كما قال تعالى : ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [ البقرة : 257 ] .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان الواسطي ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيكم يبايعني على هذه الآيات الثلاث؟

" ثم تلا ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) حتى فرغ من ثلاث الآيات ، ثم قال : " ومن وفى بهن ، أجره على الله ، ومن انتقص منهن شيئا أدركه الله في الدنيا كانت عقوبته ، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء أخذه ، وإن شاء عفا عنه "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهذا الذي وصاكم به ربكم، أيها الناس، في هاتين الآيتين من قوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ، وأمركم بالوفاء به, هو " صراطه " = يعني: طريقه ودينه الذي ارتضاه لعباده =(مستقيمًا)، يعني: قويمًا لا اعوجاج به عن الحق (19) =(فاتبعوه)، يقول: فاعملوا به, واجعلوه لأنفسكم منهاجًا تسلكونه، فاتبعوه (20) =(ولا تتبعوا السبل)، يقول: ولا تسلكوا طريقًا سواه, ولا تركبوا منهجًا غيره, ولا تبغوا دينًا خلافه (21) ، من اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأوثان، وغير ذلك من الملل, فإنها بدع وضلالات =(فتفرق بكم عن سبيله)، يقول: فيشتّت بكم، إن اتبعتم السبل المحدثة التي ليست لله بسبل ولا طرق ولا أديان, اتباعُكم إياها =" عن سبيله ", يعني: عن طريقه ودينه الذي شرعه لكم وارتضاه, وهو الإسلام الذي وصّى به الأنبياء، وأمر به الأمم قبلكم (22) =(ذلكم وصاكم به)، يقول تعالى ذكره: هذا الذي وصاكم به ربكم من قوله لكم: " أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل "، وصاكم به " لعلكم تتقون ", يقول: لتتقوا الله في أنفسكم فلا تهلكوها, وتحذروا ربكم فيها فلا تسخطوه عليها، فيحل بكم نقمته وعذابه .

(23) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 14163- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، قال: البدع والشبهات .

14164- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

14165- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ولا تتبعوا السبل) ، البدع والشبهات .

14166- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) , وقوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [سورة الشورى: 13]، ونحو هذا في القرآن.

قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة, وأخبرهم أنه إنما هلك مَنْ كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله .

14167- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، يقول: لا تتبعوا الضلالات .

14168- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا حماد, عن عاصم, عن أبي وائل, عن عبد الله قال: خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا خطًّا فقال: هذا سبيل الله.

ثم خط عن يمين ذلك الخطّ وعن شماله خطوطًا فقال: هذه سُبُل، على كل سبيل منها شيطانٌ يدعو إليها.

ثم قرأ هذه الآية: (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) .

(24) 14169- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، قال: " سبيله "، الإسلام, و " صراطه "، الإسلام .

نهاهم أن يتبعوا السبل سواه =(فتفرق بكم عن سبيله) ، عن الإسلام .

14170- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن أبان: أن رجلا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟

قال: تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه, وطرفُه في الجنة, وعن يمينه جوادُّ, وعن يساره جَوَادُّ, وثمَّ رجال يدعون من مرّ بهم.

فمن أخذ في تلك الجوادِّ انتهت به إلى النار, ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة .

ثم قرأ ابن مسعود: (وأن هذا صراطي مستقيمًا)، الآية .

* * * قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: (وأن هذا صراطي مستقيمًا).

فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: (وَأَنَّ) بفتح " الألف " من " أن ", وتشديد " النون ", ردًّا على قوله: أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، بمعنى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ," وأن هذا صراطي مستقيمًا ".

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: " وَإِنَّ" بكسر " الألف " من " أن ", وتشديد " النون " منها، على الابتداء وانقطاعها عن الأول, إذ كان الكلام قد انتهى بالخبر عن الوصية التي أوصى الله بها عباده دونه، عندهم .

(25) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار وعوامّ المسلمين، (26) صحيح معنياهما, فبأيِّ القراءتين قرأ القارئ فهو مصيبٌ الحقَّ في قراءته .

وذلك أن الله تعالى ذكره قد أمر باتباع سبيله, كما أمر عباده الأنبياء .

(27) وإن أدخل ذلك مُدْخِلٌ فيما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ، وما أمركم به, ففتح على ذلك " أن "، فمصيب = وإن كسرها، إذ كانت " التلاوة " قولا وإن كان بغير لفظ " القول " لبعدها من قوله: " أتل ", وهو يريد إعمال ذلك فيه، فمصيبٌ = وإن كسرها بمعنى ابتداء وانقطاع عن الأول و " التلاوة ", وأن ما أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم بتلاوته على من أُمِر بتلاوة ذلك عليهم قد انتهى دون ذلك, فمصيب .

* * * وقد قرأ ذلك عبد الله بن أبي إسحاق البصري: " وَأنْ" بفتح الألف من " أن " وتخفيف النون منها, بمعنى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ," وأنْ هذا صراطي"، فخففها، إذ كانت " أن " في قوله: أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، مخففة, وكانت " أن " في قوله: (وأن هذا صراطي)، معطوفة عليها, فجعلها نظيرةَ ما عطفت عليه .

وذلك وإن كان مذهبًا, فلا أحب القراءة به، لشذوذها عن قراءة قرأة الأمصار، وخلاف ما هم عليه في أمصارهم .

------------------- الهوامش : (19) انظر تفسير (( الصراط المستقيم )) فيما سلف ص : 113 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(20) انظر تفسير (( الاتباع )) فيما سلف من فهارس اللغة ( تبع ) .

(21) في المخطوطة : (( دينا خلاه)) ، وعلى (( خلاه )) ، حرف ( ط ) دلالة على الخطأ أو الشك ، والذي في المخطوطة مستقيم جيد .

(22) انظر تفسير (( السبيل )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .

(23) انظر تفسير (( الوصية )) و (( الاتقاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وصى ) و ( وقي ) .

(24) الأثر : 14168 - صحيح الإسناد ، رواه أحمد في المسند رقم : 4142 ، 4437 ، بنحوه .

وقد فصل ابن كثير في تفسيره شرح هذا الإسناد ، وما فيه من اختلاف الرواية 3 : 427 - 429 .

وسيأتي برقم : 14170 ، موقوفًا على ابن مسعود .

(25) يعني بقوله : (( دونه عندهم )) ، دون النبي صلى الله عليه وسلم ، عند من قرأ ذلك كذلك ، كما سيظهر ذلك من الآتي بعد ، انظر التعليق رقم : 3 .

(26) (( عوام المسلمين )) يعني : عامة المسلمين ، لا يعني (( العوام )) كما استعملت بمعنى : الذين لم يتعلموا العلم .

(27) في المطبوعة : (( عباده بالأشياء )) ، وهو كلام ساقط ، لم يحسن قراءة المخطوطة فغير وزاد .

وفي المخطوطة : (( عباده الأساء )) ، والصواب قراءتها ما أثبت .

ويعني أن هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه هذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم ; فإنه لما نهى وأمر حذر هنا عن اتباع غير سبيله ، فأمر فيها باتباع طريقه على ما نبينه بالأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف .

وأن في موضع نصب ، أي واتل أن هذا صراطي .

عن الفراء والكسائي .

قال الفراء : ويجوز أن يكون خفضا ، أي وصاكم به وبأن هذا صراطي .

وتقديرها عند الخليل وسيبويه : ولأن هذا صراطي ; كما قال : وأن المساجد لله وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي ( وإن هذا ) بكسر الهمزة على الاستئناف ; أي الذي ذكر في الآيات صراطي مستقيما .

وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب ( وأن هذا ) بالتخفيف .

والمخففة مثل المشددة ، إلا أن فيه ضمير القصة والشأن ; أي وأنه هذا .

فهي في موضع رفع .

ويجوز النصب .

ويجوز أن تكون زائدة للتوكيد ; كما قال عز وجل : فلما أن جاء البشير [ ص: 125 ] والصراط : الطريق الذي هو دين الإسلام .

مستقيما نصب على الحال ، ومعناه مستويا قويما لا اعوجاج فيه .

فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه ونهايته الجنة .

وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادة نجا ، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار .ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله أي تميل .

روى الدارمي أبو محمد في مسنده بإسناد صحيح : أخبرنا عفان حدثنا حماد بن زيد حدثنا عاصم ابن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا ، ثم قال : هذا سبيل الله ، ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن يساره ثم قال : هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها ، ثم قرأ هذه الآية وأخرجه ابن ماجه في سننه عن جابر بن عبد الله قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا ، وخط خطين عن يمينه ، وخط خطين عن يساره ، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال : هذا سبيل الله ، ثم تلا هذه الآية : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيلهوهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع ، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام .

هذه كلها عرضة للزلل ، ومظنة لسوء المعتقد ; قاله ابن عطية .قلت : وهو الصحيح .

ذكر الطبري في كتاب آداب النفوس : حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن أبان أن رجلا قال لابن مسعود : ما الصراط المستقيم ؟

قال : تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه وطرفه في الجنة ، وعن يمينه جواد وعن يساره جواد ، وثم رجال يدعون من مر بهم فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار ، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة ، ثم قرأ ابن مسعود : وأن هذا صراطي مستقيما الآية .

وقال عبد الله بن مسعود : تعلموا العلم قبل أن يقبض ، وقبضه أن يذهب أهله ، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع ، وعليكم بالعتيق .

أخرجه الدارمي .

وقال مجاهد في قوله : ولا تتبعوا السبل قال : البدع .

قال ابن شهاب : وهذا كقوله تعالى : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا [ ص: 126 ] الآية .

فالهرب الهرب ، والنجاة النجاة !

والتمسك بالطريق المستقيم والسنن القويم ، الذي سلكه السلف الصالح ، وفيه المتجر الرابح .

روى الأئمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا .

وروى ابن ماجه وغيره عن العرباض بن سارية قال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب ; فقلنا : يا رسول الله ، إن هذه لموعظة مودع ، فما تعهد إلينا ؟

فقال : قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم والأمور المحدثات فإن كل بدعة ضلالة وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد أخرجه الترمذي بمعناه وصححه .

وروى أبو داود قال حدثنا ابن كثير قال أخبرنا سفيان قال : كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر ; فكتب إليه : أما بعد ، فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته ، وكفوا مئونته ، فعليك بلزوم الجماعة فإنها لك بإذن الله عصمة ، ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها ; فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل ، والحمق والتعمق ; فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم ، فإنهم على علم وقفوا ، وببصر نافذ كفوا ، وإنهم على كشف الأمور كانوا أقوى ، وبفضل ما كانوا فيه أولى ، فإن كان الهدى ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه ، ولئن قلتم إنما حدث بعدهم فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم ; فإنهم هم السابقون ، قد تكلموا فيه بما يكفي ووصفوا ما يشفي ; فما دونهم من مقصر ، وما فوقهم من [ ص: 127 ] مجسر ، وقد قصر قوم دونهم فجفوا ، وطمح عنهم أقوام فغلوا وإنهم مع ذلك لعلى هدى مستقيم .

وذكر الحديث .

وقال سهل بن عبد الله التستري : عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة ، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في جميع أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرءوا منه وأذلوه وأهانوه .

قال سهل : إنما ظهرت البدعة على يدي أهل السنة لأنهم ظاهروهم وقاولوهم ; فظهرت أقاويلهم وفشت في العامة فسمعه من لم يكن يسمعه ، فلو تركوهم ولم يكلموهم لمات كل واحد منهم على ما في صدره ولم يظهر منه شيء وحمله معه إلى قبره .

وقال سهل : لا يحدث أحدكم بدعة حتى يحدث له إبليس عبادة فيتعبد بها ثم يحدث له بدعة ، فإذا نطق بالبدعة ودعا الناس إليها نزع منه تلك الخذمة .

قال سهل : لا أعلم حديثا جاء في المبتدعة أشد من هذا الحديث : حجب الله الجنة عن صاحب البدعة .

قال : فاليهودي والنصراني أرجى منهم .

قال سهل : من أراد أن يكرم دينه فلا يدخل على السلطان ، ولا يخلون بالنسوان ، ولا يخاصمن أهل الأهواء .

وقال أيضا : اتبعوا ولا تبتدعوا ، فقد كفيتم .

وفي مسند الدارمي : أن أبا موسى الأشعري جاء إلى عبد الله بن مسعود فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إني رأيت في المسجد آنفا شيئا أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا ، قال : فما هو ؟

قال : إن عشت فستراه ، قال : رأيت في المسجد قوما حلقا حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة ; في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول لهم : كبروا مائة ; فيكبرون مائة .

فيقول : هللوا مائة ; فيهللون مائة .

ويقول : سبحوا مائة ; فيسبحون مائة .

قال : فماذا قلت لهم ؟

قال : ما قلت لهم شيئا ; انتظار رأيك وانتظار أمرك .

قال أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم ألا يضيع من حسناتهم .

ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق ; فوقف عليهم فقال : ما هذا الذي أراكم تصنعون ؟

قالوا : يا أبا عبد الرحمن ، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح .

قال : فعدوا سيئاتكم وأنا ضامن لكم ألا يضيع من حسناتكم شيء ، ويحكم يا أمة محمد !

ما أسرع هلكتكم .

أومفتتحي باب ضلالة ؟

!

قالوا : والله يا أبا عبد الرحمن ، ما أردنا إلا الخير .

فقال : وكم من مريد للخير لن يصيبه !وعن عمر بن عبد العزيز وسأله رجل عن شيء من أهل الأهواء والبدع ; فقال : عليك بدين الأعراب والغلام [ ص: 128 ] في الكتاب ، واله عما سوى ذلك .

وقال الأوزاعي : قال إبليس لأوليائه من أي شيء تأتون بني آدم ؟

فقالوا : من كل شيء .

قال : فهل تأتونهم من قبل الاستغفار ؟

قالوا : هيهات !

ذلك شيء قرن بالتوحيد .

قال : لأبثن فيهم شيئا لا يستغفرون الله منه .

قال : فبث فيهم الأهواء .

وقال مجاهد : ولا أدري أي النعمتين علي أعظم أن هداني للإسلام ، أو عافاني من هذه الأهواء .

وقال الشعبي : إنما سموا أصحاب الأهواء لأنهم يهوون في النار .

كله عن الدارمي .

وسئل سهل بن عبد الله عن الصلاة خلف المعتزلة والنكاح منهم وتزويجهم .

فقال : لا ، ولا كرامة !

هم كفار ، كيف يؤمن من يقول : القرآن مخلوق ، ولا جنة مخلوقة ولا نار مخلوقة ، ولا لله صراط ولا شفاعة ، ولا أحد من المؤمنين يدخل النار ولا يخرج من النار من مذنبي أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا عذاب القبر ولا منكر ولا نكير ، ولا رؤية لربنا في الآخرة ولا زيادة ، وأن علم الله مخلوق ، ولا يرون السلطان ولا جمعة ; ويكفرون من يؤمن بهذا .

وقال الفضيل بن عياض : من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله ، وأخرج نور الإسلام من قلبه .

وقد تقدم هذا من كلامه وزيادة .

وقال سفيان الثوري : البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ; المعصية يتاب منها ، والبدعة لا يتاب منها .

وقال ابن عباس : النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة ، عبادة .

وقال أبو العالية : عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا .

قال عاصم الأحول : فحدثت به الحسن فقال : قد نصحك والله وصدقك .

وقد مضى في " آل عمران " معنى قوله عليه السلام : تفرقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين فرقة وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين .

الحديث .

وقد قال بعض العلماء العارفين : هذه الفرقة التي زادت في فرق أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم قوم يعادون العلماء ويبغضون الفقهاء ، ولم يكن ذلك قط في الأمم السالفة .

وقد روى رافع بن خديج أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يكون في أمتي قوم يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون كما كفرت اليهود والنصارى .

قال فقلت : جعلت فداك يا رسول الله !

كيف ذاك ؟

قال : يقرون ببعض ويكفرون ببعض .

قال قلت : جعلت فداك يا رسول الله !

وكيف يقولون ؟

قال : يجعلون إبليس عدلا لله في خلقه وقوته ورزقه ويقولون الخير من الله والشر من إبليس .

قال : فيكفرون بالله ثم يقرءون على ذلك كتاب الله ، [ ص: 129 ] فيكفرون بالقرآن بعد الإيمان والمعرفة ؟

قال : فما تلقى أمتي منهم من العداوة والبغضاء والجدال أولئك زنادقة هذه الأمة .

وذكر الحديث .

ومضى في " النساء " وهذه السورة النهي عن مجالسة أهل البدع والأهواء ، وأن من جالسهم حكمه حكمهم فقال : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا الآية .

ثم بين في سورة " النساء " وهي مدنية عقوبة من فعل ذلك وخالف ما أمر الله به فقال : وقد نزل عليكم في الكتاب الآية .

فألحق من جالسهم بهم .

وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة وحكم بموجب هذه الآيات في مجالس أهل البدع على المعاشرة والمخالطة منهم أحمد بن حنبل والأوزاعي وابن المبارك فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع قالوا : ينهى عن مجالستهم ، فإن انتهى وإلا ألحق بهم ، يعنون في الحكم .

وقد حمل عمر بن عبد العزيز الحد على مجالس شربة الخمر ، وتلا إنكم إذا مثلهم .

قيل له : فإنه يقول إني أجالسهم لأباينهم وأرد عليهم .

قال ينهى عن مجالستهم ، فإن لم ينته ألحق بهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما بين كثيرا من الأوامر الكبار، والشرائع المهمة، أشار إليها وإلى ما هو أعم منها فقال: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا } أي: هذه الأحكام وما أشبهها، مما بينه الله في كتابه، ووضحه لعباده، صراط الله الموصل إليه، وإلى دار كرامته، المعتدل السهل المختصر.

{ فَاتَّبِعُوهُ } لتنالوا الفوز والفلاح، وتدركوا الآمال والأفراح.

{ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ } أي: الطرق المخالفة لهذا الطريق { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } أي: تضلكم عنه وتفرقكم يمينا وشمالا، فإذا ضللتم عن الصراط المستقيم، فليس ثم إلا طرق توصل إلى الجحيم.

{ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فإنكم إذا قمتم بما بينه الله لكم علما وعملا صرتم من المتقين، وعباد الله المفلحين، ووحد الصراط وأضافه إليه لأنه سبيل واحد موصل إليه، والله هو المعين للسالكين على سلوكه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأن هذا ) أي : هذا الذي وصيتكم به في هاتين الآيتين ( صراطي ) طريقي وديني ، ( مستقيما ) مستويا قويما ، ( فاتبعوه ) قرأ حمزة والكسائي " وإن " بكسر الألف على الاستئناف ، وقرأ الآخرون : بفتح الألف ، قال الفراء : والمعنى وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيما .

وقرأ ابن عامر ويعقوب : بسكون النون .

( ولا تتبعوا السبل ) أي : الطرق المختلفة التي عدا هذا الطريق ، مثل اليهودية والنصرانية وسائر الملل ، وقيل : الأهواء والبدع ، ( فتفرق ) فتميل ، ( بكم ) وتشتت ، ( عن سبيله ) عن طريقه ودينه الذي ارتضى ، وبه أوصى ، ( ذلكم ) الذي ذكرت ، ( وصاكم به لعلكم تتقون ) أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي المعروف بأبي بكر بن أبي الهيثم أنا الحاكم أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي ثنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد ثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله قال : خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطا ثم قال : " هذا سبيل الله ، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ، وقال : هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه " ثم قرأ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه الآية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأنَّ» بالفتح على تقدير اللام والكسر استئنافا «هذا» الذي وصيتكم به «صراطي مستقيما» حال «فاتَّبعوه ولا تتبعوا السبل» الطرق المخالفة له «فتفرَّق» فيه حذف إحدى التاءين تميل «بكم عن سبيله» دينه «ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون»

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومما وصاكم الله به أن هذا الإسلام هو طريق الله تعالى المستقيم فاسلكوه، ولا تسلكوا سبل الضلال، فتفرقكم، وتبعدكم عن سبيل الله المستقيم.

ذلكم التوجه نحو الطريق المستقيم هو الذي وصَّاكم الله به؛ لتتقوا عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أما الوصية العاشرة فهى قوله - تعالى - فى الآية الثالثة من هذه الآيات : { وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } .قرأة الجمهور بفتح همزة { أَنَّ } وتشديد النون .

ومحلها مع ما فى حيزها الجر بحذف لام العلة .

أى : ولأن هذا الذى وصيتكم به من الأوامر والنواهى طريقى ودينى الذى لا اعوجاج فيه ، فمن الواجب عليكم أن تتبعوه وتعملوا به .ويحتمل أن يكون محلها مع ما فى حيزها النصب على { مَا حَرَّمَ } أى : وأتلوا عليكم أن هذا صراطى مستقيما .وقرأ حمزة والكسائى " إن " بكسر الهمزة على الاستئناف .وقوله { وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل } يعنى الأديان الباطلة ، والبدع والضلالات الفاسدة { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } أى : فتفرقكم عن صراط الله المستقيم وهو دين الإسلام الذى ارتضاه لكم .روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه - قال : " خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال : هذا سبيل الله ، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال : هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ { وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً } " .وقد أفرد - سبحانه - الصراط المستقيم وهو سبيل الله ، وجمع السبل المخالفة له لأن الحق واحد والباطل ما خالفه وهو كثير فيشمل الأديان الباطلة ، والبدع الفاسدة ، والشبهات الزائفة ، والفرق الضالة وغيرها .ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - { ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } أى : ذلكم المذكور من اتباع سبيله - تعالى - وترك اتباع السبل وصاكم الله به لعلكم تتقون اتباع سبل الكفر والضلالة ، وتعملون بما جاءكم به هذا الدين .قال أبو حيان : ولما كانت الخمسة المذكورة فى الآية الأولى من الأمور الظاهرة الجلية مما يجب تعلقها وتفهمها ختمت الآية بقوله { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ، ولما كانت الأربعة المذكورة فى الآية الثانة خافية غامضة ولا بد فيها من الاجتهاد والتفكر حتى يقف الإنسان فيها على موضع الاعتدال ختمت بقوله : { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف ، وأمر - سبحانه - باتباعه ونهى عن اتباع السبل المختلفة ختم ذلك بالتقوى التى هى اتقاء النار ، إذ من اتبع صراطه نجا النجاة الأبدية وحصل على السعادة السرمدية " .وبعد : فهذه هى الوصايا العشر التى جاءت بها هذه الآيات الكريمة ، والمتأمل فيها يراها قد وضعت أساس العقيدة السليمة فى توحيد الله - تعالى - وبنت الأسرة الفاضلة على أساس الإحسان بالوالدين والرحمة بالأبناء ، وحفظت المجتمع من التصدع عن طريق تحريمها لانتهاك الأنفس والأموال والأعراض ، ثم ربطت كل ذلك بتقوى الله التى هى منبع كل خير وسبيل كل فلاح .فأين المسلمون اليوم من هذه الوصايا؟

إنهم لو عملوا بها لعزوا فى دنياهم ولسعدوا فى أخراهم ، فهل تراهم فاعلون؟اللهم خذ بيدنا إلى ما يرضيك وجنبنا مالا يرضيك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى قرأ ابن عامر ﴿ وَأَنَّ هذا ﴾ بفتح الألف وسكون النون وقرأ حمزة والكسائي ﴿ وَأَنْ ﴾ بكسر الألف وتشديد النون أما قراءة ابن عامر فأصلها ﴿ وإِنَّهُ هذا صراطي ﴾ والهاء ضمير الشأن والحديث وعلى هذا الشرط تخفف.

قال الأعشى: في فتية كسيوف الهند قد علموا *** أن هالك كل من يحفى وينتعل أي قد علموا أنه هالك، وأما كسر ﴿ إن ﴾ فالتقدير ﴿ أَتْلُ مَا حَرَّمَ  ﴾ وأتل ﴿ أَنَّ هَذَا صراطي ﴾ بمعنى أقول وقيل على الاستئناف.

وأما فتح أن فقال الفراء فتح ﴿ أن ﴾ من وقوع أتل عليها يعني وأتل عليكم ﴿ أَنَّ هَذَا صراطي مُسْتَقِيمًا ﴾ قال: وإن شئت جعلتها خفضاً والتقدير ﴿ ذلكم وصاكم بِهِ ﴾ وبأن هذا صراطي.

قال أبو علي: من فتح ﴿ أن ﴾ فقياس قول سيبويه أنه حملها على قوله: ﴿ فاتبعوه ﴾ والتقدير لأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه كقوله: ﴿ وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحدة  ﴾ وقال سيبويه لأن هذه أمتكم، وقال في قوله: ﴿ وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً  ﴾ والمعنى ولأن المساجد لله.

المسألة الثانية: القراء أجمعوا على سكون الياء من ﴿ صراطي ﴾ غير ابن عامر فإنه فتحها وقرأ ابن كثير وابن عامر ﴿ سراطي ﴾ بالسين وحمزة بين الصاد والزاي والباقون بالصاد صافية وكلها لغات قال صاحب الكشاف: قرأ الأعمش ﴿ وهذا صراطي ﴾ وفي مصحف عبد الله ﴿ وهذا صراط رَبُّكُمْ ﴾ وفي مصحف أبي ﴿ وهذا صراط رَبّكَ ﴾ .

المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بين في الآيتين المتقدمين ما وصى به أجمل في آخره إجمالاً يقتضي دخول ما تقدم فيه، ودخول سائر الشريعة فيه فقال: ﴿ وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا ﴾ فدخل فيه كل ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم من دين الإسلام وهو المنهج القويم والصراط المستقيم، فاتبعوا جملته وتفصيله ولا تعدلوا عنه فتقعوا في الضلالات.

وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خط خطاً، ثم قال: «هذا سبيل الرشد ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً، ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه؟» ثم تلا هذه الآية: ﴿ وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه ﴾ وعن ابن عباس هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار.

ثم قال: ﴿ ذلكم وصاكم بِهِ ﴾ أي بالكتاب ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ المعاصي والضلالات.

المسألة الرابعة: هذه الآية تدل على أن كل ما كان حقاً فهو واحد، ولا يلزم منه أن يقال: إن كل ما كان واحداً فهو حق، فإذا كان الحق واحداً كان كل ما سواه باطلاً، وما سوى الحق أشياء كثيرة، فيجب الحكم بأن كل كثير باطل، ولكن لا يلزم أن يكون كل باطل كثيراً بعين ما قررناه في القضية الأولى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ وأَنْ هذا صراطي مستقيماً ﴾ بتخفيف (إن) وأصله: وأنه هذا صراطي، على أن الهاء ضمير الشأن والحديث.

وقرأ الأعمش: ﴿ وهذا صراطي ﴾ .

وفي مصحف عبد الله: ﴿ هذا صراط ربكم ﴾ .

وفي مصحف أبيّ: ﴿ وهذا صراط ربك ﴾ ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل ﴾ الطرق المختلفة في الدين، من اليهودية والنصرانية، والمجوسية، وسائر البدع والضلالات ﴿ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ ﴾ فتفرقكم أيادي سبا ﴿ عَن سَبِيلِهِ ﴾ عن صراط الله المستقيم وهو دين الإسلام.

وقرئ: ﴿ فَتَّفَرَّقَ ﴾ بإدغام التاء.

وروى أبو وائل عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أنه خط خطاً ثم قال: هذا سبيل الرشد، ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية» ﴿ وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه ﴾ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الآيات محكمات لم ينسخهنّ شيء من جميع الكتب.

وقيل: إنهنّ أمّ الكتاب، من عمل بهنّ دخل الجنة، ومن تركهنّ دخل النار، وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إنّ هذه الآيات لأول شيء في التوراة.

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب ﴾ قلت: على ﴿ وصاكم بِهِ ﴾ .

فإن قلت: كيف صحّ عطفه عليه بثم- والإيتاء قبل التوصية بدهر طويل-؟

قلت: هذه التوصية قديمة، لم تزل توصاها كل أمّة على لسان نبيهم، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: محكمات لم ينسخهنّ شيء من جميع الكتاب، فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا ﴾ الإشارَةُ فِيهِ إلى ما ذَكَرَ في السُّورَةِ فَإنَّها بِأسْرِها في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وبَيانِ الشَّرِيعَةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ إنَّ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ.

وَقَرَأ الباقُونَ بِها مُشَدَّدَةً بِتَقْدِيرِ اللّامِ عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ.

فاتَّبِعُوهُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ صِراطِيَ بِفَتْحِ الياءِ، وقُرِئَ «وَهَذا صِراطِي» «وَهَذا صِراطُ رَبِّكُمْ» «وَهَذا صِراطُ رَبِّكَ» .

﴿ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ﴾ الأدْيانَ المُخْتَلِفَةَ أوِ الطُّرُقَ التّابِعَةَ لِلْهَوى، فَإنَّ مُقْتَضى الحُجَّةِ واحِدٌ ومُقْتَضى الهَوى مُتَعَدِّدٌ لِاخْتِلافِ الطَّبائِعِ والعاداتِ.

﴿ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ ﴾ فَتُفَرِّقُكم وتُزَيِّلُكم.

﴿ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ الَّذِي هو اتِّباعُ الوَحْيِ واقْتِفاءُ البُرْهانِ.

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ الِاتِّباعُ.

﴿ وَصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ الضَّلالَ والتَّفَرُّقَ عَنِ الحَقِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)

{وَأَنَّ هذا صراطي} ولأن هذا صراطي فهو علة للاتباع بتقدير اللام وَأَنْ بالتخفيف شامي وأصله وأنه على أن الهاء ضمير الشأن والحديث وَإنْ على الابتداء حمزة وعلي {مُّسْتَقِيماً} حال {فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل} الطرق المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات {فتفرق بكم عن سبيله} فنفرقكم أيادي سبأ عن صراط الله المستقيم وهو دين الإسلام روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط خطاً مستوياً ثم قال هذا سبيل الرشد وصراط الله فاتبعوه ثم خط على كل

جانب ستة خطوط ممالة ثم قال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا إليه فاجتنوها وتلا هذه الآية ثم يصير كل واحد من الاثني عشر طريقاً ستة طرق فتكون اثنين وسبعين وعن ابن عباس رضى الله عنهما هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب وعن كعب إن هذه الآيات لأول شيء فى التوارة {ذلكم وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لتكونوا على رجاء إصابة التقوى ذكر أولاً تَعْقِلُونَ ثم تَذَكَّرُونَ ثم تَتَّقُونَ لأنهم إذا عقلوا تفكروا ثم تذكروا أى اتعظوا فاتقوا المحارم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأنَّ هَذا صِراطِي ﴾ إشارَةٌ إلى شَرْعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ويُلائِمُهُ النَّهْيُ الآتِي وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما في الآيَتَيْنِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ وقِيلَ: إلى ما ذُكِرَ في السُّورَةِ فَإنَّ أكْثَرَها في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وبَيانِ الشَّرِيعَةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( إنَّ ) بِالكَسْرِ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ والباقُونَ بِهِ مُشَدَّدٌ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( صِراطِيَ ) بِفَتْحِ الياءِ وقُرِئَ ( وهَذا صِراطُ رَبِّكم ) ( وهَذا صِراطُ رَبِّكَ ) وإضافَةُ الصِّراطِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ الوَضْعِ وإلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَيْثُ السُّلُوكِ والدَّعْوَةِ أيْ هَذا الصِّراطُ الَّذِي أسْلُكُهُ وأدْعُو إلَيْهِ ﴿ مُسْتَقِيمًا ﴾ لا اعْوِجاجَ فِيهِ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ ﴿ فاتَّبِعُوهُ ﴾ أيِ اقْتَفُوا أثَرَهُ واعْمَلُوا بِهِ ﴿ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ﴾ أيِ الضَّلالاتِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّها الأدْيانُ المُخْتَلِفَةُ كاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها البِدَعُ والشُّبُهاتُ ﴿ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ ﴾ نُصِبَ في جَوابِ النَّهْيِ والأصْلُ ( تَتَفَرَّقَ ) فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ فَتُفَرِّقَكم حَسَبَ تَفَرُّقِها أيادِي سَبَأٍ فَهو كَما تَرى أبْلَغُ مِن تَفَرُّقِكم كَما قِيلَ مِن أنَّ ذَهَبَ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِصْحابِ أبْلَغُ مِن أذْهَبَهُ عَنْ سَبِيلِهِ أيْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا حَرَجَ لِما هو دِينُ الإسْلامِ وقِيلَ: هو اتِّباعُ الوَحْيِ واقْتِفاءُ البُرْهانِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ صِراطَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَيْنُ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ  خَطًّا بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى مُسْتَقِيمًا ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ الخَطِّ وعَنْ شِمالِهِ ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنها سَبِيلٌ إلّا عَلَيْهِ شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ ثُمَّ قَرَأ ﴿ وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ﴾ ..

إلَخْ» .

وإنَّما أُضِيفَ إلَيْهِ  أوَّلًا لِأنَّ ذَلِكَ أدْعى لِلِاتِّباعِ إذْ بِهِ يَتَّضِحُ كَوْنُهُ صِراطَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى اتِّباعِ السُّبُلِ ﴿ وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ (153) عِقابَ اللَّهِ تَعالى بِالمُثابَرَةِ عَلى فِعْلِ ما أمَرَ بِهِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الكَفِّ عَمّا نَهى عَنْهُ قالَ أبُو حَيّانَ: ولَمّا كانَ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الجامِعُ لِلتَّكالِيفِ وأمَرَ سُبْحانَهُ بِاتِّباعِهِ ونَهى عَنِ اتِّباعِ غَيْرِهِ مِنَ الطُّرُقِ خَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي اتِّقاءُ النّارِ إذْ مَنِ اتَّبَعَ صِراطَهُ نَجا النَّجاةَ الأبَدِيَّةَ وحَصَلَ عَلى السَّعادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ وكَرَّرَ سُبْحانَهُ الوَصِيَّةَ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ ويا لَها مِن وصِيَّةٍ ما أعْظَمَ شَأْنَها وأوْضَحَ بُرْهانَها.

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى وصِيَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخاتَمِهِ فَلْيَقْرَأْ هَؤُلاءِ الآياتِ ﴿ قُلْ تَعالَوْا ﴾ إلى ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  «أيُّكم يُبايِعُنِي عَلى هَؤُلاءِ الآياتِ الثَّلاثِ ثُمَّ تَلاهُنَّ إلى آخِرِهِنَّ ثُمَّ قالَ فَمَن وفّى بِهِنَّ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ومَنِ انْتَقَصَ مِنهُنَّ شَيْئًا فَأدْرَكَهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا كانَتْ عُقُوبَتَهُ ومَن أخَّرَهُ إلى الآخِرَةِ كانَ أمْرُهُ إلى اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ أخَذَهُ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ» .

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ قالَ: سَمِعَ كَعْبٌ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ﴾ ..

إلَخْ.

فَقالَ: والَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ إنَّها لَأوَّلُ آيَةٍ في التَّوْراةِ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما هَذِهِ آياتٌ مُحْكَماتٌ لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ وهُنَّ مُحَرَّماتٌ عَلى بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ وهُنَّ أُمُّ الكِتابِ مَن عَمِلَ بِهِنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ ومَن تَرَكَهُنَّ دَخَلَ النّارَ.

هَذا و( أنْ ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ألا تُشْرِكُوا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً قالَ العَلّامَةُ الثّانِي: وفي الِاحْتِمالَيْنِ إشْكالٌ فَإنَّها إنْ جُعِلَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ بَيانًا لِلْمُحَرَّمِ بَدَلًا مِن ما أوْ عائِدِهِ المَحْذُوفِ وظاهِرٌ أنَّ المُحَرَّمَ هو الإشْراكُ لا نَفْيُهُ وأنَّ الأوامِرَ بَعْدُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( لا تُشْرِكُوا ) وفِيهِ عَطْفُ الطَّلَبِيِّ عَلى الخَبَرِيِّ وجَعْلُ الواجِبِ المَأْمُورِ بِهِ مُحَرَّمًا فاحْتِيجَ إلى تَكَلُّفٍ كَجَعْلِ ( لا ) مَزِيدَةً وعَطْفِ الأوامِرِ عَلى المُحَرَّماتِ بِاعْتِبارِ حُرْمَةِ أضْدادِها وتَضْمِينِ الخَبَرِ مَعْنى الطَّلَبِ وأمّا جَعْلُ ( لا ) ناهِيَةً واقِعَةً مَوْقِعَ الصِّلَةِ لِأنِ المَصْدَرِيَّةِ كَما جَوَّزَهُ سِيبَوَيْهِ إذْ عَمِلَ الجازِمُ في الفِعْلِ والنّاصِبُ في ( لا ) مَعَهُ فَما سَبِيلٌ إلَيْهِ هُنا لِأنَّ زِيادَةَ ( لا ) النّاهِيَةَ مِمّا لَمْ يُقُلْ بِهِ أحَدٌ ولَمْ يَرِدْ في كَلامٍ وإنْ جُعِلَتْ أنْ مُفَسِّرَةً و( لا ) ناهِيَةً والنَّواهِي بَيانٌ لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ تَوَجَّهَ إشْكالانِ أحَدُهُما عَطْفُ ( أنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا ) عَلى ( ألا تُشْرِكُوا ) مَعَ أنَّهُ لا مَعْنى لِعَطْفِهِ عَلى أنِ المُفَسِّرَةِ مَعَ الفِعْلِ وثانِيهِما عَطْفُ الأوامِرِ المَذْكُورَةِ فَإنَّها لا تَصْلُحُ بَيانًا لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ بَلِ الواجِباتِ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها مُفَسِّرَةً وعَطْفَ الأوامِرِ لِأنَّها مَعْنى نَواهٍ ولا سَبِيلَ حِينَئِذٍ لِجَعْلِها مَصْدَرِيَّةً مَوْصُولَةً بِالنَّهْيِ لِما عَلِمْتَ.

وأجابَ عَنِ الإشْكالِ الأوَّلِ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنَّ هَذا صِراطِي ﴾ لَيْسَ عَطْفًا عَلى ( ألا تُشْرِكُوا ) بَلْ هو تَعْلِيلٌ لِلِاتِّباعِ مُتَعَلِّقٌ بِاتَّبِعُوهُ عَلى حَذْفِ اللّامِ وجازَ عَوْدُ ضَمِيرِ ( اتَّبِعُوهُ ) إلى الصِّراطِ لِتَقَدُّمِهِ في اللَّفْظِ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ ( اتَّبِعُوهُ ) عَطْفًا عَلى ( لا تُشْرِكُوا ) ويَكُونُ التَّقْدِيرُ فاتَّبِعُوا صِراطِيَ لِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ وفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ حِرَفَيْ عَطْفِ الواوِ والفاءِ ولَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ وإنْ جُعِلَتِ الواوُ اسْتِئْنافِيَّةً اعْتِراضِيَّةً قُلْنا: وُرُودُ الواوِ مَعَ الفاءِ عِنْدَ تَقْدِيمِ المَعْمُولِ فَصْلًا بَيْنَهُما شائِعٌ في الكَلامِ مِثْلَ ﴿ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ ﴿ وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا ﴾ فَإنْ أبَيْتَ الجَمْعَ البَتَّةَ ومَنَعْتَ زِيادَةَ الفاءِ فاجْعَلِ المَعْمُولَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ والمَذْكُورَ بِالفاءِ عَطْفا عَلَيْهِ مِثْلَ عَظِّمْ فَكَبِّرْ وادْعُوا اللَّهَ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ وآثَرُوهُ فاتَّبِعُوهُ.

وعَنِ الإشْكالِ الثّانِي بِأنَّ عَطْفَ الأوامِرِ عَلى النَّواهِي الواقِعَةِ بَعْدَ أنِ المُفَسِّرَةِ لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ لا يَكُونُ مُحَرَّمًا دَلَّ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى أضْدادِها بِمَعْنى أنَّ الأوامِرَ كَأنَّها ذُكِرَتْ وقُصِدَ لَوازِمُها الَّتِي هي النَّهْيُ عَنِ الأضْدادِ حَتّى كَأنَّهُ قِيلَ: أتْلُو ما حَرَّمَ أنْ لا تُسِيؤُوا إلى الوالِدَيْنِ ولا تَبْخَسُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَتْرُكُوا العَدْلَ ولا تَنْكُثُوا العَهْدَ ومِثْلُ هَذا وإنْ لَمْ يَجُزْ بِحَسَبِ الأصْلِ لَكِنْ رُبَّما يَجُوزُ بِطَرِيقِ العَطْفِ وأمّا جَعْلُ الوَقْفِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( رَبُّكم ) وانْتِصابُ ( ألا تُشْرِكُوا ) بِعَلَيْكم يَعْنِي الزَمُوا تَرْكَ فَيَأْباهُ عَطْفُ الأوامِرِ إلّا أنْ تَجْعَلَ ( لا ) ناهِيَةً وأنِ المَصْدَرِيَّةَ مَوْصُولَةً بِالأوامِرِ والنَّواهِي وقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ الأوامِرِ مَعْطُوفَةً عَلى جَمِيعِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ ( لا ) فَإنَّهُ لا يَصِحُّ عَطْفُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا عَلى ( تَعالَوْا ) ويَكُونُ ما بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلَيْهِ.

واعْتُرِضَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى أضْدادِ الأوامِرِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا وألْغازٌ في المَعانِي ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ ثُمَّ قالَ: وأمّا عَطْفُ هَذِهِ الأوامِرِ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحْدُهُما أنَّها مَعْطُوفَةٌ لا عَلى المَناهِي قَبْلَها فَيَلْزَمُ انْسِحابُ التَّحْرِيمِ عَلَيْها حَيْثُ كانَتْ في حَيِّزِ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ بَلْ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أتْلُ ما حَرَّمَ ﴾ أمَرَهم أوَّلًا بِأمْرٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ذِكْرُ مَناهٍ ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا بِأوامِرَ وهَذا مَعْنًى واضِحٌ والثّانِي أنْ تَكُونَ الأوامِرُ مَعْطُوفَةً عَلى المَناهِي داخِلَةً تَحْتَ حُكْمِ التَّفْسِيرِيَّةِ ويَصِحُّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ تَكُونُ أنْ مُفَسِّرَةً لَهُ ولِلْمَنطُوقِ قَبْلَهُ الَّذِي دَلَّ عَلى حَذْفِهِ والتَّقْدِيرُ وما أمَرَكم بِهِ فَحُذِفَ وما أمَرَكم بِهِ لِدَلالَةِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ مَعْنى ﴿ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ ﴾ ما نَهاكم رَبُّكم عَنْهُ فالمَعْنى قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما نَهاكم عَنْهُ رَبُّكم وما أمَرَكم بِهِ وإذا كانَ التَّقْدِيرُ هَذا صَحَّ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً لِفِعْلِ النَّهْيِ الدّالِّ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ وفِعْلِ الأمْرِ المَحْذُوفِ ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أمَرْتُكَ أنْ لا تُكْرِمَ جاهِلًا وأكْرِمْ عالِمًا ويَجُوزُ عَطْفُ الأمْرِ عَلى النَّهْيِ والنَّهْيِ عَلى الأمْرِ لِقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: لا تَهْلَكْ أسًى وتَجَمَّلْ ولا نَعْلَمُ في هَذا خِلافًا بِخِلافِ الجُمَلِ المُتَبايِنَةِ بِالخَبَرِ والِاسْتِفْهامِ والإنْشاءِ فَإنَّ في جَوازِ العَطْفِ فِيها خِلافًا مَشْهُورًا.

اهـ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ عَلى تَعالَوْا في غايَةِ البُعْدِ ولا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلَيْهِ وما ذَكَرَهُ مِنَ الحَذْفِ وجَعْلِ التَّفْسِيرِ لِلْمَحْذُوفِ والمَنطُوقِ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ جَوازَ كَوْنِ ( ألا تُشْرِكُوا ) بِتَقْدِيرِ اللّامِ عَلى مَعْنى أُبَيِّنُ لَكُمُ الحَرامَ لِأنْ لا تُشْرِكُوا لِأنَّهم إذا حَرَّمُوا ما أحَلَّ اللَّهُ فَقَدْ جَعَلُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى في القَبُولِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وصارُوا بِذَلِكَ مُشْرِكِينَ ولا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى مِثْلِ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى ﴿ ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِلْوَصِيَّةِ وتَحْقِيقًا لَها وتَمْهِيدًا لِما تَعَقَّبَهُ مِن ذِكْرِ إنْزالِ القُرْآنِ المَجِيدِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ مَعْطُوفٍ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ذَلِكم وصّاكم بِهِ ﴾ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ تَصْدِيقًا لَهُ وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِهِ فَعَلْنا ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ يعني: قل لمالك بن عوف وأصحابه الذين يحرمون الأشياء على أنفسهم، وقالوا ما قالوا أبيّن لكم ما حرم الله عليكم وما أمركم به أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً يقال: معناه أتل ما حرم ربكم عليكم، فقد تم الكلام.

ثم قال: وأمركم أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً يقول: نهاكم عن عقوق الوالدين، وأمركم ببرهم، ويقال: معناه حرم عليكم ألا تشركوا به شيئاً.

ويقال: معناه حرم عليكم الشرك.

وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً يعني: أمركم بالإحسان إلى الوالدين وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ يعني: من خشية الفقر نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ زنى السر والعلانية وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ يعني: إلا بالقصاص أو بالرجم أو بترك الإسلام، فإنّ القتل بهذه الأشياء من الحقوق ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ يقول: أمركم به في القرآن لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أمر الله بما حرمه في هذه الآيات.

وروي عن عبد الله بن قيس عن ابن عباس قال: هذه الآيات المحكمات: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ إلى ثلاث آيات وقال الربيع بن خثيم لرجل: هل لك في صحيفة عليها خاتم محمد  ؟

ثم قرأ هذه الآيات قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ويقال: هذه الآيات هن أم الكتاب، وهن إمام في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ولا يجوز أن يرد عليها النسخ.

ثم قال: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ يقول: لا تأكلوا مال اليتيم ولا تباشروه إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني: إلا بالقيام عليه لإصلاح ماله حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ يعني: احفظوا ماله حتى يبلغ رشده.

قال مقاتل: يعني ثماني عشرة سنة.

وقال الكلبي: الأشُدُّ ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة.

ويقال: حتى يبلغ مبلغ الرجل.

ويقال: بلوغ الأشد ما بين ثماني عشرة إلى أربعين سنة.

ثم قال: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ يعني: أتموا الكيل والميزان عند البيع والشراء بِالْقِسْطِ يعني: بالعدل لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها يعني: إلا جهدها في العدل يعني: إذا اجتهد الإنسان في الكيل والوزن، فلو وقعت فيه زيادة قليلة أو نقصان، فإنه لا يؤاخذ به إذا اجتهد جهده وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا يعني: اصدقوا وقولوا الحق وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى يعني وإن كان الحق على ذي قرابة، فقولوا الحق، ولا تمنعوا الحق وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا يقول: أتموا العهود التي بينكم وبين الله.

والعهد الذي بينكم وبين الناس.

ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ يقول: أمركم به في الكتاب لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يعني: تتعظون فتمتنعون عما حرم الله عليكم.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص تَذَكَّرُونَ بتخفيف الذال.

وقرأ الباقون بالتشديد.

لأن أصله تتذكرون.

فأدغم إحدى التاءين في الذال.

قوله تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً قرأ حمزة والكسائي وإن هذا بكسر الألف على معنى الابتداء.

وقرأ الباقون بالنصب على معنى البناء.

وقرأ ابن عامر وَأَنَّ هذا بجزم النون.

لأن أن إذا خففت منعت عملها.

ومعنى الآية: إن هذا الإسلام ديني الذي ارتضيته طريقاً مستقيما فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ يعني: لا تتبعوا اليهودية والنصرانية.

ويقال: هذا صراطي مستقيماً.

يعني: طريق السنة والجماعة فاتبعوه ولا تتبعوا السبل يعني: الأهواء المختلفة.

وروي عن عبد الله بن مسعود  : إن النبي  خطَّ بالأرض خطاً مستقيماً، ثم خطّ بجنبيه خطوطاً، ثم قال: هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل يعني: الطريق الذي بجنبي الخط، يعني به: الأهواء المختلفة.

ثم قال: فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ يعني: فيضلكم عن دينه ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ يعني يجتنبون الأهواء المختلفة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)

وقوله سبحانه: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً: هذا أمر من اللَّه عزَّ وجلَّ لنبيِّه- عليه السلام- أنْ يدعو جميع الخَلْق إلى سماع تلاوة ما حَرَّم اللَّه بشَرْع الإسلام المبعوثِ به إلى الأسود والأحمر، وما نصبَتْ بقوله: أَتْلُ، وهي بمعنى «الَّذِي» ، و «أنْ» ، في قوله: أَلَّا تُشْرِكُوا في موضع رفع، التقدير: الأمر أنْ، أو ذَاكَ أنْ، وقال كعب الأحبار: هذه الآية هي مفتتحُ التوراة: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ...

» إلى آخر الآيات «١» ، وقال ابن عباس: هذه الآيات هي المحْكَمَات المذْكُورة في آل عمران، اجتمعت عليها شرائعُ الخَلْقِ، ولم تنسخ قطُّ في «٢» ملة، وقد قيل: إنها العَشْر الكلمات المنزَّلة على موسى، والإملاق: الفَقْر وعدَمُ المال قاله ابن عباس وغيره، قال القُشَيْريُّ: خوفُ الفقر قرينةُ الكفر، وحُسْنُ الثقةِ بالرَّبِّ سبحانه نتيجةُ الأَيمان.

انتهى من «التحبير» .

وقوله سبحانه: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

، قال مجاهد: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

: التجارة فيه «٣» ، والأَشُدُّ هنا: الحَزْمُ والنظرُ في الأمور وحُسْنُ التصرُّف فيها، وليس هذا بالأَشُدِّ المقرونِ بالأربعين، بل هذا يكون مع صِغَر السِّنِّ في ناسٍ كثيرٍ.

وقوله سبحانه: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ

: أمر بالاعتدال.

وقوله سبحانه: لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها

: يقتضي أن هذه الأوامر إنما هِيَ فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفّظ والتحرّز.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَأنْ" بِفَتْحِ الألْفِ مَعَ تَشْدِيدِ النُّونِ.

قالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ جَعَلَتْ "أنْ" مَفْتُوحَةً بِوُقُوعِ "أتْلُ" عَلَيْها؛ وإنْ شِئْتَ جَعَلَتْها خَفْضًا، عَلى مَعْنى: ذَلِكم وصّاكم بِهِ، وبِأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الألِفِ أيْضًا، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ النُّونَ، فَجَعَلَها مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ؛ وحُكْمُ إعْرابِها حُكْمُ تِلْكَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَعَ كَسْرِ الألِفِ.

قالَ الفَرّاءُ: وكَسْرُ الألْفِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

وفي الصِّراطِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ.

والثّانِي: الإسْلامُ.

وقَدْ بَيَّنّا إعْرابَ قَوْلِهِ: "مُسْتَقِيمًا" أيْضًا.

فَأمّا "السُّبُلُ" فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الضَّلالاتُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: البِدَعُ والشُّبُهاتُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: أرادَ ما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ.

﴿ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ أيْ: فَتُضِلُّكم عَنْ دِينِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عن سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ اَلْإشارَةُ هي إلى الشَرْعِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِجُمْلَتِهِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: اَلْإشارَةُ هي إلى هَذِهِ الوَصايا الَّتِي تَقَدَّمَتْ؛ مِن قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ  ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "وَأنَّ هَذا"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وتَشْدِيدِ النُونِ؛ "صِراطِي"؛ ساكِنَ الياءِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَإنَّ"؛ بِكَسْرِ الألِفِ؛ وتَشْدِيدِ النُونِ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ مِنَ السَبْعَةِ: "وَأنْ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وسُكُونِ النُونِ؛ "صِراطِيَ"؛ مَفْتُوحَ الياءِ؛ فَأمّا مَن فَتَحَ الألِفَ فالمَعْنى عِنْدَهُ كَأنَّهُ قالَ: "وَلِأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ"؛ أيْ: "اِتَّبِعُوهُ؛ لِكَوْنِهِ كَذا"؛ وتَكُونُ الواوُ - عَلى هَذا - إنَّما عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ؛ ويَصِحُّ غَيْرُ هَذا؛ أنْ يَعْطِفَ عَلى "ألّا تُشْرِكُوا"؛ وكَأنَّ المُحَرَّمَ مِن هَذا اتِّباعُ السُبُلِ؛ والتَنْكِيبُ عَنِ الصِراطِ الأقْوَمِ؛ ومَن قَرَأ بِتَخْفِيفِ النُونِ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "ألا تُشْرِكُوا"؛  ﴾ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ؛ وأنَّ التَقْدِيرَ: "وَأنَّهُ هَذا صِراطِي"؛ ومَن قَرَأ بِكَسْرِ الألِفِ وتَشْدِيدِ النُونِ؛ فَكَأنَّهُ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ؛ وقَطَعَهُ مِنَ الأوَّلِ؛ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَهَذا صِراطِي"؛ بِحَذْفِ "أنَّ".

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ طَرِيقًا صِراطًا مُسْتَقِيمًا؛ طَرَفُهُ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وشَرْعُهُ؛ ونِهايَتُهُ الجَنَّةُ؛ وتَتَشَعَّبُ مِنهُ طُرُقٌ؛ فَمَن سَلَكَ الجادَّةَ نَجا؛ ومَن خَرَجَ إلى تِلْكَ الطُرُقِ أفْضَتْ بِهِ إلى النارِ؛ وقالَ أيْضًا: خَطَّ لَنا رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا خَطًّا؛ فَقالَ: "هَذا سَبِيلُ اللهِ"؛ ثُمَّ خَطَّ عن يَمِينِ ذَلِكَ الخَطِّ؛ وعن شِمالِهِ؛ خُطُوطًا؛ فَقالَ: "هَذِهِ سُبُلٌ؛ عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْها"؛ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ تَعُمُّ أهْلَ الأهْواءِ؛ والبِدَعِ؛ والشُذُوذِ؛ في الفُرُوعِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِن أهْلِ التَعَمُّقِ في الجَدَلِ؛ والخَوْضِ في الكَلامِ؛ هَذِهِ كُلُّها عُرْضَةٌ لِلزَّلَلِ؛ ومَظِنَّةٌ لِسُوءِ المُعْتَقَدِ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿ "ذَلِكم وصّاكُمْ"؛  ﴾ وفي قَوْلِهِ: "لَعَلَّكُمْ"؛ ومِن حَيْثُ كانَتِ المُحَرَّماتُ الأُوَلُ لا يَقَعُ فِيها عاقِلٌ قَدْ نَظَرَ بِعَقْلِهِ؛ جاءَتِ العِبارَةُ: ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ  ﴾ ؛ والمُحَرَّماتُ الأُخَرُ شَهَواتٍ؛ وقَدْ يَقَعُ فِيها مِنَ العُقَلاءِ مَن لَمْ يَتَذَكَّرْ؛ جاءَتِ العِبارَةُ: ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ  ﴾ ؛ ثُمَّ لَمّا كانَ رُكُوبُ الجادَّةِ الكامِلَةِ يَتَضَمَّنُ فِعْلَ الفَضائِلِ؛ وتِلْكَ دَرَجَةُ التَقْوى؛ جاءَتِ العِبارَةُ: ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الواو عاطفة على جملة: ﴿ ألاَّ تشركوا به شيئاً ﴾ [الأنعام: 151] لتماثل المعطوفات في أغراض الخطاب وترتيبه، وفي تخلّل التّذييلات التي عَقِبت تلك الأغراض بقوله: ﴿ لعلّكم تعقلون ﴾ [الأنعام: 151] ﴿ لعلّكم تذّكرون ﴾ [الأنعام: 152] ﴿ لعلّكم تتّقون ﴾ وهذا كلام جامع لاتباع ما يجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من الوحي في القرآن.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر: ﴿ أنّ ﴾ بفتح الهمزة وتشديد النّون.

وعن الفراء والكسائي أنَّه معطوف على: ﴿ ما حَرّم ربُّكم ﴾ [الأنعام: 151]، فهو في موضع نصب بفعل: ﴿ أتْلُ ﴾ والتّقدير: وأتْلُ عليكم أنّ هذا صراطي مستقيماً.

وعن أبي عليّ الفارسي: أنّ قيَاس قول سيبويه أنْ تحمل (أنّ)، أي تُعلَّق على قوله: ﴿ فاتبعوه ﴾ ، والتّقدير: ولأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبعوه، على قياس قول سيبويه في قوله تعالى: ﴿ لإيلاف قريش ﴾ [قريش: 1].

وقال في قوله تعالى: ﴿ وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ﴾ [الجن: 18] المعنى: ولأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً اه.

ف ﴿ أنّ ﴾ مدخولة للام التّعليل محذوفة على ما هو المعروف من حذفها مع (أنّ) و(أنْ).

وتقدير النّظم: واتَّبعوا صراطي لأنَّه صراط مستقيم، فوقع تحويل في النّظم بتقدير التّعليل على الفعل الذي حقّه أن يكون معطوفاً، فصار التّعليل معطوفاً لتقديمه ليفيد تقديمه تفرّع المعلّل وتسبّبه، فيكون التّعليل بمنزلة الشّرط بسبب هذا التّقديم، كأنَّه قيل: لمّا كان هذا صراطي مستقيماً فاتَّبعوه.

وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: ﴿ وإنّ ﴾ بكسر الهمزة وتشديد النّون فلا تحويل في نظم الكلام، ويكون قوله: ﴿ فاتبعوه ﴾ تفريعاً على إثبات الخبر بأنّ صراطه مسقيم.

وقرأ ابن عامر، ويعقوب: «وأنْ» بفتح الهمزة وسكون النّون على أنَّها مخفّفة من الثّقيلة واسمها ضمير شأن مُقدر والجملة بعده خبره، والأحسن تخريجها بكون ﴿ أنْ ﴾ تفسيرية معطوفة على: ﴿ ألاَّ تشركوا ﴾ [الأنعام: 151].

ووجه إعادة ﴿ أنْ ﴾ اختلاف أسلوب الكلام عمّا قبله.

والإشارة إلى الإسلام: أي وأنّ الإسلام صراطي؛ فالإشارة إلى حاضر في أذهان المخاطبين من أثر تكرّر نزول القرآن وسماع أقوال الرّسول عليه الصّلاة والسّلام، بحيث عرفه النّاس وتبيّنوه، فنزلّ منزلة المشاهد، فاستعمل فيه اسم الإشارة الموضوع لتعيين ذات بطريق المشاهدة مع الإشارة، ويجوز أن تكون الإشارة إلى جميع التّشريعات والمَواعظ التي تقدّمت في هذه السّورة، لأنَّها صارت كالشّيء الحاضر المشاهد، كقوله تعالى: ﴿ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ﴾ [آل عمران: 44].

والصّراط: الطّريق الجادة الواسعة، وقد مَرّ في قوله تعالى: ﴿ اهدنا الصّراط المستقيم ﴾ [الفاتحة: 6] والمراد الإسلام كما دلّ عليه قوله في آخر السّورة: ﴿ قل إنَّنِي هداني ربِّي إلى صراط مستقيم ديناً قيّماً ﴾ [الأنعام: 161] لأنّ المقصود منها تحصيل الصّلاح في الدّنيا والآخرة فشبّهت بالطّريق الموصل السّائر فيه إلى غرضه ومقصده.

ولمّا شبّه الإسلام بالصّراط وجعل كالشّيء المشاهد صار كالطّريق الواضحة البيّنة فادّعي أنَّه مستقيم، أي لا اعوجاج فيه لأنّ الطّريق المستقيم أيسر سلوكاً على السائر وأسرع وصولاً به.

والياء المضاف إليها (صراط) تعود على الله، كما بيّنه قوله: ﴿ وإنَّك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله ﴾ [الشورى: 52، 53] على إحدى طريقتين في حكاية القول إذا كان في المقول ضمير القائل أو ضمير الآمر بالقول، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربِّي وربّكم ﴾ في سورة العقود (117)، وقد عدل عن طريقة الغيبة، التي جرى عليها الكلام من قوله: ﴿ ما حرم ربكم ﴾ [الأنعام: 151] لِغرض الإيماء إلى عصمة هذا الصّراط من الزلل، لأنّ كونه صراط الله يكفي في إفادة أنَّه موصل إلى النّجاح، فلذلك صحّ تفريع الأمر باتِّباعه على مجرّد كونه صراط الله.

ويجوز عود الياء إلى النّبيء المأمور بالقول، إلاّ أنّ هذا يستدعي بناء التّفريع بالأمر باتّباعه على ادّعاء أنَّه واضح الاستقامة، وإلاّ فإنّ كونه طريق النّبيء لا يقتضي تسبّب الأمر باتَّباعه عنه بالنّسبة إلى المخاطبين المكذّبين.

وقوله: ﴿ مستقيماً ﴾ حال من اسم الإشارة، وحسَّن وقوعه حالاً أنّ الإشارة بنيت على ادّعاء أنَّه مشاهد، فيقتضي أنَّه مستحضر في الذّهن بمجمل كلياته وما جرّبوه منه وعرفوه، وأنّ ذلك يريهم أنَّه في حال الاستقامة كأنَّه أمر محسوس، ولذلك كثر مجيء الحال من اسم الإشارة نحو: ﴿ وهذا بعلي شيخاً ﴾ [هود: 72] ولم يأتوا به خبراً.

والسُبُل: الطّرق، ووقوعها هنا في مقابلة الصّراط المستقيم يدلّ على صفة محذوفة، أي السّبل المتفرّقة غير المستقيمة، وهي التي يسمّونها: بُنيات الطّريق، وهي طرق تتشعّب من السبيل الجادّة ذاهبة، يسلكها بعض المارّه فرادى إلى بيوتهم أو مراعيهم فلا تبلغ إلى بلد ولا إلى حَيّ، ولا يستطيع السّيرَ فيها إلاّ مَن عَقَلها واعتادها، فلذلك سبب عن النّهي قوله: ﴿ فتفرق بكم عن سبيله ﴾ ، أي فإنَّها طرق متفرّقة فهي تجعل سالكها متفرّقاً عن السّبيل الجادّة، وليس ذلك لأنّ السّبيل اسم للطّريق الضيقة غير الموصّلة، فإنّ السّبيل يرادف الصّراط ألا ترى إلى قوله: ﴿ قل هذه سبيلي ﴾ [يوسف: 108]، بل لأنّ المقابلة والإخبار عنها بالتَّفرق دلّ على أنّ المراد سبُل خاصّة موصوفة بغير الاستقامة.

والباء في قوله: ﴿ بكم ﴾ للمصاحبة: أي فتتفرّق السّبل مصاحبة لكم، أي تتفرّقون مع تفرّقها، وهذه المصاحبة المجازية تجعل الباء بمنزلة همزة التّعدية كما قاله النّحاة، في نحو: ذَهَبْتُ بزيد، أنَّه بمعنى أذهبته، فيكون المعنى فتُفَرّقَكُم عن سبيله، أي لا تلاقون سبيلَه.

والضّمير المضاف إليه في: ﴿ سبيله ﴾ يعود إلى الله تعالى بقرينة المقام، فإذا كان ضمير المتكلّم في قوله: ﴿ صراطي ﴾ عائداً لله كان في ضمير ﴿ سبيله ﴾ التفاتاً عن سبيلي.

روى النّسائي في «سننه»، وأحمد، والدارمي في «مسنديهما»، والحاكم في «المستدرك»، عن عبد الله بن مسعود، قال: خطّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطّاً ثمّ قال: " هذا سبيل الله، ثم خطّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله (أي عن يمين الخطّ المخطوط أوّلاً وعن شماله) ثمّ قال: «هذه سُبُل على كلّ سبيل منها شيطانٌ يدعو إليها " ثمّ قرأ: ﴿ وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبعوه ولا تتَّبعوا السّبل فتَتَفَرّق بكم عن سبيله ﴾ .

وروى أحمد، وابن ماجة، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله قال: " كنّا عند النّبيء صلى الله عليه وسلم فخطّ خطّاً وخَطّ خطَّين عن يمينه وخَطّ خطيَّن عن يساره ثمّ وضع يده في الخطّ الأوْسط (أي الذي بين الخطوط الأخرى) فقال: هذه سبيل الله، ثم تَلاَ هذه الآية: ﴿ وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ﴾ وما وقع في الرّواية الأولى (وخَطّ خطوطاً) هو باعتبار مجموع ما على اليمين والشّمال " وهذا رسمه على سبيل التّقريب: وقوله: ﴿ ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ﴾ تذييل تكرير لمِثْليه السّابقين، فالإشارة ب ﴿ ذلكمْ ﴾ إلى الصّراط، والوصاية به معناها الوصاية بما يحتوي عليه.

وجعل الرّجاء للتّقوى لأنّ هذه السّبيل تحتوي على ترك المحرّمات، وتزيد بما تحتوي عليه من فعل الصّالحات، فإذا اتَّبعها السّالك فقد صار من المتّقين أي الذين اتَّصفوا بالتَّقوى بمعناها الشّرعي كقوله تعالى: ﴿ هدى للمتّقين ﴾ [البقرة: 2].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ إنَّما خَصَّ مالَ اليَتِيمِ بِالذِّكْرِ وإنْ كانَ مالُ غَيْرِهِ في التَّحْرِيمِ بِمَثابَتِهِ، لِأنَّ الطَّمَعَ فِيهِ لِقِلَّةِ مَراعِيهِ أقْوى، فَكانَ بِالذِّكْرِ أوْلى.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: حِفْظُ مالِهِ عَلَيْهِ إلى أنْ يَكْبُرَ لِيَتَسَلَّمَهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ هو التِّجارَةُ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: هو ألّا يَأْخُذَ مِنَ الرِّبْحِ إذا اتَّجَرَ لَهُ بِالمالِ شَيْئًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: هو أنْ يَأْكُلَ الوَلِيُّ بِالمَعْرُوفِ مِن مالِهِ إنِ افْتَقَرَ، ويَتْرُكَ إنِ اسْتَغْنى، ولا يَتَعَدّى مِنَ الأكْلِ إلى اللِّباسِ ولا غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ الَّتِي هي أحْسَنُ: حِفْظُ أُصُولِهِ وتَثْمِيرُ فُرُوعِهِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ﴾ والأشُدُّ القُوَّةُ والشَّبابُ.

وَفي حَدِّها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الحُلُمُ حِينَ تُكْتَبُ لَهُ الحَسَناتُ وعَلَيْهِ السَّيِّئاتُ، قالَهُ رَبِيعَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومالِكٌ.

والثّانِي: أنَّ الأشُدَّ ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ الأشُدَّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ نَذْكُرُها مِن بَعْدُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ﴾ يَعْنِي بِالعَدْلِ، أُمِرَ في مالِ البائِعِ مِن تَأْدِيَةٍ بِمِثْلِ ما أُمِرَ بِهِ في مالِ اليَتِيمِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَمّا كانَ العَدْلُ في الوَزْنِ والكَيْلِ مُسْتَحَقًّا، وكانَ تَحْدِيدُ أقَلِّ القَلِيلِ مُتَعَذِّرًا، كانَ ذَلِكَ عَفْوًا، لِأنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُسْعِ فَلَمْ يُكَلِّفْهُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: إذا حَكَمْتُمْ فَأنْصِفُوا.

الثّانِي: إذا شَهِدْتُمْ فاصْدُقُوا.

الثّالِثُ: إذا تَوَسَّطْتُمْ فَلا تَمِيلُوا.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ عَهْدَ اللَّهِ كُلُّ ما أوْجَبَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ مِن نَذْرٍ وغَيْرِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ الحَلِفُ بِاللَّهِ أنْ يَلْزَمَ الوَفاءُ بِهِ إلّا في مَعْصِيَةٍ.

﴿ ذَلِكم وصّاكم بِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى الَّذِينَ هادُوا وما أوْصاهم بِهِ في التَّوْراةِ.

والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى المُسْلِمِينَ وما وصّاهم بِهِ في القُرْآنِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُرْآنُ.

والثّانِي: الشَّرْعُ وسُمِّيَ ذَلِكَ صِراطًا، والصِّراطُ هو الطَّرِيقُ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ فَصارَ طَرِيقًا إلَيْها.

﴿ فاتَّبِعُوهُ ﴾ يَعْنِي في العَمَلِ بِهِ.

﴿ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما تَقَدَّمَ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ نَسَخَها بِالقُرْآنِ، وهو مُحْتَمَلٌ.

والثّانِي: ما تَقَدَّمَ مِنَ الأدْيانِ المُتَقَدِّمَةِ نَسَخَها بِالإسْلامِ وهو مُحْتَمَلٌ.

والثّالِثُ: البِدَعُ والشُّبُهاتُ.

﴿ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ يَعْنِي عَنْ طَرِيقِ دِينِهِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنْ يَكُونَ سَبِيلُهُ نُصْرَةَ دِينِهِ وجِهادَ أعْدائِهِ، فَنَهى عَنِ التَّفَرُّقِ وأمَرَ بِالِاجْتِماعِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ﴾ قال: اعلموا انما السبيل سبيل واحد جماعة الهدى ومصيره الجنة، وأن إبليس اشترع سبلاً متفرقة جماعها الضلالة ومصيرها النار.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده، ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيماً، ثم خط خطوطاً عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ ﴿ وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ﴾ » .

وأخرج أحمد وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله قال: «كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطاً هكذا أمامه فقال: هذا سبيل الله، وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال: هذا سبيل الشيطان.

ثم وضع يده في الخط الأوسط وتلا ﴿ وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه...

﴾ الآية» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جبير وابن مردويه عن ابن مسعود «أن رجلاً سأله ما الصراط المستقيم؟

قال: تركنا محمد صلى الله وعليه وسلم في أدناه وطرفه الجنة وعن يمينه جواد وعن شماله جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط المستقيم انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود ﴿ وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا تتبعوا السبيل ﴾ قال: الظلالات.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تتبعوا السبل ﴾ قال: البدع والشبهات.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا ﴾ الآية، قال الفراء: (تفتح (أن) من وقوع (أتل) [الأنعام: 151] عليها يعني: وأتل عليكم ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا ﴾ قال: وإن شئت جعلتها خفضًا يريد: ﴿ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ  ﴾ وبأن (١) (٢) ﴿ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ﴾ كقوله ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) في فِتَيةٍ كسيُوفِ الهند قد علمُوا ...

أَنْ هالِكٌ ..............

(٨) أي: قد علموا أنه هالك.

قال: والفاء التي في قوله (فاتبعوا) مثل الفاء التي في قولك: يزيد فامرر، ومن كسر (إن) استأنف بها، والفاء (٩) (١٠) ﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ  ﴾ في هذه السورة.

قال ابن عباس في قوله: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا ﴾ (يريد: ديني دين الحنيفية أقوم الأديان وأحسنها) (١١) وقال مقاتل: (الذي ذكر في هذه الآيات (١٢) ﴿ صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ﴾ ) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ﴾ قال ابن عباس: (اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأوثان) (١٤) (١٥) (١٦) ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ﴾ (يعني: البدع والشبهات) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ قال ابن عباس: (فتضل (١٩) (٢٠) ﴿ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ في الكتاب ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ السبل) (٢١) ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ : (كي تخافوا) (٢٢) (٢٣) (١) في" معاني الفراء" 1/ 364 ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي ﴾ وفيه أيضًا قال: (تكسر إن إذا نويت الاستئناف) اهـ.

وانظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 646، و"القطع" للنحاس 1/ 243، و"التبيان" ص 364، و"الفريد" 2/ 251، و"الدر المصون" 5/ 224.

(٢) في (ش): (فقيا من قول).

(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: (وأن هذه) بفتح الهمزة وتشديد النون، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالكسر وتشديد النون، وقرأ ابن عامر بالفتح وتخفيف النون.

انظر: "السبعة" ص 446، و"المبسوط" 262.

(٤) لفظ: ﴿ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ ساقط من (ش)، وانظر: القراءة في "السبعة" ص 656، و"المبسوط" 383.

(٥) "الكتاب" 3/ 126 - 127، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 592.

(٦) قرأ ابن عامر بفتح الهمزة وتخفيف النون، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة وتشديد النون، وقرأ الباقون بفتح الهمزة وتشديد النون.

انظر: "السبعة" ص 273، و"المبسوط" ص 176 - 177، و"التذكرة" 2/ 413، و"التيسير" ص 108، و"النشر" 2/ 266.

(٧) لفظ: (هاهنا) ساقط من (ش).

(٨) ديوانه ص 147، وعجزه: أن هالك كل من يحفى وينتعل.

وقد سبق تخريجه.

(٩) كذا في النسخ، وهو يريد الفاء في قوله: (فاتبعوه)، ويعني بقوله: والفاء في قوله، أي: الفاء على قول من قال بالقول الثاني.

وفي "الحجة" لأبي علي 3/ 437 (والفاء في قوله، (فاتبعوه) على قوله عاطفة جملة على جملة، وعلى القول الأول زيادة) اهـ.

(١٠) انظر: "الحجة" 3/ 436 - 437، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 395، و"إعراب القراءات" 1/ 173، و"الحجة" لابن خالويه ص 152، ولابن رنجلة ص 277، و"الكشف" 1/ 457، و"المشكل" 1/ 277، و"البيان" 1/ 349.

(١١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 142، ولم أقف عليه عند غيره.

(١٢) في "ش" (الآية).

(١٣) "تفسير مقاتل" 1/ 597.

(١٤) "تنوير المقباس" 2/ 74، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 142، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 88، وابن أبي حاتم 5/ 1422 بسند ضعيف عن ابن عباس، قال: (لا تتبعوا الضلالات) ا.

هـ (١٥) بُنيّاتُ الطريق، بضم الباء وفتح النون والياء المشددة: الطُّرف الصغار تتشعب من العبادة، وهي الترهات.

انظر: "اللسان" 1/ 408 (بني).

(١٦) لم أقف عليه، وأخرج الطبري في تفسيره 8/ 88 بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله) اهـ.

(١٧) "تفسير مجاهد" 1/ 227، وأخرجه الطبري في (تفسيره) 8/ 88، وابن أبي حاتم 5/ 1422 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 106، وفي "تفسير مجاهد" زيادة لفظ (والضلالات).

(١٨) "تفسير مقاتل" 1/ 597.

(١٩) في (ش): (فيضل) بالياء.

(٢٠) في "تنوير المقباس" 2/ 74 نحوه.

(٢١) لم أقف عليه، وهو في "الوسيط" 1/ 142 بدون نسبة، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1422 بسند جيد عن مجاهد في قوله: (لعلكم تتقون) قال: (لعلكم تطيعوا) اهـ.

(٢٢) لم أقف عليه، قال أهل العلم: (هذه آية عظيمة أمر الله تعالى فيها باتباع سبيله، وحذر من اتباع السبل، وهي تعم سائر أهل الملل والبدع والضلالات والأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد).

أفاده ابن عطية في "تفسيره" 5/ 400، والقرطبي 7/ 137 - 138، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 213.

(٢٣) أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 87، وابن أبي حاتم 4/ 1414، والحاكم و"صححه" 2/ 288 و2/ 317 عن ابن عباس قال: (من الآيات المحكمات قوله: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا  ﴾ ).

وأخرج ابن الضريس في "فضائل القرآن" ص 94 - 95 بسند جيد عن كعب الأحبار قال: (أول ما نزل من التوراة عشر آيات من آخر الأنعام: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ ...

إلى آخر السورة) ا.

هـ، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 103.

وقال أبو الليث السمرقندي في تفسيره 1/ 523: (ويقال: هذه الآيات هن أم == الكتاب، وهن إمام في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ولا يجوز أن يرد عليها النسخ) اهـ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيماً ﴾ الإشارة بهذا إلى ما تقدم من الوصايا أو إلى جميع الشريعة، وأن بفتح الهمزة والتشديد عطف على ما تقدم أو مفعول من أجله: أي فاتبعوه لأن هذا صراطي مستقيماً، وقرئ بالكسر على الاستئناف، وبالفتح والتخفيف على العطف، وهي على هذا مخففة من الثقيلة ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل ﴾ الطرق المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية وغيرها من الأديان الباطلة، ويدخل فيه أيضاً البدع والهواء المضلة، وفي الحديث: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطا، ثم قال هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال هذه كلها سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» ﴿ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ أي تفرقكم عن سبيل الله والفعل مستقبل حذفت منه تاء المضارعة ولذلك شدده أبو الحسن أحمد بن محمد البزي.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تذكرون ﴾ بتخفيف الذال حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد فحذفوا إحدى التاءين.

الباقون: بالتشديد لأجل إدغام تاء التفعل في الذال ﴿ وأن هذا ﴾ بسكون النون.

ابن عامر ويعقوب ﴿ وإن هذا ﴾ بكسر الهمزة وتشديد النون: حمزة وعلي وخلف، الباقون: ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ صراطي ﴾ بفتح الياء: ابن عامر والأعشى والبرجمي ﴿ فتفرق ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ أن يأتيهم ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في النحل: علي وحمزة وخلف.

الباقون: بالتاء الفوقانية.

﴿ فارقوا ﴾ وكذلك في الروم: حمزة وعلي الباقون ﴿ فرقوا ﴾ بالتشديد ﴿ عشر ﴾ بالتنوين ﴿ أمثالها ﴾ بالرفع: يعقوب.

الباقون بالإضافة ﴿ ربي إلي ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع، ﴿ قيماً ﴾ بكسر القاف وفتح الياء: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.

الباقون: بالعكس مع تشديد الباء.

﴿ محياي ﴾ بالسكون ﴿ مماتي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بالعكس.

﴿ وأنا أوّل ﴾ بالمد: نافع وأبو جعفر.

الوقوف: ﴿ شيئاً ﴾ ط للحذف أي وأحسنوا بالوالدين ﴿ إحساناً ﴾ ج لابتداء النهي مع احتمال العطف أي وأن لا تقتلوا، ﴿ من إملاق ﴾ ط.

﴿ وإياهم ﴾ ج للعطف مع العارض.

﴿ وما بطن ﴾ ط للفصل بين الحكمين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالحق ﴾ ط لانتهاء بيان الأحكام إلى توكيد الإيصاء للأحكام ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ج للفصل بين الحكمين ﴿ بالقسط ﴾ ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ ذا قربى ﴾ ج لتناهي جواب "إذا" وتقدّم مفعول ﴿ أوفوا ﴾ ﴿ تذكرون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ وإن هذا ﴾ بالكسر.

﴿ فاتبعوه ﴾ ج للفصل بين النقيضين معنى مع الاتفاق نظماً.

﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه لا لأن التقدير فاتبعوه لئلا تقولوا ﴿ من قبلنا ﴾ ص.

﴿ لغافلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ أهدى منهم ﴾ ج للفاء مع أن "قد" لتوكيد الابتداء.

﴿ ورحمة ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ وصدف عنها ﴾ ط ﴿ يصدفون ﴾ ه ﴿ بعض آيات ربك ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ منتظرون ﴾ ه ﴿ في شيء ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ أمثالها ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ج لاحتمال أن ﴿ دينا ﴾ نصب على البدل من محل ﴿ إلى صراط ﴾ أو على الإغراء أي الزموا.

﴿ حنيفاً ﴾ ج لابتداء النفي مع اتحاد المعنى ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا.

﴿ لا شريك له ﴾ ج ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار ﴿ إلا عليها ﴾ ج لتفصيل الأمرين على التهويل مع اتفاق الجملتين ﴿ أخرى ﴾ ج لأنّ "ثم" لترتيب الإخبار مع اتحاد المقصود ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ آتاكم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ز للتفصيل بين تحذير وتبشير والوصل للعطف أوضح ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير: لما بين فساد ما يقوله الكفار في باب التحليل والتحريم أتبعه البيان الشافي في الباب فقال: ﴿ قل تعالوا ﴾ وهو من الخاص الذي صار عاماً لأن أصله أن يقوله من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه.

و "ما" في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ إما منصوب بفعل التلاوة أي أتل الذي حرمه ربكم فالعائد محذوف.

وقوله: ﴿ عليكم ﴾ يكون متعلقاً بـ ﴿ أتل ﴾ أوبـ ﴿ حرم ﴾ وإما منصوب بـ ﴿ حرم ﴾ على أن "ما" استفهامية فلا راجع.

والمعنى أقل أي شيء حرم لأن التلاوة نوع من القول وتقديم المفعول للتخصيص.

فإن قيل: قوله ﴿ أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ﴾ كالتفصيل لما أجمله في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ فيلزم أن يكون ترك الشرك والإحسان إلى الوالدين محرماً.

فالجواب أن المراد من التحريم البيان المضبوط، أو الكلام تم عند قوله: ﴿ ما حرم ربكم ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ عليكم أن لا تشركوا ﴾ أو "أن" مفسرة أي ذلك التحريم هو قوله: ﴿ لا تشركوا ﴾ وهذا في النواهي واضح، وأما الأوامر فيعلم بالقرينة أن التحريم راجع إلى أضدادها وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان وترك العدل في القول ونكث عهد الله.

ولا يجوز أن يجعل "أن" ناصبة وإلا لزم عطف الطلب أعني الامر على الخبر.

واعلم أنه  بيّن فرق المشركين في هذه السورة أحسن بيان، وذلك أن منهم من يجعل الأصنام شركاء لله  فأشار إليهم بقوله: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة  ﴾ ومنهم عبدة الكواكب الذين أبطل قولهم بقوله: ﴿ لا أحب الآفلين  ﴾ ومنهم القائلون بيزدان واهرمن ومنهم الذين يقولون الملائكة بنات الله والمسيح ابن الله وزيف معتقدهم بقوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم  ﴾ ثم عمم النهي بقوله: ﴿ لا تشكروا به شيئاً ﴾ ثم حث على إحسان الوالدين وكفى به خصلة شريفة أن جعله تالياً لتوحيده.

ثم أوجب رعاية حقوق الأولاد بعد رعاية حقوق الوالدين.

ومعنى ﴿ من إملاق ﴾ أي من خوف الفقر كما صرح بذلك في الآية الأخرى ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق  ﴾ كانوا يدفنون البنات أحياء بعضهم للغيرة وبعضهم لخوف الإملاق وهو السبب الغالب فلذلك أزيل الوهم بقوله: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ فكما يجب على الوالد الاتكال في رزق نفسه على الله فكذا القول في حال الولد، قال شمر: أملق لازم ومعتد.

أملق الرجل إذا افتقر، وأملق الدهر ما عنده إذا أفسده.

وإنما قال ههنا: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ وقال في  بالعكس لأن التقدير في الآية من إملاق بكم نحن نرزقكم وإياهم، وهناك زيدت الخشية التي تتعلق بالمستقبل فالتقدير خشية إملاق يقع بهم نحن نزرقهم وإياكم، ثم نهى عن قربان الفواحش كلها.

ومعنى ما ظهر منها وما بطن كما مر في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه  ﴾ وفيه أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله  وامتثال أمره ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس.

ثم أفرز من جملة الفواحش قتل النفس المحرمة تنبيهاً على فظاعتها ولما نيط بها من الاستثناء وهو قوله ﴿ إلا بالحق ﴾ وذلك أن قتل النفس المحرمة قد يكون حقاً لجرم صدر عنها كما جاء في الحديث " لا يحل دم امرىءٍ مسلم إلا لإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق" وينخرط في سلكه جزاء قاطع الطريق.

والحاصل أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا يثبت إلا لأمر منفصل.

ثم لما بيّن النواهي الخمسة أتبعه الكلام الذي يقرب إلى القلوب القبول فقال: ﴿ ذلكم وصاكم ﴾ لما في لفظ التوصية من الرأفة والاستعطاف.

ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا.

ثم ذكر أربعة أنواع أخر من التكاليف وذلك قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتم إلا بالتي ﴾ أي بالخصلة أو الطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي السعي في تثميره وإنمائه ورعاية وجوه الغبطة لأجله كما مر في أول سورة النساء ﴿ حتى يبلغ أشده ﴾ أي احفظوا ماله إلى هذه الغاية أي أوان الاحتلام ولكن بشرط أن يؤنس منه الرشد.

قال الفراء: واحد الأشد شدته في القياس ولم يسمع.

وقال أبو الهيثم: الواحد شدّة كأنعم في نعمة، والشدّة القوّة ومنه قولهم: "بلغ الغلام شدّته" وقيل: إنه واحد جاء على بناء الجمع كآنك ولا نظير لهما ﴿ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ﴾ بالعدل والسوية.

وإيفاء الكيل إتمامه خلاف البخس.

وقوله: ﴿ والميزان ﴾ أي الوزن بالميزان.

فإن قيل: إيفاء الكيل والوزن هو عين القسط فما فائدة التكرار؟

قلنا: أمر الله المعطى بإيفاء إيتاء ذي الحق حقه من غير نقصان وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة.

ثم قال: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ليعلم أن الواجب هو القدر الممكن من العدالة والسوية لا التحقيق المؤدي إلى الحرج والعسر.

فزعمت المعتزلة ههنا أن هذا القدر من التضييق حيث لم يجوزه الله  فكيف يكلف الكافر الإيمان مع أنه لا قدرة له عليه أو يخلق القدرة الموجبة للكفر والداعية المقتضية له ثم ينهاه عنه وعورض بالعلم والداعي كما تقدّم مراراً ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ﴾ المقول له أو عليه ﴿ ذا قربى ﴾ حمله المفسرون على أداء الشهادة وعلى الأمر والنهي والأولى أن يحمل على الأقوال كلها ويدخل فيه قول الرجل في الدعاء إلى الدين.

وتقرير الدلائل عليه بأن يذكر الدليل مخلصاً عن الحشو ومبرأ عن النقص ومجرداً عن العصبية والجدال على مقتضى الهوى والتشهي، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذا الحكاية الرواية والرسالة.

وحكم الحاكم بحيث يستوي فيه بين القريب والبعيد ولا ينظر إلا إلى رضا الله، وختم الأوامر بقوله: ﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ كما قال: ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ ويندرج في هذه الخاتمة بالحقيقة جميع الأنواع المذكورة ﴿ وإن هذا صراطي ﴾ من قرأ بالفتح والتخفيف فبإعماله في ضمير الشأن والتقدير: تعالوا أتل ما حرم وأتل أنه هذا صراطي، وكذا فيمن قرأ بالتشديد وبالفتح إلا أن ضمير الشأن لا يقدر.

وإن شئت جعلتها خفضاً متعلقاً بما قبله أي ذلكم وصاكم به وبأن هذا، أو بما بعده والتقدير وبأن هذا صراطي مستقيماً ﴿ فاتبعوه ﴾ ومن كسر فلأن التلاوة في معنى القول أو على الاستئناف والمعنى اتبعوا صراطي أنه مستقيم ﴿ ولا تتبعوا السبل ﴾ المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات ﴿ فتفرق بكم ﴾ الباء للتعدية أي فيفرقكم ذلك الأتباع ﴿ عن سبيله ﴾ المستقيم وهو دين الإسلام.

وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله أنه خط خطاً ثم قال: هذا سبيل الرشد.

ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية.

فهذه الآية بالحقيقة إجمال لما في الآيتين المتقدمتين ولهذا ختمها بالتقوى التي هي ملاك العمل وخير الزاد وختم الأولى بقوله ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لأنها أمور ظاهرة جلية يكفي في تعقلها أدنى مسكة وعقل، وختم الثانية بقوله: ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ لأن المذكور فيها أمور خفية تحتاج إلى التدبر والتذكر حتى يقف فيها على موضع الاعتدال.

أو نقول: الأمور الخمسة المذكورة في الآية الأولى كلها عظام جسام وكانت الوصية بها من أبلغ الوصايا فختم الآية بما في الإنسان من أشرف السجايا وهو العقل الذي امتاز به الإنسان عن سائر الحيوان، وأما المذكورة في الثانية فأشياء يقبح تعاطيها وارتكابها وكانت الوصية بها تجري مجرى الزجر والوعظ فختمها بقوله: ﴿ تذكرون ﴾ أي تتعظون بمواعظ الله  .

قوله: ﴿ ثم آتينا موسى الكتاب ﴾ معطوف على ﴿ وصاكم ﴾ فسئل كيف صح عطفه عليه بثم والإيتاء قبل الوصية بدهر طويل؟

وأجيب بأن التكاليف التسعة المذكورة تكاليف لا تختلف بحسب اختلاف الشرائع كما روي عن ابن عباس أن هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، وقيل: إنهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار، وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة.

وأما الشرائع التي كانت التوراة مختصة بها فهي إنما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب المبارك.

وقيل: إن في الآية حذفاً تقديره: ثم قل يا محمد صلى الله عليه وآله إنا آتينا.

والمعنى اتل ما أوحي إليك ثم اتل عيلهم خبر ما آتينا موسى.

وقيل: هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله: ﴿ ووهبنا له إسحق ويعقوب  ﴾ وقوله: ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ مفعول له أي لتتم نعمتنا على الذي أحسن أي على من كان محسناً صالحاً، أو المراد إتمام للنعمة والكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وكل ما أمر به، أو تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته أي زيادة على علمه.

وقرىء ﴿ أحسن ﴾ بالرفع أي على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه ﴿ وتفصيلاً لكل شيء ﴾ فيدخل في ذلك بيان نبوة رسولنا صلى الله عليه وآله وصحة دينه وشرعه ﴿ وهدى ﴾ دلالة ﴿ ورحمة ﴾ لكي يؤمنوا بلقاء ما وعدهم ربهم به من ثواب وعقاب ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ لا شك أنه القرآن ﴿ مبارك ﴾ كثير الخير والنفع أو ثابت لا يتطرق إليه النسخ كما في الكتابين ﴿ فاتبعوه واتقوا ﴾ لكي ترحموا لأن الغرض من التقوى رحمة الله  ، أو اتقوا لترحموا جزاء على التقوى، أو اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة.

قال الفراء قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ مفعول ﴿ واتقوا ﴾ وقال الكسائي: التقدير: إنا أنزلناه لئلا تقولوا.

وقال البصريون: إنا أنزلناه كراهة أن تقولوا والخطاب لأهل مكة ﴿ إنما أنزل الكتاب ﴾ أي التوراة والإنجيل ﴿ على طائفتين من قبلنا ﴾ اليهود والنصارى ﴿ وإن كنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام في ﴿ لغافلين ﴾ هي الفارقة بينها وبين النافية والأصل وإنه كنا ومعنى الدراسة القراءة.

وإنما قالوا: ﴿ لكنا أهدى منهم ﴾ لحدة أذهانهم وكثرة حفظهم لأيام العرب ووقائعها وخطبها وأشعارها وأمثالها مع كونهم أميين قطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم.

ثم قال: ﴿ فقد جاءكم ﴾ أي إن صدقتم أن عدم إنزال الكتاب يصلح للعذر وأنه لو أنزل عليكم الكتاب لكنتم أهدى منهم فقد جاءكم ﴿ بينة من ربكم ﴾ فيما يعلم سمعاً ﴿ وهدى ﴾ فيما يعلم سمعاً وعقلاً ﴿ ورحمة ﴾ من الله في إصلاح المعاش والمعاد ﴿ فمن أظلم ﴾ بعد هذه المعجزات والبينات ﴿ ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ﴾ أي منع غيره منها لأن الأول ضلال والثاني إضلال، ثم ختم الآية بأشد الوعيد وأبلغ التهديد ثم ذكر أنهم بعد نصب الأدلة وإزاحة العذر لا يؤمنون ألبتة، وشرح أحوالاً توجب المبادرة إلى الإيمان والتوبة فقال: ﴿ هل ينظرون ﴾ أي ينتظرون ومعنى الاستفهام النفي وتقدير الآية أنهم لا يؤمنون بك إلا عند مجيء أحد هذه الأمور: مجيء الملائكة، أو مجيء الرب ويعني به عذابه وبأسه كما سلف في البقرة، أو مجيء المعجزات القاهرة.

قال في الكشاف: الملائكة ملائكة الموت أو ملائكة العذاب ومجيء الرب مجيء كل آية، ثم قال: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ وأجمعوا على أن المراد بهذه الآية علامات القيامة.

عن البراء بن عازب قال: كنا نتذاكر أمر الساعة إذا أشرف النبي صلى الله عليه وآله فقال: "أتتذاكرون الساعة؟

إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأرض وخسفاً بالمشرق وخسفاً بالمغرب وخسفاً بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى وناراً تخرج من عدن" والمراد أنه إذا بدت أشراط الساعة ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، ولا نفساً ما كسبت في إيمانها خيراً.

ثم أوعدهم بقوله ﴿ قل انتظروا إنا منتظرون ﴾ ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: ﴿ إن الذين فارقوا دينهم ﴾ أو فرقوا ومعنى القراءتين في الحقيقة واحد لأن الذي فرق دينه بمعنى أنه أقر ببعض وكفر ببعض فقد فارقه أي تركه.

قال ابن عباس: يريد أن المشركين بعضهم يعبدون الملائكة ويقولون إنهم بنات الله، وبعضهم يعبدون الأصنام ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فصاروا شيعاً أي فرقاً وإخواناً في الضلالة.

والشيعة كل فرقة تشيع إماماً لها.

وقال مجاهد وقتادة: هم اليهود والنصارى تفرقوا فرقاً وكفر بعضهم بعضاً وأخذوا بعضاً وتركوا بعضاً كقوله: ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  ﴾ وعن مجاهد أيضاً أنهم من هذه الأمة وهم أهل البدع والشبهات وفي الحديث "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية - وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة.

وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلها في الهاوية إلا واحدة" ﴿ لست منهم في شيء ﴾ أي إنك بعيد من أقوالهم ومذاهبهم والعقاب اللازم على تلك الأباطيل مقصور عليهم لا يتعداهم إليك.

وقال السدي: معناه لم تؤمر بقتالهم فلما أمر بقتالهم نسخ.

ويحتمل أن يقال: إن النهي عن القتال في وقت لا ينافي الأمر في وقت آخر فلا نسخ ﴿ إنما أمرهم إلى الله ﴾ بالاستئصال والإهلاك ﴿ ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ﴾ وفيه من الوعيد ما فيه.

وفي الآية حث على أن كلمة المسلمين يجب أن تكون واحدة ليستأهلوا الثواب الجزيل كما قال: ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ هي لا إله إلا الله والسيئة الشرك.

والأولى حملها على العموم ﴿ فله عشر أمثالها ﴾ أقام صفة الجنس المميز مقام الموصوف تقديره: عشر حسنات أمثالها كقراءة من قرأ ﴿ عشر أمثالها ﴾ بالرفع والتنوين، قيل: هذا أقل الموعود وقد وعد سبعمائة وبغير حساب.

وقيل: ليس المراد التحديد بل أراد الأضعاف مطلقاً كقول القائل: لئن أسديت إليّ معروفاً لأكافئنك بعشرة أمثاله.

وفي الوعيد لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشراً.

روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وآله قال عن الله تعالى: "الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره" وقال صلى الله عليه وآله يقول الله  : " إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة وإن لم يعملها فإن عملها فعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فسيئة" ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ أي لا ينقص من ثواب طاعاتهم ولا يزاد على عقاب سيآتهم.

أسؤلة: ما الحكمة في الأضعاف؟

جوابه كان للأمم أعمار طويلة وطاعات كثيرة فوضع الله لهذه الأمة ليلة القدر خيراً من ألف شهر وأضعاف الأعمال ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة  ﴾ ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب  ﴾ وأيضاً لو أن الخصماء يتعلقون بهم يوم القيامة فيذهبون بأعمالهم إلى أن تبقى الأضعاف فيقول الله أضعافهم ليست من فعلهم هي من رحمتي فلا أقتص منهم أبداً.

آخر: كيف يوجب الكفر عقاب الأبد؟

جوابه أن الكافر كان على عزم الكفر لو عاش أبداً فاستحق العقاب الأبدي بناء على ذلك الاعتقاد بخلاف المسلم المذنب فإنه يكون على عزم الإقلاع فلا جرم تكون عقوبته منقطعة، وأيضاً الذي جهله الكافر وهو ذات القديم  وصفاته شيء لا نهاية له فيكون جهله لا يتناهى فكذا عقابه.

آخر: إعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلاً عن صيام ستين يوماً وهو في كفارة الظهار وتارة بدلاً عن صيام أيام قلائل.

آخر: أحدث في رأس إنسان موضحتين فوجب أرشان فإن عاد ورفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة فههنا ازدادت الجناية وقل العقاب.

آخر: قد يجتمع بسبب أطراف تبان ولطائف تزال ديات متعددة إذا حصل الاندمال، وقد ترتقي إلى نيف وعشرين.

الأذنان أو إبطال حسهما، العينان أو البصر، الأجفان، المارن،الشفتان، اللسان أو النطق، الأسنان، اللحيان، اليدان، الذكر والأنثيان، الحلمتان، الشفران، الإليتان، الرجلان، العقل، السمع، الشم، الصوت، الذوق، الإمناء أو الإحبال، إبطال لذة الجماع، إبطال لذة الطعام، الإفضاء، البطش، المشي.

وقد تضاف إليها موجبات الجوائف والمواضح وسائر الشجات.

فإن عاد الجاني قبل الاندمال وحز الرقبة أوقده بنصفين لم يجب إلاّ دية النفس، وكل ذلك يدل على أن رعاية المماثلة غير معتبرة في الشرع.

والجواب عن الأسئلة الثلاثة أن هذه الأمور من تعبدات الشرع المطهر وتحكماته فلا سبيل بعقولنا إليها.

ويمكن أن يجاب عن الثالث بأن بدل الأطراف لما لم يستقر بالاندمال دخل في دية النفس لعسر ضبط ذلك والجزاء الحقيقي موكول إلى يوم الجزاء والله أعلم.

قال أهل السنة: كل الثواب تفضل من الله  فلا إشكال.

وقالت المعتزلة: إن بين الثواب والتفضل فرقاً لأن الثواب هو المنفعة المتسحقة والتفضل هو المنفعة التي لا تكون مستحقة.

ثم اختلفوا فقال الجبائي: العشرة تفضل والثواب غيرها إذ لو كان الواحد ثواباً والتسعة تفضلاً لزم أن يكون الثواب دون التفضل فلا يكون للتكليف فائدة.

وقال آخرون: لا يبعد أن يكون الواحد ثواباًً إلا أنه يكون أعلى شأناً من التسعة الباقية.

ثم لما علم رسوله صلى الله عليه وآله أنواع الدلائل والرد على أصناف المشركين وبالغ في تقرير إثبات القضاء والقدر وردّ على أهل الجاهلية أباطيلهم أمره بأن يقول: ﴿ إنني هداني ربي ﴾ ليعلم أن الهداية لا تحصل إلا بالله عز وجل.

﴿ وقيماً ﴾ "فيعل" من قام كسيد من ساد.

ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى أنه مصدر بمعنى القيام كالصغر والكبر وصف به للمبالغة و ﴿ ملة إبراهيم ﴾ عطف بيان و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من إبراهيم أو من الملة، والمعنى هداني وعرفني ملة إبراهيم حال كونه أو كونها موصوفاً بالحنيفية.

ثم قال في صفة إبراهيم: ﴿ وما كان من المشركين ﴾ رداً على من زعم عليه شيئاً من ذلك.

ثم كما عرفه الدين القويم والطريق المستقيم علمه كيف يصنع به ويؤديه فقال: ﴿ قل إن صلاتي ونسكي ﴾ أي عبادتي وتقربي إليه كما روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة.

وقيل: للمتعبد ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث.

وقيل: المراد بالنسك ههنا الذبائح جمع بين الصلاة والذبح كما في قوله: ﴿ فصل لربك وانحر  ﴾ وقيل: صلاتي وحجي أخذاً من مناسك الحج.

﴿ ومحياي ومماتي ﴾ أي حياتي وموتي مصدران ميميان.

وقال في الكشاف: المراد وما آتيه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح.

وفيه أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت بل لا بد أن يكون جيمع حركات المرء وسكناته لله رب العالمين ﴿ وبذلك ﴾ من الإخلاص ﴿ أمرت وأنا أول المسلمين ﴾ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته.

وقال في التفسير الكبير: إنه  أمر رسوله أن يبين أن صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته كلها واقعة بخلق الله  وتقديره وقضائه، وحكمه وذلك أن المحيا والممات بخلق الله فكذا الصلاة والنسك وبذلك من التوحيد أمرت، ثم لما أمر نبيه بالتوحيد المحض أمره أن يذكر ما يجري مجرى الدليل عليه فقال: ﴿ قل أغير الله أبغي رباً ﴾ وتقريره أن طوائف المشركين من عبدة الأصنام والكواكب ومن اليهود والنصارى والوثنية كلهم معترفون بأن الله  خالق الكل فكأنه  قال: قل يا محمد منكراً أغير الله أطلب رباً مع أن هؤلاء الذين اتخذوا من دونه آلهة مقرون بأنه خالق تلك الأشياء ولا يدخل في العقل جعل المربوب والعبد شريكاً للرب والمولى.

وبوجه آخر الموجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، وقد ثبت أن الواجب لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته فهو إذن رب كل شيء، وصريح العقل شاهد بأن المربوب لا يكون شريكاً للرب فلا يختص إذن بالربوبية غيره.

ثم لما بين الدليل القاطع على التوحيد ذكر أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب فقال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ ومعناه أن إثم الجاني عليه لا على غيره ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم نفس أخرى وهذا كالرد لقولهم: ﴿ اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم  ﴾ ثم بين أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم هناك إلا الله  فقال: ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾ ثم ختم السورة ببيان حال المبدإ والوسط والمعاد على سبيل الإجمال فقال ﴿ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ﴾ قيل: الخطاب لبني آدم لأنه جعلهم بحيث يخلف بعضهم بعضاً.

وقيل: لأمة محمد صلى الله عليه وآله لأنه خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم، وقيل: لخواص الأمة الذين هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها بالحق كقوله: ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس  ﴾ ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في الشرف والعقل والجاه والمال والرزق لا للعجز والبخل ولكن لأجل شبه الابتلاء والامتحان، ولظهور الموفر من المقصر وتميز المطيع من العاصي حسب ما تقتضيه الحكمة والعدالة والتدبير والتقدير.

ثم وصف نفسه بالقدرة الكاملة على إيصال العقاب وإيفاء الثواب فقال ﴿ إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ﴾ فأدخل اللام في قرينة الترغيب وأسقطها عن قرينة الترهيب ترجيحاً لجانب الرحمة والغفران فإن اللطف والرحمة تفيض عنه بالذات والقهر والتعذيب يصدر عنه بالعرض لأن ذلك من ضروريات الملك ولهذا قال "سبقت رحمتي غضبي" وإنما وصف العقاب بالسرعة لأن كل ما هو آت قريب.

وإنما لم يسقط اللام عن قرينة العقاب في سورة الأعراف في قصة أصحاب السبت لأن ذلك قد ورد عقيب ذكر المسخ فناسب التأكيد باللام، وإنما أخر قرينة الرحمة في الموضعين ليقع ختم الكلام على المغفرة والرحمة فيكون أدل على كمال رأفته ووفور إحسانه.

التأويل: ﴿ من إملاق ﴾ فيه ترك التوكل على الله وعدم الثقة بالله ﴿ وأوفوا الكيل ﴾ أوفوا بكيل العمر وميزان الشرع حقوق الربوبية واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد حظوظ العبودية من الألوهية.

﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ بأن لا تعبدوا ولا تحبوا ولا تروا إلا إياه ﴿ وإن هذا صراطي مستقيماً ﴾ إشارة إلى أن الصراط المستقيم الحقيقي إلى الله  هو صراط محمد  ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ أي على من أحسن من أمتك إسلامه.

وفيه أن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء كانت تتمة للدين الحنيفي الذي هو الإسلام، ولهذا أمر بأن يقتدى بالأنبياء ليجمع بين هداه وهداهم.

ويحتمل أن يراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وآله والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ﴿ أنزلناه مبارك ﴾ وبركته أنه أنزل على قلبه فكان خلقه القرآن ﴿ فقد جاءكم بينة ﴾ ما يبين لكم طريق السير إلى الله ومهدي ما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاء في الكتابين ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ عياناً وتسوقيهم إلى الله قهراً والجاء ﴿ أو يأتي ربك ﴾ إليهم إذ لم يأتوا إليه في متابعتك ﴿ قل انتظروا ﴾ للمستحيلات ﴿ إنا منتظرون ﴾ للميعاد في المعاد ﴿ إن الذين فارقوا ﴾ الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان ﴿ وكانوا شيعاً ﴾ فرقاً مختلفة من المبتدعة والزنادقة والمتزيدة رياء وسمعة وعلماء السوء وملحدة المتفلسفة ﴿ لست منهم في شيء ﴾ لأنك على الحق وهم على الباطل وبينهما تضاد إنما أمرهم إلى الله في بدء الخلقة وقسم الاستعداد كما شاء ﴿ ثم ينبئهم ﴾ يوم الجزاء بما يستحقه كل منهم ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ قبل ذلك حتى يقدر على الإتيان بتلك الحسنة وهي حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد حيث خلقه في أحسن تقويم، وحسنة التربية وحسنة الرزق وحسنة بعثة الرسل وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات من السيئات، وحسنة التوفيق للحسنة وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات ﴿ ومن جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها ﴾ لأن السيئة بذر يزرع في أرض النفس والنفس خبيثة لأنها أمارة بالسوء، والحسنة بذر يزرع في أرض القلب والقلب طيب ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً  ﴾ والتحقيق أنه كما للأعداد ثلاث مراتب الآحاد والعشرات والمئات وبعد ذلك تكون الألوف إلى حيث لا يتناهى، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس والقلب والروح والسر.

فالعمل الواحد في مرتبة النفس أي إذا صدر عنها يكون واحداً، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها، وفي مرتبة الروح يكون بمائة، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى، وهذا سر ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت جزاء الحسنات والله  أعلم ورسوله.

﴿ قل إنني هداني ربي ﴾ من أسفل سافلين القالب بجذبه العناية الأزلية ﴿ ونسكي ﴾ أي سيري على منهاج "الصلاة معراج المؤمن" ﴿ ومحياي ﴾ أي حياة قلبي وروحي ﴿ ومماتي ﴾ أي موت نفسي لطلب ﴿ رب العالمين ﴾ والوصول إليه ﴿ وأنا أول ﴾ المستسلمين عند الإيجاد لأمر "كن" كما قال: "أول ما خلق الله نوري".

﴿ قل أغير الله ﴾ كيف أطلب غير الله وهو حبيبي والمحب لا يطلب إلا الحبيب وإذا هو رب كل شيء فيكون ما له لي، وإن طلبت غيره دونه يكون ذلك الغير علي لا لي كما قال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ لأن النفس أمارة بالسوء والسوء عليها لا لها ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ فإن كان القلب سليماً من كدورات صفات النفس باقياً على ما جبل عليه من حب الله  وطلبه لا يؤاخذ بمعاملة النفس ولا يتألم بعذابها وإنما تكون النفس فقط مأخوذة بوزرها معاقبة بما هي أهله، وإن كان القلب منقلب الحال وأزاغه الله  بإصبع القهر إلى محاذاة النفس فتصدأ مرآة القلب بصفات النفس وأخلاقها فيتبع النفس وهواها فيزول عنه الصفاء والطهارة والسلامة والذكر والفكر والتوحيد والإيمان والتوكل والصدق والإخلاص ورعاية وظائف العبودية فيكون مأخوذاً بوزره لا بوزر غيره ﴿ وهو الذي جعل ﴾ كل واحد من بني آدم وقته خليفة ربه في الأرض.

وسر الخلافة أن صوره على صفات نفسه حياً قيوماً سميعاً بصيراً عالماً قادراً مريداً متكلماً ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في استعداد الخلافة ﴿ ليبلوكم ﴾ ليظهر من المتخلق بأخلاقه منكم القائم به وبأوامره في العباد والبلاد، ومن الذي رجع القهقرى إلى صفات البهائم وأبطل الاستعداد للخلافة بالختم والطبع والحبس في سجين الطبيعة ﴿ لغفور رحيم ﴾ لمن وفقه لمرضاته ورفع درجاته الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ  ﴾ يقول: تعالوا أقرأ عليكم ما حرم ربكم، وأبين لكم ما حرم بحجة وبرهان، وأن ما حرمتم أنتم حرمتم تقليداً منكم لآبائكم، أو حرمتم بهوى أنفسكم، لا حرمتم بأمر أو حجة وبرهان.

ثم بين الذي حرم عليهم فقال: ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ .

الشرك حرام بالعقل، ويلزم كل من عقل التوحيد ومعرفة الرب؛ لما كان منه من تركيب الصور وتقويمها بأحسن صور يرون ويعرفون أنه لم يصورها أحد سواه، ولا قومها، ولا يشركه آخر في ذلك، وما كان منه إليكم من أنواع الإحسان والأيادي، فكيف تشركون غيره في ألوهيته وربوبيته؟!

فذلك حرام بالعقل والسمع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ .

يخرج على وجهين: أحدهما: على الوقف والقطع على قوله: ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ ، والابتداء من قوله: ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ ؛ كأنه لما قال: ﴿ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ .، فقالوا: أي شيء الذي حرم علينا ربنا؟

فقال: ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ .

والوجه الآخر: على الوصل بالأول، ولكن على طرح "لا"؛ فيكون كأنه قال: حرم ربكم عليكم أن تشركوا به شيئاً، وحرف "لا" قد يطرح ويزاد في الكلام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ .

أي: برّاً بهما.

فإن قيل: قال -  -: ﴿ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وهاهنا يأمر بالإحسان إليهما، ولم يذكر المحرم؟

قيل: في الأمر بالإحسان إليهما تحريم ترك الإحسان؛ فكأنه قال: حرم عليكم ترك الإحسان إلى الوالدين، وفرض عليكم برهما والإحسان إليهما.

ثم فيه: إنكم تعرفون بالعقل أن الإحسان [إلى الوالدين واجب، والإساءة إليهما حرام عليكم، ولم يكن منهما إليكم من الإحسان أكثر ممّا كان من الله إليكم]، فكيف تختارون الإساءة إلى الله والإشراك في عبادته غيره، ولا تختارون الإساءة إلى الوالدين؟!

بل تختارون الإحسان إليهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ ﴾ .

إنهم كانوا يقتلون أولادهم خشية الفقر والفاقة، فهو مما حرم عليهم، وهذا يدل على أن الحظر في حال لا يوجب الإباحة في حال أخرى؛ لأنه قال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  ﴾ ليس فيه إباحة القتل إذا لم يكن هنالك خشية الإملاق، لكن ذكر هذا؛ لأنهم [إنما] كانوا يقتلون في ذلك الحال، ففي ذلك خرج النهي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾ .

أي: على ما يخرج لكم من الزرع والثمار، [والنبات] فرزقكم من ذلك، فعلى ذلك يرزق أولادكم مما يخرج من الأرض من النبات والزروع والثمار، فلا تقتلوهم، فإذا لم تقتلوا أنفسكم خشية الفقر والفاقة، كيف تقتلون أولادكم لذلك؟

فالذي يرزقكم هو الذي يرزق أولادكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ﴾ ، أي: لا تواقعوها.

ويحتمل: لا تدنوا منها، ولكن اجعلوا بينكم وبين الفواحش المحرمات حجاباً من الحلال، وهكذا الحق على المسلم ألا يدنو من الحرام، ويجعل بينه وبين ذلك حجاباً وستراً من الحلال.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ : قيل: الفواحش: الزنا، ما ظهر منها: المخالطة باللسان، والمجالسة معهن، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ : فعل الزنا نفسه؛ كانوا يجتمعون، ويجالسونهن، ولكن لا يجامعونهن بين أيدي الناس، ثم إذا خلوا بهن زنوا بهن.

وقيل: كانوا يزنون بالحرائر سرّاً، وبالإماء ظاهراً؛ فحرم ذلك عليهم.

وقيل: ﴿ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : نكاح الأمهات، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ : هو الزنى، وكان نكاح الأمهات [ظاهراً]، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير،  ما.

وقيل: الفواحش: المحرمات جملتها، فما ظهر منها: فيما بينهم وبين الخلق، وما بطن: فيما بينهم وبين الله  .

وقيل: ﴿ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : ما يكون بالجوارح، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ : ما يكون بالقلب.

وعن مجاهد قال: ﴿ مَا ظَهَرَ ﴾ : الجمع بن الأختين، وتزوج الرجل امرأة أبيه وما بطن منها: الزنى، وما حرم أيضاً.

ويحتمل قوله: ﴿ مَا ظَهَرَ ﴾ : ما يرى غيرُهُ ويبصر، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ : ما يكون بالعين والقلب؛ على ما روي عن رسول الله  أنه قال: "العينان تزنيان، واليدان تزنيان" وما بطن: يكون زنى العين والقلب؛ لأنه لا يعلمه غير الناظر، والله أعلم؛ فيصير كأنه ذكر التحريم في كل حرف من ذلك، أي: حرم عليكم الشرك، وحرم عليكم ترك الإحسان إلى الوالدين، وحرم قتل الأنفس إلا بالحق؛ فيصير كأنه ذكر التحريم في كل من ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قيل: بالحق: إذا ارتد يقتل به، وفي القصاص، وفي الزنى إذا كان محصناً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ .

﴿ ذٰلِكُمْ ﴾ يعني: المحرمات التي ذكر ﴿ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ اختلف فيه: قيل: ﴿ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ : فرض عليكم.

وقيل: ﴿ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ : أمركم به.

وقيل: ﴿ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ : بين لكم المحرم.

وكله يرجع إلى واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أنه لم يحرم إلا ما ذكر ولم يحرم ما حرمتم أنتم من الأنعام وغيرها.

و ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أي: لكي تنتفعوا بعقولكم.

أو نقول: إن ذلكم وصاكم به لتعقلوا؛ لأن حرف "لعل" من الله على الوجوب، أي يعقلون عن الله بما خاطبهم به وأمرهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ .

قال أبو بكر الكيساني: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ ﴾ ؛ أي: لا تأكلوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.

وقال: ثم اختلف في الوجه الذي يحسن: قال بعضهم: هو أن يعمل له فيأكل من ماله أجراً لعملِهِ.

وقال آخرون: يأكله قرضاً، وذلك مما اختلفوا فيه.

وقال غيرهم: هو أن ينتفع بدوابه، ويستخدم جواريه، ونحو ذلك، وقال: وذلك مما لا يحتمل تأويل الآية.

وعندنا أن الآية باحتمال هذا أولى؛ لما يقع لهم الضرورة في استخدام مماليكه، وركوب دوابه، والانتفاع بذلك؛ لما يقع لهم المخالطة بأموال اليتامى؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ  ﴾ فإذا كان لهم المخالطة، لا يسلمون عن الانتفاع بما ذكرنا.

وقال الحسن: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، أي: إلا بالوجه الذي جعل له، والوجه الذي جعل له هو أن يكون فقيراً، وهو ممن يفرض نفقته في ماله، فله أن يقرب ماله، وعندهم أن نفقة المحارم تفرض في مال اليتيم إذا كانوا فقراء، فبان أن جعل له التناول في ماله، وإن كان لا يفرض نفقته في ماله.

ثم الآية تحتمل وجهين عندنا: أحدهما: ألا تقربوا مال اليتيم إلا بالحفظ والتعاهد له، أمر كافل اليتيم أن يحفظ ماله ويتعاهده.

والثاني: يقرب ماله بطلب الزيادة له والنماء؛ ولذلك قال أبو حنيفة -  - بأنه يجوز لكافل اليتيم إذا كان وصيّاً أن يقرب ماله بيعاً إذا كان ذلك خيراً لليتيم؛ إذا وقع له الفضل، وطلب له الزيادة والنماء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ .

قال أبو بكر: قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ أي: حتى يبلغ الوقت الذي يتولى أموره؛ كقوله: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً...

 ﴾ الآية.

وقال غيره من أهل التأويل: الأشد: ثمانية عشر سنة.

ويشبه أن يكون الأشد هو الإدراك، [أي] حتى يدركوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ يشبه أن يكون قوله: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ في اليتامى أيضاً، أمر أن يوفوا لهم الكيل والميزان، ونهاهم ألا يوفوا لهم على ما نهاهم عن قربان مالهم إلا بالتي هي أحسن، وكذلك قوله: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ﴾ ، أمكن أن يكون هذا في اليتامى أيضاً، أي: إذا قلتم قولا لليتامى، فاعدلوا في ذلك القول، وإن كان ذا قربى منكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ﴾ .

أي: بعهد الله الذي عهد إليكم في اليتامى، أوفوا بقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً  ﴾ وغير ذلك؛ أوفوا بما عهد إليكم فيهم.

ويحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ : في اليتامى وفي غيرهم في كل الناس، وهو لوجهين: أحدهما: أن في ترك الإيفاء اكتساب الضرر على الناس، ومنع حقوقهم، فأمر بإيفاء ذلك كقوله: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ  ﴾ .

والثاني: للربا؛ لأنه لزم مثله كيلا في الذمة، فإذا لم يوفه حقه وأعطاه دونه، صار ذلك الفضل له ربا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: لا نكلف أحداً ما في تكليفنا إياه تلفه، وإن كان يجوز له تكليف ما في التكليف تلفه؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 66]، وعلى ما أمر [من] بني إسرائيل بقتل أنفسهم.

والثاني: لا نكلف أحداً ما في تكليفنا إياه منعه؛ نحو: من يؤمر بشيء لم يجعل له الوصول إلى ذلك أبداً، ويجوز أن يؤمر بأمر وإن لم يكن له سبب ذلك الأمر بعد أن يجعل لهم الوصول إلى ذلك السبب؛ نحو: من يؤمر بالصلاة وإن لم يكن معه سبب ذلك وهو الطهارة، ونحو: من يؤمر بالحج بقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً  ﴾ ، هذا يدل على أن من جعل في وسعه الوصول إلى شيء، يجوز أن يكلف على ذلك، ويصير باشتغاله بغيره مضيعاً أمره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: هذا في الشهادة؛ كقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ...

﴾ الآية [النساء: 135].

ويحتمل قوله: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ ﴾ : كل قول، والقول أحق أن يحفظ فيه العدالة من الفعل؛ لأنه به تظهر الحكمة من السفه، والحق من الباطل؛ فهو أولى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ﴾ أي: بعهد الله الذي عهد إليكم في التحليل والتحريم، والأمر والنهي، وغير ذلك.

﴿ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .

ذكر - هاهنا - ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ ، وفي الآية الأولى: ﴿ تَعْقِلُونَ ﴾ ، وفي الآية الأخيرة: ﴿ تَتَّقُونَ  ﴾ إذا عقلوا تفكروا واتعظوا، وعرفوا ما يصلح وما لا يصلح [ثم اتقوا المحرمات وما لا يصلح].

أو ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ ، أي: تتعظون بما وعظكم به وزجركم عنه، وتعقلون مهالككم وتتقون محارمكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ  ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا ﴾ الذي ذكر في هذه الآيات من أمره ونهيه، وتحريمه وتحليله ﴿ صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ ﴾ على ما قاله أهل التأويل: إنها آيات محكمات، لم ينسخهن شيء في جميع الكتب، وهنّ محرمات على بني آدم كلهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ﴾ : الذي دعا إليه الرسل من كل شيء هو صراطي مستقيماً ﴿ فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ ﴾ ؛ لأن الرسل يدعون إلى ما يدعون بالحجج والبراهين.

ويحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ﴾ أصل الدين، ووحدانية الله، وإخلاص الأنفس له على غير إشراك في عبادته وألوهيته، وأن يكون قوله: وأن الذي جاء به محمد  أو الذي ذكر في القرآن، وإلا ذكر هذا ولم يشر إلى شيء بعينه، فيحتمل ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .

أمر - عز وجل - باتباع ما ذكر من الصراط المستقيم، ونهى عن اتباع السبل؛ لأن غيره من الأديان المختلفة والأهواء المتشتتة لا حجة عليها ولا برهان، وما ذكر من الصراط المستقيم هو دين بحجة وبرهان، لا كغيره من الأديان، وإن كان يدعي كلٌّ مِنْ ذلك أن الذي هو عليه دين الله وسبيله.

﴿ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .

المحرمات والمناهي والمعاصي التي ذكر في هذه [الآية، أو لعلكم] تتقون السبل والأديان المختلفة.

وأصله: أن السبيل المطلق: سبيل الله، والدين المطلق: دين الله، والكتاب المطلق: كتاب الله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وحَرَّم عليكم أن تتبعوا سُبُل الضلال وطرقه، بل يجب عليكم اتباع طريق الله المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وطرق الضلال تؤدي بكم إلى التفرق والبعد عن طريق الحق، ذلك الاتباع لطريق الله المستقيم هو الذي وصَّاكم الله به؛ رجاء أن تتَّقوه بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه.

<div class="verse-tafsir" id="91.1mv7l"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله